أقوال لعلي بن الحسين وجعفر الصادق والباقر وغيرهم ١٠٨
الفصل الثالث:
كلام الصحابة ومأثور أخبارهم وسيرهم ١١٩
خطب وأقوال لأبي بكر ١١٩
خطب وأقوال لعمر ١٢٠
أقوال لمعاذ وأبي ذر وسلمان وابن مسعود ١٣٠
أخبار وأقوال لسائر الصحابة دون ترتيب معتمد ١٣١
الفصل الرابع:
في أخبار التابعين وسائر طبقات الصالحين وكلامهم ومواعظهم ١٤٩
أخبار وأقوال لعمر بن عبد العزيز ١٥٠
أخبار وأقوال لسائر التابعين دون ترتيب معتمد ١٥٦
بعض أخبار إبراهيم بن أدهم ١٧٥
عود إلى أخبار وأقوال متنوعة للتابعين ١٨٠
مجموعة من شعر الحكمة ٢٠٧
أخبار وأقوال للشافعي وأبي حنيفة ٢٠٨
أقوال قيلت في لحظات الاحتضار ٢١٦
حكم نثرية وشعرية ٢١٩
الباب الثاني في الآداب والسياسة الدنيوية ورسوم الملوك والرعية ٢٣٥
توطئة للباب الثاني ٢٣٧
فصول الباب ٢٣٨
مقدمة ٢٣٩
الفصل الأول:
في الحكم والآداب التي نطق بها الحكماء والعلماء ٢٤١
من كلام الرسول والصحابة وغيرهم ٢٤١
стр. 457
أشعار حكمية ٢٦٥
عود إلى الحكم النثرية ٢٧٢
عود إلى الأشعار الحكمية ٢٨٢
عود إلى الحكم النثرية ٢٨٧
الفصل الثاني:
في السياسة والآداب الملكية وما يجب للولاة وعليهم للرعية ٢٩١
أدب الملوك والسلاطين والولاة ٢٩٤
عهد علي إلى الأشتر- نموذج جامع لأصول السياسة ٣١٥
الفصل الثالث:
في سياسة الوزراء والكتّاب وأتباع السلطان ٣٣١
آداب صحابة السلاطين (من الأدب الكبير) ٣٣٢
كلام للقدماء في آداب أتباع الملوك ٣٣٨
الكتّاب ورسالة عبد الحميد إليهم ٣٤٢
القضاء والمظالم ٣٤٧
الحجاب وغيرهم من أتباع السلطان ٣٤٩
توجيهات لعمال الصدقات وقادة الحروب ٣٥١
مزيد من الوصايا لأتباع السلطان ٣٥٣
الفصل الرابع:
الآداب والسياسة التي تصلح للجمهور ٣٥٧
أقوال للرسول ٣٥٧
أقوال لعلي وغيره ٣٦٢
أقوال في ذمّ الهوى خاصة ٣٦٦
عود إلى حكم ونصائح مختلفة ٣٦٨
آراء في العداوة ٣٧٧
أقوال في ضرر المزح ٣٧٩
стр. 458
جوامع من الآداب مأخوذة من الأدب الكبير ٣٨٦
وصايا للعرب ٣٩٥
الفصل الخامس:
أخبار في السياسة والآداب ٤٠٣
نموذج من سياسة كسرى أنوشروان ٤٠٣
نموذج من سياسة الاسكندر ٤٠٦
أخبار عن الخلفاء والولاة في الاسلام ٤٠٨
سياسة معاوية وزياد ٤١٣
سياسة أبي جعفر المنصور وحزمه ٤١٧
سياسة المهتدي واقتداؤه بالمنصور ٤٢٢
عود إلى سياسة المنصور ٤٢٣
بعض المواقف السياسية للمأمون ٤٢٣
عود إلى سياسة بعض الأمويين وغيرهم ٤٢٩
الهادي وأمه الخيزران ٤٣٥
سبب خروج المعتصم إلى سرّ من رأى وشيء من سياسته ٤٣٦
أخبار للاسكندر ٤٣٨
أخبار متنوعة حول السياسة ٤٣٩
من أخبار أحمد بن طولون ٤٤٣
موقف هام للمعتضد ٤٤٤
سياسة الحجاج وزياد ٤٤٦
من أخبار الدولة العباسية وبخاصة الوزراء ٤٤٩
الفصل السادس:
نوادر في باب السياسة (على قلتها) ٤٥٩
стр. 459
الجزء الثاني
التذكرة الحمدونيّة تصنيف ابن حمدون محمّد بن الحسن بن محمّد بن علي تحقيق احسان عبّاس وبكر عبّاس المجلّد الثّاني دار صادر بيروت
стр. 460
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدّمة التحقيق
١ يشتمل هذا الجزء (الذي جعلته ثانيا) من التذكرة الحمدونية على أربعة أبواب، وإنما راعيت في هذه التجزئة أمر الحجم وحده بحيث يجيء هذا الجزء مقاربا للأول في عدد صفحاته، فأما التجزئة في النسخ الخطية فإنها متفاوتة ولا تعتمد قاعدة موحدة.
وقد تضمنت الأبواب الأربعة الموضوعات الآتية على التوالي:
١- الشرف والرياسة والسيادة (الفقرة ١- ٣٧٠) .
٢- محاسن الأخلاق ومساوئها (الفقرة ٣٧١- ٦٦٤) .
٣- الجود والبخل (الفقرة ٦٦٥- ١٠٠٦) .
٤- الشجاعة والجبن (الفقرة ١٠٠٧- ١٢٣٤) .
ومن الواضح ان هذه القسمة تغليبيّة، إذ ان هذه الموضوعات الأخلاقية متداخلة في ما بينها في حالات كثيرة، ومن ثم يتعذّر الفصل الدقيق بين موضوع وآخر منها، ولو تأملنا الباب الرابع مثلا وهو في محاسن الأخلاق ومساوئها لوجدناه يشمل- كما لاحظ المؤلف نفسه- الصدق والوفاء والجود والبأس والصبر والقناعة والتواضع وأضدادها من المساوى، وإذن فإن عقد باب عام لهذا الموضوع يعدّ تزيّدا غير ضروري، ما دام المؤلف يعرف انه سيعقد أبوابا مستقلة لتلك الموضوعات فيتحدث عن الجود والبخل في الباب الخامس،
стр. 461
والشجاعة والجبن في الباب السادس، والوفاء والغدر في الباب السابع، وهكذا.
وبسبب المسحة الأخلاقية العامة التي تسيطر على جميع موضوعات هذا الجزء، نجد ان تلك الموضوعات تسمح بإيراد استشهادات شعرية كثيرة تكاد توازي الجانب النثري في الكتاب؛ وهذا ما يميّز هذا الجزء عن سابقه تمييزا بعيدا، لذلك يعدّ هذا الجزء نقلة واضحة من جوّ دينيّ سياسيّ تختلط فيه التوجهات والقيم على نحو قد يتضمن مفارقة حادة بين التوجه للآخرة وسياسة الدنيا، إلى جوّ نابض بحيوية ما اختاره العرب من مثل عليا في جاهليتهم، وحافظوا عليه في الإسلام، فهذه النماذج الكبيرة للجوانب الإيجابية من المروءة:
من جود وصبر وشجاعة وحلم وعلوّ همة ومحافظة على الجوار وتهمّم بما يكفل السؤدد والسيادة تجيء في هذا الجزء منتزعة- في الغالب- من السلوك العملي الدنيوي، دون نظر إلى ثواب أخروي، وتجيء الجوانب السلبية المعاكسة لها نوعا من السخرية بمن يعجز عن بلوغ تلك النماذج العليا؛ وقد حاول المؤلف أن يرسم نوعا من السيادة عن طريق الدين، ولكنه كان يدرك أنه لو أسرف في هذه الناحية لعاد يدرج في الأبواب الجديدة مادة كالتي نثرها في الجزء الأول.
ولعلّ ابن حمدون لم يتعمّد أن يكون أكثر الحكايات عن مكارم الأخلاق من حلم وسؤدد وشجاعة متصلة بالعنصر العربي حتى عصره، ولم يتعمد كذلك أن تكون نسبة كبيرة منها إنما يمثلها رجال عاشوا في العصر الأموي، إذ لعلّ طبيعة الفصول هي المسؤولة عن ذلك، مثلما ان طبيعة المصادر التي يستمد منها مادته تشاركها هذه المسؤولية.
ثم إن تلك الموضوعات نفسها تطلبت من المؤلف أن يرجع إلى مصادر لم يكن لها دور واضح في الجزء السابق، وهنا تبرز أهمية كتاب الأغاني والكامل للمبرد وحماسة أبي تمام وحماسة البحتري والوزراء والكتّاب للجهشياري والفرج بعد الشدة للتنوخي والبخلاء للجاحظ ودواوين الشعراء: كديوان المتنبّي والرضي وابن هاني الأندلسي والببغا والسريّ الرفاء. وهذا لم يقطع الصلة بالمؤلفات المشهورة في الأدب: فظل دور البيان والتبيين وعيون الأخبار والعقد
стр. 462
والبصائر ونثر الدر ومحاضرات الراغب متميّزا، بل لعلّ «العقد» من بينها قد اكتسب أهمية خاصة. وبالمقارنة تبيّن مدى دين ربيع الأبرار ونهاية الأرب والمستطرف للتذكرة الحمدونية في ما أوردته من نصوص. إلى جانب ذلك تضاءل الدور الذي احتلته مصادر كانت محورا هامّا في الجزء الأول مثل حلية الأولياء، ونهج البلاغة، وكليلة ودمنة، والأدب الكبير لابن المقفع.
ومما يلفت النظر ان ابن حمدون تعرّف على بعض شعراء أفريقية، وهم في الأغلب ممّن ضمهم كتاب الأنموذج لابن رشيق، غير أن صورة الأندلس لا وجود لها، ومثل هذا الاحتجاب للدور الأندلسي- في القرن السادس الهجري- يعدّ مستغربا.
وفي هذا الجزء تزحزح ابن حمدون قيد فتر عن مجال الاعتماد الكلي على النقل إلى شيء من تسجيل تجاربه الذاتية، فهو يعرف الشيخ الزاهد أبا عبد الله محمد بن عبد الملك الفارقي ويروي عنه (الفقرة ١٦٧) ، ويحدثنا عن بعض رجالات عصره حديث العارف بهم المتتبع لأخبارهم مثل وزير الموصل الملقب بالجواد ويوسف بن أحمد الحرزي ومجاهد الدين قايماز صاحب إربل؛ وهو لسبب يصعب الكشف عنه أو الاهتداء إليه شديد التحامل على زنكي بن آق سنقر، من بين معاصريه، وينسب إليه أعمالا منكرة، تجعل منه جبّارا عتيّا، وينسى دوره في جهاد الصليبيين، ونشر العدل والأمن في ربوع بلاده.
ولعلّ من الإنصاف أن نقول إن ابن حمدون ناقل تعجبه الحكاية ويهمّه منها مدى انطباقها على موضوع الباب، وانه لا يحكمه في نقله ميل أو هوى- مذهبي أو سياسيّ- وان كتابه سيظلّ «أدبيّا» في المنزع العامّ، يرجح فيه جانب العبرة أو التسلية على موثوقية الخبر؛ ومن المغالاة أن نتطلب منه شيئا أبعد من ذلك.
(٢) وقد اعتمدت في تحقيق هذا الجزء على النسخ الآتية:
стр. 463
١- نسخة مكتبة عمومية رقم: ٥٣٦٣ (ورمزها: ع) ورقمها المتسلسل في معهد المخطوطات التابع للجامعة العربية (١٢٠) حسبما جاء في فهرس المخطوطات المصورة (ص: ٤٣٥) وهي تشتمل على الأبواب ١- ١٤ وقد تمّ وصفها في الجزء الأول (انظر ص: ١٥) .
٢- نسخة رئيس الكتاب رقم: ٧٦٧ (ورمزها: ر) وتشمل الأبواب:
الثالث والرابع والخامس من هذا الجزء، وتعدّ من أقدم النسخ من حيث تاريخها، إذ تم نسخها سنة ٦٤٦، وعلى الورقة الأولى منها انها تمثل «الجزء الثاني من كتاب التذكرة» وتقع في ١٦٣ ورقة، وعدد السطور في كل صفحة من صفحاتها ١٧ سطرا، ومعدل الكلمات في كل سطر ١٢ كلمة، وفي السطور فجوات بعضها يفيد أن الناسخ يعني بداية فقرة جديدة، وبعضها محض بياض دون أي حذف؛ وهي على وجه العموم حسنة الضبط قليلة الخطأ.
٣- نسخة أحمد الثالث رقم: ٢٩٤٨ (ورمزها: ح) وتحمل الرقم:
١٢٢ في مصورات معهد المخطوطات (ص: ٤٣٦) وتقع في ١٧٥ ورقة، وتبدأ بالباب السادس وتنتهي بالباب الرابع عشر، وخطها نسخي جميل، وفي الصفحة الواحدة منها ١٧ سطرا، ومعدل الكلمات في السطر الواحد ١٢ كلمة، وقد اقتصرت الإفادة منها في هذا الجزء على تحقيق الباب السادس وحده، وسيكون دورها أهم في تحقيق الجزء الثالث.
٤- نسخة المتحف البريطاني رقم: ٣١٧٩: وتقع في قسمين يضم الأول منهما الأبواب ١- ٣١ ويضم الثاني الأبواب ٣٢- ٤٧ وينقصها حتى تشمل كل التذكرة الأبواب الثلاثة الأخيرة، والقسم الأول منها يجيء في ٤٥٢ ورقة والثاني في ٢٧٢ ورقة، وهي مكتوبة بخط نسخي أقرب إلى الدقة، ولهذا تتسع الصفحة منها لثلاثة وثلاثين سطرا في كل سطر ما معدله ١٥ كلمة. وأقدم تملك عليها مؤرّخ بالعام ١٠٠٤ وهو عام انتساخها أيضا، ومع انها حديثة نسبيّا فإنها هامة لضبط الترتيب وإبراز بعض الفروق المهمة، وقد انفردت- في هذا الجزء- بفقرة طويلة لم ترد في سائر النسخ وهي الفقرة ٩٣٤ ب التي يتحدث فيها المؤلف
стр. 464
بإعجاب عن معاصره مجاهد الدين قايماز صاحب مدينة إربل.
وقد اتبعت في تحقيق هذا الجزء الخطة التي سرت عليها في تحقيق الجزء الأول، فقمت بإثبات الفروق بين النسخ (وهي نسبيّا غير كثيرة) وتتبعت النصوص المنقولة في أماكنها الأصلية، وأثبت أحيانا بعض الفروق الضرورية لدى مقارنة التذكرة بالمصادر التي ثبت لديّ اعتماد المؤلف- دون ريب- عليها. ومما تجدر ملاحظته في هذا الجزء ان المواد التي سقطت من هذه المخطوطة أو تلك أقلّ بكثير من المواد التي كانت تخلّ بها إحدى المخطوطات في الجزء الأول، وان الاضطراب في ترتيب النصوص قليل كذلك.
ولقد كان المرجو أن يظهر هذا الجزء في وقت قريب من ظهور الأول، ولكن الأحداث الأليمة والكوارث المريرة التي تعرضت لها بيروت، قد عطّلت هذا العمل كثيرا تارة على مستوى التحقيق وتارة على مستوى الإخراج الطباعي، وإني لأرجو أن تكون الأجزاء اللاحقة أسرع تتابعا، دون إهدار لمستوى الضبط والإتقان.
٣ ويقتضيني واجب الإقرار بالفضل توجيه الشكر إلى عدد من الأصدقاء، وفي مقدمتهم الدكتورة وداد القاضي التي أذنت لي بالاطلاع على نسختها المحققة تحقيقا جديدا دقيقا لكتابي البصائر (بأجزائه التسعة) والأجوبة المسكتة، فالأرقام التي أعتمدها عند الإحالة على هذين الكتابين إنما تمثل الأرقام التي أثبتتها المحققة لفقرات الكتابين المذكورين اللذين سيظهران وشيكا.
وما يزال أخي الدكتور رضوان السيد مدير معهد الإنماء العربي ببيروت بالوكالة، صاحب الفضل الكبير في رعاية هذا الكتاب والحرص على إخراجه فله وللمعهد أجزل الشكر وأصدقه.
أما صديقي العلّامة زهير الشاويش فإنه- حفظه الله- قدّم إليّ من بين هداياه المتواترة من مطبوعات المكتب الإسلامي، صحيح الجامع الصغير
стр. 465
وضعيف الجامع الصغير (مرتبين مرقمين بعناية المحدث الكبير الشيخ محمد ناصر الألباني) وأشار عليّ باعتمادهما في تخريج الأحاديث، في ما يلي من أجزاء التذكرة، ففعلت ما أشار به شاكرا له فضله العميم ومقدّرا نصحه الكريم.
وللصديق الدكتور طريف الخالدي أتمّ التقدير لاهتمامه بالكتاب وبشخص محققه. لقد لامني محقّا من أجل جملة وردت في مقدّمة الجزء الأول (ص:
١٩) إذ وجدها تتنافي- حسب قوله- والخلق والمنهج العلميين اللذين حرصت عليهما دائما. فأنا أرجو أن يقبل اعتذاري عن هفوة جرّتني إليها تهجمات ظالمة.
وأخيرا لا آخرا أشكر اثنين من طلابي أسهما بالعون المشكور في إخراج هذا الكتاب وهما: الآنسة ناهد جعفر والسيد جمال خطاب، أسأل الله لهما التوفيق والرعاية، وأدعوه جلّ وعلا أن يسدّد الخطى وأن يلهم الصواب.
بيروت في تموز (يوليه) ١٩٨٤ إحسان عباس.
стр. 466
الباب الثّالث في الشّرف والرّئاسة والسّيادة وما هو من خصائصها ومعانيها [١]
стр. 467
خطبة الباب
بسم الله الرحمن الرحيم وبه أثق الحمد لله الذي شرّف أولياءه بتقريبه واصطفائه [١] ، وأعلى منازلهم عن إسفاف الطمع وإدنائه، وجعل هممهم في عبادته دالة على أخطارهم، وعزائمهم في طاعته زنة لأقدارهم [٢] ، فعبدوه [٣] إذ كان للعبادة أهلا عبادة الأحرار، لا رغبة في الجنّة ولا رهبة من النار، أولئك ذوو الهمم العلية، والنفوس الأبيّة، عزفت عن الارتغاب [٤] ، وعزّت عن ذلّة الإرهاب، فلم يعملوا للجزاء، ولا سبقوا عند الجراء، نعم [٥] السابقون الأولون، والصدّيقون المقرّبون أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
(المجادلة: ٢٢) سادة في الدنيا والآخرة، وقادة في رقدة دار الغفلة ويقظة الساهرة. والصلاة [٦] على رسوله المصطفى المبعوث من أشرف عمارة [٧] وأرفعها حسبا، وأطهر قبيلة وأكرمها نسبا، المخصوص بصفة الكمال، الممنوح حلما يستخفّ [٨] رواسي الجبال، وصفحا يفكّ العناة [٩] وإن ثقلت مغارمهم، وعفوا يسع الجنّاة وإن عظمت جرائمهم، وعلى آله الحالّين أعلى المنازل والرتب، الباقي ذكر شرفهم على الأزمان والحقب، وسلّم وشرّف وكرّم. [١٠]
стр. 468
مقدمة الباب
(الباب الثالث في الشرف والرياسة والسيادة وما هو من خصائصها ومعانيها) الرياسة أصلها علوّ الهمة، وقطبها الحلم، وزينها حمل [١] المغارم، وبهجتها حفظ الجوار، وحصنها حمي الذمار، وأنا ذاكر ما جاء في ذلك جملة وتفصيلا، ومجتهد في إضافة كلّ كلام إلى جنسه وشبيهه [٢] ، ويدخل في الشرف والرياسة كفّ الأذى، وغضّ العين على القذى، وحياطة العشيرة، والايثار والتنزه والظلف والجود والبأس والصدق والوفاء وحسن الخلق والحياء، وغير ذلك من مكارم الأخلاق، ولهذه الخصائص أبواب مفردة قد استوفيتها، والفرق بين المكانين أن الشرف والرياسة معنى يشمل جميع الفضائل بطريق الاستيلاء والاستتباع [٣] ، وهما قسمان: أحدهما وهو الحقيقي: رياسة العلم والدين، وهو المنهج الواضح المبين، وتلك رياسة لا تنازع فيها، ومنزلة تزلّ عنها قدم مساميها، والآخر رياسة الدنيا، وهو المقصود بهذا المكان [٤] ، فإن القسم الأوّل قد دخل بالإشارة في الباب الأوّل من هذا الكتاب.
وقد تحصل الرياسة بالولاية لكنها عارية مؤدّاة، وبلغة تفارقه عند العزل وتقلاه، وإذا خلت من الفضيلة زادت اشتهارا بالمخازي [٥] ، وكشفت مكنون
стр. 469
المساوي، وخلّدت الكتب والآثار من قبح الذكر [١] ، ما يبقى عاره وشناره على وجه الدهر. والرياسة عقبة كؤود، ومرتقى صعود، لا ينالها إلا من تجشّم فيها المشقّة، ولم يستبعد الشقّة، وقد أحسن القائل في وصفها: [من الوافر]
وإن سيادة الأقوام فاعلم ... لها صعداء مطلبها طويل [٢] .
أقوال وأخبار في السيادة والسؤدد
وأنا أضمّن هذا الباب ما جاء من الآثار والأخبار والأشعار في علوّ الهمة وحمل المغارم، وحفظ الجوار وحمي الذمار، والحمية والأنف والحلم والعفو والصفح والتثبت والأناة، وما شاكل هذه المعاني وقاربها، إذ كان ما عداها قد أتى في أماكنه، مستمدا من الله سبحانه حسن التوفيق والتسديد، ومستدعيا بشكر نعمه فضل المزيد، قال الله عز من قائل: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
(الشورى: ٤٣) وقال تعالى: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ، وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ
(الشورى: ٣٧) وقال : فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
(الشورى: ٤٠) وقال : وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ
(الشورى: ٣٩) .
«١» وقال ﵌: من رزقه الله فبذل معروفه وكفّ أذاه فذاك السيّد [٣] .
стр. 470
«٢» - قيل لقيس بن عاصم: بم سدت قومك؟ قال: ببذل القرى، وترك المرا، ونصرة المولى.
«٣» - وقيل لأبي سفيان: بم سدت قومك؟ قال لم أخاصم أحدا قطّ إلّا تركت للصلح موضعا.
«٤» - من كلام سهل بن هارون: من لم يركب الأهوال لم ينل الرغائب، ومن ترك الأمر الذي لعلّه أن يبلغ به حاجته مخافة ما لعلّه أن يوقّاه فليس ينال جسيما.
«٥» - قال أبو بكر ﵁ لسعيد الفهميّ: أخبرني عن نفسك في جاهليتك وإسلامك، فقال: أما جاهليتي فو الله ما خمت عن بهمة، ولا هممت بلمّة، ولا فاديت غير كريم، ولا رئيت إلّا في خيل مغيرة، أو حمل جريرة، أو في نادي عشيرة، وأما مذ خطمني الإسلام فلن أزكّي لك نفسي.
٦- قال أفلاطون: إذا كبرت النفس استشعرت الخلود فعملت في العاجل ما يبقى لها في الآجل، وإذا صغرت استشعرت الفناء، فاستعجلت الأشياء خوفا من فواتها.
стр. 471
«٧» - قال سعيد بن العاص: ما شاتمت رجلا مذ كنت رجلا لأني لا أشاتم إلا أحد رجلين: إما كريم فأنا أحقّ من احتمله، وإما لئيم فأنا أولى من رفع نفسه عنه.
«٨» - قال الكلبيّ: قال لي خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد بن كرز: ما تعدّون السؤدد؟ فقلت: أما في الجاهليّة فالرياسة، وأما في الإسلام فالولاية، وخير من ذا وذاك التقوى، فقال لي: صدقت، كان أبي يقول: لم يدرك الأوّل الشرف إلا بالفعل، ولا يدركه الآخر إلّا بما أدرك به الأوّل، قال: قلت: صدق أبوك، ساد الأحنف بحلمه، وساد مالك بن مسمع [١] بمحبة العشيرة له، وساد قتيبة بدهائه، وساد المهلب بهذه [٢] الخلال.
فقال لي: صدقت، كان أبي يقول: خير الناس للناس خيرهم لنفسه، وذاك أنه إذا كان كذلك أبقى على نفسه من السّرق لئلا يقطع، ومن القتل لئلا يقاد، ومن الزنا لئلا يحدّ، فسلم الناس منه لإبقائه على نفسه.
«٩» - وقالوا: من نعت السيد أن يكون لحيما ضخم الهامة، جهير الصوت، إذا خطا أبعد، وإذا تؤمّل [٣] ملأ العين لأن حقّه أن يكون في صدر
стр. 472
مجلس أو ذروة منبر أو منفردا في موكب.
«١٠» - وكانوا يقولون في نعت السيد: يملأ العين جمالا والسمع مقالا.
«١١» - وقال رجل لبعض أهله: والله ما أنت بعظيم فتكون سيدا، ولا بأرسح فتكون فارسا.
«١٢» - وقال آخر: والله ما فتقت فتق السادة ولا مطلت مطل الفرسان.
«١٣» - قيل للأشعث بن قيس بن معدي كرب الكندي: بم كنتم تعرفون السؤدد في الصبيّ [١] منكم؟ قال: إذا كان ملوث الأزرة، طويل الغرلة، سائل الغرّة كأنّ به لوثة فلسنا نشكّ في سؤدده.
هذه أمارات تصيب وتخون، والمعوّل على ما أدركته الحقيقة لا الظنون.
«١٤» - قيل للأحنف: من السيد؟ قال: الذليل في نفسه، الأحمق في ماله، المعنيّ بأمر قومه، الناظر للعامة.
«١٥» - وقال عدي بن حاتم: السيد الأحمق في ماله، الذليل في
стр. 473
عرضه، المطرّح لحقده، المعنيّ بأمر جماعته، وأحسن القول ما قارنه الفعل.
«١٦» - قدم وفد العراق على معاوية وفيهم الأحنف، فقام الآذن وقال:
إن أمير المؤمنين يعزم عليكم أن يتكلم أحد إلا لنفسه، فلما وصلوا إليه قال الأحنف: لولا عزمة أمير المؤمنين لأخبرته أنّ رادفة ردفت، ونازلة نزلت، ونائبة نابت، والكلّ بهم الحاجة إلى معروف أمير المؤمنين وبره. فقال:
حسبك يا أبا بحر فقد كفيت الغائب والشاهد.
«١٧» ومثل ذلك، بل أبلغ وأصلت [١] ، ومن امرأة أعظم وأغرب، ما روي عن سودة بنت عمارة الهمدانيّة، وفدت على معاوية فقال لها: ما حاجتك؟ قالت: إنك أصبحت للناس سيدا، ولأمرهم متقلّدا، والله مسائلك عن أمرنا، وما افترض عليك من حقّنا، ولا يزال يقدم علينا من ينوء [٢] بعزّك ويبطش بسلطانك فيحصدنا حصد السّنبل، ويدوسنا دوس [٣] البقر، ويسومنا الخسيسة، ويسلبنا [٤] الجليلة، وهذا بسر بن أرطأة قدم علينا من قبلك فقتل رجالي، يقول لي فوهي [٥] بما أستعصم الله منه وألجأ إليه فيه، ولولا الطاعة لكان فينا عزّ ومنعة. فإما عزلته عنّا فشكرناك، وإما لا فعرفناك. فقال معاوية: أتهدديني بقومك؟ لقد هممت أن أحملك على قتب [٦] أشرس فأردّك إليه ينفذ فيك حكمه. فأطرقت تبكي ثم أنشأت تقول:
[من البسيط]
стр. 474
صلّى الاله على جسم [١] تضمّنه ... قبر فأصبح فيه العدل مدفونا
قد حالف الحقّ لا يبغي به بدلا [٢] ... فصار بالحقّ والإيمان مقرونا
فقال لها: ومن ذاك؟ قالت: عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه.
قال: وما صنع بك حتّى صار عندك كذا؟ قالت: قدمت عليه في مصدّق قدم علينا من قبله، والله ما كان بيني وبينه إلا ما بين الغثّ والسمين، فأتيت عليّا لأشكو إليه ما صنع بنا فوجدته قائما يصلي. فلما نظر إليّ انفتل من صلاته ثم قال لي، برأفة وتعطّف: ألك حاجة؟ فأخبرته، فبكى ثم قال: اللهم أنت الشاهد عليّ وعليهم، إني لم آمرهم بظلم خلقك ولا بترك حقّك؛ ثم أخرج من جيبه قطعة جلد كهيئة طرف الجراب، فكتب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ
(هود: ٨٥- ٨٦) . إذا [٣] قرأت كتابي هذا فاحتفظ بما في يديك من عملنا حتّى يقدم عليك من يقبضه منك، والسلام.
فأخذته منه والله ما ختمه بطين ولا خزمه بخزام، فقرأته.
فقال لها معاوية: لقد لمّظكم [٤] ابن أبي طالب الجرأة على السلطان، فبطيئا ما [٥] تفطمون، ثم قال: اكتبوا لها بردّ مالها والعدل عليها. قالت: ألي خاصة أم لقومي عامة؟ قال: ما أنت وقومك؟ قالت: هي إذن والله الفحشاء واللؤم، إن كان عدلا شاملا وإلا أنا كسائر قومي، قال: اكتبوا لها ولقومها.
стр. 475
«١٨» - ومثله خبر الراعي مع عبد الملك لما أنشده قوله: [من البسيط]
فإن رفعت بهم رأسا نعشتهم ... وإن لقوا مثلها في قابل فسدوا
قال له: تريد ماذا؟ قال: تردّ عليهم صدقاتهم، وتدرّ أعطياتهم، وتنعش فقيرهم، وتخفّف مؤونة غنيّهم، قال: إنّ ذا لكثير، قال: أنت أكثر منه، قال: قد فعلت فسلني حوائجك، قال: قد قضيتها، قال: سل لنفسك، قال: لا والله لا أشوب هذه المكرمة بالمسألة لنفسي.
«١٩» - ومما يناسبه أن البادية قحطت في أيام هشام، فقدمت عليه العرب فهابوا أن يتكلموا وفيهم درواس بن حبيب ابن ست عشرة سنة له ذؤابة وعليه شملتان، فوقعت عليه عينا هشام فقال لحاجبه: ما يشاء أحد يدخل علي إلا دخل حتى [١] الصبيان؟! فوثب درواس بن حبيب حتى وقف بين يديه مطرقا، فقال: يا أمير المؤمنين إن للكلام نشرا وطيّا، وإنه لا يعرف ما في طيه إلا بنشره، فإن أذنت لي أن أنشره نشرته. قال: انشر لا أبا لك، وقد أعجبه كلامه مع حداثة سنه. فقال: إنه أصابتنا سنون ثلاث: سنة أذابت الشحم، وسنة أكلت اللحم، وسنة أنقت العظم، وفي أيديكم فضول أموال، فإن كانت لله ففرّقوها على عباده، وإن كانت لهم فعلام تحبسونها عنهم؟ وإن كانت لكم فتصدّقوا بها عليهم إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي
стр. 476
الْمُتَصَدِّقِينَ
(يوسف: ٨٨) فقال هشام: ما ترك لنا الغلام في واحدة من الثلاث عذرا. فأمر للبوادي بمائة ألف دينار، وله بمائة ألف درهم، فقال:
ارددها يا أمير المؤمنين إلى جائزة العرب، فإني أخاف أن تعجز عن بلوغ كفاية [١] . فقال: أما لك حاجة؟ قال: ما لي حاجة في خاصّة نفسي دون عامة المسلمين. فخرج وهو من أنبل القوم.
«٢٠» - قال رجل للأحنف: لم سوّدك قومك وما أنت بأشرفهم بيتا، ولا أصبحهم وجها، ولا أحسنهم خلقا؟ قال: بخلاف ما فيك يا بني، قال: وما ذاك؟ قال: بتركي من أمرك ما لا يعنيني كما عناك من أمري ما لا يعنيك.
«٢١» قال عمرو بن العاص لدهقان نهر تيرى: بم ينبل الرجل عندكم؟ قال: بترك الكذب فإنه لا يشرف من لا يوثق بقوله، وبقيامه بأمر أهله فإنه لا ينبل من يحتاج أهله إلى غيره، وبمجانبة الريب فإنه لا يعزّ من لا يؤمن أن يصادف على سوءة، وبالقيام بحاجات الناس فإنه من رجّي الفرج عنده كثرت غاشيته.
«٢٢» - وقال بزرجمهر: من كثر أدبه كثر شرفه وإن كان قبل وضيعا، وبعد صوته وإن كان خاملا، وساد وإن كان غريبا، وكثرت الحاجات إليه وإن كان فقيرا.
стр. 477
«٢٣» - قال المعلوط الرّبعي: [من الطويل]
فما سوّد المال اللئيم ولا دنا ... لذاك ولكن الكريم يسود
إذا المرء أعيته المروءة ناشئا ... فمطلبها كهلا عليه شديد
ولهذا المعنى الذي بيّنه المعلوط قالوا: السؤدد مع السواد.
«٢٤» - وقال المقنع الكنديّ [١] : [من الطويل]
يعاتبني في الدين قومي وإنما ... ديوني في أشياء تكسبهم حمدا
أسدّ به ما قد أخلّوا وضيّعوا ... ثغور حقوق ما أطاقوا لها سدا
وفي جفنة ما يغلق الباب دونها ... مكللة لحما مدفّقة ثردا
وفي فرس نهد عتيق جعلته ... حجابا لبيتي ثم أخدمته عبدا
فإن الذي بيني وبين بني أبي ... وبين بني عمي لمختلف جدا
إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
وإن ضيّعوا غيبي حفظت غيوبهم ... وإن هم هووا غيّي هويت لهم رشدا
стр. 478
ولا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا
لهم جلّ مالي إن تتابع لي غنى ... وإن قلّ مالي لم أكلّفهم رفدا
وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا ... وما شيمة لي غيرها تشبه العبدا
«٢٥» - وقال آخر أيضا: [من الطويل]
وليس فتى الفتيان من جلّ همّه ... صبوح وإن أمسى ففضل غبوق
ولكن فتى الفتيان من راح واغتدى ... لضرّ عدوّ أو لنفع صديق
٢٦- وقد كان أحمد بن أبي دواد القاضي جبل على مثل هذا، قال أبو العيناء: ما رأيت مثل ابن أبي داود من رجل قد مكّن له في الدنيا ذلك التمكين، كنت أراه في مجلس سقفه غير مغرّى، جالسا على مسح وأصحابه معه، يتدرّن القميص عليه فلا يبدّله حتى يعاتب في ذلك، ليس له همة ولا لذة في الدنيا إلا أن يحمل رجلا على منبر وآخر على جذع.
«٢٧» - قال أسد بن عبد الله القسريّ لسلم بن نوفل: ما أرخص السؤدد فيكم!! فقال سلم: أما نحن فلا نسوّد إلا من بذل لنا ماله، وأوطأنا عرضه، وامتهن في حاجتنا نفسه؛ فقال أسد: إنّ السؤدد فيكم لغال.
«٢٨» - وقال معاوية لعرابة بن أوس بن قيظيّ الأنصاري: بم سدت
стр. 479
قومك؟ قال: لست بسيدهم ولكني رجل منهم فعزم عليه فقال: أعطيت في نائبتهم، وحلمت عن سفيههم، وشددت على يدي حليمهم، فمن فعل منهم فعلي فهو مثلي، ومن قصّر عني فأنا أفضل منه، ومن تجاوزني فهو أفضل مني.
وقيل في رواية بأربع خلال: أنخدع لهم في مالي، وأذلّ لهم في عرضي، ولا أحتقر صغيرهم، ولا أحسد رفيعهم.
«٢٩» وكان سبب ارتفاع ذكر عرابة أنه قدم من سفر فجمعه والشمّاخ ابن ضرار المرّي الطريق فتحادثا، فقال له عرابة: ما الذي أقدمك المدينة؟
قال: قدمتها لأمتار منها، فملأ له عرابة رواحله برّا وتمرا وأتحفه بغير ذلك، فقال الشماخ: [من الوافر]
رأيت عرابة الأوسيّ يسمو ... إلى الخيرات منقطع القرين
إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين
إذا بلّغتني وحملت رحلي ... عرابة فاشرقي بدم الوتين
«٣٠» - سأل عبد الملك بن مروان روح بن زنباع عن مالك بن مسمع فقال: لو غضب مالك لغضب معه مائة ألف لا يسأله واحد منهم لم غضب، قال عبد الملك: هذا والله السؤدد.
«٣١» - كتب معاوية إلى زياد: اعزل حريث بن جابر فإني ما أذكر فتنة
стр. 480
صفين إلا كانت حزازة في صدري. فكتب إليه: خفّض عليك يا أمير المؤمنين، فقد بسق حريث بسوقا لا يرفعه عمل ولا يضرّه [١] عزل.
«٣٢» - وكتب إليه: انظر رجلا يصلح لثغر الهند فولّه، فكتب إليه زياد: إن قبلي رجلين يصلحان لذلك: الأحنف بن قيس وسنان بن سلمة.
فكتب معاوية: بأيّ يومي الأحنف نكافئه: ألخذلان أم المؤمنين أم بسعيه علينا يوم صفين؟ فوجّه سنانا. فكتب إليه زياد: إنّ الأحنف قد بلغ من الشرف والسؤدد ما لا ترفعه الولاية ولا يضعه العزل.
«٣٣» - وقيل لرجل: بم ساد عليكم الأحنف؟ فو الله ما كان بأكبركم سنّا ولا بأكثركم [٢] نشبا. قال: بقوّته على سلطان نفسه.
«٣٤» - لما ولي زياد البصرة خطب فقال: إني رأيت خلالا ثلاثا نبذت إليكم فيهن النصيحة: لا يأتيني شريف بوضيع لم يعرف له شرفه إلا عاقبته، ولا كهل بحدث لم يعرف له فضل سنه [٣] إلا عاقبته، ولا عالم يجاهل عنته إلا عاقبته، فإنما الناس بأشرافهم وذوي سنهم وعلمائهم.
«٣٥» - أراد أنوشروان أن يقلد ابنه هرمز ولاية العهد، فاستشار عظماء
стр. 481
مملكته فأنكروا عليه، وقال بعضهم: إن الترك ولدته وفي أخلاقهم ما علمت فقال: الأبناء ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات، وكانت أم قباذ تركية، وقد رأيتم من عدله وحسن سيرته ما رأيتم. فقيل: هو قصير وذاك يذهب ببهاء الملك. فقال: إن قصره من رجليه ولا يكاد يرى إلا جالسا أو راكبا فلا يستبين ذلك فيه، فقيل: هو بغيض في الناس، فقال: أوه، أهلكت ابننا هرمز فقد قيل: إن من كان فيه خير واحد ولم يكن ذلك الخير المحبة في الناس فلا خير فيه، ومن كان فيه عيب واحد ولم يكن ذلك العيب المبغضة في الناس فلا عيب فيه.
«٣٦» - ذكرت البيوتات عند هشام بن عبد الملك فقال: البيت ما كانت له سالفة ولا حقة وعماد حال ومساك دهر، فإذا كان كذلك فهو بيت قائم؛ أراد بالسالفة ما سلف من شرف الآباء، واللاحقة ما لحق من شرف الأبناء، وبعماد الحال الثروة، وبمساك الدهر الجاه عند السلطان.
٣٧- وكان يقال: مضر خيرة الله من خلقه، وقريش خيرة مضر، وهاشم خيرة قريش، وعترة رسول الله ﵌ خيرة هاشم.
«٣٨» - وأحفظ معاوية الأحنف وجارية بن قدامة ورجالا من بني سعد فأغلظوا له، وذلك بمسمع من بنت قرظة، فأنكرت ذلك فقال لها: إن مضر كاهل العرب، وتميما كاهل مضر، وسعدا كاهل تميم، وهؤلاء كاهل سعد.
ومن الرياسة علو الهمة
«٣٩» - قال عمر بن الخطاب ﵁: لا تصغرنّ هممكم فإني لم
стр. 482
أر شيئا أقعد بالرجل من سقوط همته.
٤٠- وقال معاوية: تهامموا فإني هممت بالخلافة فنلتها. (يعني مع بعده عن رتبتها ووجود أعيان الصحابة الألى [١] هم أحقّ منه بها، كما يقال: قلّ من طلب إلا وجد أو كاد) .
«٤١» - وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: إن لي نفسا تتوق إلى معالي الأمور، تاقت إلى الخلافة فلما نلتها تاقت إلى الجنة.
«٤٢» - وقيل للعتابي: إنّ فلانا بعيد الهمة، فقال: إذن لا يقنع بدون الجنة.
وإذا أردنا حقيقة علوّ الهمة، فطلب الجنة [٢] ، وإذا أردنا الرياسة التي لا يفسدها الزمان فرياسة الدين والعلم، وإنما نذكر رياسة الدنيا والراغبين فيها مجازا ولذاك يقع بالأمر غير مستحقه، وينال الدنيا وشرفها ويدرك غاياتها من لا فضيلة عنده، فيهلك [٣] صاحبها المحروم أسفا وكمدا، ويتقطع قلبه لهفا وحسدا.
ونعود إلى ما قصدنا له:
«٤٣» - نازع عبد الملك بن مروان وهو حدث عبد الرحمن بن خالد بن الوليد فأربى عليه عبد الرحمن، فقيل له لو شكوت ما صنع بك إلى عمه لا نتقم لك منه، فقال: اني لا أرى انتقام غيري لي انتقاما؛ فلما استخلف
стр. 483
أذكر بذلك فقال: حقد السلطان عجز.
«٤٤» - وخاض جلساؤه يوما في مقتل عثمان فقال رجل: يا أمير المؤمنين في أيّ سنّك كنت يومئذ؟ قال: كنت دون المحتلم، فقال فما بلغ من حزنك عليه؟ قال: شغلني الغضب له عن الحزن عليه.
«٤٥» - قال يزيد بن المهلب: ما يسرّني أني كفيت أمر الدنيا كله، قيل: ولم أيها الأمير؟ قال: أكره عادة العجز.
«٤٦» - ومن الهمّة البعيدة ما فعله بنو العبّاس: خرجوا في أربعة عشر راكبا يطلبون الخلافة، وأعداؤهم في أيديهم الأموال والبلاد، والجيوش منقادة لهم حتى قال بعضهم وهو داود بن عليّ، وقد لقيهم ولم يعلم أين يريدون: ما قصتكم وأين تريدون؟ فقصّ عليه أبو العبّاس القصة، وأنهم يريدون الكوفة ليظهر أمرهم بها، فقال له داود: يا أبا العبّاس تأتي الكوفة وشيخ بني مروان بحرّان، وهو مطلّ على العراق في أهل الشام، يعني مروان بن محمد، وشيخ العرب في العراق في حلبة العرب، يعني يزيد بن عمر بن هبيرة؟! فقال أبو العبّاس: من أحبّ الحياة ذلّ، ثم تمثل قول الأعشى: [من الطويل]
فما ميتة إن متّها غير عاجز ... بعار إذا ما غالت النفس غولها
فالتفت داود إلى ابنه موسى فقال: صدق والله ابن عمك، ارجع بنا معه نعش أعزاء أو نموت كراما، فرجعوا معه.
стр. 484
والركب الأربعة عشر هم: أبو العبّاس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العبّاس وهو [أبو] العبّاس [١] السفاح، وأخوه أبو جعفر عبد الله المنصور، وعمومتهما عبد الله وصالح وعبد الصمد وإسماعيل وداود وعيسى بنو علي بن عبد الله بن عبّاس، ويحيى بن محمد بن علي، وعبد الوهّاب ومحمد ابنا إبراهيم بن محمد بن علي، وعيسى بن موسى بن علي، وموسى بن داود بن علي ويحيى بن جعفر بن تمام بن العبّاس.
وكان عيسى بن موسى إذا ذكر خروجهم من الحميمة يريدون الكوفة يقول: إن ركبا أربعة عشر خرجوا من دارهم وأهليهم يطلبون ما طلبنا لعظيمة هممهم، كبيرة نفوسهم، شديدة قلوبهم.
«٤٧» - وممن علت به همّته ورفعته من أوضع منزلة إلى أعلى درجة أبو مسلم صاحب الدولة، وهو عبد اشتراه إبراهيم الامام وأعتقه، وذلك بعد تعرضه للدعوة، وقد ذكرنا مبدأ أمره في موضعه من هذا الكتاب. قيل له في أيّام شبيبته وعصر حداثته: إنا نراك تأرق كثيرا ولا تنام كأنك موكّل برعي الكواكب أو متوقع للوحي من السماء. قال: والله ما هو ذاك، ولكن لي رأي جوال، وغريزة تامة، وذهن صاف، وهمّة بعيدة، ونفس تتوق إلى معالي الأمور، مع عيش كعيش الهمج والرعاع، وحال متناهية في الخساسة والاتضاع [٢] ، وإني لأرى بعض هذا مصيبة لا تجبر بسهر ولا تتلافى برفق.
فقيل له: ما الذي يبرد غليلك، ويشفي أحاح صدرك، ويطفىء أوار نارك؟
قال: الظفر بالملك. قيل له: فاطلب، قال: إن الملك لا يطلب إلا بركوب
стр. 485
الأهوال، قيل: فاركب الأهوال، قال: هيهات، العقل مانع من ركوب الأهوال، قيل: فما تصنع وأنت تبلى حسرة وتذوب كمدا؟ قال: سأجعل من عقلي بعضه جهلا وأحاول به خطرا لأنال بالجهل ما لا ينال إلا به، وأدبّر بالعقل ما لا يحفظ إلا بقوّته، وأعيش عيشا يبين [١] مكان حياتي فيه من مكان موتي عليه فإن الخمول أخو العدم، والشهرة أبو الكون.
«٤٨» - وكان للفاذوسبان [٢] ، وهو من كبار أهل نيسابور، يد عند أبي مسلم في اجتيازه إلى خراسان، فكان يرعى له ذلك، فقال له يوما الفاذوسبان: أيها السلار، وبذاك كان يخاطب قبل قتل [ابن] الكرماني، مال قلبك إلى أحد بخراسان؟ فقال: كنت في ضيافة رجل يقال له فلان السمرقندي، فقامت بين يديّ جارية له توضيني فاستحليتها، قال فأنفذ الفاذوسبان إلى سمرقند واحتال في تحصيل الجارية، ثم أضاف أبا مسلم وأمرها أن [٣] توضيه، فلما نظر إليها عرفها، فوهبها له الفاذوسبان، وكان لا يحجب عن أبي مسلم في أي وقت جاءه، فدخل إليه يوما فوجده نائما في فراشه فانصرف، وأمر أبو مسلم برده فجاء حتى وقف عليه فرآه مضاجعا تلك الجارية، وهما في ثيابهما [٤] ، وبينهما سيف مسلول، فقال: يا فاذوسبان، إنما أحببت أن تقف على صورتي في منامي لتعلم أنّ من قام بمثل ما قمت به لا يتفرغ إلى مباشرة النساء، وأنشد [٥] : [من البسيط]
стр. 486
قوم إذا حاربوا شدّوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت بأطهار
«٤٩» - وكتب عبد الحميد كتابا إلى أبي مسلم وقال لمروان: إني قد كتبت كتابا إن نجع فذاك وإلا فالهلاك، وكان من كبر حجمه يحمل على جمل، وكان عبد الحميد قال: أنا ضامن أنه متى قرأ الرسول على المستكفين حول أبي مسلم ذلك بمشهد منه أنهم يختلفون، وإذا اختلفوا كلّ حدّهم وذلّ جهدهم، فلما ورد الكتاب على أبي مسلم دعا بنار فطرحه فيها إلا قدر ذراع فإنه كتب عليه: [من الطويل]
محا السيف أسطار البلاغة وانتحى ... عليك ليوث الغاب من كلّ جانب
فإن تقدموا نعمل سيوفا شحيذة ... يهون عليها العتب من كل عاتب
وردّه، فحينئذ وقع اليأس من معالجته.
«٥٠» - وتزعم [١] الفرس انّ كابي كان حدادا بخراسان وقيل [٢] بأصفهان في ملك بيوراسب، وأن بيوراسب قتل ابنين له، فسمت همّته إلى أن أخذ النطع [٣] الذي يتوقى به من النار فجعله علما، ودعا الناس إلى مجاهدة [٤] بيوراسب، فأجابه خلق كثير لما كان عليه بيوراسب من الجور [٥] ، وهزم بيوراسب وقتل، وسألوا كابي أن يلي عليهم الملك فأبى حتى ملكوا غيره،
стр. 487
وعظموا ذلك النطع ورصعوه بالجوهر وصار علم ملوكهم الأكبر الذي يتبركون به في حروبهم ويسمونه درفش كابيان.
«٥١» - ويقال [١] لا ينبغي للرجل ذي المروءة الفاضلة أن يرى إلا في موضعين ولا يليق به غيرهما: إما مع الملوك مكرما، وإما مع النساك متبتلا.
«٥٢» - وممن حركته همته حتى نال أمنيته على بعد منالها المختار بن أبي عبيد الثقفي، قال بن العرق [٢] : رأيت المختار مشتور العين، قلت: من فعل بك هذا، قطع الله يده؟ فقال: ابن الفاعلة عبيد الله بن زياد، والله لأقطعنّ أنامله وأباجله، ولأقتلن بالحسين عدد من قتل بيحيى بن زكريا ﵉. وحبس في فتنة يزيد فلما هلك اجتمعت الشيعة لإخراجه، فاستأناهم حتى أخرجه عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة وهما على الكوفة من قبل عبد الله بن الزبير وكفلاه وحلّفاه ألا يخرج ما دام لهما سلطان، فإن فعل فعليه ألف بدنة ينحرها لدى رتاج الكعبة، ومماليكه ذكرهم وأنثاهم [٣] أحرار، فلما عزلا عن الكوفة وبعث ابن الزبير عليها عبد الله بن مطيع أظهر أمره حينئذ، وبلغ من الثأر ما هو مشهور. وكان يقول: قاتلهم الله ما أحمقهم حين يرون أني أفي لهم باليمين، أما يميني بالله فانه ينبغي لي إذا حلفت على يمين ثم رأيت ما هو خير منها أن أدع ما حلفت عليه وآتي الذي هو خير وأكفّر عن يميني، وأما
стр. 488
هدي البدن فأهون عليّ من بصقة، وما ثمن ألف بدنة مما يهولني! وأما عتق مواليّ فو الله لوددت أنه قد استتب لي أمري ولم أملك مملوكا أبدا.
«٥٣» - ولما حارب المختار مصعبا فلّ جيش مصعب، وقتل محمد بن الأشعث، وأوغل أصحاب المختار في أصحاب مصعب فظن أنهم انهزموا، فانصرف منهزما إلى القصر بالكوفة، وعاد أصحاب المختار من حملتهم فلم يجدوه، فتبعوه إلى القصر بعد أن تفرّق شطرهم وظنّوا أنه قد قتل، واجتمعوا في القصر ثمانية آلاف، وحصرهم مصعب فقال لهم: اخرجوا إلى القوم فما بكم من قلّة، فجبنوا عن ذلك وضعفوا، فخرج المختار إليهم في تسعة عشر رجلا فقاتلهم حتى قتل ولم يسلم نفسه لهم.
«٥٤» - خرج معاوية متنزها فمرّ بحواء [١] ضخم فقصد لبيت منه، فإذا بفنائه امرأة برزة، فقال لها: هل من غداء؟ قالت: نعم حاضر، قال: وما غداؤك؟ قالت خبز خمير، وماء نمير، وحيس فطير، ولبن هجير [٢] ، فثنى وركه ونزل، فلما تغدّى قال: هل لك من حاجة؟ فذكرت حاجة أهل الحواء، قال: هاتي حاجتك في خاصّة نفسك، قالت: يا أمير المؤمنين إني أكره أن تنزل واديا فيرفّ أوله ويقفّ آخره.
«٥٥» - قال ابن عامر لامرأته أمامة بنت الحكم الخزاعية: إن ولدت
стр. 489
غلاما فلك حكمك، فلما ولدت قالت: حكمي أن تطعم سبعة أيّام، كلّ يوم ألف خوان من فالوذج، وأن تعقّ بألف شاة، ففعل.
«٥٦» - قال بعضهم: رحت عشية من طريق مكة مع عبد الله بن الحسن بن الحسن، فضمّنا المسير وداود وعبد الله وعيسى بني علي بن عبد الله ابن العبّاس، فسار عيسى وعبد الله أمام القوم، فقال داود لعبد الله بن الحسن: لم لا يظهر محمد، يعني ابنه؟ فقال عبد الله: لم يأت الوقت الذي يظهر فيه محمد بعد، ولسنا بالذين نظهر عليهم، وليقتلنّهم الذي يظهر عليهم قتلا ذريعا، قال: فسمع عبد الله بن علي الحديث فالتفت إلى عبد الله بن الحسن وقال: يا أبا محمد [من الوافر]
سيكفيك الجعالة مستميت ... خفيف الحاذ من فتيان جرم [١]
أنا والله أظهر عليهم وأقتلهم وأنتزع ملكهم، فكان كما قال.
«٥٧» - قال أبو هريرة رأيت هندا يعني بنت عتبة بمكة جالسة وكأنّ وجهها فلقة قمر، وخلفها من عجيزتها مثل الرجل الجالس، ومعها صبيّ يلعب، فمرّ رجل فنظر إليه وقال: إني لأرى غلاما إن عاش ليسودنّ قومه، فقالت هند: إن لم يسد إلا قومه فلا جبره الله.
стр. 490
«٥٨» - وقال عتبة بن ربيعة لابنته هند: قد خطبك إليّ رجلان «السم ناقعا» يعني سهيل بن عمرو، و «الأسد عاديا» يعني أبا سفيان، فأيهما أحبّ إليك أن أزوّجك؟ قالت: الذي يأكل أحبّ إلي من الذي يؤكل؛ فزوّجها أبا سفيان.
٥٩- لما قتل حاجب بن زرارة قراد بن حنيفة قالت قبائل بني دارم لحاجب: إمّا أن تقيد من نفسك، وإما أن تدفع إلينا رجلا من رهطك، فأمر فتى من بني زرارة بن عدس أن يذهب إليهم حتى يقاد، فمرّوا بالفتى على أمه فحسبوها [١] تجزع فيدفع إليهم حاجب غيره، فقالت: إنّ حيضة وقت حاجبا الموت [٢] لعظيمة البركة.
«٦٠» - قيل إن الحارث بن عوف بن أبي حارثة المرّي قال لخارجة بن سنان المريّ: أتراني أخطب إلى أحد فيردني؟ قال: نعم، قال: ومن ذاك؟
قال: أوس بن حارثة بن لام الطائي، فقال الحارث لغلامه: ارحل بنا، فركبا حتى انتهيا إلى أوس بن حارثة في بلاده، فوجداه في ثني [٣] منزله، فلما رآه قال: مرحبا بك يا حار، ما جاء بك؟ قال: جئتك خاطبا، قال: لست هناك، فانصرف ولم يكلّمه؛ ودخل أوس على امرأته مغضبا، وكانت من بني عبس فقالت: من رجل وقف عليك فلم يطل ولم تكلّمه؟ قال: ذاك سيد
стр. 491
العرب الحارث بن عوف، قالت: فما لك لم تستنزله [١] ؟ قال: إنه استحمق، جاءني خاطبا، قالت: أفتريد أن تزوّج بناتك؟ قال: نعم، قالت: فإذا لم تزوّج سيد العرب فمن؟ قال: قد كان ذلك، قالت: فتدارك ما كان منك، قال: بماذا؟ قالت: أن تلحقه فتردّه. قال: وكيف وقد فرط إليه مني ما فرط؟ قالت: تقول: إنك لقيتني وأنا مغضب بأمر لم تقدّم فيه قولا، فلم يكن عندي من الجواب إلا ما سمعت، فانصرف ولك عندي كلّ ما أحببت، فركب في أثرهما؛ قال خارجة بن سنان: فو الله إنا نسير [٢] إذ حانت مني التفاتة فرأيته، فأقبلت على الحارث وما يكلمني غمّا، فقلت له: هذا أوس بن حارثة في أثرنا، قال: وما نصنع به؟ امض، فلما رآنا لا نقف عليه صاح:
يا حار اربع [٣] عليّ، فوقفنا له وكلّمه بذلك الكلام، فرجع مسرورا، فبلغني أن أوسا لما دخل منزله [٤] دعا ابنته الكبرى وأعلمها خطبة الحارث بن عوف فقالت: لا تفعل. قال: ولم؟ قالت: لأنّ في وجهي ردّة وفي خلقي بعض العربدة [٥] ، ولست بابنة عمه فيرعى حقي [٦] ، وليس بجارك فيستحي منك، ولا آمن أن يرى منّي ما يكره فيطلقني، فيكون عليّ في ذلك ما تعلم؛ قال:
قومي بارك الله عليك، ثم دعا بابنته الوسطى وقال لها كمقالته للكبرى، فقالت له: أنا خرقاء، وأجابته بنحو جواب أختها. فقال: ادعوا لي بهيسة، يعني الصغرى [٧] ، فقال لها كمقالته لأختيها، فقالت: أنت وذاك. فقال لها: إنّي عرضت ذلك على أختيك فأبتاه، فقالت: لكني والله الجميلة وجها، الصّناع
стр. 492
يدا، الرقيقة خلقا، الحسيبة أبا، فإن طلّقني فلا أخلف الله عليه بخير.
قال، فخرج إلينا وقال: قد زوجتك يا حار بهيسة بنت أوس، قال:
قد قبلت؛ فأمر أمّها أن تهيّئها وتصلح من شأنها، ثم أمر ببيت فضرب له وأنزله إيّاه، ثم خرج إليّ فقلت: أفرغت من شأنك؟ فقال:
لا، قلت: وكيف؟ قال: لما مددت يدي إليها قالت: مه أعند أهلي [١] وإخوتي؟! هذا والله ما لا يكون، قال: فأمر بالرحلة فارتحلنا بها معنا، فسرنا ما شاء الله ثم قال لي: تقدّم فتقدّمت، وعدل بها عن الطريق، فما لبث أن لحقني فقلت: أفرغت؟ قال: لا والله قلت:
ولم؟ قال: قالت لي: أكما يفعل بالأمة الجليبة والسبيّة الأخيذة؟ لا والله حتى تنحر وتذبح [٢] وتدعو العرب وتعمل ما يعمل لمثلي، قال: قلت والله إني لأرى همّة وأرى عقلا وإني لأرجو أن تكون المرأة النجيبة. فرحلنا حتى جئنا بلادنا فأحضر الإبل والغنم ودخل عليها ثم خرج فقلت: أفرغت؟ قال: لا والله، قلت: ولم؟ قال: دخلت عليها أريدها، وقلت لها: قد أحضرنا من المال ما تريدين [٣] . فقالت: والله لقد ذكرت لي من الشرف بما لا أراه فيك، قلت: وكيف؟ قالت: أتتفرغ لنكاح النساء والعرب يأكل بعضها بعضا؟! وذلك في أيام حرب عبس وذبيان. قلت: فتقولين ماذا؟ فقالت: اخرج إلى هؤلاء القوم فأصلح بينهم ثم ارجع إلى أهلك فلن يفوتوك، فقلت: والله إني لأرى همة وعقلا ولقد قالت قولا. قال: فاخرج بنا، فخرجنا حتى أتينا القوم فمشينا بينهم بالصلح، فاصطلحوا على أن يحسبوا [٤] القتلى ثم يؤخذ الفضل ممن هو عليه، فحملنا عنهم الديات فكانت ثلاثة آلاف بعير في ثلاث سنين،
стр. 493
فانصرفنا بأجمل الذكر.
«٦١» - لما احتضر ذو الاصبع العدوانيّ دعا ابنه أسيدا فقال: يا بنيّ إن أباك قد فني وهو حيّ، وعاش حتى سئم العيش، وإني موصيك ما إن حفظته بلغت في قومك ما بلغته فاحفظ عني: ألن جانبك لقومك يحبّوك، وتواضع لهم [١] يرفعوك، وابسط لهم وجهك يطيعوك، ولا تستأثر عنهم حتى يسوّدوك، وأكرم صغارهم كما تكرم كبارهم يكبر على مودّتك صغارهم، واسمح بمالك واحم حريمك، وأعزز جارك، وأعن من استعان بك، وأكرم ضيفك، وأسرع النهضة في الصريخ فان لك أجلا لا يعدوك، وصن وجهك عن مسألة أحد شيئا يتمّ سؤددك.
«٦٢» - لما أمعن داود بن علي في قتل بني أمية بالحجاز قال له عبد الله بن الحسن بن الحسن: يا ابن عمّ، إذ أفرطت في قتل أكفائك فمن تباهي بسلطانك؟ أو ما يكفيك منهم أن يروك رائحا وغاديا فيما يسرّك ويسوءهم؟
«٦٣» - كان عثمان بن حيان [٢] المرّي على المدينة من قبل الوليد بن عبد الملك، فأساء بعبد الله والحسن ابني الحسن إساءة عظيمة وقصدهما، فلما عزل أتياه فقالا: لا تنظر إلى ما كان بيننا فان العزل قد محاه، وكلّفنا أمرك كله. فلجأ إليهما فبلّغاه كلّ ما أراد، فجعل عثمان يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالاته.
стр. 494
«٦٤» - كان محمد بن سليمان بن علي من رجال بني هاشم وذوي هممهم، وكان له خمسون ألف مولى أعتق منهم عشرين ألفا، وخرج يوما إلى باب داره بالمربد في عشية من عشايا الصيف فرأى الحرّ شديدا فقال: رشّوا هذا الموضع، فخرج من داره خمسمائة عبد بخمسائة قربة ماء [١] ، فرشوا الشارع حتى أقاموا الماء فيه، وكانت غلّته كلّ يوم مائة ألف درهم، وسمع دعاؤه في السحر: اللهمّ أوسع عليّ فإنه لا يسعني إلا الكثير.
«٦٥» - ولما أراد أن يدخل بالعبّاسة بنت المهدي شاور كاتبه حمادا في اللباس الذي يلبسه، فأشار عليه بأن لا يتصنّع، ويقتصر على ما كان يلبسه في كلّ يوم، فلم يقبل منه، وعمد إلى ثياب دبيقية كأنها غرقيء البيض فلبسها، فرأتها عليه، فلما كان الغد دخل عليها، وإذا هي في دار قد فرشت بالدبيقي الذي يشابه ما لبس أو يزيد عليه، فعلم أنّ كاتبه قد نصحه، وتمثّل يقول [٢] :
[من الطويل]
أمرتهم أمري بمنعرج اللّوى ... فلم يستبينوا النّصح إلّا ضحى الغد
«٦٦» - وكان يتصدّق في كل سنة بخمسمائة ألف درهم، ويوم الفطر بمائة ألف درهم وفي كل يوم بكرّين من الدقيق. [٣]
«٦٧» - وقدم المهديّ البصرة فنزل دار محمد بن سليمان، وترك محمد
стр. 495
المحدثة، فقام محمد بنزل المهديّ وأصحابه، فقال المهديّ ذات يوم لأصحابه: لنفضحنّ محمدا اليوم، فصلّى الفجر وركب هو وأصحابه ومحمد معه، فمضى نحو الجعفريّة والنحيت، ثم قال لمحمد: يا أبا عبد الله، امض بنا نتغدّى في المحدثة، فساعة جلس المهديّ قال لمحمد: إنه خطر ببالي لبأ الظباء مع أزاذ [١] فأحضره له من ساعته؛ وكان عند محمد ألف ظبية بالنحيت يتوالدن، ثم جاءوه بالطعام فأكل فقال: يا أبا عبد الله قد خطر ببالي مخ السوق معقود [٢] بسكر طبرزذ، فأحضره، فقال يا أبا عبد الله أردنا أن نفضحك فغمرتنا، فأكثر الله في عمومتنا وبني عمنا مثلك.
٦٨- ومن ذوي الهمم سعيد بن العاص، وكان أيضا من أجواد قريش، وأخباره في الجود ترد في موطنها. خطب سعيد أمّ كلثوم بنت عليّ ﵇، وبعث إليها مائة ألف درهم وشاور الحسن بن علي في ذلك، فقال: أنا أزوّجك، واتعدوا ولم يحضر الحسين معهم، فقال سعيد: أين أبو عبد الله؟ فقال الحسن: لم يحضر وأنا أكفيك، فقال: لعلّه كره شيئا مما نحن فيه، قالوا: نعم، فقال سعيد: لم أكن لأدخل في شيء كرهه أبو عبد الله، فتفرقوا [٣] عن غير تزويج، وردّت المال فلم يقبله سعيد.
«٦٩» - دخل المسور على معاوية فقال له: كيف تركت سعيدا؟