← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 10649

الشرح الممتع على زاد المستقنع

ابن عثيمين

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

وأما الشُّرب: فتبطل بالشُّرب الكثير عمداً، أو سهواً، ولا تبطل باليسير سهواً، ولا تبطل أيضاً باليسير عمداً إذا كانت نَفْلاً، وعَلَّلوا ذلك بأثر ونظر: أما الأثر: فقالوا: إنَّ عبد الله بن الزبير ﵁ وعن أبيه: كان يطيل النَّفْل وربما عَطِشَ فشرب يسيراً (١). وهذا فِعْلُ صحابي، وفِعْلُ الصَّحابي إذا لم يعارضه نصٌّ أو فعْلُ صحابي آخر فهو حُجَّة. وأما النَّظر: فلأن النَّفْل أخفُّ من الفَرْض، بدليل أن هناك واجبات تسقط في النَّفْل، ولا تسقط في الفَرْض، كالقيام، واستقبال القِبْلة في السفر، فإذا كان النَّفْلُ أخفَّ وكان الإِنسان ربَّما يطيله كثيراً فيحتاج للشُّرب سُمِحَ له بالشُّرب اليسير تشجيعاً له على النَّافلة. فإذا قال قائل: إذاً فسامحوا بالأكل اليسير عمداً. قلنا: لا، فهناك فَرْق بين الأكل والشُّرب، فالأكل يحتاج إلى مضغ وحركات أكثر، والحاجة إليه في الصَّلاة أقلُّ. وأما الشُّرب فإنه لا يحتاج إلى ذلك، والحاجةُ إليه في الصَّلاة كثيرة. وظاهر قول المؤلِّف: «يسير شُرب» أنه لا فَرْقَ بين أن يكون الشُّرب ماءً أو لبناً، أو عصيراً، أو نحو ذلك، لكن الأصحاب قالوا: إنَّ بَلْعَ ذوب السُّكَّر في الفم كالأكل (٢). وبعضهم قال: كالشُّرب.

стр. 1192

فعلى قول من يقول: إنَّ بَلْعَ ذوب السُّكَّر إذا كان في الفم كالأكل؛ لا يُعفى عن يسير العصير وأشباهه، لأنه يشبه ذوب السُّكر. وعلى القول الثاني يُعفى عنه في النَّفْل. والقول الثاني (١): في أصل المسألة: أنه لا يُعفى عن يسير الشُّرب في النَّفْل عمداً؛ كما لا يُعفى عنه في الفرض، وبه قال أكثر أهل العِلْم. وعلَّلوا ذلك: أن الأصل تساوي الفَرْض والنَّفْل. وعلى القول بأنه يُعفى عن اليسير، فالمرجع في اليسير والكثير إلى العُرف. وَإنْ أَتَى بِقَوْلٍ مَشْرُوعٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ كَقِرَاءَةٍ فِي سُجُودٍ وَقُعُودٍ ......... قوله: «إن أتى» أي: المصلِّي. قوله: «بقول مشروع» أي: قد شَرَعَه الشَّارع، سواء كان مشروعاً على سبيل الوجوب كالتسبيح وقراءة الفاتحة، أو على سبيل الاستحباب كقراءة السُّورة بعدها. قوله: «في غير موضعه» متعلِّق بـ «أتى»، أي: إنْ أتى في غير موضع القول المشروع بالقول المشروع، وليست متعلِّقة بمشروع؛ لأنه ليس هناك قول مشروع في غير موضعه. قوله: «كقراءة في سجود» القراءة في السُّجود غير مشروعة، بل منهيٌّ عنها، وكذلك القراءة في الرُّكوع غير مشروعة، بل منهيٌّ عنها؛ لقول النبيِّ ﷺ : «ألا وإنِّي نُهيتُ أن أقرأ القرآنَ راكعاً أو

стр. 1193

ساجداً، أمَّا الرُّكوع فعظِّموا فيه الربَّ، وأما السُّجود فأكثروا فيه من الدُّعاء، فقَمِنٌ أن يُستجاب لكم» (١). وَتَشَهُّدٍ فِي قِيَامٍ، وَقِرَاءَةِ سُورَةٍ فِي الأخِيرَتَيْنِ لَمْ تَبْطلْ، وَلَمْ يَجِبْ لَهُ سُجُودٌ بَلْ يُشْرَعُ، .......... قوله: «وتشهد في قيام» التشهُّدُ يُشرع في الجلوس، لكن لو نسيَ فتشهَّدَ وهو قائمٌ فقد أتى بقول مشروع في غير موضعه. قوله: «وقراءة سورة في الأخيرتين» هذا أيضاً قول مشروع في غير موضعه، لأن الرَّكعتين الأخيرتين لا تُشرع فيهما القراءة بغير الفاتحة على المشهور من المذهب (٢)، وقد ذكرنا في باب صفة الصَّلاة أنه ينبغي أحياناً أن يقرأ بزائد على السُّورتين (٣). تنبيه: قوله: «كقراءة في سجود»، أي: مع الإِتيان بسبحان رَبِّيَ الأعلى؛ لأنه إنْ قرأ في السُّجود ولم يقل: سبحان ربي الأعلى؛ فقد نقَّص واجباً فيلزمه سجود السَّهو، لكن إذا أتى بقول مشروع في غير موضعه مع الإِتيان بالقول المشروع في ذلك الموضع فقرأ في الرُّكوع مع قول: «سبحان ربي العظيم»، أو قرأ في السُّجود مع قول: «سبحان ربي الأعلى»، أو قرأ في القعود مع قول: «ربِّ اغفِرْ لي»، أو قرأ في التشهُّد مع إتيانه بالتشهُّد. قوله: «لم تبطل» ظاهره: حتى وإنْ قرأ في الرُّكوع، وإنْ قرأ في السُّجود، لأنه قول مشروع في الجُمْلة في الصَّلاة، لكنه في غير هذا الموضع.

стр. 1194

وقال بعض العلماء (١): بل إذا قرأ في الرُّكوع أو في السُّجود بطلت، وبه قال بعض الظاهرية. واستدلُّوا: بأن النبيَّ ﷺ نُهيَ أن يقرأ القرآنَ وهو راكعٌ أو ساجدٌ (٢)، والأصل في النَّهي التحريم، وعلى هذا؛ فتكون قراءة القرآن في الرُّكوع أو السُّجود حراماً، ومعلوم أن الإِنسان إذا فَعَلَ ما يحرم في العبادة فسدت. لكن الجمهور قالوا: هذا ليس محرَّماً بعينه، لكنه محرَّم باعتبار موضعه، بخلاف الكلام، فالكلام في الصَّلاة لا شكَّ أنه يبطل الصَّلاة؛ لأنه محرَّم بعينه، أما هذا؛ فالأصل أن القراءة غير محرَّمة في الصَّلاة بل مشروعة في موضعها، لكن النَّهي عن كونها في هذا الموضع فقط، فلم يكن ذلك مبطلاً للصَّلاة، وهذا هو الرَّاجح، أعني: أنها لا تبطل. تتمة: ولو فَعَلَ المستحب في غير موضعه؛ بأن رَفَعَ يديه في الانحدار إلى السجود ناسياً؛ فهل يُشرع السُّجود؟ الجواب: لا يُشرع السُّجود؛ لأنه إذا لم يُشرع السُّجود لتركه وهو نقص في ماهيَّة الصَّلاة؛ فلا يُشرع لفعله مِن باب أَوْلَى، لكنه لا يبطل الصلاة؛ لأنه من جنسها، إلا أنه سيأتي ـ إن شاء الله ـ في باب سجود السَّهو أنه إذا أتى بقول مشروع في غير موضعه، فإنه يُسنُّ له أن يسجد للسَّهو، كما لو قال: «سبحان رَبِّيَ الأَعلى» في الرُّكوع، ثم ذَكَرَ فقال: «سبحان رَبِّي العظيم» فهنا أتى

стр. 1195

بقول مشروع وهو «سبحان رَبِّيَ الأَعلى»، لكن «سبحان رَبِّي الأعلى» مشروع في السُّجود، فإذا أتى به في الرُّكوع قلنا: إنك أتيت بقول مشروع في غير موضعه، فالسُّجود في حقِّكَ سُنَّة. وهذا هو المذهب (١)، أعني التفريق بين القول المسنون والفعل المسنون، حيث قالوا: إنْ أتى بقول مشروع في غير موضعه سُنَّ له سجود السَّهو، وإن أتى بفعل مسنون في غير موضعه لم يُسنَّ له السُّجود، وفي هذا التفريق نظر؛ فإن عموم الأدلة في السُّجود للسَّهو يقتضي أنْ لا فَرْقَ. وَإنْ سَلَّمَ قَبْلَ إتْمَامِهَا عَمْداً بَطَلَتْ، وَإنْ كَانَ سَهْوَاً ثُمَّ ذَكَرَ قَرِيباً أَتَّمَّهَا وَسَجَدَ. قوله: «وإن سلم قبل إتمامها عمداً بطلت»، أي: إذا سَلَّم قبل إتمام الصلاة بقصد الخروج منها عمداً بطلت؛ لأنه على غير ما أمر الله به ورسوله، وقد قال النبيُّ ﷺ : «من عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ» (٢). فالله تعالى قد فَرض صلاة الظُّهر مثلاً أربعاً، فإذا سَلَّمَ من ثلاث أو من ركعتين، فقد أتى بما ليس عليه أَمْرُ الله ورسوله فتبطل. وإنْ كان سهواً، أي: أنه ظَنَّ أن الصَّلاة قد تمَّت ثم ذَكَرَ قريباً، أي: في زمن قريب، أتمَّها وسَجَدَ، وسيأتي ـ إن شاء الله ـ أين يكون موضع السُّجود (٣). قوله: «وإن كان سهواً ثم ذكر قريباً أتمها وسجد»، أي: وإنْ كان السَّلام سهواً … إلخ وظاهر كلامه العموم، وأنه لا فَرْقَ بين

стр. 1196

أن يُسلِّم ظانًّا أنّها تمَّت، وبين أن يُسلِّم جازماً أنها تمَّت؛ لكونه يظنُّ أنه في صلاة أخرى، وبين المسألتين فَرْقٌ، فإذا سَلَّم ظانًّا أنها تمَّت؛ فهذا ما أراده المؤلِّف، مثل: مَنْ سَلَّم مِن ركعتين في صلاة رباعية فيتمُّ ويسجد للسَّهو. وأما إذا سَلَّمَ على أنها تمَّت الصَّلاة؛ بناءً على أنه في صلاة أخرى لا تزيد على هذا العدد، مثل: أن يُسلِّم مِن ركعتين في صلاة الظُّهر؛ بناءً على أنَّها صلاة فجر، فهنا لا يبني على ما سَبَقَ، لأنه سَلَّم يعتقد أن الصَّلاة تامَّة بعددها، وأنه ليس فيها نقص، فيكون قد سَلَّمَ من صلاة غير الصَّلاة التي هو فيها، ولهذا لا يبني بعضها على بعضٍ. ودليل ما ذكره المؤلِّف؛ من أنه إذا سَلَّمَ ظانًّا أن صلاته تمَّت؛ فَذَكَرَ قريباً؛ أنه يسجد: حديث أبي هريرة أن الرسول ﷺ صَلَّى ذات يوم صلاة الظُّهر أو العصر، فَسَلَّم من ركعتين، ثم قام فتقدَّم إلى خشبة في مقدَّم المسجد، واتكأ عليها كأنه غضبان، وكان في الناس خيار الصَّحابة كأبي بكر وعُمر، لكن لهيبة الرَّسول ﷺ هابا أن يكلِّمَاهُ مع أنهما أخصُّ الناس به، وكان الرسول ﷺ قد ألقى الله عليه المهابةَ، وكان في القوم رَجُلٌ يداعبه النبيُّ ﷺ يسميه «ذا اليدين» لطول يديه، فقال: يا رسول الله أَنسيتَ أم قُصِرَت الصَّلاة؟ فقال: «لم أنسَ ولم تُقصَر!» ـ فقوله: «لم أنسَ» بناءً على اعتقاده، و «لم تُقصرْ» بناءً على الحكم الشرعي؛ لأن الحكم الشرعي باقٍ على أنَّها أربع، وفيه احتمال ثالث، وهو أن يكون سَلَّمَ من ركعتين عمداً، وهذا لا يرد بالنسبة

стр. 1197

للرسول ﷺ ثم التفت إلى النَّاس وقال: «أحقٌّ ما يقول ذو اليدين؟» قالوا: نعم. فتقدَّم فَصَلَّى ما تَرَكَ، ثم سَلَّم، ثم سجد سجدتين ثم سَلَّم (١)، هذا هو دليل هذه المسألة، وهي قوله: «ثم ذَكَرَ قريباً أتمَّها وسجد». لكن لو ذَكَرَ وهو قائم، فهل يبني على قيامه ويستمر، أم لا بُدَّ أن يقعد ثم يقوم؟ قال الفقهاء ﵏: لا بُدَّ أن يقعد، ثم يقوم؛ لقول ذي اليدين: «فَصَلَّى ما تَرَكَ» وهو قد تَرَكَ القيام من القعود، فلا بُدَّ أن يأتي بالقيام من القعود، وهذا مبنيٌّ على أن النهوضَ نفسَه ركنٌ مقصودٌ. فإن قيل: إنَّ النهوض ليس رُكناً مقصوداً، ولكنه مِن أجل أن يكون قائماً، وبناءً على ذلك لا يلزمه أن يجلس ثم يقوم، كما قال به بعضُ العلماء. فالجواب: أنَّ ما ذَكَرَه الفقهاء ﵏ أحوط، فنقول: إذا كان الإِنسان قد نَهَضَ ثم ذَكَرَ، أو ذُكِّرَ، جَلَسَ، ثم قَامَ، وأتمَّ الصَّلاة. وقوله: «ثم ذكر قريباً» يُشترط أيضاً شرط آخر: وهو ألا يفعل ما ينافي الصلاة، فإن فَعَلَ ما يُنافي الصَّلاة، مثل: أن يُحْدِث، أو يأكل، وما أشبه ذلك، فإنه لا يبني على صلاته لفوات الشَّرط، وهذا ظاهر في الحَدَث؛ لأنه إذا أحدث تعذَّر بناءُ بعض الصَّلاة على بعض؛ لانقطاعها بالحَدَث.

стр. 1198

أما إذا فَعَلَ ما يُنافي الصَّلاة؛ فإن الصَّحيح: أنه لا بأس أن يبني على ما سَبَقَ؛ لأن فعله ما ينافي الصَّلاة بناءً على أنه أتمَّ صلاته، فيكون صادراً عن نسيان أو عن جهل بحقيقة الحال، والنسيان والجهل عُذر يسقط بهما حكم فِعْلِ المنهي عنه، وهو الأكل مثلاً أو الشُّرب، أو ما أشبه ذلك، ولهذا بَنَى النبيُّ ﷺ والصحابةُ على صلاتهم مع فِعْلِهم ما ينافي الصَّلاة، وهو الكلام. فَإِنْ طَالَ الفَصْلُ، أَوْ تَكَلَّمَ لِغَيْرِ مَصْلَحَتِهَا بَطُلَتْ كَكَلَامِهِ فِي صُلْبِهَا، .......... قوله: «فإن طال الفصل» لم يُبيِّن المؤلِّف مقدار الفصل، فيُرجع في ذلك إلى العُرف. ومثال الفصل القصير: أن يكون الفَصْلُ كالفصلِ في صلاة الرَّسول ﷺ في قصةِ ذي اليدين، فإنه قام إلى مقدَّم المسجد، واتكأ على خشبة معروضة هناك، وتراجع مع الناس، وخرج سُرعان الناس من المسجد وهم يقولون: قُصرت الصَّلاة (١). فما كان مثل هذا، كثلاث دقائق، وأربع دقائق، وخمس دقائق وما أشبهها، فهذا لا يمنع مِن بناء بعضها على بعض، وأما إن لم يَذْكُر إلا بعد زمن طويل كساعة أو ساعتين، فإنه لا بُدَّ مِن استئناف الصَّلاة. قوله: «أو تكلم لغير مصلحتها»، أي: بعد أن سَلَّمَ قبل إتمام الصَّلاة تكلَّم بكلام لغير مصلحة الصَّلاة فإنها تبطل. مثل أن يقول بعد أنْ سَلَّمَ ناسياً: يا فلان، أين وضعتَ الكتاب؟ يا فلان، أغلقْ المكيف. يا فلان، اذهب إلى كذا. ولو

стр. 1199

كان الكلام يسيراً، ولو كان الزَّمن قصيراً، لأنه فَعَلَ ما ينافي الصَّلاة، فهو كما لو أحدث. والصحيح: أن الصَّلاة لا تبطل بذلك، لأنه إنما تَكلَّم بناءً على أن الصَّلاة قد تمَّت فيكون معذوراً، وسيأتي قريباً. قوله: «ككلامه في صلبها»، أي: كما أنَّها تبطل الصَّلاة إذا تكلَّم في صُلب الصَّلاة، وقاس المؤلِّف ﵀ ما كان خارج الصَّلاة بحسب اعتقاد المصلِّي على ما كان في صُلب الصَّلاة، لأن الكلام في صُلب الصَّلاة قد ثَبَتَ فيه الحديث عن النبيِّ ﷺ حين قال: «إنَّ هذه الصَّلاة لا يصلحُ فيها شيء من كلام الناس» (١). فإذا تكلَّم بعد السَّلام عن نقص نسياناً بطلت، كما لو تكلَّم وهو يُصلِّي، والمذهب (٢) أنَّ الصَّلاة تبطل في كلتا الصُّورتين. والقول الرَّاجح: لا تبطل بالكلام ناسياً أو جاهلاً كما سبق ويأتي. وَلِمَصْلَحَتِهَا إنْ كَانَ يَسِيراً لَمْ تَبْطُلْ. ............. قوله: «ولمصلحتها إن كان يسيراً لم تبطل» فَصَّلَ المؤلِّف ﵀ في الكلام، وجعله على أقسام؛ فيما إذا تكلَّم بعد سلامه ناسياً: القسم الأول: أن يتكلَّم لغير مصلحة الصَّلاة، فهنا تبطل بكلِّ حال. القسم الثاني: أن يتكلَّم لمصلحة الصَّلاة بكلام يسير، كفعل

стр. 1200

الرسول ﷺ والصَّحابة ﵃ حين قال: «أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم. ومراجعة ذي اليدين له. فهنا لا تبطل، لأنه يسير لمصلحة الصَّلاة. القسم الثالث: أن يكون كثيراً لمصلحة الصَّلاة، فتبطل. هذا ما قرَّره المؤلف، وهو أحد الأقوال في هذه المسألة (١). والقول الثاني: أن الصَّلاة لا تبطل بهذه المسائل الثلاث كلها؛ لأن هذا المتكلِّم لا يعتقد أنه في صلاة، فهو لم يتعمَّد الخطأ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، وهذا هو الصحيح. وكذلك على القول الصَّحيح لا تبطل بالأكل والشُّرب ونحوهما؛ ـ إذا سَلَّمَ ناسياً ـ لأنه لم يتعمَّد فِعْلَ المبطل، فهو جاهل بحقيقة الحال، ولا بغير ذلك مما ينافي الصَّلاة ويبطلها إلا في الحَدَث؛ وذلك لأن الحَدَث لا يمكن معه بناء بعض الصَّلاة على بعض: لأنه يقطعها نهائيًّا، وكذلك لو تَكلَّم في صُلب الصَّلاة ناسياً أو جاهلاً، فإنها لا تبطل على القول الرَّاجح، ودليله ما ذكرنا من الآية الكريمة: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. وحديث معاوية بن الحكم الذي تَكلَّم في الصَّلاة فإنه ﵁ لما دَخَلَ في الصَّلاة عطس رَجُل، فقال: الحمدُ لله،

стр. 1201

فقال له معاوية: يرحمك الله، فرماه الناس بأبصارهم فقال: واثكل أمياه، ما شأنكم تنظرون إليَّ! فجعلوا يضربون أفخاذهم ليُسْكِتُوه فسكت. فلما سَلَّمَ النبيُّ ﵊ أخبره بأن الصَّلاة لا يصلح فيها شيء مِن كلام النَّاس (١)، ولم يأمره بالإِعادة؛ لأنه كان جاهلاً مع أنه تعمَّد الكلام. وَقَهْقَهَةٌ كَكَلَامٍ، وَإِنْ نَفَخَ أَوْ انْتَحَبَ مِنْ غَيْرِ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، ........ قوله: «وقهقهة ككلام». القهقهة: الضَّحك المصحوب بالصَّوت، ويُسمَّى عند الناس «كهكهة»، فإذا ضحك بصوت فإنه كالكلام، بل أشدُّ منه لمنافاتها للصَّلاة تماماً؛ لأنها أقرب إلى الهزل مِن الكلام، فإذا قهقه إنسانٌ وهو يُصلِّي بطلت صلاتُه؛ لأن ذلك يشبه اللعب، فإن تبسَّم بدون قهقهة فإنها لا تبطل الصَّلاة؛ لأنه لم يظهر له صوت. وإنْ قهقه مغلوباً على أمره؛ فإن بعض الناس إذا سَمِعَ ما يعجبه لم يملك نفسه من القهقهة، فَقَهْقَهَ بغير اختياره فإن صلاته على القول الرَّاجح لا تبطل، كما لو سَقَطَ عليه شيء فقال بغير إرادة منه: «أح» فإن صلاته لا تبطل أيضاً؛ لأنَّه لم يتعمَّد المفسد. قوله: «إن نفخ» أي: فبان حرفان بطلت صلاتُه، لأنه تكلَّم

стр. 1202

مثل: أن يقول: «أف» يرفع صوته بها، فهذا تبطل صلاته به؛ لأنه بان منه حرفان. وفي هذا التَّعليل شيء، لأنه قد يكون الكلام كلاماً تامًّا مع حرف واحد؛ كأفعال الأمر مِن الثلاثي إذا كانت مثالاً ناقصاً. المثال: هو معتلُّ الأول، والناقص: هو معتل الأخير، فالأمر من هذا الفعل يكون على حرف واحد، وهو كلام تام مثل أن تقول لصاحبك: «عِ» من وعى، فـ «عِ» هذا كلام تام، أو «فِ» من وَفَّى، هذا أيضاً كلام تام، وهي مكوَّنة مِن حرف واحد، كما أنه يكون هناك ثلاثة حروف، ولا يكون كلاماً، فكون المسألة تعلَّل بأن ما كان حرفان فهو كلام، وما دون ذلك ليس بكلام، فيه نَظَرٌ. ولهذا نقول في «النَّفخ»: إن كان عَبَثاً أبطل الصَّلاة؛ لأنه عَبَثٌ، وإنْ كان لحاجة فإنه لا يُبطل الصَّلاة، ولو بان منه حرفان، لأنه ليس بكلام، مثل: أن ينفخ الإِنسان حشرة دَبَّتْ على يده لإزالتها؛ لأنه أهون لها من أن يمسَّها بيده؛ لأنه ربَّما لو مَسَّها بيده لتأثرت، ولأنه أسهل لها، فالمدار في هذا على العبث، إنْ فَعَلَه عبثاً فإن الصَّلاة تبطل لمنافاة العبث لها، وإنْ كان لحاجة لم تبطل. قوله: «انتحب» أي: فَبَانَ حرفان، والنَّحيب: رَفْعُ الصوت بالبكاء. قوله: «من غير خشية الله تعالى» مثل: أن يأتيه الخَبَرُ وهو يُصلِّي بأن فلاناً مات فينتحبُ، فانتحابه هنا ليس مِن خشية الله،

стр. 1203

ولكن من حُزْنِهِ على فراق هذا الميِّت، فإذا بان حرفان مِن انتحابه بطلت صلاتُه. هذا ما قرَّره المؤلِّف. والصحيح: أنه إذا غلبه البكاء حتى انتحب لا تبطل صلاتُه؛ لأن هذا بغير اختياره، سواء كان مِن غير خشية الله كما سَبَقَ، أم من خشية الله، أي: شدَّة خوفه مِن الله ، أو من محبَّة الله وشدَّة شوقه إلى الله؛ لأن البكاء قد يكون خشية لله، وقد يكون شوقاً إلى الله ، فكما يكون للقلب تأثر عند ذِكْرِ ثواب المتقين فيبكي شوقاً إلى هذا النَّعيم، كذلك يكون عند ذِكْرِ الكافرين وعقابهم، فيبكي خوفاً مِن هذا العذاب. أَوْ تَنَحْنَحَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فَبَانَ حَرْفَانِ بَطُلَتْ. قوله: «أو تنحنح من غير حاجة فبان حرفان» فإن صلاته تبطل. والحاجة للتنحنح، إما أن تكون قاصرة، أو متعدِّية: فإذا أحسَّ الإِنسانُ بحَلْقِهِ انسداداً، فإنه يتنحنح مِن أجل إزالة هذا الانسداد، فهذا لحاجة قاصرة. والتَّنحنحُ لحاجةٍ متعدِّيةٍ مثل: إذا استأذن عليه شخص وأراد أن يُنبِّهه على أنه يُصلِّي، أو ما أشبه ذلك، فهذه حاجة متعدِّية فلا تبطل الصَّلاة بذلك، لأنَّها لحاجة، فإنْ كان لغير حاجة فإنها تبطل الصلاة بشرط أن يبين حرفان. والقول الراجح: أن الصَّلاة لا تبطل بذلك، ولو بَانَ حرفان؛ لأن ذلك ليس بكلام، والنبيُّ ﷺ إنما حَرَّم الكلام. اللَّهُمَّ إلا أن يقع ذلك على سبيل اللعب، فإن الصلاة تبطل به؛ لمنافاته الصلاة فيكون كالقهقهة.

стр. 1204

مسألة: هل مِن الحاجة أن يتنحنح إذا أطال الإِمام الركوع أو السُّجود من أجل أن يُنبِّهه أو ليس من الحاجة؟ الجواب: هذا ليس من الحاجة، إلا إذا أطال الإِمام إطالة خرجت عن حَدِّ المشروع، فقد يكون هذا من الحاجة. فإن قال قائل: ما الدَّليل على جواز التَّنحنح للحاجة، ولو بَانَ حرفان؟ فالجواب: الدَّليل: حديث عليٍّ ﵁ أنه كان له مدخلان يدخل فيهما على النبيِّ ﷺ ، فإذا دَخَلَ عليه وهو يُصلِّي تنحنح له إشارة إلى أنه مشغول بصلاته (١). مسألة: إذا عطس فبَانَ حرفان فهل تبطل صلاتُه؟ الجواب: لا تبطل صلاته؛ لأنه مغلوبٌ عليه وليس باختياره، وكذلك لو تثاءب فبان حرفان، فإنه مغلوبٌ عليه فلا يضرُّه، لكن بعض الناس ينساب وراء التثاؤب حتى تسمعَ له صوتاً «ها، ها» فهذا الظاهر أنه غير مغلوب على أمره، بل إن هذا حَذَّر منه النبيُّ ﷺ ، وأَمَرَ مَنْ تثاءب أن يكظم ما استطاع (٢) أي: يمنع ما استطاع، فإن لم يستطع وَضَعَ يده على فَمِهِ؛ لأن وَضْعَ اليد على الفَم يَكْتُم الصَّوت ويخفِّضُه، ويمنع من ضحك الشيطان على المتثائب، أو دخوله في جوفه. وكذلك بعض النَّاس يتقصَّد أن يكون عطاسه شديداً، فلو

стр. 1205

تقصَّد هذا وبان حرفان؛ بطلت صلاتُه على قاعدة المذهب؛ لأن هذا ليس مغلوباً على أمره. فَصْلٌ الكلام في هذا الفصل على النَّقْصِ، وكلامه السابق في الباب على الزيادة، وقد سَبَقَ أن الزيادة (١): زيادة قول، وزيادة فِعْلٍ. وزيادة القول إما أن تكون مِن جنس الصَّلاة، أو من غير جنسها، وكذلك الفعل. فزيادة القول مِن غير جنس الصلاة تبطل الصَّلاة إنْ كانت عمداً، وكذلك إن كانت سهواً أو جَهْلاً على المذهب؛ لعموم قوله ﷺ : «إن هذه الصَّلاة لا يصلُحُ فيها شيءٌ من كلام الناس» (٢). والصَّحيح: أنها لا تبطل الصَّلاة إنْ كانت سهواً أو جهلاً (٣). وإن كان القول مِن جنس الصَّلاة، فإن كان مما يخرج به من الصَّلاة وهو السَّلام، فإن كان عمداً بطلت، وإن كان سهواً أتمَّها وسَجَدَ للسَّهو بعد السَّلام، وإن كان مما لا يخرج به من الصَّلاة، كما لو زاد تسبيحاً في غير محلِّه، فهذا يُشرع له السُّجود ولا يجب.

стр. 1206

أما زيادة الأفعال فإن كانت من غير جنس الصَّلاة فقد سَبَقَ أن أقسامها خمسة، وهي الحركة في الصَّلاة (١). وإن كانت من جنس الصَّلاة: فإن كانت تغير هيئة الصَّلاة، وهي: الرُّكوع والسُّجود والقيام والقعود، فإنْ كان متعمِّداً بطلت، وإلاَّ؛ لم تبطل، وسَجَدَ للسَّهو. وإن كانت لا تغير هيئة الصَّلاة، كما لو رَفَعَ يديه إلى حذو منكبيه في غير موضع الرَّفع، فإن الصَّلاة لا تبطل به، لأن ذلك لا يُغَيِّرُ هيئة الصَّلاة ولكن يُشرع له السُّجود على القول الرَّاجح. وَمَنْ تَرَكَ رُكْناً فَذَكَرَهُ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ رَكْعَةٍ أُخْرَى، بَطُلَتْ الَّتِي تَرَكَهُ مِنْهَا، ....... قوله: «ومن ترك ركناً» أي: إذا تَرَكَ رُكناً، والأركان سَبَقَ بيانها (٢)، فإن كان تكبيرة الإِحرام لم تنعقد صلاتُه، سواء تَرَكَها عمداً أم سهواً، لأن الصلاة لا تنعقد إلا بتكبيرة الإِحرام، فلو فُرِضَ أن شخصاً وقف ليصلِّي فنسيَ التكبير وشرعَ في الاستفتاح وقرأ الفاتحة واستمرَّ، فإننا نقول: إن صلاته لم تنعقد أصلاً، ولو صَلَّى كُلَّ الرَّكعات، وإن كان غير التحريمة فهو الذي ذَكَرَه المؤلِّفُ ﵀. قوله: «فذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى بطلت التي تركه منها» بطلت: يعني صارت لغواً، وليس البطلان الذي هو ضِدُّ الصِّحة، لأنه لو كان البطلان الذي هو ضِدُّ الصِّحة؛ لوجب

стр. 1207

أن يخرج من الصَّلاة، ولكن المراد بالبطلان هنا: اللغو، فمعنى «بطلت» أي صارت لغواً، وتقوم التي بعدها مقامها، هذا إذا ذكره بعد شروعه في قراءة الركعة الأخرى. مثال ذلك: رَجُلٌ يُصلِّي فلما سَجَدَ السُّجود الأول في الرَّكعة الأُولى، قام إلى الرَّكعة الثانية، وشرع في قراءة الفاتحة، ثم ذَكَرَ أنه لم يسجد إلا سجدة واحدة؛ فَتَرَكَ جلوساً وسجدة، أي: ترك رُكنين، فنقول له: يحرم عليك أن ترجع؛ لأنك شرعت في ركن مقصود من الرَّكعة التي تليها، فلا يمكن أن تتراجع عنها، لكن تلغي الرَّكعة السَّابقة، وتكون الرَّكعة التي بعدها بدلاً عنها. مثال آخر: قام إلى الرَّابعة في الظُّهر، ثم ذَكَرَ أنه نسيَ السَّجدة الثانية من الركعة الثالثة، بعد أن شَرَعَ في القراءة فتُلغَى الثالثة، وتكون الرابعة هي الثالثة، لأنه شَرَعَ في قراءتها. وهذا ما قرَّره المؤلِّف. والقول الثاني: أنها لا تبطل الركعة التي تركه منها، إلا إذا وَصَلَ إلى محلِّه في الرَّكعة الثانية، وبناء على ذلك يجب عليه الرُّجوعُ ما لم يَصِلْ إلى موضعه من الرَّكعة الثانية. ففي المثال الذي ذكرنا، لمَّا قام إلى الثانية؛ وشَرَعَ في قراءة الفاتحة؛ ذَكَرَ أنه لم يسجد في الركعة الأُولى، فنقول له: ارجعْ واجلسْ بين السَّجدتين، واسجدْ، ثم أكمل. وهذا القول هو الصحيح، وذلك لأن ما بعد الرُّكن المتروك يقع في غير محلِّه لاشتراط الترتيب، فكل رُكن وَقَعَ بعد الرُّكن

стр. 1208

المتروك فإنه في غير محلِّه لاشتراط الترتيب بين الأركان، وإذا كان في غير محلِّه فإنه لا يجوز الاستمرار فيه، بل يرجع إلى الرُّكن الذي تَرَكَه كما لو نسيَ أن يغسل وجهه في الوُضُوء، ثم لما شرع في مسح رأسه ذَكَرَ أنه لم يغسل الوجه، فيجب عليه أن يرجع ويغسل الوجه وما بعده، فإنْ وَصَلَ إلى محلِّه مِن الرَّكعة الثانية، فإنه لا يرجع؛ لأن رجوعه ليس له فائدة، لأنه إذا رَجَعَ فسيرجع إلى نفس المحل، وعلى هذا؛ فتكون الرَّكعة الثانية هي الأُولى، ويكون له ركعة مُلفَّقَة مِن الأُولى ومِن الثانية. مثاله: لما قام من السَّجدة الأولى في الرَّكعة الثانية وجَلَسَ؛ ذَكَرَ أنه لم يسجد في الرَّكعة الأولى إلا سجدة واحدة، فلا يرجع إلى الرَّكعة الأولى، ولو رَجَعَ فسيرجع إلى المكان نفسه الذي هو فيه، وهذا القول هو القول الرَّاجح: أنه يجب الرُّجوع إلى الرُّكن المتروك ما لم يَصِلْ إلى موضعه من الرَّكعة الثانية، فإنْ وَصَلَ إلى موضعه من الرَّكعة الثانية صارت الثانية هي الأولى. وَقَبْلَهُ يَعُودُ وُجُوباً، فَيَأْتي بِهِ وَبِمَا بَعْدَه، ........... قوله: «وقبله يعود وجوباً، فيأتي به وبما بعده» أي: إذا ذَكَرَ الرُّكن المتروك قبل شروعه في قراءة الرَّكعة التي تلي المتروك منها، فإنه يعود إلى الرُّكن المتروك فيأتي به وبما بعده. مثال ذلك: رَجُل يُصَلِّي فقام إلى الرَّكعة الثانية، وحين قيامه ذَكَرَ قبل أن يقرأ أنه لم يسجد في الرَّكعة الأولى إلا سَجْدَة واحدة. فيلزمه الرُّجوع، فيجلس جلسة ما بين السَّجدتين، ثم يسجد ثم يقوم للثانية.

стр. 1209

وَإنْ عَلِمَ بَعْدَ السَّلَامِ فَكَتَرْكِ رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ. قوله: «وإن علم بعد السَّلام فكترك ركعة كاملة» أي: إن عَلِمَ بالرُّكن المتروك بعد أن سَلَّمَ فكتركه رَكعة كاملة، أي: فكأنه سَلَّمَ عن نقص رَكعة، وعلى هذا؛ فيأتي برَكعة كاملة، ثم يتشهَّدُ ويسجد للسَّهو ويُسلِّمُ، إما بعده أو قبله، حسب ما سنذكره، إن شاء الله. مثال ذلك: رَجُلٌ صَلَّى، ولما فَرَغَ من الصَّلاة ذَكَرَ أنه لم يسجد في الرَّكعة الأخيرة إلا سجدة واحدة، فيأتي بركعةٍ كاملةٍ، هذا ما قرّره المؤلِّف. ووجه ذلك: أنه لما سَلَّمَ امتنع بناءُ الصَّلاة بعضُها على بعضٍ فتبطل الرَّكعة كلُّها، ويأتي بركعة كاملة، ولأن تسليمه بعد التشهُّد يشبه ما إذا شَرَعَ في قراءة الرَّكعة التي تليها، وهو إذا شَرَعَ بقراءة الرَّكعة التي تليها وَجَبَ عليه إلغاء الرَّكعة الأُولى، وأن يأتي برَكعة كاملة. والقول الثاني (١): أنه لا يلزمه أن يأتي بركعة كاملة، وإنما يأتي بما تَرَكَ وبما بعده، لأن ما قبل المتروك وَقَعَ في محلِّه صحيحاً، فلا يُلزم الإِنسان مرَّة أخرى، أما ما بعد المتروك، فإنما قلنا بوجوب الإِتيان به من أجل الترتيب، وعلى هذا ففي المثال الذي ذكرنا نقول لهذا الرَّجُل: ارجعْ واجلسْ بين السجدتين، واسجدْ السَّجدة الثانية، ثم اقرأ التشهُّدَ، ثم سَلِّمْ، ثم اسجدْ للسَّهو وسلِّمْ، وهذا القول هو الصَّحيح.

стр. 1210

ووجه صِحَّته: أن ما قبل المتروك وقع مُجَزّأً في محلِّه فلا وَجْهَ لبطلانه، وأما ما بعد المتروك فإنما قلنا بوجوب إعادته مِن أجل مراعاة الترتيب. فصار كلام المؤلِّف في تَرْكِ الرُّكن غير التحريمة له ثلاث حالات: ـ أما التَّحريمة فلا تنعقد الصَّلاة بتركها. الحال الأولى: أن يذكره قبل الشُّروع في قراءة الرَّكعة التي تليها، ففي هذه الحال يجب عليه الرُّجوع، فيأتي به وبما بعده، ويستمرُّ في صلاته. الحال الثانية: أن لا يعلم به إلا بعد السَّلام فيكون كَتَرْكِ ركعة كاملة. الحال الثالثة: أن يعلم به بعد الشُّروع في قراءة الرَّكعة التي تليها، فتبطُل الرَّكعة التي تَرَكَه منها، وتقوم الثانية مقامها. أما على القول الرَّاجح، فإنه إذا تَرَكَ رُكناً فلا يخلو مِن ثلاث حالات: الحال الأُولى: إنْ ذَكَرَه قبل أن يصل إلى محلِّه وجب عليه الرُّجوع. الحال الثانية: إنْ ذَكَرَه بعد أن وَصَلَ إلى محلِّه فإنه لا يرجع؛ لأنه لو رَجَعَ لم يستفد شيئاً، وتقوم الثَّانية مقام التي قبلها. الحال الثالثة: إنْ ذَكَرَه بعد السَّلام فإن كان من رَكعة قبل الأخيرة أتى بركعة كاملة، وإنْ كان من الأخيرة أتى به وبما بعده

стр. 1211

فقط، ولا يلزمه أن يأتي بركعة كاملة. هذه أحوال نقص الأركان. وَإِنْ نَسِي التَّشَهُّدَ الأَوَّلَ وَنَهَضَ لَزِمَهُ الرُّجُوعُ مَا لَمْ يَنْتَصِبْ قَائِماً فَإِنْ اسْتَتَمَّ قَائِماً كُرِهَ رُجُوعُهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَصِبْ لَزِمَهُ الرُّجُوعُ، وَإنْ شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ حَرُمَ الرُّجُوعُ وَعَلَيْهِ السُّجُودُ لِلْكُلِّ. هذا الكلام عن نقص الأركان، أما الواجبات فقد ذَكَرَها المؤلف بقوله: «وإن نسي التشهد الأول … » خصَّ المؤلِّفُ التشهُّدَ الأول على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر، بل نقول: إذا نقَّص واجباً ناسياً كالتشهُّدِ الأول ونَهَضَ، فلا يخلو من ثلاث أحوال: الحال الأُولى: أن يذكره بعد أن ينهض، أي: بعد أن تفارق فخذاه ساقيه، وقبل أن يستتمَّ قائماً، ففي هذه الحال يجلس ويتشهَّد، ويتم صلاته، ويسجد للسَّهو. الحال الثانية: أن يذكره بعد أن يستتمَّ قائماً، لكن قبل أن يشرع في القراءة، فهنا لا يرجع؛ لأنه انفصل عن التشهُّدِ تماماً، حيث وَصَلَ إلى الرُّكن الذي يليه. الحال الثالثة: أن يذكره بعد الشُّروع في قراءة الرَّكعة التي تليها: فيحرم الرُّجوع، وقد بَيَّنَ المؤلِّفُ هذا التفصيل في قوله: «وإن نسي التشهُّدَ الأول ونَهَضَ لزمه الرُّجوع ما لم ينتصب قائماً، فإن استتمَّ قائماً كره رجوعه، وإنْ لم ينتصب لزمه الرجوع، وإن شرع في القراءة حرم الرجوع». قوله: «وعليه السجود للكلِّ» أي: في كلِّ الأحوال الثلاث:

стр. 1212

إذا نهض ولم يستتمَّ قائماً، إذا استتم قائماً ولم يقرأ، إذا شَرَعَ في القراءة فعليه السجود في الكُلِّ. وبقي حال رابعة لم يذكرها؛ لأنها لا توجب سجود السَّهو، وهي: ما إذا ذَكَرَ قبل أن ينهض، أي: تأهَّب للقيام، ولكن قبل أن ينهض وتفارق فخذاه ساقيه، ذَكَرَ أنه لم يتشهَّد فإنه يستقرُّ ولا يجب عليه السُّجود في هذه الحال؛ لعدم الزيادة وعدم النقص، أما عدم النقص فلأنه أتى بالتَّشهُّدِ وأما عدم الزيادة فلأنه لم يأتِ بفعل زائد. وعلى هذا؛ فتكون الأحوالُ أربعاً، وصار الرُّجوع: محرماً، ومكروهاً، وواجباً، ومسكوتاً عنه. فالمحرم: إذا شَرَعَ في القراءة، ولو رَجَعَ عالماً بطلت صلاتُه؛ لأنه تعمَّد المفسد. والمكروه: إذا استتمَّ قائماً ولم يشرع في القراءة، ولو رَجَعَ لم تبطل؛ لأنه لم يفعل حراماً. وقال بعض العلماء (١): يحرم الرُّجوع إذا استتمَّ قائماً، سواءٌ شرعَ في القِراءة أم لم يشرعْ؛ لأنه انفصلَ عن محلِّ التشهُّد تماماً. وهذا أقرب إلى الصَّواب. والواجب: إذا لم يستتمَّ قائماً ونهضَ، ولكن في أثناء النهوض ذَكَرَ ثم رَجَع، ففي هذه الأحوال الثلاث يجب عليه سجود السَّهو.

стр. 1213

والمسكوت عنه: أن يذكر قبل أن ينهض. قال بعض العلماء: أي قبل أن تفارق فخذاه ساقيه، وبعضهم قال: قبل أن تفارق ركبتاه الأرضَ، والمعنى متقارب؛ لأنه إذا فارقت ركبتاه الأرضَ فقد نهضَ، وإذا فارقت أليتاه ساقيه فقد نهضَ أيضاً، لكن إذا ذَكَرَ قبل أن ينهض فإنه يستقر، وليس عليه سجود سهو. هذا حكم المسألة على كلام المؤلِّف. ويجب أن يُعلم؛ أن ما ذكرناه في التشهُّدِ الأول يجري على مَنْ تَرَكَ واجباً آخر، مثل: التسبيح في الرُّكوع، فلو نسيَ أن يقول: «سبحان رَبِّي العظيم» ونَهَضَ من الرُّكوع فذكر قبل أن يستتمَّ قائماً، فإنه يلزمه الرُّجوع، وإن استتمَّ قائماً حرم الرُّجوع، وعليه أن يسجد للسَّهو؛ لأنه تَرَكَ واجباً، ويكون قبل السَّلام؛ لأنه عن نقص. ولو تَرَكَ قول: «سبحان رَبِّي الأعلى» في السُّجود حتى قام؛ فإنه لا يرجع، وعليه أن يسجد. ولو تَرَكَ «ربِّ اغفرْ لي» حتى سَجَدَ؛ فإنه لا يرجع، وعليه السُّجود، وعلى هذا فَقِسْ، فكلُّ مَنْ تَرَكَ واجباً حتى فارق محلَّه إلى الرُّكن الذي يليه فإنه لا يرجع، ولكن عليه السُّجود لهذا النقص، ويكون السُّجود قبل السَّلام. وَمَنْ شَكَّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ أَخَذَ بِالأَقَلِّ، ........... قوله: «ومن شكّ» هذا هو السبب الثالث من أسباب سجود السَّهو. واعلم أن الشكَّ لا بُدَّ فيه من معرفة ثلاث قواعد: القاعدة الأولى: إذا كان الشكُّ بعد انتهاء الصَّلاة، فلا عِبْرَة به إلا أن يتيقن النقص، أو الزيادة.

стр. 1214

مثال ذلك: بعد أن سَلَّمَ شَكَّ هل صَلَّى ثلاثاً أم أربعاً؟ نقول: لا تلتفت لهذا الشكِّ، فلا تسجد للسَّهو، ولا ترجع لصلاتك، لأن الصلاة تمَّت على وَجْهٍ شرعي، ولم يوجد ما ينقض هذا الوجه الشَّرعي، فالمصلِّي لما سَلَّمَ لا إشكال عنده أن الصَّلاة تامَّة وبرئت بها الذِّمَّةُ، فورود الشكِّ بعد أن برئت الذِّمَّة لا عِبْرَة به. ومثال ذلك: لو شَكَّ في عدد أشواط الطَّواف بعد أن فرغ من الطَّواف، هل طاف سبعاً أم ستًّا؟ فلا عِبْرَة به، فلا يَلتفت إليه؛ لأنه فَرَغَ من الطواف على وَجْهٍ شرعي فبرئت به الذِّمَّة، فورود الشَّكِّ بعد براءة الذِّمَّة لا يُلتفت إليه. ومثله أيضاً: لو شَكَّ في عدد حصى الجِمَار بعد أن فَرَغَ وانصرف، فلا يَلتفت إليه؛ لأنه بفراغ العبادة برئت الذِّمَّة، فورود الشَّكِّ والذِّمَّة قد برئت لا يُلتفت إليه. القاعدة الثانية: إذا كان الشَّكُّ وهماً، أي: طرأ على الذِّهن ولم يستقر، كما يوجد هذا في الموسوسين، فلا عِبْرَة به أيضاً، فلا يلتفت إليه، والإِنسان لو طاوع التوهم لتعب تعباً عظيماً. القاعدة الثالثة: إذا كَثُرت الشُّكوك مع الإِنسان حتى صار لا يفعل فِعْلاً إلا شَكَّ فيه، إنْ توضأ شَكَّ، وإنْ صَلَّى شَكَّ، وإن صام شَكَّ، فهذا أيضاً لا عِبْرَة به؛ لأن هذا مرض وعِلَّة، والكلام مع الإِنسان الصَّحيح السَّليم مِن المرض، والإِنسان الشكّاك هذا يعتبر ذهنه غير مستقر فلا عِبْرَة به. بقينا في الشَّكِّ إذا كان خالياً من هذه الأمور الثلاثة؛ فما

стр. 1215

الحكم؟ بَيَّنَ المؤلِّفُ الحكم فيه: وهو أربعة أقسام: الأول: الشَّكُّ في عدد الرَّكعات. وأشار إليه بقوله: «ومن شك في عدد الركعات أخذ بالأقل» أي: شَكَّ هل صَلَّى ثلاثاً أم أربعاً؟ فيجعلها ثلاثاً، أو هل صَلَّى ثلاثاً أم اثنتين؟ يجعلها اثنتين. أو هل صَلَّى اثنتين أم واحدة؟ يجعلها واحدة. والدليل: قوله ﷺ : «إذا شَكَّ أحدُكُم في صلاته؛ فلم يَدْرِ كم صَلَّى؛ ثلاثاً أم أربعاً؟ فليطرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ على ما استيقنَ، ثم يسجدُ سجدتين قبل أنْ يُسلِّمَ» (١). والتعليل: لأن الناقص هو المتيقَّن، والزائد مشكوك فيه، والأصل عدمه، والقاعدة: «أن ما شُكَّ في وجوده فالأصل عدمه» فعندنا ثلاث أو أربع، الثلاث متيقَّنة والرابعة مشكوك فيها، هل وُجِدَت أم لم تُوجَد؟ والأصل عدم الوجود. وظاهر كلام المؤلِّفِ: أنه لا فَرْقَ بين أن يكون لديه ترجيح أو لا، فإذا شَكَّ؛ هل هي ثلاث أم أربع ورجَّح الأربع؟ يأخذ بالثلاث. أو شَكَّ هل هي ثلاث أم أربع، ورجَّحَ الثلاث؟ يأخذ بالثلاث. أو شَكَّ هل هي ثلاث أم أربع ولم يترجَّحْ عنده شيء؟ يأخذ بالثلاث. ففي الصُّور الثلاث سواء ترجَّح الناقص، أم الزائد، أم تساوى الأمران، على كلام المؤلِّف يأخذ بالأقل، وهذا هو المذهب.

стр. 1216

القول الثَّاني (١) في المسألة: أنه إذا شَكَّ وترجَّحَ عنده أحد الأمرين أخذ بالمترجِّح، سواء كان هو الزائد أم النَّاقص. ودليل هذا القول: حديث ابن مسعود ﵁ أن النبيَّ ﷺ قال فيمن شَكَّ فتردَّدَ هل صَلَّى ثلاثاً أم أربعاً قال: « … فَلْيَتَحَرَّ الصَّوابَ، فَلْيُتِمَّ عليه ـ يبني على التحري ـ ثم ليُسَلِّم، ثم يسجد سجدتين» (٢). وهذا يدلُّ مع الحديث الأول على أن الشَّاكَّ له حالان: الأولى: حال يمكن فيها التَّحري، وهي التي يغلب فيها الظَّنُّ بأحد الأمرين. الثانية: حال لا يمكن فيها التَّحري، وهي التي يكون فيها الشَّكُّ بدون ترجيح. وبناءً على ذلك نقول: إذا شَكَّ في عدد الرَّكعات، فإن غلب على ظَنِّه أحد الاحتمالين عَمِلَ به، وبَنَى عليه، وسَجَدَ سجدتين بعد السَّلام، وإنْ لم يترجَّح عنده أحد الاحتمالين أخذ بالأقل، وبَنَى عليه، وسَجَدَ قبل السَّلام. مثال ذلك: رجلٌ صَلَّى وشَكَّ هل صَلَّى ثلاثاً أم أربعاً؟ ولكن ترجَّحَ عنده أنها أربع. نقول: اجعلها أربعاً؛ لأنَّه ترجَّح عندك، ثم سَلِّمْ، ثم اسجدْ سجدتين بعد السَّلام. وإذا ترجَّحَ عنده أنها ثلاث، يجعلها ثلاثاً، ويأتي بالباقي، ويسجد سجدتين بعد السَّلام.

стр. 1217

وإذا شَكَّ ولم يترجَّح عنده شيء، يأخذ بالأقل ويسجد سجدتين قبل السَّلام. بقي عندنا مسألة، وهي هل يفرَّق بين الإِمام والمنفرد والمأموم، أو هم على حَدٍّ سواء؟ الجواب: فَرَّقَ بعض العلماء (١) بين الإِمام وغيره، وقال: الإِمامُ يأخذ بغالب ظَنِّهِ، وأما المأموم والمنفرد فيبني على اليقين، وهو الأقل. ووجه الفرق على رأي هؤلاء العلماء: أن الإِمام عنده من يُنبِّهه لو أخطأ، بخلاف غيره (٢)، ولكن حديث ابن مسعود الذي ذكرناه آنفاً يدلُّ على أنه يبني على غالب ظَنِّهِ، سواء كان إماماً، أم مأموماً، أم منفرداً. مسألة: إذا جاء والإِمام راكع فكبّر للإحرام، ثم رَكَعَ، ثم أشكل عليه: هل أدرك الإِمام في الرُّكوع، أم رَفَعَ الإِمام قبل أن يدركه؟ فعلى ما مشى عليه المؤلِّف لا يُعتدُّ بها؛ لأنه شَكَّ هل أدركها أم لا؟ فيبني على اليقين، وهو أنه لم يدركها، فيُلغي هذه الرَّكعة. وعلى القول الثَّاني: وهو العمل بغلبة الظَّنِّ، نقول: هل يغلب على ظَنِّك أنك أدركت الإِمام في الركوع أم لا؟ فإن قال: نعم، يغلب على ظَنِّي أني أدركته في الرُّكوع، نقول: الرَّكعة

стр. 1218

محسوبة لك، وهل يسجد أو لا يسجد؟ سيأتينا (١) إن شاء الله أن المأموم لا يجب عليه السُّجود، إذا كان لم يفته شيء من الصَّلاة، وإنْ فاته شيء من الصَّلاة وَجَبَ عليه أن يسجد. وإن قال: يغلب على ظَنِّي أني لم أدركها قلنا: لا تحتسب بهذه الرَّكعة وأتمَّ صلاتك ثم اسجد للسَّهو بعد السَّلام وإن قال: إني متردِّدٌ ولم يغلب على ظنِّي أني أدركتها قلنا: ابْنِ على اليقين، ولا تحتسبها، وأتمَّ صلاتك، واسجد للسَّهو قبل السَّلام. مسألة: لو بَنَى على اليقين، أو على غالب ظَنِّه، ثم تبيَّنَ أنه مصيب فيما فَعَلَ، فهل يلزمه السُّجود؟ مثاله: رجل شَكَّ هل صَلَّى ثلاثاً أم أربعاً بدون ترجيح؟ فجعلها ثلاثاً، وأتى بركعة رابعة، لكنَّه في أثناء هذه الرَّكعة تيقَّن أنها الرابعة. فللعلماء في هذا قولان: القول الأول: (٢) أنه لا يلزمه أن يسجد؛ لأنه تبيَّنَ عدم الزيادة والنقص، والسُّجود إنما يجب جَبْراً لما نَقَصَ، وهنا لم ينقص شيئاً ولم يزد شيئاً، والنبيُّ ﷺ قال: «فلم يَدْرِ كم صَلَّى ثلاثاً أم أربعاً» (٣) وهذا الرَّجُل يدري كم صَلَّى فلا سُجود عليه. القول الثاني: أن عليه السُّجود؛ لأن الرسول ﷺ قال: «فلم يدرِ كم صَلَّى» وهذا لأجل أن يبني على ما عنده، وظاهره أنه لو درى فيما بعد فإنه يسجد لقوله: «فإنْ كان صَلَّى خمساً شفعن له

стр. 1219

صلاته، وإنْ كان صَلَّى إتماماً لأربعٍ، كانتا ترغيماً للشَّيطان» (١). ولأنه أدَّى هذه الرَّكعة وهو شاكٌّ، هل هي زائدة أم غير زائدة؟ فيكون أدَّى جزءاً من صلاته متردِّداً في كونه منها فيلزمه السُّجود. وهذا القول دليله وتعليله قويٌّ، وفيه أيضاً ترجيح من وجه ثالث، وهو الاحتياط. وإِنْ شَكَّ فِي تَرْكِ رُكْنٍ فَكَتَرْكِهِ وَلَا يَسْجُدُ لِشَكِّهِ في تَرْكِ وَاجِبٍ، ......... القسم الثاني: الشكُّ في تَرْكِ الأركان، وأشار إليه بقوله: «وإن شكَّ في تَرْكِ رُكن فكتركه» أي: لو شَكَّ هل فَعَلَ الرُّكن أو تَرَكَه، كان حكمه حكم مَنْ تركه. مثاله: قام إلى الرَّكعة الثانية؛ فَشَكَّ هل سَجَدَ مرَّتين أم مرَّة واحدة؟ فإن شرع في القراءة فلا يرجع، وقبل الشُّروع يرجع. وعلى القول الرَّاجح: يرجع مطلقاً، ما لم يصل إلى موضعه مِن الرَّكعة التالية، فيرجعْ ويجلسْ، ثم يسجد، ثم يقوم، لأن الشَّكَّ في تَرْكِ الرُّكن كالتَّرك. وكان الشَّكُّ في تَرْكِ الرُّكن كالتَّرك؛ لأن الأصل عدمُ فِعْله، فإذا شَكَّ هل فَعَلَه، لكن إذا غلب على ظَنِّه أنه فَعَلَه؛ فعلى القول الرَّاجح وهو العمل بغلبة الظَّنِّ يكون فاعلاً له حكماً ولا يرجع؛ لأننا ذكرنا إذا شَكَّ في عدد الركعات يبني على غالب ظَنِّهِ، ولكن عليه سجود السَّهو بعد السلام. القسم الثَّالث: الشَّكُّ في تَرْكِ الواجب، وأشار إليه بقوله:

стр. 1220

«ولا يسجد لشكّه في ترك واجب» أي: لو شَكَّ في تَرْكِ الواجب بعد أن فارق محلَّه، فهل هو كتَرْكه فعليه سجود السَّهو، أو هو كفعله فلا سجود عليه؟ مثاله: شَكَّ بعد أن رَفَعَ من السُّجود هل قال: «سبحان رَبِّيَ الأعلى» أم لم يقل؟ فالجواب: في المسألة قولان: القول الأول: أن الشَّكَّ في تَرْكِ الواجب كتركه، وعليه سجود السَّهو؛ لأنه شَكَّ في فعله وعدمه، والأصل عدم الفعل، وإذا كان الأصل عدم الفعل فهذا الرَّجُل لم يتشهَّد التشهُّد الأول، فيجب عليه سجود السَّهو. القول الثاني: (١) لا سجود عليه؛ لأنه شَكَّ في سبب وجوب السُّجود وهو تَرْك التشهُّد، والأصل عدم وجود السبب فينتفي عنه وجوب السُّجود وهذا هو المذهب. ولكن التعليل الأول أصحُّ، وهو أن الأصل عدم الفعل، وهذا الأصل سابق على وجوب سجود السَّهو فنأخذ به. وإذا أخذنا بالقول الرَّاجح (٢)، وهو اتباع غالب الظَّنِّ فإذا غلب على ظَنِّكَ أنك تشهَّدت فلا سجود عليك، وإن غلب على ظَنِّكَ أنك لم تتشهَّد فعليك السُّجود، والسُّجود هنا يكون قبل السَّلام؛ لأنه عن نقص، وكلُّ سجود عن نقص فإنه يكون قبل السَّلام.

стр. 1221

أَوْ زِيَادَةٍ ............. القسم الرابع: الشكُّ في الزيادة وأشار إليه بقوله: «أو زيادة» أي: لو شَكَّ هل زاد في صلاته فيلزمه سجود السَّهو، أو لم يزدْ فلا سجود عليه فإنه لا يسجد، لأنه شَكَّ في سبب وجوب السُّجود، والأصل عدمه. مثاله: شَكَّ في التشهُّدِ الأخير من صلاة الظُّهر هل صَلَّى خمساً أم أربعاً؟ فلا سجود عليه؛ لأنَّ الرَّكعة انتهت على أنها الرابعة بلا تردُّد، وإنما طرأَ عليه الشَّكُّ بعد مفارقة محلِّها، والأصل عدمها. فإن تيقَّن أنه صَلَّى خمساً، فهنا يجب عليه السُّجود للسَّهو؛ لأنه تيقَّنَ أنه زاد، فيجب عليه سجود السَّهو. الحال الأولى: إذا شَكَّ في الزيادة، ثم تيقَّنها فيجب عليه السُّجود؛ لأجل الزيادة. الحال الثانية: إذا شَكَّ في الزيادة حال فِعْلِ الزِّيادة ثم تبيَّن عدمها فيجب عليه السُّجود على المذهب (١)؛ لأنه أدَّى هذه الرَّكعة متردِّداً في كونها زائدة أو غير زائدة. الحال الثالثة: إذا شَكَّ في الزِّيادة بعد انتهائه فلا سُجود عليه؛ لأنه شَكَّ في سبب وجوب السُّجود والأصل عدمه. فقوله: «أو زيادة» يدخله استثناءان: الاستثناء الأول: ما لم يتيقَّن الزيادة، وهذا ربَّما نقول: إنه لا يحتاج إلى استثناء، لأنه ليس بشكٍّ، والمؤلِّف يقول: «لشكِّه في الزيادة».

стр. 1222

الاستثناء الثاني: إذا شَكَّ في الزيادة حين فَعَلَها، وتبيَّن عدمها فإنه يجب عليه السُّجود؛ لأنه أدَّى جزءاً مِن صلاته متردِّداً في كونه منها، فوجب عليه السُّجود لهذا الشَّكِّ. وَلَا سُجُودَ عَلَى مَأْمُومٍ إلاَّ تَبَعاً لإِمَامِهِ .......... قوله: «ولا سجود على مأموم إلا تبعاً لإِمامه» أي: أن المأموم لا يلزمه سجود السَّهو إلا تبعاً لإِمامه. فقوله: «لا سجود» عام يشمل السُّجود للشَّكِّ، أو السُّجود للزيادة، أو السُّجود للنقص. وذلك لأن النبيَّ ﷺ قال: «إنما جُعل الإِمام ليؤتمَّ به فلا تختلفوا عليه» (١) ولأن سجود السَّهو واجب، وليس برُكن، والواجب يسقط عن المأموم من أجل متابعة الإِمام، وذلك في عدَّة صُور: منها: لو قام الإِمامُ عن التشهُّدِ الأول ناسياً سَقَطَ عن المأموم. ومنها: لو دخل المأمومُ مع الإِمام في ثاني ركعة في رباعية سَقَطَ عن المأموم التشهُّد الأول؛ لأنَّ التشهُّد الأول يقع لهذا المأموم في الرَّكعة الثالثة للإِمام، ومعلوم أن الإِمام لا يجلس في الرَّكعة الثالثة؛ فيلزم المأموم أن يقوم معه، فيسقط عنه واجب من واجبات الصَّلاة، فإذا كان الواجب يسقط عن المأموم مِن أجل المتابعة، فسجود السَّهو واجب؛ فيسقط عن المأموم من أجل المتابعة، وبناءً على هذا التَّعليل: يشترط أن لا يفوته شيء من الصلاة.

стр. 1223

مثاله: رَجُلٌ نسيَ أن يقول: «سبحان ربِّي العظيم»، ولم يفته شيء من الصَّلاة؛ فيسقط عنه سجود السَّهو. فإن فاته شيء مِن الصَّلاة، ولزمه الإِتمام بعد سلام إمامه؛ لزمه سجود السَّهو إنْ سها سهواً يوجب السُّجود، لأنه إذا سَجَدَ لا يحصُل منه مخالفة لإمامه. مثال ذلك: رجُلٌ نسيَ أن يقول: «سبحان رَبِّي العظيم» في الرُّكوع وقد أدرك الإِمام في الرَّكعة الثانية، فهذا النسيان يوجب عليه سُجود السَّهو؛ لأنه تَرَكَ واجباً وقد فاته شيء من الصَّلاة، فإذا قام وأتى بالرَّكعة التي فاتته وجب عليه أن يسجد للسَّهو عن تَرْكِ الواجب؛ لأنه إذا سَجَدَ لا يحصُل منه مخالفة للإِمام؛ لكونه انفرد في قضاء ما فاته من الصَّلاة. وقوله: «إلا تبعاً لإِمامه» أي: إلاّ إذا كان سجوده تبعاً لإِمامه فيجب عليه، سواء سها أم لم يسهُ، فإذا سَجَدَ الإِمام وجب على المأموم أن يتابعه؛ لعموم قول الرسول ﷺ : «إنَّما جُعِلَ الإمامُ ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه». مثاله: ترك الإِمام قول: «سبحان رَبِّيَ الأعلى» في السُّجود، والمأموم لا يعلم؛ لأن الإِمام لا يسبِّحُ جهراً، فلما أراد أن يُسلِّم سَجَدَ سجدتين لما تَرَكَ من واجب التسبيح، فالمأموم لم يترك شيئاً من الواجبات والأركان، لكن يجب أن يسجد تبعاً للإِمام، كما يجب أن يجلس في الرَّكعة الأُولى إذا دَخَلَ مع الإِمام في الرَّكعة الثانية مع أن هذا ليس محلَّ جلوس له، لكن يجلس تبعاً للإمام، وهذا فيما إذا كان سجود الإمام قبل السَّلام، لأن الإِمام

стр. 1224

لم تنقطع صلاته بعد، فإن كان بعد السَّلام فهل يجب متابعته أو لا يجب؟ ظاهر كلام المؤلِّف: أنها تجب متابعته ولو بعد السَّلام؛ لعموم قوله: «إلا تبعاً لإمامه» فلا فَرْقَ بين أن يسجد الإِمام قبل السَّلام أو بعده، وهذا ظاهر إذا كان المأموم لم يفته شيء من الصَّلاة، فهنا يجب أن يسجد مع الإِمام ولو بعد السَّلام. فإن كان المأموم مسبوقاً وَسَجَدَ الإِمام بعد السَّلام فهل يلزم المأموم متابعته في هذا السُّجود؟ ظاهر كلام المؤلِّف: أنه يلزمه لقوله: «إلا تبعاً لإمامه» وهذا هو المعروف عند الفقهاء حتى قالوا: إذا قام ولم يستتمَّ قائماً لزمه الرُّجوع، كما لو قام عن التشهُّدِ الأول (١). والصَّحيح في هذه المسألة: أن الإِمام إذا سَجَدَ بعد السَّلام لا يلزم المأموم متابعته؛ لأن المتابعة حينئذ متعذِّرة، فإن الإِمام سيُسَلِّم ولو تابعه في السَّلام لبطلت الصَّلاة، لوجود الحائل دونها وهو السَّلام (٢). ولكن هل يلزمه إذا أتمَّ صلاته أن يسجدَ بعد السَّلام، كما سجد الإِمام؟. الجواب: فيه تفصيل: إن كان سهو الإِمام فيما أدركه من الصَّلاة وجب عليه أن يسجد بعد السَّلام.

стр. 1225

وإن كان سهو الإِمام فيما مضى من صلاته قبل أن يدخل معه لم يجب عليه أن يسجد. مثال الأول: أن يكون سهو الإِمام زيادة، بأن رَكَعَ مرَّتين في الركعة الثانية، وأنت أدركته في ذلك، فهنا يلزمك أن تسجد إذا أتممت صلاتك، لأنك أدركت الإِمام في سهوه فارتبطتْ صلاتك بصلاته، وصار ما حصل من نقص في صلاته حاصلاً لك. مثال الثاني: أن تكون زيادة الركوع في الركعة الأُولى، ولم تدخل معه إلا في الرَّكعة الثانية، فإنه لا يلزمك السُّجود، لأن أصل وجوب السُّجود هنا كان تبعاً للإِمام، والمتابعة هنا متعذِّرة؛ لأنه بعد السَّلام، وأنت لم تدرك الإمام في الرَّكعة التي سها فيها؛ فارتبطت به في صلاة ليس فيها سهو بعد دخولك معه، فلم يلزمك أن تسجد. هذا هو الصَّحيح في هذه المسألة، وكلام المؤلِّف يدلُّ على أنك تتابعه في السُّجود بعد السَّلام؛ سواء أدركت معه السَّهو أم لم تدركه. مسألة: إذا كان المأموم مسبوقاً وسَهَا في صلاته، والإِمام لم يسهُ فهل عليه سجود؟ يعني: لو أن مأموماً دَخَلَ مع الإِمام في الرَّكعة الثانية، ونسيَ أن يقول: «سبحان رَبِّيَ العظيم» في الرّكوع وسَلَّم الإِمام، وقام المأموم يقضي، فهل عليه سجود السَّهو؟ الجواب: عليه السجود للسَّهو إذا كان سهوه مما يوجب السُّجود؛ لأنه انفصل عن إمامه، ولا تتحقَّق المخالفة في سجوده حينئذ.

стр. 1226

مسألة: لو كان الإِمامُ لا يرى وجوب سجود السَّهو، والمأموم يرى وجوب سجود السَّهو مثل: التشهُّد الأول فإن بعض العلماء يرى أنه سُنَّة كما هو مذهب الشافعي، وليس بواجب، فإذا تَرَكَه الإِمام ولم يسجد للسَّهو بناءً على أنه سُنَّة، وأن السُّنَّة لا يجب لها سجود السَّهو، فهل على المأموم ـ الذي يرى أنَّ سجودَ السَّهو واجبٌ ـ سجودٌ؟ الجواب: لا؛ لأن إمامه يرى أنه لا سجود عليه، وصلاته مرتبطة بصلاة الإِمام، وهو لم يحصُل منه خلل، فالمأموم يجب أن يتابع الإِمام، وقد قام بما يجب عليه. أما لو كان الإِمام يرى وجوب سجود السَّهو وسَبَّح به للسُّجود، ولكنه لم يسجد، فقال الفقهاء ﵏ (١): يسجد المأموم إذا أيسَ من سجود إمامه، لأن صلاته مرتبطة بصلاة الإِمام، والإِمام فَعَلَ ما يوجب السُّجود، وتَرَكَ السُّجود من غير تأويل، فوجب على المأموم أن يجبر هذا النقص ويسجد. وَسُجُودُ السَّهْوِ لِمَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ وَاجِبٌ ........... قوله: «وسجود السَّهو لما يبطل عمده واجب» هذا الضَّابط فيما يجب سجود السَّهو له، فسجود السَّهو واجب لكل شيء يبطل الصَّلاة عمده. مثال ذلك: لو تركت قول: «رَبِّ اغفرْ لي» بين السَّجدتين وَجَبَ عليك سجود السَّهو، لأنك لو تعمَّدت تَرْكَهُ لبطلت صلاتُكَ.

стр. 1227

مثال آخر: لو أن الإِنسان تَرَكَ الفاتحة يجب عليه سجود السَّهو، ولكن يجب عليه شيء آخر غير سجود السَّهو وهو الإِتيان بالرُّكن، وتقدَّم ماذا يصنع في تَرْكِ الرُّكن (١). مثال ثالث: لو تَرَكَ التشهُّدَ الأول نسياناً يجب عليه السُّجود فقط، ولا يجب عليه الإِتيان به؛ لأنه واجب يسقط بالسَّهو. مثال رابع: لو تَرَكَ الاستفتاح لا يجب عليه سجود السَّهو، لأنه لو تعمَّد تَرْكه لم تبطل صلاتُه. ولكن هل يُسَنُّ؟ الصَّحيح: أنه إذا تركه نسياناً يُسَنُّ السُّجود، لأنه قول مشروع فيجبره بسجود السَّهو، ولا يكون سجود السَّهو واجباً، لأن الأصل الذي وَجَبَ له السُّجود ليس بواجب، فلا يكون الفرع واجباً، فإذا ترك الإنسان سهواً سُنَّة من عادته أن يأتي بها، فسجود السَّهو لها سُنَّة، أما لو تَرَكَ السُّنَّة عمداً فهنا لا يُشرع له السُّجود؛ لعدم وجود السَّبب، وهو السَّهو. وقوله: «لما يبطل عمده». «ما»: هنا اسم موصول، فيشمل الفعلَ والتَّركَ، فلو زاد ركوعاً سهواً وَجَبَ عليه السُّجود؛ لأنه لو تعمَّد زيادة الرُّكوع بطلت صلاتُه. ولو أتى بقول مشروع في غير موضعه؛ كأن يقرأ وهو جالس ناسياً. لا يجب عليه السُّجود؛ لأنه لو تعمَّد أن يقرأ وهو جالس لم تبطل صلاتُه.

стр. 1228

فالقاعدة الآن منضبطة طرداً وعكساً، فسجود السَّهو واجب لكل فِعْلٍ أو تَرْكٍ إذا تعمَّده الإِنسان بطلت صلاتُه، لكن يجب أن تُقيَّد هذه القاعدة بما إذا كان مِن جنس الصَّلاة كالرُّكوع، والسُّجود، والقيام، والقعود، فيخرج كلام الآدميين مثلاً، فإن عمده يبطل الصَّلاة، وسهوه لا يبطلها على الصَّحيح، ولا يوجب سجود السَّهو. مسألة: لو قرأ وهو راكعٌ أو ساجدٌ نسياناً فهل يجب أن يسجدَ للسَّهو، أو يُسَنُّ؟ الجواب: جمهور أهل العلم لا يرون الوجوب؛ لأنَّهم لا يرون بُطلان الصَّلاة بتعمُّد القراءة في الرُّكوع، والسُّجود (١). وقال بعض العلماء وبعض الظَّاهرية: إذا تعمَّد القراءة في الرُّكوع والسُّجود بطلت صلاتُه؛ لأن النبيَّ ﷺ قال: «ألا؛ وإنِّي نُهيتُ أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً» (٢). فإذا قرأ القرآن وهو راكع أو ساجدٌ فقد أتى بما نهى الشَّارعُ عنه فتبطل الصَّلاة، كما لو تكلَّم، قال زيد بن أرقم: «أُمرنا بالسُّكوت ونُهينا عن الكلام» (٣)، وهو دليل قويٌّ لكنه عند التأمل نجد الفَرْق بين «نُهينا عن الكلام» وبين «نُهيتُ أن أقرأ القرآن» أنَّ النهيَ عن قراءة القرآن نهيٌ عن قراءته في هذا المحلِّ؛ لا عن قراءته مطلقاً، فإن القرآن قول مشروع في الصَّلاة، بل رُكن فيها في الجملة، فالفاتحة

стр. 1229

قراءتها رُكْنٌ؛ بخلاف كلام الآدميين؛ فإنه منهيٌّ عنه لذاته نهياً مطلقاً، فصار القياس غير صحيح، ولكن لا يقرأ في الرُّكوع والسُّجود، لأن القرآن أشرف الكلام؛ فلا يناسب أن يُقال في هيئة فيها الذُّلُّ والخضوع، وإنْ كان في الذُّلِّ لله رِفْعة وعِزَّة، لكن الهيئة لا تتناسب مع القرآن، بل المناسب هو القيام؛ ولهذا كان المناسب في الرُّكوع والسُّجود تنزيه الله ـ عن النقص والذُّلِّ . وَتَبْطُلُ بِتَرْكِ سُجُودٍ أَفْضَلِيَّتُهُ قَبْلَ السَّلَامِ فَقَطْ .......... قوله: «وتبطل بترك سجود أفضليته قبل السلام فقط». «تبطل» أي: الصَّلاة بترك سجود أفضليته قبل السَّلام. «فقط» أي: دون الذي أفضليته بعد السَّلام. أفاد المؤلِّف ﵀ هنا مسألتين: المسألة الأولى: أن كون السُّجود قبل السَّلام أو بعدَه على سبيل الأفضلية، وليس على سبيل الوجوب، وأنَّ الرَّجُل لو سَجَدَ قبل السَّلام فيما موضعه بعد السَّلام فلا إثم عليه، ولو سَجَدَ بعد السَّلام فيما موضعه قبل السَّلام فلا إثم عليه، والأفضل: أن يسجد قبل السَّلام، إلا إذا سَلَّمَ قبل إتمام الصَّلاة، فالأفضل: أن يسجد بعد السَّلام، هذه قاعدة المذهب (١). والدَّليل على أن الأفضل السُّجود بعد السَّلام؛ إذا سَلَّمَ قبل إتمام الصَّلاة: حديث أبي هريرة ﵁ حين صَلَّى النبيُّ ﷺ إحدى صلاتي العشي، فَسَلَّمَ مِن ركعتين فذكَّروه، فأتمَّ صلاته، ثم

стр. 1230

سَجَدَ سجدتين، ثم سَلَّمَ (١)، وهذا هو المذهب. القول الثاني: أنَّ كون السُّجود قبل السَّلام أو بعدَه على سبيل الوجوب، وأنَّ ما جاءت السُّنة في كونه قبل السَّلام يجب أن يكون قبل السَّلام، وما جاءت السُّنَّة في كونه بعد السَّلام يجب أن يكون بعد السَّلام، وهذا اختيار شيخ الإِسلام، وهو الرَّاجح (٢). واستدلَّ لذلك بقول الرَّسول ﷺ وفِعْلِه: أما قوله: فإنه يقول: «ثم يسجد سجدتين قبل أن يُسلِّم» (٣) فيما قبل السَّلام، ويقول: «ثم ليسلِّم ثم ليَسْجُدْ سجدتين» (٤) فيما بعد السلام، والأصل في الأمر الوجوب. وأما فِعْل الرَّسول ﷺ فإنه سَجَدَ للزِّيادة بعد السَّلام (٥)، وسَجَدَ للنَّقص قبل السَّلام (٦)، وقال: «صَلُّوا كما رأيتموني أُصَلِّي» (٧) وهذا يشمَلُ صُلب الصَّلاة وجَبْر الصَّلاة، وسجود السَّهو جَبْر للصَّلاة، وعلى هذا؛ فما كان قبل السَّلام فهو قبل السَّلام وجوباً، وما كان بعده فهو بعد السلام وجوباً. وعليه؛ فيجب على كُلِّ أحد أن يعرف السُّجود الذي قبل السَّلام، والسُّجود الذي بعد السَّلام، لأن ما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجب.
следующие страницы →