٧٢٥- وكتب أبو اسحاق الصابي إلى بعض إخوانه: وقد سألتني عن الفرق بين المترسل والشاعر، وكنت سألتني- أدام الله عزّك- عن السبب في أنّ أكثر المترسلين البلغاء لا يفلقون في الشعر، وأنّ أكثر الشعراء الفحول لا يجيدون في الترسّل. فأجبتك بقول مجمل، ووعدتك بشرح له مفصّل، وأنا فاعل ذلك بمشيئة الله فأقول: إنّ طريق الإحسان في منثور الكلام يخالف طريق الإحسان في منظومه، لأنّ أفخر الترسل هو ما وضح معناه، وأعطاك غرضه في أول وهلة سماعه، وأفخر الشعر ما غمض فلم يعط غرضه إلا بعد مماطلة منه لك، وعرض منك عليه. فلما صارت الإصابتان في الأمرين متراميتين على طريقين متباينين بعد على الفراغ أن تجمعهما، فشرّقت إلى هذا فرقة، وغرّبت إلى ذاك أخرى، ومال كلّ من الجميع إلى الجانب الموافق لطبعه. ثم ترتّبوا في المسافة بينهما، فكان الأفضل من أهل كل مذهب من وقع في الغاية أو قريبا منها، وجعل الوسط خاليا أو كالخالي لقلة عدد الواقعين فيه. فليس يكاد يوجد جامع بين الإحسانين إلا على شرط يزيد به الأمر تعذرا والعدد تنزرا، وهو أن يكون طبعه طائعا له، ممتدا معه، فإذا دعاه إلى التطرّف به إلى أحد الجانبين أطاعه وانقاد إليه، كابراهيم بن العباس الصولي وأبي علي البصير ومن جرى مجراهما؛ فهذا جواب مسألتك. وتبقى فيها زيادات وانفصالات لا بأس بإيرادها ليكون القول قد استغرق مداها، وتمت أولاه بأخراه؛ ذلك أنّ للسائل أن يقول: فمن أية جهة صار الأحسن في معاني الترسّل الوضوح وفي معاني الشعر الغموض؟
فالجواب أنّ الشعر بني على حدود مقرّرة وأوزان مقدّرة، وفصّل أبياتا كلّ واحد منها قائم بذاته وغير محتاج إلى غيره إلا ما يتفق أن يكون مضمنا بأخيه، وهو عيب فيه. فلما كان النفس لا يمكنه أن يمتدّ في البيت الواحد بأكثر من مقدار عروضه وضربه، وكلاهما قليل، احتاج إلى أن يكون الفضل في المعنى، فاعتمد أن يلطف ويدق، ليصير المفضي إليه والمطلّ عليه بمنزلة الفائز بذخيرة خافية استفادها، والظافر بخبيئة دفينة استخرجها واستنبطها. ثم إنّ للمتأمّل
стр. 2557
وقفات على أعجاز الأبيات، وقد وضعت لإدراك المعنى والفطنة للمغزى، وفي مثل ذلك تحسن خفايا الأثر وبعد المرمى. والترسّل مبنيّ على مخالفة هذه الطريقة ومعاكستها، إذ كان كلاما واحدا لا يتجزّأ ولا ينفصل إلا فصولا طوالا. وهو موضوع وضع ما يهذّ هذّا أو يقرأ متصلا، ويمر على أسماع شتى الأحوال: من خاصّة ورعية، وذوي أفهام ذكية وغبيّة. فإذا كان متسهّلا ومتسلسلا ساغ فيها وقرب إذنه في أفهامها، وتساوقت الألسن في تلاوته، والألباب في درايته.
فجميع ما يستحبّ في الأول يستكره في الثاني، وجميع ما يستحبّ في الثاني يستكره في الأول، حتى إن ما قدّمناه من عيب في التضمين في الشعر هو فضيلة في فصول الرسائل. ألا ترى أن حسنها ما كان متعلّقا بعضه ببعض، ومقتضيا تعطّفا من الهوادي على التوالي، وردّا من الأواخر على المبادي. فمتى خرج الشعر على سنن الابتداع والاختراع فكان ساذجا مغسولا، فقائله معيب غير مصيب، والترك له أدلّ على العقل وأولى بذوي الفضل. ومتى خرج الترسّل عن أن يكون جليّا سلسا تعثرت الأسماع في حزونته، وتحيّرت الأفهام في مسالكه، فأظلم مشرقه، وتكدّر رونقه، وكان صاحبه مستكره الطريقة، مستهجن الصناعة.
وقد بقيت في الباب زيادة أخرى: وهي الإخبار عن سبب قلة المترسلين وكثرة الشعراء، وعن العلّة في نباهة أولئك وخمول هؤلاء. فالجواب عن ذلك أنّ الشاعر إنما يصوغ قصيدته بيتا [بيتا] ، فهو يجمع قريحته وقدرته على كلّ بيت منها، فيقرّره ويبلغ إرادته منه، وله من الوزن والقافية قائد وسائق يقومان له بأكثر حدود الشعر، فكأنه إنما يحذوه على مثال، أو يفرغه في قالب مماثل.
والمترسّل يصوغ رسالته متّحدة متجمّعة، ويضمّها من أقطار متراخية متسعة، وربما أسهب حتى تستغرق الواحدة من رسائله أقدار القصائد الطوال الكثيرة.
هذا إلى ما يتعاطاه من فخامة الألفاظ اللائقة بأن يصدر مثلها عن السلطان وإليه، والتصرّف فيها على ضروب ما تتصرّف عليه أحوال الزّمان وعوارض الحدثان.
فلذلك صار وجود المضطلعين بجودة النثر أعزّ، وعددهم أنزر. فأما ارتفاع
стр. 2558
طبقتهم على تلك الطبقة، فإنّ المترسّلين إنما يترسّلون في جباية خراج، أو سدّ ثغر، أو عمارة بلاد، أو إصلاح فساد، أو تحريض على جهاد، أو احتجاج على فئة، أو مجادلة لملّة، أو دعاء إلى ألفة، أو نهي عن فرقة، أو تهنئة بغبطة، أو تعزية على رزيّة، أو ما شاكل ذلك من جلائل الخطوب ومعاظم الشؤون التي يحتاجون فيها أن يكونوا ذوي أدوات كثيرة، ومعرفة مفنّنة. وقد وسمتهم الكتابة بشرفها، وبوّأتهم منزلة رياستها، فأخطارهم عالية بحسب علوّ خطر ما يفيضون فيه ويذهبون إليه. والشعراء إنما أغراضهم التي يرتمون نحوها، وغاياتهم التي يجرون إليها، وصف الدّيار والآثار، والحنين إلى الأهواء والأوطار، والتشبيب بالنساء، والطلب والاجتداء، والمديح والهجاء. فليس يجرون مع أولئك في مضمار، ولا يقاربونهم في الاقتدار «١» . وهذا قول فيما أردناه إن شاء الله تعالى.
[٧٢٦]- وكتب أبو اسحاق الصابي من كتاب إلى رعية خرجت عن الطاعة:
أما بعد، أحسن الله توفيقكم؛ إنّ الشيطان لا يزال يكسو الخدع والشبهات سرابيل الحجج والبيّنات ليشعل بها الأحلام، ويستزلّ الأقدام، وتتّجه له المداخل على عقول ربما استضعفها «٢» ، ومال بها إلى موارد غوايتها، وأزلها عن سنن هدايتها، وأراها الحقّ محالا، والرّشد ضلالا، والخطأ إصابة، والخطل أصالة. بذلك جرت منه العادة، وقامت عليه الشهادة، واستحقّ أن تعصب به اللعنة، وتتوقّى منه الفتنة. وإذا كان ذلك كذلك، فحقيق على كلّ ناظر لنفسه، وحافظ لدينه، أن يتحرّز من الوقوع في أشراكه المبثوثة، وحبائله المنصوبة،
стр. 2559
وخطاطيفه الحجن التي تجتذب القلوب، وتغتال الألباب، وتورد الموارد التي لا صدر عنها، ولا انفكاك منها، وأن يتّهم هواجس فكره، ووساوس صدره، ويعرضها على نظره وفحصه، وتأمّله وبحثه.
ومنه: وقد علمتم- رعاكم الله «١» - أنّ هذا الشيطان اللعين نازغ لكم منذ حين، وأنكم على ثبج من خطّة فتنة قد برقت «٢» بوارقها، وزمجرت رواعدها، وجرّت الفرقة التي لا شيء أضرّ منها، ولا أنفع من تجنّبها، والنزوع عنها. قال الله تعالى، وهو أصدق القائلين، وأكرم المنعمين: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً، وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها
(آل عمران: ١٠٣) . ومن خالف آدابه وسننه فقد خسر دنياه وآخرته، وأضاع عاجلته وآجلته، وتبوّأ مقعده من النار، واستحقّها استحقاق الكفّار الأشرار، والله يهدي من يشاء ويضلّ من يشاء.
ومنه: وأمير المؤمنين يستعيذ بالله لنفسه ولكم من زلّة القدم، وعاقبة الندم، ويسأله أن يردّكم إلى الأولى ويلهمكم التقوى، ويصدف بكم عن المناهج الغويّة والموارد المخزية، بمنّه وحوله وطوله.
٧٢٧- وكتب عن نفسه إلى الصاحب ابن عباد: كتابي- أطال الله بقاء مولانا «٣» - عن حظّ من السلامة وافر، وظلّ من الكفاية ساتر، والحمد لله رب العالمين. وقد كنت فيما قبل أقلّ من مكاتبة مولانا إقلال المخلّ بحقّ يجب، والمقارف لذنب ينكر، وأسكن مع ذاك إلى أنّ معرفته الثّاقبة تستنبط عذري وإن غمض، ومعدلته الفائضة تمحّص ذنبي وإن ظهر. ومع تقابل فطنته وإشارتي، وتوارد صفحه ومعذرتي، فلا بأس بأن أوضح الأمر لغيره، ممّن عسى أن يكون خفي عنه لأسلم عليه من التعجب، سلامتي على مولانا الصاحب من التعتّب،
стр. 2560
وهو أنني كنت منذ سنين كثيرة مرميّا بعطلة، وموسوما بعزلة، فتخوّفت أن يتطرّق لبعض المنحرفين عني، والباغين عليّ، قول ربما تطرّق مثله على من نبا به زمانه، وهرّته أوطانه، فأكون قد أبديت لمراصده عن مقاتلي، ولمخاتله عن حزّ مفاصلي، فلزمت التقيّة، وكرهت الأذيّة، وانتظرت الإمكان، وتوقّعت دورة الزمان، وعلى ذاك فو الله- أطال الله بقاء مولانا «١» - ما فارقت منذ عرضت بيني وبينه الشّقّة، وأبعدتني عنه الشّقوة، ذكره وشكره، والثناء عليه والاعتداد به؛ وإنّ محاسن وجهه لنصب عيني، ومخارج لفظه حشو سمعي، ونوادر فضله جلّ أدبي، والإسناد عنه كنه فخري. هذا وإنما خدمته أيّام كانت رياسته سرّا في ضمير الزمان، ودينا في ضمان الأيام، فكيف لو رأيته آمرا ناهيا بين وسادتيه، ورأى خادما ماثلا بين يديه؟ وما يمكنني أن أهجو دهرا قصّر خطوتي عنه، وقد أعطاه من استحقاقه ما أعطى، ولا أن أمدحه وقد حرمني من جواره ما حرم.
فإن أوجبت له شكرا فلعظم بلائه عنده، وإن ألحقت به ذمّا فلاتّصال القواطع عنه، ولا سيما وإنما حماني عن ورود بحر زاخر، وحجبني عن ضياء بدر زاهر، ومنعني من بلال نوء ماطر، وأخرجني عن غمرة غيث قاطر، وحال بيني وبين من إليه الشكوى له، ومنه العدوى عليه، حتى خلا بي فأفرط ظلمه، وتحكّم فيّ فجار حكمه.
٧٢٨- وكتب إلى صديق له: وصل كتاب مولاي وفهمته. فأما ما شكاه من الشوق إليّ، فأحلف بالله إنه صادق فيه، مستغن عندي عن إقامة شاهد بما أجده من مثله. كيف لا يكون كذلك وقد أوحشنا الزمان من الإخوان، وأفردنا دون الأقران، فصار كلّ منّا بضاعة صاحبه المزجاة الواحدة، وذخيرته الشاذّة للشدة الفاردة. ومنذ فرق الدهر بين دارينا، فقد دانى بين قلبينا، وعرّفنا فضل صنيعه إلينا، بأن أبقانا من بين من أفنى، وأخّرنا عمّن مضى وأودى. وحياة
стр. 2561
مولاي- أطالها الله- ما تتعلّل عيني إلا بتصوّره، ولا قلبي إلا بتذكّره، ولا قطعت كتبي عنه إلا بنيّة واصلة له، ومودّة مواظبة عليه، ومخالصة لا ينقصها الإغباب، ولا يزيد فيها الإدمان. وأرجو أن يزول بنا دوران الزمان، وكرّات الليالي والأيّام، إلى اتصال حبل وانتظام شمل، واستقرار دار، وتداني جوار.
٧٢٩- وكتب عن قاضي القضاة محمد بن معروف إلى الوزير أبي منصور محمد بن الحسين:
الدنيا- أطال الله بقاء سيدنا الوزير- مذمومة ممّن تساعد، فضلا عمّن تعاند. وقد علم الله أنني لم أزل زاهدا فيها، ذاهبا عنها، أيام الإقبال والشبيبة، فكيف عند وشك الرحيل والمفارقة؟! ولو سلم الأحرار فيها من دواعي الحاجة، وعوارض الخلّة، لهانت عليهم مقاطعتها ومصارمتها، واستتبّ طريقهم إلى متاركتها ومفارقتها، وخاصة من كان مثلي في تداني المدى، وتقاصر الخطى، والتوجه إلى الدار الأخرى. لكنه لا بدّ فيها للمجتاز، وإن كان لابثا على أوفاز من مادة تسبل ستر التجمّل عليه، وتمنع من ظهور الخصاصة به. ولمولانا الملك عليّ نعم سوابغ، وأياد سوابق، وقد كان سبيلي أن أشتغل بشكرها، وأستمرّ على نشرها، والحديث بها، وأتوقّف عن استضافة غيرها إليها لولا المعذرة التي قدّمتها، والضرورة التي أومأت إليها، ومن تمام هذه النّعم أن يكون الوجه مصونا والقوت موجودا.
٧٣٠- وكتب عن ابن بقية إلى عضد الدولة: فأما اعتقاده- أطال الله بقاءه- حفظ الألفة، ودحض ما ألّم بها من الوحشة، فمشاكل لآرائه الصحيحة وأخلاقه السجيحة، ولما لم أزل أبعث وأحثّ عليه، وأدعو وأرشد إليه. وإذا كان هذا رأيه، وكان عند مولانا الأمير عزّ الدولة مثله، وكنت بينهما مسديا ملحما فيه، وباذلا وسعي في تقرير أواخيه، فما ينبغي أن تقعد بنا حال عن الجمع بين القول والفعل، والمساواة بين الشاهد والغائب، والمطابقة بين البادي والخافي. وأمّا اللزوم لسنن موالينا الماضين- ﵃ أجمعين- فمولانا
стр. 2562
أولى من حافظ عليها، وتمسّك بها، وكلّ من بعده من موال- أدام الله نعماءهم- فبهم يقتدى، وبآدابهم «١» يهتدى. وما يخالف في ذلك إلا من الحقّ خصمه، والحجة عليه، والله تعالى من وراء معونته إن انثنى وراجع، أو المعونة عليه إن أصرّ وتتايع. وهاهنا- أيّد الله مولانا- أحوال أخر، ودواع إلى اعتقاد هذه الألفة لو لم تسبق الوصيّة بها من القرن الخالف: فمنها أنّ الأدوات التي أدّت الماضين إلى تلك الآراء السديدة الرشيدة، هي في الغابرين الباقين- مدّ الله في أعمارهم- أوجد، وعليهم أحسن، وهم بأن يستأنفوها ويستقبلوها أولى من أن يتعلّموها ويتقيّلوها، لارتفاع العصابة التي مولانا وسيّدنا زعيمها، واللحمة التي هو كبيرها وعظيمها؛ ومنها أنّ انتشار التّظالم «٢» إن بدا- والعياذ بالله- لم يقف عند الحدّ الذي يقدّر أن يقف عنده، ولم يخصّ الجانب الذي يظنّ أنه يلحقه وحده، بل يدبّ دبيب النار في الهشيم، ويسري كما يسري النغل في الأديم. وكثيرا ما يعدي الصحاح مبارك الجرب، ويتخطى الأذى إلى المرتقى الصعب، في مثل ذلك «٣» ، وانعكاس المتحمّلات في مثل ذلك أقرب من استتبابها، والتواؤها أسرع من اعتدالها.
٧٣١- وكان أبو إسحاق الصابي محبوسا في دار المطهّر بن عبد الله، وصودر على مال أجحف به، وكان المطهر يراعي حاله، وكان معه ابناه محبوسين، ويخرج كلّ واحد منهما في نوبة له. واتّفق أنّ المطهّر تفقّد حال أبي إسحاق في مطعمه ومشربه، فأنكر خللا رآه، وضرب الطبّاخ ومنع المستخرج من مطالبته ببقيّة كانت عليه، وحال بينه وبين مخاطبته، وكان ذلك في نوبة ابنه الأصغر أبي عليّ المحسن، فكتب إليه:
стр. 2563
يا أبا عليّ، جعلني «١» الله فداك، عشنا بعدك ما شينا، وشبعنا وروينا، وأرخت السماء عزاليها، واثعنجرت بما فيها، فغمر الماء الزّبى، ونقع من الصّدى، ولبست الأرض قناعها الأخضر، ونضت شعارها الأغبر، وعاضنا الغضّ العميم من المصوّح الهشيم، وجزأنا الرّطب المخضوم من اليابس المقضوم، فعاشت العاملة والماشية، وهاجت الآبية الغاشية، وارتجعت روايا المطايا، ما أخذت منها المخارم والثنايا، مستردّة بمشافرها ما جذب البرى بمناخرها، سائمة بين الكثيف الكثّ، من الطّبّاق والشث، وسارحة في المناخ الفسيح، من القيصوم والشّيح، فنحن في سوابغ من النّعم، نرتع فيها رتعة النّعم، قد عزّ عندنا أن يستضاف [لدينا] ضيف كريم، واستغنى أن يرتضع لئيم، وأترعت الجفان وذما، واستحال القرم بشما وحالت البطنة دون الفطنة، ومنع الطعام دون تراجع الكلام، فلو أنّ قسّا بيننا لخرس، أو دغفلا لأبلس، وكأنّ الشاعر إنما أراد أحدنا بقوله: [من الطويل]
أتانا ولم يعدله سحبان وائل ... بيانا وعلما بالّذي هو قائل
فما زال عنه اللّقم حتّى كأنّه ... من العيّ لما أن تكلّم باقل
فهزيلنا بحمد الله سامن، وضئيلنا بإذن الله بادن، وأخلافنا دارّة، وغلّاتنا مترعة، ورياضنا مخصبة، وعرصاتنا معشبة، ومشاربنا متأقة، وأنهارنا متدفّقة، وأشجارنا مورقة مرجحنة، وأطيارنا مغرّدة، وريحنا رخاء، وعيشنا سرّاء، وزماننا ربيع كلّه، وليلنا سحر من أوّله، ونهارنا ضحى إلى آخره. وقد أخرجنا الله من شدّة إلى بلهنية، ومن ضغطة إلى رفاهية، ومن شقوة إلى سعادة، نأكل الطيّب المستمرأ بعد الخبيث «٢» المستوبأ، ونشرب البارد العذب، بعد الآجن الملح. وأدركتنا هزّة الرعاية، وأطّت بنا عند سلاطيننا- أطال الله بقاءهم-
стр. 2564
رحم الولاية، وأبدلنا من الاطّراح محافظة وعناية، ومن الإدالة صونا ووقاية، وحصلنا في ضيافة سيّدنا الأستاذ الكريمة، واستنقذنا من ملكة المستخرج السيئة اللئيمة، فها هو ذا يكذب دوننا إذا حمل، ويغني عنّا إذا نظر، ويتعزّل بيتنا تعزّل الأحوص بيت عاتكة، يرانا منه بنجوة، وكنّا له بالأمس طعمة، ويصرف أنيابه حسرة، وكنّا له قبل اليوم مضغة، ويهرّ على غيرنا مع الأحرار هريرا، ويملأ أسماعنا فيهم زئيرا، قد ذلّت لنا من بينهم صعبته، ولانت في أيدينا صعدته، وجار على عجمنا عوده، ومال على غمرنا عموده، فطرفه مغضوض، وإبهامه معضوض، ومنار عظمته مخفوض، ومبرم هيبته منقوض. قد شكل عنّا بشكال، ونشطنا على رغمه من عقال، فهو بالصغر باشّ بنا بعد اكفهرار، وهاشّ لنا بعد اقشعرار، ومتبسّم في وجوهنا بعد تجهم، ومقيّد ألفاظه عنا بعد تهجّم، ومتثعلب في مخاطبتنا بعد تقسور، ومصانع بعد تغشمر، وذلك ما ألبسناه الله من عزّ الرّضى وصلاح المنقلب والمفضى. والحمد لله ربّ العالمين، وإيّاه نسأل أن يبلغنا منتهى آمالنا، والغاية من اقتراحنا في هذه الدولة التي تقادمت فيها علائقنا، واستحكمت وثائقنا، ولم تزل نعمها متوقّعة مضمونة، ونقمها مصلحة مأمونة، ونحن الآن طلائح نكبة، وطرائح محنة، قد أوجب الله لنا فيها الثواب بعد العقاب، والجنّة بعد الحساب، والتعويض بعد التمحيص، والتأنيب بعد التخصيص، وبالله التوفيق.
٧٣٢- فأجابه أبو علي: وصلت رقعة سيّدي- أطال الله بقاءه- مبشّرة بالغيث الذي غمر الورى، وروّى الثرى، وبلغ الزبى، ونقع الصّدى، وحرش الضّباب، وأهاج الذئاب، وأسال التلاع، وملأ البقاع: [من البسيط]
فمن بمخلفه كمن بنجوته ... والمستكنّ كمن يمشي بقرواح
قد لبست الأرض أفخر حللها، وتحلّت بعد عطلها، وابتسمت عن نوّارها، وضحكت عن زوارها، وثقلت بعد خفّها، وتضوّعت عن نسيم عرفها، بالكلأ
стр. 2565
الذي طبّق البلاد، وعلا الوهاد، وعمّ السّهوب، وشفى القلوب، فالحاطب بطيء الأوبة، والقابس قرين الخيبة، قد جنّ ذبابه، ونعب غرابه، وسمنت حواشيه، وغزرت مواشيه، فكأنّ الثلج في مواطنها، والقطن المندوف بين معاطنها، يتطرف ولا يتنحّى، ويتتبع ولا يستقصى. قد أكثبها السّعدان، وأحسبها المكر والضّيمران، فما تبرح عن مأوى ولا تنزح عن طلب مرعى، قد ألقت رعاتها عصيّها، واستوقفت مضاجعها، وجعلت حبالها على غواربها، وأهملتها في مسارحها، فانداحت بطونها، وانبسطت غضونها، واستحشت أكرعها، واستحنت أضلعها، فكأنّ القائل لها وصف، وإيّاها عنى، في قوله:
[من الخفيف]
إبلي الإبل لا يحوّزها الرا ... عون مجّ النّدى عليها الغمام «١»
سمنت فاستحشّ أكرعها لا الن ... نيّ ولا السّنام سنام
وما ألبسه- أدام الله تأييده- من سوابغ النّعم، ومنحه من مطايب الطّعم، وأترع له من الجفان الرّذم، وشمله من أريحيّات الكرم، حتى كظّ البشم، وذهب القرم، وأودت الفطن، وعييت اللّسن، وصار قسّ في خطابته كباقل، إذ عيّ عن حسابه، ودغفل كبعض الأعراب وقد سئل عن النّضناض ففتح عن فيه، وأدار لسانه فيه، أو كأحمد بن هشام الذي استطرد القائل عليه بقوله «٢» : [من الطويل]
وصافية تعشي العيون رقيقة ... رهينة عام في الدّنان وعام
أدرنا بها الكأس الرّويّة بيننا «٣» ... من الليل حتى انجاب كلّ ظلام
стр. 2566
فما ذرّ قرن الشّمس حتّى كأنّنا ... من العيّ نحكي أحمد بن هشام
أو كأنا في إجابته التي بعد منها المرام، وتقاصرت دونها الأفهام، فهي كالسّماك في علوّه، والعيّوق في سموّه، تحرن في يد مقتادها، وتعزّ على مرتادها، محاولها مقهور، والسالك إليها حسير. وضربت معه- أدام الله تأييده- بالسهم الفائز، وأخذت بالنصيب الوافر، في كلّ ما عدّد ووصف، وأبان وعرف، من إطلال السّعود، وكبت الحسود، وانحسار النوائب، وإسعاف المطالب، وعود السلطان- أطال الله بقاءه- إلى ما يوجبه علاه، ويقتضيه إياه، من قديم الحرمة، وسالف الموالاة والخدمة، له، من المحافظة على الوليّ المخلص، والعبد المتحقّق، بعد التهذيب والتأديب، اللذين لم يعدوا الإصلاح ولم يتجاوزا الإرشاد؛ والحصول في كنف سيّدنا ومولانا الأستاذ الجليل- أطال الله بقاءه- الذي من تبوّأه سلم ونجا، ومن تنكّبه هلك وهوى؛ وضيافته التي وضحت سبلها، واشتهرت طرقها، وجواره العزيز الذي لا تستطيعه النوائب، ولا تتخوّنه الحوادث، والانقاذ من ملكة المستخرج، القصير النسب، الدقيق الحسب، الذي لا يراقب، ولا يخاف العواقب، ولا تدركه هزّة، ولا تعطفه أريحيّة، والخروج عن يده الكزّة الأصابع، القليلة المنافع، اللئيمة الظّفر، الكثيرة الضّرّ، التي لا مخلّص لمن وقع بين أناملها، ولا منتزع لمن نشب في مخالبها.
فالحمد لله الذي كفّها عنا بعد الانبساط، وقصرها «١» بعد الاشتطاط، وجعل مقلّها يكدمها دوننا عضّا، ويبدّلها بالبسط علينا قبضا، قد ذلّلته الهيبة، وقيّدته الطاعة، فأنس بعد نفاره، وعدل عن ازوراره، حمدا يقضى له الحق، ويؤدّى الفرض، ويمترى المزيد من النّعم، ويؤمّن نوازل النّقم؛ وإيّاه أسأل أن يجعل سيّدي في حماه الذي لا يرام، ويلحظه بعينه التي لا تنام، ويجريه على العادة، ولا يقطع عنه المادّة، بمنّه وقدرته.
стр. 2567
٧٣٣- لما قبض هلال بن بدر بن حسنويه على أبيه بدر، وقال الناس في ذلك ما شاءوا «١» ، فمن منكر لفعله مستفظع، ومن مصوّب له عاذر، سئل أبو الحسن عليّ بن نصر الكاتب إنشاء كتاب يبين فيه عن عذر هلال ويحسّن أثره، فكتب:
إنّ أولى ما استمع، وأحرى ما اقتفي واتبع، كتاب الله تعالى المنزل على قلب نبيّه صلّى الله عليه وعلى آله وسلم، وأزلف محلّه لديه إذ يقول ﷻ وصدق مقاله، مؤدّبا للخلق، وحاضّا على قول الحقّ، ومخوّفا من الإثم المكتسب، ومحذّرا من الوزر المحتقب: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ
(الحجرات: ١٢) ويقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً
(الأحزاب: ٧٠) ، فجعل التقوى له منوطة بالقول السّديد، والنّطق الرّشيد. فلا يجب لأحد من الخاصّة والعامّة، وجد الرّياء في خليقته، وشيئا باين طبعه وسليقته، أن يحكّم التّهم عليه، ويوجّه الظنن إليه، استنكارا لظاهره المستهجن، دون استشفاف باطنه المستحسن، لا سيما إن صدر من ذي رئاسة، وبصير بسياسة، قد لابس الخير والشرّ، ومارس النفع والضّرّ، وعلم كيف تصرّف الأمور، وتقلّب الأيّام والدهور. فإنّ لكلّ بدء خاتمة يورد عليها، وعاقبة يفضى إليها، ولربّ جميل انكشف عن القبيح غطاؤه، وقبيح انحسر عن الجميل غشاؤه، ولا يعلم الإنسان ما في المغيّب. وإنّ الله جلّ ثناؤه «٢» ، وتقدّست أسماؤه، جعل الإسلام دينا قيّما يهدي إليه من الجهالة، وطريقا مستقيما أوضح عليه الدّلالة، وسببا مبينا استنقذ به من الضّلالة، ختم به الأديان والملل، وحتّم أتباعه على كافّة الشرائع والنحل، وجعل العاجلة لمن جهل واضح «٣» حجّته، وعدل عن لائح محجته، وبغى الفساد فيه، وخالف أوامره
стр. 2568
ونواهيه، واستحلّ ما حرّم الله تعالى من أهليه، سفكا للدماء المحقونة، وهتكا للمحارم المصونة، وفتكا بالنفوس المحرّمة، ونهكا للأموال المجتمعة، سيفا يحصد شوكته، وحقّا يقصم شرّته، وخوفا يشرّد طمأنينته، وأصاره في الآجلة إلى نار تلظّى، لا يصلاها إلا الأشقى، الذي كذّب وتولّى. ثم وعد غير الراضي بفعله، والجاري في مذاهبه وسبله، جزاء الأسف والنّدامة، وردّاه برداء الخزي يوم القيامة، قال الله تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ، وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ
(آل عمران: ٨٥) ، وقال: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً
(النساء: ١١٥) . وخبّر نبيّه ﷺ بصورة المؤمنين وصفة المتّقين، فقال تعالى: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ
(المجادلة: ٢٢) . فحقّ لمن عقّ في الله أباه، وهجر في مرضاته زوجه وأخاه، وقطع في طاعته رحمه، وحادّ في ذاته عشيرته ولحمه، أن يلحقه بعباده الذين ارتضى فعلهم، وشكر سعيهم وعملهم، وأعدّ الجنّة ثوابا لهم، إذ كان ما يتكلّفه من هذه الحال التي تأباها الطّباع، وتنفر منها القلوب والأسماع، مبالغة في القربة إلى ربّه، وحرصا على تحصيل ثوابه وأجره.
ومنها: وإنّا لما وجدنا أبانا- هداه الله إلى الهدى وعدل به إلى السبيل المثلى- قد استمرّ على مزلقة مردية، ومدرجة مودية، مع تخلّق العمر، ونزول الأمر، ومشارفة حلول القبر، رأينا له الكفّ عن غربه أصلح، والتخفيف عن ذنبه أربح، وقصره عن استزادة السيّئات أكمل في برّه، وحصره عن الاستكثار من الموبقات أفضل في شكره، فقبضنا يده المبسوطة بالشّرّ، وكففنا سهامه المبثوثة بالضّرّ، وأخفناه على نفسه خيفة تردعه، وتلجمه وتزعه، عسى الله أن يهديه لرشده، ويردّه إلى سواء قصده، فيطفو من غمرته، ويصحو من سكرته، ويرجع إلى ربّه رجوع المضطر، وينزع نزوع الذي مسّه الضّرّ، ومعه بقيّة من
стр. 2569
عمره، يتدارك بها الفائت من أمره، بتوبة متحنّف ضاجّ، ودعوة متلهّف راج، فإنه تعالى يقول: ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ
(النحل: ٥٣) ، فنكون لحقّ تربيته قاضين، ولحرمة أبوّته حافظين، باجتذابنا إيّاه إلى مصلحته، واستلابنا له من ضلالته وفتنته، قبل فوت وقته ومدّته. ونسأل الله تعالى توفيقا لما قرّب منه، وأزلف عنده ولديه، وله- جلّ ثناؤه- الحمد الطويل، والشّكر الجزيل، على ما أنعم به علينا، وأزلّه من منحه إلينا، وسبّبه بتوفيقه لنا من إصلاح الفاسد، وردّ الحائد، وتقويم الزائل، وتعديل المائل، ورمّ الثّلم وزمّ الكلم، وإمرار حبل الدّين، ونظم شمل المسلمين، حمد من قدر منحته بقدرها، وعرف لها حقّ شكرها، وإليه الرغبة في الإمتاع بجميل الموهبة، وإلهام الصّبر على ما امتحنّا به من مكافحة شيخنا، في اتّباع دينه وكتابه، واجتناب جوالب سخطه وعقابه. فليعلم الخاصّ والعامّ ممّن انتهى إليه هذا الأثر، وقرىء عليه هذا الخبر، أنّ النّعمة إن لم تخصّه في ما فعلناه، فلم تبعده بمشاركة الكافة في ما أرغناه، ومساهمة الجماعة في ما آثرناه من مصالحهم وابتغيناه. فلينصف من نفسه، وليصرف عنها وساوس هجسه، وما يخطر لها من تخيّل أبنّا خلله، وأوضحنا بطوله وزلله، ليسرّ الطاعة في قلبه، وليظهرها في فعله ونطقه، يجد من الله هاديا رؤوفا، ومن سائسه راعيا عطوفا، ومن الرّشد طريقا مهيعا، ومن القصد سبيلا متّبعا، فإنّ الله مع المؤمنين، ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
٧٣٤- وعمل فصولا على ألسنة جماعة من المتقدّمين، عرضت على الوزير أبي العباس، فلما قبلت ومدحت كتب مقرّا بها فيما بعد:
الألفاظ- أطال الله بقاء الوزير- نتائج الأفكار «١» ، وحالّة من القلوب محلّ
стр. 2570
الأولاد: يكون منهم القرّة والعرّة، وبكليهما يقع الافتتان والمسرّة، وليس يصحّ لأحد علم جميلها من قبيحها، ومعرفة سقيمها من صحيحها، إلّا بأن يسلّط عليها ثواقب الأفهام، وجهابذة الكلام، ثم يتخلّى عنها، ويتبرّأ منها، ليسلم ذامها من المراقبة والمحاباة، ويبعد مما اصطلحت عليه الطّباع، واتفقت عليه الأسماع، من مقابلة ما يورده المتأخّر بالرّدّ، أمام التّصفّح له والنقد، واستشعاره تقصيره فيه، قبل تأمّل ألفاظه ومعانيه. فإنّ المحدث مظلوم، والمحدث خاصة مفهوم، وفي ذلك أخبار متعالمة، وأحاديث متعارفة متداولة. ولا عذر لمن شافهه من الوزير- أطال الله بقاءه- لسان البلاغة، وواجهه إنسان عين الفصاحة، وقوّمه شخص الكتابة، واستخدمه ملك الخطابة «١» ، ألّا يجري بالسّداد قلمه، والصواب كلمه؛ كما لا حرج عليه مع تشبّث الهموم بفكره، وتمكّنها من صدره، أن يكثر خطأه وخطله، ويتّصل عثاره وزلله. وكنت خدمته بفصول مختلفة المباني والأصول، تقلّبت فيها تقلّبي في إحسانه، ونشرت مطويّها نشري لإنعامه وامتنانه، ونحلت حملا منها من لا يتجمّل بملكه، وإن تحمّلت «٢» بانخراطها في نظمه وسلكه، متعمّدا بذلك ما قدّمته، معتقدا فيه ما قرّرته، وما أنشط الآن مع نفاقها في سوق مجده، ابتعاثها شرارة من زنده، لتركها، ومن لم يعرق في استنباطها جبينه، ولا درّ لاستخراجها وتينه، وأرجو أن لا يجلب هذا الإقرار تغييرا «٣» ، ولا يولّد على السنّة المألوفة نقيصة ولا تقصيرا.
وهذه ظلامة لا يسع العادل تركها، ولا يسوغ في النّصفة العدول عنها، وليس تجري المطالبة بها مجرى الرجوع في الهديّة، وإنما هو كاسترداد القرض والعاريّة. والله يحسن توفيقي لطاعته، ولا يسلبني حسن تثقيفه وهدايته، بمنّه وقدرته، وهو حسبي ونعم الوكيل.
стр. 2571
٧٣٥- وكتب إلى صديق له:
قد عرفت، أيها الأخ، الدّهر وتبدّله، والزّمان وتنقّله، وأنه غير ملتزم لوتيرة، ولا مبرم الفتل على مريرة، بينا هو مقبل حتى يعرض، ومنبسط حتى ينقبض، ومعط حتى يحرم، ومعاف حتى يسقم، وعادل حتى يظلم، وبان حتى يهدم؛ الغدر سجيّته ودأبه، والفتك بغيته وطلابه. فالعاقل غير ساكن إلى حبائه، والحازم غير واثق بوفائه. لا يجد الإنسان عليه ظهيرا، ولا من نوائبه نصيرا، إلا أخا ادّخره في رخائه لشدّته، وذا ودّ اعتقده بأصالة رأيه لفاقته، فعساه أن يلطف لإزالة بلواه، إذا غاض صبره على سكون من النّفس إليه، وأمان من الشماتة بما يقف من حاله عليه. فكثيرا ما خرج الأحرار بأحزانهم مستروحين بنفثها، وباحوا بأشجانهم بائحين ببثها، إلى مستبشر بما لحقهم، وإن كتم استبشاره وحزنه، ومبتهج بما طرقهم وإن ستر ابتهاجه وشجنه، وما أحسن وصية المتنبي، سقى الله صداه، في قوله: [من البسيط]
لا تشك يوما إلى خلق فتشمته ... شكوى الجريح إلى الغربان والرّخم
فليس بقليل الحظّ من ظفر بخلّ أمن سرّه وجهره، وعلم خيره وشرّه، وطعم حلوه ومرّه. وما زلت على مرّ الليالي والأزمان، أنتقي الأخلّاء والإخوان لأضيف إليك آخر أعضدك ونفسي باختصاصه، ويشدّ عضدك ويدي باستخلاصه، حتى طلع في السنين المتطاولة، وبعد ليّ الأيام المماطلة، في أفق المودّة والإخاء، وسماء المخيلة والرّخاء، السيّد أبو فلان، وألفيته متخلّصا من شوائب القتام، موفيا في رضاع سخيله على بدر التمام. فأوّلت رؤيته «١» أمرا مقبلا وسللت على عنق الأيام منه منصلا، وما زالت الخبرة توفي على الخبر، والتجربة تزيد في حسن الأثر، إلى أن استحكمت قواعد الوداد، وضربت الثقة
стр. 2572
دون سداده بالأسداد، ثم أراني الحظّ الآن أمرا مخالفا لما كنت به عارفا، وأسمع لفظا منافيا ما كنت له آلفا، من إخلال بوصال أحال فيه على موجب الحال، وقوة من خطاب كانت لا تخطر قديما له ببال، وتنزّه عن الاعتذار عند الفرطات كان مبذولا على مرّ الساعات، وأمارات بعد هذا وأمارات؛ وأنا لطبيّ أطبّ العلّة بالصبر، ولسوء ظنّي أستجيب لما أسامه من أمره وفساد مثله، حرسه الله، غير مسموح به. وتغيّر العادة على مثلي أبلغ شيء في أذى قلبه، فأنا بين مصابرة ومساترة، ومواربة «١»
ومساورة: [من الطويل]
يقولوا تجنّب عادة ما عرفتها ... شديد على الإنسان ما لم يعوّد
فإن رأيت أن تقف على هذه الجملة سرّا، وتوسعها تدبيرا وفكرا، وتسبل عليها من كتمانك جناحا وسترا، وتهدي لرأي تعمله لأعمله، وتمثّله لأمتثله، فعلت، إن شاء الله تعالى.
٧٣٦- ومن كلام له:
ومثله- أدام الله تأييده- ممّن تراعى حسناته وتلحظ، وتزوى زلّاته وتحفظ، ويثنى عليه بصحّة العهد والذّمام، ويسرع إليه قدح العيب «٢» والملام، يجعل الأناة زماما لأعماله، والرّويّة رائدا لأفعاله، فيسيء بالعجلة ظنّا، ويقلب الرأي ظهرا وبطنا، حتى إذا صفا من الشوائب، وشفّ «٣» له عن غيب العواقب، أبداه عن يقين لا يطور به الشّكّ، وأمضاه على تحقيق لا يسوغ معه الترك، والله- عزّ اسمه- يهديه للأوفق، ويرشده إلى الأحرى بفضله والأليق، إنه على كل شيء قدير.
٧٣٧- وكتب إلى دار الخلافة في معنى سقوط فرس:
стр. 2573
انتهى إلينا نبأ شغل القلب وروّعه، وقسم الفكر ووزّعه، وجلب الاهتمام ودعاه، وأوجب الإزعاج واقتضاه، وتعقّبه خبر دفع الكربة وصرفها، ورفع الغمّة وكشفها، وطرد المساءة بالمسرّة، وأبدل الإشفاق بالحبرة، من عثرة زلّت لها يد الجواد، وكبوة «١» كانت والسلامة على ميعاد، وإنما قرنها الله تعالى بها ملاحظة، وأجراها معها محافظة، لتصرف روعة باديها، وتكفى عاقبة عواديها، وتحسم مادة الأذى والضّرر فيها. وإن كان ما يتّخذ من المراكب للخدمة الشريفة كريما نسبه وعرقه، مهذبا مذهبه وخلقه، أمينا خببه وركضه، وثيقة سماؤه وأرضه، فإنه يتضاءل عند أعباء المجد، ويضعف عند امتطاء الشرف العدّ، ويري أنّ عليه من عزّ الخلافة وفخارها، وحكم الإمامة ووقارها، ما تزلّ معه الأطواد الفارعة، وتضيق به الأقطار الواسعة. فذنبه بعذره ممزوج، وعثاره لاستقلاله موهوب. والحمد لله الذي كمّل لدينا البرّ والإنعام، وكفى المسلمين والإسلام، وجعل المخافة بالنّعمة مقرونة، والسلامة مع الحذر مضمونة، وإليه الرغبة في حراسة الحضرة النّبويّة، من عوارض المحذور، وطوارق الدهور، وأن يجعل أيّامها موصولة بالأمن واليمن، وسعادتها منظومة بين الإحسان والحسن، فلا تتخلّلها شائبة، إنه على كلّ شيء قدير.
أنبأناك هذه الجملة لتقوم بإنهائها على عادة منابتك، وتشفي اختصارها بإسهابك وإطالتك، وتجيئنا بما نسكن إليه. ونشكر الله الكريم عليه، ونعتدّه منك ولك، إن شاء الله تعالى.
٧٣٨- كتب أبو القاسم الحسين بن علي المغربي إلى أبي القاسم سليمان بن فهد، وقد أهدى إليه خمسة أقلام في يوم نيروز:
للناس- أطال الله بقاء الأستاذ الجليل- عادة في مثل هذا اليوم بتهادي الأقلام، وقد كان يجب أن يكون هذا الفعل محظورا إلا عليه، وممنوعا إلا منه،
стр. 2574
لأنّ الأقلام إذا أهديت إليه قد أعطيت قوس البلاغة باريها، وأعلمت أفراس الكتابة مجريها، وأنصفت هذه الآلة ولم تظلم، وأكرمت هذه الأداة الخطرة ولم تهتضم. وإذا عدل عنه- حرسه الله- فقد أنزلت دار غربة، وأحلّت منزل هوان وذلّة، وشتّتت عن أوطانها، وشرّدت عن ميدانها، وفرّق بينها وبين من يستخدمها في توشية برود المجد، وتسهيم ملابس الحمد، وتأنّق روض الفصاحة، واستثمار جنى البلاغة، وما أحقّ هذا المعنى بما قيل: [من الكامل]
إقرأ على الوشل السّلام وقل له ... كلّ المشارب مذ هجرت ذميم
لو كنت أملك منع مائك لم يذق ... ما في قلاتك ما حييت لئيم
ولكن لو ملكت إمارة هذه الصناعة، لحميت منابت اليراع، وصنت مغارس الغياض، ولمنعتها إلا من كلّ صنع اللسان واليد، كريم القول والفعل، ولخصصته- أدام الله تأييده- بأبيات ابن عنمة كلّها: [من الخفيف]
أنت خير من ألف ألف من النا ... س إذا ما كبت وجوه الرجال
عندك البرّ والتقى وأسى النّفس ... وحمل لمضلع الأثقال
وصلات الأرحام قد علم الله ... وفكّ الأسرى من الأغلال
وعلى هذه المقدمات التي طغى بها اللفظ، ولم أعتمد فيها إلا ما بيّن عن القصد، فقد نفذت خمسة أقلام لا أصفها بالجودة ولا الجود، فأطعن على فروسيّة يده التي تمتطي الصعب والذّلول، وتمرّ في الوعث والسهول، وهو- أدام الله تأييده- يشفّع في قلّتها نيّة منفذها، إن شاء الله تعالى.
٧٣٩- ومن كلام أخي أبي نصر الحسن بن الحسن بن حمدون:
وقد كان الاحتياط من طعن الغائب يقتضيني إخلاء هذا الجمع مما يتّهم هواي فيه، وحكم الإنصاف عليّ بأن أوفّيه حقّه إذ كان لاحقا بالقدماء في صناعته؛ تشهد له بذلك رسائله.
стр. 2575
٧٤٠- رسالة كتبها جوابا عن تاج الدولة أبي طالب بن الطاهر نقيب الطالبيين إلى أبي عبد الله أحمد بن علي بن المعمّر:
أوصل إليّ فلان- أدام الله علوّ الجانب الفلاني وقدرته، ورفع في الآخرة كما رفع في الدنيا درجته، وكمّل بنيل الأماني جذله ومسرّته، وأضاء باتّصال البشائر والتهاني لديه أسرّته، وجمّل بطول بقائه عترته الطاهرة وأسرته- كتابا كريما يشتمل على ضروب من البرّ وفنون، وأبكار من الطّول المتتابعة أمداده اليّ وعون، وفضل يذعن له بالسبق كلّ ذي براعة وخطّ، يهزأ حسنا بما تخطّه يد كلّ ذي يراعة وتصرّف في العبارة، لم يكن للصّاحب ولا ابن العميد، وتمكّن في البلاغة لم يعطه مولى العلاء بن وهب عبد الحميد؛ ويقسم للمعاني التي ركّبت في جسد الكلام روحا، وجعلت صدر قارئها وسامعها بالالتذاذ بها مشروحا.
ووقفت عليه مجيلا في ميدان الثناء بأياديه المتتالية جوادي، وشاكرا لما نزله إليّ من عوارفه شكر الرّياض المجودة منن الغوادي، ومعترفا بآلاء البيت الكريم المعضودة عوائدها عندي بالبوادي، السائرة أخبارها في الحواضر والبوادي.
وعرفت ما تضمّنه من الإشارة إلى غزير فضله الذي نحلنيه، ووصفه الجميل الذي أعارنيه، وعلمه الذي لا يساجله فيه مساجل ولا يدانيه، والشهادة لي من ذلك تمريه، لولا جلالة قدره، وشرف عنصره الزاكي ونجره، لقلت دافعا ما شهد لي به، وكساني حلل الفخر: بحسبه أنّ الفضائل لا يسعها إلا أوعية حامليها، والعلوم تفضح عند الاختبار منتحلها كاذبا ومدّعيها، لكن إذا شهد لي مثله من الأماجد وفرسان الأدب، الذين يقرّ ببراعتهم فيه كلّ جاحد، فليس إلا التلقي بيد القابل الشاكر، واستخدام الأفكار في الثناء على معاليه والخواطر.
فأما ما كلّف موصل الخطاب حمله، وأوعز إليه بالمشافهة به تفصيلا وجملة، فقد أورد ما عزاه إلى التقدّم التاجي وأسنده، وحقّق القول فيه وأكّده، وجلا وجود العوائق للنفوس عن راحتها، وأزال المكاره المناسبة لأحوال الوقت بساحتها، فالفرصة في قصد تلك الخدمة منتهزة، والغنيمة بالفوز بها- إن شاء
стр. 2576
الله- مع وجود السبيل محرزة.
٧٤١- وكتب إلى صديق له من البغداديين انتقل إلى الموصل وصار إليها، وعرّض فيها بذكر الجمال محمد بن علي الأصبهاني، وزير الشام والموصل، المشهور بالأفضال والجود:
سيّدنا- أطال الله بقاءه، وأدام ارتفاعه إلى فلك «١» المعالي وارتقاءه، ويسّر له كلّ أرب تسمو نحوه همّته- وصل النجح ولقاءه، وضاعف عناء حسوده الرّاغم وشقاءه- حجّة بغداد على من جحد فضلها، ولسانها المجادل بالحقّ لمن عاند أهلها، وعنوان ما خصّها الله به من المحاسن التي لا ينكرها إلا ظالم معتد، ولا يخالف عليها إلا كلّ جائر عن القصد غير مهتد، فإنه البارع في كرمه، الفارع هضاب الانفراد عن الأقران بشيمه، الحاوي قصب السبق بما اشتهر من مروءته، المغبّر في أوجه الكهول في ريعان شبيبته، الجامع أشتات المحامد بأخلاقه الممدوحة بكلّ لسان، المحبوبة إلى كلّ إنسان، فقد رفع عنا في المحاجّة دونها كلفة المقال، ووضع عنا وزر المراء المنهيّ عن المباهاة به وإثم الجدال. وصارت الموصل تزهى به وتدّعيه، وتقول لنفسها إن همّ بفراقك فلا تدعيه، فقد ازدانت بسداده عرصتك، وذهب كمدك بحلول من مثله وغصّتك، واتسع لك في مفاخرة بغداد بادّعائك إياه ضيق المجال، ووجدت به ضالتك في زمان أضحى وهو محطّ الرحال. هذه إشارة لا ينكر ذوو الألباب، العالمون بدليل الخطاب، أنّ لسان الحال بها من لسان المقال أفصح، وميدان المستدلّ عليها أفسح، وميزانه أوفى عند إثبات البيّنات وأرجح، وحجّته أظهر يومئذ وأوضح.
وعرض عليّ فلان فصلا كريما من حضرته، يتضمّن إهداء السلام إليّ وشكر ما تأدّى إليه من ثنائي لمحاسنه التي لا منّة لي في وصفها المتعيّن عليّ، فوقفت منه مع اختصاره على بلاغة في إيجاز، وعبارة تستدعي من متدبّرها نشوة
стр. 2577
طرب واهتزاز. وسرّحت سوام طرفي من خطّه في رياض مونقة، وحدائق بالأزهار مشرقة: [من الكامل]
كتفتح النوار فتّقه الحيا ... أو كالصبّاح فرى الدجى بعموده «١»
وما زلت قبل وروده أناجي نفسي بقرع باب المكاتبة وأحدّثها، وأحملها على عمارة سبيل المواصلة وأبعثها، وأهجّن عندها المقاطعة المتصلة، والمصارمة المستعملة، مهما تأكّد في سالف الأيام بين الأسلاف، من الوداد الجميل الأوصاف، وكون ذلك عند الأبناء قرابة مرعية ونسبا، وإلى تقارض المودّة في ذات بينهم سببا. فتقول لي: العادات سنن متبوعة، وملل مشروعة، والذي استمرّ به العرف أن يكون ابتداء المكاتبات من المسافر، والمفاتحة بها من الظاعن عن وطنه السائر، فلا تثريب عليك في الانقباض ولا ملام، ولا مقال للزّاري عليك في ترك المباسطة ولا كلام. لكن لما استمرّت مدة الانقباض المستهجن وطالت، وأسهبت المحافظة في توبيخها على تراخي هذه الحال وأطالت، ووصلني الفصل الذي وفر حبرتي واغتباطي، وحرّك لتلافي فارط التقصير نشاطي، رأيت أنّ مثله- وإن عزّ وجوده- يحتسب له ولا يحاسب، وتبذل له العتبى ولا يعاتب. فنشطت قلمي من عقاله، وعجت عن هجر الاسترسال إلى وصاله، مشعرا له- أدام الله علوّه- أنّ كثيرا من الأجانب، ومن لم يرني من الجوانب، يقلّدني نجاد المنة بخير ينبي عند ذكري، وقول جميل أبناؤه نحوي تسري، أو كتاب يصدره إليّ مفتتحا، أو يشكر به خدمة رأى تقرّبي بها متضحا، فكيف لي أن يقتدي في حقي بالبعداء من يحلّ مني محلّ الأعزة والأقرباء، إما بمواصلة جميلة، أو نيابة بتحسين الذكر كفيلة. وهذا مقام لا يستغنى فيه عن الإفصاح بالحقيقة التي يمنع الحزم من التصريح بها، وألمعيّته كافية في لمحها، والاستدلال بجملتها على شرحها.
стр. 2578
وبعد، فأنا ممّن ألهمه الله حبّ الفضائل وأهلها، وأغراه بشنأة من بلي بجهلها، فإذا رأيت الدهر قد سمح بماجد كريم، وعوّض سوام الآمال بمرعى مريع غير هشيم، وجاد بعد ضنة بارعوائه وإعتابه، وعدل بعد ظلم بإقرار حقّ في نصابه، وجدت في منّتي قوة كنت عدمتها، ومن همّتي حركة منذ الأمد الطويل ما علمتها، واعتقدت أنّ بضائع الفضل البائرة قد نفقت، وأيدي مشتريها على أيدي مجهّزيها بالربح قد أصفقت، وأنّ النقص الذي استولى على الأرض من أطرافها، واشترك فيه الأعمّ الأغلب من مشروفي ساكنيها وأشرافها، قد رفع عاره عن الأمّة، وكشف بإزالته عنها حجاب الغمّة. وما برحت، منذ أنشر الله رميم الكرم الداثر الدارس، وأعاد روح المعالي زاكية المنابت نامية المغارس، بالجانب الفلاني- جمع الله بدوام سعادته شمل المجد، وبلّغه الغاية القصوى من علوّ الجد- أضوّع المحافل بعطر مدحه والأندية، وأوشّي المطارف من الثناء على مناقبه والأردية، وأبالغ في ذلك مبالغة من ملك الشّغف قلبه فما يراقب في المغالاة خلقا، ولا يخاف التكذيب من يقول حقّا، ما لم يكن لطمع عرضي، وربّ مقام قمته، وعذر في الاجتهاد أبليته وأقمته، وقد جرى ذكر هذا الجانب- أدام الله علاه- فقلت:
نفس عصام سوّدت عصاما
وهل الفخر الأوفى، وشرع المجد الأصفى، وقدح الرّياسة المعلّى، والسيادة المجاوزة رتبة الفرقدين محلّا، إلّا من وفّق الله له هذا الماجد الحلاحل، والجواد الذي ليس لبحر جوده ساحل، والكريم الذي أضحت أمواله مقسّمة بأيدي عفاته منتهبة، وأعينها لما منيت به من بغضائه منتحبة، وهمّته العليّة مستغرقة للأوقات في رسم عاف يعيده، وبرّ واف للمجتدين يفيده، ودين يقوم في حفظ معالمه إذا قعد الجميع، ويجيب داعيه وقد تصامم عنه كلّ سميع، ومصلحة جامعة يحيي رفاتها، ونفس مجدود يقضي من أوطارها ما فاتها، وعلم تنشر
стр. 2579
أعلامه بإرفاد حامليه، وصنع جميل يتخذه عند آمليه، ومكرمة يصيب بها مواقعها، وأحدوثة جميلة يكتسي وشائعها، وذكر ملأ الآفاق نشره طيبا، وأصبح كلّ لسان بمدحه خطيبا. وهل ما يتداوله الرّواة، وتتناقله في الكتب الأفواه، من أخبار شيخ البرامك يحيى بن خالد، ومآثر كلّ كريم من قديم الزمان ماجد، والنفوس تنكر بعضه استعظاما، وتعتده سمرا أو مناما، إلّا دون ما نراه عيانا، ونستوضح في كلّ ساعة دليلا عليه وبرهانا. لعلّ وجوها كانت في هذا المقام حاضره، وأعينا رامقة إليّ ناظره، فزويت عني تلك غيظا وامتقعت، وأغريت هذه بمسارقة النظر المريب نحوي وأولعت، وأنا خالع بالمضيّ في شوطي للعذار، غير ملتفت فيما يكمد الحاسدين إلى الاعتذار. ورأيت في تصفّح هذه المفاتحة متأمّلا، وقراءتها متلقّيا بحسن القبول متقبّلا، واستئناف المواصلة بكتبه الكريمة التي تمهّد مباني الوداد، وتعمر سبل المحافظة التي يعدّها أمثاله من أولي البصائر أجمل مكتسب، وأعلى في مجاري أحواله- أجراها الله على إيثاره، وأمدّها بجنود السعادة في ليله ونهاره- ما اشتبهت أرواح الإنس بمعرفته، ولشكر صنع الله عنده في مقابلته أعلى.
**** وما وضع صدور الأدباء رسائل أسماء بغير أجسام، وألفاظا بغير معان، إلا ليدلوا على موضعهم من البراعة، وينبّهوا على محلّهم من البلاغة. فمنهم الجاحظ وكان مسهبا يستقي من بحر لا ينزح ماؤه، ويمتري أثباج درّ لا تقلع سماؤه، ويهدر هدير الفنيق بلا نهاية، ويؤمّ نهجا لا مقصد له ولا غاية، والمعرّي يحوم ولا يعوم، ويلوب ولا يرد، ويلغز ولا يبرّز، كأنما عنده مضمر يخاف من كشفه، وخلل إن أظهره آذن بحتفه. وله رسائل كثيرة لكنها موشيّة بوهمات الإلحاد، ومبنيّة على اختلاطه في الاعتقاد، كأنّه شاكّ مريب أو هازىء عابث، وقد استكثر من روايتها فإن تركت معجمة أهملت، وإن فسّرت خرجت عن معنى الرسائل، وصارت بكتب اللغة أشبه، مع أنّ الحرج يمنع من التعرض لتدوينها، وقد اقتصرت منها على
стр. 2580
رسالة هي من أسلمها. وللبديع والحريريّ مع تبريز هما أبدا صريحهما عن الرغوة، وإعلانهما بالاختلاف والغربة، فوضعا حكايات مفعولة، عن أسماء مجهولة، أبانا بها عن فضائل ليست بمفضولة. نسأل الله السلامة من موبق الضلال والمين، وأن يكشف عن بصائرنا غياهب الهوى والرّين.
[٧٤٢]- رسالة كتبها أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ إلى مويس بن عمران:
زينك الله بالتقوى، وكفاك ما أهمك من أمر الآخرة والدنيا، وأعزّك بالقناعة، وختم لك بالسعادة، وجعلك من الشاكرين. من عاقب- أبقاك الله- على الصغير بعقوبة الكبير، وعلى الهفوة بعقوبة الإصرار، وعلى الخطأ بعقوبة العمد، وعلى معصية المقلّين، فقد تناهى في الظّلم. ومن لم يفرّق بين الأعالي والأسافل، وبين الأقاصي والأداني، عاقب على الزنا بعقوبة السّرق، وعلى القتل بعقوبة القذف.
ومن خرج إلى ذلك في باب العقاب، خرج إلى مثله في باب الثواب. ولا أعلم نارا أبلغ في إحراق اهلها من نار الغيظ، ولا حركة أنقض لقوى الأبدان من طلب الطّوائل، ولا أعظم خسرانا، ولا أخفّ ميزانا، من عداوة العاقل العالم، وإطلاق لسان الجليس المداخل. والشّعار دون الدّثار، والخاصّ دون العامّ. والطالب- جعلت فداك- بغرض ظفر ما لم يخرج المطلوب الجبان، وما لم تقع المنازلة «١» .
стр. 2581
ومن الحزم ألّا تخرج إلى العدوّ إلّا «١» ومعك من القوى ما يعمّ الفضلة التي يتيحها لك «٢» الاخراج، ولا بدّ أيضا من حزم يحذّرك مصارع البغي، ويخوّفك ناصر المظلوم.
وبعد، فأنت- أبقاك الله- تضرّ من ألم الغيظ نفسك، والغيظ عذاب أليم، وربما زاد التشفي في الغيظ ولم ينقص منه «٣» . ولست على يقين من أن يعود سهمك في ضرّك، كما أيقنت بموضع الغيظ من صدرك. والحازم لا يلتمس شفاء غيظه باجتلاب ضغنه، ولا يطفىء نار غضبه بأحرّ من غضبه، ولا يسدّد سهمه إلّا والغرض ممكن، والغاية قريبة، ولا يهرب والهرب معجز. إنّ سلطان الغيظ غشوم، وإنّ حكم الغضب جائر، وأضعف ما يكون العزم عند التصرّف، وأضعف ما يكون الجزم والغضب في طباع سلطان [الهوى] ، والهوى يتصوّر في صورة امرأة، [و] لا يبصر مساقط العيب ومواقع السّرف «٤» إلّا كلّ معتدل الطباع، مستوي الأسباب. والله لقد كنت أكره سرف الرضى مخافة جواذبه إلى سرف الهوى، فما ظنّك بسرف الغضب وبغلبة الغيظ، ولا سيما ممّن تعوّد إهمال النّفس، ولم يعوّدها الصبر، ولم يعرّفها موضع الحظّ في تجرّع المرارة، وأنّ المراد من الأمور عواقبها عواجلها. ولقد كنت أشفق عليك من إفراط السرور، فما ظنّك بافراط الغضب؟ وقد قال الناس: لا خير في طول الراحة إذا كان يورث الغفلة، ولا في طول الكفاية إذا كان يؤدّي إلى المعجزة، ولا في كثرة العيّ إذا كان يخرج إلى البلادة.
جعلت فداك، إنّ داء الحزن، وإن كان قاتلا، فإنّه داء مماطل، وسقمه مطاول، ومعه من التمهل بقدر قسطه من أناة المرّة السوداء، وداء الغيظ سفيه
стр. 2582
طيّاش، وعجول فحّاش، يعجل عن التوبة، ويقطع دون الوصيّة، ومعه من الحرق بقدر قسطه من التهاب المرّة الحمراء. وأنت روح كما أنت جسم، من قرنك إلى قدمك. وعمل الآفة في الدّقاق العتاق «١» أسرع، وصدّها عن الغلاظ الجفاة آكد، فلذلك اشتدّ جزعي لك من سلطان الغيظ وغلبة الغضب. فإذا أردت أن تعرف مقدار الذنب إليك، من مقدار عقابك عليه، فانظر في علّته وفي مخرج سببه، وإلى معدنه الذي فيه «٢» نجم، وعشّه الذي منه درج، ومغرسه الذي فيه نبت، وإلى جهة صاحبه في التتايع والنّزع، وفي التسرّع والثبات، وإلى حاله عند التقريع «٣» ، وإلى حيائه عند التعريض، إلى فطنته عند الرشق والتورية، فإن فضل الغيظ ربّما دلّ على فرط الاكتراث بكون الاقدام والاحجام، فكلّ ذنب كان سببه الرأي، أو ضيق صدر وغلق طباع، وجد مرارا، أو من جهة تأويل أو من جهة الغيظ في المقادير أو من طريق فرط الأنفة، وغلبة طباع الحمية من بعض الجفوة أو لبعض الأثرة، أو من جهة استحقاقه عند نفسه، وفيما زيّن له عمله أنّه مقصّر به، مؤخّر عن مرتبته، أو كان مبلّغا عنه، أو مكذوبا عليه، أو كان ذلك جائزا فيه غير ممتنع منه، فإذا كانت ذنوبه من هذا الشكل وعلى هذه الأسباب، وفي هذه المجاري، فليس يقف عليها كريم، ولا يلتفت لفتها حليم، ولست أسميه بكبير معروفه كريما، حتى يكون عقله غامرا لعلمه، وعلمه غالبا لطبعه، كما أني لا أسمّيه بالذي أرى من كفّه «٤» [عن] القصاص حليما «٥» ، حتى يكون عالما بما ترك، وعارفا بما اخذ. واسم الحلم «٦» جامع للظّلم والقدرة والفهم، فإذا وجدت الذّنب بعد ذلك لا سبب له إلّا البغضة وإلّا تشفّي
стр. 2583
النفس «١» والعناد الغالب، فلو لم ترض لصاحبه بعقاب دون قعر جهنم لعدّلك كثير من العقلاء، ولصوّب رأيك عالم من الأشراف. ومتى كانت طبيعته البذاء، وخليقته الشرارة والتسرّع، فاقتله قتل العقارب، وادمغه دمغ رؤوس الحيّات. وإذا كان ممّن لا يسىء فيك القول، ولا يرصدك بالمكروه، إلّا لتعطيه على الخوف، وتمنع عرضك من جهة التقية، فامنعه من جميع رفدك، واحتل في منعه من قبل غيرك. فإنك إن أعطيته على هذه الشريطة، وأعظمته مع هذه الحكومة، فقد شاركته في سب نفسك، واستدعيت الألسنة البذيئة إلى عرضك، فكنت عينا لهم عليك «٢» ، وبابا لهم إليك. وكيف تعاقبه على ذنب لك شطره، وأنت فيه قسيمه، إلّا أنّ عليك غرمه وله غنمه؟ ومن العدل المحض والانصاف الصريح أنّ تحطّ عن الحسود نصف عقابه، وتقتصر به على مقداره، لأنّ ألم حسده لك قد كفاك مؤونة شطر غيظك عليه.
وأمّا الوادّ فلا تعرض له ألبتة، ولا تلتفت لفته، ولو أتى على الحرث والنسل، وجثا على الروح والقلب. ولا تغترّ بقوله إني أودّ، ولا تحكم له بدعواه أني جدّ وامق، وانظر أنت في حديثه وإلى مخارج لفظه، وفي لحن قوله، وإلى طريقه وطبعه، وإلى خلقه وخليقته، وإلى تصرّفه وتصميمه، وإلى توقّفه وتهوّره؛ وتأمّل مقدار جزعه من قلّة اكتراثه، وانظر إلى غضبه فيك ولك، وإلى انصرافه عمّن انصرف عنك، وميله إلى من مال إليك، وإلى تسلّمه من الشرّ، وتعرّضه له، وإلى مداهنته وكشف قناعه، بل لا تقض له بجميع ذلك ما كان ذلك في أيام دولتك، ومع إقبال إمرتك، وإنّ طالت الأيّام وكثرت الشهور، حتى تنتظم له الحالات وتستوي فيه الأزمان؛ نعم، ثمّ لا تحكم له بذلك حتى يكون خلقه حالة مقصورة على محبتك، ومحتوية عليك وعلى نصيحتك، بالعلل التي توجب الأفعال، والأسباب التي تسخّر القلوب للمودّات. فإن أنت لم تحكم له بالعادة
стр. 2584
مع احتمال هذه العلل فيه، ومع توافيها إليه، ولم تقض له بأقصى النهاية، مع ترادف هذه الأسباب، وتكافل هذه الدلائل، وتعاون هذه البرهانات، فكلّ بيّنة إذن زور، وكل دلالة فاسدة. وقد قال الأول: إنّ دلائل الأمور أشدّ تثبيتا من شهادات الرجال، إلّا أن يكون في الخبر دليل ومع الشهادة برهان، لأن الدليل لا يكذب ولا ينافق، ولا يزيد ولا يبدّل، وشهادة الإنسان لا تمنع من ذلك، وليس معها أمان من فساد ما كان الإمكان قائما.
فإن جهلت- أعزّك الله- علّة غضبك، فتمثّل جهل من لا علّة له؛ وإن عجزت عن احتمال عقابك، فتمثّل عجز ما لا يطاق حمله، ولا عار على جازع إلّا فيما يمكن في مثله الصبر، ولا لوم على جاهل فيما لا ينجح في مثله الفكر.
وليس هذا أوّل شرك نصبته، ولا أوّل كيد أرغته، وما هي بأوّل دنيّة غطّيتها وسترتها، وحيلة أكمنتها «١» ورمقتها «٢» . وقد كانت التقيّة أحزم، والاقتضاء أسلم؛ بل كان العفو أرحم، والتغافل أكرم. ولا خير في عقوبة تشمت العدوّ القديم، ويتنادى بها العدوّ الحادث. والأناة أبلغ من الحزم، وأبعد من الذمّ، وأحمد مغبّة، وأبعد من مخوف العجلة، وقد قال الأول: عليك بالأناة فإنّك على ايقاع ما أنت موقعه أقدر منك على ردّ ما أوقعته، وقد أخطأ من قال «٣» : [من البسيط]
قد يدرك المتأنّي بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزّلل
بل لو كان قال: المتأنّي بدرك حاجاته أحقّ، والمستعجل بفوت حاجاته أخلق، كان قد وفّى المعنى حقّه، وأعطى اللفظ حظّه، وإن كان القول الأوّل موزونا والثاني منثورا. وليس يصارع الغضب أيام شبابه وغرب نابه شيء إلّا
стр. 2585
صرعه، ولا ينازعه قبل انتهائه وإدباره شيء إلّا قهره؛ وإنما يحتال له قبل هيجه، ويتوثّق منه قبل حركته، ويتقدّم في حسم أسبابه، وفي قطع حباله، فإذا تمكن واستفحل وأذكى ناره واشتعل، ثم لاقى ذلك من صاحبه قدرة، ومن أعوانه سمعا وطاعة، فلو أسعطّه بالتوراة وأوجرته بالانجيل، ولددته «١» بالزّبور، وأفرغت على رأسه القرآن إفراغا، وأتيته بآدم ﵇ شفيعا، لما قصّر دون أقصى قوّته، ولتمنّى أن يعار أصناف قدرته. وقد جاء في الأثر: إنّ أقرب ما يكون العبد من غضب ربّه إذا غضب. وقال قتادة: ليس يسكّن غضب العبد إلّا ذكره غضب الرّب.
فلا تقف- حفظك الله- بعد مضيّك في عتابي التماسا للعفو عني، ولا تقصّر عن إفراطك من طريق الرحمة لي، ولكن قف وقفة من يتّهم الغضب على عقله، والسلطان على دينه، ويعلم أنّ للعقل خصوما، وللكرم أعداء؛ وتمسّك إمساك من لا يبرّىء نفسه من الهوى، ولا يبرىء الهوى من الخطأ، ولا تنكر لنفسك أن تزلّ، ولعقلك أن يهفو، فقد زلّ آدم ﵇ «٢» وهفا، وغرّه عدوّه، وخدعه خصمه، وعيب باخلاف عزمه، وسكون قلبه إلى خلاف ثقته؛ هذا وقد خلقه الله بيده وأسكنه في دار أمنه «٣» ، وأسجد له ملائكته، ورفع فوق العالمين درجته. فلست أسألك إلّا ريثما تسكن نفسك، ويرتدّ إليك ذهنك، وترى الحلم وما يجلب من السلامة وطيب الأحدوثة.
إنّ الله ليعلم، وكفى به عليما، وليشهد وكفى به شهيدا، وكفى بجزاء من يعلمه ما لا يعلم جزاء وتعرضا، وكفى به عند الله بعدا ومقتا. لقد أردت أن أفديك بنفسي في بعض كتبي، وكنت عند نفسي في عداد الموتى وفي حيّز الهلكى. فرأيت أنّ من الخيانة لك، ومن اللؤم في معاملتك، أن أفديك بنفس
стр. 2586
ميّتة وأن أريك أني قد جدت لك بأنفس علق والعلق معدوم. وأنا أقول لك- أبقاك الله- كما قال أخو ثقيف: مودة الأخ التّالد وإنّ أخلق خير من مودّة الطارف، وإن ظهرت بشاشته وراعتك جدّته. سلّمك الله وسلّم عليك، وحفظك وكلأك، وكان لك ومعك.
[٧٤٣]- رسالة أبي العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري تسمى الإغريضية:
السلام عليك أيتها الحكمة المغربيّة، والألفاظ العربيّة، أيّ هواء رقاك، وأيّ غيث سقاك، برقه كالإحريض «١» ، وودقه مثل الإغريض «٢» ، حللت الرّبوة، وجللت عن الهبوة «٣» ، أقول لك ما قال أخو نمير «٤» لفتاة بني عمير «٥» : [من الوافر]
زكا لك صالح وخلاك ذمّ ... وصبحّك الأيامن والسعود
لأنا آسف على قربك من الغراب الحجازيّ، على حسن الزّيّ، لما أقفر «٦» ، وركب السّفر، فقدم جبال الرّوم في نوّ «٧» ، أنزل البرس «٨» من الجوّ، فالتفت إلى عطفه،
стр. 2587
وقد شمط فأسي، وترك النّعيب أو نسي، وهبط الأرض فمشى في قيد وتمثّل ببيت دريد «١» : [من الطويل]
صبا ما صبا حتّى علا الشّيب رأسه ... فلما علاه قال للباطل ابعد
واراد الإياب في ذلك الجلباب، فكره الشّمات فكمد حتى مات؛ وربّ وليّ أغرق في الإكرام، فوقع في الإبرام، إبرام السّأم، لا إبرام السّلم «٢» . فحرس الله سيّدنا حتى تدغم الطّاء في الهاء «٣» ، فتلك حراسة بغير انتهاء، وذلك أنّ هذين ضدّان، وعلى التّضادّ متباعدان، رخو وشديد، وهاو وذو تصعيد، وهما في الجهر والهمس، بمنزلة غد وأمس. وجعل الله رتبته التي هي كالفاعل والمبتدا، نظير الفعل في أنها لا تنخفض أبدا. فقد جعلني إن حضرت عرف شاني، وإن غبت لم يجهل مكاني، ك «يا» في النداء، والمحذوف من الابتداء، إذا قلت زيد أقبل، والإبل الإبل، بعد ما كنت كهاء الوقف إنّ ألغيت فبواجب، وإن ذكرت فغير لازب، إني وإن غدوت في زمان كثير الدّد، كهاء العدد، لزمت المذكّر فأتت بالمنكر، مع إلف يراني في الأصل، كألف الوصل، يذكرني لغير الثناء، ويطرحني عند الاستغناء، وحال كالهمزة تبدل العين، وتجعل بين بين، وتكون تارة حرف لين، وتارة مثل الصّامت الرّصين، فهي لا تثبت على طريقة، ولا تدرك لها صورة على «٤» الحقيقة، ونوائب ألحقت الصّغير بالكبير «٥» ، كأنّها ترخيم التصغير، وردّت المستحلس إلى حليس، وقابوس إلى قبيس، لأمدّ صوتي بتلك
стр. 2588
الآلاء، مدّ الكوفيّ صوته في هؤلاء «١» ، وأخفّف «٢» عن حضرة «٣» سيّدنا الرئيس الحبر «٤» ، تخفيف المدنيّ «٥» ما قدر عليه من النبر، إن كاتبت فلا ملتمس جواب، وإن أسهبت في الشكر فلا طالب ثواب. حسبي ما لديّ من أياديه، وما غمر من فضل السيّد الأكبر أبيه، أدام الله لهما «٦» القدرة ما دام الضّرب الأوّل من الطويل صحيحا «٧» ، والمنسرح خفيفا سريحا «٨» ، وقبض الله يمين عدوّها عن كلّ معن، قبض العروض من أوّل وزن «٩» ، وجمع له المهانة إلى التقييد، كما جمعا في ثاني المديد «١٠» وقلم قلم الفسيط، وخبل كسباعيّ البسيط «١١» ، وعصب الله الشرّ بهامة شانيهما وهو مخزوّ، عصب الوافر الثالث وهو مجزوّ «١٢» ، بل أضمرته الأرض إضمار ثالث الكامل «١٣» ، وعداه أمل الآمل، وسلم سيّدانا- أعز الله نصرهما،
стр. 2589
ومن أحباه وقرباه- سلامة متوسّط «١» المجموعات «٢» ، فإنه آمن من المروّعات؛ فقد افتننت في نعمهما الرائعة، كافتنان الدائرة الرّابعة، وذلك أنّها أمّ ستّة موجودين، وثلاثة مفقودين «٣» . وأنا أعد نفسي مراسلة حضرة سيّدنا الجليلة، عدة ثريّا الليل، وثريّا سهيل «٤» ، هذه القمر، وتلك عمر، وأعظّمه في كلّ وقت إعظاما في مقة، وبعض الإعظام في مقت، فقد نصب للآداب قبّة صار الشام فيها كشامة المعيب، والعراق كعراق الشّعيب «٥» ، أحسب ظلالها من البردين «٦» ، وأغنت العالم عن الهندين: هند الطّيب، وهند النّسيب، ربّة الخمار، وأرباب قمار «٧» ، أخدان التّجر، وخدينة الهجر.
ما حاملة طوق من الليل، وبرد من المنتجع «٨» مكفوف الذيل، أوفت الأشاء «٩» ، فقالت للكئيب ما شاء، تسمعه غير مفهوم، لا بالرّمل ولا بالمزموم، كأنّ سجعها قريض، ومراسلها الغريض «١٠» ، فقد ماد لشجوها العود، وفقيدها لا يعود، تندب هديلا «١١» فات، وأتيح له بعض الآفات، بأشوق إلى هديلها من
стр. 2590
عبده إلى مناسمة أنبائه، ولا أوجد على إلفها منه على زيارة فنائه، وليس الأشواق، لذوات الأطواق، ولا عند السّاجعة، عبرة متراجعة، إنّما رأت الشّرطين، قبل البطّين، والرّشاء «١» بعد العشاء، فحكت صوت الماء في الخرير، وأتت براء دائمة التكرير، فقال جاهل فقدت حميما، وثكلت ولدا قديما، وهيهات يا باكية أصبحت فصدحت، وأمسيت فتناسيت، لا همام لا همام، ما رأيت أعجب من هاتف الحمام، سلم فناح، وصمت فهو مكسور الجناح. إنما الشوق لمن يدّكر «٢» في كلّ حين، ولا يذهله مضيّ السنين.
وسيّدنا- أطال الله بقاه- القائل النظم في الذّكاء مثل الزّهر، وفي النقاء مثل الجوهر، تحسب بادرته التّاج «٣» ارتفع عن الحجاج «٤» ، وغابرته الحجل «٥» في الرّجل يجمع بين اللّفظ القليل، والمعنى الجليل، جمع الأفعوان في لعابه بين القلّة وفقد البلّة «٦» ، خشن ولان فما هان، لين الشكير يدلّ على عتق المحضير «٧» ، وحرش الدينار «٨» ، آية كرم النجار، فصنوف الأشعار بعده كألف السّلم، يلفظ بها في الكلام، ولا تثبت لها هيئة بعد اللام، خلص من سبك النقد خلوص الذّهب من اللهب، واللجين من يد القين، كأنه لآل، في أعناق حوال، وسواه لطّ، في عنق ثطّ «٩» ، ما خانته قوة الخاطر الأمين، ولا عيب بسناد «١٠» ولا تضمين، وأين النّثرة من
стр. 2591
العثرة «١» ، والغرقد من الفرقد «٢» ، فالساعي في أثره فارس عصا بصير «٣» ، لا فارس عصا قصير «٤» ، وأنا ثابت على هذه الطوّية «٥» ثبات حركة البناء «٦» ، مقيم تلك الشهادة بلا استثناء، غنيّ عن الأيمان فلا عدم، مقيم على ما قلت فلا حنث ولا ندم، وإنما تخبأ الدرّة للحسناء الحرة، ويجاد باليمين، في العلق الثمين، ما أنفسه خاطرا اقترى الفضّة من القضّة، والوصاة من مثل الحصاة «٧» ، وربما نزعت الأشباه، ولم يشبه المرء أباه، ولا غرو لذلك: الخضرة «٨» أمّ اللهيب، والخمرة بنت الغربيب «٩» .
وكذلك سيدنا: ولّد من سحر المتقدّمين، حكمة للحنفاء المتديّنين. كم له من قافية تبني السّود «١٠» ، وتثني الحسود، كالميت من شرب العاتقة الكميت، نشوره قريب، وحسابه تثريب «١١» . أين مشبّهو الناقة بالفدلمي «١٢» ، والصحصح برداء الرّدن «١٣» ، وجب الرّحيل، عن الرّبع المحيل. نشأ بعدهم واصف، غودروا له كالمناصف «١٤» ، إذا سمع الخافض صفته للسهب الفسيح، والرّهب الطليح، «١٥» ودّ أنّ
стр. 2592
حشيّته بين الأحناء، وخلوقه عصيم الهناء «١» ، وحكم بالقود في الرّقود، وصاغ برى ذوات الأرسان، من برى البيض الحسان «٢» ، شنفا لدرّ النحور وعيون الحور، وشغفا بدرّ بكيّ وعين مثل الرّكيّ «٣» ، وإعراضا عن بدور، سكنّ في الخدور، إلى حول كأهلّة المحول «٤» ، فهنّ أشباه القسىّ ونعام السّي. وإن أخذ في نعت الخيل فيا خيبة من سبّه الأوابد بالتقييد، وشبّه الحافر بقعب الوليد «٥» ، نعتا غبط به الهجين المنسوب، والبازيّ اليعسوب «٦» ، إذ رزق من الخير ما ليس لكثير من سباع الطّير، وذلك أنّه على الصّغر سميّ بعض الغرر. وقد مضى حرس، وخفت جرس «٧» ، وللقالع أبغض طالع، والأزرق يجنّبك عنه الفرق «٨» . فالآن سلمت الجبهة من المعض، وشمل بعضها بركات بعض «٩» ، فأيقن النطيح أنّ ربّه لا يطيح، والمهقوع نجا راكبه من الوقوع «١٠» ، فلن يحرب قائد المغرب «١١» ، ولن يرجل سائس الأرجل «١٢» . والعاب وإن لحق الكعاب، ناكب عن ناقلات
стр. 2593
المراكب «١» . وقالت خيفانة امرىء القيس الدّباءة، لراعي المباءة، والأثفية للقدر الكفية «٢» ، نقما على جاعل عذرها كقرون العروس، وجبهتها كمحذّف التروس «٣» ، وأنى للكندي، قواف كهجمة السعديّ «٤» : [من الوافر]
إذا اصطكّت بضيق حجرتاها ... تلاقى العسجديّة واللطيم «٥»
فالقسيب «٦» في تضاعيف النسيب، والشباب في ذلك التشبيب، ليس رويّه بمقلوب، ولكنه من إرواء القلوب. قد جمع أليل ماء الصّبا، وصليل ظماء الظّبا «٧» ، فالمصراع كوذيلة الغريبة، حكت الزّينة والرّيبة، وأرت الحسناء سناها والسّمجة ما عناها «٨» . فأما الراح فلو ذكرها لشفت من الهرم، وانتفت من الكرم إلى الكرم، ولم ترض دنان العقار، بلباس القار، ونسيج العناكب على المناكب، ولكن تكسى من وشي ثيابا، ويجعل طلاؤها زريابا «٩» . ولقد سمعته ذكر خيمة يغبط المسك أن يكون جارها من الشّيام، ويود سعد الأخبية أنه سعد الخيام «١٠» .
стр. 2594
ووقفت على مختصر إصلاح المنطق الذي كاد بسمات الأبواب، يغني عن سائر الكتاب، فعجبت كلّ العجب من تقييد الأجمال بطلاء الأحمال «١» ، وقلب البحر إلى قلت النحر «٢» ، وإجراء الفرات، في مثل الأخرات «٣» ، شرفا له تصنيفا شفى الريب، وكفى من ابن قريب «٤» ، ودلّ على جوامع اللغة بالإيماء، كما دلّ المضمر على ما طال من الأسماء، أقول في الإخبار، أمرت أبا عبد الجبار، فإذا أضمرته عرف متى قلت أمرته، وأبلّ من المرض والتمريض، بما أسقط من شهود القريض، كأنهم في تلك الحال، شهدوا بالمحال، عند قاض عرف أمانتهم بالانتقاض على حقّ علمه بالعيان، فاستغنى فيه عن كلّ بيان.
وقد تأملت شواهد «إصلاح المنطق» فوجدتها عشرة أنواع، في عدّة إخوة الصدّيق، لما تظاهروا على غير التحقيق «٥» ، وتزيد على العشرة بواحد، كأخ ليوسف لم يكن بالشاهد. والشعر الأوّل، وإن كان سبب الأثرة، وصحيفة المأثرة «٦» فإنه كذوب القالة نموم الإطالة، وإنّ «قفا نبك» على حسنها وقدم سنّها، لتقرّ بما يبطل شهادة القول الرضى، فكيف بالبغيّ الأنثى؟ قاتلها الله عجوزا لو كانت بشريّة، كانت من أغوى البريّة. وقد تمادى بأبي يوسف «٧» ﵀ الاجتهاد، في إقامة الأشهاد، حتى أنشد رجزا لضبّ «٨» ، وإنّ معدّا من ذلك لجدّ مغضب. أعلى فصاحته يستعان
стр. 2595
بالقرض «١» ، ويستشهد بأحناش الأرض «٢» ؟ ما رؤبة عنده في نفير «٣» ، فما قولك في ضبّ دامي الأظافير؟ ومن نظر في كتاب يعقوب وجده كالمهمل، إلّا باب، فعل وفعل، فإنّه مؤلّف على عشرين حرفا: ستة مذلّقة، وثلاثة مطبقة «٤» ، وأربعة من الحروف الشديدة «٥» ، وواحد من المزيدة «٦» ، ونفيثين:
الثاء والذال «٧» ، وآخر متعال «٨» ، والأختين العين والحاء، والشين مضافة إلى حيّز الرّاء، فرحم الله أبا يوسف لو عاش لفاظ كمدا، أو احفاظّ «٩» حسدا، سبق ابن السكّيت ثم صار كالسّكيت «١٠» ، وسمق ثم حار وتدا للبيت، كان الكتاب تبرا في تراب معدن، بين الحثّ والمتّدن «١١» ، فاستخرجه سيّدنا واستوشاه، وصقله فكره ووشّاه «١٢» ، فغبطه النّيرات على الترقيش، والآل النقيش، فهو محبوب ليس بهين، على أنه ذو وجهين، وما نمّ قط ولا همّ، ولا نطق ولا أرمّ «١٣» . قد ناب في كلام العرب الصميم، مناب مرآة المنجم في علم التنجيم، شخصها ضئيل ملموم، وفيها القمران والنجوم.
وأقول بعد في إعادة اللفظ: إنّ حكم التأليف في ذكر الكلمة مرتين كالجمع في النكاح بين أختين، الأولى حلّ يرام، والثانية بسل حرام. كيف يكون في