الدراهم أزيد من البعض الآخر، فدل ذلك على أن العدد هو المعتبر؛ لأن الدراهم لم تُوحَّد إلا في زمن عبد الملك بن مروان، فوحدها على هذا المقدار، وجعل كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل.
وبناءً على قول الشيخ ﵀ لو كانت مائتا الدرهم مائة مثقال فقط ففيها الزكاة، وعلى قول من اعتبر الوزن ليس فيها زكاة، وإذا كانت مائةً وثلاثين مثقالاً، ولكنها مئتان من الدراهم عدداً، ففيها زكاة عند الشيخ، وليس فيها زكاة عند الجمهور.
وعلى هذا، هل الأحوط أن نعتبر العدد، أو الأحوط أن نعتبر الوزن؟
الجواب: إن كانت الدراهم ثقيلة فاعتبار الوزن أحوط، فخمسون درهماً قد تبلغ خمس أواق إذا كانت ثقيلة، فيكون اعتبار الوزن أحوط، وإن كانت الدراهم خفيفة فاعتبار العدد أحوط، فإذا كان الدرهم لا يبلغ إلا نصف مثقال، فلا شك أن العدد أحوط.
والأحاديث متعارضة، فحديث: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» ظاهرُهُ سواء بلغت في العدد مائتي درهم أم لم تبلغ، وحديث أبي بكر ﵁ الذي كتبه في الصدقات: «في الرقة إذا بلغت مائتي درهم» منطوق، والمنطوق مقدم
стр. 2137
على المفهوم كما هو معروف في أصول الفقه.
ولو ذهب ذاهب إلى أن المعتبر الأحوط، فإن كان اعتبار العدد أحوط وجبت الزكاة، وإن كان الوزن أحوط وجبت الزكاة. لم يكن بعيداً من الصواب.
والعدد لا حَظَّ فيه للفقراء منذ زمن بعيد؛ لأن زنة النصاب ستة وخمسون ريالاً سعودياً من الفضة، ولو اعتبرنا العدد في الفضة لم تجب الزكاة في ستة وخمسين؛ لأنها لا تساوي مائتي درهم من حيث العدد، ولو اعتبرنا العدد في الذهب لقلنا: لا زكاة إلا في عشرين جنيهاً، ولو اعتبرنا الوزن لقلنا: تجب الزكاة في عشرة جنيهات، وخمسة أثمان الجنيه؛ لأنها تبلغ خمسةً وثمانين جراماً.
مسألة: هل نقول: إذا ملك ستة وخمسين ريالاً من الورق ملك نصاباً من الفضة، أو نقول: إن المعتبر قيمة ستة وخمسين ريالاً من الفضة؟
الجواب: كان الريال السعودي من الورق في أول ظهوره يساوي ريالاً من الفضة، ثم تغيرت الحال فزادت قيمة الريال من الفضة.
فالواجب الأخذ بالأحوط، وهو اعتبار قيمة ستة وخمسين ريالاً من الفضة، وأما إيجاب الزكاة في ستة وخمسين ريالاً من الورق، وهي قد لا تساوي إلا شيئاً قليلاً من ريالات الفضة، فهذا فيه إجحاف بصاحب المال كما أنه لا يعتبر غنياً.
стр. 2138
وَيُضَمُّ الذَّهَبُ إِلَى الفِضَّةِ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ .........
قوله: «ويضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب».
فيه مسألتان:
الأولى: هل يضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب؟
في هذا قولان لأهل العلم:
القول الأول: الضم.
القول الثاني: عدم الضم.
وعلة القول الأول: أن مقصود النقدين واحد، فالدنانير يقصد بها الشراء، والفضة يقصد بها الشراء، فهي قيم الأشياء فمقصودهما واحد، فيضم بعضها إلى بعض، فإذا كان عندك عشرة مثاقيل ومائة درهم، فتضم أحدهما إلى الآخر فيكمل النصاب وتجب عليك الزكاة فيهما، وهذا التعليل منقوض بما سيأتي.
واستدل أهل القول الثاني بما يلي:
١ ـ قول الرسول ﷺ : «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» (١)، وهذا يشمل ما إذا كان عنده من الذهب ما يكمل به خمس أواق، أو لا.
٢ ـ قوله ﷺ في الدنانير: «إذا كان لك عشرون ديناراً» (٢) وهذا يشمل ما إذا كان عنده دون عشرين، وما إذا كان عنده عشرون، فإذا كان عنده دون العشرين فلا زكاة عليه، سواء كان عنده من الفضة ما يكمل به النصاب، أو لا.
٣ ـ ومن القياس أن الشعير لا يضم إلى البر في تكميل
стр. 2139
النصاب، فلو كان عند الإنسان من الشعير نصف نصاب، ومن البر نصف نصاب لم يضم أحدهما إلى الآخر، مع أن المقصود منهما واحد ولا سيما في عهد الرسول ﷺ ، وهو أنهما قوت، ومع ذلك لا يضم أحدهما إلى الآخر حتى على رأي من قال بضم الذهب إلى الفضة، وكذلك لو كان عند الإنسان نصف نصاب من الضأن ونصف نصاب من البقر، فلا يكمل أحدهما بالآخر مع أن المقصود واحد وهو التنمية، وبهذا ينتقض تعليل القول الأول، فالجنس لا يضم إلى جنس آخر، والنوع يضم إلى نوع آخر كأنواع النخيل.
وعليه فإذا كان عنده عشرة دنانير ومائة درهم، فلا زكاة عليه؛ لأن الذهب جنس والفضة جنس آخر.
وهذا هو القول الراجح، لدلالة السنة، والقياس الصحيح عليه.
المسألة الثانية: على القول بالضم فهل يضم بالأجزاء أو بالقيمة؟
المذهب: أنه يضم بالأجزاء لا بالقيمة.
وقيل: يضم بالقيمة.
ويظهر الخلاف في المثال: فإذا كان عند الإنسان ثلث نصاب من الذهب، ونصف نصاب من الفضة، وقيمة ثلث النصاب من الذهب تساوي نصف النصاب من الفضة، فعلى قول من يقول: إنه يضم بالأجزاء، لا يضم؛ لأن عنده ثلث نصاب من الذهب، ونصف نصاب من الفضة، فالمجموع نصاب إلا سدساً
стр. 2140
فلم يبلغ النصاب، وعلى هذا فلا زكاة عليه على المذهب.
وأما من قال: المعتبر القيمة، فإنه يضم الذهب إلى الفضة ويكمل النصاب؛ لأن قيمة ثلث نصاب الذهب تساوي مائة درهم فيكون عنده الآن مائتا درهم فيزكيها.
مثال آخر: إذا كان عنده عشرة دنانير ومائة درهم فإنه يضم على المذهب، وإذا كان عنده ثمانية دنانير تساوي مائة درهم وعنده مائة درهم فعلى المذهب لا يضم.
والصواب من هذين القولين: أنه يضم بالأجزاء لا بالقيمة.
يستثنى من هذه المسألة أموال الصيارف فإنه يضم فيها الذهب إلى الفضة، لا ضم جنس إلى جنس؛ لأن المراد بهما التجارة، فهما عروض تجارة.
وَتُضَمُّ قِيمَةُ العُرُوضِ إِلَى كُلٍّ مِنْهُمَا ..........
قوله: «وتضم قيمة العروض إلى كل منهما».
عروض التجارة كل ما أعد للتجارة ولا تُخَصُّ بمال معين كالثياب والعقارات إذا أرادها للتجارة، فهذه تضم في تكميل النصاب إلى الذهب، أو الفضة، فإذا كان عنده مائة درهم من الفضة وعروض تساوي مائة درهم، وجبت عليه الزكاة في الفضة والعروض.
فإن قيل: ليس عنده من الفضة نصاب وكذلك العروض؟
قلنا: إنَّ المراد بالعروض القيمة، وإنما الأعمال بالنيات، فصاحب العروض لا يريدها لذاتها؛ لأنه يشتريها اليوم ويبيعها غداً.
ولكن بأي قيمة نعتبر العروض؟ هل بالذهب أو الفضة؟
стр. 2141
مثاله: إذا كان لشخص ثلث نصاب من الفضة، وثلث نصاب من الذهب، وعروض، إن اعتبره بالفضة بلغ ثلث نصاب، وإن اعتبره بالذهب لم يبلغ ثلث نصاب، فهل يعتبر قيمته بالذهب، أو يعتبر قيمته بالفضة؟
الجواب: قال أهل العلم: إن عروض التجارة تعتبر بالأَحَظِّ للفقراء، فإذا بلغ النصاب من الفضة دون الذهب قومت بالفضة، وإذا كانت تبلغ نصاباً من الذهب دون الفضة قومت بالذهب.
وما ذهبوا إليه من ضم قيمة العروض إلى الذهب والفضة صحيح، ويكون بالأحظ للفقراء.
مسألة: إذا قلنا: بضم نصاب الذهب إلى الفضة، بضم قيمة العروض إلى الفضة أو الذهب، فهل نخرج من كل جنس زكاته، أو من أحدها؟
الجواب: المذهب، لا بد أن نخرج زكاة كل جنس منه، فنخرج من الذهب ذهباً، ومن الفضة فضة، لأن الحديث «وفي الرقة ربع العشر» (١)، أي: من الفضة.
وفي حديث الذهب «نصف دينار» (٢) أي: من الذهب.
فتكون الزكاة في كل جنس منه، كما قالوا في الحبوب والثمار: تخرج من كل نوع.
والصحيح: أنه لا بأس أن تخرج من أحد النوعين، أي: بالقيمة.
стр. 2142
وَيُبَاحُ لِلذَّكَرِ مِن الفِضَّةِ الخَاتَمُ، ...........
قوله: «ويباح للذكر من الفضة الخاتم». ذكر المؤلف ما يباح للرجال والنساء من الذهب والفضة، وهذا له تعلق بالزكاة من جهة الحلي المعد للاستعمال، وإلا فمناسبته لكتاب اللباس أظهر.
والمباح: ما كان فعله وتركه سواء، أي: لا يترتب على فعله أو تركه ثواب أو عقاب، فالمباح الأصل بقاؤه على الإباحة إن شئت افعل وإن شئت لا تفعل، لكن إذا كان وسيلة لشيء أعطي حكمه.
فالبيع حلال، قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] هذا هو الأصل، لكن لو بِعْتَ بعد أذان الجمعة الثاني، وأنت ممن تجب عليه الجمعة صار البيع حراماً؛ لأنه وسيلة إلى ترك الصلاة، ولو بعت سلاحاً في زمن فتنة صار حراماً؛ لأن فيه إعانة على الإثم، ولو بعت عنباً لمن يجعله خمراً كان حراماً، ولو احتجت ماء للوضوء صار الشراء واجباً.
فإن كان المباح وسيلة لمأمور به أُمِرَ به، وإذا كان وسيلة لمنهي عنه نُهِيَ عنه.
وقول بعض الأصوليين: لا وجود للمباح، معللين ذلك بما يلي:
أولاً: أنه ليس فيه تكليف.
ثانياً: أنه لا بد أن يكون له أثر، وأقلَّ ما فيه أنه تضييع للوقت، وتضييع الوقت مكروه.
والصحيح أنه قسم من أقسام الأحكام الشرعية لقوله تعالى:
стр. 2143
﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
وقوله: «ويباح للذكر من الفضة الخاتم».
مراد المؤلف بهذا بيان ما الذي يباح من الفضة، وأما حكم لبسه فسنبين.
وقوله: «للذكر» يشمل الصغير والكبير، و (ال) في قوله: «الخاتم» هل هي للجنس فيشمل الخاتم والخاتمين، والثلاثة والأربعة والخمسة، أو هي لِلْوَحْدةِ؟
الظاهر: الثاني؛ وأن الإنسان يباح له اتخاذ خاتم واحد، وهذا هو ظاهر كلام المؤلف ﵀.
وقوله: «ويباح للذكر من الفضة الخاتم».
الخاتم: نائب فاعل.
أي: إن الله أباح ذلك، وليعلم أنه إذا حذف الفاعل في باب التشريع، أو باب الخلق فإنما يحذف للعلم به؛ لأن الخالق والمشرع هو الله.
وقوله: «ويباح للذكر من الفضة الخاتم»؛ لأن النبي ﷺ «اتخذ خاتماً من ورق» (١) أي من فضة، ومعلوم أن لنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، ولا يقول قائل: إن هذا خاص به؛ لأن الأصل عدم الخصوصية، فمن ادعى الخصوصية في شيء فعله الرسول ﷺ فعليه الدليل.
стр. 2144
وظاهر كلام المؤلف: أنه جائز، سواء اتخذ الخاتم لحاجة، أو لتقليد وعادة، أو لزينة، لإطلاقه.
فمثال الذي يتخذه لحاجة: فكمن له شأن في الأمة، كالحاكم، والأمير، والوزير، والمدير، وما أشبه ذلك أي: يحتاج الناس إلى ختمه فهذا اتخذه لحاجة؛ لأن بقاءه في أصبعه أحفظ من جعله في جيبه؛ لأنه إذا جعله في جيبه ربما يسقط، أو يسرق.
ومثال الذي اتخذه تقليداً: فكما يفعل كثير من الناس الآن؛ يتخذ صاحبه خاتماً فيوافقه في ذلك تقليداً، ولا يريد الزينة، ولكن جرت عادة أهل بلده في اتخاذ الخاتم فاتخذه.
ومثال الذي يتخذه زينة: فكمن يلبسه يريد أن يتزين به، ولهذا يختار أحسن الفضة لوناً ولمعاناً وشكلاً.
وقال بعض العلماء: إنه إذا كان للزينة فلا يحل؛ لأن الله جعل التحلي بالزينة للنساء فقال تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ *﴾ [الزخرف]، وما كان من خصائص النساء، فإنه لا يجوز للرجال.
والراجح العموم، وأنه جائز للحاجة، والعادة، والزينة.
بل إنه لا يوجد نص صحيح في تحريم لباس الفضة على الرجال، لا خاتماً ولا غيره، بل جاء في السنن: «وأما الفضة فالعبوا بها لَعِبَاً» (١) يعني اصنعوا ما شئتم بها.
стр. 2145
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من العلماء: الأصل في لباس الفضة هو الحل حتى يقوم دليل على التحريم. وهذا القول أصح؛ لقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، فإذا جاء الإنسان، واتخذ غير الخاتم مما يتزين به من فضة فلا نقول: إن هذا حرام على القول الراجح؛ لأن الأصل الحل.
أما السوار، والقلادة في العنق، وما أشبه ذلك، فهذا حرام من وجه آخر، وهو التشبه بالنساء والتخنث، وربما يساء الظن بهذا الرجل، فهذا يحرم لغيره لا لذاته.
وقوله: «يباح للذكر» أفادنا أن اتخاذ الخاتم من فضة من القسم المباح أي: ليس حراماً، فهل هو مشروع؟ أي: هل يسن أن يتخذ الإنسان خاتماً؟
الجواب: الصحيح أَنَّ لبس الخاتم ليس بسنة إلا لمن يحتاجه؛ لأن النبي ﷺ لم يتخذه، حتى قيل له: «إن الملوك لا يقبلون كتاباً إلا مختوماً فاتخذ الخاتم» (١).
مسائل:
الأولى: إذا جرت عادة أهل البلد بلبس الخاتم فيجوز لبسه، ولا حرج، وإذا لم تجر العادة فلا يجوز؛ لأنه يكون لباس شهرة يتحدث الناس به.
وهنا مسألة لا بد أن نتفطن لها وهي:
стр. 2146
أن موافقة العادات في غير المحرم هي السنة؛ لأن مخالفة العادات تجعل ذلك شهرة، والنبي ﷺ نهى عن لباس الشهرة (١)، فيكون ما خالف العادة منهياً عنه.
وبناءً على ذلك نقول: هل من السنة أن يتعمم الإنسان؟ ويلبس إزاراً ورداءً؟
الجواب: إن كنا في بلد يفعلون ذلك فهو من السنة، وإذا كنا في بلد لا يعرفون ذلك، ولا يألفونه فليس من السنة.
الثانية: أين يوضع الخاتم هل هو في الخنصر، أو البنصر، أو السبابة، أو الإبهام، أو الوسطى؟
الجواب: في الخنصر أفضل ويليه البنصر.
الأصابع بالنسبة لوضع الخاتم عند الفقهاء ثلاثة أقسام: قسم مستحب: وهو الخنصر، وقسم مكروه: وهو السبابة والوسطى.
وقسم مباح: وهو الإبهام والبنصر، وبعضهم ألحق الإبهام بالسبابة والوسطى.
الثالثة: هل يسن الخاتم في اليسار أو اليمين؟
الجواب: قال الإمام أحمد: اليسار أفضل، لثبوته، وضعف الأحاديث الواردة عن الرسول ﷺ أنه كان يتختم باليمين (٢)،
стр. 2147
فيكون التختم في اليمين جائزاً، والصحيح أنه سنة في اليمين واليسار (١).
وقال بعض العلماء: إذا كان قد ختم عليه اسم الله، فلا يكون في اليسرى تكريماً لاسم الله؛ ولأنه يحتاج إلى اليسرى في الاستنجاء، والاستجمار وحينئذٍ إما أن يتكلف بإخراج الخاتم، وإما أن يستنجي والخاتم عليه، وهذا فيه نوع من الإهانة.
ويؤخذ من هذه المسألة: أن وضع الساعة في اليد اليمنى ليس أفضل من وضعها في اليد اليسرى؛ لأن الساعة أشبه ما تكون بالخاتم فلا فرق بين أن تضع الساعة في اليمين أو اليسار. لكن لا شك أن وضعها في اليسار أيسر للإنسان، من ناحية التعبئة، ومن ناحية النظر إليها أيضاً، ثم هي أسلم في الغالب، لأن اليمنى أكثر حركة فهي أخطر.
والأمر في هذا واسع، فلا يقال: إن السنة أن تلبسها باليمين؛ لأن السنة جاءت في اليمين واليسار في الخاتم، والساعة أشبه شيء به.
الرابعة: أين يضع فص خاتمه، على ظاهر كفه أو على باطنه؟
стр. 2148
الجواب: يجعله مما يلي باطن كفه، لأنه الوارد عن النبي ﷺ (١)، ولأنه أحفظ له، ولكن عند العمل يقلبه، ويجوز أن يجعله مما يلي ظاهر كفه، فقد روي ذلك عن ابن عباس ﵄ من فعله (٢)، والأمر في هذا واسع.
الخامسة: هل يكون الفص من جنس الخاتم أو غيره؟
الجواب: يجوز أن يكن الفص من جنس الخاتم، أو من غيره لكن الأولى أن يكون متناسباً مع الخاتم وينهى عن تكبيره؛ لأنه قد يدخل في باب الخيلاء ثم إنه قد يكون فيه تشبه بالنساء؛ لأنهن يكبرن الفص في العادة.
السادسة: ما حكم أن ينقش اسم الله على الخاتم؟
الجواب: لا ينبغي ذلك وأقل أحوال الكراهة، لا سيما وأنهم يكتبون اسم الله تعالى مفرداً، ومثله ما يوجد في قلائد النساء، وهذا كله من الأشياء المبتدعة التي توجب أن يكون اسم الله تعالى مبتذلاً، كما أنه إذا جعله في يده اليسرى فإنه يباشر الأذى عند الاستنجاء، وهذا أمر خطير جداً.
فإن قال قائل: يرد عليه خاتم الرسول ﷺ فإن نقشه «محمد رسول الله» فما الجواب على هذا الإيراد؟
فالجواب: أن هذا النقش لحاجة النبي ﷺ حيث إن هذا هو اسمه وصفته، التي من أجلها اتخذ الخاتم ليكتب للملوك ويخبرهم أنه رسول الله.
стр. 2149
وإذا اتخذ الإنسان خاتماً لحاجة ونقش عليه اسمه وفي اسمه اسم من أسماء الله ـ تعالى ـ فإنه إذا دخل الخلاء فلا بأس أن يبقى الخاتم في يده، ولكن قال العلماء: ينبغي أن يضم يده عليه ويجعل فصه داخل كفه، أما حديث: «أن رسول الله ﷺ كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه» (١) فهو معلول.
السابعة: ما حكم استعمال الدبلة بعد الخطوبة أو عقد القران للرجل والمرأة؟
هذه العادة توجد الآن في بعض البلدان الإسلامية فيأتي الزوج والزوجة بخاتمين يكتب اسم الزوج في خاتم الزوجة، واسم الزوجة في خاتم الزوج، فهذا العمل يحتوي على جملة من المحاذير الشرعية:
أولاً: أنه يقترن بها عقيدة أن هذا من أسباب التأليف بينهما وقد ذكر أهل العلم أن هذا من الشرك؛ لأنه إثبات سبب لم يثبت شرعاً ولا واقعاً، ثم إن هذا أيضاً من التولة.
ثانياً: ذكر الشيخ الألباني أن أصل هذا العمل من النصارى فإنهم يأتون إلى كبيرهم ويضع يده على يد الزوج أو الزوجة ويقول: «باسم الأب باسم الابن باسم الروح» ثم يمر بيده على
стр. 2150
يديهما ويضع الدبلة في الأصبع المخصص لذلك، ففيها إذاً محذور عظيم وهو التشبه بالنصارى وهو محرم حتى وإن خلت من الاعتقاد الذي ذكرناه أولاً، فتحرم من هذا الباب.
ثالثاً: أنه غالباً ما تكون من الذهب، والذهب محرم على الرجال، وقد رأى النبي ﷺ رجلاً عليه خاتم من ذهب فنزعه من يده وطرحه وقال: «يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها في يده» فلما انصرف النبي ﷺ قيل له: «خذ خاتمك وانتفع به» فقال: والله لا أخذه آبداً وقد طرحه النبي ﷺ (١)، وفي الحديث المشهور: «أحل الذهب والحرير لإناث أمتي وحرم على ذكورها» (٢).
فهذه العادة محرمة ينبغي محاربتها والإنكار على من يفعلها حيث اشتملت على هذه المحرمات العظيمة، كما يجب الإنكار على أولئك الرجال الذين يلبسون خواتم أو سلاسل من ذهب كما يقع هذا من بعض المائعين، وأقبح من أولئك الذين يلبسون خروصاً من الذهب في آذانهم.
وَقَبِيعَةُ السَّيْفِ .........
وقوله: «وقبيعة السيف».
القبيعة ما يكون على رأس مقبض السيف، وهي مثل القبع. فيجوز أن تحلى هذه القبيعة بالفضة؛ لآثار وردت في ذلك بعضها مرفوع وبعضها موقوف (٣)؛ ولأن السيف من آلة الحرب، وفي
стр. 2151
تحليته إغاظة للعدو، ولهذا جازت الخيلاء في الحرب، وجاز لباس الحرير في الحرب، وكل شيء يغيظ الكفار فإن الإنسان له فيه أجر، ومفسدة الكبر ولبس الحرير يقابلها مصلحة إغاظة الأعداء، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠]، وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩] فدل ذلك على أن إغاظة الكفار مرادة لله وأن فيها أجراً.
إذاً، أغيظ الكفار لأمرين:
أولاً: لموافقة مراد الله.
ثانياً: العمل الصالح الذي فيه الأجر.
ولكن هذا لا يعني ألا ندعوهم إلى الإسلام، بل نفعل ما يغيظهم، وندعوهم إلى الإسلام فنجمع بين الأمرين ونحصل على المصلحتين،
стр. 2152
ولأن في تحلية قبيعة السيف بالفضة، تقوية في الجهاد في سبيل الله، فإن الكفار إذا رأوا سيوف المسلمين بهذه المثابة عظموهم، وقالوا: إن لديهم قوة مالية.
وَحِليَةُ المِنْطَقَةِ، وَنَحْوِهِ، ..........
قوله: «وحلية المنطقة».
والمنطقة ما يشد به الوسط، فالعمال في الحرث، والاحتطاب يتخذون مناطق لتشدهم وتقويهم من وجه، وترفع ثيابهم من وجه آخر، فهذه المنطقة يجوز أن تحلّى بالفضة؛ لأن الصحابة ﵃ فعلوا ذلك، وهذا مما يؤيد ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من أن التحلي بالفضة، الأصل فيه الجواز، ما لم يصل إلى حد الإسراف.
وقوله: «ونحوه».
أي: نحو ما ذكر.
قال في الروض: «كحلية الجوشن، والخوذة، والخف، والران، وحمائل السيف» (١)؛ لأن هذا يشبه المنطقة، وإذا جاز ذلك في المنطقة فهذه مثلها، كما أن في ذلك إغاظة للكافرين ومن هنا نأخذ أن قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ليست على إطلاقها، بل يكون ذلك عند التساوي أو رجحان المفاسد، أما إذا رجحت المصالح فإنه تغتفر المفاسد بجانب تلك المصالح، ولهذا أجاز الشرع بعض المسائل الربوية من أجل المصلحة، مثل بيع العرايا.
стр. 2153
مسألة: هل يجوز الشرب والأكل في آنية الفضة؟
الجواب: ورد النص بتحريم الأكل والشرب في آنية الفضة، فلا يجوز للإنسان أن يتخذ ملعقة من فضة يأكل بها، وهذا مما يشترك فيه النساء والرجال بالنسبة لتحريم الذهب والفضة.
مسألة: هل يجوز أن يتخذ قلماً فيه فضة؟
الجواب: لا بأس، بشرط ألا يستعمله لباساً، إن قلنا بتحريم اللباس ما عدا المستثنى.
أما إذا قلنا: الأصل الحل فلا بأس أن يتخذ قلماً غطاؤه من الفضة أو جرابه كله من الفضة؛ لأن الأصل فيه الحل.
وَمِنَ الذَّهَبِ قَبِيعَةُ السَّيفِ، وَمَا دَعَتْ إِلَيْهِ ضَرُورَةٌ كَأَنْفٍ وَنَحْوِهِ ........
قوله: «ومن الذهب قبيعة السيف». أي: يباح للذكر من الذهب قبيعة السيف، وقبيعة السيف هي: رأس مقبض السيف، روي ذلك عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه: «اتخذ ذهباً على مقبض السيف» (١)؛ ولأنه من آلات الحرب ففي اتخاذ ذلك إغاظة للكفار، لكن يجب الاقتصار في اتخاذ الذهب في آلات الحرب على ما جاء عن الصحابة ﵃ من الشيء اليسير كمسمار الذهب ونحوه.
وقوله: «وما دعت إليه ضرورة، كأنف». أي: يباح له ما دعت إليه الضرورة كالأنف لو قطع، واحتاج الإنسان أن يزيل التشوه فلا بأس أن يتخذ أنفاً من ذهب.
فإذا قال قائل: لماذا لا يتخذ الفضة؟
стр. 2154
فالجواب: أن الفضة تنتن، فإن عرفجة بن أسعد ﵁ قطع أنفه، فاتخذ أنفاً من فضة فأنتن، ثم اتخذ أنفاً من ذهب بأمر النبي ﷺ (١).
وهل يشترط أن يضطر إلى كونه من الذهب، بمعنى أنه لو أمكن أن يركب غير الذهب حرم عليه الذهب؟
الجواب: قول المؤلف: «ما دعت إليه الضرورة» يقتضي أنه لا بد أن يضطر إلى عين الذهب، لا إلى وضع الأنف، وبناء على ذلك فإنه في وقتنا الحاضر يمكن أن يقوم مقامه شيء آخر فينقلون من بعض أجزاء الجسم شيئاً يضعونه على الأنف، فيكون كالأنف الطبيعي من اللحم، وهذا أحسن من كونه من ذهب، فإن أمكن أن يجعل من مادة أخرى غير الذهب فإنه لا يجوز من الذهب؛ لأنه ضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، وإذا رَكَّبَ الإنسان أنفاً من ذهب مع وجود البديل عنه، وكان يتضرر بخلعه، فلا يلزمه ذلك.
قوله: «ونحوه» أي: مثل السن والأذن.
مثاله: رجل انكسر سنه، واحتاج إلى رباط من الذهب، أو سن من الذهب، فإنه لا بأس به.
ولكن إذا كان يمكن أن يجعل له سناً من غير الذهب، كالأسنان المعروفة الآن، فالظاهر أنه لا يجوز من الذهب؛ لأنه ليس بضرورة، ثم إن غير الذهب وهي المادة المصنوعة أقرب إلى السن الطبيعي من سن الذهب، وكذلك إذا اسودّ السن ولم ينكسر
стр. 2155
فإنه لا يجوز تلبيسه بالذهب؛ لأنه لا يعتبر ضرورة ما لم يخش تكسره أو تآكله فإنه يجوز.
مسائل:
الأولى: هل يجوز أن يلبس الرجل ساعة محلاة بالفضة، أو بالذهب؟
الجواب: على القول الراجح يجوز أن يلبس ساعة محلاة بالفضة؛ لأن الأصل في الفضة الحل.
أَمَّا لبس ساعة محلاة بالذهب فإنه لا يجوز؛ لأن الذهب حرام على الرجال.
لكن إذا كانت الساعة مطلية بالذهب، والذهب فيها مجرد لون فقط فهي جائزة، ولكن لا ينبغي للإنسان أن يلبسها لوجهين:
الوجه الأول: أنه يُساء به الظن أنه لبس ساعة من ذهب؛ لأن الناس لا يدرون.
الوجه الثاني: أنه ربما يُقتدى به، فالناس يقتدي بعضهم ببعض.
فنقول للإنسان إذا أتته ساعة مطلية بذهب هدية أو نحو ذلك: الأفضل ألا تلبسها، وإن لبستها فلا حرج.
لكن العلماء اشترطوا في المطلية بالذهب ألا يكون للذهب جرم أي: قشرة، بحيث يخرج منه شيء لو حك أو عرض على النار، فأما مجرد اللون فلا بأس.
فإن قال قائل: إذا كانت الساعة ليست ذهباً ولا مطلية به، لكن في آلاتها شيء من الذهب هل تجوز؟
стр. 2156
الجواب: نعم لا بأس به؛ لأنه إذا كان في الآلات الداخلية، فإنه لا يرى ولا يعلم به، وإن كان في الآلات الخارجية كالعقرب مثلاً؛ فإنه يصير تابعاً فلا يضر.
ولكن يبقى النظر، هل يجوز للإنسان أن يشتري ساعة فيها قطع من الذهب؟
الجواب: فيه تفصيل: إذا كان لباس مثله لها يعتبر إسرافاً دخلت في حد الإسراف، وقد قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١].
وقلنا: هذا ليس لباس مثلك، وإذا كان لا يعد إسرافاً فالأصل الجواز.
الثانية: لو وضع الرجل ساعة الذهب في جيبه ولم يلبسها فلا بأس بذلك؛ لأنه لا يعد هذا لبساً.
الثالثة: ساعة الألماس جائزة في ذاتها، لكن قد تحرم من باب الإسراف.
الرابعة: القصب الموجود في المشالح، يقولون: إنه محلى بالذهب، وبعض المشالح فيه خيوط بعضها إصبعان وبعضها ثلاثة، وبعضها أربعة من الذهب.
فالمذهب: إن كان ذهباً فحرام، ولا يجوز لبسه.
ولكن هذه المسألة يعتريها أمران:
الأول: أننا لا نسلم أن هذا ذهب، وقد حدثنا شيخنا عبد العزيز بن باز ـ حفظه الله ـ عن شيخه محمد بن إبراهيم
стр. 2157
﵀ أنهم اختبروا هذا فوجدوا أنه ليس بذهب، وعلى هذا فالمسألة غير واردة من الأصل.
الثاني: لو فرضنا أنها كانت ذهباً، فإن حبر زمانه، وإمام أهل وقته، شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، يقول: يجوز من الذهب التابع ما يجوز من الحرير التابع؛ لأن النبي ﷺ ، جعل حكمهما واحداً فقال: «أحل الذهب والحرير لإناث أمتي، وحرم على ذكورها» (١).
وعلى هذا فالذي يوجد في المشالح لا يصل إلى درجة التحريم؛ لأن المحرم من الحرير هي الثياب الخالصة وما أكثره حرير، وما كان زائداً على أربعة أصابع، أما إذا كان علماً أربعة أصابع فما دون، فلا بأس به من الحرير، وعلى قول الشيخ لا بأس به ولو من الذهب.
ولكن إذا قلنا بجواز شيء فهو جائز لذاته، وقد يصير حراماً من وجه آخر فيكون حراماً لغيره.
مثال ذلك: لو قدرنا أن رجلاً لبس الذهب الخالص بجعله مرصعاً في بشته لقال الناس: هذا مسرف أو مجنون، فحينئذٍ نقول: يحرم من أجل الإسراف، وهذه قاعدة في كل المباحات «كل مباح إذا اشتمل على محرم صار حراماً».
الخامسة: فراش الحرير هل يجوز للنساء؟ الذي يظهر لي عدم جوازه؛ لأنه لا يتعلق بلباسها الذي أبيح لها فيه الحرير، من أجل التجمل.
стр. 2158
وَيُبَاحُ لِلنِّسَاءِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ مَا جَرَتْ عَادَتُهُنَّ بِلُبْسِهِ، .............
وقوله: «ويباح للنساء من الذهب والفضة» أي؛ يحل، والإباحة بمعنى الحل، والمبيح هو الشارع، والحكمة من إباحة ذلك للنساء دون الرجال أنها محتاجة للتجمل به، والتزين، فأبيح لها ما يكمِّل نقصها، بخلاف الرجال فليسوا بحاجة لذلك، وبهذا يظهر أن إباحة ذلك للمرأة رحمة بها وبزوجها.
قوله: «ما جرت عادتهن بلبسه».
«ما» اسم موصول في محل رفع نائب فاعل، أي: الذي جرت عادتهن بلبسه على أي وجه كان، سواء كان على الرأس أو في اليد أو في الصدر أو في العنق أو في الأذن أو في الرجل، وسواء كثر أو قل لكن بشرط ألا يخرج عن العادة، وإنما قيدنا ذلك؛ لأن ما خرج عن العادة إسراف، والإسراف حرام لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١].
وقوله: «ما جرت عادتهن» العادة تختلف باختلاف البلدان، والأزمان، والأحوال.
فاختلاف البلدان: قد يكون في هذا البلد جرت العادة أن يلبس النساء هذا النوع من الذهب، بخلاف البلد الآخر.
واختلاف الأزمان: كأن يكون الناس في زمان الرخاء تكثر الأموال عندهم، فيلبس النساء من الذهب شيئاً كثيراً، أو بالعكس، فيكون الجائز في الزمن الأول غير جائز في الزمن الثاني.
وأما اختلاف الأحوال فهذه امرأة فقيرة، وهذه امرأة غنية،
стр. 2159
وهذه امرأة ملك، وهذه امرأة وزير، وهذه امرأة رئيس، فالأحوال تختلف، فامرأة الفقير التي لا تملك إلا دراهم قليلة ليست كامرأة الملك.
وَلَوْ كَثُرَ .........
قوله: «ولو كثر»، «لو» إشارة خلاف؛ لأن بعض العلماء قال: يشترط ألا يزيد على ألف مثقال، أو ما أشبه ذلك، وجهه أن ما زاد على ذلك إسراف، ولكن هذا القول ضعيف؛ لأننا إذا ربطنا الحكم بالإسراف فقد يحرم ما يزيد على خمسمائة مثقال، وقد يباح ما يزيد على ألف مثقال، وذلك باختلاف الأحوال.
وقال آخرون: إنه لا تحديد، بل ما جرت به العادة فهو مباح قلَّ أو كثر، ودليله عموم قول الرسول ﷺ : «أحل الذهب والحرير لإناث أمتي وحرم على ذكورها» (١)، وهو الصواب.
مسائل:
الأولى: حكم لبس الذهب المحلَّق.
ذهب بعض أهل العلم إلى تحريمه، واستدلوا لذلك بأحاديث، وهو قول ضعيف، والصواب أنه جائز، ويكاد أن يكون إجماعاً من أهل العلم، وقد سلكوا في الجواب عن أحاديث القائلين بالتحريم أحد ثلاثة مسالك:
١ ـ أنها ضعيفة السند.
٢ ـ أنها شاذة لمخالفتها الأدلة الصحيحة الكثيرة الدالة على جواز لبس الخواتيم، وهي محلقة.
стр. 2160
٣ ـ أنها منسوخة فإن النبي ﷺ حرم لبس المحلق من الذهب أول الأمر ثم أباحه بعد ذلك، وقد كتب الشيخ عبد العزيز بن باز ردّاً على القول بتحريم الذهب المحلق، وكذلك الشيخ إسماعيل الأنصاري له رسالة في ذلك.
الثانية: قال في «الروض»: «ويباح لهما» أي: للذكر والأنثى «تَحَلٍّ بجوهر ونحوه»، مثل: الألماس «وكره تختمهما بحديد وصفر ونحاس ورصاص»، قوله: «ويباح لهما … ». دليل الإباحة عموم قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] واللام في قوله: «لكم» للتعليل وهو أولى من القول بأنها للإباحة، وإذا كان مخلوقاً من أجلنا فلا بد أن يكون مباحاً لنا؛ لأن التعليل يستفاد منه الإباحة، ويستفاد منه رحمة الله بالخلق وأنه خلق من أجلنا ما في الأرض من المنافع.
لكن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩] هذه اللام للإباحة بلا شك يعني يباح لكم رؤوس أموالكم.
وقوله في الروض: «يباح لهما .. تحل بجوهر» هذا مشروط في الذكر بألا يتحلى بما يشبه تحلي المرأة، لتحريم تشبه الرجال بالنساء.
وقوله في «الروض»: «وكره تختمهما بحديد» هذا موضع خلاف بين أهل العلم:
قال بعض العلماء: مباح؛ لقول النبي ﷺ : «التمس ولو خاتماً من حديد» والحديث في الصحيحين (١).
стр. 2161
وقيل: إنه مكروه؛ لأن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ وعليه خاتم من شَبَه فقال: «مالي أجد فيك ريح الأصنام، فطرحه، ثم جاءه وعليه خاتم من حديد، فقال: مالي أرى عليك حلية أهل النار فطرحه» (١) قال الخطابي: أي: زي الكفار، وهم أهل النار.
وأجاب القائلون بالإباحة عن هذا الحديث بأنه ضعيف، وشاذ؛ لأنه مخالف لما هو أوثق منه، والأوثق منه ما في الصحيحين «التمس ولو خاتماً من حديد».
وهذا في سنده نظر، وفي متنه نظر، ومعلوم أن الحديث لا يكون حجة إلا إذا سلم من الشذوذ والعلة القادحة، ثم ينبغي إن صححنا الحديث وجعلناه حجة أن نقول: يحرم لباس الحديد، لأنَّ التحلي بحلية أهل النار لا يجوز.
لكن لهم أن يجيبوا بأننا لا نجزم بالتحريم، لعدم جزمنا بثبوت الحديث، لكن نقول بالكراهة من باب الاحتياط.
وقد ذهب بعض الفقهاء والمحدثين إلى أن الحديث إذا لم يكن مردوداً فإنه يولد شبهة، وإذا ولد شبهة كان في منزلة بين منزلتين، فإن كان أمراً فهو بين الإيجاب وبراءة الذمة فيكون الأمر
стр. 2162
للاستحباب، وإن كان نهياً فهو بين التحريم والإباحة فيكون مكروهاً.
وهذه قاعدة قد تؤخذ من قوله ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (١).
والراجح عندي إباحة التحلي بالحديد، وغيره إلا الذهب، وعدم كراهة ذلك.
وَلَا زَكَاةَ فِي حُلَيِّهِمَا المُعَدِّ لِلاسْتِعْمَالِ، أَوِ العَارِيَةِ، .........
قوله: «ولا زكاة في حليهما المعد للاستعمال، أو العارية» (٢).
«حليهما» أي: حلي «الذكر والأنثى»، ولكن لا بد من قيد وهو الإباحة؛ لأن المؤلف قال في آخر الكلام: «أو كان محرماً ففيه الزكاة».
فتسقط زكاة الحلي بشرطين:
أولاً: أن يكون مباحاً.
ثانياً: أن يكون معداً للاستعمال، أو العارية، سواء استعمل وأعير، أو لم يستعمل ولم يعر.
أما الشرط الأول وهو الإباحة؛ فلأن سقوط الزكاة عن الحلي من باب الرخصة، ومستعمل المحرم ليس أهلاً للرخصة.
مثاله: لو اتخذ الرجل خاتماً من ذهب لوجبت عليه الزكاة في هذا الخاتم إذا بلغ النصاب، أو كان عنده ما يكمل به النصاب؛ لأنه محرم.
стр. 2163
أو اتخذت امرأة حلياً على شكل ثعبان أو شكل فراشة أو ما أشبه ذلك من صور ذوات الأرواح، فإن عليها فيه الزكاة؛ لأنه محرم؛ إذ يحرم على الإنسان ما فيه صورة حيوان، أو ما صنع على صورة حيوان.
وأما الشرط الثاني: وهو كونه معداً للاستعمال، أو العارية، أي: للاستعمال الشخصي، أو العارية، وهي بذل العين لمن ينتفع بها ويردها، وهي إحسان محض.
ويخرج بهذا التعريف الإجارة، والرهن، وما أشبه ذلك، ولهذا نقول: إن المستعير لا يملك أن يعير غيره، والمستأجر يملك أن يؤجر غيره بشروط معروفة عند العلماء؛ لأن المستعير مالك للانتفاع، والمستأجر مالك للمنفعة، فمالك المنفعة يتصرف فيها، ومالك الانتفاع لا يتصرف.
فالمعد للاستعمال، أو العارية ليس فيه زكاة.
واستدلوا بما يلي:
١ ـ أنه يروى عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس في الحلي زكاة» (١).
٢ ـ قوله ﷺ للنساء يوم العيد: «تصدقن ولو من حليّكن» (٢).
стр. 2164
٣ ـ أنه قول أنس (١)، وجابر (٢)، وابن عمر (٣)،
وعائشة (٤)، وأسماء (٥)، خمسة من الصحابة ﵃.
٤ ـ أن هذا الحلي معد لحاجة الإنسان الخاصة، ولقد قال النبي ﷺ : «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة» (٦) وهذا مثل العبد، والفرس، والثياب، وهي لا زكاة فيها.
٥ ـ أن هذا الحلي ليس مرصداً للنماء فلا تجب فيه الزكاة كالثوب والعباءة.
وهذا القول ذهب إليه الإمام أحمد، ومالك، والشافعي ﵏ على خلاف بينهم في بعض المسائل، لكن في الجملة اتفقوا على عدم وجوب الزكاة في الحلي المعد للاستعمال أو العارية.
стр. 2165
القول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد، ومذهب أبي حنيفة: أنَّ الزكاة واجبة في الحلي من الذهب والفضة، واستدلوا بما يلي:
١ ـ ما رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، وأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار» (١) وهذا عام، والمرأة التي عندها حلي، سواء أكان حلي فضة أو ذهب، صاحبة ذهب أو فضة، وهذا العموم يشمل الحلي وغير الحلي، ومن قال: إن الحلي خارج منه فعليه الدليل.
٢ ـ ما رواه أهل السنن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن امرأة أتت إلى رسول الله ﷺ ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال: أتؤدين زكاة هذا؟ قالت: لا. قال: أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار، فخلعتهما وألقتهما إلى النبي ﷺ » (٢)، ومن أعلّ رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده بالانقطاع فهو مخطئ، فالأئمة كأحمد، والبخاري،
стр. 2166
ويحيى بن معين يحتجون به، حتى إنَّ بعض المحدثين قال: إذا صح السند إلى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فهو كمالك عن نافع عن ابن عمر، لكن هذا مبالغة.
وهذا الحديث له شاهد في الصحيح، وهو ما ذكرناه أولاً وله شاهد أيضاً في غير الصحيح من حديث عائشة وأم سلمة ﵄.
٣ ـ حديث عائشة ﵂ (١).
٤ ـ حديث أم سلمة ﵂ (٢).
ولا شك أن هذه الأدلة أقوى مِنْ أدلة مَنْ قال بعدم الوجوب.
فإن قال قائل: بماذا نجيب عن أدلة القائلين بعدم الوجوب؟
стр. 2167
قلنا: نجيب بما يلي:
أما الحديث: «ليس في الحلي زكاة» (١) فإنه حديث ضعيف لا تقوم به حجة، فضلاً عن أن يعارض عموم الحديث الصحيح. ثم إن المستدلين به لا يقولون بموجبه، فلو أخذنا بموجبه لكان الحلي لا زكاة فيه مطلقاً، وهم لا يقولون بذلك، فيقولون: إن الحلي المعد للإجارة، أو النفقة فيه الزكاة، وهذا معناه أننا أخذنا بالحديث من وجه، وتركناه من وجه آخر، هذا لو صح الحديث.
وأما قوله ﷺ للنساء يوم العيد: «تصدقن ولو من حليكن» (٢) فلا دلالة فيه على عدم وجوب الزكاة في الحلي؛ كما لو قلت لآخر قد أعد مالاً للنفقة، وقد بلغ نصاباً: تصدق ولو من نفقتك، فلا يدل ذلك على عدم وجوب الزكاة في هذا المال.
وأما ما روي عن الصحابة الخمسة، فهو لا يقاوم عمومات الأحاديث عن النبي ﷺ ولا سيما أن هناك دليلاً خاصاً في الموضوع، وهو حديث المرأة التي معها ابنتها، فإنه نص في الموضوع، ولا عبرة بقول أحد مع قول رسول الله ﷺ ، كما أنها معارضة بآثار غيرهم من الصحابة.
وأما القياس فهو باطل لوجوه:
الأول: أنه في مقابلة النص، وكل قياس في مقابلة النص فإنه يكون فاسد الاعتبار.
الثاني: أنه قياس مع الفارق لأن الأصل في الذهب والفضة
стр. 2168
وجوب الزكاة، وليس الأصل في الفرس، والعبد، والثياب، وجوب الزكاة فكيف نقيس ما أصله الزكاة، على شيء الأصل فيه عدم الزكاة؟!
الثالث: أنه متناقض؛ لأنه لو كان له عبد قد أعده للأجرة، فليس فيه زكاة، ولو كان عنده خيل أعدها للأجرة، فليس فيها الزكاة، ولو كان عنده حلي أعده للأجرة، ففيه الزكاة! وأيضاً لو كان عنده حلي أعده للنفقة ففيه الزكاة، ولو كان عنده أثاث ونحوه قد أعده للنفقة كلما احتاج باع منه فليس فيه زكاة.
ولو كان عنده ثياب للاستعمال ثم نواها للتجارة فليس فيها زكاة على المذهب بخلاف الحلي.
إذاً لا يصح القياس، ومن الغريب أنه على قولهم لا تجب الزكاة في حلي امرأة قد أعدته للتجمل مع كونه من الكماليات وتجب الزكاة في حلي امرأة فقيرة قد أعدته للنفقة، وكان مقتضى الحكمة أن تجب الزكاة على من أعدته للكماليات لا على من أعدته للضروريات.
وأما قولهم: إن الحلي غير مرصد للنماء، فالجواب أن الذهب والفضة لا يشترط فيهما الرصد للنماء بدليل أن الإنسان لو كان عنده دراهم أو دنانير قد ادخرها لا يبيع فيها ولا يشتري وإنما يأكل منها، أو أعدها لزواج أو شراء بيت فتجب فيها الزكاة لوجوبها في عينها.
إيرادات على أدلة القائلين بالوجوب:
أولاً: قالوا: يرد على قولكم: إن قوله ﷺ : «ما من صاحب
стр. 2169
ذهب ولا فضة» (١) للعموم، أن الرسول ﷺ قال: «في الرقة ربع العشر» (٢) والرقة هي الفضة المضروبة؛ لقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ فالرقة هي الدراهم، فيحمل قوله ﷺ : «ما من صاحب ذهب ولا فضة» على الفضة المضروبة، والذهب المضروب.
فالجواب على ذلك من وجهين:
الوجه الأول: أننا لا نسلم أن المراد بالرقة السكة المضروبة؛ لأن ابن حزم ﵀ قال: الرقة اسم للفضة مطلقاً، سواء ضربت أم لم تضرب، فإن قلنا: ابن حزم حجة في اللغة فالأمر ظاهر، وإن قلنا: ليس بحجة، قلنا: إن الرسول ﷺ قال: «في الرقة في مائتي درهم ربع العشر» وقال: «ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة» (٣)، فهذا دليل على أن المعتبر مجرد الفضة.
الوجه الثاني: أن نقول: لو سلم أن المراد بالورق الفضة المضروبة دراهم، فذكر بعض أفراد العام بحكم يوافق العام لا يعتبر تخصيصاً.
أرأيت لو قلت: أكرم الطلبة، ثم قلت: أكرم محمداً وهو منهم، فهل هذا يخصص العام أو لا؟.
الجواب: الثاني، فيكرم الجميع، ويكون لمحمد مزية خاصة في الإكرام.
стр. 2170
ثانياً: قالوا: إن حديث المرأة وابنتها لا يستقيم الاستدلال به من وجهين:
الوجه الأول: أننا لا نعلم هل بلغ النصاب، أم لا؟ وأنتم تقولون: لا تجب الزكاة فيما دون النصاب.
الوجه الثاني: كيف يقول: «أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار» (١) وهي ـ جاهلة ـ والجاهل معذور لا يهدد.
أجاب عن هذا أهل العلم القائلون بالوجوب بما يلي:
أما الوجه الأول: فأجيب عنه بأجوبة هي:
الجواب الأول: قال سفيان الثوري: تضمه إلى ما عندها، ومعلوم أن الذهب القليل إذا ضم للكثير بلغ النصاب.
الجواب الثاني: قالوا: نحن نوجب الزكاة في الحلي، وسواء بلغ النصاب أم لم يبلغ؛ لظاهر هذا الحديث.
الجواب الثالث: أن في بعض ألفاظ الحديث: «مسكتان غليظتان»، والمسكتان الغليظتان تبلغان النصاب، فتحمل الروايات الأخرى على هذه الرواية، من أجل أن يتحقق اشتراط النصاب.
وأما عن الوجه الثاني: وهو تهديدها بالعذاب وهي جاهلة فأجابوا عن ذلك بوجهين:
أحدهما: أن المقصود تثبيت الحكم بقطع النظر عن الحكم على هذا المعين، وهذا الجواب عميق جداً، وهو أن من منع زكاة الحلي في السوارين فإنه يسور بهما يوم القيامة بسوارين من نار.
стр. 2171
الثاني: أن التقدير: أيسرك أن يسورك الله بهما بسوارين من نار إن لم تؤدي زكاتهما، فيكون الحديث على تقدير شرط معلوم من الشريعة، وهو أن الوعيد على من لم يؤد الزكاة، أما من أداها فلا وعيد عليه.
والجواب الأول: وهو أن المراد إثبات الحكم بغض النظر عن هذا المعين، قاعدة مفيدة، ومن أمثلة هذه القاعدة المفيدة أن النبي ﷺ مرَّ على رجلين في البقيع أحدهما يحجم الآخر، فقال النبي ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم» (١).
يقول ابن القيم ﵀: إنه أورد على شيخه شيخ الإسلام ﵀ قال: كيف نقول: إن الجاهل لا يفطر، والرسول ﷺ قال: «أفطر الحاجم والمحجوم»؟
فأجاب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن هذا المراد به إثبات الحكم بقطع النظر عن هذين الشخصين المعينين، فإذا ثبت الحكم نظرنا في الشخص المعين، وطبقنا عليه شروط لزوم مقتضى هذا الحكم.
وهذا في الحقيقة قاعدة مفيدة لطالب العلم؛ لأن الشرع ليس شرعاً لزيد وعمرو فقط، بل للأمة جميعاً، ونصوصه لا يصادم بعضها بعضاً.
وهذه المسألة؛ أعني زكاة الحلي اختلف الناس فيها كثيراً، وظهر الخلاف في الآونة الأخيرة؛ حيث كان الناس في نجدٍ
стр. 2172
والحجاز لا يعرفون إلا المشهور من مذهب الإمام أحمد؛ وهو عدم وجوب زكاة الحلي، ثم لما ظهر القول بوجوب الزكاة في الحلي على يد شيخنا: عبد العزيز بن باز وفقه الله، صار الناس يبحثون في هذه المسألة، وكثر القائلون بذلك وشاع القول بها، والحمد لله، وهذا القول مع كونه أظهر دليلاً وأصح تعليلاً هو متقضى الاحتياط.
فَإِنْ أُعِدَّ لِلْكِرَى، أَوْ للنَّفَقَةِ، أَوْ كَانَ مُحَرَّماً فَفِيهِ الزَّكاة ............
قوله: «فإن أعد للكرى أو للنفقة، أو كان محرماً ففيه الزكاة» أي: إن أعد الحلي للكرى أي: للأجرة بأن يكون عند المرأة حلي تعده للإيجار، تؤجره النساء في المناسبات ففيه الزكاة؛ لأنه خرج عن الاستعمال الذي أسقط الزكاة، وصار معداً للنماء، وكذلك إذا أعد للنفقة، بأن يكون عند امرأة حلي أعدته للنفقة كلما احتاجت إلى طعام أو شراب أو أجرة بيت، أو غير ذلك، أخذت منه وباعت وأنفقت، ففيه الزكاة؛ لأنه الآن يشبه النقود حيث أعد للبيع أو الشراء، أو نحو ذلك.
وقوله: «أو كان محرماً» كما لو كان على صورة حيوان أو فراشة، أو ثعبان أو بلغ حد الإسراف، أو غير ذلك ففيه الزكاة، أو كان ذهباً على رجل ففيه الزكاة؛ لأنه إنما أسقطت الزكاة في الحلي المعد للاستعمال تسهيلاً على المكلف، وتيسيراً عليه وما كان كذلك فإنه لا يمكن أن يستباح بالمعصية.
وعلى هذه القاعدة مشى أكثر أهل العلم، فقالوا ـ مثلاً ـ: السفر المحرم لا يبيح الرخص، وقالوا: إن الخف أو الجورب المحرم لا يباح مسحه، وما أشبه ذلك بناءً على أن هذه رخص لا
стр. 2173
تنال بالمعاصي، ويقال للعاصي: تب، فإذا تاب عاد الأمر كما كان عليه.
مسألة: إذا كان محرماً تجب فيه الزكاة، فهل المعتبر وزنه أو قيمته؟
الجواب: المذهب يعتبر وزنه؛ لأن قيمته مبنية على كونه محرماً، والمحرم لا يجوز أن يقوم شرعاً، فنعتبر وزنه نصاباً وإخراجاً.
وبهذا نعرف أن الحلي ثلاثة أقسام:
١ ـ قسم يعتبر بوزنه نصاباً وإخراجاً.
٢ ـ قسم يعتبر بقيمته نصاباً وإخراجاً.
٣ ـ قسم يعتبر بوزنه نصاباً، وقيمته إخراجاً.
أما الأول: وهو الذي يعتبر الوزن نصاباً وإخراجاً فهو الحلي المحرم، ومنه أيضاً الأواني المحرمة من الذهب والفضة.
مثال ذلك: رجل عنده كأس من الذهب زنته عشرون مثقالاً، ولكن قيمته عشرون مثقالاً تساوي ألفي ريال، لكن هذا الذهب عندما صنع كأساً من ذهب، أصبحت قيمته ثلاثة آلاف ريال، فهل نعتبر القيمة أو نعتبر الوزن؟
الجواب: نعتبره نصاباً من الذهب غير مصنوع، وقيمته ألفا ريال، وهذا هو المذهب، ويعللون بأن هذه القيمة الزائدة في مقابل صنعة محرمة فلا عبرة بها؛ لأنه يجب عليه أن يغير هذه
стр. 2174
الصنعة، وإذا قلنا: يجب إخراج الزكاة معتبرين الصنعة فمعنى ذلك ضمناً إقراره على ذلك.
والصحيح في مسألة المحرم أنه ينبغي أن يُعْتَبر بقيمته، مثل الحلي المباح، لكن القيمة الزائدة في مقابل صنعة محرمة تجعل في بيت المال.
وأما الثاني: وهو الذي يعتبر بالقيمة نصاباً وإخراجاً، فهو ما أعد للتجارة من العروض.
مثال ذلك: رجل يتاجر بالحلي، عنده حلي يبلغ عشرة مثاقيل، فهذه لم تبلغ النصاب من الذهب، ولكن قيمة هذه العشرة أربعمائة درهم فقد بلغ النصاب من الفضة، فتجب فيه الزكاة؛ لأنه بلغ النصاب بالقيمة.
وأما الثالث: وهو الذي يعتبر بوزنه نصاباً وبقيمته إخراجاً فهو الحلي المباح.
مثال ذلك: امرأة عندها حلي من الذهب يبلغ عشرين مثقالاً ففيه الزكاة، وقيمتها غير مصنوعة ألفا ريال، وقيمتها مصنوعة ثلاثة آلاف ريال، فهي تزكي ثلاثة آلاف ريال؛ لأن هذه صفة مباحة فتقوم شرعاً.
مثال آخر: امرأة عندها خمسة عشر مثقالاً قيمتها ثلاثمائة درهم، فإنها لا تزكي منها لأنه لم يبلغ وزنها نصاباً.
стр. 2175
بَابُ زَكَاةِ العُرُوضِ
قوله: «العروض» جمعُ عَرَضٍ أو عَرْض بإسكان الراء، وهو المال المعد للتجارة وسمي بذلك؛ لأنه لا يستقر، يعرض، ثم يزول، فإن المتَّجِرَ لا يريد هذه السلعة بعينها، وإنما يريد ربحها؛ لهذا أوجبنا زكاتها في قيمتها لا في عينها.
فالعروض إذاً كل ما أعد للتجارة من أي نوع، ومن أي صنف كان.
وهو أعم أموال الزكاة وأشملها؛ إذ إنه يدخل في العقارات، وفي الأقمشة، وفي الأواني، وفي الحيوان، وفي كل شيء.
والزكاة واجبة في عروض التجارة عند أكثر أهل العلم، وهو القول الصحيح المتعين، والدليل على ذلك:
١ ـ دخولها في عموم قوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ *﴾ [الذاريات: ١٩].
وقول النبي ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁ حين بعثه إلى اليمن: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» (١) فقال: «في أموالهم»، ولا شك أن عروض التجارة مال.