← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 10649

الشرح الممتع على زاد المستقنع

ابن عثيمين

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

السرطان وغيره من الأمراض التي لا يرجى زوالها. ولو فرض أن الله عافاه، والله على كل شيء قدير، فلا يلزمه أن يصوم، لأنه يجب عليه الإطعام وقد أطعم، فبرئت ذمته وسقط عنه الصيام. وقوله: «ولو بعد رمضان آخر» هذا إشارة للخلاف الذي سبق ذكره. قوله: «وإن مات وعليه صومُ» «إن» شرطية، وفعل الشرط: «مات»، وجوابه: «استحب لوليه قضاؤه». وقوله: «وعليه صوم» تقرأ بدون تنوين على نية المضاف إليه، أي: وإن مات وعليه صوم نذر استحب لوليه قضاؤه، ولا يجب، وإنما يستحب أن يقضيه لما يلي: ١ ـ قول النبي ﷺ : «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» (١) وهذا خبر بمعنى الأمر. ٢ ـ أن امرأة أتت إلى النبي ﷺ وسألته: «أن أمها ماتت وعليها صوم نذر فهل تصوم عنها؟ فقال لها النبي ﷺ : نعم ـ يعني صومي عنها ـ وشبه ذلك بالدين تقضيه عن أمها، فإنه تبرأ ذمتها به فكذلك الصوم» (٢).

стр. 2487

فلو قال قائل: إن قوله ﷺ «صام عنه وليه» أمر فما الذي صرفه عن الوجوب؟ فالجواب: صرفه عن الوجوب قوله تعالى ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] ولو قلنا: بوجوب قضاء الصوم عن الميت لزم من عدم قضائه أن تحمل وازرة وزر أخرى، وهذا خلاف ما جاء به القرآن. إذاً يستحب لوليه أن يقضيه فإن لم يفعل، قلنا: أطعم عن كل يوم مسكيناً قياساً على صوم الفريضة. مسألة: إذا مات وعليه صوم فرض بأصل الشرع، فهل يُقضى عنه؟ الجواب: لا يقضى عنه؛ لأن المؤلف خصص هذا بصوم النذر، والعبادات لا قياس فيها، ثم لا يصح القياس هنا أيضاً؛ لأن الواجب بالنذر أخف من الواجب بأصل الشرع، فلا يقاس الأثقل على الأخف، فصار ما وجب بالنذر تدخله النيابة لخفته بخلاف الواجب بأصل الشرع (١)، فإن الإنسان مطالب به من قبل الله وهذا مطالب به من قبل نفسه فهو الذي ألزم نفسه به، فكان أهون ودخلته النيابة. إذاً من مات وعليه صوم رمضان أو كفارة أو غيرها فلا يقضى عنه. والقول الراجح أن من مات وعليه صيام فرض بأصل الشرع

стр. 2488

فإن وليه يقضيه عنه، لا قياساً ولكن بالنص، وهو حديث عائشة ﵂ «من مات وعليه صوم صام عنه وليه» (١) «وصوم» نكرة غير مقيدة بصوم معين، وأيضاً كيف يقال: إن المراد به صوم النذر، وصوم النذر بالنسبة لصوم الفرض قليل، يعني ربما يموت الإنسان وما نذر صوم يوم واحد قط، لكن كونه يموت وعليه صيام رمضان هذا كثير، فكيف نرفع دلالة الحديث على ما هو غالب ونحملها على ما هو نادر؟! هذا تصرف غير صحيح في الأدلة، والأدلة إنما تحمل على الغالب الأكثر، والغالب الأكثر في الذين يموتون وعليهم صيام، أن يكون صيام رمضان أو كفارة أو ما أشبه ذلك، وهم يقولون حديث المرأة خصص حديث عائشة فيقال: إن ذكر فرد من أفراد العام بحكم يوافق العام، لا يكون تخصيصاً، بل يكون تطبيقاً مبيناً للعموم، وأن العموم في حديث عائشة «من مات وعليه صوم» شامل لكل صور الواجب، وهذا هو القول الصحيح وهو مذهب الشافعي وأهل الظاهر. لكن من هو الذي إذا مات كان القضاء واجباً عليه؟ الجواب: هو الذي تمكن من القضاء فلم يفعل فإذا مات قلنا لوليه: صم عنه، لقول النبي ﷺ : «من مات وعليه صوم صام عنه وليه». والولي هو الوارث، والدليل قول النبي ﷺ : «ألحقوا

стр. 2489

الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر» (١) فذكر الأولوية في الميراث، إذاً الولي هو الوارث. وقيل: الولي هو القريب مطلقاً. والأقرب أنه الوارث. وحتى على القول بأنه القريب، فيقال: أقرب الناس وأحق الناس به هم ورثته، وعلى هذا فيصوم الوارث. مسألة: هل يلزم إذا قلنا: بالقول الراجح إِنّ الصومَ يشمل الواجب بأصل الشرع والواجب بالنذر ـ أَنْ يقتصر ذلك على واحد من الورثة؛ لأن الصوم واجب على واحد. الجواب: لا يلزم؛ لأن قوله ﷺ : «صام عنه وليه»، مفرد مضاف فيعم كل ولي وارث، فلو قدر أن الرجل له خمسة عشر ابناً، وأراد كل واحد منهم أن يصوم يومين عن ثلاثين يوماً فيجزئ، ولو كانوا ثلاثين وارثاً وصاموا كلهم يوماً واحداً، فيجزئ لأنهم صاموا ثلاثين يوماً، ولا فرق بين أن يصوموها في يوم واحد أو إذا صام واحد صام الثاني اليوم الذي بعده، حتى يتموا ثلاثين يوماً. أما في كفارة الظهار ونحوها فلا يمكن أن يقتسم الورثة الصوم لاشتراط التتابع؛ ولأن كل واحد منهم لم يصم شهرين متتابعين.

стр. 2490

وقد يقول قائل: يمكن بأن يصوم واحد ثلاثة أيام، وإذا أفطر صام الثاني ثلاثة أيام وهلم جرّاً حتى تتم؟ فيجاب بأنه لا يصدق على واحد منهم أنه صام شهرين متتابعين، وعليه فنقول: إذا وجب على الميت صيام شهرين متتابعين، فإما أن ينتدب له واحد من الورثة ويصومها، وإما أن يطعموا عن كل يوم مسكيناً. قوله: «أو حجُ» تقرأ بدون تنوين لما سبق. أي: من مات وعليه حج نذر فإن وليه يحج عنه. والدليل على ذلك: أن امرأة سألت النبي ﷺ : «أن أمها نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال: نعم» (١). وكذلك أيضاً حج الفريضة بأصل الإسلام، والدليل على ذلك: ١ ـ حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ سمع رجلاً يقول لبيك عن شبرمة قال: «من شبرمة؟» قال: أخ لي أو قريب لي، قال: «أحججت عن نفسك»؟ قال: لا، قال: «حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة» (٢).

стр. 2491

٢ ـ حديث ابن عباس ﵄ «أن امرأة قالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده بالحج، أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نعم» (١)، فإذا جازت النيابة عن الحي لعدم قدرته على الحج، فعن الميت من باب أولى. قوله: «أو اعتكافُ» تقرأ بدون تنوين لما سبق أي: اعتكاف نذر. مثاله: رجل نذر أن يعتكف ثلاثة أيام من أول شهر جمادى الآخرة، ولم يعتكف ومات، فيعتكف عنه وليه؛ لأن هذا الاعتكاف صار ديناً عليه، وإذا كان ديناً فإنه يقضى، كما يقضى دين الآدمي. وقوله: اعتكاف نذر قد يفهم منه أن هناك اعتكافاً واجباً بأصل الشرع وليس كذلك؛ لأن الاعتكاف لا يكون واجباً إلا بالنذر. قوله: «أو صلاة نذر استحب لوليه قضاؤه» أي: وإن مات وعليه صلاة نذر، مثاله رجل نذر أن يصلي لله ركعتين فمضى الوقت ولم يصلِّ، ثم مات فيستحب لوليه أن يصلي عنه؛ لأن هذا النذر صار ديناً في ذمته، والدين يقضى كدين الآمدي، وإن كانت فريضة بأصل الشرع لا تقضى؛ لأن ذلك لم يرد. لو قال قائل: الأصل في العبادات أنه لا قياس فيها، فكيف

стр. 2492

قلتم: إن الاعتكاف والصلاة المنذورين يفعلان عن الناذر؟ فنقول: إن النبي ﷺ قاس العبادات على الأمور العاديات، فقال: «أرأيت لو كان على أمك دين … »، وهذا الاعتكاف المنذور ـ مثلاً ـ صار ديناً على الناذر، فهو إلى الحج المنذور أقرب من الدين. وعلى هذا: ـ فالحج يقضى عن الميت فرضاً كان، أو نذراً قولاً واحداً. ـ والصوم يقضى إن كان نذراً، وإن كان فرضاً بأصل الشرع ففيه خلاف والراجح قضاؤه، فإن لم يقض الولي فإن خلف الميت تركة وجب أن يطعم عنه في الصيام لكل يوم مسكيناً. ـ والصلاة لا تقضى قولاً واحداً، إذا كانت واجبة بأصل الشرع، وإن كانت واجبة بالنذر فإنها تقضى على المذهب. والاعتكاف لا يمكن أن يكون واجباً بأصل الشرع، وإنما يجب بالنذر فيعتكف عنه وليه. وقد استدل من قال بقضاء الصلاة والاعتكاف المنذورين: بقوله ﷺ : «أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم، فقال: اقضوا الله» (١)؛ فجعل النبي ﷺ النذر ديناً؛ وإذا كان النذر ديناً وقد قاس النبي ﷺ دين الله على دين الآدمي، فنقول: لا فرق بين دين الصلاة ودين الصيام.

стр. 2493

وقال بعض العلماء: إن الصلاة والاعتكاف المنذورين لا يقضيان؛ لأنهما عبادتان بدنيتان لا يجبان بأصل الشرع. مسائل: الأولى: هل يصح استئجار من يصوم عنه؟ الجواب: لا يصح ذلك؛ لأن مسائل القرب لا يصح الاستئجار عليها. الثانية: لو نذر صيام شهر محرم فمات في ذي الحجة؛ فلا يقضى عنه؛ لأنه لم يدرك زمن الوجوب؛ كمن مات قبل أن يدرك رمضان. الثالثة: إذا قال الولي: أنا لن أعتكف أو قال: لن أصلي، أو قال: لن أحج؟ فله ذلك، ولا بديل عن هذه الثلاثة. أما إذا قال: لن أصوم فإنه يطعم عن الصوم لكل يوم مسكيناً، إن خلف تركة، وقياس المذهب في الاعتكاف أن يقام من يعتكف عنه، وأن يقام من يصلي عنه؛ لأن هذا عمل يجب قضاؤه وخلف تركة، فعلى مقتضى قواعد المذهب أنه يُدفع للمعتكف عنه أو يصلي عنه لكن ما رأيتهم صرحوا به.

стр. 2494

بَابُ صَوْمِ التَّطوُّعِ الترجمة «صوم التطوع» مع أن المؤلف ذكر في هذا الباب صوم التطوع، والصوم المحرم، والصوم المكروه، وحكم الخروج من الواجب، وليلة القدر، فذكر عدة أشياء، فيقال: إن هذا من باب الاكتفاء بالبعض عن الكل، وليس بلازم أن تكون الترجمة شاملة لجميع الموضوع. قوله: «باب صوم التطوع» «صوم» مضاف، و «التطوع» مضاف إليه، والإضافة هنا لبيان النوع، وذلك أن الصيام نوعان: فريضة وتطوع وكلاهما بالمعنى العام يسمى تطوعاً، فإن التطوع: فعل الطاعة، لكنه يطلق غالباً عند الفقهاء على الطاعة التي ليست بواجبة، ولا مشاحة في الاصطلاح، فإذا كان الفقهاء ﵏ جعلوا التطوع في مقابل الواجب فهذا اصطلاح ليس فيه محظور شرعي، إذاً فصوم التطوع هو الصوم الذي ليس بواجب. واعلم أن من رحمة الله وحكمته أن جعل للفرائض ما يماثلها من التطوع؛ وذلك من أجل ترقيع الخلل الذي يحصل في الفريضة من وجه، ومن أجل زيادة الأجر والثواب للعاملين من وجه آخر؛ لأنه لولا مشروعية هذه التطوعات لكان القيام بها بدعة وضلالة، وقد جاء في الحديث أن التطوع تكمل به الفرائض يوم القيامة (١).

стр. 2495

واعلم أن الصوم من أفضل الأعمال الصالحة، حتى ثبت في الحديث القدسي أن الله يقول: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» (١) فالعبادات ثوابها الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، إلا الصوم فإن الله هو الذي يجزي به، ومعنى ذلك أن ثوابه عظيم جداً، قال أهل العلم: لأنه يجتمع في الصوم أنواع الصبر الثلاثة وهي الصبر على طاعة الله، وعن معصية الله، وعلى أقداره، فهو صبر على طاعة الله لأن الإنسان يصبر على هذه الطاعة ويفعلها، وعن معصيته لأنه يتجنب ما يحرم على الصائم، وعلى أقدار الله لأن الصائم يصيبه ألم بالعطش والجوع والكسل وضعف النفس، فلهذا كان الصوم من أعلى أنواع الصبر؛ لأنه جامع بين الأنواع الثلاثة، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. ثم إن صوم التطوع سرده المؤلف سرداً عاماً بدون تفصيل، ولكنه ينقسم في الواقع إلى قسمين: تطوع مطلق وتطوع مقيد. والمقيد أوكد من التطوع المطلق، كالصلاة أيضاً، فإن التطوع المقيد منها أفضل من التطوع المطلق.

стр. 2496

يُسَنُّ صِيَامُ أيَّامِ البِيضِ ............ قوله: «يسن صيام أيام البيض» لو عبر المؤلف بتعبير أعم فقال: يسن صيام ثلاثة أيام من كل شهر والأفضل أن تكون في أيام البيض لكان أحسن. وقوله: «يسن» المسنون في اصطلاح الأصوليين ما أثيب فاعله امتثالاً ولم يعاقب تاركه، وهو درجات ومراتب من حيث الأفضلية وكثرة الثواب كالواجب لكن الواجب أحب إلى الله ـ تعالى ـ لما ثبت في الحديث الصحيح القدسي أن الله قال: «ما تقرب إليّ عبدي بشيءٍ أحب إلي مما افترضت عليه» (١). وقوله: أيام البيض هي اليوم الثالث عشر من الشهر، والرابع عشر، والخامس عشر، ودليل مسنونيتها أن النبي ﷺ أمر بصيامها (٢). وسميت بيضاً لابيضاض لياليها بنور القمر، ولهذا قيل أيام البيض، أي أيام الليالي البيض، فالوصف لليالي؛ لأنها بنور القمر صارت بيضاء وذكر أهل العلم بالطب أن فيها فائدة جسمية في هذه الأيام الثلاثة؛ لأنه وقت فوران الدم وزيادته، إذ إن الدم بإذن الله مقرون بالقمر، وإذا صام فإنه يخف عليه ضغط كثرة الدم فهذه فائدة طبية، لكن كما قلنا كثيراً بأن الفوائد الجسمية ينبغي أن يجعلها في ثاني الأمر بالنسبة للعبادات، حتى يكون الإنسان

стр. 2497

متعبداً الله لا للمصلحة الجسمية أو الدنيوية، ولكن من أجل التقرب إلى الله بالعبادات. وهذه الثلاثة تغني عن صيام ثلاثة أيام من كل شهر، التي قال فيها النبي ﷺ : «صيام ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر كله» (١)؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، فثلاثة أيام بثلاثين حسنة عن شهر، وكذلك الشهر الثاني والثالث، فيكون كأنما صام السنة كلها، وكان النبي ﷺ يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، تقول عائشة: «لا يبالي هل صامها من أول الشهر أو وسطه أو آخره» (٢) وأمر بها النبي ﷺ ثلاثة من أصحابه، أبو هريرة وأبو الدرداء وأبو ذر (٣)، فعندنا أمران: الأمر الأول: استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، سواء أكانت في أول الشهر، أم في وسطه، أم في آخره، وسواء أكانت متتابعة أم متفرقة. الأمر الثاني: أنه ينبغي أن يكون الصيام في أيام البيض

стр. 2498

الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، فتعيينها في أيام البيض تعيين أفضلية كتعين الصلاة في أول وقتها، أي: أنَّ أفضل وقت للأيام الثلاثة هو أيام البيض، ولكن من صام الأيام الثلاثة في غير أيام البيض حصل على الأجر، وهو أجر صيام ثلاثة أيام من كل شهر، لا صيام أيام البيض، وحصل له صيام الدهر. وَالاثْنَيْنِ والخَمِيسِ، ............ قوله: «والاثنين والخميس» أي ويسن صيام الاثنين والخميس. وصوم الاثنين أوكد من الخميس، فيسن للإنسان أن يصوم يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع. وقد علل النبي ﷺ ذلك: «بأنهما يومان تعرض فيهما الأعمال على الله ، قال: فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم» (١)، وهذا الحديث اختلف المحدثون فيه فمنهم من ضعفه وقال: لا تقوم به حجة، ومنهم من قال: إنه صحيح كابن خزيمة، ومنهم من سكت عنه فلم يحكم له باضطراب ولا تصحيح، وعلى كل حال فإن الفقهاء اعتبروه واستشهدوا به، واستدلوا به.

стр. 2499

وسئل عن صوم يوم الاثنين فقال: «ذاك يوم ولدت فيه، ويعثت فيه أو أنزل علي فيه» (١) فبين الرسول ﷺ أن صيام يوم الاثنين مطلوب، وعلى هذا فيسن صيام يومين من كل أسبوع، هما يوم الاثنين والخميس. وأما صيام يوم الثلاثاء والأربعاء فليس بسنة على التعيين، وإلا فهو سنة مطلقة، يسن للإنسان أن يكثر من الصيام، لكن لا نقول يسن أن تصوم يوم الثلاثاء، ولا يسن أن تصوم يوم الأربعاء، ولا يكره ذلك. وأما الجمعة فلا يسن صوم يومها، ويكره أن يفرد صومه، والدليل على ذلك: ١ ـ قول النبي ﷺ : «لا تصوموا يوم الجمعة إلا أن تصوموا يوماً قبله أو يوماً بعده» (٢). ٢ ـ قوله ﷺ لإحدى أمهات المؤمنين وكانت صامت يوم جمعة: «أصمت أمس؟ قالت: لا، قال: أتصومين غداً؟ قالت: لا، قال: فأفطري» (٣) فدل ذلك على أن يوم الجمعة لا يفرد بصوم، بل قد ورد النهي عن ذلك.

стр. 2500

٣ ـ قوله ﷺ : «لا تخصوا يوم الجمعة بصيام، ولا ليلتها بقيام» (١). وأما السبت فقيل: إنه كالأربعاء والثلاثاء يباح صومه. وقيل: إنه لا يجوز إلا في الفريضة. وقيل: إنه يجوز لكن بدون إفراد. والصحيح أنه يجوز بدون إفراد، أي: إذا صمت معه الأحد، أو صمت معه الجمعة، فلا بأس، والدليل على ذلك قوله ﷺ لزوجته «أتصومين غداً؟» أي: السبت. وأما الحديث الذي رواه أبو داود: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، ولو لم يجد أحدكم إلا لحاء شجر» (٢) يعني فليأكله، فهذا الحديث مختلف فيه هل هو صحيح أو ضعيف؟ وهل هو منسوخ أو غير منسوخ (٣)؟ وهل هو شاذ أو غير شاذ؟ وهل المراد بذلك إفراده دون جَمْعِهِ إلى الجمعة أو الأحد؟ وسبق بيان القول الصحيح أن المكروه إفراده، لكن إن أفرده لسبب فلا كراهة، مثل أن يصادف يوم عرفة أو يوم عاشوراء، إذا لم نقل بكراهة إفراد يوم عاشوراء.

стр. 2501

وأما الأحد: فبعض العلماء استحب أن يصومه الإنسان. وكرهه بعض العلماء. أما من استحبه فقال: إنه يوم عيد للنصارى، ويوم العيد يكون يوم أكل وسرور وفرح، فالأفضل مخالفتهم، وصيام هذا اليوم فيه مخالفة لهم. وأما من كره صومه فقال: إن الصوم نوع تعظيم للزمن، وإذا كان يوم الأحد يوم عيد للكفار فصومه نوع تعظيم له، ولا يجوز أن يُعظم ما يعظمه الكفار على أنه شعيرة من شعائرهم. والخلاصة أن الثلاثاء والأربعاء حكم صومهما الجواز، لا يسن إفرادهما ولا يكره، والجمعة والسبت والأحد يكره إفرادها، وإفراد الجمعة أشد كراهة لثبوت الأحاديث في النهي عن ذلك بدون نزاع، وأما ضمها إلى ما بعدها فلا بأس، وأما الاثنين والخميس فصومهما سنة. وَسِتٍ مِنْ شَوَّالٍ، .......... قوله: «وست من شوال» أي ويسن صوم ست من شوال؛ لقول النبي ﷺ : «من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال فكأنما صام الدهر كله» (١) فيسن للإنسان أن يصوم ستة أيام من شوال. فائدة: قوله ﷺ : «وأتبعه ستاً من شوال» والمعروف أن تذكير العدد يدل على تأنيث المعدود، والذي يصام اليوم لا الليل فلم لم يقل ستة؟ الجواب: أن الحكم في كون العدد يذكر مع المؤنث،

стр. 2502

ويؤنث مع المذكر، إذا ذُكِرَ المعدود فتقول ستة رجال وست نساء، قال تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [الحاقة: ٧]. أما إذا حذف المعدود فإنه يجوز التأنيث والتذكير فتقول صمت ستاً من شوال وصمت ستة من شوال، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] والمراد عشرة أيام لكنه ذكَّرها؛ لأن المعدود لم يُذْكَرْ، والظاهر أن الأفصح التذكير؛ لأن هذا هو الذي جاء بلفظ الحديث وهو أيضاً أخف على اللسان، وهذه القاعدة ما لم يحصل اشتباه، فإن حصل فإنه يجب أن يراعي الأصل، أي: لو كان اللفظ يحتمل أن يراد به المذكر أو أن يراد به المؤنث والحكم يختلف، فإن الواجب الرجوع إلى الأصل، كالقاعدة العامة في جميع ما يجوز في النحو يقيدونها بما لم يُخْشَ اللبس، فإن خيف اللبس وجب إرجاع كل شيء إلى أصله. قال الفقهاء ﵏: والأفضل أن تكون هذه الست بعد يوم العيد مباشرة؛ لما في ذلك من السبق إلى الخيرات. والأفضل أن تكون متتابعة؛ لأن ذلك أسهل غالباً؛ ولأن فيه سبقاً لفعل هذا الأمر المشروع. فعليه يسن أن يصومها في اليوم الثاني من شوال ويتابعها حتى تنتهي، وهي ستنتهي في اليوم الثامن، من شهر شوال، وهذا اليوم الثامن يسميه العامة عيد الأبرار، أي: الذين صاموا ستة أيام من شوال. ولكن هذا بدعة فهذا اليوم ليس عيداً للأبرار، ولا للفجار.

стр. 2503

ثم إن مقتضى قولهم، أن من لم يصم ستة أيام من شوال ليس من الأبرار، وهذا خطأ، فالإنسان إذا أدى فرضه فهذا بَرُّ بلا شك، وإن كان بعض البر أكمل من بعض. ثم إن السنة أن يصومها بعد انتهاء قضاء رمضان لا قبله، فلو كان عليه قضاء ثم صام الستة قبل القضاء فإنه لا يحصل على ثوابها؛ لأن النبي ﷺ قال: «من صام رمضان» ومن بقي عليه شيء منه فإنه لا يصح أن يقال إنه صام رمضان؛ بل صام بعضه، وليست هذه المسألة مبنيّة على الخلاف في صوم التطوع قبل القضاء؛ لأن هذا التطوع أعني صوم الست قيده النبي ﷺ بقيد وهو أن يكون بعد رمضان، وقد توهم بعض الناس فظن أنه مبني على الخلاف في صحة صوم التطوع قبل قضاء رمضان، وقد تقدم ذكر الخلاف في ذلك، وبينا أن الراجح جواز التطوع وصحته، ما لم يضق الوقت عن القضاء. تنبيه: لو أخر صيام الست من شوال عن أول الشهر ولم يبادر بها، فإنه يجوز لقوله ﷺ «ثم أتبعه ستاً من شوال» فظاهره أنه ما دامت الست في شوال، ولو تأخرت عن بداية الشهر فلا حرج، لكن المبادرة وتتابعها أفضل من التأخير والتفريق، لما فيه من الإسراع إلى فعل الخير، ويستثنى من قول المؤلف «ستاً من شوال» يستثنى يوم العيد لأنه لا يجوز صومه. مسألة: لو لم يتمكن من صيام الأيام الستة في شوال لعذر كمرض أو قضاء رمضان كاملاً حتى خرج شوال، فهل يقضيها ويكتب له أجرها أو يقال هي سنة فات محلها فلا تقضى؟

стр. 2504

الجواب: يقضيها ويكتب له أجرها كالفرض إذا أخره عن وقته لعذر، وكالراتبة إذا أخرها لعذر حتى خرج وقتها، فإنه يقضيها كما جاءت به السنة. فائدة: كره بعض العلماء صيام الأيام الستة كل عام مخافة أن يظن العامة أن صيامها فرض، وهذا أصل ضعيف غير مستقيم لأنه لو قيل به لزم كراهة الرواتب التابعة للمكتوبات، أن تصلى كل يوم وهذا اللازم باطل وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم والمحذور الذي يخشى منه يزول بالبيان. وَشَهْرِ المُحَرَّمِ، ........... قوله: «وشهر المحرم» أي: يسن صوم شهر المحرم، وهو الذي يلي شهر ذي الحجة، وهو الذي جعله الخليفة الراشد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أول شهور السنة، وصومه أفضل الصيام بعد رمضان، كما قال النبي ﷺ : «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم» (١). واختلف العلماء ﵏ أيهما أفضل صوم شهر المحرم، أم صوم شهر شعبان؟ فقال بعض العلماء: شهر شعبان أفضل؛ لأن النبي كان يصومه، إلا قليلاً منه ولم يحفظ عنه أنه كان يصوم شهر المحرم؛ لكنه حث على صيامه بقوله: «إنه أفضل الصيام بعد رمضان». قالوا: ولأن صوم شعبان ينزل منزلة الراتبة قبل الفريضة وصوم المحرم ينزل منزلة النفل المطلق، ومنزلة الراتبة أفضل من

стр. 2505

منزلة النفل المطلق، وعلى كل فهذان الشهران يسن صومهما، إلا أن شعبان لا يكمله. وآكَدُهُ العَاشِرُ، ثُمَّ التَّاسِعُ، وَتِسْعِ ذِي الحِجَّةِ .......... قوله: «وآكده العاشر ثم التاسع» يعني آكد صوم شهر المحرم العاشر ثم التاسع؛ لأن النبي ﷺ : «سئل عن صوم يوم عاشوراء؟ فقال: أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله» (١) فهو آكد من بقية الأيام من الشهر. ثم يليه التاسع لقوله ﷺ : «لئن بقيت، أو لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع» (٢) يعني مع العاشر. وهل يكره إفراد العاشر؟ قال بعض العلماء: إنه يكره، لقول النبي ﷺ : «صوموا يوماً قبله أو يوماً بعده خالفوا اليهود» (٣). وقال بعض العلماء: إنه لا يكره، ولكن يفوت بإفراده أجر مخالفة اليهود.

стр. 2506

والراجح أنه لا يكره إفراد عاشوراء. فإن قال قائل: ما السبب في كون يوم العاشر آكد أيام محرم؟ فالجواب أن السبب في ذلك أنه اليوم الذي نجى الله فيه موسى وقومه، وأهلك فرعون وقومه كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ ، وفي هذا الحديث دليل على أن التوقيت كان في الأمم السابقة بالأهلة، وليس بالشهور الأفرنجية، لأن الرسول ﷺ أخبر بأن اليوم العاشر من محرم هو اليوم الذي أهلك الله فيه فرعون وقومه ونجى موسى وقومه (١). قوله: «وتسع ذي الحجة» أي ويسن صوم تسع ذي الحجة. وتسع ذي الحجة تبدأ من أول أيام ذي الحجة، وتنتهي باليوم التاسع، وهو يوم عرفة، والحجة بكسر الحاء أفصح من فتحها وعكسها القعدة. ودليل استحبابها قول النبي ﷺ : «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر» (٢) والصوم من العمل الصالح. وقد ورد حديثان متعارضان في هذه الأيام، أحدهما أن الرسول ﷺ لم يكن يصوم هذه الأيام التسعة (٣)، والثاني أنه كان

стр. 2507

يصومها (١)، وقد قال الإمام أحمد ﵀ في التعارض بين هذين الحديثين: إن المثبت مقدم على النافي، ورجح بعض العلماء النفي؛ لأن حديثه أصح من حديث الإثبات، لكن الإمام أحمد جعلهما ثابتين كليهما، وقال: إن المثبت مقدم على النافي، ونحن نقول: إذا تعارضا تساقطا بدون تقديم أحدهما على الآخر فعندنا الحديث الصحيح العام «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه العشر» (٢) فالعمل الصالح في أيام عشر ذي الحجة ومن ذلك الصوم أحب إلى الله من العمل الصالح في العشر الأواخر من رمضان، ومع ذلك فالأيام العشر من ذي الحجة، الناس في غفلة عنها، تَمُرُّ والناس على عاداتهم لا تجد زيادة في قراءة القرآن، ولا العبادات الأخرى بل حتى التكبير بعضهم يشح به. وآكَدُهُ يَوْمُ عَرَفَةَ لِغَيْرِ حَاجٍّ بِهَا، ............. قوله: «وآكده يوم عرفة» أي: آكد تسع ذي الحجة، صيام يوم عرفة لغير حاج بها، ويوم عرفة هو اليوم التاسع، وإنما كان آكد أيام العشر؛ لأن النبي (ص) «سئل عن صوم يوم عرفة فقال ﷺ : «أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده» (٣) وعلى هذا فصوم يوم عرفة أفضل من صوم عاشوراء؛ لأن صوم عاشوراء قال فيه الرسول ﷺ : «أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله» فقط.

стр. 2508

قوله: «لغير حاج بها» الباء بمعنى في، وقوله «لغير حاج بها» اشترط المؤلف شرطين: الأول: لغير حاج، الثاني: بها، أي: في عرفه، فظاهره أنه لو كان الحاج في غير عرفة، مثل أن يصادفه يوم عرفة في الطريق، ولم يصل إلى عرفة إلا في الليل، فظاهر كلام المؤلف أن صوم هذا اليوم مشروع، وظاهره أيضاً أنه لو كان الإنسان بعرفة لكنه لم يحج مثل العمال وشبههم فإنه يصوم، فالحاج في عرفة لا يصوم وليس مشروعاً له الصوم لأن النبي ﷺ : «نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة» (١) وهذا الحديث في صحته نظر، لكن يؤيده أن الناس شَكُّوا في صومه ﷺ يوم عرفة، فأرسل إليه بقدح من لبن فشربه ضحى يوم عرفة والناس ينظرون إليه (٢)، ليتبين لهم أنه لم يصم؛ ولأن هذا اليوم يوم دعاء وعمل، ولا سيما أن أفضل زمن الدعاء هو آخر هذا اليوم، فإذا صام الإنسان فسوف يأتيه آخر اليوم وهو في كسل وتعب، لا سيما في أيام الصيف وطول النهار وشدة الحر، فإنه يتعب وتزول الفائدة العظيمة الحاصلة بهذا اليوم، والصوم يدرك في وقت آخر؛ ولهذا فالصواب أن صوم يوم عرفة للحاج مكروه، وأما لغير الحاج فهو سنة مؤكدة.

стр. 2509

وَأَفْضَلُهُ صَوْمُ يَوْمٍ وَفِطْرُ يَوْمٍ ............. قوله: «وأفضله صوم يوم وفطر يوم» أي: أفضل صوم التطوع صوم يوم، وفطر يوم. فإذا قال قائل: لماذا لم يفعله الرسول ﷺ ، والرسول ينشر الأفضل وهو أخشانا لله وأتقانا له؟ قلنا: لأن الرسول ﷺ يشتغل بعبادات أخرى أجل من الصيام، من الدعوة إلى الله، والأعمال الأخرى الوظيفية التي تستدعي أن يفعلها، ولهذا ثبت عنه فضل الأذان، وأن المؤذنين أطول الناس أعناقاً يوم القيامة (١)، ومع ذلك لم يباشره؛ لأنه مشغول بعبادات أخرى جليلة لا يتمكن من مراقبة الشمس في طلوعها، وزوالها وما أشبه ذلك، وقال في الرجل الذي دخل وصلى وحده: من يتصدق على هذا؟ فقام بعض أصحابه فصلى معه (٢)، فلا يقول قائل: لماذا لم يقم هو لأنها صدقة، وهو أسبق الناس إلى الخير؟ فالجواب لأنه مشتغل بما هو أهم، من تعليم الناس، والتحدث إليهم وتأليفهم وما أشبه ذلك، المهم أنه لا يُظن أن الرسول ﷺ إذا ندب إلى فعل شيء وبين أنه أفضل ولم يفعله هو، فهو قصور منه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ، ولكن اشتغاله بما هو أولى وأهم، ولهذا لما سئل عن صوم يوم وإفطار يومين؟ قال: «ليت أنا نقوى على ذلك» (٣)، يعني أنه ما

стр. 2510

يقوى على ذلك مع أعماله الأخرى الجليلة التي لا يقوم بها غيره. وعلى هذا إذا جاءنا طالب علم، وقال: إنني إذا صمت قصرت عن طلب العلم وصار عندي خورٌ وضعف وتعب، وإذا لم أصم نشطت على العلم، فهل الأفضل في أن أصوم يوماً وأفطر يوماً؛ لأنه أفضل الصيام، أو أن أقوم بطلب العلم؛ نقول: الأفضل أن تقوم بطلب العلم. وإذا جاءنا رجل عابد ليس له شغل، لا قيام على عائلة، ولا طلب علم، وقال: ما الأفضل لي، أن أصوم يوماً وأفطر يوماً، أو لا أصوم؟ نقول: الأفضل أن تصوم يوماً وتفطر يوماً، فالمهم أن التفاضل في العبادات وتمييز بعضها عن بعض وتفضيل بعضها على بعض، أمر ينبغي التفطن له؛ لأن بعض الناس قد يلازم طاعة معينة ويترك طاعات أهم منها وأنفع، وقد جاء وفد إلى النبي ﷺ فجلس يتحدث إليهم وترك راتبة الظهر ولم يصلها إلا بعد العصر (١)، فعلى هذا ينبغي للإنسان أن يعادل بين نوافل العبادات وإذا ترك شيئاً لما هو أهم منه، فلا يقال إنه تركه، بل فعل ما هو خير منه، فلا يعد ذلك قصوراً. ودليل ذلك أن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: «لأصومن النهار، ولا أفطر، ولأقومن الليل ولا أنام، فبلغ ذلك النبي ﷺ فسأله: «أنت الذي قلت كذا؟ قال: نعم، فقال له النبي ﷺ : صم كذا، صم كذا، قال: إني أطيق أكثر من ذلك،

стр. 2511

حتى قال له: صم يوماً وأفطر يوماً فذلك أفضل الصيام، وهو صيام داود، وقال له في القيام: نم نصف الليل، وقم ثلث الليل، ونم سدس الليل، فذلك أفضل القيام وهو قيام داود» (١)؛ لأن هذا الصيام يعطي النفس بعض الحرية، والبدن بعض القوة؛ لأنه يصوم يوماً ويفطر يوماً، وكذلك القيام إذا نام نصف الليل، ثم قام ثلثه، ثم نام سدسه، فإن تعبه في قيام الثلث سوف يزول بنومه السدس، فيقوم في أول النهار نشيطاً. ولكن هذا، أي: صوم يوم وفطر يوم، مشروط بما إذا لم يضيع ما أوجب الله عليه، فإن ضيع ما أوجب الله عليه كان هذا منهياً عنه؛ لأنه لا يمكن أن تضاع فريضة من أجل نافلة، فلو فرض أن هذا الرجل إذا صام يوماً وأفطر يوماً، تخلف عن الجماعة في المسجد، لأنه يتعب في آخر النهار، ولا يستطيع أن يصل إلى المسجد، فنقول له: لا تفعل؛ لأن إضاعة الواجب أعظم من إضاعة المستحب، فهذا مستحب لا تأثم بتركه فاتركه. كذلك لو انشغل بذلك عن مؤونة أهله، أي: انقطع عن البيع والشراء والعمل الذي يحتاجه لمؤونة أهله، فإننا نقول له: لا تفعل؛ لأن القيام بالواجب أهم من القيام بالتطوع، وكذلك لو أدى هذا الصيام إلى عدم القيام بواجب الوظيفة كان منهياً عنه. وقد التزم عبد الله بن عمرو ﵄ بذلك حتى كبر فتمنى أنه قبل رخصة النبي ﷺ أن يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، حتى اجتهد ﵁ فصار يصوم خمسة عشر يوماً

стр. 2512

متتابعة، ويفطر خمسة عشر يوماً متتابعة، ويرى أن هذا بدل عن صيام يوم وإفطار يوم. ونأخذ من هذا فائدة، وهي أن الإنسان ينبغي ألا يقيس نفسه في مستقبله على حاضره، فقد يكون الإنسان في أول العبادة نشيطاً يرى أنه قادر، ثم بعد ذلك يلحقه الملل، أو يلحقهُ ضعف وتعب، ثم يندم، لهذا ينبغي للإنسان أن يكون عمله قصداً، ولهذا قال النبي ﷺ مرشداً أمته: «اكلفوا من العمل ما تطيقون» (١) أي: لا تكلفوا أنفسكم وقال: «استعينوا بالغدوة والروحة، وشيء من الدلجة والقصد القصد تبلغوا» (٢)، وقال «إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى» (٣) والمنبت هو الذي يسير ليلاً ونهاراً، فالإنسان ينبغي له أن يقدر المستقبل، لا يقول أنا الآن نشيط سأحفظ القرآن والسنة، وزاد المستقنع وألفية ابن مالك كلها في أيام قليلة، فهذا لا يمكن، فأعط نفسك حقها، وقد قال النبي ﷺ : «أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل» (٤) وكثير من الناس يكون

стр. 2513

عنده رغبة إما في العبادة، أو طلب العلم أو غير ذلك، ثم بعد هذا يكسل، فالذي ينبغي للإنسان، أن ينظر للمستقبل، كما ينظر للحاضر. وفي حديث عبد الله بن عمرو ﵁ دليل على أن صوم يوم الجمعة أو السبت إذا صادف يوماً غير مقصود به التخصيص فلا بأس به، لأنه إذا صام يوماً، وأفطر يوماً فسوف يصادف الجمعة والسبت، وبذلك يتبين أن صومهما ليس بحرام، وإلا لقال النبي ﷺ : صم يوماً، وأفطر يوماً، ما لم تصادف الجمعة والسبت. وَيُكْرَهُ إِفرَادُ رَجَبٍ، والجُمُعَةِ، وَالسَّبْتِ، والشَّكِ ............ قوله: «ويكره إفراد رجب» يعني بالصوم. عللوا هذا بأنه من شعائر الجاهلية، وأن أهل الجاهلية هم الذين يعظمون هذا الشهر، أما السنة فلم يرد في تعظيمه شيء، ولهذا قالوا: إن كل ما يروى في فضل صومه، أو الصلاة فيه من الأحاديث فكذب باتفاق أهل العلم بالحديث، وقد ألف ابن حجر ﵀ رسالة صغيرة في هذا وهي «تبيين العجب فيما ورد في فضل رجب». ويؤخذ من قوله: «إفراد رجب» أنه لو صامه مع غيره، فلا يكره؛ لأنه إذا صام معه غيره لم يكن الصيام من أجل تخصيص رجب، فلو صام شعبان ورجباً فلا بأس، ولو صام جمادى الآخرة ورجباً فلا بأس. قوله: «والجمعة» أي يكره إفراد الجمعة والدليل أن النبي ﷺ قال: «لا تصوموا يوم الجمعة إلا أن تصوموا يوماً قبله أو يوماً

стр. 2514

بعده» (١) وقال: «لا تخصوا يوم الجمعة بصيام ولا ليلتها بقيام» (٢) وقال لإحدى أمهات المؤمنين، وقد وجدها صائمة يوم الجمعة: «أصمت أمس؟ قالت: لا، قال: أتصومين غداً؟ قالت: لا، قال: فأفطري» (٣) فإن صامها مع غيرها فلا يكره، فلو صام الخميس والجمعة فلا بأس، أو الجمعة والسبت فلا بأس. وإن صامها وحدها لا للتخصيص، لكن لأنه وقت فراغه كرجل عامل يعمل كل أيام الأسبوع، وليس له فراغ إلا يوم الجمعة، فهل يكره؟ الجواب: عندي فيه تردد، فإن نظرنا إلى ما رواه مسلم: «لا تخصوا يوم الجمعة بصيام» قلنا: لا بأس؛ لأن هذا لم يخصه، وإن نظرنا إلى حديث «أصمت أمس؟ قالت: لا، قال: أتصومين غداً؟ قالت: لا، قال: فأفطري» فإن هذا قد يؤخذ منه أنه يكره إفرادها، وإن كان في الأيام الأخرى لا يستطيع، وقد لا يؤخذ منه، فيقال: إن قول الرسول ﷺ : «أصمت أمس؟ أو أتصومين غداً؟» يدل على أنها قادرة على الصوم. فالحاصل أنه إذا أفرد يوم الجمعة بصوم لا لقصد الجمعة، ولكن لأنه اليوم الذي يحصل فيه الفراغ، فالظاهر إن شاء الله أنه لا يكره، وأنه لا بأس بذلك. قوله: «والسبت» أي: يكره إفراده، لحديث «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم» (٤) فيحمل إن صح على النهي عن

стр. 2515

إفراده، وأما جمعه، مع الجمعة، فلا بأس؛ لقول النبي ﷺ لجويرية: «أتصومين غداً؟» فدل هذا على أن صومه مع الجمعة لا بأس به، وهذه المسألة قد يلغز بها فيقال: يومان إن أفرد أحدهما بالصوم كره، وإن اجتمعا فلا كراهة؟ مع أن الذي يتبادر أن المكروه إذا ضم إلى مكروه ازدادت الكراهة، لكن هذا إذا ضم المكروه إلى مكروه زالت الكراهة، فيجاب أن الكراهة هي الإفراد، فإذا صام الجميع فلا كراهة، فإن قيل حديث النهي عن صوم السبت عام ليس فيه تفصيل، فالجواب أنه إذا ورد ما يخصص العام وجب العمل به، وقد ورد ما يدل على جواز صومه مع الجمعة وهذا تخصيص. قوله: «والشك» أي: يكره صوم يوم الشك، ويوم الشك هو ليلة الثلاثين من شعبان، إذا كان في السماء ما يمنع رؤية الهلال كغيم وقتر. وقيل: هو يوم الثلاثين من شعبان، إذا كانت السماء صحواً. والأول أرجح؛ لأنه إذا كانت السماء صحواً وتراءى الناس الهلال ولم يروه لم يبق عندهم شك أنه لم يهل، والشك يكون إذا كان هناك ما يمنع رؤية الهلال، ولكن لما كان فقهاؤنا ﵏ يرون أنه إذا كان ليلة الثلاثين، وحال ما يمنع رؤيته من غيم أو قتر يجب صومه، حملوا الشك على ما إذا كانت السماء صحواً، وهذه آفة يلجأ إليها بعض العلماء، وسبب هذه الآفة أن الإنسان يعتقد قبل أن يستدل، وهذا خطأ، والواجب أن تجعل اعتقادك تابعاً للدليل، فتستدل أولاً، ثم تحكم ثانياً.

стр. 2516

فالأرجح أن يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان، إذا كان في السماء ما يمنع رؤية الهلال، وأما إذا كانت السماء صحواً فلا شكَّ. وهل صومه مكروه كما قال المؤلف أو محرم؟ الجواب: في هذا خلاف بين العلماء: القول الأول: أنه محرم. القول الثاني: أنه مكروه. والصحيح أن صومه محرم إذا قصد به الاحتياط لرمضان ودليل ذلك: ١ ـ قول عمار بن ياسر ﵄: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ » (١). ٢ ـ قوله ﷺ : «لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه» (٢). ٣ ـ ولأنه نوع من التعدي لحدود الله، فإن الله يقول في كتابه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ورسوله ﷺ يقول: «إذا رأيتموه فصوموا فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» (٣). وَيَحْرُمُ صَوْمُ العِيدَيْنِ وَلَوْ فِي فَرْضٍ، وَصِيَامُ أيَّامِ التَّشْرِيقِ، إلاَّ عَنْ دَمِ مُتْعَةٍ وَقِرَانٍ. قوله: «ويحرم صوم العيدين» هما يوم عيد الفطر ويوم عيد الأضحى، والدليل على ذلك: ١ ـ أن النبي ﷺ : «نهى عن صوم يومي العيدين، عيد الفطر، وعيد الأضحى» (٤)، وخطب عمر ﵁ في ذلك

стр. 2517

على المنبر وقال: «هذان يومان نهى رسول الله ﷺ عن صومهما يوم النحر ويوم الفطر» (١)، والحكمة في ذلك، أما يوم الفطر فلأنه يوم الفطر من رمضان ولا يتميز تحديد رمضان إلا بفطر يوم العيد، وأما الأضحى فلأنه يوم النحر، ولو صام الناس فيه لعدلوا فيه عما يحبه الله مما أمر به في قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] وكيف يأكل منها من كان صائماً؟! ٢ ـ أن العلماء ﵏ أجمعوا على أن صومهما محرم، فلا يجوز لإنسان أن يصوم يوم العيدين. ولكن لو أن العيد كان عندنا هنا، وكان في شرق آسيا مثلاً ليس يوم العيد، فهل يحرم عليهم الصوم؟ الجواب: نقول على مذهب من يرى أنه إذا ثبتت الرؤية في مكان من الأرض بطريق شرعي، فهي للجميع يكون صوم الذين في شرق آسيا حراماً؛ لأن هذا اليوم يوم عيد لهم، وإذا قلنا إن كل قوم لهم رؤيتهم وهم لم يروه ونحن رأيناه، فإنه لا يحرم عليهم، ويحرم علينا نحن. قوله: «ولو في فرض» أي: ولو كان في فرض، فإنه يحرم أن يصوم يومي العيدين، فلو كان على الإنسان قضاء من رمضان، وقال: أحب أن أبدأ بالقضاء من أول يوم من شوال، قلنا: هذا حرام، ولو أنه نذر أن يصوم يوم الاثنين فصادف يوم العيد، فإنه حرام عليه.

стр. 2518

قوله: «وصيام أيام التشريق إلا عن دم متعة وقران» أي: يحرم، لأن النبي ﷺ قال فيها: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله » (١) وهذا يدل على أن هذه الأيام لا تصلح أن تكون أيام إمساك، إنما هي أيام أكل وشرب وذكر لله، وأيام التشريق ثلاثة بعد يوم النحر هي الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، وهذه الأيام تسمى أيام التشريق؛ لأن الناس كانوا يشرقون فيها اللحم، أي: يقددونه، ثم ينشرونه في الشمس من أجل أن ييبس حتى لا يتعفن، ويفسد. وقوله: «إلا عن دم متعة وقران» أي: فيجوز صيامها فإذا حج الإنسان وكان متمتعاً، والمتمتع هو الذي يأتي بالعمرة أولاً في أشهر الحج، ثم يحل، ويأتي بالحج في عامه بعد ذلك، فعليه الهدي، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، والقارن كالمتمتع، وهو الذي يحرم بالعمرة والحج جميعاً، فيقول: لبيك عمرة وحجاً، أو يحرم بالعمرة أولاً، ثم يدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها، فعليه الهدي، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع من الحج. ودم المتعة والقران إذا لم يجدهما الحاج، فإنه يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، وتبتدئ هذه الأيام الثلاثة في حين الإحرام بالعمرة، ولو كان قبل شهر ذي الحجة، فإذا كان متمتعاً

стр. 2519

وأحرم بالعمرة في آخر ذي القعدة، وهو يعلم أنه لن يجد الهدي، لأنه ليس معه دراهم، فله أن يصوم. فإن قيل: كيف يصوم في العمرة والآية الكريمة يقول الله فيها ﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]؟ فالجواب، قول النبي ﷺ : «دخلت العمرة في الحج» (١). وينتهي صوم الثلاثة بآخر يوم من أيام التشريق، وعلى هذا فإذا لم يصم قبل ذلك، فإنه يصوم الأيام الثلاثة الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر. ودليل ذلك حديث عائشة وابن عمر ﵃ أنهما قالا: «لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي» (٢) وقول الصحابي لم يرخص، أو رخص لنا، أو ما أشبه ذلك يعتبر مرفوعاً حكماً. مسألة: اختلف الفقهاء في حكم صوم أعياد الكفار. فقيل: بالكراهة؛ لأن ذلك يعطي الكفار قوة؛ حيث يقولون: هؤلاء المسلمون يعظمون أعيادنا! وقيل: بعدم الكراهة؛ لأن الصوم ضد الفطر، وفي الفطر فرح وسرور، فكأنه يقول للكفار: أنتم تبتهجون بهذا اليوم، ونحن نقابلكم بالصوم والإمساك. والأولى أن يقال بالكراهة، وألا نهتم بأعياد الكفار، إلا على سبيل التحذير منها.

стр. 2520

قوله: «ومن دخل في فرض موسع حرم قطعه». الواجبات ثلاثة أقسام: موسعة، ومضيقة من أصل المشروعية، ومضيقة تضييقاً طارئاً، مثال التضييق الطارئ لو لم يبق على طلوع الشمس إلا مقدار ما يصلي صلاة الفجر، فيكون الوقت مضيقاً فإذا شرع في صلاة الفجر فلا يجوز قطعها. كذلك قضاء رمضان موسع فإذا لم يبق بينه وبين رمضان إلا مقدار الأيام التي عليه صار مضيقاً. وَمَنْ دَخَلَ فِي فَرْضٍ مُوَسَّعٍ حَرُمَ قَطْعُهُ. وَلَا يَلْزَمُ فِي النَّفلِ، وَلَا قَضَاءُ فَاسِدِهِ ....... وقوله: «ومن دخل في فرض موسع حرم قطعه» أي: من شرع في فرض موسع، فإنه يحرم عليه قطعه، ويلزمه إتمامه إلا لعذر شرعي. مثال ذلك: لما أذن لصلاة الظهر قام يصلي الظهر، ثم أراد أن يقطع الصلاة، ويصلي فيما بعد؛ فإنه لا يحل له ذلك، مع أن الوقت موسع إلى العصر؛ لأنه واجب شرع فيه، وشروعه فيه يشبه النذر، فيلزمه أن يتم. ومن دخل في فرض مضيق حرم قطعه من باب أولى، فلو دخل في الصلاة، ولم يبق في الوقت إلا مقدار ركعات الصلاة حرم عليه القطع من باب أولى؛ لأنه إذا حرم القطع في الموسع ففي المضيق من باب أولى. لكن يستثنى ما إذا كان لضرورة، مثل أن يشرع الإنسان في الصلاة، ثم يضطر إلى قطعها لإطفاء حريق، أو إنقاذ غريق، أو ما أشبه ذلك ففي هذه الحال له أن يقطع الصلاة. وهل يجوز أن يقطع الفرض ليأتي بما هو أكمل، مثل: أن

стр. 2521

يشرع في الفريضة منفرداً، ثم يحس بجماعة دخلوا ليصلوا جماعة فيقطعها من أجل أن يدخل في الجماعة؟ الجواب: نعم، له ذلك؛ لأن هذا الرجل لم يعمد إلى معصية الله ورسوله ﷺ بقطع الفريضة، ولكنه قطعها ليأتي بها على وجه أكمل فهو لمصلحة الصلاة في الواقع، فلهذا قال العلماء في مثل هذه الحال له أن يقطعها لما هو أفضل. وربما يستدل لذلك بقصة الرجل الذي أتى النبي ﷺ في مكة وقال: يا رسول الله «إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي ركعتين في بيت المقدس، قال: صلِّ هاهنا، فأعاد عليه مرتين أو ثلاثاً، فقال: شأنك» (١)، فأذن له بالصلاة في مكة؛ لأنها أفضل، وإن كان ذهابه لبيت المقدس فيه نوع من المشقة والتعب، ولكن تَقَصُّد التعبِ في العبادة ليس بمشروع لقوله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧]، لكن إذا كانت العبادة لا تأتي إلا بالتعب كانت أفضل، وهذه مسألة ينبغي للإنسان أن ينتبه لها، وهي هل تقصد التعب في العبادة أفضل أم الراحة؟ الجواب الراحة أفضل، لكن لو كانت العبادة لا تأتي إلا بالتعب والمشقة كان القيام بها مع التعب والمشقة أعظم أجراً؛ ولهذا قال النبي ﷺ فيما يرفع الله به الدرجات ويكفر به الخطايا:

стр. 2522

«إسباغ الوضوء على المكاره» (١)، ولكن لا نقول للإنسان إذا كان يمكنك أن تسخن الماء، فالأفضل أن تذهب إلى الماء البارد ولا تسخنه لا نقول هذا، ما دام الله يسر عليك، فيسر على نفسك. قوله: «ولا يلزم في النفل» أي: لا يلزم الإتمام في النفل؛ ودليل ذلك: أن النبي ﷺ دخل على أهله ذات يوم فقال: «هل عندكم شيء؟ قالوا: نعم عندنا حيس، قال: أرينيه ـ يقوله لعائشة ـ فلقد أصبحت صائماً، فأرته إياه فأكل» (٢) وقال: «إنما مثل الصوم أو قال صوم النفل كمثل الصدقة يخرجها الرجل من ماله فإن شاء أمضاها وإن شاء ردها» (٣) وهذا الصوم نفل، فقطعه النبي ﷺ وأكل، فدل هذا على أن النفل أمره واسع للإنسان أن يقطعه، ولكن العلماء يقولون: لا ينبغي أن يقطعه إلا لغرض صحيح. ومنه إذا دعيت إلى وليمة وأنت صائم فإنك تدعو ولا تأكل لكن إن جبرت قلب صاحبك فإنك تأكل، ومعنى ذلك أنك ألغيت الصوم لكن خروجك من الصوم هنا لغرض صحيح، وهو جبر قلب أخيك المسلم.

стр. 2523

ولو أن رجلاً واعد جماعة في مسجد، ثم حضر إلى المسجد فإذا هم لم يحضروا فقام يصلي نفلاً فحضروا فله أن يقطع النفل، ومثله رجل عيَّن دراهم معينة لفلان الفقير، يريد أن يتصدق بها عليه، فيجوز أن يعدل عن ذلك ما دام أنه لم يقبضها الفقير فهي ملكه، إن شاء أمضاها وإن شاء لم يمضها. وبهذا نعرف خطأ ما يفعله بعض العامة، يكون قد اعتاد أن يؤدي فطرته لشخص معين، فيحجزها له حتى إنه في بعض الأحيان يفوت وقت الدفع وهو حاجزها له، فنقول: حتى لو نويتها لفلان فإذا جاء وقت الدفع فعليك أن تدفعها إلى غيره. واستدلوا لقولهم بالآتي: ١ ـ بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]. ٢ ـ أن النبي ﷺ قال لعبد الله بن عمرو ﵄: «لا تكن مثل فلان كان يقوم من الليل فترك قيام الليل» (١) فإذا كان النبي ﷺ انتقده لترك قيام الليل، فكيف بمن تلبس بالنافلة فإنّ انتقاده إذا تركها من باب أولى؟ ولهذا نقول للإنسان إذا شرع في النافلة: لا تقطعها إلا لغرض صحيح. وهل من الغرض الصحيح إذا دخل في صلاة النافلة، فنادته أمه أن يرد عليها، فيقطع الصلاة؟

стр. 2524

الجواب: فيه تفصيل: إذا كانت الأم إذا علمت أنه في صلاة فلا ترضى أن يقطعها، بل تحب أن يمضي في صلاته، فهنا لا يقطعها؛ لأنه لو قطع الصلاة، وقال لأمه: أنا قطعت الصلاة من أجلك، قالت: لِمَ قطعتها؟ أما إذا كانت ممن لا يعذر في مثل هذه الحال؛ لأن بعض النساء، لا يعذرن في مثل هذه الحال، ففي هذه الحال نقول: اقطعها. أما لو ناداه الرسول ﷺ وهذه المسألة لا ترد الآن، لكن فرضها نظرياً وعلمياً، فيجب عليه أن يقطع الصلاة لقول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]. ولكن لو قال قائل: إن الآية فيها ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ فلا بد أن نعلم أنه دعانا لشيء ينفعنا؟ فالجواب: أن هذا القيد ليس قيد احتراز، ولكنه قيد لبيان الواقع، فإن رسول الله ﷺ لا يدعونا إلا لما فيه حياتنا، ومثل هذا القيد أعني القيد الذي لبيان الواقع، يكون كالتعليل للحكم فكأنه قال هنا؛ لأنه لا يدعوكم إلا لما يحييكم. قوله: «ولا قضاء فاسده» أي: لو فسد النفل فإنه لا يلزمه القضاء، مثال ذلك: رجل صام تطوعاً ثم أفسد الصوم بأكل، أو بشرب، أو جماع، أو غير ذلك، فإنه لا يلزمه القضاء، لأنه لو وجب القضاء

стр. 2525

لوجب الإتمام، فإذا كان لا يجب الإتمام؛ فإنه لا يجب القضاء من باب أولى. وإن شرع في صوم منذور، فهل يجوز قطعه؟ الجواب: لا؛ لأنه واجب، فإن قطعه لزمه القضاء. إِلاَّ الحَجَّ وَتُرْجَى لَيْلَةُ القَدْرِ فِي العَشْرِ الأواخِرِ مِنْ رَمَضان وأوتاره آكد. وَلَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ أبلَغُ ويَدْعُوا فِيها بِمَا وَرَدْ. قوله: «إلا الحج» أي: إلا الحج فإنه يلزمه إتمامه، ولو كان نفلاً، ويجب قضاء فاسده، ولو كان نفلاً لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وهذه الآية نزلت قبل فرض الحج؛ لأنها نزلت في السنة السادسة في الحديبية، والحج إنما فرض في السنة التاسعة أو العاشرة، ومع هذا أمر الله بإتمامهما مع أنهما نفل لم يفرضا بعد، ودلت السنة على وجوب قضائه. والحكمة من ذلك أن الحج والعمرة لا يحصلان إلا بمشقة، ولا سيما فيما سبق من الزمن، ولا ينبغي للإنسان بعد هذه المشقة أن يفسدهما؛ لأن في ذلك خسارة كبيرة، بخلاف الصلاة، أو الصوم، أو ما أشبه ذلك. وقوله: «إلا الحج» لم يذكر المؤلف العمرة، فهل هذا من باب الاكتفاء، أو هناك قول آخر بأن العمرة لا يلزم إتمامها. الجواب: الظاهر أنه من باب الاكتفاء، والعمرة تسمى حجاً أصغر كما في حديث عمرو بن حزم المشهور المرسل الذي تلقته الأمة بالقبول وفيه: «العمرة الحج الأصغر» (١) وعليه فالعمرة مثل الحج إذا شرع في نفلها لزمه الإتمام، وإن أفسده لزمه القضاء.
следующие страницы →