مسلمة أن أفضل الاقتصاد ما كان بعد الجدة، وأفضل العفو ما كان بعد القدرة، وأفضل اللين ما كان بعد الولاية.
«١٤١» - معد بن الحسين [١] بن خيارة الفارسيّ المغربي: [من البسيط]
تضيق في عيني الدنيا ويعجبني ... في فسحة الجوّ تصعيدي وتصويبي
كأنني حامل رحلي على فلك ... تسري به عزماتي وهو يسري بي
«١٤٢» - ابن ميخائيل المغربي: [من الكامل]
ومن العجائب أن ترى مستصغرا ... لملمّة من لا يرى مستعظما
يقتاده الأمل القريب فينثني ... عنه إلى الأمل البعيد تقدما
ما بين أفئدة المنون مطنّبا ... أطنابه وعلى الحتوف مخيّما
وابن المهامة إن أراد يقوده ... عزم يقود به الجديل وشدقما
يستنّ من مجهولها في هبوة ... لو شقّها السّمع الأزلّ تندّما
«١٤٣» - ومن الحمية والأنف ما رواه أبو رياش يسنده إلى رجل من كندة كوفي قال: كنت أجالس شريحا وهو قاض لأمير المؤمنين عليّ ﵇، فإني لفي مجلسه ذات يوم إذا أقبل رجل جيدر صعل الرأس ناتىء
стр. 527
الجبهة ثطّ اللحية [١] كأنه محراث، ومعه امرأة كالبكرة العيساء [٢] تدير مقلتين نجلاوين كأن هدبها قوادم خطّاف، ثم أبرزت كفا كبياض الإغريض [٣] ، وأنامل كبنات النّقا، فقالت: أيها الحاكم هذا بعلي، فقال شريح للرجل:
أكذاك؟ فكشر بشفتين بثعاوين [٤] عن ثنايا ثعل [٥] كأنها سناسن عير فقال:
نعم، فقال شريح للمرأة: وما قصّتك؟ قالت: إنه ابن عمي، وأنا خولة ابنة مخرمة إحدى نساء بني جرم ابن زبّان، وانه خرج بي وغرّبني عن بلادي وقومي وذوي قرابتي فصرت لا أنظر إلا إليه ولا أعوّل إلا عليه، وهو نهم إذا أكل، فلحس [٦] إذا سأل، حريص مقفل اليدين بالبخل، مطلق اللسان بالخطل، يأكل وحده، ويخلف وعده، ويمنع رفده، ويضرب عبده، فحّاش نجّاش [٧] ، إن سانيت قطّب، وإن راشيت غضب [٨] ، يصون ماله، ويهين عياله، فقال شريح: تالله ما رأيت كاليوم ذمّا أشنع، أحسني ملأ [٩] أيتها الحرة، فإنه بعلك وابن عمك، فجثا الرجل على ركبتيه ثم قال: يا للأفيكة أيها الحاكم: [من البسيط]
سائل سراة بني جرم فانهم ... قد ينبئونك بالجالي من الخبر
هل أترك البكرة الكوماء كائسة [١٠] ... إذا تلاعبت النكباء بالخطر
للجار والضيف والمعترّ قد علموا ... في ليلة تتبع الشفّان بالخصر [١١]
стр. 528
وأترك الخصم مصفرّا أنامله ... دامي المرادغ منكبّا على العفر [١]
وأنظر الخصم ذا العوصاء حجّته ... حتى يلجلج بين العيّ والحصر
واسألهم هل رموا بي صدر معضلة ... فلم أكافح شبا أنيابها البتر
واسألهم كيف ذبّي عن ذمارهم ... إذا ترامى استعار الحرب بالشّرر
إني لأعظم في صدر الكميّ [٢] على ... ما كان فيّ من التجدير [٣] والقصر
حتى يصدّ لواذا عن مبادهتي ... صدّ الهجارس [٤] عن ذي اللبدة الهصر
تالله تجمع شخصينا ملاءمة ... من بعد ذا اليوم في بدو ولا حضر
فقال شريح: أوضح عن نيتك، عافاك الله. قال: نعم هي طالق ثلاثا وهذا السائب بن عمرو فهو ابن أبي وأمها [٥] يقوم بمؤونتها إلى انقضاء عدتها.
«١٤٤» - المتلمس [٦] : [من الطويل]
فلا تقبلن ضيما مخافة ميتة ... وموتن بها حرّا وجلدك أملس
فمن حذر الأوتار ما حزّ أنفه ... قصير وخاض الموت بالسيف بيهس
نعامة لما صرّع القوم حوله ... تبيّن في أثوابه كيف يلبس
وما الناس إلا ما رأوا وتحدثوا ... وما العجز إلا أن يضاموا فيجلسوا
стр. 529
«١٤٥» - وقال بيهس نعامة حيث قتل قتلة إخوته: [من الرجز]
شفيت يا مازن حرّ صدري ... أدركت ثأري ونقضت وتري
كيف رأيتم طلبي وصبري ... السيف عزّي والاله ظهري
«١٤٦» - أنشد زيد بن علي وقد نهض من عند هشام بن عبد الملك مغضبا لكلام مما دار بينهما: [من الخفيف]
من أحبّ الحياة أصبح في قي ... د من الذلّ ضيّق الحلقات
ثم خرج فكان من أمره ما كان.
«١٤٧» وفد يحيى بن عروة بن الزبير على عبد الملك، فذكر حاجبه عبد الله بن الزبير فنال منه، فضرب يحيى وجهه حتى أدمى أنفه، فقال له عبد الملك: من فعل [١] بك؟ قال: يحيى، قال: أدخله، وكان متكئا فجلس وقال: ما حملك على ما صنعت بحاجبي؟ قال: يا أمير المؤمنين عمي عبد الله كان أحسن جوارا لعمتك منك لنا، والله إن كان ليوصي أهل ناحيته أن لا يسمعوها قذعا، وإن كان ليقول لها: من سّب أهلك فسبّي أهله، أنا
стр. 530
والله المعمّ المخول، تفرقت العرب عن عمي وخالي، وكنت كما قال الأوّل: [من الطويل]
يداه أصابت هذه حتف هذه ... فلم تجد الأخرى عليها مقدما
فرجع عبد الملك إلى متكأه ولم يزل يعرف فيه الإكرام ليحيى، وكانت أمّ يحيى بنت الحكم ابن أبي العاص عمة عبد الملك.
«١٤٨» - ثابت قطنة: [من الوافر]
فما حلموا ولكن قد نهتهم ... سيوف [١] الأزد والعز القديم
وخيل كالقداح مسوّمات ... يفيض لما مغابئها حميم
عليها كلّ أبيض دوسريّ ... أغرّ تزين غرّته الكلوم [٢]
به تستعتب السفهاء حتى ... ترى السفهاء تدركها الحلوم
١٤٩- قال بزرجمهر لكسرى وعنده أولاده: أيّ أولادك أحبّ إليك؟ فقال: أرغبهم في الأدب، وأجزعهم من العار، وأنظرهم إلى الطبقة التي فوقه.
«١٥٠» - وقال معاوية: طيروا الذمّ في وجوه الصبيان، فإن بدا في وجوههم الحياء وإلا فلا تطمعوا فيهم.
«١٥١» - السريّ الرفاء: [من المنسرح]
стр. 531
لا تعجبوا من علوّ همته ... وسنّه في أوان منشاها
إن النجوم التي تضيء لنا ... أصغرها في العيون أعلاها
«١٥٢» بينما عبد الملك بن صالح يسير مع الرشيد في موكبه إذ هتف هاتف: يا أمير المؤمنين طأطىء من إشرافه، وقصّر من عنانه، واشدد من شكاله، فقال الرشيد: ما يقول هذا: فقال عبد الملك: مقال معاند ودسيس حاسد، قال: صدقت، نقص القوم وفضلتهم، وتخلّفوا وسبقتهم، حتى برز شأوك، وقصّر عنك غيرك، ففي صدورهم جمرات التخلّف وحزازات التبلد، فقال عبد الملك: يا أمير المؤمنين فأضرمها عليهم بالمزيد.
«١٥٣» - المتنبي: [من الطويل]
إذا كنت ترضى أن تعيش بذلّة ... فلا تستعدنّ الحسام اليمانيا
ولا تستطيلنّ الرماح لغارة ... ولا تستجيدنّ العتاق المذاكيا
فما ينفع الأسد الحياء من الطّوى ... ولا تتّقى حتى تكون ضواريا
«١٥٤» - النمريّ [١] : [من الطويل]
يقولون في بعض التذلّل عزّة ... وعادتنا أن ندرك العزّ بالعزّ
أبى الله لي والأكرمون عشيرتي ... مقامي على دحض ونومي على وخز
стр. 532
«١٥٥» - قال يحيى بن خالد للعتابي في لباسه، وكان لا يبالي ما لبس، فقال: يا أبا عليّ أخزى الله امرءا رضي أن ترفعه هيئتاه من ماله وجماله، فإنما ذلك حظّ الأدنياء من الرجال والنساء، لا والله حتى يرفعه أكبراه: همّته ونفسه، وأصغراه: قلبه ولسانه.
«١٥٦» قرأ الرشيد، قوله: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ
(الزخرف:
٥١) فقال لعنه الله، ادّعى الربوبيّة بملك مصر، والله لأولّينّها أخسّ خدمي، فولاها الخصيب، وكان على وضوئه.
«١٥٧» - أبو زبيد الطائي: [من الوافر]
إذا نلت الإمارة فاسم منها ... إلى العلياء بالسّبب الوثيق
ولا تك عندها حلوا فتحسى ... ولا مرّا فتنشب في الحلوق
وكل امارة إلا قليلا ... مغيّرة الصديق على الصديق
«١٥٨» - قال رؤبة: بعث إليّ أبو مسلم لما أفضت الدولة إلى بني
стр. 533
هاشم، فلما دخلت إليه رأى مني جزعا فقال: اسكن فلا بأس عليك، ما هذا الجزع الذي ظهر منك؟ قلت: أخافك، قال: ولم؟ قلت: لأنّه بلغني أنك تقتل الناس، قال: إنما أقتل من يقاتلني ويريد قتلي، أفأنت منهم؟ قلت:
لا، فأقبل على جلسائه ضاحكا فقال: أما أبو العجاج فقد رخّص لنا، ثم قال: أنشدني قولك [١] : [من الرجز]
وقاتم الأعماق خاوي المخترق
فقلت: أو أنشدك أصلحك الله أحسن منه؟ قال: هات، فأنشدته: [من الرجز]
قلت ونسجي مستجد حوكا ... لبّيك إذ دعوتني لبيكا
أحمد ربا ساقني إليكا
قال: هات كلمتك الأولى. قلت: أو أنشدك أحسن منها؟ قال:
هات، فأنشدته: [من الرجز]
ما زال يبني خندقا وتهدمه ... ويستجيش عسكرا وتهزمه
ومغنما يجمعه وتقسمه ... مروان لما أن تهاوت أنجمه
وخانه في حكمه منجمه
قال: دع هذا وأنشدني: وقاتم الأعماق. فقلت: أو أحسن منه؟
قال: هات فأنشدته: [من الرجز]
رفعت بيتا وخفصت بيتا ... وشدت ركن الذين إذ بنيتا
في الأكرمين من قريش بيتا
قال: هات ما سألتك عنه، فأنشدته: [من الرجز]
стр. 534
ما زال يأتي الأمر من أقطاره ... على اليمين وعلى يساره
مشمرا لا يصطلى بناره ... حتى أقرّ الملك في قراره
وفرّ مروان على حماره
فقال: ويلك هات ما دعوتك له وأمرتك بانشاده ولا تنشد شيئا غيره فأنشدته: «وقاتم الأعماق» فلما وصلت إلى قولي:
ترمي الجلاميد بجلمود مدقّ
قال: قاتلك الله لشدّ ما استصلبت الحافر، ثم قال: حسبك أنا ذلك الجلمود المدق. قال: وجيء بمنديل فيه مال فوضع بين يديّ، فقال أبو مسلم: يا رؤبة إنك أتيتنا والأموال مشفوفة (يقال: اشتفّ ما في الاناء وشفّه إذا أتى عليه) وإنّ لك إلينا لعودة وعلينا معوّلا والدهر أطرق مستتب، فلا تجعل بيننا وبينك الأسدّة؛ قال رؤبة: فأخذت المنديل منه، وتالله ما رأيت أعجميا أفصح منه، وما ظننت أنّ أحدا يعرف هذا الكلام غيري وغير أبي.
«١٥٩» - قال أبو الفرج الأصفهاني: حضرت أبا عبد الله الباقطائي وهو يتقلّد ديوان المشرق وقد تقلد ابن أبي السلاسل ماسبذان ومهر جانقذق وجاءه ليأخذ كتبه، فجعل يوصيه كما يوصي أصحاب الدواوين والعمال، فقال ابن أبي السلاسل: كأنك قد استكثرت لي هذا العمل؛ أنت أيضا قد كنت
стр. 535
تكتب لأبي العبّاس ابن ثوابة ثم صرت صاحب ديوان. فقال له الباقطائي: يا جاهل يا مجنون لولا أنه قبيح بمثلي مكافأة مثلك لراجعت الوزير- أيده الله- في أمرك حتى أزيل يدك، ومن لي بأن أجد مثل ابن ثوابة في هذا الزمان فأكتب له ولا أريد الرياسة، ثم أقبل علينا يحدثنا فقال: دخلت مع أبي العبّاس ابن ثوابة إلى المهتدي وكان سليمان بن وهب وزيره، وكان يدخل إليه الوزير وأصحاب الدواوين والعمال والكتاب فيعملون بحضرته ويوقّع إليهم في الأمور. فأمر سليمان بأن يكتب عنه عشرة كتب مختلفة إلى جماعة من العمال، فأخذ سليمان بيد أبي العبّاس ابن ثوابة ثم قال له: أنت اليوم أحدّ ذهنا مني فهلمّ نتعاون، ودخلا بيتا ودخلت معهما، وأخذ سليمان خمسة أنصاف وأبو العبّاس خمسة أخر [١] ، فكتبا الكتب التي أمر بها، ما احتاج أحدهما إلى نسخة، وقرأ كلّ واحد منهما ما كتب به صاحبه فاستحسنه، ثم وضع سليمان الكتب بين يدي المهتدي فقال له وقد قرأها: أحسنت يا سليمان، نعم الرجل أنت لولا المعجّل والمعدّل- وكان سليمان إذا ولّى عاملا أخذ منه ما لا معجّلا وعدّل له مالا إلى أن يتسلّم عمله [٢]- فقال له: يا أمير المؤمنين هذا قول لا يخلو أن [٣] يكون حقا أو باطلا، فإن كان باطلا فليس مثلك قبله، وإن كان حقا وقد علمت أنّ الأصول محفوظة فما يضرّك من مساهمتي عمالي على بعض ما يصل إليهم من مرفق لا يجحف بالرعية ولا ينقص الأصول؟ فقال له: إذا كان هذا هكذا فلا بأس، ثم قال له: اكتب إلى فلان العامل بقبض ضيعة فلان العامل المصروف المعتقل في يديه بباقي ما عليه من المصادرة، فقال له أبو العبّاس ابن ثوابة: كلنا يا أمير المؤمنين خدمك وأولياؤك، وكلّنا حاطب في حبلك وساع فيما أرضاك وأيّد ملكك، أفنمضي ما تأمر به على ما خيّلت أم
стр. 536
نقول الحقّ؟ قال: لا بل قل الحقّ يا أحمد، فقال: يا أمير المؤمنين الملك حقّ والمصادرة شكّ، أفترى أن نزيل اليقين بالشك؟ قال: لا، فقال: قد شهدت للرجل بالملك وصادرته عن شكّ فيما بينك وبينه وهل خانك أم لا، فجعلت المصادرة صلحا، فإذا قبضت ضيعته بها فقد أزلت اليقين بالشكّ، فقال له: صدقت، ولكن كيف الوصول إلى المال؟ فقال له: أنت لا بدّ مولّ عمّالا على أعمالك، وكلّهم يرتزق ويرتفق فيحوز رزقه ورفقه إلى منزله، فاجعله أحد عمالك ليصرف هذين الوجهين إلى ما عليه ويسعفه معاملوه فيخلّص نفسه وضيعته ويعود إليك مالك. فأمر سليمان بن وهب أن يفعل ذلك. فلما خرجنا عن حضرة المهتدي قال له سليمان: عهدي بهذا الرجل عدوّك، وكلّ واحد منكما يسعى على صاحبه، فكيف زال ذاك حتى نبت عنه في هذا الوقت نيابة أحييته بها وتخلّصت نعمته؟ فقال: إنما كنت أعاديه وأسعى عليه وهو يقدر على الانتصاف مني، فأما وهو فقير إليّ فهو مما يحظره الدين والصناعة والمروءة، فقال له سليمان: جزاك الله خيرا، أما والله لأشكرنّ هذه النية لك، ولأعتقدنّك من أجلها أخا وصديقا، ولأجعلنّ هذا الرجل لك عبدا ما بقي؛ ثم قال له الباقطائي: من كان هذا وزنه وفضله يعاب من كان يكتب له؟
«١٦٠» - كليب بن وائل في العزم: [من الرجز]
ليس الكلام مغنيا دون العمل ... وشرّ ما رام امرؤ ما لم ينل
وكثرة الايغال عجز وفشل
«١٦١» - عمرو بن الحارث [١] الطائي: [من الطويل]
стр. 537
إذا شئت أن تقتاس أمر قبيلة ... وأحلامها فانظر إلى من يسودها
«١٦٢» - الرضي أبو الحسن الموسوي: [من الخفيف]
أترى آن للمنى أن تقاضى ... حاجة طال مطلها في الفؤاد
بين همّ تحت المناسم مطرو ... ح وعزم على ظهور الجياد
«١٦٣» - (١) وكان الرضيّ بعيد مطمح الهمة يرى نفسه أهلا للخلافة، ويطمع في تقمصها، وكانت حاله كما أنبأ عن نفسه في قوله [من الوافر]
ولي أمل كصدر الرّمح ماض ... سوى أنّ الليالي من خصومي
(٢) وفي قوله: [من الوافر]
وما يغني مضيّك في صعود ... إذا ما كان جدّك في صبوب
(٣) فمن شعره في أمله وهمته قوله: [من الوافر]
وما في الأرض أحسن من يسار ... إذا استولى على أمر مطاع
(٤) وقوله: [من الطويل]
وركب سروا والليل ملق رواقه ... على كلّ مغبّر المطالع قاتم
حدوا عزمات ضاعت الأرض بينها ... فصار سراهم في ظهور [١] العزائم
стр. 538
تريهم نجوم الليل ما يبتغونه ... على عاتق الشعرى وهام النعائم
«١٦٣» . (٥) وقال: [من البسيط]
وغلمة في ظهور العيس أرّقهم ... همّ شعاع وآمال عباديد
ملثّمين بما راخت عمائمهم ... وكلّهم طرب للبين غرّيد
لا آخذ المجد [١] إلا عن رماحهم ... إذا تطاعنت الشمّ المناجيد
(٦) وقال: [من البسيط]
وما أسرّ بمال لا أعزّ به ... ولا ألذّ برأي فيه تفنيد
ليس الثراء بغير المجد فائدة ... ولا البقاء بغير العزّ محمود
(٧) وقال: [من الطويل]
ولله قلب لا يبلّ غليله ... وصال ولا يلهيه من خلّة وعد
يكلّفني أن أطلب العزّ بالمنى ... وأين العلى إن لم يساعدني الجد
وليس فتى من عاق عن حمل سيفه ... إسار وحلّاه عن الطلب القدّ
ولا مال إلا ما كسبت بنيله ... ثناء ولا مال لمن ماله مجد
(٨) وقال: [من الطويل]
ولي أمل لا بدّ أحمل عبئه ... على الجرد من خيفانة وحصان
فإن أنا لم أركب عظيما فلا مضى ... حسامي ولا روّى الطعان سناني
стр. 539
«١٦٣» (٩) وقال: [من المنسرح]
كيف يهاب الحمام منصلت ... مذ خاف غدر الزمان ما أمنا
لم يلبس الثوب من توقعه ... للأمر إلا وظنّه الكفنا
أعطشه الدهر من مطالبه ... فراح يستمطر القنا اللّدنا
(١٠) وقال في تعرضه للخلافة ودعواه استحقاقها: [من الطويل]
يخيفونني بالموت والموت راحة ... لمن بين غربي قلبه مثل همّتي
فلا صلح حتى يسمعوا [١] من أزيزها ... صواعق إما صكّت الأذن صمّت [٢]
فخرت بنفسي لا بأهلي موفرا ... على ناقصي قومي مناقب أسرتي [٣]
أما أنا موزون بكلّ خليفة ... أرى أنفا من أن يكون خليفتي
ولا بد يوما أن تجيء فجاءة ... فلا تنظراني عند وقت موقّت
(١١) وقال: [من المنسرح]
فتى رأى الدهر غير مؤتمن ... فما فشا سرّه إلى أحد
واقتحم الليل [٤] فهو يمتحن ال ... مهرة قبل الطّراد بالطّرد
في كلّ فج يقود راحلة ... تجذبها الأرض جذبة المسد
لا يبعد الله غلمة ركبوا ... أغراضهم واشتفوا من البعد
رموا بعهد النعيم واصطنعوا ... كلّ شريف [٥] الذباب مطرد
стр. 540
قلّوا على كثرة العدوّ لهم ... كم عدد لا يعدّ في العدد
«١٦٣» . (١٢) وقال: [من الكامل]
ما عذر من ضربت به أعراقه ... حتى بلغن إلى النبيّ محمد
ألّا يمدّ إلى المكارم باعه ... وينال منقطع العلى والسؤدد
متحلقا حتى تكون ذيوله ... أبد الزمان عمائما للفرقد
أعن المقادر لا تكن هيّابة ... وتأزّر اليوم العصبصب وارتد
لا تغبطنّ على البقاء معمّرا ... يا قرب يوم منية من مولد
«١٦٤» . (١) وقال محمد بن هانىء المغربي: [من الطويل]
ولم أجد الإنسان إلا ابن سعيه ... فمن كان أسعى كان بالمجد أجدرا
(٢) وقال: [من البسيط]
فلست من سخطه المردي على وجل [١] ... ما دمت من عفوه المحيي على أمل
لعلّ حلمك أملى للذين هووا ... في غيهم بين معفور ومنجدل
فما شفا داءهم إلا دواؤهم ... والسيف نعم دواء الداء والعلل
(٣) وقال أيضا: [من الكامل]
تأتي له خلف الخطوب عزائم ... تذكى لها خلف الصباح مشاعل
فكأنهن على الغيوب غياهب ... وكأنهنّ على النفوس حبائل
стр. 541
ملك إذا صدئت عليه دروعه ... فلها من الهيجاء يوم صاقل
«١٦٤» . (٤) وقال: [من الكامل]
دعني أخاطر بالحياة فإنما ... طلب الرجال العزّ ضرب قداح
(٥) وقال: [من الوافر]
وما لي من لقاء الموت بدّ ... فمالي لا أشدّ له حزيمي
«١٦٥» - ومن ارتفاع الهمّة الأبنية المشاهدة في دار الإسلام فمنها:
(١) إيوان كسرى: ويقال إنّ المنصور لما بنى بغداد أحبّ أن ينقضه ويبني بنقضه، فاستشار خالد بن برمك فنهاه وقال: هو آية الإسلام ومن رآه علم أن من هذا بناؤه لا يزيل أمره إلا نبيّ، وهو مصلّى علي بن أبي طالب، والمؤونة في نقضه أكثر من الارتفاق به، فقال: أبيت إلا ميلا للعجم، فهدمت ثلمة فبلغت النفقة عليها مالا كثيرا فأمسك، فقال له خالد: أنا الآن أشير بهدمه لئلا يتحدّث بعجزك عنه، فلم يفعل.
وصفه البحتري فقال: [من الخفيف]
وكأن الإيوان من عجب الصّن ... عة جوب في جنب أرعن مرس
لم يعبه أن بزّ من ستر الديبا ... ج واستلّ من ستور الدمقس
стр. 542
مشمخرا تعلو له شرفات ... رفعت في رؤوس رضوى وقدس
لست أدري أصنع أنس لجن ... [سكنوه] أم صنع جنّ لإنس
غير أني أراه يشهد أن لم ... يك بانيه في الرجال بنكس
«١٦٥» . (٢) ومنها الهرمان بمصر، يقال: ليس في الأرض بناء أرفع منهما وأن ارتفاع كلّ واحد منهما أربعمائة ذراع في عرض أربعمائة، ولا يزالان ينخرطان في الهواء صنوبريا حتى ترجع دورتهما إلى مقدار خمسة أشبار في مثلها مبنيّة بحجار المرمر والرخام وكل حجر عشر أذرع إلى ثمان، وحجارتهما منقولة من مسافة أربعين فرسخا من موضع يعرف بذات الحمام فوق الإسكندريّة، منقولا فيهما بالمسند كل سحر وطب وطلسم، وفيه: إني بنيتهما فمن ادّعى قوة في ملكه فليهدمهما، فإذا خراج الدنيا لا يفي بهدمهما. وقالوا لا يعرف من بناهما، قال المتنبيّ: [من الكامل]
تتخلف الآثار عن أصحابها ... حينا ويدركها الفناء فتتبع
أين الذي الهرمان من بنيانه ... ما قومه ما يومه ما المصرع
وأما البحتري فقد سمّى بانيهما وليست تسميته حجّة في صحة الأخبار فقال: [من الطويل]
ولا كسنان بن المشلّل بعد ما ... بنى هرميها من حجارة لابها
(٣) ومنارة الإسكندريّة مبنيّة على قناطر من زجاج، والقناطر على ظهر
стр. 543
سرطان من نحاس في بطن أرض البحر، وطولها أربعمائة وخمسون ذراعا، وهي غاية ما يمكن رفعه في الهواء، وفيها ثلاثمائة وخمسون بيتا، وكانت في أعلاها مرآة كبيرة يرى فيها الناظر قسطنطينية وبينهما عرض البحر، وكلما جهّز ملك الروم جيشا أبصر فيها، فوجه ملك الروم إلى بعض الخلفاء أن في الثلث الأعلى كنوزا لذي القرنين فهدموه فلم يجدوا شيئا وعلم أنها حيلة في إبطال الطلسم في المرآة.
«١٦٦» - قال عبد الله بن المقفع: [من البسيط]
إن كنت لا تدّعي مجدا ومكرمة ... إلا بقصرك لم ينهض بأركان
سام الرجال بما تسمو الرجال به ... تلك المكارم لا تشييد بنيان
«١٦٧» - أخبرني الشيخ الزاهد أبو عبد الله محمد بن عبد الملك الفارقي قال: كان بميافارقين بائع يعرف بأبي نصر بن جريّ واسع المعيشة، فرفع إلى نصر الدولة بن مروان أنه تحصّل له من دلالة المقايضة في ليلة واحدة عشرون ألف درهم، فأحضره وسأله عما أنهي إليه فقال: كذب الواشي أيها الأمير، إنما كانت عشرين ألف دينار وهي خدمة مني للمولى فضل- يعني ولده- وهو قائم على رأسه، فقال: معاذ الله بل نوفّر عليك، وأحمد الله على أن حصل لتاجر من رعيتي في ليلة واحدة من الدلالة مثل هذا المال. ثم إنّ البائع المذكور قال له: أيها الأمير أنا كثير المال، واسع الحال، وقد جمعت شيئا أعددته لعمل مصلحة إن أعنتني عليها وأذنت لي فيها، قال: وما هي؟ قال أن أسوق
стр. 544
الماء من الجبل إلى البلد وأنقب له خرقا في السور، قال: وما يصنع بدور الناس ومجازه فيها؟ قال: أشتري كلّ دار تكون مجازا للماء فإن لم يبعنيها صاحبها أجريت له الماء في داره، فأذن له وأخرج مائة ألف دينار عمل بها هذه المصلحة، وأجرى الماء إلى المسجد الجامع والأسواق والآدر.
رياسة العلم والدين:
«١٦٨» - قال رسول الله ﵌: تعلموا العلم وتعلموا له السكينة والحلم، ولا تكونوا من جبابرة العلماء فلا يقوم جهلكم بعلمكم.
١٦٩- وروي عن عيسى ﵇ أنّه قال: من علم وعمل وعلّم عدّ في الملكوت الأعظم عظيما.
١٧»
- وقد كرهت الشهرة بذلك خوف الفتنة، قال رسول الله ﵌: كفى بالمرء فتنة أن يشار إليه بالأصابع في دين أو دنيا.
«١٧١» - وروي في الحديث: من تعلّم العلم لأربعة دخل النار: ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يأخذ به من الأمراء، أو يميل به وجوه الناس إليه.
«١٧٢» - وقال الحسن: لقد صحبت أقواما ان الرجل لتعرض له الكلمة من الحكمة لو نطق بها لنفعته ونفعت أصحابه وما يمنعه منها إلّا مخافة الشهرة.
стр. 545
«١٧٣» - وقال ابن سيرين: لم يمنعني من مجالستكم إلا مخافة الشهرة، فلم يزل بي البلاء حتى أخذ بلحيتي، فأقمت على المصطبة [١] فقيل: هذا ابن سيرين.
«١٧٤» - قال معمر [٢] : رأيت قميص أيوب السختياني يكاد يمس الأرض فقلت: ما هذا؟ فقال: إنما كانت الشهرة فيما مضى في تذييلها واليوم الشهرة في تقصيرها؛ وكان يقول للخياط: اقطع وأطل فإن الشهرة اليوم في القصر.
«١٧٥» - وقال رجل لفضيل [٣] : عظني، فقال: كن ذنبا ولا تكن رأسا، حسبك.
وهم وإن كرهوا الشهرة فإن الرياسة حاصلة لهم وإن أخفوا حالهم وستروها، والقلوب مسلّمة إليهم الرياسة وان أبوها، والجبابرة منقادة إليهم [٤] صغرا وكرها لتمكن هيبتهم في صدورهم.
«١٧٦» - جاء عطاء بن أبي رباح إلى سدّة سليمان بن عبد الملك فجعل يقعقع الحلقة، فقال سليمان بن عبد الملك: افتحوا له، وتزحزح له عن مجلسه
стр. 546
فقال: أصلحك الله، احفظ وصية رسول الله ﷺ في أبناء المهاجرين والأنصار قال: أصنع بهم ماذا؟ قال: انظر في أرزاقهم، قال: ثم ماذا؟
قال: أهل البادية تفقّد أمورهم فإنهم مادة العرب، قال: ثم ماذا؟ قال: ذمّة المسلمين تفقد أمورهم وخفف عنهم من خراجهم فإنهم عون لك على عدو الله وعدوهم، قال: ثم ماذا؟ قال: أهل الثغور تفقدهم فإنه يدفع بهم عن هذه الأمّة، قال: ثم ماذا؟ قال: يصلح الله أمير المؤمنين. فلما ولى قال: هذا والله الشرف لا شرفنا، وهذا والله السؤدد لا سؤددنا، والله لكأنما معه ملكان ما أقدر أن أراجعه في شيء سألني، ولو سألني أن أتزحزح عن هذا المجلس لفعلت.
«١٧٧» - ودخل عمر بن عبد العزيز على عطاء وهو أسود مفلفل الشعر يفتي الناس في الحلال والحرام فتمثل: [من البسيط]
تلك المكارم لا قعبان من لبن
«١٧٨» - ودخل محمد بن أبي علقمة على عبد الملك بن مروان فقال له: من سيد الناس بالبصرة؟ قال: الحسن، قال: مولى أم عربي؟
قال: مولى، قال: ثكلتك أمك، مولى ساد العرب؟ قال: نعم، قال:
بم؟ قال: استغنى عما في أيدينا من الدنيا وافتقرنا إلى ما عنده من العلم.
قال: صفه لي، قال: آخذ الناس لما أمر به وأتركهم لما نهى عنه.
стр. 547
«١٧٩» - وروي أن بدويا قدم البصرة فقال لخالد بن صفوان: أخبرني عن سيد هذا المصر، قال: هو الحسن بن أبي الحسن، قال: عربيّ أم مولى؟ قال: مولى، قال: وبم سادهم؟ قال: احتاجوا إليه في دينهم واستغنى عن دنياهم، قال البدوي: كفى بهذا سؤددا.
١٨٠- ولما وقعت الفتنة بالبصرة رضوا بالحسن فاجتمعوا عليه وبعثوا إليه، فلما أقبل قاموا، فقال يزيد بن المهلب: كاد العلماء يكونون أربابا، أما ترون هذا المولى كيف قام له سادة العرب؟! «١٨١» - وجّه الرشيد إلى مالك بن أنس ليأتيه فيحدثه، فقال مالك: إن العلم يؤتى، فصار الرشيد إلى منزله فاستند معه إلى الجدار فقال: يا أمير المؤمنين من إجلال الله إجلال العلم، فقام وجلس بين يديه. وبعث إلى سفيان ابن عيينة فأتاه وقعد بين يديه وحدّثه، فقال الرشيد بعد ذاك: يا مالك تواضعنا لعلمك فانتفعنا به، وتواضع لنا علم سفيان فلم ننتفع به.
١٨٢- وأراد أن يسمع منه الموطأ مع ابنيه فاستخلى المجلس، فقال مالك: إن العلم إذا منع منه العامة لم ينتفع به الخاصّة، فأذن للناس فدخلوا.
«١٨٣» - وكان مالك يكرم العلم ويعظّمه، فإذا أراد أن يتحدث توضّأ وسرّح لحيته وجلس في صدر مجلسه بوقار وهيبة. ودخل عليه ليلة بعد ما أوى إلى فراشه قريبه إسماعيل بن أويس ليحدثه، فقام فتوضّأ وفعل نحو ذلك فحدّثه ثم نزع ثيابه وعاد إلى فراشه.
стр. 548
«١٨٤» - وفيه قيل: [من الكامل]
يأبى الجواب فما يراجع هيبة ... والسائلون نواكس الأذقان
أدب الوقار وعزّ سلطان التقى ... فهو المهيب وليس ذا سلطان
«١٨٥» - قال سفيان الثوري: ما رأينا الزهد في شيء أقلّ منه في الرياسة لأنّ الرجل يزهد في الأموال ويسلمها وإذا نوزع في الرياسة لم يسلمها.
«١٨٦» - قال علي ﵇: من حقّ إجلال الله إكرام ثلاثة: ذو الشيبة المسلم، وذو السلطان المقسط، وحامل القرآن غير الجافي عنه ولا الغالي فيه.
«١٨٧» - قام وكيع بن الجراح إلى سفيان الثوري فأنكر عليه قيامه، فقال وكيع: حدثتني عن عمرو بن دينار عن أنس قال رسول الله ﷺ : من إجلال الله إجلال ذي الشيبة المسلم، فسكت سفيان وأخذ بيده فأجلسه إلى جانبه.
«١٨٨» - قال ابن المبارك: سألت سفيان الثوريّ من الناس؟ قال:
العلماء، قلت: من الأشراف؟ قال: المتقون، قلت: من الملوك؟ قال:
الزهاد، قلت: من الغوغاء؟ قال: القصّاص الذين يستأكلون أموال الناس
стр. 549
بالكلام، قلت: من السفلة؟ قال: الظلمة.
«١٨٩» - دخل أبو العالية على ابن عبّاس فأقعده معه على السرير وأقعد رجالا من قريش تحته، فرأى سوء نظرهم إليه وحموضة وجوههم، فقال:
ما لكم تنظرون إليّ نظر الشحيح إلى الغريم المفلس؟ هكذا الأدب يشرّف الصغير على الكبير، ويرفع المملوك على المولى، ويقعد العبيد على الأسرّة.
«١٩٠» - مر الحسن بأبي عمرو بن العلاء وحلقته متوافرة، والناس عليه عكوف فقال: من هذا؟ قالوا: أبو عمرو، قال: لا إله إلا الله كاد العلماء يكونون أربابا.
«١٩١» - قال الفضيل [١] : لو أن أهل العلم أكرموا أنفسهم وشحوا على دينهم وأعزّوا هذا العلم وصانوه وأنزلوه حيث أنزله الله إذن لخضعت لهم رقاب الجبابرة وانقاد لهم الناس فكانوا لهم تبعا، ولكنهم ابتذلوا أنفسهم، وبذلوا علمهم لأبناء الدنيا فهانوا وذلوا، ووجدوا لغامز فيهم مغمزا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، أعظم بها مصيبة.
نظر إلى هذا المعنى القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني فقال:
[من الطويل]
ولم أقض حقّ العلم إن كنت كلّما ... بدا طمع صيرته لي سلّما
ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي ... لأخدم من لاقيت لكن لأخدما
أأغرسه عزا وأجنيه ذلة ... إذا فاتباع الجهل قد كان أسلما
стр. 550
فإن قلت جدّ العلم كاب فإنما ... كبا حين لم يحرس حماه وأسلما
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظّموه في النفوس لعظما
ولكن أذالوه فهان ودنّسوا ... محيّاه بالأطماع حتى تجهما
«١٩٢» - سأل خالد القسري واصل بن عطاء عن نسبه فقال: نسبي الإسلام الذي من ضيّعه فقد ضيّع نسبه، ومن حفظه فقد حفظ نسبه، فقال خالد: وجه عبد وكلام حرّ.
١٩٣- أوصى حكيم ابنه فقال: يا بني عزّ المال للذهاب والزوال، وعزّ السلطان يوم لك ويوم عليك، وعزّ الحسب للخمول والدثور، وأما عزّ الأدب فعز راتب رابط لا يزول بزوال المال، ولا يتحوّل بتحوّل السلطان، ولا ينقص على طول الزمان؛ يا بني عظّمت الملوك أباك وهو أحد رعيتها، وعبدت الرعية ملوكها فشتّان ما بين عابد ومعبود؛ يا بنيّ لولا أدب أبيك لكان للملوك بمنزلة الابل النقالة والعبيد الحمالة.
«١٩٤» - قال عطاء بن أبي رباح: ما رأيت مجلسا أكرم من مجلس ابن عبّاس، أكثر فقها وأعظم جفنة: إن أصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشعر عنده، وأصحاب الفقه عنده، يصدرهم كلهم في واد واسع.
ومن الشرف والرياسة حمل المغارم:
«١٩٥» - جلس الاسكندر يوما فلم يسأله أحد حاجة فقال لجلسائه: إني لا أعدّ هذا اليوم من ملكي.
стр. 551
«١٩٦» - وقال أسماء بن خارجة: لا أشاتم رجلا ولا أردّ سائلا، فإنما هو كريم أسدّ خلّته، أو لئيم أشتري عرضي منه. (ولما جعل فعله وقاية لعرضه لم يكن جودا بل دل على طلب الرياسة ببذل ماله) .
«١٩٧» - ومثل هذا المعنى لبعض الأعراب: [من الطويل]
سأمنح مالي كلّ من جاء طالبا ... وأجعله وقفا على النّفل والفرض
فإما كريم صنت بالمال عرضه ... وإما لئيم صنت عن لؤمه عرضي
«١٩٨» - باع حكيم بن حزام داره من معاوية بستين ألف دينار فقيل له: غبنك معاوية، فقال: والله ما أخذتها في الجاهلية إلا بزقّ خمر، أشهدكم أنّها في سبيل الله، فانظروا أينا المغبون.
«١٩٩» - وقال حسان بن ثابت: [من البسيط]
أصون عرضي بمالي لا أدنّسه ... لا بارك الله بعد العرض في المال
أحتال للمال إن أودى فأكسبه ... ولست للعرض إن أودى بمحتال
٢٠٠- اشترى عبيد الله بن معمر وعبد الله بن عامر بن كريز من عمر بن الخطاب ﵁ رقيقا من سبي ففضل عليهما ثمانون ألف درهم، فأمر
стр. 552
بهما أن يلازما، فمرّ عليهما طلحة بن عبيد الله وهو يريد الصلاة في مسجد رسول الله ﷺ ، فقال: ما لابن معمر ملازم؟ فأخبر بخبره، فأمر له بالأربعين الألف الدرهم التي عليه فقضى عنه، فقال ابن معمر لابن عامر: انها إن قضيت عني بقيت ملازما، وإن قضيت عنك لم يتركني طلحة حتى تنقضي عني، فدفع إليه الأربعين الألف فقضاها ابن عامر عن نفسه وخلّيت سبيله، فمرّ طلحة منصرفا من الصلاة فوجد ابن معمر ملازما فقال ما لابن معمر، ألم آمر بالقضاء عنه؟ فأخبر بما صنع، فقال: أمّا ابن معمر فإنه علم أنّ له ابن عمّ لا يسلمه، احملوا عنه أربعين ألف درهم فاقضوها عنه، ففعلوا وخلّي سبيله.
٢٠١- سأل رجل ابن شبرمة القاضي أن يكلّم له رجلا في صلة يصله بها، ولازمه، فأعطاه ابن شبرمة من ماله وقال: [من الوافر]
وما شيء بأثقل وهو خفّ ... على الأعناق من منن الرجال
فلا تفرح بمال تشتريه ... بوجهك إنه بالوجه غال
«٢٠٢» - زعم الأصمعي أنّ حربا كانت بالبادية ثم اتصلت بالبصرة فتفاقم الأمر فيها، ثم مشي بين الناس بالصلح، فاجتمعوا في المسجد الجامع قال: فبعثت وأنا غلام إلى عبد الله بن عبد الرحمن من بني دارم، فاستأذنت عليه، فأذن لي فدخلت، فإذا به في شملة يخلط بزرا لعنز له حلوب، فخبّرته بمجتمع القوم، فأمهل حتى أكلت العنز ثم غسل الصحفة وصاح: يا جارية [١]
стр. 553
غدّينا، قال: فأتته بزيت وتمر، قال: فدعاني فقذرته أن آكل معه، حتى إذا قضى من أكله وطرا وثب إلى طين ملقى في الدار فغسل به يده ثم صاح [١] : يا جارية اسقيني ماء، فأتته بماء فشربه، ومسح فضله على وجهه ثم قال: الحمد لله، ماء الفرات بتمر البصرة بزيت الشام، متى نؤدي شكر هذه النعم [٢] ؟ ثم قال: [يا جارية] عليّ بردائي، فأتته برداء عدنيّ فارتدى به على تلك الشملة، قال الأصمعيّ: فتجافيت عنه استقباحا لزيه، فلما دخل المسجد صلّى ركعتين ثم مضى إلى القوم فلم تبق حبوة إلّا حلّت إعظاما له، ثم جلس فتحمل جميع ما كان بين الأحياء من ماله ثم انصرف.
«٢٠٣» - قال أبو عبيدة: لما أتى زياد بن عمرو المعنيّ المربد في عقب قتل مسعود بن عمرو العتكي جعل في الميمنة بكر بن وائل، وفي الميسرة عبد القيس، وهم لكيز بن أفصى بن دعميّ بن جديلة بن أسد بن ربيعة، وكان زياد بن عمرو في القلب، فبلغ ذلك الأحنف فقال: هذا غلام حدث شأنه الشهرة، وليس يبالي أين قذف بنفسه، فندب أصحابه فجاءه حارثة بن بدر الغداني [٣] فجعله في بني حنظلة بحذاء بكر بن وائل، وجعل سعدا والرباب في القلب، ورئيسهم عبس ابن طلق الطعان المعروف بأخي كهمس وهو أحد بني صريم بن يربوع بحذاء الأزد، وجعل عمرو بن تميم بحذاء عبد القيس، فلما تواقفوا بعث إليهم الأحنف: يا معشر الأزد وربيعة من أهل البصرة، أنتم والله أحبّ إلينا من تميم الكوفة، جيراننا في الدار، ويدنا على عدونا، وأنتم بدأتمونا
стр. 554
بالأمس ووطئتم حرمنا، حرّقتم علينا، فدفعنا عن أنفسنا ولا حاجة لنا في الشرّ ما أصبنا في الخير مسلكا، فتيمموا بنا طريقة قاصدة. فوجّه إليه زياد بن عمرو: تحيّر [١] خلّة من ثلاث: إن شئت فانزل أنت وقومك على حكمنا، وإن شئت فخلّ لنا عن البصرة وارحل أنت وقومك إلى حيث شئتم، وإلا فدوا قتلانا واهدروا دماءكم وليؤدّ مسعود دية المشعرة. (قوله: دية المشعرة يريد أمر [الملوك في] الجاهلية، وكان الرجل إذا قتل وهو من أهل بيت المملكة ودي عشر ديات) . فبعث إليه الأحنف: سنختار، فانصرفوا في يومكم، فهزّ القوم راياتهم وانصرفوا، فلما كان من الغد بعث إليهم: إنكم خيرتمونا خلالا ليس فيها خيار، أمّا النزول على حكمكم فكيف يكون والكلم يقطر [دما] [٢] ، وأما ترك ديارنا فهو أخو القتل، قال الله : وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ
(النساء: ٦٦) ولكن الثالثة إنما هي حمل على المال، فنحن نبطل دماءنا وندي قتلاكم، وإنما مسعود رجل من المسلمين، وقد أذهب الله أمر الجاهليّة. فاجتمع القوم على أن يقضوا [٣] أمر مسعود، ويغمد السيف، ويودى سائر القتلى من الأزد وربيعة، فتضمن ذلك الأحنف ودفع إياس بن قتادة المجاشعي رهينة حتى يؤدّى هذا المال، فرضي به القوم، ففخر بذلك الفرزدق فقال: [من الطويل]
ومنا الذي أعطى يديه رهينة ... لغاري معد يوم ضرب الجماجم
عشية سال المربدان كلاهما ... عجاجة موت بالسيوف الصوارم
هنالك لو تبغي كليبا وجدتها ... أذلّ من القردان تحت المناسم
ويقال إن تميما في ذلك الوقت اجتمعت مع باديتها وحلفائها من الأساورة والزطّ والسيابجة وغيرهم فكانوا زهاء سبعين ألفا. قال الأحنف: فكثرت
стр. 555
الديات عليّ فلم أجدها في حاضرة تميم، فخرجت نحو يبرين فسألت عن المقصود هناك فأرشدت إلى قبة، فإذا شيخ جالس بفنائها مؤتزر بشملة محتب بحبل، فسلمت عليه وانتسبت له فقال: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ فقلت توفي صلوات الله عليه. قال: فما فعل عمر بن الخطاب ﵀ الذي كان يحفظ العرب ويحوطها؟ قلت: مات ﵀، قال: فأيّ خير في حاضرتكم بعدهما؟ قال: فذكرت له الديات التي لزمتنا للأزد وربيعة قال، فقال:
أقم، فإذا راع قد أراح عليه ألف بعير فقال: خذها، ثم أراح عليه آخر مثلها فقال: خذها، فقلت لا أحتاج إليها، قال: فانصرفت بالألف من عنده ولا أدري من هو إلى الساعة.
«٢٠٤» - كان المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام في جيش مسلمة بن عبد الملك حين غزا الروم في خلافة عمر بن عبد العزيز التي بلغ فيها القسطنطينيّة فشتا بها، فسامه مسلمة بماله الذي يعرف بالعرصة، فأبى المغيرة أن يبيعه، ثم أصاب أهل تلك الغزاة مجاعة، فباعها إياه بخمسة عشر ألف دينار، فنقده مسلمة الثمن، فبعث المغيرة بذلك المال مع من اشترى له إبلا من كلب، واشترى له دقيقا وزيتا وقباطيّ، وحمل ذلك على الابل، وكانوا لا يقدرون على الحطب، فأمر بالقباطيّ فأدرجت في الزيت وأوقدها ونحر الإبل واطّبخ [١] واختبز وأطعم الناس، وكان في تلك الغزاة أخوه أبو بكر بن عبد الرحمن فقيل له: نرى نارا في العسكر، فقال: لا تجدونها إلا في رحل
стр. 556
المغيرة، فقولوا له يبعث إلينا من طعامه، فبعث إليه، فلما قفل الناس من غزاتهم تلك وبلغ هذا الخبر عمر بن عبد العزيز قال لمسلمة: أنت كنت أقوى وأولى باطعام الناس من المغيرة، وذلك لك ألزم، لأنك إنما كنت تطعمهم من بعض مالك وهو يطعمهم عظم ماله، فأقله البيع فإنه بيع ضغطة لا يجوز، فعرض ذلك مسلمة على المغيرة فأبى وقال: قد أنفذت البيع، فأمر عمر بن عبد العزيز بتلك الضّيعة فردّت على المغيرة، وأمر بالمال فدفع إلى مسلمة من بيت المال، فتصدق المغيرة بالعرصة، وأمر أن يطعم الحاجّ منها يوم عرفة وثلاث منى، فهو السويق والسمن والتمر الذي يطعم بمنى من صدقة المغيرة.
«٢٠٥» - كان قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري سيدا شجاعا جوادا، وكان سعد أبوه حيث توجه إلى حوران قسم ماله بين ولده، وكان له حمل لم يشعر به، فلما ولد له مشى أبو بكر وعمر ﵄ إلى قيس بن سعد يسألانه في أمر هذا المولود فقال: نصيبي له ولا أغير ما فعل سعد.
«٢٠٦» - استعمل الوليد بن عبد الملك ابن هبيرة على البحرين، فلما قام سليمان أخذ ابن هبيرة بألف ألف، ففزع إلى يزيد بن المهلب، فأتاه في جماعة من قومه فقال له: زاد الله في توفيقك وسرورك، أخذت بما لا يسعه مالي، ولا يحتمله عيالي، فقلت: ما لها إلّا سيد أهل العراق ووزير الخليفة وصاحب المشرق، فقال آخر من أصحاب ابن هبيرة: أيها الأمير ما خصّ هذا عمّنا، وقد أتيناك فيما شكا فإن تستقلّه فقد ترجّى لأكثر منه، وإن تستكثره فقد تضطلع بدونه، ووالله ما الدخان بأدلّ آية على النار ولا العجاج على الريح من ظاهر أمرك على باطنه. وقال آخر: عظم أمرك أن يستعان عليك إلا بك،
стр. 557
فلست تأتي شيئا من المعروف إلا صغر عنك وكبرت عنه، ولا غاية بلغتها إلا وحظّك منها مقدّم وحقك فيها معظّم، ولا نقيسك بأحد من الملوك إلا عظمت عنه، ولا نزنك بأحد منهم إلا رجحت به، ووالله ما العجب أن تفعل ولكن العجب أن لا تفعل. فقال يزيد: مرحبا بكم وأهلا، إنّ خير المال ما قضي به الحقّ، وإنما لي من مالي ما فضل عن الناس، وايم الله لو أعلم أن أحدا أملأ بحاجتكم مني لأرشدتكم إليه، فاحكموا واشتطوا. قال ابن هبيرة:
النصف أصلحك الله، قال: اغد على مالك فاقبضه، فدعوا له وانصرفوا، فمضوا غير بعيد وتثاقلوا في مشيهم، فقال لهم ابن هبيرة: ويحكم والله ما يفرق يزيد بن النصف والكلّ، وما لما بقي غيره؛ فهم يفكرون في الرجوع فظنّ ذلك يزيد بهم فأمر بردّهم وقال: إن ندمتم أقلناكم، وإن ازددتم زدناكم، قالوا: أقلنا وزدنا قال: قد حملتها كلّها؛ ثم كلّم يزيد سليمان وأخبره فقال:
احملها إلى بيت المال، ثم سوّغه إياها.
«٢٠٧» - ومن أحسن الأفعال وأشرفها في احتمال المغارم ما فعله صعصعة ابن ناجية المجاشعيّ جدّ الفرزدق في افتداء الموؤدات، حتى جاء الإسلام وقد فدى ثلاثمائة وستين موؤدة، وخبره في ذلك يرد في باب أخبار العرب وعجائبهم.
«٢٠٨» - قال ابن عياش: كان حوشب بن يزيد بن الحارث بن رويم الشيباني وعكرمة بن ربعي البكري يتنازعان الشرف، ويتبازيان في إطعام الطعام ونحر الجزر في عسكر مصعب، وكان حوشب يغلب عكرمة بسعة يده، قال: وقدم عبد العزيز بن يسار مولى بحتر [١]- قال: وهو زوج أمّ شعبة
стр. 558
الفقيه- بسفائن دقيق، فأتاه عكرمة فقال له: الله الله فيّ قد كاد حوشب يغلبني ويستعليني [١] بماله، فبعني هذا الدقيق بتأخير ولك فيه مثل ثمنه ربحا، فقال: خذه، فدفعه إلى قومه وفرقه فيهم فعجنوه كلّه، ثم جاء بالعجين كله فجمعه في هوّة عظيمة وأمر به فغطّي بالحشيش، وجاءوا برمكة فقربوها إلى فرس حوشب حتى [طلبها وأفلت ثم ركضوها بين يديه وهو يتبعها حتى] [٢] ألقوها في ذلك العجين ومعها الفرس، فتورطا في ذلك العجين وبقيا فيه جميعا، وخرج قوم عكرمة يصيحون في العسكر: يا معشر المسلمين أدركوا فرس حوشب فقد غرق في خميرة عكرمة، فخرج الناس تعجبا من ذلك أن تكون خميرة يغرق فيها فرس، فلم يبق في العسكر أحد إلا ركب ينظر، وجاءوا إلى الفرس وهو غريق في العجين ما يبين منه إلا رأسه وعنقه، فما أخرج إلّا بالعمد والحبال وغلب عليه عكرمة.
٢٠٩- كان للحسن بن سهل غريم له عليه مال كثير، فعلق به وصار به إلى ابن أبي داود فلم يقدر أن يمتنع عليه، وكان ابن أبي داود يريد أن يضع من الحسن، فصادفه قد ركب يريد دار الواثق فقال: انتظرا عودي، وتباطأ عن العود ليزيد في إذلال الحسن، فجاء وكيل الحسن فدخل عليه، فقال له الحسن: بعت الضيعة؟ قال: نعم، قال: زن لهذا الغريم ماله، وسأل جماعة من حضر مجلس الحكم ممن عليه دين وهو ملازم به عمّا عليهم، فتقدم إلى وكيله بأن يزن عنهم جميع ما عليهم لغرمائهم، ففعل، وعاد ابن أبي داود فلم يجد الحسن ولا أحدا ممن كان عنده ملازما عنده بدين، فسأل عن الخبر فأخبر به، فانكسر وخجل، وصار بعد ذلك يصف الحسن بالجلالة والنبل.
стр. 559
٢١٠- ولما أوقع الواثق بأحمد بن الخصيب وسليمان بن وهب جعل سليمان في يد عمر بن فرج الرخّجي، ثم وجّه إليه يوما: طالب سليمان بمائة ألف دينار يؤديها بعد الذي أخذ منه، فإن أذعن بها وإلا فجرّده واضربه مائة سوط، ولا تتوقف عن هذا لحظة واحدة، ففعل عمر ما أمره به، فهو في ذلك إذ طلع عليه [١] محمد بن عبد الملك الزيات، وهو الوزير حينئذ وأبوه الوزير، وكانا عدوّيه، فلما رآهما سليمان أيقن بالهلاك، وعلم أنّ الجلّادين سيجوّدون [٢] ضربه لما يعرفون من عداوتهما له، فلما دنا منه محمد بن عبد الملك الزيات قال له: يا أبا أيوب ليس إلا؟ قال له سليمان: ليس إلا، فقال للجلادين حطّوه، ففعلوا، فقال: بكم تطالب؟ قال: بمائة ألف دينار وما أملك زكاتها، فقال له: اكتب خطّك بها، فقال: أكتب وليس معي ما أؤديه؟ فقال له: إنّ عمالك ما أدّوا شيئا ونحن نقسّط عليهم خمسين ألف دينار، ونلزم في أموالنا خمسين ألف دينار؛ ثم التفت إلى عمر فقال: ابعث من يقبض المال، ثم قالا [٣] : يا أبا أيوب إنا على جملتنا في عداوتك، وإنما فعلنا هذا للحرية، وأن تكون وأنت حرّ على مثل هذه الصورة فلا نتخلّصك، فلا تعتقد غير هذا.
٢١١- ويشبه هذا ما ذكر أنّ أحمد بن المدبر لما اجتمع الكتّاب عليه وخانوه حتى نفي إلى أنطاكية وخرج إلى مضربه بظاهر سرّ من رأى أتاه المعلّى ابن أيوب وكان من أعدى الناس له، فقال له: قد عرفت حالك وشغل قلبك بمخلّفيك وضيعتك، فلا تهتمّ بشيء من ذلكم ولا تفكّر فيه، فإنني النائب عنك في جميعه حتى لا تبالي ألا تكون حضرته، وهذه سبعة آلاف دينار
стр. 560
استعن بها في طريقك، فشكره ابن المدبر غاية الشكر وسرّ بعود مودته وصفائه، فقال له المعلّى: لا تظنّ ذلك فما كنت قطّ أشدّ عداوة مني الساعة، ولكنّ عداوتي لك ما دمت مقيما معنا في بلدنا، فإذا خرجت وكفينا شرّك فنحن لك على ما ترى من المودّة، ومتى عدت إلى الحضرة عدنا إلى ما عرفت من العداوة.
«٢١٢» - كان على بني تميم حمالات فاجتمعوا فيها إلى الأحنف، فقال الأحنف: لا تعجلوا حتى يحضر سيدكم، قالوا: ومن سيدنا غيرك؟ قال:
حارثة بن بدر، وكان حارثة قد قدم قبل [١] ذاك بمال عظيم من الأهواز، فبلغه ما قال الأحنف فقال: أغرمنيها ابن الزافريّة، ثم أتاهم كأنه لم يعلم فيم اجتمعوا فأخبروه، فقال: لا تلقوا فيها أحدا، هي علي، ثم أتى منزله فقال: [من الكامل]
خلت البلاد فسدت غير مسوّد ... ومن العناء تفرّدي بالسؤدد
«٢١٣» - جاء الإسلام ودار الندوة بيد حكيم بن حزام، فباعها من معاوية بمائة ألف درهم، فقال له عبد الله بن الزبير: بعت مكرمة قريش، فقال: ذهبت المكارم إلا من التقوى يا ابن أخي، إني اشتريت بها دارا في الجنة، أشهدك أني جعلت ثمنها في سبيل الله (وقد ورد هذا الخبر بغير هذه
стр. 561
الألفاظ وفيه زيادة ونقصان) [١] .
«٢١٤» - حجّة جميلة بنت ناصر الدولة أبي محمد بن حمدان أخت أبي تغلب صارت تاريخا مذكورا، حجت سنة ست وثمانين وثلاثمائة [٢] فسقت أهل الموسم كلّهم السويق بالطبرزد والثلج، واستصحبت البقول المزروعة في المراكن على الجمال، وأعدّت خمسمائة راحلة للمنقطعين، ونثرت على الكعبة عشرة آلاف دينار، ولم يستصبح عندها وفيها الا بشموع العنبر، وأعتقت ثلاثمائة عبد ومائتي جارية وأغنت الفقراء والمجاورين.
«٢١٥» - جاء الإسلام وإنّ جفنة العبّاس لتدور على فقراء بني هاشم، وإن درته لمعلقة لسفهائهم، وكان يقال: هذا السؤدد، يشبع جائعهم ويؤدب سفيههم.
«٢١٦» - قال بعضهم: قدمت على سليمان بن عبد الملك، فبينا أنا عنده إذ نظرت إلى رجل حسن الوجه يقول: يا أمير المؤمنين والله لحمدها خير منها ولذكرها أحسن من جمعها، ويدي موصولة بيدك فابسطها لسؤالها خيرا؛ فسألت عنه فقيل: يزيد بن المهلب يتكلّم في حمالات حملها.
٢١٧- وفد دهقان أصفهان على معاوية فلم يجد من يكلّمه في حاجته، فقيل له: ليس لها إلا عبد الله [٣] بن جعفر، فكلّمه الدهقان وبذل له ألف ألف
стр. 562
درهم، فكلم معاوية فقال: قد أردنا أن نصلك بألف ألف درهم فربحناها، فقال عبد الله: قد ربحت وربحنا شكر الدهقان. فلما قضى حاجته أكبّ عليه الدهقان يقبّل أطرافه ويقول: أنت قضيتها لا أمير المؤمنين، وحمل إليه المال فقال: ما كنت لآخذ على معروفي أجرا، وبلغ الخبر معاوية فبعث إليه ألف ألف درهم فلم يقبلها وقال: لا أقبل ما هو عوض عما تركت، فقال معاوية:
لوددت أنه من بني أمية وأنّي مخزوم ببرة.
«٢١٨» - أصاب الناس بالبصرة مجاعة [١] ، فكان ابن عامر يغدّي عشرة آلاف ويعشّي مثلهم حتى تجلّت الأزمة فكتب إليه عثمان يجزّيه خيرا، وأمر له بأربعمائة ألف معونة على نوائبه، وكتب إليه: لقد رفعك السؤدد إلى موضع لا يناله إلا الشمس والقمر، فتوخّ أن يكون ما أعطيت لله فإنه لا شرف إلا ما كان فيه وله.
«٢١٩» قدم سليمان بن عبد الملك المدينة فأهدى له خارجة بن زيد بن ثابت ألف عذق موز، وألف قرعة عسل أبيض، وألف شاة، وألف دجاجة، ومائة إوزة، ومائة جزور، فقال سليمان: أجحفت بنفسك يا خارجة، قال: يا أمير المؤمنين قدمت بلد رسول الله ﷺ ونزلت في أهل بيتي مالك بن النجار، وأنت ضيف، وإنما هذا قرى، فقال: هذا وأبيكم السؤدد. ثم سأل عن دينه فقيل خمسة وعشرون ألف دينار، فقضاها عنه وأعطاه عشرة آلاف دينار.
«٢٢٠» - حرم الحجاج الشعراء في أوّل مقدمه العراق، فكتب إليه عبد
стр. 563
الملك أجز الشعراء فإنهم يحبّون مكارم الأخلاق ويحرّضون على البرّ والسخاء، نظر إلى هذا المعنى أبو تمام فقال: [من الطويل]
ولولا خلال سنّها الشعر ما درت ... بغاة العلى من أين تؤتى المكارم
وقال ابن الرومي: [من الطويل]
وما المجد لولا الشعر إلا معاهد ... وما الناس إلا أعظم نخرات
«٢٢١» قيل لبزرجمهر: أيّ شيء نلته أنت به أشدّ سرورا؟ قال: قوّتي على مكافأة من أحسن إليّ.
«٢٢٢» - وسئل الإسكندر عن أفضل ما سرّه من مملكته فقال: اقتداري على أن أكثر الإحسان إلى من سبقت منه حسنة إليّ.
«٢٢٣» - حبس داود كاتب أمّ جعفر وكيلا لها عليه في حسابه مائتا ألف درهم، فكتب الوكيل إلى عيسى [بن داود] وسهل بن صباح [١] وكانا صديقيه يسألهما الركوب إلى داود في أمره، فركبا إليه، فلقيهما الفيض بن أبي صالح فسألهما عن قصدهما فأخبراه، فقال: أتحبّان أن أكون معكما؟ قالا: نعم، فصاروا إلى داود فكلّموه في إطلاق الرجل، فطالع أمّ جعفر بحضورهم وسؤالهم، فوقّعت في الرقعة تعرّفهم ما وجب لها من المال وتعلمهم أنّه لا سبيل إلى إطلاقه دون أداء المال، قال: فاقرأهم التوقيع واعتذر، فقال عيسى وسهل: قد قضينا حقّ الرجل، وقد أبت أمّ جعفر أن تطلقه إلا بالمال،
стр. 564
فقوموا بنا ننصرف، فقال لهما الفيض: كأننا إنما جئنا لنؤكد حبس الرجل، قالا له: فما نصنع؟ قال: نؤدي المال عنه؛ ثم أخذ الدواة وكتب إلى وكيله في حمل المال عن الرجل ودفع الكتاب إلى داود وقال: قد أزحنا علّتك في المال فادفع إلينا صاحبنا، قال: لا سبيل إلى ذلك حتى أعرّفها الخبر، فكتب إليها فوقعت في رقعته: أنا أولى بهذه المكرمة من الفيض، فاردد عليه كتابه بالمال، وادفع إليه الرجل، وقل له: لا يعاود مثل ما كان منه. قال: ولم يكن الفيض يعرف الرجل وإنما أراد مساعدة صاحبيه في حقّه.
«٢٢٤» - وحكي أنّ الفيض بن أبي صالح وأحمد بن الجنيد وجماعة من العمال والكتّاب خرجوا من دار الخليفة منصرفين إلى منازلهم في يوم وحل، فتقدم الفيض وتلاه أحمد فنضح دابة الفيض على ثياب أحمد من الوحل، فقال أحمد للفيض: هذه والله مسايرة بغيضة، لا أدري بأي حقّ وجب لك التقدم علينا، فلم يجبه الفيض عن ذلك بشيء ووجه إليه عند منصرفه إلى منزله بمائة تخت في كلّ تخت قميص ومبطّنة وسراويل وطيلسان ومع كلّ واحد عمامة أو شاشية، وقال لرسوله: قل له أوجب التقدم لنا عليك أنّ لنا مثل هذا نوجّه به إليك عوضا مما أفسدناه من ثيابك، فإن كان لك مثله فلك التقدم علينا، وإلا فنحن أحقّ بالتقدم منك.
٢٢٥- حدث أبو الهيثم الرحبي من حمير قال: كان رجل من ذي مناخ، وهم بطن من ذي كلاع، يقال له جميم [١] بن معدي كرب، جوادا فأشفى جوده على ماله، فتدارأت بطون من ذي الكلاع في أمواه لهم، وكانت بينهم دماء، ثم تداعوا إلى الصلح وتعاقل الدماء وأن يبيئوا الدم بالدم، ويؤدّوا ما فضل، ففضلت إحدى الطائفتين بسبع ديات فحملها جميم، فسعى في
стр. 565
عشيرته فتدافعوه، فأدّى ديتين فاستوعبتا ماله، فخرج ضاربا في الأرض حتى أوغل في مفاوز اليمن. قال أبو الهيثم: فحدثني شيخان منّا ممن أدركه وسمع حديثه من فلق فيه [١] ، قال: بينا أنا ذات عشيّة في بعض تلك الأغفال [٢] أوائل الليل إذ حبا لي نشء [٣] فألبس الأفق، فهمهم وتهزّم، وأطلّت أعاليه وتلاحقت تواليه، وبرق فخطف، ورعد فرجف، وأشرفت على الهلاك، وإني مع ذلك لسخيّ بنفسي أودّ لو هلكت لأعذر، والنفس مجبولة على طلب النجاة، فملت لأقرب الجبال مني لأعتصم بلجأ منه، فلما سندت في سفحه عرض لي غار غامض، فأطمأننت إليه، فإذا نار كالمصباح تخبو تارة وتضيء أخرى، واحتفل السحاب وشري [٤] المطر، فاندفعت في الغار فأنخت في أدناه، فإذا نار في لوذ منه، فعقلت مطيتي وأخذت سيفي وولجت، لكني هجمت على شويخ [٥] يوقد نويرة وبين يديه حمار قد قيّده ونبذ له أضغاثا فقلت: عم ظلاما، فقال:
نعم ظلامك، من أنت؟ فقلت: خابط ضلال ومعتسف أغفال، فقال:
أعاف أم باغ [٦] ؟ فقلت: بل راكب خطار، وخائض غمار، تؤدي إلى بوار، فقال: إنّك لتنبىء عن شرّ، ليفرخ روعك، اجلس وخفّض عليك وتطامن، فلما اطمأننت قال: قرّب مطيّتك واحطط رحلها، واعضد لها من أغصان السّمر المتهدل على فجوة هذا الغار، ففعلت، ثم أقبلت إليه [٧] فجلست، فاستنبث [٨] رمادا إلى جانب موقده فاختفى [٩] خبزة فلطمها بيده حتى