← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 10649

الشرح الممتع على زاد المستقنع

ابن عثيمين

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

يجب عليه ألف ريال إلا خمسة وعشرين ريالاً؛ لأنه لم يبق في ذمته إلا تسعة وثلاثون ألفاً، وهكذا كلما دارت السنوات نقص ما عليه من الزكاة. وإذا قلنا: بعدم وجوب الزكاة في الدين على المعسر، فلا زكاة أصلاً إلا إذا أيسر في آخر الحول. وقلنا: إن الدائن إذا قبض الدين من المدين المعسر يزكيه سنة فهنا إذا أيسر في الدين الذي عليه إلا ألف ريال، والدين أربعون ألفاً، وقال الدائن: أريد أن أسقط الألف التي عليك وعجزت عنها بنية الزكاة عن الدين الذي عليك، قلنا: يمكن أن نقول بالجواز، ولكن في النفس منه شيء؛ لأن الدائن الآن استلم الدين عيناً تسعة وثلاثين ألفاً منها، والألف الباقي في ذمة المدين لا تجب فيه الزكاة؛ لأنه معسر. والصحيح في زكاة المدين على المعسر أنه لا زكاة في الدين على المعسر إلا إذا قبضه فإنه يزكيه سنة واحدة فقط. السَّابِعُ: فِي سَبِيلِ اللهِ، وَهُمُ الغُزَاةُ المُتَطَوِّعَةُ الَّذِينَ لَا دِيوَانَ لَهُمْ. قوله: «السابع: في سبيل الله» السبيل هي الطريق، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨]، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧]. وسبيل الله في القرآن تطلق على معنيين: الأول: معنى عام، وهو كل طريق يوصل إلى الله، فيشمل كل الأعمال الصالحة كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٦١] وكقوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٢٥] أي: دينه.

стр. 2277

الثاني: خصوص الجهاد، وهذا مثل قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ … ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠]. والسبيل أضيفت إلى الله وإلى المؤمنين، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ إلى قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] الآية. فكيف التوفيق بين الإضافتين؟ الجواب على ذلك أن معنى إضافته إلى الله أنه موصل إلى الله، فمن سلك هذا السبيل أوصله إلى الله؛ ولأن الله هو الذي وضعه لعباده، فهو منه ابتداء، وإليه انتهاء. أما إضافته إلى المؤمنين؛ فلأنه طريقهم الذي يسلكونه، فبذلك يتبين أنه لا تنافي بين الإضافتين. وهم الغزاة المتطوعة الذين لا ديوان لهم قوله: «وهم الغزاة» جمع غاز هذا هو الشرط الأول. قوله: «المتطوعة» بخلاف غير المتطوعين، هذا هو الشرط الثاني. قوله: «الذين لا ديوان لهم» يعني ليس لهم نصيب من بيت المال على غزوهم، فهم متبرعون، هذا الشرط الثالث. فهؤلاء يكون إعطاؤهم لدفع حاجتهم، وللحاجة إليهم، فيعطون ما يكفيهم لجهادهم. هذا معنى قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فجعل المؤلف هذه الظرفية للمقاتل، لا لنفس الطريق، فالآية معناها على كلام المؤلف: «الغازون في سبيل الله».

стр. 2278

فخص المؤلف ﵀ «في سبيل الله» بالغزاة الذين ليس لهم ديوان، أي ليس لهم شيء من بيت المال يعطونه على غزوهم وهذا هو المذهب، وفي هذا تخصيص للآية من وجوه: الوجه الأول: أنه جعل في سبيل الله الجهاد فقط. الوجه الثاني: أنه جعله للمجاهدين فقط. الوجه الثالث: أنه جعله للمجاهدين المتطوعة الذين لا ديوان لهم. فأما تخصيصه بالجهاد في سبيل الله فلا شك فيه، خلافاً لمن قال: إن المراد في سبيل الله كل عمل برٍ وخير، فهو على هذا التفسير كل ما أريد به وجه الله، فيشمل بناء المساجد، وإصلاح الطرق، وبناء المدارس، وطبع الكتب، وغير ذلك مما يقرب إلى الله ؛ لأن ما يوصل إلى الله من أعمال البر لا حصر له. ولكن هذا القول ضعيف؛ لأننا لو فسرنا الآية بهذا المعنى لم يكن للحصر فائدة إطلاقاً، والحصر هو ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ … ﴾ [التوبة: ٦٠] الآية، وهذا وجه لفظي. أما الوجه المعنوي فلو جعلنا الآية عامة في كل ما يقرب إلى الله لحرم من الزكاة من تيقن أنه من أهلها؛ لأن الناس إذا علموا أن زكاتهم إذا بني بها مسجد أجزأت بادروا إليه لبقاء نفعه إلى يوم القيامة. فالصواب: أنها خاصة بالجهاد في سبيل الله.

стр. 2279

وأما قول المؤلف إنهم الغزاة، وتخصيصه بالغزاة، ففيه نظر. والصواب أنه يشمل الغزاة وأسلحتهم، وكل ما يعين على الجهاد في سبيل الله، حتى الأدلاء الذين يدلون على مواقع الجهاد لهم نصيب من الزكاة؛ لأن الله قال: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ولم يقل: للمجاهدين، فدل على أن المراد كل ما يتعلق بالجهاد؛ لأن ذلك من الجهاد في سبيل الله. وهل يجوز أن يشترى من الزكاة أسلحة للقتال في سبيل الله؟ على رأي المؤلف لا يجوز، وإنما تعطى المجاهد. وعلى القول الصحيح يجوز أن يشترى بها أسلحة يقاتل بها في سبيل الله، لا سيما وأنه معطوف على مجرور بفي الدالة على الظرفية دون التمليك، بل هي نفسها مجرورة بفي ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وعلى هذا فيكون القول الراجح أن قوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعم الغزاة وما يحتاجون إليه من سلاح وغيره. أما قول المؤلف: «المتطوعة الذين لا ديوان لهم» فظاهر كلامه أن من لهم ديوان لا يعطون من الزكاة، وهذا حق إذا كان العطاء يكفيهم، وأما إذا كان لا يكفيهم فيعطون من الزكاة ما يكفيهم. بل لو قال قائل: يعطون من الزكاة مطلقاً لكان له وجه، ولكن وجه ما قاله المؤلف أنهم إذا كانوا يعطون من مال المسلمين على جهادهم فلا حاجة أن نعطيهم من الزكاة؛ لأنهم مستغنون بما يعطون من بيت المال عن الزكاة.

стр. 2280

هل يعطي من أراد الحج من الزكاة؟ الجواب: المذهب جواز ذلك ليؤدي فرض الحج والعمرة لأن الحج والعمرة من سبيل الله. والقول الثاني: يجوز في فرض الحج والعمرة ونفلهما للعلة السابقة. والقول الثالث: لا يجوز وهو مذهب الأئمة الثلاثة لعدم وجوب الحج في حق الفقير. الثَّامِنُ: ابْنُ السَّبِيلِ المُسَافِرُ المُنْقَطِعُ بِهِ. قوله: «الثامن: ابن السبيل المسافر المنقطع به». السبيل الطريق، وابن السبيل أي: المسافر، وسمي بابن السبيل؛ لأنه ملازم للطريق، والملازم للشيء قد يضاف إليه بوصف البنوة، كما يقولون: ابن الماء، لطير الماء، فعلى هذا يكون المراد بابن السبيل المسافر الملازم للسفر، والمراد المسافر الذي انقطع به السفر أي نفدت نفقته، فليس معه ما يوصله إلى بلده. وابن السبيل هل يعطى لسفره، أو يعطى لحاجته؟ إذا قلت لحاجته أورد عليك مورد أنه إذا كان يعطى لحاجته فهو من الفقراء. فيقال: يعطى لحاجته، ولكنه ليس شرطاً ألاَّ يكون عنده مال. أما الفقير فيشترط ألاَّ يكون عنده مال، ولهذا نقول: ابن

стр. 2281

السبيل نعطيه، ولو كان في بلده من أغنى الناس إذا انقطع به السفر؛ لأنه في هذه الحال محتاج، ولا يقال: أنت غني فاقترض، فيعطى ما يوصله إلى بلده، وهذا يختلف فينظر إلى حاله حتى لا تكون هناك غضاضة وإهانة له. فإذا كان ممن تعود على الدرجة الأولى، هل يعطى الأولى أو السياحية؟ هذا محل تردد، ويترجح أنه يعطى ما لا ينقص به قدره. وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين كون السفر طويلاً أو قصيراً؛ لكونه أطلق، ولم يقل: سفراً قصيراً. وظاهر كلامه أيضاً أنه لا فرق بين المسافر سفراً محرماً، أو سفراً غير محرم؛ لأنه أطلق. أما الأول: فنعم، وهو أنه لا فرق بين السفر الطويل والقصير. فإن قال قائل: السفر القصير يمكن قطعه على قدميه، ويصل؟ قلنا: لكن قد يكون وعراً في جبال وأودية، وقد يكون مخوفاً يحتاج إلى رفقة فهو محتاج إلى نفقة توصله إلى بلده. وأما الثاني فقال بعض العلماء: إنه وإن كان سفره محرماً يعطى. فالسفر تثبت به الرخص حتى وإن كان محرماً، فله القصر، وله المسح على الخفين ثلاثة أيام.

стр. 2282

والمذهب وهو أصح أنه لا يعطى من الزكاة خصوصاً؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِّرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] ولذا قال العلماء: من سافر ليفطر حرم عليه السفر والفطر إلا إذا تاب، وهو سهل بأن نقول له: تب إلى الله ونعطيك، فيستفيد بهذا فائدتين: الأولى: التوبة. الثانية: قضاء حاجته. وأما من سافر في مكروه فلا يعطى؛ لأنه إعانة على المكروه، أما من سافر في مباح كالنزهة أو واجب أو مستحب فيعطى. دونَ المُنْشِئِ لِلسَّفَرِ مِنْ بَلَدِهِ، فَيُعْطَى مَا يُوصِلُهُ إِلَى بَلَدِهِ. قوله: «دون المنشئ للسفر من بلده» لأن المنشئ للسفر من بلده لا يصدق عليه أنه ابن سبيل فلو قال: إني محتاج أن أسافر إلى المدينة، وليس معه فلوس، فإننا لا نعطيه بوصفه ابن سبيل؛ لأنه لا يصدق عليه أنه ابن سبيل، لكن إذا كان سفره إلى المدينة ملحاً كالعلاج مثلاً، وليس معه ما يسافر به فإنه يعطى من جهة أخرى، وهي الفقر. قوله: «فيعطى ما يوصله إلى بلده» ظاهره أنه يعطى ما يوصله إلى غاية سفره، ثم رجوعه، فإذا قدرنا أن رجلاً يريد أن يحج من القصيم عن طريق المدينة وفي المدينة ضاعت نفقته، فيعطى ما يوصله إلى غاية مقصوده، ثم يرجعه، وليس ما يرجعه فقط؛ لأنه يفوت غرضه إذا قلنا: يرجع.

стр. 2283

وقول المؤلف: (فيعطى ما يوصله إلى بلده) يفهم منه أنه لا يعطى أكثر، فإن بقي شيء من المال بعد أن وصل رده إلى صاحبه إن كان معلوماً، أو بيت المال إن كان مجهولاً، إلا إذا كان ابن السبيل فقيراً فيأخذه باعتبار الفقر، فإذا وصل إلى بلده لا يرده؛ لأن الفقراء يملكون الزكاة ملكاً مستقراً. وَمَنْ كَانَ ذَا عِيالٍ أَخَذَ مَا يَكْفِيهِم، وَيَجُوزُ صَرْفُهَا إِلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ. قوله: «ومن كان ذا عيال أخذ ما يكفيهم» أي: إذا كان ذا عيال فإنه يأخذ ما يكفيهم، ولو دراهم كثيرة، فلو فرضنا أنه ذو عائلة كبيرة، وأن المعيشة غالية، وأنه يحتاج إلى مائة ألف في السنة، فنعطيه مائة ألف؛ وذلك لأن عائلته لازمة له، فيعطى ما يكفيه ويكفي عياله؛ لأن ذلك من باب سد الحاجة. وقوله: «ذا عيال» مأخوذ من العَيْلَةِ؛ لأن العيال فقراء بالنسبة لمن يعولهم، قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٢٨]. والمراد بالعيال شرعاً من يعولهم من زوجات وأولاد وإخوة وليس المراد بهم الأولاد فقط كما اشتهر عند الناس. قوله: «ويجوز صرفها إلى صنف واحد» أي: من الأصناف الثمانية، الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ … ﴾ [التوبة: ٦٠]، وهذه المسألة مسألة خلاف بين أهل العلم. فمن العلماء من يقول: يجب تعميم الأصناف في الزكاة، فمن زكاته ثمانون درهماً يجب أن يعطي كل واحد عشرة ـ مثلاً ـ

стр. 2284

أو ثمانية، المهم أن يعمهم؛ لأن هؤلاء الأصناف ذكروا بالواو الدالة على الاشتراك، وكما أن الغنيمة يجب أن تعطى جميع الأصناف، قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ … ﴾ [الأنفال: ٤١]. وقد ذكر أهل العلم أن الغنيمة تقسم خمسة أسهم أربعة للغانمين، والسهم الخامس يقسم على خمسة أسهم. وكما لو قلت: هذا المال لزيد، وعمرو، وبكر، وخالد، أو هذا المال لطلبة العلم والعباد والمجاهدين فهو للجميع، فهذا أيضاً مثله ولا شك أن هذا القول قوي، ولكن إذا وجد ما يخرجه عن هذا المدلول، وجب الأخذ بما يدل على إخراجه عن هذا المدلول. وقد جاءت الأدلة على أنه يجوز الاقتصار على صنف واحد، قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]، والصدقات هنا تشمل الزكاة والتطوع، وقد ذكر الله الزكاة بلفظ الصدقات، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠]. ولقول النبي ﷺ حين بعث معاذاً ﵁ إلى اليمن: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» (١). ولأن الرسول ﷺ قال لقبيصة ﵁: «أقم عندنا حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها» (٢).

стр. 2285

فهذه الأدلة تدل على أن المراد بالآية بيان المستحقين لا تعميم المستحقين، ومعلوم أن الشريعة يبين بعضها بعضاً، وما بينته الشريعة أولى من القياس. وقوله: «ويجوز صرفها إلى صنف واحد». وإذا جاز صرفها إلى صنف واحد، فهل يجب أن نعطي من هذا الصنف ثلاثة فأكثر؛ لأن الآية بصفة الجمع، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ الآية، فهل يجب أن نعمم أو يجب أن نقول: هذا بيان للمستحقين، فيصدق بالواحد؟ الجواب: الثاني، بدليل حديث قبيصة ﵁ «فنأمر لك بها». فصار في المسألة أقوال: الأول: أنه يجوز الاقتصار على واحد من صنف واحد، وهذا أخص ما يكون من الأقوال، وهو الصواب لدلالة القرآن والسنة، فيكون ذكر هذا بالواو لبيان المستحقين لا لوجوب تعميمهم. الثاني: يجوز أن تقتصر على صنف واحد، بشرط أن يكون جماعة. الثالث: يجب تعميم الأصناف، ولو على واحد. والرابع: يجب تعميم الأصناف كل صنف، على جماعة، ثلاثة فأكثر. وظاهر كلام المؤلف أنه يجوز أن يقتصر على صنف واحد

стр. 2286

ولو كان غريماً له، مثل أن يكون لك غريم تطلبه دراهم وهو فقير فتعطيه من الزكاة، فهل هو جائز أم لا؟ الجواب: يجوز؛ لأنه يصدق عليه أنه فقير؛ إذ الحكم معلق بهذا الوصف وهو الفقر فيعطى. هل يجوز أن يعطيه لقضاء الدين؟ الجواب: نعم؛ لأنه غارم لنفسه، وفقير لا يقدر أن يوفي، والله يقول: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾، لكن لو قلت: هذه ألف ريال من الزكاة أوفني بها فهذا لا يجوز، ولو قلت: هذه ألف ريال؛ لأنه مدين فقير قد يصرفها في دينه أو في دين غيره، فهذا جائز، ولو ردها لي فهذا جائز؛ لأنه ملكها. ويُسَنُّ إِلَى أَقَارِبِهِ الَّذِينَ لَا تَلْزَمُهُ مَؤُونَتُهُم. قوله: «ويسن إلى أقاربه الذين لا تلزمه مؤونتهم» أي: يسن صرف الزكاة في أقاربه الذين لا تلزمه مؤونتهم مثل أخيه، وعمه، وخاله، وابن أخيه، وما أشبه ذلك. فإذا كانوا من أهل الزكاة، فإن السنة والأفضل أن تصرف زكاتك فيهم؛ لقول النبي ﷺ : «صدقتك على ذي القرابة صدقة وصلة» (١) فيجمع بين أمرين.

стр. 2287

لكن اشترط المؤلف ألاّ تلزمه مؤونتهم، أي: لا يلزمه الإنفاق عليهم، فإن لزمه الإنفاق عليهم فلا تجزئ؛ لأنه يدفع عن ماله ضرراً؛ لأنه إذا أعطاهم زكاته واغتنوا بها سقطت عنه نفقتهم، فصار ببذله الزكاة مسقطاً لواجب عليه، والقاعدة أنه لا يجوز للإنسان أن يسقط بزكاته أو بكفارته واجباً عليه. مثال الزكاة: هؤلاء إخوتي فقراء وأنا رجل غني، وتلزمني نفقتهم، وعندي زكاة إذا أعطيتهم إياها كفتهم لمدة سنة أو أقل أو أكثر، فلا يجوز أن أعطيهم إياها؛ لأنهم إذا اغتنوا بها سقط الواجب عني، فأسقطت بها واجباً علي. مثال الكفارة: علي كفارة إطعام عشرة مساكين، فيجوز أن أغديهم، أو أعشيهم على الصحيح، وهؤلاء الفقراء نزلوا أضيافاً علي، والضيف يجب إكرامه بغدائه وعشائه يومه وليلته، فغديت هؤلاء ونويتها كفارة، فلا يجزئ؛ لأنني بهذا الإطعام أسقطت واجباً علي؛ لأنه يجب علي أن أضيفهم بغداء وعشاء، وبكل ما يلزم في الضيافة، فإذا غديتهم وعشيتهم، ونويته كفارة علي، فقد أسقطت واجباً. مسألة: إذا كان الأب فقيراً، وعند الابن زكاة وهو عاجز عن نفقة أبيه، فهل يجوز أن يصرفها لأبيه؟ الجواب: يجوز أن يعطيها لوالده؛ لأنه لا تلزمه نفقته؛ لأن الابن لا يملك شيئاً، وهو هنا لا يسقط واجباً، والزكاة إما ستذهب إلى الوالد أو إلى غيره، فهل من الأولى عقلاً فضلاً عن

стр. 2288

الشرع، أن أعطي غريباً يتمتع بزكاتي ويدفع حاجته وأبي يتضور من الجوع؟ الجواب: لا؛ لأنني لا أستطيع أن أنفق على والدي ففي هذه الحال تجزئ الزكاة للوالد، وربما يؤخذ من قول المؤلف: «الذين لا تلزمه مؤونتهم»؛ لأن من شرط وجوب النفقة حتى عند المؤلف ومن قال بقوله من الأصحاب غنى المنفق، وهنا المنفق غير غني؛ لأنه لا يجد ما ينفق على هؤلاء، والقاعدة (أنه لا يجوز إسقاط الواجب بالزكاة)، وهذه القاعدة نافعة، فطبقها على الأخ والعم، إذا وجبت نفقتهما لا تعطيهما من الزكاة. أما إذا أعطى من تجب عليه نفقتهم لغير النفقة، ولكن لكونهم غزاة أو غارمين أو من العاملين عليها فيجوز.

стр. 2289

فَصْلٌ وَلَا تُدْفَعُ إِلَى هَاشِمِيٍّ .......... قوله: «فصل» أي: في بيان موانع الزكاة. أي: موانع استحقاق من هو من أهل الزكاة فلا تصرف الزكاة إليه، أي: ما الذي يمنع من إعطائها له وهو من أهلها؟ هذا هو المراد بهذا الفصل، والأصل أن الأشياء لا تتم إلا بوجود أسبابها وشروطها، وانتفاء موانعها. فالقرابة ـ مثلاً ـ سبب من أسباب الإرث، إذا وجد مانع لاختلاف الدين امتنع الإرث، وهكذا أيضاً الوصف الذي يستحق به الإنسان الزكاة، فقد توجد موانع تمنع من إعطاء الزكاة. قوله: «ولا تدفع إلى هاشمي» أي لا تدفع الزكاة. وقوله: «هاشمي» أي ذرية هاشم بن عبد مناف؛ لأنهم من آل محمد ﷺ ، وآل محمد أشرف الناس نسباً، ولشرفهم لا يعطون من الزكاة، لا احتقاراً لهم، بل إكراماً لهم؛ لقول النبي ﷺ للفضل بن عباس وعبد المطلب بن ربيعة بن الحارث ﵃ حين سألاه الزكاة: «إنها لا تحل لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس» (١)، فبين الرسول ﷺ الحكم والعلة. الحكم أنها لا تحل لهم. العلة أنها أوساخ الناس، وهم أكمل وأشرف من أن يتلقوا أوساخ الناس.

стр. 2290

فالزكاة من أي صنف كان أوساخ ذلك الصنف؛ لأن الزكاة تطهر، والطهور يتسخ بما يطهره؛ ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]. فإذا كان بين يديك إناء وسخ فغسلته بالماء صار الماء يحمل هذه الأوساخ؛ فلذلك قال النبي ﷺ : «إنما هي أوساخ الناس». وهاشم منزلته بالنسبة لرسول الله ﷺ الجد الثاني، والأب الثالث. وأجاز بعض العلماء أن يعطى الهاشمي من الزكاة، إذا كان مجاهداً، أو غارماً لإصلاح ذات البين، أو مؤلفاً قلبه، وظاهر النصوص المنع؛ للعموم. واختلف العلماء ﵏ هل يصح دفع زكاة هاشمي لهاشمي؛ لقوله: «إنما هي أوساخ الناس» أي: الناس الذين سواهم أو لا؟ قال بعض العلماء: إنه يصح أن تدفع زكاة الهاشمي لهاشمي مثله؛ لأنهما في الشرف سواء، فإذا كانا سواء فإنه لا يعد مثلبة، إذا أعطى زكاته نظيره. ولكن إذا نظرنا إلى عموم الأحاديث، وجدنا أنه لا فرق بين أن تكون زكاة هاشمي أو غيره؛ لقوله ﷺ : «أوساخ الناس» والهاشميون من الناس فلا تحل لهم. لكن لو فرض أنه لا يوجد لإنقاذ حياة هؤلاء من الجوع إلا زكاة الهاشميين، فزكاة الهاشميين أولى من زكاة غير الهاشميين.

стр. 2291

وقال بعض أهل العلم: يجوز أن يعطوا من الزكاة إذا لم يكن خمس؛ أو وجد ومنعوا منه. والخمس: هو أن الغنائم تقسم خمسة أسهم، أربعة أسهم للغانمين، وسهم واحد يقسم خمسة أسهم أيضاً: الأول: لله ورسوله ﷺ يكون في مصالح المسلمين، وهو ما يعرف بالفيء أو بيت المال. الثاني: لذي القربى، هم قرابة الرسول ﵊ وهم بنو هاشم، وبنو عبد المطلب؛ لأن بني عبد المطلب يشاركون بني هاشم في الخمس. الثالث: لليتامى. الرابع: للمساكين. الخامس: لابن السبيل. فإذا منعوا أو لم يوجد خمس، كما هو الشأن في وقتنا هذا فإنهم يعطون من الزكاة دفعاً لضرورتهم إذا كانوا فقراء، وليس عندهم عمل، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الصحيح. وأما صدقة التطوع فتدفع لبني هاشم وهو قول جمهور أهل العلم، وهو الراجح؛ لأن صدقة التطوع كمال، وليست أوساخ الناس، فيعطون من صدقة التطوع. والقول الثاني: لا تحل لهم صدقة التطوع؛ لأن صدقة التطوع من أوساخ الناس؛ ولذا قال النبي ﷺ : «والصدقة تطفئ

стр. 2292

الخطيئة كما يطفئ الماء النار» (١)، والتطهير كما يحصل بالواجب يحصل بالمستحب وهذا القول مال إليه الشوكاني وجماعة من أهل العلم؛ لعموم الحديث. وبهذا نعرف أن بني هاشم ينقسمون إلى قسمين: الأول: من لا تحل له صدقة التطوع، ولا الزكاة الواجبة، وهو شخص واحد، وهو محمد بن عبد الله ﷺ فهو لا يأكل الصدقة الواجبة ولا التطوع. الثاني: البقية من بني هاشم يأكلون من صدقة التطوع، ولا يأكلون من الصدقة الواجبة. وَمُطَّلِبيٍّ ........ قوله: «ومطلبي». والمطلبيون المنتسبون إلى المطلب، والمطلب أخو هاشم وأبوهما عبد مناف، وله أربعة أولاد وهم هاشم، والمطلب، ونوفل، وعبد شمس. «بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد» (٢) كما قال ﵊ أي: في النصرة، حتى إن قريشاً لما حاصرت بني هاشم انضم إليهم بنو المطلب، وقصة المحاصرة في الشعب مشهورة في التاريخ، ولهذا قال النبي ﷺ لما احتج عليه رجال من بني عبد شمس في إعطائه بني المطلب من الخمس ولم يعطهم: «إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد».

стр. 2293

وبناء على ذلك قال المؤلف: إنها لا تدفع الزكاة إلى بني المطلب؛ لا لأنهم من آل البيت، ولكن لأنهم مشاركون لآل البيت في الخمس فيستغنون بما يأخذون من الخمس عن الزكاة، وهذا التعليل يدل على أنهم إذا لم يكن خمس فهم يستحقون الزكاة قطعاً، ولا إشكال فيه، خلاف بني هاشم. إذاً بنو المطلب حكمهم في منع الزكاة حكم بني هاشم، وحكمهم في استحقاق الخمس كبني هاشم. وبنو عمهم النوفليون والعبشميون كانوا مع قريش على بني هاشم ولذا دعا عليهم أبو طالب في لاميته المشهورة: جزى الله عنا عبد شمس ونوفلاً عقوبة شر عاجلاً غير آجل فليس لهؤلاء حق في الخمس، ولهم الأخذ من الزكاة. وهذا الذي مشى عليه المؤلف رواية عن الإمام أحمد ﵀ والصحيح الرواية الأخرى ـ وهي المذهب ـ أنه يصح دفع الزكاة إلى بني المطلب؛ لأنهم ليسوا من آل محمد ﷺ ، ولعموم الأدلة ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ … ﴾ [التوبة: ٦٠] فيدخل فيهم بنو المطلب. ويجاب عن تشريكهم في الخمس بأنه مبني على المناصرة والمؤازرة بخلاف الزكاة، فإنهم لما آزروا بني هاشم وناصروهم أعطوا جزاءً لفضلهم من الخمس، أما الزكاة فهي شيء آخر. وَمَوَالِيهِمَا ........ قوله: «ومواليهما» أي: عتقائهم، أي: العبيد الذين أعتقهم بنو هاشم، أو أعتقهم بنو المطلب، فلا تدفع الزكاة إليهم؛ لقول

стр. 2294

النبي ﷺ : «إن مولى القوم منهم» (١). فإذا قلنا: بدفع الزكاة لبني المطلب جاز دفع الزكاة إلى مواليهم. إذا قال قائل: هل هؤلاء موجودون؟ أعني بني هاشم والمطلب؟ قلنا: نعم موجودون، وقد ذكروا أن مِنْ أثبت الناس نسباً لبني هاشم، ملوك اليمن الأئمة، الذين انتهى ملكهم بثورة الجمهوريين عليهم قريباً، فهم منذ أكثر من ألف سنة متولون على اليمن، ونسبهم مشهور معروف بأنهم من بني هاشم. ويوجد ناس كثيرون أيضاً ينتمون إلى بني هاشم، فمن قال: أنا من بني هاشم! قلنا: لا تحل لك الزكاة؛ لأنك من آل الرسول ﷺ . وَلَا إِلَى فَقِيرَةٍ تَحْتَ غَنِيٍّ مُنْفِقٍ ....... قوله: «ولا إلى فقيرة تحت غني منفق». «فقيرة» هذه صفة لموصوف محذوف، التقدير امرأة فقيرة. واشترط المؤلف شرطين هما: الأول: أن تكون تحت غني. الثاني: أن يكون منفقاً باذلاً للنفقة، فلا تدفع إليها؛ لأنها

стр. 2295

في الحقيقة غير فقيرة، إذ إن زوجها الذي ينفق عليها قد استغنت به، فإن كانت تحت فقير، فتحل لها، وتحل لزوجها؛ لأن الوصف منطبق عليها، وإذا كانت تحت غني، لكنه من أبخل الناس فتعطى من الزكاة؛ لأنها فقيرة، ولم تستغن بزوجها، فتدخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ .. ﴾. فإن قال قائل: لماذا لا تقولون لها: طالبي الزوج وارفعيه إلى المحكمة؟ قلنا: لا نقول لها ذلك؛ لأن هذا يترتب عليه مشاكل، فقد يفضي إلى أن يطلقها، وهذا ضرر عليها، ودفع حاجتها لدفع هذا الضرر لا شك أنه مما جاءت به الشريعة. وَلَا إِلَى فَرْعِهِ وأصْلِهِ ......... قوله: «ولا إلى فرعه وأصله». فرعه: من كان هو أصلاً له. وأصله: من كان هو فرعاً له. فالأصل هم الآباء، والأمهات، وإن علوا. والفرع هم الأبناء، والبنات، وإن نزلوا، سواء كانوا وارثين أم غير وارثين. وعلى هذا فلا يدفع زكاته إلى جدته لا من قبل أبيه ولا من قبل أمه، ولا إلى بنته ولا بنت ابنه، ولا بنت ابنته؛ لأن كل هؤلاء أصول وفروع، والمؤلف ﵀ لم يقيد الأصل والفرع. أي: لم يقل إلى فرعه الوارث، أو أصله الوارث، فيشمل الوارث وغير الوارث؛ لأن الأصل والفرع تجب النفقة لهما بكل

стр. 2296

حال إذا كانوا فقراء وهو غني، سواء كانوا وارثين أم غير وارثين. وقال شيخ الإسلام: يجوز صرف الزكاة إلى الوالدين وإن علوا وإلى الولد وإن سفل إذا كانوا فقراء وهو عاجز عن نفقتهم. ويقال: استحقاق الزكاة مقيد بوصف كالفقر، والمسكنة، والعمالة، فكل من انطبق عليه هذا الوصف فهو من أهل الزكاة. ومن ادعى خروجه فعليه الدليل، وليس في المسألة دليل، ولهذا فالقول الراجح الصحيح، أنه يجوز أن يدفع الزكاة لأصله وفرعه ما لم يدفع بها واجباً عليه، فإن وجبت نفقتهم عليه، فلا يجوز أن يدفع لهم الزكاة؛ لأن ذلك يعني أنه أسقط النفقة عن نفسه. وعلى هذا فإذا كان له جد وأب كلاهما فقير، لكن الأب يتسع ماله للإنفاق عليه فهو ينفق عليه، فهنا لا يجوز أن يعطي والده الزكاة. والجد لا يتسع ماله للإنفاق عليه وهو فقير، فيجوز أن يعطيه منها. مثال آخر: عنده أم وجدة فهو ينفق على الأم، ولكن لا يتسع ماله للإنفاق على الجدة، فيجوز أن يعطيها من الزكاة. والمذهب لا يجوز، فتأخذ الزكاة من غيره، وهذا ضعيف جداً؛ قال النبي ﷺ : «الصدقة على ذي القرابة صدقة وصلة» (١) وأنا الآن لا أسقط عن نفسي واجباً حتى يقال: إني حميت نفسي.

стр. 2297

مثال آخر: لو كان غنياً ينفق على أبيه، وأبوه مستغن، إما بنفسه، أو بإنفاق ولده، لكن عليه دين يستطيع الولد أن يؤدي الدين عنه، لكن يقول: أنا أؤدي الدين من زكاتي. فيجوز؛ لأنه لا يجب على الابن وفاء دين أبيه، اللهم إلا إذا كان هذا الدين بسبب النفقة، أي: أن الأب يحتاج، ويشتري في ذمته فلحقه الدين لشراء مؤونته، ففي هذه الحال نقول: لا تقض دين أبيك من زكاتك؛ لأن هذا يؤدي إلى أن يضيق الإنسان على أبيه، حتى يستدين للنفقة، ثم يقول: أبي عليه دين فأقضي دينه من زكاتي، فيجوز أن يقضي الدين عن أبيه، أو أمه، أو ابنه وابنته، بشرط ألا يكون هذا الدين استدانة لنفقة واجبة على الابن، فإن كان لنفقة واجبة فلا يجوز. وَلَا إِلَى عَبْدٍ وَزَوْجٍ ......... قوله: «ولا إلى عبد وزوج». أي: لا تدفع الزكاة إلى العبد؛ لأن العبد إذا أعطيناه الزكاة انتقل ملك الزكاة فوراً إلى سيده، فإن مال العبد ملك لسيده، فلا يجوز أن نعطي العبد؛ لأنه لا يملك وملكه لسيده، والله يقول: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾. ويستثنى من هذا المكاتب، وقد سبق أن المكاتب من أهل الزكاة داخل في قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠] فيعطى المكاتب ما يقضي به دين الكتابة. ولكن هل المكاتب عبد؟ الجواب: نعم هو عبد، فيعطى ليعتق، والمكاتبة أن يشتري العبد نفسه من سيده بثمن مؤجل، فيعطى هذا العبد الذي اشترى

стр. 2298

نفسه من سيده ما يوفي سيده ليعتق، فهو قبل أن يؤدي عبد، ولهذا جاء في الحديث «المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته درهم» (١). واستثنى بعض العلماء ما إذا كان العبد عاملاً على الزكاة، فإنه يعطى على عمالته كما لو كان أجيراً، ومعلوم أنه يصح أن يستأجر العبد من سيده، فيصح أن يجعل عاملاً على الزكاة بإذن سيده. إذاً يستثنى من ذلك مسألتان: الأولى: المكاتب. الثانية: العامل؛ لأنه كأجير، والعبد يجوز أن يستأجر بإذن سيده. وقوله: «وزوج» فلا يصح أن تدفع الزوجة زكاتها إلى زوجها، لقوة الصلة بينهما، فيشبه الأصل مع الفرع، لكن هذا التعليل عليل. والصواب جواز دفع الزكاة إلى الزوج إذا كان من أهل الزكاة. مثال ذلك: امرأة موظفة وعندها مال وزوجها فقير محتاج، إما أنه مدين، أو أنه ينفق على أولاده، أو ما أشبه ذلك، فللزوجة أن تؤدي زكاتها إليه.

стр. 2299

وقولنا أو أنه ينفق على أولاده، المراد بأولاده من غيرها؛ لأن أولاده منها إذا كان أبوهم فقيراً، يلزمها أن تنفق عليهم؛ لأنهم أولادها، لكن إذا كان له أولاد من غيرها وهو فقير، فللزوجة أن تعطيه زكاتها وربما يستدل لذلك بحديث زينب امرأة عبد الله بن مسعود ﵄ أن النبي ﷺ «حث على الصدقة، فقال ابن مسعود لزوجته: أعطيني وأولادي أنا أحق من تصدقت عليه». فقالت: لا حتى أسأل النبي ﷺ فسألت النبي ﷺ فقال: «صدق عبد الله، زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم» (١) فيمكن أن نقول: قوله: «من تصدقت عليهم» يشمل الفريضة والنافلة. وعلى كل حال إن كان في الحديث دليل فهو خير، وإن قيل هو خاص بصدقة التطوع، فإننا نقول في تقرير دفع الزكاة إلى الزوج: الزوج فقير ففيه الوصف الذي يستحق به من الزكاة، فأين الدليل على المنع؟ لأنه إذا وجد السبب ثبت الحكم، إلا بدليل، وليس هناك دليل لا من القرآن ولا من السنة، على أن المرأة لا تدفع زكاتها لزوجها، وهذه قاعدة: «الأصل فيمن ينطبق عليه وصف الاستحقاق أنه مستحق، وتجزئ الزكاة إليه إلا بدليل» ولا نعلم مانعاً من ذلك إلا مَنْ كان إذا أعطاها له أسقط عن نفسه بذلك واجباً.

стр. 2300

مسألة: هل يجوز أن يعطي الزوج زوجته من زكاته؟ الجواب: أنها تجزئ الزكاة إذا دفعها إلى زوجته على ما اخترناه، أما على المذهب فلا يجزئ أن يدفع الزوج زكاته إلى زوجته لقوة الصلة والرابطة. ولكن القول الراجح يجوز بشرط ألا يسقط به حقاً واجباً عليه؛ فإذا أعطاها من زكاته للنفقة لتشتري ثوباً أو طعاماً، فإن ذلك لا يجزئ، وإن أعطاها لقضاء دين عليها فإن ذلك يجزئ؛ لأن قضاء الدين عن زوجته لا يلزمه. وَإِنْ أَعْطَاهَا لِمَنْ ظَنَّهُ غَيْرَ أَهْلٍ فَبَانَ أهْلاً، أوْ بِالْعَكْسِ لَمْ يُجْزِهِ، ........ قوله: «وإن أعطاها لمن ظنه غير أهل فبان أهلاً أو بالعكس لم يجزه» لأنه حين دفعها يعتقد أنها وضعت في غير موضعها؛ ولأنه متلاعب؛ إذْ كيف يعطي زكاته لشخص يظنه غنياً ثم تبين أنه فقير؟! فلا تجزئه. وقوله: «أو بالعكس» أي: أعطاها لمن ظن أنه أهل فبان غير أهل فلا تجزئه أيضاً؛ لأن العبرة بما في نفس الأمر لا بما في ظنه. مثاله: أعطى رجلاً يظنه غارماً فبان أنه غير غارم، فإنها لا تجزئ؛ لأن العبرة بما في نفس الأمر، أي: بالواقع، والواقع أنه غير أهل. مثال آخر: أعطاها لشخص يظنه ابن سبيل فتبين أنه غير ابن سبيل فإنها لا تجزئه.

стр. 2301

مثال آخر: أعطاها لقريب يظن أنها تجزئه فتبين أنه لا يجزئه إعطاء هذا القريب؛ لوجوب الإنفاق عليه. إِلاَّ لِغَنِيٍّ ظَنَّهُ فَقِيراً فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ. ........... قوله: «إلا لغني ظنه فقيراً فإنه يجزئه». هذا مستثنى من قوله: «أو بالعكس». مثل: رجل جاء يسأل؛ وعليه علامة الفقر فأعطيته من الزكاة فجاءني شخص فقال: ماذا أعطيته؟ قلت: زكاة، قال: هذا أغنى منك، فتجزئ؛ لأنه ليس لنا إلا الظاهر، ومثل ذلك الذين يسألون في المدارس والمساجد ثم نعطيهم بناء على الظاهر. والدليل على ذلك: قصة الرجل الذي تصدق ليلة من الليالي فخرج بصدقته فدفعها إلى شخص فأصبح الناس يتحدثون: تصدق اليلة على غني، فقال: الحمد لله على غني ـ يرى أنها مصيبة ـ ثم خرج مرة أخرى فتصدق على بغي ـ زانية ـ فأصبح الناس يتحدثون: تصدق الليلة على بغي، فقال: الحمد لله؛ على غني وبغي، ثم خرج مرة ثالثة فتصدق فوقعت الصدقة في يد سارق، فأصبح الناس يتحدثون: تصدق الليلة على سارق، فقال: الحمد لله على غني وبغي وسارق، فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت؛ أما الغني فلعله يتذكر ويتصدق، وأما البغي فلعلها تستعف، وأما السارق فلعله يكتفي بما أعطيته عن السرقة (١). فهذا الرجل نيته طيبة، ولحسن نيته وقعت صدقته في

стр. 2302

محلها، وصارت مفيدة مقبولة عند الله، ونافعة لمن تصدق عليهم، فيؤخذ منه أنه إذا تصدق على فقير فبان غنياً أنها تجزئه. وذهب بعض أهل العلم: إلى أنه إذا دفعها إلى من يظن أنه أهل بعد التحري، فبان أنه غير أهل فإنها تجزئه؛ حتى في غير مسألة الغني؛ أي: عموماً؛ لأنه اتقى الله ما استطاع لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] والعبرة في العبادات بما في ظن المكلف بخلاف المعاملات فالعبرة بما في نفس الأمر، ويصعب أن نقول له: إن زكاتك لم تقبل مع أنه اجتهد، والمجتهد إن أخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران. وهذا القول أقرب إلى الصواب أنه إذا دفع إلى من يظنه أهلاً مع الاجتهاد والتحري فتبين أنه غير أهل فزكاته مجزئة؛ لأنه لما ثبت أنها مجزئة إذا أعطاها لغني ظنه فقيراً، فيقاس عليه بقية الأصناف. مسألة: إذا جاءك سائل يسأل الزكاة، ورأيته جلداً قوياً، فهل تعطيه أم لا؟ الجواب: نقول: عظه أولاً، وقل: إن شئت أعطيتك ولا حظ فيها لغني ولا قوي مكتسب، كما فعل النبي ﷺ في الرجلين اللذين أتيا إليه يسألانه من الصدقة فرآهما جلدين، وقال: «إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب» (١).

стр. 2303

فإن قال قائل: أحوال الناس اليوم فسدت، فإنك لو وعظته بهذا الكلام لم يتعظ فما الجواب؟ الجواب: أن لنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة فنعظه بما وعظه النبي ﷺ ، فإذا أصر ونحن لا نعلم خلاف ما يدعي، فإننا نعطيه، أما إذا أصر على السؤال، ونحن نعلم خلاف ما يدعي فإننا لا نعطيه. وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ مُسْتَحَبَّةٌ ......... قوله: «وصدقة التطوع مستحبة» هذا من باب إضافة الشيء إلى نوعه، وصدقة التطوع أي: الصدقة التي ليست بواجبة، وإنما يتطوع بها الإنسان، بأن يبذلها لوجه الله. وقوله: «مستحبة» بمعنى أنها مسنونة مشروعة، ولا سيما مع حاجة الناس إليها. واعلم أنه لا فرق بين مستحب ومسنون، عند الحنابلة، فالمستحب والمسنون بمعنى واحد، فنقول: يستحب السواك، ويسن السواك، ولا فرق، وذهب بعض العلماء إلى أن ما ثبت بالنص فهو مسنون، وما ثبت بالاجتهاد والقياس فهو مستحب. والدليل على استحبابها أثري ونظري. أما الدليل الأثري: فإن الله أثنى على المتصدقين فقال: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ وقال في آخر الآية: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ … ﴾ [البقرة: ٢٦١]، وقال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]

стр. 2304

وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ *﴾ [الحديد]. والسنة مستفيضة كثيرة في الحث على الصدقة، ومنها قوله ﷺ : «إنه ما من رجل يتصدق من كسب طيب إلا أخذها الله تعالى بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل» (١)، ويقول ﵊: «كل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة» (٢)، ويقول: «الصدقة تطفئ الخطيئة، كما يطفئ الماء النار» (٣)، ويقول: «إنها تطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء» (٤). والدليل النظري: أن في الصدقة دفع حاجة الفقراء، والتخلق بأخلاق الفضلاء الكرماء، وأنها من أسباب انشراح الصدر، وجرِّبْ تَجِدْ، وقد ذكر ابن القيم في زاد المعاد عشر فوائد لها، فمن أرادها فليرجع إليها. ولكن تتأكد في زمان، ومكان، وفي أحوال؛ ولهذا قال المؤلف مبيناً ذلك: وَفِي رَمَضان وأوقاتِ الحاجاتِ أفضلُ ....... «وفي رمضان، وأوقات الحاجات أفضل» فشهر رمضان من الزمان الذي تتأكد فيه الصدقة، والدليل أن النبي ﷺ : «كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان» (٥) وهذا يدل على أنه ﷺ

стр. 2305

يزداد إنفاقه في هذا الشهر، ولكن الراجح أنها في عشر ذي الحجة الأولى أفضل؛ لقول النبي ﷺ : «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله، قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء» (١). وهذا عام، والدليل قولهم: «ولا الجهاد» قال: «ولا الجهاد». ولو قيل: ألا يعارض هذا أن الرسول ﷺ كان أجود ما يكون في رمضان؟ فالجواب: أن حديث عشر ذي الحجة قول، وحديث جود الرسول ﷺ في رمضان فعل، والقول مقدم على الفعل. أو يقال: جوده في رمضان جود خاص بالرسول ﷺ ؛ لأن في بعض ألفاظ الحديث: «أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن»، فيكون هذا الجود مخصوصاً بهذه الحال ـ والله أعلم ـ. وأما المكان ففي الحرم المكي، والمدني أفضل من غيرهما؛ لشرف المكان. وأما الحالات فقال المؤلف: «أوقات الحاجة أفضل» وأوقات الحاجات نوعان: دائمة، وطارئة. فمن أوقات الحاجة الدائمة: فصل الشتاء، فإن الفقراء فيه

стр. 2306

أحوج من وقت الصيف؛ لأنهم يحتاجون إلى زيادة أكل؛ فالإنسان في الشتاء يأكل أكثر مما يأكل في الصيف، وفي الشتاء يحتاج إلى ثياب أكثر مما يحتاجه في الصيف، فيحتاج إلى تدفئة أكثر مما يحتاجه في الصيف. والطارئة: مثل أن تحدث مجاعة أو جدب، فيحتاج الناس أكثر، سواء في الشتاء أم الصيف، فهذه أيضاً تكون الصدقة فيها أفضل. وهل من شرف المكان ما لو كانت جهة من الأرض فيها مجاعة أو لا؟ الجواب: لا؛ لأن هذا ليس من شرف المكان، ولكن للحاجة بدليل أن أهل هذا المكان إذا اغتنوا صارت الصدقة فيهم مثل غيرهم. لكن مكة والمدينة الصدقة فيهما أفضل من غيرهما مطلقاً لشرف المكان. مسألة: إذا تعارض شرف المكان وشرف الأحوال، فأيهما يقدم؟ الجواب: يقدم شرف الأحوال؛ لأن الصدقة إنما شرعت لدفع الحاجة، فالفضل فيها باعتبار الحاجات يتعلق بنفس العبادة، وقد سبق قاعدة مفيدة في هذا الباب، وهي: «أن الفضل إذا كان يتعلق بذات العبادة كانت مراعاته أولى من الفضل الذي يتعلق بزمانها أو مكانها». وَتُسَنُّ بِالفَاضِلِ عَن كِفَايَتِهِ وَمَنْ يَمُونُهُ وَيَأْثَمُ بِمَا يَنْقُصُهَا. قوله: «وتسن بالفاضل عن كفايته ومن يمونه» الفاضل

стр. 2307

الزائد، أي: يسن أن يكون التصدق بشيء فاضل عن كفايته، وكفاية من يمونه أي: كفاية من تلزمه مؤونته. ودليل ذلك قول النبي ﷺ : «اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول» (١). فدل هذا على أن صدقة التطوع تأتي في الدرجة الثانية بعد كفاية من يعولهم. وقال ﵊: «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى» (٢) أي: عن فاضل غنى. فإن قال قائل: فالجواب عن قول النبي ﷺ حين سُئل أي الصدقة أفضل؟ قال: «جهد المقل» (٣)؟ فالجواب: أنه لا منافاة، فإن المراد بجهد المقل ما زاد عن كفايته وكفاية من يمونه، وهو خلاف الغني. فإذا تصدق رجل بعشرة دراهم، وهي الفاضل عن كفايته فقط، وآخر بعشرة دراهم وعنده عشرة ملايين، أيهما أفضل؟ فالأول أفضل؛ لأن هذا جهده.

стр. 2308

فإذا تأملت الحديثين لم تجد بينهما منافاة؛ لأن المراد بجهد المقل ما زاد عن كفايته، ولكنه ليس ذا غنى واسع. قوله: «ويأثم بما ينقصها» «يَنْقُصُهَا» هذا هو الصواب، وقد يقرؤها البعض «يُنْقِصُهُا» من الرباعي، لكنها من الثلاثي، وهي لازمة ومتعدية، بل تتعدى لاثنين، قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: ٤] فهنا تعدت لاثنين: الكاف، وشيئاً، وتكون لازمة كما لو قلت: نقص المال، ومثلها «زاد» تستعمل متعدية مثل زادني خيراً، وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ [التوبة: ١٢٤] نصبت مفعولين، ولازمة مثل: زاد المال. وقوله: «يأثم» أي: المتصدق. وقوله: «بما» أي: بصدقة تنقص كفايته وكفاية من يمونه. ووجه ذلك أنه إذا نقص الواجب أثم، كيف يليق بك أن تترك واجباً وتتصدق بتطوع؟ لهذا لا يليق لا شرعاً، ولا عقلاً، ولا عرفاً، فابدأ أولاً بمن تعول. ثم اعلم أيضاً أن خير صدقة تتصدق بها ما تصدقت به على نفسك وأهلك؛ لأن الصدقة على أهلك أفضل من الصدقة على البعيد، كما جاء في الحديث (١)، فإذا قمت بالواجب في مؤونة أهلك كنت قائماً بواجب وصدقة، كما ثبت عن النبي ﷺ أن

стр. 2309

الإنسان إذا أنفق على أهله فهي صدقة (١) بل لو أنفق على نفسه فهي صدقة، وحينئذ نقول: إنك في الواقع لم تخرج عن مسمى المتصدق إذا أنفقت على أهلك ونفسك؛ لأن النبي ﷺ جعل الإنفاق على الأهل من الصدقة، بل الإنفاق على الأهل واجب تثاب عليه أكثر من الثواب على الصدقة على بعيد. وقوله: «بما ينقُصُها». إن قال قائل: كيف تؤثمون من ينقصها، وقد أقر النبي ﷺ أبا بكر ﵁ حينما تصدق بجميع ماله (٢)؟ وكيف تؤثمونه، والله تعالى امتدح الذين يؤثرون على أنفسهم، ولو كان بهم خصاصة؟ وكيف تقولون ذلك وقد قال النبي ﷺ للأنصاري الذي قدم الضيف على نفسه وأهله قال: «إن الله عجب من صنيعكما بضيفكما البارحة» (٣) والقصة مشهورة؟ فهذه الأدلة وغيرها تدل على أنه لا يأثم الإنسان بما ينقص مؤونة نفسه وعياله. فالجواب على ذلك أن يقال:

стр. 2310

إذا كان الإنسان قد عرف من نفسه الصبر والتوكل، وعنده ما يستطيع أن يُحَصِّلَ به، فهذا لا حرج عليه إذا تصدق بما ينقص مؤونته، أما إذا كان لا يعرف من نفسه الصبر والتوكل، وإخلاف ما أنفق، فإن الأمر كما قال المؤلف. فإذا فرضنا أنه إذا تصدق بما ينقص مؤونته خرج يتكفف الناس، فهذا لا يجوز، لكن إذا علم أنه إذا تصدق بما ينقص مؤونة أهله خرج يشتغل ويبيع ويشتري، كما كان أبو بكر ﵁ يفعل، فإن ذلك لا بأس به. أما قصة الضيف فقد يقال: إن أهل الأنصاري رضوا بذلك وصبروا، وإكرام الضيف ليس تطوعاً، بل هو واجب فيدخل في الواجب. وأما ثناء الله على الأنصار في قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] فهذا كما قلنا فيمن عرف من نفسه الصبر والتوكل وأنه يتحمل وسيجد ما أنفقه. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ [الحشر: ٩] أي: مما أوتي المهاجرون. فالمهاجرون آتاهم الله فضلاً على الأنصار، فهم لا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا فيحسدونهم. فقوله: ﴿فِي صُدُورِهِمْ﴾ الضمير يعود على الأنصار. وقوله: ﴿مِمَّا أُوتُوا﴾ الضمير يعود على المهاجرين. (تم كتاب الزكاة والحمد لله)

стр. 2311

رسالة في زكاة الحلي (١) الحمد لله رب العالمين نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه (٢) ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فهذه رسالة في بيان حكم زكاة الحلي المباح، ذكرت فيها ما بلغه علمي من الخلاف والراجح من الأقوال وأدلة الترجيح، فأقول وبالله التوفيق والثقة، وعليه التكلال، وهو المستعان: لقد اختلف أهل العلم ﵏ في وجوب الزكاة في الحلي المباح على خمسة أقوال: أحدها: لا زكاة فيه، وهو المشهور من مذاهب الأئمة الثلاثة، مالك والشافعي وأحمد، إلا إذا أعد للنفقة، وإن أعد

стр. 2312

للأجرة ففيه الزكاة عند أصحاب أحمد، ولا زكاة فيه عند أصحاب مالك والشافعي وقد ذكرنا أدلة هذا القول إيراداً على القائلين بالوجوب وأجبنا عنها. الثاني: فيه الزكاة سنة واحدة، وهو مروي عن أنس بن مالك ﵁. الثالث: زكاته عاريته، وهو مروي عن أسماء، وأنس بن مالك أيضاً ﵄. الرابع: أنه يجب فيه إما الزكاة وإما العارية، ورجحه ابن القيم ﵀ في الطرق الحكمية. الخامس: وجوب الزكاة فيه إذا بلغ نصاباً كل عام، وهو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وأحد القولين في مذهب الشافعي، وهذا هو القول الراجح لدلالة الكتاب والسنة والآثار عليه، فمن أدلة الكتاب قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَِنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ *﴾ [التوبة]. والمراد بكنز الذهب والفضة، عدم إخراج ما يجب فيهما من زكاة وغيرها من الحقوق، قال عبد الله بن عمر ﵄: «كل ما أديت زكاته، وإن كان تحت سبع أرضين فليس بكنز، وكل ما لا تؤدي زكاته فهو كنز، وإن كان ظاهراً على وجه الأرض». قال ابن كثير ﵀: وقد روي هذا عن ابن عباس،

стр. 2313

وجابر، وأبي هريرة مرفوعاً وموقوفاً (١) اهـ. والآية عامة في جميع الذهب والفضة ولم تخصص شيئاً دون شيء فمن ادعى خروج الحلي المباح من هذا العموم فعليه الدليل. وأما السنة فمن أدلتها: ١ ـ ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جبينه وجنبه وظهره» (٢) الحديث. والمتحلي بالذهب والفضة صاحب ذهب وفضة، ولا دليل على إخراجه من العموم، وحق الذهب والفضة من أعظمه وأوجبه الزكاة قال أبو بكر الصديق ﵁: الزكاة حق المال. ٢ ـ ما رواه الترمذي والنسائي وأبو داود واللفظ له قال: حدثنا أبو كامل، وحميد بن مسعدة، المعنى أن خالد بن الحارث حدثهم، حدثنا حسين، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن امرأة أتت رسول الله ﷺ ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها: «أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار، قال: فخلعتهما فألقتهما إلى النبي ﷺ وقالت: هما لله ورسوله» (٣) قال في بلوغ المرام: وإسناده قوي (٤) (٥)، وقد رواه الترمذي من طريق

стр. 2314

ابن لهيعة، والمثنى بن الصباح، ثم قال: «إنهما يضعفان في الحديث ولا يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء» (١)، لكن قد رد قول الترمذي هذا برواية أبي داود لهذا الحديث من طريق حسين المعلم، وهو ثقة احتج به صاحبا الصحيح، البخاري ومسلم، وقد وافقه الحجاج بن أرطاة، وقد وثقه بعضهم، وروى نحوه أحمد (٢) عن أسماء بنت يزيد ﵂ بإسناد حسن. ٣ ـ ما رواه أبو داود قال: حدثنا محمد بن إدريس الرازي، حدثنا عمرو بن الربيع بن طارق، حدثنا يحيى بن أيوب، عن عبد الله بن أبي جعفر أن محمد بن عمرو بن عطاء، أخبره عن عبد الله بن شداد بن الهاد أنه قال: دخلنا على عائشة ﵂ فقالت: «دخل عليّ رسول الله ﷺ فرأى في يدي فتخات من ورق، فقال: ما هذا يا عائشة؟ فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله، فقال: أتؤدين زكاتهن؟ قلت: لا أو ما شاء الله، قال: هو حسبك من النار» (٣) قيل لسفيان: كيف تزكيه؟ قال: تضمه إلى غيره (٤). وهذا الحديث أخرجه أيضاً الحاكم والبيهقي والدارقطني، وقال في التلخيص: «إسناده على شرط الصحيح، وصححه الحاكم وقال: إنه على شرط الشيخين يعني البخاري ومسلماً،

стр. 2315

وقال ابن دقيق: إنه على شرط مسلم» (١). ٤ ـ ما رواه أبو داود قال: حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا عتاب يعني ابن بشير عن ثابت بن عجلان عن عطاء عن أم سلمة ﵂ قالت: «كنت ألبس أوضاحاً من ذهب فقلت: يا رسول الله أكنز هو؟ فقال: ما بلغ أن تؤدي زكاته فزكي فليس بكنز» (٢) وأخرجه أيضاً البيهقي والدارقطني والحاكم، وقال: «صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه» وصححه أيضاً الذهبي، وقال البيهقي: تفرد به ابن عجلان، قال في التنقيح: «وهذا لا يضر فإن ثابت بن عجلان روى له البخاري، ووثقه ابن معين والنسائي، وقول عبد الحق فيه: لا يحتج بحديثه، قول لم يقله غيره، قال ابن دقيق: وقول العقيلي في ثابت بن عجلان: لا يتابع على حديثه، تحامل منه» اهـ. فإن قيل: لعل هذا حين كان التحلي ممنوعاً، كما قاله مسقطو الزكاة في الحلي. فالجواب: أن هذا لا يستقيم فإن النبي ﷺ لم يمنع من التحلي به، بل أقره مع الوعيد على ترك الزكاة، ولو كان التحلي ممنوعاً لأمر بخلعه وتوعد على لبسه (٣)، ثم إن النسخ يحتاج إلى
следующие страницы →