[٩٠٨]- قال محمد بن إدريس الشافعي ﵁: الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة، والانبساط عن اللئيم مجلبة لقرناء السوء، فكن بين المنقبض والمنبسط.
[٩٠٩]- قيل: عشر خصال في عشرة أصناف من الناس أقبح منها في غيرهم: الضيق في الملوك، والغدر في الأشراف، والكذب في القضاة، والخديعة في العلماء، والغضب في الأبرار، والحرص في الأغنياء، والسّفه في الشيوخ، والمرض في الأطبّاء، والتهزي في الفقراء، والفخر في القرّاء.
[٩١٠]- قال أكثم بن صيفي فيما وصّى به أهله: تناءوا في الديار، وتواصلوا في المزار.
[٩١١]- قال رسول الله ﷺ : ما استودع الله عبدا عقلا إلا استنقذه به يوما ما.
[٩١٢]- وقال علي ﵇ لابنه الحسن: يا بنيّ، احفظ عنّي
стр. 352
أربعا، وأربعا لا يضرّك ما عملت معهنّ: إنّ أغنى الغنى العقل، وأفقر الفقر الحمق، وأوحش الوحشة العجب، وأكرم الحسب حسن الخلق.
يا بنيّ إياك ومصاحبة الأحمق فإنّه يريد أن ينفعك فيضرك، ومصادقة البخيل فإنه يقعد عنك أحوج ما تكون إليه، وإياك ومصادقة الفاجر فإنّه يبيعك بالتافه، وإياك ومصادقة الكذّاب فإنه كالسّراب يقرّب عليك البعيد ويبعد عنك القريب.
[٩١٣]- وكان الحسن بن أبي الحسن يقول: لسان العاقل من وراء قلبه فإذا عرض له القول نظر فإن كان صوابا قال، وإلّا أمسك، ولسان الأحمق أمام قلبه فإذا عرض له القول قال له أو عليه.
وقد روي هذا الكلام أو قريب منه عن عليّ بن أبي طالب ﵇.
[٩١٤]- وسئل الحسن عن العاقل فقال: العاقل من اتّقى الله تعالى وتمسك بطاعته. قال له رجل: فمعاوية؟ قال: تلك الشيطنة، تلك الفرعنة، ثم قال: ذلك شبيه بالعقل.
[٩١٥]- وسمع سفيان الثوري رجلا في مجلسه يقول: كان معاوية عاقلا، فقال: العقل لزوم الحقّ وقول الصدق.
[٩١٦]- وقيل لعلي ﵇: صف لنا العاقل؛ فقال: يضع
стр. 353
الشيء مواضعه. فقيل فصف لنا الجاهل، فقال: قد فعلت (يعني أنه لا يضع الشيء مواضعه) .
[٩١٧]- ومن كلامه: كفاك من عقلك ما أوضح لك سبيل غيك من رشدك.
[٩١٨]- وقال عليّ كرم الله وجهه: الحلم غطاء ساتر، والعقل حسام قاطع، فاستر خلل خلقك بحلمك، وقاتل هواك بعقلك.
[٩١٩]- وقيل: ظنّ العاقل كهانة.
[٩٢٠]- وقال جعفر بن محمد: كلّ الأشياء تحتاج إلى العقل إلا شيئا واحدا. قيل: ما هو؟ قال: الدول.
[٩٢١]- وأنشد الخليل: [من الطويل] .
إذا كمّل الرحمن للمرء عقله ... فقد كملت أخلاقه وضرائبه
يزين الفتى في الناس صحة عقله ... وإن كان محظورا عليه مكاسبه
ويزري به في الناس قلة عقله ... وإن كرمت أعراقه ومناسبه
يعيش الفتى بالعقل في الناس إنه ... على العقل يجري علمه وتجاربه
[٩٢٢]- من كلام الرسول ﷺ : البلاء موكّل بالمنطق. من خزن
стр. 354
لسانه رفع الله شانه.
[٩٢٣]- وقال عليّ ﵇: الكلام في وثاقك ما لم تتكلّم به، فإذا تكلمت به صرت في وثاقه، فاخزن لسانك كما تخزن ذهبك وورقك، فربّ كلمة سلبت نعمة [وجلبت نقمة] .
[٩٢٤]- وقد قال أيضا: لا خير في الصمت عن الحكم، كما أنه لا خير في القول بالجهل.
[٩٢٥]- وقال محمد بن المنكدر: لأن أسمع أحبّ إليّ من أن أتكلم، لأنّ المستمع يتنقّى والمتكلم يتوقّى.
[٩٢٦]- وقيل لرجل من كلب طويل الصمت: بحقّ ما سميتم خرس العرب؟ فقال: أسكت لأسلم وأستمع فأغنم.
[٩٢٧]- وقال الحسن بن علي: قد أكثر من الهيبة الصامت.
[٩٢٨]- وقال أبو بكر بن عياش: اجتمع أربعة ملوك: ملك فارس
стр. 355
وملك الروم وملك الهند وملك الصين، فتكلّموا بأربع كلمات كأنما رمي بها عن قوس واحدة، فقال أحدهم: أنا على قول ما لم أقل أقدر منّي على ردّ ما قلت. وقال آخر: الكلمة إذا قلتها ملكتني وإذا لم أقلها ملكتها. وقال الآخر: لم أندم على ما لم أقل وقد أندم على ما قلت. وقال الآخر: عجبت لمن يتكلم بالكلمة إن رفعت عليه ضرّته، وإن لم ترفع عليه لم تنفعه.
ومنه قول الشاعر: [من الرجز] .
والقول لا تملكه إذا نمى ... كالسهم لا يملكه رام رمى
وقال الآخر: [من الطويل] .
فداويته بالحلم والمرء قادر ... على نفسه ما دام في كفّه السّهم
وإلى هذا ذهب عامر الشعبي حيث يقول: وإنك على إيقاع ما لم توقع أقدر منك على ردّ ما أوقعت.
وقال الخطفى جدّ جرير: [من الطويل] .
عجبت لازراء العييّ بنفسه ... وصمت الذي قد كان بالقول أعلما
وفي الصّمت ستر للعيي وإنما ... صحيفة لبّ المرء أن يتكلما
وقال أبو نواس: [الرمل المجزوء] .
стр. 356
مت بداء الصمت خير ... لك من داء الكلام
ربما استفتحت بالنّط ... ق مغاليق الحمام
[٩٢٩]- وقال ابن عباس ﵀: الهوى إله معبود، وقرأ:
أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
(الجاثية: ٢٣) . ويكفي من ذمّ الهوى قوله : وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى
(النازعات:
٤٠) .
[٩٣٠]- ومن كلام جعفر بن محمد ﵉: الهوى يقظان والحزم نائم.
[٩٣١]- وقال عمرو بن العاص لمعاوية: من أصبر الناس؟ قال: من كان رأيه رادّا لهواه.
[٩٣٢]- وقال أعرابي: الهوى الهوان ولكن غلط باسمه.
стр. 357
[٩٣٣]- وقال آخر: العقل وزير ناصح والهوى خادم كذوب.
[٩٣٤]- وقال الشاعر: [من الطويل] .
إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى ... إلى بعض ما فيه عليك مقال
[٩٣٤] ب- وقال آخر: اعص الهوى وأطع من شئت.
[٩٣٥]- وقال الأخطل: [من الطويل] .
وإن امرءا لا ينثني عن غواية ... إذا ما اشتهتها نفسه لجهول
[٩٣٦]- وقال أردشير: أسعدوا الرأي على الهوى.
[٩٣٧]- وقال حاتم: [من الطويل] .
وانك إن اعطيت بطنك سؤله ... وفرجك، نالا منتهى الذمّ أجمعا
[٩٣٨]- وقال عمرو بن العاص: [من الطويل] .
стр. 358
إذا المرء لم يترك طعاما يحبّه ... ولم يعص قلبا غاويا حيث يمما
قضى وطرا منه يسيرا وأصبحت ... إذا ذكرت أمثاله تملأ الفما
[٩٣٩]- وقال ابن المقفع: إذا ابتدأك أمران لا تدري أيهما أصوب فانظر أقربهما إلى هواك فخالفه، فإن أكثر الصواب في مخالفة الهوى.
[٩٤٠]- وقال المعتصم: إذا نصر الهوى بطل الرأي.
[٩٤١]- وقال الحسين بن علي ﵉: اصبر على ما تكره فيما يلزمك الحقّ، واصبر عما تحبّ مما يدعوك إليه الهوى.
[٩٤٢]- وقال جعفر بن محمد: من كان الهوى مالكه والعجز راحته، عاقاه عن السلامة وأسلماه إلى الهلكة.
وما قيل في ذم الهوى والتحذير منه يوفي على الإحصاء، وإنما نذكر من الشيء ما يتفق.
[٩٤٣]- قال مضرّس بن ربعيّ: [من الطويل] .
فلا تهلكنّ النفس لوما وحسرة ... على الشيء سدّاه لغيرك قادره
ولا تيأسن من صالح أن تناله ... وإن كان نوشا بين أيد تبادره
стр. 359
وما فات فاتركه إذا عزّ واصطبر ... على الدهر إن دارت عليك دوائره
فانك لا تعطي امرءا حظّ غيره ... ولا تعرف الشقّ الذي الغيث ماطره
[٩٤٤]- قال عمر بن الخطاب ﵁: الرجال ثلاثة، والنساء ثلاثة: فامرأة عفيفة مسلمة هيّنة ليّنة ودود ولود تعين أهلها على الدهر ولا تعين على أهلها وقلّ ما تجدها، وأخرى وعاء للولد لا تزيد على ذلك شيئا، وأخرى غلّ قمل يجعلها الله في عنق من يشاء. والرجال [ثلاثة] رجل عاقل إذا أقبلت الأمور واشتبهت تأمّل فيها أمره ونزل عند رأيه، وآخر ينزل به الأمر فلا يعرفه فيأتي ذوي الرأي فينزل عند رأيهم، وآخر حائر بائر لا يأتمر رشدا ولا يطيع مرشدا.
[٩٤٥]- يقال: لا تغتبطنّ بسلطان مع غير عدل، ولا بغنى من غير حلّ، ولا ببلاغة من غير صدق منطق، ولا بجود في غير إصابة موضع، ولا بأدب في غير أصالة رأي، ولا بحسن عمل في غير حسنة.
[٩٤٦]- وقيل: الكامل من لم يبطره الغنى، ولم يستكن للفاقة، ولم تهدّه المصائب، ولم يأمن الدوائر، ولم ينس العاقبة، ولم يغترّ بالشبيبة. واعلم أن عيبة العيوب وخزانة المخازي الشباب والبطش والجمال والغنى والشبق والفخر وشرب الخمر وكظة الطعام وكثرة النوم وانتشار الهم واشتعال الجهل وعادة السوء، فقابل كلّا من ذلك بما يقمعه ويقدعه.
[٩٤٧]- قالوا: العدل لا بدّ منه في كلّ الأشياء حتى إن الجور يحتاج
стр. 360
إلى العدل، وضربوا لذلك مثلا في قطّاع الطريق والمجتمعين على ظلم، قالوا:
لو لم يتناصفوا فيما بينهم ولم يستعملوا الواجب فيما يقسمونه لانفسد أمرهم وانحلّ نظامهم.
[٩٤٨]- قال ميمون بن مهران: ثلاث الكافر فيهن والمؤمن سواء، الأمانة تؤديها لمن ائتمنك عليها من مسلم وكافر، وبرّ الوالدين، قال الله تعالى: وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً
(لقمان: ١٥) ، والعهد تفي به لمن عاهدت من مسلم وكافر.
[٩٤٩]- قال معاوية لابنه: اتخذ المعروف عند ذوي الإحسان تستمل به قلوبهم، وتعظم به في أعينهم، وتكفّ به عنك عاديتهم.
[٩٥٠]- قال الأقيشر: [من الطويل] .
إذا المرء وفّى الأربعين ولم يكن ... له دون ما يأتي حياء ولا ستر
فدعه ولا تنفس عليه الذي أتى ... وإن مدّ أسباب الحياة له العمر
[٩٥١]- وقال حارثة بن بدر الغداني: [من الطويل] .
стр. 361
إذا الهمّ أمسى وهو داء فأمضه ... ولست بممضيه وأنت معادله
ولا تنزلن أمر الشديدة بامرىء ... إذا رام أمرا عوقته عواذله
إذا ما قتلت الشيء علما فقل به ... وإياك والأمر الذي أنت جاهله «١»
وقل للفؤاد إن نزا بك نزوة ... من الروع أفرخ أكثر الروع باطله.
[٩٥٢]- وقال آخر: [من الطويل] .
وأبثثت عمرا بعض ما في جوانحي ... وجرّعته من مرّ ما أتجرّع
ولا بدّ من شكوى إلى ذي حفيظة ... إذا جعلت أسرار نفسي تطلّع
[٩٥٣]- وقال آخر وأظنها لبعض اليهود: [من الطويل] .
وإني لأستبقي إذا العسر مسّني ... بشاشة وجهي حين تبلى المنافع
فأعفي ثرى قومي ولو شئت نوّلوا ... إذا ما تشكّى الملحف المتضارع
مخافة أن أقلى إذا جئت زائرا ... ويرجعني نحو الرجال المطامع
وأسمع منّا أو أشرّف منعما ... وكلّ مصادي نعمة متواضع
[٩٥٤]- وجدت للأحنف بن قيس حديثا إن كان صحيحا أو مصنوعا ففيه أدب وسياسة لجمهور الناس في مقاصدهم وأفعالهم ومتصرفاتهم، قيل:
стр. 362
دخل الأحنف على معاوية، فذكر أهل العراق وحسن آرائهم، وميسون بنت بحدل الكلبية أمّ يزيد تسمع كلامه، فلما انصرف قالت: يا أمير المؤمنين أحببت أن تأذن لقوم من أهل العراق عليك، وتجعلني بحيث أسمع كلامهم.
فقال لآذنه: انظر من بالباب، فقال له: بنو تميم. فقال: أدخلهم وفيهم الأحنف. فقال له معاوية: اقرب أبا بحر، وضربت لميسون قبة بحيث تسمع كلامهم. فقال له: يا أبا بحر كيف زيّك لنفسك؟ قال: أفرق الشعر؛ وأقصّ الشارب، وأقلّم الأظفار، وأنتف الإبط، وأحلق العانة، وأديم السواك، فإنه مطهرة للفم ومرضاة للربّ وزيادة في حسنات الصلاة، وأغتسل في كلّ جمعة فإنه كفّارة ما بين الجمعتين. قال: فكيف زيّك في لبسك؟
قال: أعرّض النعلين، وأقصّر الكمّين، وأوسّع الرداء، وأشمّر الإزار، وألزم الوقار. قال: كيف زيك في مشيتك؟ قال: أوطىء قدميّ على الأرض في ترسّل، وأنقلهما على تمهّل، وأرعاهما بعينيّ وأقلّ التلفت حولي. قال: فكيف زيك إذا دخلت على من فوقك من غير الأمراء؟ قال: أطلق الحبى، وأدع التكا، وأقلّ الكلام، وأردّ السلام. قال: فكيف زيّك إذا دخلت على نظرائك؟ قال: أنازعهم الكلام في سمت، وأفاوضهم الحديث في تثبت، وأجيبهم إذا سالوا، وأنصت لهم إذا قالوا، ولا أجول فيما جالوا. قال:
فكيف زيك إذا دخلت على أمرائك؟ قال: أسلّم من غير إشارة، وأنتظر الإجابة، فإن قرّبني تقربت وإن أومأ إليّ تباعدت. قال: فكيف زيّك مع أهلك؟ قال: اعفني يا أمير المؤمنين. قال: عزمت عليك لتفعلنّ، قال:
أحسّن الخلق، وأظهر البشر، وأوسّع النفقة فإن المرأة خلقت من ضلع أعوج. قال: فكيف زيك إذا أردت مباضعتها؟ قال: من هذا استعفيتك، قال: نشدتك لما قلت، قال: أكلمها حتى تنشط، وألثمها حتى تطرب، فإذا كان الذي تعلم طرحت على ظهري وقاية تقيني، فإذا استقرّت النطفة في قرارها قلت: اللهم اجعلها ميمونة مباركة ولا تجعلها شقيّة مشاركة، وصوّرها
стр. 363
أحسن صورة، ثم أقوم إلى الوضوء فأفيض الماء على يدي وترا، ثم أصبّه على جسدي مسبغا، ثم أحمد الله على ما أعطاني من النعمة السابغة والحلال الطيب. قال له معاوية: لقد أحسنت الجواب فسلني حاجتك؟ قال:
حاجتي يا أمير المؤمنين أن تتفي الله في الرعية، وتعدل بينهم بالسوية، ثم نهض. فلما ولّى قالت ميسون: لو لم يكن بالعراق إلا هذا لكفاهم.
[٩٥٥]- قال أفلاطن: ينبغي للذين يأخذون على أيدي الأحداث أن يدعوا لهم موضعا للعذر لئلا يضطروا إلى القحة بكثرة التوبيخ.
[٩٥٦]- وقال بعض الاسلاميين: ليس من العدل سرعة العذل.
[٩٥٧]- وقال علي كرم الله وجهه: كن في الفتنة كابن اللبون، لا ظهر فيركب ولا ضرع فيحلب.
[٩٥٨]- ومن كلامه ﵇: الاحتمال قبر العيوب. من رضي عن نفسه كثر الساخط عليه. قرنت الهيبة بالخيبة والحياء بالحرمان والفرصة تمر مرّ
стр. 364
السحاب، فانتهزوا فرص الخير. من أسرع إلى الناس بما يكرهون قالوا فيه ما لا يعلمون. عاتب أخاك بالإحسان إليه، واردد شرّه بالإنعام عليه.
[٩٥٩]- وقد قال جعفر بن محمد: لا تتبع أخاك بعد القطيعة وقيعة فيه فتسدّ عليه طريق الرجوع إليك، ولعل التجارب أن تردّه إليك.
[٩٦٠]- قال الشاعر، هو محمد بن عبد الله الأزدي: [من الطويل] .
لا أدفع ابن العمّ يمشي على شفا ... وإن بلغتني من أذاه الجنادع
ولكن أواسيه وأنسى ذنوبه ... لترجعه يوما إليّ الرواجع
وأفرشه مالي وأحفظ غيبه ... وأرعاه عينا بالذي هو سامع
وحسبك من جهل وسوء صنيعة ... معاداة ذي القربى وإن قيل قاطع
فألبس ثراك الأهل تسلم صدورهم ... فلا بدّ يوما أن تروع الروائع
[٩٦١]- قال أبو هلال الأسدي وتروى لأبي النشناش التميمي: [من الطويل] .
ودع عنك مولى السوء والدهر إنه ... ستكفيكه أيامه ونوائبه
ويلقى عدوا من سواك يردّه ... إليك فتلقاه وقد لان جانبه
[٩٦٢]- ولما بلغ سيف الدولة علي بن حمدان قول أبي الطيّب المتنبي وهو بمصر: [من الطويل] .
стр. 365
وإن بليت بودّ مثل ودكم ... فإنني بفراق مثله قمن «١»
[قال: سار وحقّ أبي] .
[٩٦٣]- ومن كلام علي كرم الله وجهه: إذا هبت أمرا فقع فيه، فإن شدة التوقّع أعظم مما يخاف منه. أغض على القذى والألم ترض أبدا. من أطاع التواني ضيّع الحقوق، ومن أطاع الواشي ضيّع الصديق. من ظنّ بك خيرا فصدّق ظنّه. من بالغ في الخصومة أثم، ومن قصّر فيها ظلم، ولا يستطيع أن يتقي الله من خاصم. لا تظنّن بكلمة خرجت من أحد سوءا وأنت تجد لها في الخير محتملا. الغيبة جهد العاجز.
[٩٦٤]- سأل رجل رسول الله ﷺ أن يوصيه ويوجز فقال: لا تغضب.
[٩٦٥]- وقد قيل: إياك وجرأة الغضب فإنها تصيّرك إلى ذلّ الاعتذار.
стр. 366
[٩٦٦]- وقال ابن المقفع: إذا حاججت فلا تغضب، فإن الغضب يدفع عنك الحجة ويظهر عليك الخصم.
[٩٦٧]- وقال أيضا فيما ترجمه من حكم الفرس: إن ذكرك ذاكر عند السلطان بسوء في وجهك أو غيبك، فلا يرينّ الوالي ولا غيره منك اختلاطا لذلك ولا غيظا، ولا تكترث له فيدخل عليك من ذلك شبيه بالريبة مؤكدة لما قال فيك العائب، وان اضطررت إلى الجواب فإياك وجواب الانتقام والغضب، وعليك بجواب الوقار والحلم والحجّة، ولا تشكنّ في أن القوة والغلبة للحليم.
[٩٦٨]- قال الشاعر: [من الطويل] .
ولم أر عقلا تمّ إلا بشيمة ... ولم أر علما تم إلا على أدب
ولم أر في الأشياء حين بلوتها ... عدوا للبّ المرء أقوى من الغضب
[٩٦٩]- قيل: من كتم السلطان نصيحته، والأطباء مرضه، والإخوان بثّه، فقد خان نفسه.
[٩٧٠]- وقال صاحب كليلة ودمنة: خير الأعوان والإخوان أشدّهم مبالغة في النصيحة وخير الأعمال أجلّها عاقبة، وخير الثناء ما كان على أفواه الأخيار، وخير الأصدقاء من لا ينافق، وخير الأخلاق أعونها على الورع،
стр. 367
وأفضل السلطان ما لم يخالطه بطر، وأغنى الأغنياء من لم يكن للحرص أسيرا، وأعجز الملوك آخذهم بالهوينا وأقلّهم نظرا في العواقب.
[٩٧١]- وقال: من بلغ جسيما فلم يبطر؟ ومن اتّبع الهوى فلم يعطب؟
ومن جاور النساء فلم يفتن؟ ومن صحب السلطان فلم يعنت؟ ومن طلب إلى اللئام فلم يهن؟ ومن واصل الأشرار فسلم؟.
[٩٧٢]- وقال: أحسن القياس عند تشابه الأمور، واعتبر ما أنت فيه بما بقي وما يكون بما قد كان، فكفى بذلك علما، واقنع فحسب المرء أن يكون بما أوتي قانعا، وأبصر حيث تضع رجلك لا تطأ بها دحضا فتزلق.
وأحسن الروغان عند جولة الطالب، وافرق بين العدوّ والصديق وأنزلهما منازلهما، أما الصديق فتصله وتقضي حقّه، وأما العدوّ فتحذره وتنأى عنه، واحذر محلّ السوء وإن موّه لك ببعض الكذب فقد ينثر الحبّ في الشباك، لا من كرامة الطير، والكلمة اللينة من العدوّ في حال ضرورة فاحذرها، وقس بما في نفسه لك بما في نفسك فكفى بذلك دليلا.
[٩٧٣]- وقيل: ليس صلح العدو بموثوق به على حال، فإن الماء وإن أطيل إسخانه فليس يمنعه ذلك من إطفاء النار.
[٩٧٤]- ومثل الكلام الأول قول محمد بن علي بن موسى بن جعفر للمتوكل في كلام دار بينهما: لا تطلب الصفاء ممن كدّرت عليه، ولا النصح ممن صرفت سوء ظنّك إليه، وإنما قلب غيرك لك كقلبك له. وهذا الكلام مأخوذ من قول النبي ﷺ الذي هو منبع كل حكمة: الذنب لا ينسى والبرّ لا يبلى، وكن كيف شئت فكما تدين تدان.
стр. 368
[٩٧٥]- قال عبد الله بن الحسن لابنه: يا بني إياك ومعاداة الرجال فإنه لا يعدمك مكر حليم أو مفاجأة لئيم.
[٩٧٦]- وقيل: من وجد عدوا مغترا معورا فلم يسترح منه، أصابته الندامة حين يقوى عدوه فيعجزه، والعاقل يصالح عدوه إذا اضطر إلى ذلك ويصانعه ويظهر له ودّه ويريه الاستئمان إليه إذا لم يجد من ذلك بدا، ثم يعجل الانصراف عنه حين يجد إلى ذلك سبيلا ويعلم أن صريع الاسترسال لا تقال عثرته.
[٩٧٧]- وقال علي ﵇: من الخرق المعاجلة قبل الإمكان، والأناة بعد الفرصة.
[٩٧٨]- قال حكيم: من ظفر بالأمر الجسيم فأضاعه فاته، ومن التمس فرصة فأمكنته فأخّر العمل بها لم تعد إليه.
[٩٧٩]- وقال علي: كفى أدبا لنفسك اجتناب ما كرهته لغيرك.
[٩٨٠]- وقال: للمؤمن ثلاث ساعات، فساعة يناجي فيها ربه، وساعة يروم فيها معاشه، وساعة يخلّي بين نفسه وبين لذتها فيما يحلّ ويجمل،
стр. 369
وليس للعاقل أن يكون شاخصا إلا في ثلاث: مرمّة لمعاش، أو خطوة في معاد، أو لذة في غير محرم.
[٩٨١]- وقال: خذ من الدنيا ما أتاك وتولّ عما تولى عنك، فإن أنت لم تفعل فأجمل في الطلب. الدهر يومان فيوم لك ويوم عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصبر.
[٩٨٢]- وقال: مقاربة الناس في أخلاقهم أمن من غوائلهم. لا تجعلن درن لسانك على من أنطقك، وبلاغة قولك على من سدّدك.
[٩٨٣]- وقال: لا ينبغي للعبد أن يثق بخصلتين العافية والغنى، بينا تراه معافى إذ سقم، وبينا تراه غنيا إذ فقر.
[٩٨٤]- وقال: من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهوته. من عظّم صغار المصائب ابتلاه الله بكبارها. زهدك في راغب فيك نقصان حظ، ورغبتك في زاهد فيك ذلّ نفس.
[٩٨٥]- وقال: ما مزح امرؤ مزحة إلا مجّ من عقله مجّة.
стр. 370
[٩٨٦]- وقال الحسن بن علي: المزاح يأكل الهيبة.
[٩٨٧]- وقال ابن المقفع في رسالته المعروفة بالدرة اليتيمة: لا تخلطن بالجد هزلا فتسحته، ولا بالهزل جدا فتكدّره، وقد عرفت لذلك موضعا إن فعلته أصبت الرأي وظهرت على الأقران، وذلك أن يتورّدك متورّد بالسّفه والغضب وسوء اللفظ فتجيبه إجابة الهازل المداعب، برحب من الذّرع، وطلاقة من الوجه، وثبات في المنطق.
[٩٨٨]- وقال آخر: لا تمازح الشريف فيحقد عليك ولا السفيه فيجترىء عليك.
[٨٨٩]- وقال أفلاطن: لا تستعمل البطش حتى ينفد القول. لا تفرح بسقطة غيرك فإنك لا تدري تصرّف الأيام بك.
[٩٩٠]- يقال: لا تخلط يقينك بالشكّ فيفسد عليك العزم، ولا توقف عملك على الشكّ فيدخل عليك الوهن.
[٩٩١]- قيل: أول كلام بارع سمع من سليمان بن عبد الملك قوله:
الكلام فيما يعنيك خير من الكلام فيما يضرك.
[٩٩٢]- وقال سهل بن هرون: الهول إن كان عنه مندوحة فركوبه خطأ
стр. 371
وإلا فركوبه صواب، فإن كنت راكبا هولا لاجترار نفع دونه مقنع، أو لدفع ضرر له مدفع فموضعه «١» خطأ، وإن كنت دافعا به أعظم منه ومضطرا إليه غير مزحزح عنه فموضعه «٢» صواب.
[٩٩٣]- ولأبي مسلم كلام يشبه هذا قد ذكرناه في فصل الأخبار.
[٩٩٤]- وقّع مروان بن محمد إلى عامله بالكوفة: حاب علية الناس في كلامك، وسوّ بينهم وبين السفلة في أحكامك.
[٩٩٥]- قالت القدماء: لا ينبغي لأحد أن يمنع ناسكا شيئا يتقرّب به إلى الله، ولا يمنع السلطان شيئا يستعين به على صلاح أمور العامة، ولا يمنع صديقه شيئا يفرّج به كربته ويجبر مصيبته.
[٩٩٦]- وقالوا: أحسن القول لا يتمّ إلا بحسن الفعل كالمريض إذا عرف دواء مرضه فلم يتداو به لم ينتفع بعلمه ولا يجد منه راحة ولا خفّة.
[٩٩٧]- قال كسرى: لا تنزل ببلد ليس فيه خمسة أشياء: سلطان قاهر، وقاض عادل، وسوق قائمة، وطبيب عالم، ونهر جار.
[٩٩٨]- قال عمر بن الخطاب ﵁: لا يكن حبّك كلفا ولا
стр. 372
بغضك تلفا. وأتمّ من هذا الخبر المرويّ: أحبب حبيبك هونا ما فعسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما فعسى أن يكون حبيبك يوما ما. وشبيه به قول الشاعر وهو النمر بن تولب: [من المتقارب] .
وأحبب حبيبك حبّا رويدا ... إذا أنت حاولت أن تحكما
وأبغض بغيضك بغضا رويدا ... إذا أنت حاولت أن تصرما
[٩٩٩]- قيل في حكمة الهند مكتوب: اليقين بالقدر لا يمنع العاقل توقّي الهلكة، وليس لأحد أن ينظر في القدر المغيّب، وإنما عليه أن يأخذ بالحزم، ونحن نجمع تصديقا بالقدر وأخذا بالحزم.
[١٠٠٠]- وقال المأمون: ليس من توكّل المرء إضاعة الحزم، ولا من الحزم إضاعة التوكل.
نظر إلى هذا المعنى محمد بن عبد الملك الزيات في كتاب كتبه: لا تخدعنّك نفسك عن الحزم فتمثّل لك التواني في صورة التوكل، فتسلبك الحذر وتورثك الهوينا باحالتك على الأقدار، فإن الله تعالى إنما أمر بالتوكل عند انقطاع الحيل، وبالتسليم بعد الإعذار والاجتهاد، بذلك أنزل الله كتابه وبه أمضى سنته، قال الله : خُذُوا حِذْرَكُمْ*
وقال رسول الله ﷺ : اعقل وتوكّل.
стр. 373
[١٠٠١]- وكتب كاتب: ولعاجل الحزم مؤونة تؤدّي إلى خفض ودعة، وللعجز من يسير الراحة ما يفضي بأهله إلى جهد ومنصبة.
[١٠٠٢]- قال الحسين بن علي ﵉: إذا وردت على العاقل ملمّة قمع الحزن بالحزم، وقرع العقل للاحتيال.
[١٠٠٣]- وقال جعفر بن محمد: من كان الحزم حارسه والصدق حليفه، عظمت بهجته وتمّت مروءته.
[١٠٠٤]- قال الشيرازي سألت المفيد الجرجرائي عن قول جعفر بن محمد: الحزم سوء الظن، وعن قول أبيه: من حسن ظنّه روّح عن قلبه، فما هذه المضادة؟ قال: يريد بسوء الظن ألا تستنيم إلى كلّ أحد فتودعه سرّك وأمانتك، ويريد بحسن الظنّ ألا تسيء ظنّك بأحد أظهر لك نصحا، وقال لك جميلا، وصحّ عندك باطنه، وهو مثل قولهم: احمل أمر أخيك على أحسنه حتى يبدو لك ما يغلبك عليه.
[١٠٠٥]- وسئل محمد بن علي بن موسى عن الحزم فقال: هو أن تنتظر فرصتك وتعاجل ما أمكنك.
[١٠٠٦]- قال جعفر بن محمد: لا تحدّث من تخاف أن يكذّبك، ولا تسأل من تخاف أن يمنعك، ولا تأمن من تخاف أن يغدر بك.
[١٠٠٧]- وقال علي بن موسى: اصحب السلطان بالحذر، والصديق بالتواضع، والعدوّ بالتحرز، والعامة بالبشر.
[١٠٠٨]- وقال محمد ابنه: من هجر المداراة قارنه المكروه، ومن لم يعرف الموارد أعيته المصادر.
стр. 374
[١٠٠٩]- وقال: اتئد تصب أو تكد.
[١٠١٠]- وقال الحسن بن محمد بن علي: ادفع المسألة ما وجدت التجمل يمكنك، فإن لكلّ يوم خيرا جديدا. والإلحاح في المطالب يسلب البهاء إلا أن يفتح لك باب يحسن الدخول فيه، فما أقرب الصّنع من الملهوف، وربما كانت الغير نوعا من آداب الله تعالى. والحظوظ مراتب فلا تعجل على ثمرة لم تدرك فإنك تنالها في أوانها. والمدبّر لك أعلم بالوقت الذي يصلح فيه فثق بخيرته في أمرك، ولا تعجل في حوائجك فيضيق قلبك ويغشاك القنوط.
[١٠١١]- وقال: أضعف الأعداء كيدا من أظهر عداوته.
[١٠١٢]- قال صاحب كليلة ودمنة: صحبة الأخيار تورث الخير، وصحبة الأشرار تورث الندامة، كالريح التي إذا مرّت على الطيب حملت طيبا، وإذا مرّت على النتن حملت نتنا، والعاقل لا تبطره منزلة أصابها كالجبل الذي لا تزلزله شدة الرياح.
[١٠١٣]- قال عثمان بن أبي العاص: الناكح مغترس «١» فلينظر امرؤ أين يضع نفسه.
стр. 375
[١٠١٤]- وقالت هند بنت عتبة: المرأة غلّ لا بدّ منه للعنق فانظر من تضعه في عنقك.
[١٠١٥]- ومن كلام الحكماء: من ترك ما لا طاقة له به كان أستر لمكتوم أمره وأبقى للآمال فيه. لا تشعر قلبك الغمّ مما فات فيشغل ذهنك عن الاستعداد لما تأتي به الأيام، وكن بحسن الظنّ بما عند الله تعالى أوثق منك بما في يديك فإنك تضنّ بما تملك وذلك على الله يسير، وفي كلّ حركة وساعة أمر حادث وقدر جار بتبديل الأحوال وتنقّل الدول. تجنبوا المنى فإنها تذهب ببهجة ما خوّلتم، وتستصغرون مواهب الله عندكم وتعقبكم الحسرات على ما أوهمتموه منها أنفسكم، وهي مكيدة من مكايد إبليس للعبد، وختل له عن الشكر، واستدراج إلى استصغار عظيم المواهب.
[١٠١٦]- وقيل لأفلاطن: كيف يغمّ الإنسان عدوّه؟ قال يغمّه إذا أصلح نفسه.
[١٠١٧]- وقال عبد الله بن الحسن: المراء يفسد الصداقة القديمة ويحلّ العقدة الوثيقة، وأقلّ ما فيه أن تكون المغالبة، والمغالبة أمتن أسباب القطيعة.
[١٠١٨]- ومن كلام علي ﵇: أيها الناس ليركم الله من النعمة
стр. 376
وجلين كما يراكم من النقمة فرقين، إنه من وسّع عليه في ذات يده فلم ير ذلك استدراجا، فقد أمن مخوفا، ومن ضيّق عليه في ذات يده فلم ير ذلك اختبارا فقد ضيّع مأمولا.
وقد جمع ابن المقفع في رسالته المسماة بالدرة اليتيمة ما فرقه غيره مما يليق بهذا الباب، وبسط الكلام، إيضاحا للمعاني، وأنا ذاكره الآن وإذا تأمله المتصفح وجد معانيه منبوذه في النثر الذي نقلناه عن المتقدمين في هذا الفصل، إلا أن كلامه حاو كعادة المصنفات في الاحتواء على معاني ما وضعت له.
[١٠١٩]- قال عبد الله بن المقفع:
(١) يجب لطالب الأدب أن يعرف الأصول والفصول، ولا يكون كمن
стр. 377
طلب الفصل مع إضاعة الأصل، فلا يكون [دركه] دركا، فإن إحراز الأصل كاف، فإن أصاب بعدها الفصل كان أفضل. فأصل [الأمر في] الدين أن تعتقده على الصواب، وأن تؤدّي الفرائض وتجتنب الكبائر، فالزم ذلك لزوم من إن فرّط فيه هلك، ثم إن قدرت على أن تجاوزه إلى العبادة والفقه فهو أفضل. وأصل إصلاح الجسد ألا تحمل عليه من المأكل والمشرب والباه إلّا خفّا، ثم إن قدرت على علم منافع الجسد ومضارّه مع الانتفاع لتنتفع به وتنفع فهو أفضل. وأصل الأمر في البأس الا تحدّث نفسك بالإدبار وأصحابك مقبلون على عدوّهم، ثم إن قدرت على أن تكون أول حامل وآخر منصرف من غير تضييع للحذر فهو أفضل. وأصل الأمر في الكلام أن تسلم من السّقط بالتحفظ، ثم إن قدرت على بارع «١» الصواب فهو أفضل. وأصل الأمر في الجود ألا تضنّ بالحقوق على أهلها، ثم إن قدرت أن تزيد ذا الحقّ على حقه، وتطّوّل بالفضل على من لا حقّ له فهو أفضل. وأصل الأمر في المعيشة ألّا تني في طلب الحلال، وأن تحسن التقدير لما تفيد وتنفق، وأن لا تعدل عن ذلك لسعة فيها، فإن أعظم الناس في الدنيا خطرا أحوجهم إلى التقدير، والملوك أحوج إليه من السوقة، لأن السوقة تعيش بغير مال، وان الملك لا قوام له بغير مال وسعة، وان قدرت على الرفق واللطف في الطلب والعلم بالمطالب فهو أفضل.
(٢) ابذل لصديقك نفسك ومالك، ولمعرفتك «٢» رفدك ومحضرك،
стр. 378
وللعامة بشرك وتحنّنك، ولعدوّك عدلك، واضنن بدينك وعرضك عن كلّ أحد إلا أن تضطرّ إلى بذل العرض للوالي أو للوالد، ومن سواهما فلا.
(٣) اخزن عقلك وكلامك إلا عند إصابة الموضع فإنه ليس في كل حين يحسن الصواب.
(٤) إن رأيت صاحبك مع عدوّك فلا يغضبك ذلك عليه فإنّما هو أحد رجلين، إن كان رجلا من إخوان الثقة فأنفع مواطنه لك أقربها من عدوك لشرّ يكفّه عنك، وعورة يسترها منك، وغائبة يطّلع عليها لك، وإن كان رجلا من غير خاصّة إخوانك فبأيّ حقّ تقطعه من الناس وتكلّفه ألّا يصاحب ولا يجالس إلا من تهوى؟
(٥) وإن استطلت على الإخوان والأكفاء فلا تثق منهم بالصفاء.
(٦) إن أردت أن تلبس ثوب الجمال وتتحلّى حلية المروءة فكن عالما كجاهل وناطقا كعييّ، فأما العلم فيرشدك، وأما قلّة ادّعاء العلم فتنفي عنك الحسد، وأما المنطق إذا احتجت إليه فما بلّغ حاجتك لم يفتك، وأما الصمت فيكسبك المحبة والوقار.
(٧) إذا رأيت رجلا يحدّث حديثا قد علمته أو يخبر خبرا قد سمعته فلا تشاركه فيه ولا تفتحه «١» عليه حرصا على أن يعلم الناس أنك قد علمته، فإن في ذلك خفة وسوء أدب وشحا.
(٨) لتكن غايتك فيما بينك وبين عدوّك العدل، وفيما بينك وبين صديقك الرضى، وذلك أن العدوّ خصم تصرفه بالحجة وتغلبه بالأحكام، والصديق ليس بينك وبينه قاض، إنما هو رضاه وحكمه.
стр. 379
(٩) ارتد لإخائك، فإن كان من إخوان الآخرة فليكن فقيها ليس بمراء ولا حريص، وإن كان من إخوان الدنيا فليكن حرا ليس بجاهل ولا كذاب ولا شرير [ولا] متسرع «١» ، فإن الجاهل أهل أن يهرب منه أبواه، وإن الكذاب لا يكون أخا صادقا لأن الكذب الذي يجري على لسانه إنما هو من فضول كذب قلبه، وإنما سمّي الصديق من الصدق، وقد يتّهم صدق القلب وإن صدق اللسان، فكيف به إذا ظهر الكذب على اللسان. وإن الشرير يكسبك العداوة فلا حاجة لك في صداقة تجرّ إليك العداوة، وإن التسرع تابع صاحبه «٢» .
(١٠) فإذا آخيت أخا فلا تقطعه وإن ظهر لك منه ما تكره، فإنه ليس كالمرأة الرديّة تطلقها إذا شئت، ولكنه عرضك ومروءتك ولو كنت معذورا لنزل ذلك عند أكثر الناس بمنزلة الخيانة للإخاء. لا تعتذرنّ إلا إلى من يحبّ أن يجد لك عذرا. لا تستعيننّ إلا بمن تحبّ أن يظفر لك بحاجتك ولا تحدّثنّ إلا من يرى حديثك مغنما ما لم يغلبك اضطرار.
(١١) إذا أصاب أخوك فضل منزلة أو سلطان فأره أنّ سلطانه زاده عندك توقيرا وإجلالا من غير أن تزيده ودّا ولا نصحا، ولا تقرر الأمر بينك وبينه على ما كنت تعرف من أخلاقه فإن الأخلاق مستحيلة مع السلطان، وربما رأينا الرجل المدلّ على السلطان بقدمه قد أضرّ به قدمه.
(١٢) احترس من سورة الغضب وسورة الحمية وسورة الحقد وسورة الجهل، واعدد لكلّ شيء من ذلك عدة تجاهده بها: من الحلم والتفكر والروية وذكر العاقبة وطلب الفضيلة، فليس أحد من الناس إلا فيه من كل طبيعة ونحيتة سوء غريزة، وإنما التفاضل في مغالبة طباع السوء، فأما أن يسلم
стр. 380
أحد من تلك الطبائع فمما ليس فيه مطمع.
(١٣) ذلّل نفسك بالصبر على جار السوء، وعشير السوء، وجليس السوء، وخليط السوء، فإن ذلك مما لا يكاد يخطئك.
(١٤) اعلم أن بعض العطيّة لؤم، وبعض السلاطة عيّ، وبعض العلم جهل، فإن استطعت أن لا يكون إعطاؤك خورا ولا بيانك هذرا ولا علمك وبالا فافعل.
(١٥) إن استطعت ألا تخبر بخير إلا وأنت مصدّق، ولا يكون تصديقك إلا ببرهان فافعل، ولا تقل كما يقول السفهاء: أخبر بكل ما سمعت، فإن الكذب أكثر ما أنت سامع، وإنّ السفهاء أكثر من هو قائل.
(١٦) لا تصاحبنّ أحدا وإن استأنست به ذا قرابة ومودة ولا ولدا ولا والدا إلا بمروءة، فإن كثيرا من أهل المروءة قد يحملهم الاسترسال والتبذل على أن يصحبوا كثيرا من الخلطاء بالإدلال والتهاون، وإنه من فقد من صاحبه المروءة وإجلالها ووقارها أحدث ذلك في قلبه رقة شان وسخف منزلة.
(١٧) لا يعجبك إكرام من أكرمك لمنزلة أو سلطان، فإن السلطان أوشك أمور الدنيا زوالا، ولا من يكرمك للمال، فإن المال يتلو السلطان في سرعة الزوال.
(١٨) لا تخبر عدوّك أنك له عدوّ فتنذره بنفسك وتؤذنه بحربك قبل الاعذار والفرصة، فتحمله على التسلّح لك وتوقد ناره عليك؛ واعلم أنه أعظم لخطرك أن يرى عدوك أنك لا تتخذه عدوا فإن ذلك غرّة له وسبيل إلى المقدرة عليه، فإن قدرت ولم تكاف بالعداوة احتقارا، فهنالك استكملت عظم الخطر والمروءة، وان كافيت بها فإياك أن تكافئ عداوة السرّ بعداوة العلانية، وعداوة الخاصة بعداوة العامة، فإن ذلك هو الظلم والاعتداء. وليس كلّ عداوة تكافأ بمثلها، فالخيانة لا تكافأ بالخيانة، والسرقة لا تكافأ بالسرقة. ومن
стр. 381
الحيلة في أمر عدوك أن تصادق أصدقاء وتؤاخي إخوانه وتدخل بينه وبينهم في سبيل الشقاق والتجافي.
(١٩) لا تتخذنّ الشتم واللعن على عدوك سلاحا، فإنه لا يجرح في نفس ولا مال ولا دين ولا منزلة، بل احص معايبه ومعايره وتتبع عوراته، حتى لا يشذّ عنك صغيرها ولا كبيرها، من غير أن تشيع ذلك فيتقيك به ويستعدّ له، أو تذكرة في غير موضعه فيكون كمستعرض الهواء [بنبله قبل إمكان الرمي] ومن أحزم الرأي في عدوّك أن لا تذكره إلا حيث تضرّه وألا تعدّ يسير الضرّ يسيرا.
(٢٠) إن أردت أن تكون داهيا فلا تعلمنّ الناس ذلك، فإنه من عرف بالدهاء صار خاتل علانية، وحذره الناس، وإن من إرب الأريب دفن رأيه ما استطاع حتى يعرف بالمسامحة في الخليقة والطريقة.
(٢١) عليك بالحذر في علمك والجراءة في قلبك. إن من عدوك من تعمل في هلاكه، ومنهم من تعمل في البعد عنه، ومنهم من تعمل في مصالحته، فاعرفهم على منازلهم، ومن أقوى القوة لك على عدوك أن تحصي على نفسك العيوب والعورات كما تحصيها على عدوك، وتنظر عند كلّ عيب تسمعه هل قارفت ما شاكله أم سلمت منه، فكاثر «١» عدوّك بإصلاح عيوبك وتحصين عوراتك واحراز مقاتلك. وإن حصل من عيوبك وعوراتك ما لا تقدر على إصلاحه من ذنب قد مضى أو ذنب يعيبك عند الناس ولا تراه أنت عيبا فاحفظ ذلك وما عسى أن يقول فيه قائل من نسبك ومثالب آبائك وعيب إخوانك وأخدانك، ثم اجعل ذلك كلّه نصب عينك، واعلم أن عدوك مريدك بذلك، فلا تغفل عن التهيؤ له والإعداد لعدّتك وحجتك وحيلتك فيه سرا وعلانية، فأما الباطل فلا تروعنّ به قلبك ولا تستعدنّ له، ولا تشتغلنّ بشيء
стр. 382
من أمره فإنه [لا] يهولك ما لم يقع، فإذا وقع اضمحل.
(٢٢) واحذر المراء واعرفه ولا يمنعنّك حذر المراء من حسن المناظرة والمجادلة، واعلم أن المماري هو الذي لا يريد أن يتعلّم من صاحبه، [ولا يرجو أن يتعلم منه صاحبه] «١» فإن زعم زاعم أنه إنما يجادل الباطل عن الحقّ فإن المجادل وإن كان ثابت الحجة حاضر البيّنة فإنه يخاصم إلى غير قاض، وإنما قاضيه عدل صاحبه وعقله، وإذا آنس عند صاحبه عقلا يقضي به على نفسه فقد اصاب وجه أمره، فإذا تكلم على غير ذلك كان مماريا.
(٢٣) إذا تراكمت عليك الأعمال فلا تلتمس الرّوح في مدافعتها والرّواغ فيها، فإنه لا راحة لك إلا في إصدارها، وإن الصبر عليها هو الذي يحقّقها، والضجر منها هو الذي يراكمها عليك. وإذا ورد عليك شغل وأنت في آخر قبله فلا تكدّر عليك الأول تكديرا يفسده، وليكن معك رأيك، فاختر أولى الأمرين فاشتغل به حتى يفرغ، ولا يعظمنّ عليك تأخير ما تأخر إذا أعملت الرأي معمله وجعلت شغلك في حقه.
(٢٥) اجعل لنفسك في كلّ شيء غاية ترجو القوة والتمام عليها، واعلم أنك إذا جاوزت الغاية في العبادة صرت الى التقصير، وان جاوزتها في حمل العلم لحقت بالجهال، وإن جاوزتها في تكلّف رضى الناس والخفة معهم في حاجاتهم كنت المسحور «٢» المضيّع.
(٢٥) لا تجالسنّ امرءا بغير طريقته، فإنك إن أردت لقاء الجاهل بالعلم، والجافي بالفقه، والعيي بالبيان، لم تزد على أن تضيع عقلك وتؤذي جليسك لحملك عليه ثقل ما لا يعرف، واعلم أنه ليس من علم يذكر عند غير أهله إلا عادوه ونصبوا له ونقضوه وحرصوا على أن يجعلوه جهلا، حتى إن
стр. 383
كثيرا من اللعب واللهو الذي هو أخفّ الأشياء على الناس، ليحضره من لا يعرفه فيثقل عليه ويغتّم به.
(٢٦) اتق الفرح عند المحزون، واعلم أنه يحقد على الطّلق ويشكر المكتئب. وإذا سمعت من جليسك حديثا يحدّث به عن نفسه أو عن غيره، مما تنكره وتستخفّه، فلا يكونن منك التكذيب والتسخيف، ولا يجرئنّك عليه أن تقول إنما حدّث عن غيره، فإن كلّ مردود عليه سيمتعض من الردّ، فإن كان في القوم من تكره له أن يستقرّ في قلبه ذلك القول لخطأ تخاف أن يعتقده أو مضرة تخشاها على أحد فإنّك قادر على أن تنقض ذلك في ستر فيكون أيسر للنقض، وأبعد من البغضة، واعلم أن خفض الصوت وسكون الريح ومشي القصد من دواعي المودّة إذا لم يخالط ذلك بأو ولا عجب.
(٢٧) تعلّم حسن الاستماع وإمهال المتكلم حتى ينقضي حديثه، وقلة التلفّت «١» إلى الجواب والاقبال بالوجه والنظر الى المتكلم والوعي لما يقول.
(٢٨) ومن الأخلاق السيئة على كلّ حال مغالبة الرجل على كلامه والاعتراض فيه والقطع للحديث.
(٢٩) واعلم أن شدة الحذر عين عليك لما تحذر، وان شدة الاتقاء تدعو إلى ما تتقي.
(٣٠) إن رأيت نفسك قد تصاغرت الدنيا إليها، ودعتك نفسك إلى الزهادة فيها، على كل حال تعذّر من الدنيا عليك، فلا يغرنّك ذلك من نفسك على تلك الحال، فإنها ليست بزهادة ولكنها ضجر واستخذاء عند ما أعجزك من الدنيا، وغضب منك عليها بما التوى عليك منها، ولو تممت على رفضها أوشكت أن ترى من نفسك من الضجر والجزع أشدّ من ضجرك الأول، ولكن إذا دعتك نفسك إلى بغض الدنيا وهي مقبلة عليك فاسرع
стр. 384
إجابتها.
(٣١) إذا كنت في جماعة قوم فلا تعمّنّ جيلا من الناس ولا أمة من الأمم بشتم ولا ذمّ، فإنك لا تدري لعلك تتناول بعض أعراض جلسائك، ولا تذمّنّ مع ذلك اسما من أسماء الرجال والنساء تقول: إنّ هذا لقبيح من الأسماء، إذا كنت لا تدري لعلّ ذلك يوافق لبعض جلسائك بعض أسماء الأهلين والحرم، ولا تستصغرنّ من هذا كلّه شيئا، فكلّه يجرح في القلب، وجرح اللسان أشدّ من جرح اليد.
[١٠٢٠]- وصّى محمد بن علي بن الحسين بعض أصحابه وهو يريد سفرا، فقال: لا تسيرنّ سيرا وأنت حاقن، ولا تنزلنّ عن دابة ليلا لقضاء حاجة إلا ورجلك في خفّ، ولا تبولنّ في نفق، ولا تذوقنّ بقلة ولا تشمّها حتى تعلم ما هي، ولا تشرب من سقاء حتى تعلم ما فيه، واحذر من تعرف، ولا تصحب من لا تعرف. تعلموا العلم فإن تعلّمه جنّة، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعظيمه صدقة، وبذله لأهله قربة، والعلم منار الجنة، وأنس من الوحشة، وصاحب في الغربة، ورفيق في الخلوة، ودليل على السّرّاء، وعون على الضرّاء، وزين عند الاخلّاء، وسلاح على الأعداء، ويرفع الله به قوما ليجعلهم في الخير أئمة يقتدى بفعالهم وتقتصّ آثارهم، ويصلّي عليهم كلّ رطب ويابس وحيتان البحر وهوامّه وسباع البّر وأنعامه.
[١٠٢١]- ومن كلامه: صانع المنافق بلسانك، وأخلص مودتك للمؤمن، ولا تجاوز صدقاتك إلى كافر.
[١٠٢٢]- وقال معاوية لعبد الرحمن بن الحكم: بلغني أنك قد لهجت
стр. 385
بقول الشعر؛ قال: قد فعلت، قال: فإياك والتشبيب بالنساء فتعرّ الشريفة وترمي العفيفة وتقرّ على نفسك بالفضيحة، وإياك والهجاء فإنك تحنق عليك كريما وتستثير سفيها، وإياك والمديح فإنه طعمة الوقاح وتفحّش السّؤال، ولكن افخر بمفاخر قومك، وقل من الشعر ما تزين به نفسك وتؤدّب به غيرك.
[١٠٢٣]- قال علي ﵇: عاتب أخاك بالإحسان إليه، واردد شرّه بالإنعام عليه.
وللعرب وصايا فيها أدب حسن لمن تأملها، إلا أنّ أكثرها أمر بالسؤدد والجود والشجاعة وما يلائم طباعهم ويشاكل عوائدهم، وسأذكرها هنا ما يليق بهذا الباب خاصة.
[١٠٢٤]- قيل إن عمرو بن حممة الدّوسيّ قضى بين العرب ثلاثمائه سنة، فلما كبر قرنوا به السابع أو التاسع من ولده، فإذا غفل الشيخ قرع له العصا، فكانت هذه الأمارة بينهما ليرجع إلى الصواب، وذلك قول الشاعر:
[من الطويل] .
стр. 386
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علّم الإنسان إلّا ليعلما
فلمّا خشي عليه قومه الموت اجتمعوا، فقالوا: إنك سيدنا وشريفنا فاجعل لنا سيدا وشريفا بعدك. فقال: يا معشر دوس، كلفتموني تعبا، إن القلب يخلق كما يخلق الجسم، ومن لك بأخيك كله (وهو أول من قالها) إن كنتم شرفتموني [فإني] أفرشتكم نفسي، وتحمّلت مؤنكم وخففت عنكم مؤونتي، وألنت لكم جانبي، افهموا ما أقول لكم: إنه من جمع بين الحقّ والباطل لم يجتمعا له، وكان الباطل أولى به، فإن الحقّ لم يزل ينفر من الباطل، والباطل ينفر من الحقّ. يا معشر دوس لا تشمتوا بالزلّة ولا تفرحوا بالعلو، فإنّ الفقير يعيش بفقره كما يعيش الغنيّ بغناه، ومن ير يوما ير به (وهو أول من قالها) وأعدّوا لكلّ امرىء قدره، وقبل الرماء تملأ الكنائن، ومع السفاهة الندامة، ولليد العليا العاقبة. إذا شئت وجدت مثلك. إن عليك كما أن لك. وللكثرة الرعب وللصبر الغلبة. من طلب شيئا وجده وإلّا يجده فيوشك أن يقع قريبا منه.
[١٠٢٥]- ولما قتل قيس بن زهير أهل الهباءة خرج حتى لحق بالنمر بن قاسط، فقال: يا معشر النمر أنا قيس بن زهير، غريب حريب، طريد شريد موتور، فانظروا لي امرأة قد أدّبها الغنى وأذلّها الفقر. فزوجوه امرأة منهم يقال لها ظبية بنت الكبش النّمريّ. ثم قال: إني لا أقيم فيكم حتى أخبركم بأخلاقي: إني فخور غيور أنف، ولست أفخر حتى أبتلى، ولا أغار حتى أرى، ولا آنف حتى أظلم، فرضوا بأخلاقه، فأقام فيهم حتى ولد له، ثم إنه أراد التحول، فقال: يا معشر النمر، إنّي أرى لكم عليّ حقا بمصاهرتي لكم وإقامتي بين أظهركم، وإني آمركم بخصال وأنهاكم عن خصال: عليكم بالأناة
стр. 387
فبها تدرك الحاجة وتنال الفرصة، وتسويد من لا تعابون بتسويده، والوفاء فإن به يعيش الناس، وإعطاء من تريدون اعطاءه قبل المسألة، ومنع من تريدون منعه قبل الإلحاح، وإجارة الجار على الدهر، وتنفيس البيوت عن منازل الأيامى، وخلط الضيف بالعيال، وأنها كم عن الرهان فبه ثكلت مالكا أخي، وعن البغي فإنه صرع زهيرا أبي، وعن السّرف في الدماء فإنّ قتلي أهل الهباءة أورثني العار، ولا تعطوا في الفضول فتعجزوا عن الحقوق، وأنكحوا الأيامى الأكفاء، فإن لم تصيبوا الأكفاء فخير بيوتهن القبور، واعلموا أني أصبحت ظالما مظلوما- ظلمني بنو بدر بقتلهم مالكا أخي، وظلمتهم بقتل من لا ذنب له.
ثم رحل عنهم فلحق بعمان فأقام بها حتى مات.
[١٠٢٦]- وصف عليّ كرم الله وجهه صاحبا له فقال: كان لي فيما مضى أخ في الله، وكان يعظّمه في عيني صغر الدنيا في عينه، وكان خارجا من سلطان بطنه، فلا يتشهّى ما لا يجد ولا يكثر إذا وجد، وكان أكثر دهره صامتا، فإذا قال بذّ القائلين ونقع غليل السائلين، وكان ضعيفا مستضعفا، فإذا جاء الجدّ فهو ليث عاد وصلّ واد، لا يدلي بحجة حتى يرى قاضيا، وكان لا يلوم أحدا على ما لا يجد العذر في مثله حتى يسمع اعتذاره، وكان لا يشكو وجعا إلا عند برئه، وكان يفعل ما يقول ولا يقول ما لا يفعل، وكان إن غلب على الكلام لم يغلب على السكوت، وكان على أن يسمع أحرص منه على أن يتكلم، وكان إذا بدهه أمران نظر أيّهما أقرب إلى الهوى فخالفه، فعليكم بهذه الخلائق فالزموها وتنافسوا فيها، وإن لم تستطيعوها فاعلموا أنّ أخذ القليل خير من ترك الكثير.
стр. 388
وقد ادّعى ابن المقفع أكثر هذا الكلام في رسالة له وألحق به: كان خارجا من سلطان فرجه فلا يدعو إليه مؤونة ولا يستخفّ له رأيا ولا بدنا، وكان خارجا من سلطان الجهالة، فلا يقدم أبدا إلّا على ثقة بمنفعة. كان لا يدخل في دعوى ولا يشرك في مراء. كان لا يشكو إلّا إلى من يرجو النصيحة لهما جميعا. كان لا يتبرّم ولا يسخط ولا يتشهّى ولا يتشكّى ولا ينتقم من الوليّ، ولا يغفل عن العدو، ولا يخصّ نفسه دون إخوانه بشيء من اهتمامه وحيلته وقوته.
[١٠٢٧]- ومن كلام الحسن بن علي ﵉: إذا سمعت أحدا يتناول أعراض الناس فاجتهد أن لا يعرفك، فإن أشقى الأعراض به معارفه، ولا تتكلّف ما لا تطيق ولا تتعرّض لما لا تدرك، ولا تعد ما لا تقدر عليه، ولا تنفق إلا بقدر ما تستفيد، ولا تطلب من الجزاء إلا بقدر ما عندك من الغناء، ولا تفرح إلا بما نلت من طاعة الله تعالى، ولا تتناول إلّا ما ترى نفسك أهلا له، فإنّ تكلّف ما لا تطيق سفه، والسعي فيما لا تدرك عناء، وعدة ما لا تنجز تفضح، والانفاق من غير فائدة حرب، وطلب الخير بغير غناء سخافة، وبلوغ المنزلة بغير استحقاق يشفي على الهلكة.
[١٠٢٨]- لما احتضر قيس بن عاصم قال لبنيه: يا بنيّ احفظوا عنّي فإنه لا أحد أنصح لكم مني: إذا أنا متّ فسوّدوا كباركم ولا تسوّدوا صغاركم، فيحقر الناس كباركم وتهونوا عليهم، وعليكم بحفظ المال فإنّه منبهة للكريم، ويستغنى به عن اللئيم، وإياكم والمسألة فإنها أخر كسب الرجل.
[١٠٢٩] قال الزبير بن عبد المطلب: [من المتقارب] .
стр. 389
إذا كنت في حاجة مرسلا ... فأرسل حكيما ولا توصه
وإن باب أمر عليك التوى ... فشاور حكيما ولا تعصه
ولا تنطق الدهر في مجلس ... حديثا إذا أنت لم تحصه
ونصّ الحديث إلى أهله ... فإنّ الوثيقة في نصّه
وإن ناصح عنك يوما نأى ... فلا تنأ عنه ولا تعصه
وكم من فتى عازب عقله ... وقد تعجب العين من شخصه
وآخر تحسبه جاهلا ... ويأتيك بالأمر من فصّه
[١٠٣٠]- وقال الكميت بن زيد: [من الطويل] .
وإن لم يكن إلّا الأسنّة مركب ... فلا رأي للمحمول إلّا ركوبها
[١٠٣١]- وقال أعرابي: [من الوافر] .
إذا ضيعت أوّل كلّ أمر ... أبت أعجازه إلا التواء
وإن سوّمت أمرك كلّ وغد ... ضعيف كان أمركما سواء
وإن داويت أمرا بالتناسي ... وباللّيّان أخطأت الدواء
[١٠٣٢]- قال الرضيّ: [من الرجز] .
كم قابس عاد بغير نار ... لا بدّ للمسرع من عثار
стр. 390
[١٠٣٣]- وقال أيضا: [من السريع] .
من أشرع الرمح إلى ظهره ... لا بدّ أن يقلب ظهر المجن
[١٠٣٤]- وقال: [من الكامل] .
ما كنت أجرع نطفة معسولة ... طوع المنى وإناؤها من حنظل
[١٠٣٥]- وقال آخر: [من الطويل] .
إياك والأمر الذي إن توسّعت ... موارده ضاقت عليك المصادر
فما حسن أن يعذر المرء نفسه ... وليس له من سائر الناس عاذر
[١٠٣٦]- وقال محمد بن أبي شحاذ الضبيّ: [من الطويل] .
إذا أنت أعطيت الغنى ثمّ لم تجد ... بفضل الغنى ألفيت ما لك حامد
إذا أنت لم تعرك بجنبك بعض ما ... يريب من الأدنى رماك الأباعد
إذا الحلم لم يغلب لك الجهل لم تزل ... عليك بروق جمّة ورواعد
إذا العزم لم يفرج لك الشكّ لم تزل ... جنيبا كما استتلى الجنيبة قائد
وقلّ غناء عنك مال جمعته ... إذا كان ميراثا وواراك لاحد
[١٠٣٧]- قيل: العزلة توفّر العرض، وتستر الفاقة، وترفع ثقل