وحديث ابن عباس ﵄ متأخر؛ لأن حديث ابن عمر ﵄ كان في المدينة قبل أن يسافر النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ إلى الحج، وحديث ابن عباس كان في عرفة بعد.
أيضاً الذين حضروا كلام الرسول ﵊ في عرفة أكثر من الذين حضروا في المدينة، ولو كان القطع واجباً لم يؤخر النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ البيان عن وقت الحاجة، وعليه فلا يكون هذا من باب حمل المطلق على المقيد؛ لأن حمل المطلق على المقيد فيما لو تساوت الحالان، حال المطلق وحال المقيد، فحينئذٍ نحمل المطلق على المقيد، أما مع اختلاف الحال فلا يمكن أن يحمل المطلق على المقيد، وهذا هو الصحيح.
مسألة: هل يلحق ما كان في معنى هذه الخمسة التي حصرها الرسول ﷺ بها؟
الجواب: نعم يلحق بها ما كان في معناها، فمثلاً: القميص يشبهه الكوت الذي يلبس على الصدر، فيلحق به، فلا يجوز أن يلبسه المحرم، وكذا القباء ثوب واسع له أكمام مفتوح الوجه؛ لأنه يشبه القميص، لكن لو طرح القباء على كتفيه دون أن يدخل كميه، فهل يعدُّ هذا لبساً؟ الصحيح أنه ليس بلبس؛ لأن الناس لا يلبسونه على هذه العادة.
«والبرانس» يلحق بها العباءة، فإن العباءة تشبه البرنس من بعض الوجوه، فلا يجوز للإنسان أن يلبس العباءة بعد إحرامه
стр. 2697
على الوجه المعروف، أما لو لفها على صدره كأنها رداء، فإن ذلك لا بأس به.
«والسراويل» يلحق بها التُّبان، والتبان عبارة عن سراويل قصيرة الأكمام، أي: لا تصل إلا إلى نصف الفخذ، لأنه في الواقع سراويل لكن كمه قصير، ولأنها تلبس عادة كما يلبس السراويل.
إذاً نلحق بهذه الخمسة ما يشبهها، وما عدا ذلك فإننا لا نلحقه.
مثاله: لو أن الرجل عقد الرداء على صدره فليس حراماً؛ لأن الرداء وإن عقد لا يخرج عن كونه رداء، ولو شبكه بمشبك فهل يُعد هذا لبساً؟
الجواب: لا يعد لبسا، بل هو رداء مشبك، لكن بعض الناس توسعوا في هذه المسألة، وصار الرجل يشبك رداءه من رقبته إلى عانته، فيبقى كأنه قميص ليس له أكمام، وهذا لا ينبغي.
أما إذا زرَّه بزر واحد من أجل ألا يسقط، ولا سيما عند الحاجة، كما لو كان هو الذي يباشر العمل لأصحابه، فهذا لا بأس به.
مسألة: لو لبس الإنسان ساعة في يده، فهل تلحق بالخمسة التي ذكرها الرسول ﷺ ؟.
الجواب: لا تلحق، وأشبه ما تكون بالخاتم، والخاتم جائز لا إشكال فيه.
стр. 2698
مسألة: لو لبس في عينيه نظارة جاز؛ لأنها لا تدخل في هذه الأشياء الخمسة لا لفظاً ولا معنى.
ولو وضع في أذنه سماعة جاز إذ ليست داخلة في هذه الخمسة لا لفظاً ولا معنى.
ولو وضع في فمه تركيبة أسنان جاز.
ولو لبس حذاءً مخروزاً فيه خيوط جاز؛ لأنه ليس خفاً بل هو نعل مخروز، وهو بخرازته لم يخرج عن كونه نعلاً، وهذا يؤيد ما قلنا، وهو أن المحافظة على اللفظ النبوي أولى من أن نقول: المُحَرَّم لبس المخيط؛ لأن كثيراً من العامة يسألون عن النعال المخروزة، يقولون فيها خيوط.
ولو تقلد الإنسان بسيف أو سلاح جاز؛ لأنه لا يدخل فيما نص عليه الرسول ﷺ لا لفظاً ولا معنى.
ولو ربط بطنه بحزام جاز، ولو علق على كتفه قربة ماء جاز أو وعاء نفقة جاز.
المهم أن الرسول ﷺ عد ما يحرم عدًّا، فما كان بمعناه ألحقناه به، وما لم يكن بمعناه لم نُلحقه به، وما شككنا فيه فالأصل الحل، ومما نشك فيه الإزار المخيط، فبعض الناس يلبس إزاراً مخيطاً، أي: لا ينفتح، ثم يلفه على بدنه ويشده بحبل، فهل نقول: إن هذا جائز، أو أنه يشبه القميص أو السراويل؟.
نقول: إنه جائز؛ لأنه لا يشبه القميص ولا السراويل، فالسراويل لكل قدمٍ كمٌّ، والقميص في أعلى البدن، ولكل يدٍ كُمٌّ
стр. 2699
ـ أيضاً ـ، وبهذا خرج عن مشابهة السراويل والقميص فكان لا بأس به، ويستعمله بعض الناس الآن؛ لأنه أبعد عن انكشاف العورة، فنقول: ما دام يطلق عليه اسم إزار فهو إزار، ويكون حلالاً.
وقوله: «إن لبس ذكرٌ مخيطاً فدى»، خرج بذلك الأنثى، فلها أن تلبس ما شاءت، فليس لها ثياب معينة للإحرام، إلا أنه لا يجوز أن تلبس ما يكون تبرجاً وزينة؛ لأنها سوف تكون أمام الناس في الطواف والسعي.
مسألة: هل يحرم عليها شيء من اللباس؟
الجواب: نعم يحرم عليها: القفازان، والنقاب.
فالقفازان: لباس اليدين وهما معروفان.
والنقاب: لباس الوجه، وهو أن تستر المرأة وجهها وتفتح لعينيها بقدر ما تنظر منه، ولم يرد عن النبي ﷺ أنه حرم على المحرمة تغطية وجهها، وإنما حرم عليها النقاب فقط؛ لأنه لباس الوجه وفرق بين النقاب وبين تغطية الوجه، وعلى هذا فلو أن المرأة المحرمة غطت وجهها، لقلنا: هذا لا بأس به، ولكن الأفضل أن تكشفه ما لم يكن حولها رجال أجانب، فيجب عليها أن تستر وجهها عنهم.
مسألة: هل يحرم عليها الجوارب؟
الجواب: لا، فالجوارب حرام على الرجل خاصة لأنها كالخفين.
وهل يحرم على الرجل القفازان؟
стр. 2700
نعم يحرم عليه القفازان، وبعضهم حكى في ذلك الإجماع، وقالوا: إن النبي ﷺ منع المحرم من لبس ما يختص بالقدم، فكذلك لبس ما يختص باليد، وهي مصنوعة على هيئة أحد الأعضاء، لكن النبي ﷺ لم يذكرها فيما يتجنبه المحرم؛ لأنه ليس من عادة الرجال أن يلبسوا القفازين؛ ولهذا لما كان من عادة النساء أن تلبس القفازين، قال في المرأة: «ولا تلبس القفازين» (١).
وظاهر كلام المؤلف أن لبسه حرام، سواء طال الوقت أم قصر، وهو كذلك، وبناءً على هذا لو أن رجلاً لبس القميص والسراويل بناءً على أنه حل من إحرامه، وتبين أنه لم يحل، فإن عليه أن ينزعه في الحال.
مثال ذلك: رجل أتى بعمرة، فطاف وسعى، ثم لبس القميص والسراويل، ثم ذكر أنه لم يقصر أو لم يحلق، نقول له: يجب فوراً أن تغير الملابس؛ لأنك لا تزال على إحرامك، والمحرم لا يجوز أن يلبس القميص ولا طرفة عين، لكن يؤجل بقدر العادة، فلا نقول ـ مثلاً ـ: إذا كنت في مسجد عليك أن تجري أمام الناس، أو تسرع في السيارة، ونحو ذلك.
وهل إذا أراد خلع القميص يخلعه من أعلى، أو من أسفل إذا كان الجيب واسعاً، أو يشقه؟ ثلاثة احتمالات:
الجواب: من أسفل، وهذا لا يكون إلا إذا كان الجيب
стр. 2701
واسعاً؛ لأنه إذا خلعه من أعلى، فإنه يلزم من ذلك أن يغطي رأسه، والمحرم لا يغطي رأسه.
فلذلك قال بعض العلماء: إذا أراد خلع القميص الذي أحرم به، فإنه يخلعه من أسفل إن اتسع الجيب، وإلا شقه ولا يجوز أن يخلعه من فوق؛ لأنه إذا فعل فقد غطى رأسه.
ولكن هذا القول ضعيف؛ لأن شق القميص إفساد له، والنبي ﷺ نهى عن «إضاعة المال» (١)؛ ولأن التغطية هنا غير مقصودة، فهي كما لو حمل عفشه على رأسه، وحَمْل العفش يكون أطول غالباً، وهذا لحظة من الزمن.
فالصواب أنه يخلعه خلعاً عادياً، ولا يحتاج إلى أن يشقه، ولا أن ينزله من أسفل.
مسألة: لو لم يجد المحرم إزاراً فما الحكم؟
الجواب: ذكر النبي ﷺ أنه إذا لم يجد إزاراً يلبس السراويل، فإذ لبس السراويل، هل تلزمه الفدية؟
لا تلزمه؛ لأنه بدل شرعي وكذلك الخفاف، أما إذا لم يجد رداءً فيبقى على ما هو عليه؛ لأنه يجوز للإنسان أن يبقى متزراً بين الناس، ويجوز أن يبقى متزراً حال الصلاة، وهو ليس في ضرورة إلى الرداء.
فإذا قال: أنا لا أستطيع أن أبقى مكشوف الصدر والظهر؛
стр. 2702
لأنه يلحقني في ذلك مشقة لا أحتملها، أو أخاف من المرض إذا كانت الأيام باردة؟
نقول: إذاً البس القميص إذا كان لا يمكنك أن تتلفَّف به وأخرج فدية؛ لأن الإنسان إذا احتاج لفعل المحظور فعله وفدى، كما في حديث كعب بن عجرة ﵁ (١).
وَإِنْ طَيَّبَ بَدَنَه، أَو ثَوْبَهُ، أَوْ ادَّهَنَ بِمُطيَّبٍ، أَوْ شَمَّ طِيباً، أَوْ تَبَخَّرَ بِعُوْدٍ وَنَحْوِهِ فَدَى،
قوله: «وإن طيب بدنه أو ثوبه»، هذا هو المحظور الخامس من المحظورات وهو الطيب، وليس كل ما كان زكي الرائحة يكون طيباً، فالطيب ما أعد للتطيب به عادة، وعلى هذا فالتفاح والنعناع وما أشبه ذلك مما له رائحة زكية تميل إليها النفس لا يكون طيباً، إنما الطيب ما يستعمل للتطيب به كدهن العود والمسك والريحان والورد وما أشبه ذلك، هذا لا يجوز للمحرم استعماله.
والدليل على ذلك: أن النبي ﷺ قال: «لا تلبسوا ثوباً مسه الزعفران أو الورس» (٢)، والزعفران طيب.
لكن قد يقول قائل: الزعفران أخص من كونه طيباً؛ لأنه طيبٌ ولون، ونحن نقول إن الطيب بأي نوع كان يحرم على المحرم.
وجوابه: أن النبي ﷺ قال في الذي وقصته ناقته في عرفة:
стр. 2703
«لا تحنطوه»، وتحنيط الميت أطياب مجموعة تجعل في مواضع من جسمه، وهذا عام لكل طيب، وقال: «فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً» (١)، وهذا دليل على أن المحرم لا يجوز استعماله للطيب.
ويستدل بهذا الحديث على مسائل عديدة، وهو من آيات الله أن تقع حادثة لواحد من الصحابة، تؤخذ منها أحكام عديدة، أحكام في الحياة، وأحكام في الموت، وهذا من بركته ﷺ أن الله يبارك في علمه، وقد أخذ ابن القيم من هذا الحديث اثنتي عشرة مسألة، وفيه أكثر مما ذكر عند التأمل.
وفيه دليل على حكمته وأن قدره الذي يكون مصيبة، قد يكون نعمة ومنحة من ناحية أخرى، فهذا الذي وقصته راحلته أصيب بمصيبة لكن حصل منها من الفوائد ما لا يعلمه إلا الله .
والحكمة من تحريم الطيب على المحرم، أن الطيب يعطي الإنسان نشوة، وربما يحرك شهوته ويلهب غريزته، ويحصل بذلك فتنة له، والله تعالى يقول: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ثم إنه قد ينسيه ما هو فيه من العبادة فلذلك نهي عنه.
والطيب هنا يشمل الطيب في رأسه، وفي لحيته، وفي صدره، وفي ظهره، وفي أي مكان من بدنه، وفي ثوبه أيضاً.
قوله: «أو ادهن بمطيَّب» أي: مسح على جلده بدهن فيه
стр. 2704
طيب، فإنه لا يجوز؛ لأن ذلك سوف يعلق به وتبقى رائحته.
هذا بشرط أن يكون هذا الذي ادهن به قد ظهر فيه رائحة الطيب.
بقي النظر إلى أن بعض الصابون له رائحة؟ هل هي طيب أم هي من الرائحة الزكية؟ الظاهر الثاني؛ ولهذا لا يعد الناس هذا الصابون طيباً، فلا تجد الرجل إذا أراد أن يتطيب يأتي بالصابون يمره على ثوبه، لكنها لما كانت تستعمل في الأيدي للتطهر بها من رائحة الطعام، جعلوا فيها هذه الرائحة الزكية، فالذي يظهر لي أن هذا الصابون الذي فيه رائحة طيبة لا يعد من الطيب المحرم.
قوله: «أو شم طيباً»، أي: تقصَّد شم الطيب، فإنه يحرم عليه ذلك، ولكن هذه المسألة، وهي شم الطيب في تحريمها نظر؛ لأن الشم ليس استعمالاً.
ولهذا قال بعض العلماء: إنه لا يحرم الشم، لكن إن تلذذ به فإنه يتجنبه خوفاً من المحذور الذي يكون بالتطيب، أما شمه ليختبره مثلاً هل هو طيب جيد، أو وسط، أو رديء، فهذا لا بأس به.
وهذه المسألة لها ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن يشمه بلا قصد.
الحال الثانية: أن يتقصد شمه، لكن لا للتلذذ به أو الترفه به، بل ليختبره، هل هو جيد أو رديء؟
الحال الثالثة: أن يقصد شمه للتلذذ به، فالقول بتحريم
стр. 2705
الثالثة وجيه، وهذه فيها خلاف: فقال بعض العلماء: إن شم الطيب ليس حراماً، ولا شيء فيه؛ لأنه لم يستعمله، والنبي ﷺ قال: «ولا تحنطوه» (١)، وقال: «لا تلبسوا ثوباً مسه زعفران ولا ورس» (٢)، والشم لا يؤثر في الثوب ولا البدن.
وأما القول بتحريم الثانية فغير وجيه، بل الشم جائز، أما الأولى فلا تحرم، قولاً واحداً، ومن ذلك ما يحصل للإنسان إذا كان يطوف فإنه يشم رائحة الطيب الذي في الكعبة، وقد رأينا بعض الناس يصبون الطيب صباً على جدار الكعبة، ومثل هذا لا بد أن يفوح له رائحة، ولكن لا يؤثر على المحرم.
ونحن نرى أن الذين يضعون الطيب في الحجر الأسود قد أخطأوا؛ لأنهم سوف يحرمون الناس من استلام الحجر الأسود، أو يوقعونهم في محظور من محظورات الإحرام، وكلاهما عدوان على الطائفين.
فيقال لهم: إذا أبيتم إلا أن تطيبوا الكعبة، فلا تجعلوا الطيب في مشعر من مشاعر الطواف، اجعلوه في جوانب الكعبة، أما أن تجعلوه في مكان يحتاج المسلمون إلى مسحه وتقبيله، فهذا جناية عليهم؛ لأنهم إما أن يدعوا المسح مع القدرة عليه، وإما أن يقعوا في المحظور، فعلى طالب العلم أن ينبه هذا الذي احتسب بنيَّته، وأساء بفعله أنه قد أخطأ؛ لأن من قبَّلَ الحجر أو مسحه وأصابه طيب، وقيل له: اغسله، يكون فيه أذى شديد عليه، خصوصاً مع الزحام.
стр. 2706
مسألة: القهوة التي فيها زعفران، هل يجوز للمحرم أن يشربها؟
الجواب: إذا بقيت الرائحة لا يشربها المحرم، وإذا لم تبق وإنما مجرد لون فلا بأس؛ لأنه ليس فيها طيب.
قوله: «أو تبخر بعود ونحوه فدى»، أي: إذا تبخر بعود ونحوه مما يتبخر به للتطيب حرم عليه ذلك، ويفدي، وسبق بيان الفدية.
وَإِنْ قَتل صيداً مأكولاً بَرِّياً أَصْلاً وَلَوْ تَوَلَّدَ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ، أَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ، ....
قوله: «وإن قتل صيداً مأكولاً»، هذا هو السادس من محظورات الإحرام.
وقد ذكر المؤلف ﵀ أوصاف الصيد المحرم في الإحرام فقال: «مأكولاً» وهذا هو الوصف الأول، فإن كان غير مأكول فليس قتله من محظورات الإحرام، ولكن هل يقتل أو لا يقتل؟
الجواب: ينقسم ذلك إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما أمر بقتله.
الثاني ما نهي عن قتله.
الثالث: ما سكت عنه.
فأما ما أمر بقتله، فإنه يقتل في الحل والحرم والإحرام والإحلال، مثل الخمس التي نص عليها الرسول ﷺ بقوله: «خمس من الدواب كلهن فواسق يقتلن في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب
стр. 2707
العقور» (١)، ومنه الحية، والذئب، والأسد، وما أشبهها؛ لأن نص الرسول ﷺ على هذه الخمسة يتناول ما في معناها أو أشد منها.
الثاني: ما نهي عن قتله، مثل: النملة، والنحلة، والهدهد، والصُّرَد. فلا تقتل لا في الحل ولا في الحرم.
فالنملة: معروفة، ومنه الصغار والكبار، والمعروف لا يعرَّف؛ لأنك إذا عرَّفت المعروف صار نكرة.
والنحلة: معروفة وهي التي يخرج من بطونها العسل وقد قيل:
تقول هذا مجاج النحل تمدحه
وإن تشأ قلت ذا قيء الزنابير
الهدهد: معروف.
والصُّرَد: طائر صغير فوق العصفور منقاره أحمر، ويعرفه أهل الطيور.
الثالث: ما سكت عنه فلم يؤمر بقتله ولم ينه عنه، فإن آذى ألحق بالمأمور بقتله؛ لأن المؤذي يقتل دفعاً لأذيته، وإن لم يؤذ فهو محل توقف.
فأجاز بعضهم قتله؛ لأن ما سكت عنه الشارع فهو مما عفا عنه.
وكرهه بعضهم؛ لأن الله خلقه لحكمة، فلا ينبغي أن تقتله، وهذا هو الأولى.
стр. 2708
قوله: «برياً» هذا هو الوصف الثاني، وهو الذي يعيش في البر دون البحر؛ لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] وضده البحري، والبحري: ما لا يعيش إلا في الماء.
وأما ما يعيش في البر والبحر فإلحاقه بالبري أحوط، لأنه اجتمع فيه جانب حظر، وجانب إباحة، فيغلب جانب الحظر.
مسألة: إذا صاد السمك داخل حدود الحرم، كأن تكون بحيرة في مكة فيها أسماك، فهل يجوز؟
الصحيح أنه لا يحرم، وإن كان الفقهاء ﵏ قالوا إنه حرام، والصحيح أنه حلال؛ لأن المحرَّمَ صيد البر.
قوله: «أصلاً» أي: أن أصله بري، ومراده أن يكون متوحشاً وإن استأنس، فمثلاً: الأرنب صيد مأكول بري أصلاً، والأرنب المستأنسة كالأرنب المتوحشة؛ لأن أصلها متوحش فيحرم على المحرم قتلها.
والحمامة أصلها وحشي، وعلى هذا فنعتبر الأصل.
والدليل على هذا من القرآن، قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] الآية، فجعل إتلاف الصيد قتلاً، ولو صيد على وجه شرعي؛ لأنه ميتة.
والصيد هو ما جمع هذه الأوصاف الثلاثة السابقة.
والدليل من السنة أن الصعب بن جثامة ﵁ لما نزل به النبي ﷺ ضيفاً في طريقه إلى مكة في حجة الوداع، وكان الصعب عداءً سبوقاً صياداً، فذهب وصاد حماراً وحشياً،
стр. 2709
وجاء به إلى الرسول ﷺ ، رده النبي ﷺ فتغير وجه الصعب فعرف النبي ﷺ ما في وجهه فقال: «إنا لم نرده عليك إلا أنا حُرُم» (١).
والمحرم إذا صيد الصيد من أجله فالصيد عليه حرام، لكن لم يمنع النبي ﷺ الصعب من أكله؛ لأن الصعب صاده وهو حلال، وصيد الحلال حلال.
قوله: «ولو تولد منه ومن غيره»، أي: لو تولد الصيد من الوحشي والإنسي أو من المأكول وغيره، فإنه يكون حراماً.
مثل: لو تولد شيء من صيد بري متوحش، وصيد بري غير متوحش، فإنه يكون حراماً؛ للقاعدة المشهورة: «أنه إذا اجتمع في شيء مبيح وحاظر، ولم يتميز المبيح من الحاظر، فإنه يغلب جانب الحاظر»؛ لأنه لا يمكن اجتناب المحظور إلا باجتناب الحلال، فوجب الاجتناب.
قوله: «أو تلف في يده» معطوف على «قتل»، أي: وإن قتل الصيد أو تلف في يده فعليه جزاؤه.
أي: إذا كان في يده صيد مشتمل على الأوصاف الثلاثة وهي أن يكون برياً مأكولاً متوحشاً، ولم يقتله، لكن أصيب هذا الصيد بمرض من الله ، وتلف فإنه يضمنه؛ لأنه يحرم عليه إمساكه.
وظاهر كلام المؤلف أنه يحرم عليه إمساكه، ولو كان قد ملكه قبل الإحرام.
стр. 2710
ولكن الصواب أن الصيد الذي في يد المحرم، إن كان قد ملكه بعد الإحرام فهو حرام، ولا يجوز له إمساكه.
وإن كان قد ملكه قبل الإحرام وأحرم وهو في يده، فهو ملكه، وملكه إياه تام، والمذهب أنه يجب عليه إزالة يده المشاهدة.
مثاله: صاد في قرن المنازل أرنباً قبل الإحرام، فأحرم والأرنب معه، فنقول: يلزمك إطلاقها؛ لأنه لا يمكن أن يبقي يده المشاهدة على صيد وهو محرم، ولا يزول ملكه عنها، فلو أن أحداً أخذها، ثم حلَّ صاحبها من الإحرام فإنها ترجع عليه ويأخذها.
أما إذا صادها بعد أن أحرم، فعليه إطلاقها، ولا تدخل في ملكه أصلاً؛ لأن المحرم يحرم عليه صيد البر الذي يجمع الأوصاف الثلاثة السابقة.
قوله: «فعليه جزاؤه» ظاهره: أن عليه جزاءه سواء تلف بتعد منه أو تفريط أو لا، وهو كذلك؛ لأن إبقاء يده عليه محرَّم. فيكون كالغاصب، والغاصب يضمن المغصوب بكل حال، فهذا يضمنه بكل حال.
وقوله: «فعليه جزاؤه» سيأتي جزاء الصيد مفصلاً في كلام المؤلف.
وَلَا يَحْرمُ حيوانٌ إِنسيٌّ وَلَا صيدُ البَحْرِ، ولَا قَتْلُ مُحَرَّمِ الأكْلِ، وَلَا الصائِلِ ....
قوله: «ولا يحرم حيوان إنسي»، شرع المؤلف في ذكر المفهوم في كلامه السابق.
فقوله: «ولا يحرم حيوان إنسي» هذا مفهوم قوله: «بري
стр. 2711
أصلاً» مثل الإبل، والبقر، والغنم، والدجاج، كل هذه لا تحرم، وعموم كلامه أنه لا يحرم ولو توحش، أي: لو أن الدجاجة هربت من أهلها وصارت متوحشة، لا يمكن أن تستأنس بالآدمي، ثم لحقها وأمسكها فهي حلال اعتباراً بالأصل.
ومثل ذلك: إذا ندت البعير، وتوحشت، وصارت كالظباء لا يمكن إمساكها، ثم أدركها وهو محرم وقتلها رمياً فهي حلال؛ اعتباراً بالأصل.
قوله: «ولا صيد البحر»، أي: لا يحرم صيد البحر على المحرم؛ لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، فإذا أحرم من رابغ مثلاً ومرَّ بسيف البحر، وصاد سمكاً فليس حراماً.
قوله: «ولا قتل محرم الأكل» كالهر، فالهر محرم الأكل، فلو أن محرماً قتله فليس عليه جزاء؛ والعلة في ذلك أنه لا قيمة له وليس بصيد، فلا يدخل تحت قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦].
قوله: «ولا الصائل» أي: ولا يحرم على المحرم قتل الصائل أي: لو صال عليك غزال وخفت على نفسك ودافعته، وأبى أن ينصرف فقتلته فلا شيء عليك؛ لأنك دفعته لأذاه، وكل مدفوع لأذاه فلا حرمة له، وكل ما أبيح إتلافه لصوله، فإنه يدافع بالأسهل فالأسهل، فإذا أمكن دفعه بغير القتل دفع، وإلا قتل.
ومن فروع هذه القاعدة: لو نزلت شعرة بعينه، أي: نبتت في الجفن من الداخل وصارت تؤذي عينه وأزالها بالمنقاش،
стр. 2712
وقلنا: بأن تحريم إزالة الشعر على المحرم عام لجميع البدن، فإن ذلك لا شيء فيه، وكذا لو انكسر ظفره وصار يؤذيه كلما مسه شيء آلمه، فقص المنكسر، فلا شيء عليه؛ لأنه دفعه لأذاه.
مسائل:
الأولى: ما قتل لدفع أذاه هل يكون حلالاً؟
الجواب: إن قتل قتلاً دون ذكاة شرعية فهو حرام، لكن إن ذكي ذكاة شرعية، كما لو كان جملاً وضربه في نحره وأنهر الدم وسمى الله فهو حلال؛ لأنه قصد التذكية مع الدفاع عن نفسه، لكن لو غاب عن ذهنه قصد التذكية ولم يقصد إلا الدفاع عن نفسه فحينئذٍ يكون حراماً، ولهذا ينتبه لهذه المسألة فلا بد من قصد التذكية، فلو أرسلت سكيناً هكذا على شيء من الأشياء فأصابت شاة مع مذبحها وأنهرت الدم هل تحل؟ الجواب: لا.
ولهذا كانت ذكاة المجنون غير صحيحة؛ لأنه ليس عنده قصد، وذكاة السكران غير صحيحة، فلا بد من القصد.
الثانية: المحرم لو صاد الصيد في حال تحريمه عليه فليس له أكله؛ لأنه محرم لحق الله.
ولو غصب شاة من شخص وذبحها، هل يحرم أكلها؟ فيه قولان:
القول الأول: يحرم، قياساً على صيد المحرم.
القول الثاني: لا يحرم؛ لأن هذا يضمن لصاحبه بالقيمة، أو بالمثل، لكنه آثم، وهو الصحيح.
الثالثة: المحرم إذا قتل الصيد فهو حرام عليه وعلى غيره؛ لأنه بمنزلة الميتة.
стр. 2713
الرابعة: لو اضطر إلى الأكل فذبح الصيد لذلك، فهل يحل؟
الجواب: نعم يحل؛ لأنه لا تحريم مع الضرورة لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، فلو أن محرماً خاف أن يهلك من الجوع، ولم يبق عليه إلا أن يموت أو يقتل هذه الغزالة أو الأرنب، فله صيدها، وإذا صادها فهي حلال، وهل هي حرام يأكل منها بقدر الضرورة فقط، أو حلال ويتزود منها؟
الجواب: هي حلال ويتزود منها؛ لأنه لما حل قتلها لم يؤثر الإحرام فيها شيئاً، وقد أبيح قتلها للضرورة فكانت حلالاً، لأن الآدمي أكرم عند الله من الصيد.
الخامسة: ما شارك فيه المحرم غيره، بمعنى أن هذا الصيد قتله رجلان أحدهما محرم، والثاني غير محرم، فهل يحرم على المحرم وحده دون المحل، أو عليهما جميعاً؟
الجواب: يحرم عليهما جميعاً؛ لأنه لا يمكن اجتناب الحرام إلا باجتناب الحلال، حيث إن الحرام لم يتميز.
السادسة: إذا دل أو أعان حلالاً على الصيد؟
قال العلماء: يحرم على المحرم الدال أو المُعِين دون غيره.
مثال الدال: جماعة يمشون فالتفت محرم منهم، فنظر فقال للمحل: انظر الصيد، فذهب المحل فصاده، فهو حرام على المحرم الدال فقط؛ لأنه دل عليه، أما غيره فلا يحرم عليه.
стр. 2714
ومثال الإعانة: رأى المحل صيداً فركب فرسه ليصطاده، ولكنه نسي السهم في الأرض، فقال للمحرم: ناولني السهم فناوله إياه، فذهب فصاده، فإنه يحرم على المحرم الذي أعانه فقط، أما غيره فلا يحرم عليه.
السابعة: إذا صاد المحل صيداً وأطعمه المحرم، فهل يكون حلالاً للمحرم؟
الجواب: قال بعض العلماء: إنه حرام على المحرم، واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، قالوا: هذا صيد بر، فيحرم على المحرم ولو كان الذي قتله حلالاً.
وبحديث الصعب بن جثامة، حين صاد حماراً وحشياً فجاء به إلى الرسول ﵊ فرده، وقال: «إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم» (١)، ولم يقل: إلا أنك صدته لنا.
وقولهم قوي بلا شك.
لكن الصحيح أنه يحل للمحرم (٢)، ومعنى قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾ [المائدة: ٩٦] أن «صيد» مصدر، أي: حرم عليكم أن تصيدوا صيد البر، وليس بمعنى مصيد، وهذا المحرم ليس له أثر في هذا الصيد، لا دلالة، ولا إعانة، ولا مشاركة، ولا استقلالاً، ولا صِيد من أجله.
ويؤيد ذلك قصة أبي قتادة ﵁ حين ذهب مع
стр. 2715
سرية له إلى سيف البحر عام الحديبية، فرأى حماراً وحشياً فركب فرسه، فنسي رمحه، وقال لأحد أصحابه: ناولني الرمح، قال: ما أناولك إياه أنا محرم فنزل وأخذه، فضرب الصيد، فجاء به إلى أصحابه فأطعمهم إياه، ولكن صار في قلوبهم شك حتى وصلوا إلى النبي ﷺ ، فسألوه فأذن لهم في أكله، مع أنهم حرم (١).
فيجمع بينه وبين حديث الصعب بن جثامة: بأن أبا قتادة ﵁ صاده لنفسه، وأن الصعب ﵁ صاده للنبي ﷺ ، وهذا الجمع أولى من النسخ؛ لأن بعض العلماء قال: إن حديث الصعب ناسخ؛ لأنه متأخر، وقد رده الرسول ﷺ ، وقال: «إنا حرم».
والصحيح أنه مع إمكان الجمع لا نسخ، والجمع هنا ممكن ويدل له ما أخرجه أهل السنن عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: «صيد البر حلال لكم ما لم تصيدوه أو يصد لكم» (٢).
فإذا قال قائل: أبو قتادة ﵁ معه قومه وصاد الحمار، فكيف يريده لنفسه ولم يصده لقومه؟!
стр. 2716
فالجواب: أن أبا قتادة ﵁ صاده لنفسه أصلاً، ولقومه تبعاً، هذا إن لم نتجاوز ونقول: إن أبا قتادة ﵁ غضب عليهم؛ لأنهم منعوه الرمح فصاده لنفسه، ولكن هذا بعيد لأنهم ما امتنعوا بخلاً بمعونتهم، لكن امتنعوا لسبب شرعي، فقالوا: إنا حرم لا نعطيك إياه، فلا أظن أبا قتادة ﵁ يكون في نفسه شيء عليهم، فيريد أن يختص بالصيد، ولكنه وقع في نفسه أنه صاده لنفسه وسيطعم أصحابه، بخلاف الذي لم يصد الحمار الوحشي إلا للرسول ﷺ . فبين القصدين فرق عظيم، وهذا الذي يكون به الجمع بين الأدلة.
وَيَحْرُمُ عَقْدُ نِكَاحٍ وَلَا يَصِحُّ، ..................
قوله: «ويحرم عقد نكاح»، أي على الذكور والإناث، هذا هو المحظور السابع من محظورات الإحرام.
ودليله قول النبي ﷺ : «لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب» (١).
وسواء كان المحرم الولي، أو الزوج، أو الزوجة، فالحكم يتعلق بهؤلاء الثلاثة.
أما الشاهدان فلا تأثير لإحرامهما، لكن يكره أن يحضرا عقده إذا كانا محرمين، فإن عقد النكاح في حق المحرم منهم حرام، فالأقسام كما يلي:
الأول: عقد مُحل على محرمة، فالنكاح حرام.
الثاني: عقد مُحرِم على مُحلة، فالنكاح حرام.
стр. 2717
الثالث: عقد ولي مُحرِم لمُحلٍّ ومُحلة، فالنكاح حرام.
فإن قال قائل: ثبت أن النبي ﷺ : «تزوج ميمونة وهو محرم» (١)، روى ذلك عبد الله بن عباس ابن أخت ميمونة ﵃ وهو عالم بحالها.
فالجواب: على ذلك من وجهين:
الأول: سبيل الترجيح.
الثاني: سبيل الخصوصية.
أما الأول: وهو سبيل الترجيح، فإن الراجح أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال لا حرام، والدليل على هذا أن ميمونة ﵂ نفسها روت أن النبي ﷺ تزوجها وهو حلال (٢)، وأن أبا رافع ﵁ السفير بينهما ـ أي؛ الواسطة بينهما ـ أخبر أن النبي ﷺ تزوجها وهو حلال (٣)، وعلى هذا فيرجح ذلك؛ لأن صاحب القصة، والمباشر للقصة أدرى بها من غيره.
فأما حديث ابن عباس ﵄ فجوابه أن يقال: إن ابن عباس ﵄ لم يعلم أن الرسول ﷺ تزوجها إلا بعد أن أحرم الرسول ﷺ ، فظن أن الرسول ﷺ تزوجها وهو
стр. 2718
محرم بناءً على علمه، وهذا الوجه قوي وواضح ولا إشكال فيه.
وأما الثاني: وهو الخصوصية، فإن من خصائص الرسول ﷺ أن يتزوج وهو محرم؛ لأنه أملك الناس لإربه، وغيره لو تزوج وهو محرم لدعته نفسه وشدة شهوته أن يتصل بامرأته، وربما جامعها، وله ﷺ في النكاح خصائص متعددة.
وهل حمله على الخصوصية أمر غريب بحيث لا نوافق عليه، أو نوافق؟
الجواب: ليس أمراً غريباً.
ولكن إذا تعارض التخصيص، أو الترجيح فأيهما أولى؟
الجواب: الترجيح أولى؛ لأن الأصل عدم الخصوصية.
فإذاً يكون مسلك الترجيح أولى، وهو أن الرسول ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال.
قوله: «ولا يصح»، الضمير في قوله: «لا يصح» يعود على العقد، أي: لو عُقِدَ على امرأة محرمة لزوج حلال فالنكاح لا يصح، ولو عقد لزوج محرم على امرأة حلال فالنكاح لا يصح، ولو عقد لرجل محل على امرأة محلة، والولي محرم لم يصح النكاح.
لأن النهي وارد على عين العقد، وما ورد النهي على عينه فإنه لا يمكن تصحيحه، إذ لو قلنا بتصحيح ما ورد النهي على عينه لكان هذا من المحادة لله ولرسوله ﷺ ؛ لأن ما نهى الشارع عنه إنما يريد من الأمة عدمه، فلو أمضي كان مضادة لله ولرسوله.
стр. 2719
مسائل:
الأولى: قول الرسول ﷺ : «لا ينكح المحرم ولا يُنكح» (١). ألا يدل على أنه يحل عقد النكاح بعد التحلل الأول ـ كما هو الرواية الثانية عن أحمد واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ؛ لأن المحرم بعد التحلل الأول لا يطلق عليه اسم المحرم الكامل؟
هذه المسألة تأتينا إن شاء الله وهي قوله ﷺ : «حل له كل شيء إلا النساء» (٢)، فهل المراد النساء وما يتعلق بهن كالخطبة والعقد، أو المراد الاستمتاع بالنساء؟ فالمسألة فيها قولان، ولكننا عملياً نقول لا تعقد النكاح حتى تتحلل تحللاً كاملاً، ولو فرض أنه وقع العقد بعد التحلل الأول، فهذه ربما نقول بقول شيخ الإسلام ابن تيمية والذي هو رواية عن الإمام أحمد لعظمة المشقة.
وبعد التأمل رأينا أن القول بأن عقد النكاح بعد التحلل الأول حرام فيه نظر من حيث الدليل؛ لأن قول الرسول (إلا النساء) فيه احتمال قوي أن المراد الاستمتاع بهن بجماع أو غيره خاصة وأن من تحلل التحلل الأول لا يطلق عليه أنه محرم إحراماً كاملاً.
الثانية: الخطبة الصحيح أنها حرام؛ لأن النهي فيها واحد مع العقد، وعموم الحديث: «ولا يخطب»، أنه لا يخطب تعريضاً ولا تصريحاً.
стр. 2720
الثالثة: لو عقد النكاح في حال الإحرام، ثم بعد الإحلال دخل الرجل بزوجته، وأنجبت منه أولاداً فلا بد من عقد جديد، ويكون وطؤه الأول وطئاً بشبهة، وأولاده أولاداً شرعيين، أي: ينسبون إليه شرعاً، كما أنهم منسوبون إليه قدراً.
وَلَا فِدْيَةَ وَتَصِحُّ الرَّجْعَةُ، ...................
قوله: «ولا فدية»، أي: ليس فيه فدية.
والدليل عدم الدليل، أي: أنه ليس هناك دليل يوجب الفدية، والأصل براءة الذمة، وعدم الوجوب.
وقال بعض العلماء: فيه الفدية، قياساً على اللباس، لأن ترفه الإنسان بالنكاح أشد من اللباس.
والصحيح أنه لا فدية فيه، بل فيه الإثم وعدم الصحة للنكاح.
فإن قال قائل: إذا أخذتم بهذا الأصل، فقولوا: إذاً لا فدية في الطيب ولا فدية في اللباس، لأنه لا دليل على أن فيها فدية، وإنما ورد الدليل في حلق الرأس، وجزاء الصيد.
وأين الدليل على وجوب الفدية في لبس القميص والسراويل والبرانس والعمائم والخفاف، إذ ليس فيها إلا النهي؟
الجواب: يقولون: الدليل هو القياس؛ لأن العلة عندهم في تحريم حلق الرأس هو الترفه، والإنسان يترفه باللباس.
مسألة: إذا قال قائل: إذا عقد، وهو لا يدري أن عقد النكاح في حال الإحرام حرام؟
فالجواب: أنه لا إثم عليه، كما سيأتي إن شاء الله، لكن العقد لا يصح؛ لأن العقود يعتبر فيها نفس الواقع.
стр. 2721
قوله: «وتصح الرجعة»، أي: أن يراجع الإنسان مطلقته التي له الرجعة عليها.
مثال ذلك: رجل أحرم بعمرة أو حج، وكان قد طلق زوجته طلاقاً رجعياً، فأراد أن يراجعها فلا حرج، وتصح الرجعة، وتباح أيضاً.
فهنا فرقنا بين ابتداء النكاح، وبين استدامة النكاح؛ لأن الرجعة لا تسمى عقداً، وإنما هي رجوع؛ ولأن الاستدامة أقوى من الابتداء، أرأيتم الطيب، يجوز للمحرم بل يسن عند عقد الإحرام أن يتطيب فَيُحْرم، والطيب في مفارقه، لكن لو أراد أن يبتدئ الطيب فلا يجوز؛ لأن الاستدامة أقوى من الابتداء، وهنا حصل لنا فرعان على هذه القاعدة في محظورات الإحرام:
الأول: الطيب، يستديمه ولا يبتدئُهُ.
الثاني: النكاح، يستديمه ولا يبتدئُهُ.
وَإِنْ جَامَعَ المُحْرِمُ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الأوَّلِ فَسَدَ نُسُكُهُمَا، وَيَمْضِيانِ فِيْهِ، وَيَقْضِيَانِهِ ثَانِيَ عَامٍ، ..
قوله: «وإن جامع المحرم قبل التحلل الأول»، هذا هو المحظور الثامن من محظورات الإحرام، وهو الجماع، وهو أشدها إثماً، وأعظمها أثراً في النسك.
ولا شيء من محظورات الإحرام يفسده إلا الجماع قبل التحلل الأول، عكس بقية العبادات، فباقي العبادات كل محظور وقع فيها أفسدها إلا الحج والعمرة، خلافاً للظاهرية الذين يقولون إن جميع المحظورات تفسد الحج والعمرة، وهذا نوع من القياس الذي كانوا ينكرونه، وهو قياس فاسد في مقابلة النص، والنص أن الله أباح للمحرم الذي به أذى في رأسه حلق رأسه بدون أن
стр. 2722
يفسد نسكه، ولو كانت المحظورات مفسدة لأفسدته ولو حلت للضرورة، كما نقول للصائم إذا اضطر للأكل والشرب، وأكل وشرب فسد صومه، نحن نقول: «فسد» ولا نقول: «بطل» لأننا إذا قلنا: «بطل» يعني الخروج منه، وإذا قلنا: «فسد» يعني المضي فيه ولو كان فاسداً، ولا يبطل الحج إلا شيء واحد وهو الردة ـ والعياذ بالله ـ حتى لو تاب وأسلم يؤمر بقضائه.
ويحصل الجماع بإيلاج الحشفة في قبلٍ أو دبر، وهو محرم بنص القرآن، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة: ١٩٧]، فسَّره ابن عباس ﵄ بالجماع (١)، والجماع له حالان:
الأولى: أن يكون قبل التحلل الأول.
الثانية: أن يكون بعد التحلل الأول.
والتحلل الأول يكون برمي جمرة العقبة يوم العيد، فإذا لم يرم الجمرة فإنه في إحرام تام، وإذا رمى الجمرة حل التحلل الأول عند كثير من العلماء.
وعند آخرين لا يحل إلا بالرمي مضافاً إليه الحلق أو التقصير، فإذا حلق أو قصر مع الرمي فقد حل التحلل الأول.
والتحلل الثاني: يكون إضافة إلى الرمي والحلق أو التقصير، بالطواف والسعي إن كان متمتعاً، أو كان مفرداً أو قارناً ولم يكن سعى مع طواف القدوم.
стр. 2723
فصار التحلل الأول يحصل بالرمي والحلق أو التقصير.
والثاني بالرمي والحلق أو التقصير والطواف والسعي.
وأما ذبح الهدي فلا علاقة له بالتحلل، فيمكن أن يتحلل التحلل كله، وهو لم يَذبح الهدي.
قوله: «فسد نسكهما، ويمضيان فيه، ويقضيانه ثاني عام»، هذه ثلاثة أحكام، وبقي حكمان: الإثم، والفدية، وهي بدنة.
فصار الجماع قبل التحلل الأول يترتب عليه خمسة أمور:
الأول: الإثم.
الثاني: فساد النسك.
الثالث: وجوب المضي فيه.
الرابع: وجوب القضاء.
الخامس: الفدية، وهي بدنة تذبح في القضاء.
مثال ذلك: رجل جامع زوجته ليلة مزدلفة في الحج عالماً عامداً لا عذر له.
نقول: ترتب على جماعك خمسة أمور:
الأول: الإثم فعليك التوبة.
الثاني: فساد النسك، فلا يعتبر هذا النسك صحيحاً.
الثالث: وجوب المضي فيه، فيجب أن تكمله؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
الرابع: وجوب القضاء من العام القادم بدون تأخير.
الخامس: فدية، وهي بدنة تذبح في القضاء.
стр. 2724
فأما الإثم فظاهر؛ لإنه عصى الله لقوله: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾.
وأما فساد النسك، فلقضاء الصحابة ﵃ بذلك (١)، وورد فيه أحاديث مرفوعة ولكنها ضعيفة (٢).
стр. 2725
وأما وجوب المضي فيه، فصح ذلك عن الصحابة عن عمر وغيره.
وذهبت الظاهرية إلى أنه يفسد نسكه ويبطل وينصرف، ولا يمكن أن يتم نسكاً فاسداً؛ لأنهم يقولون: هل الفاسد عليه أمر الله ورسوله ﷺ ؟
فإن قلت: نعم، لزم من ذلك أن الله ورسوله ﷺ يأمران بالفساد، وإن قلت: لا، قالوا إن النبي ﷺ قال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (١)، والمردود لا فائدة من فعله، قال ـ تعالى ـ: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧].
وقال بعض العلماء من التابعين: يتحلل بعمرة ويقضي، فيجعلونه بمنزلة من فاته الوقوف بعرفة، فإنه يتحلل بعمرة ويحل.
لكن لا شك أن الصحابة ﵃ أعمق منا علماً، وأسد منا رأياً، فهم إلى الصواب أقرب منا فنأخذ بأقوالهم، ونقول: يفسد النسك ويلزم المضي فيه، ولا غرابة في ذلك، فها هو الرجل يفطر في نهار رمضان عمداً بلا عذر، ويلزمه الإمساك والقضاء، ثم إن في إلزامه بالمضي نوع عقوبة له، وفيه ـ أيضاً ـ سداً لباب الشر؛ لأن بعض الناس لا يهمه أن يأثم، فيجامع من أجل أن ينصرف، ففي هذا ردع وتأديب له.
وإذا مضى في هذا الفاسد، فحكمه حكم الصحيح على الراجح في كل ما يترتب عليه من محظورات وواجبات.
стр. 2726
وأما الرد على قول الظاهرية، فنقول: اتباع الصحابة ﵃ أحسن وأولى.
وقوله: «يقضيانه» الفاعل يعود على المجامِع والمجامَع والهاء تعود على الحج.
وظاهر كلام المؤلف أنهما يقضيانه سواء كان الحج الذي أفسداه فرضاً أو تطوعاً، أما إن كان فرضاً فالأمر واضح، وأما إن كان نفلاً؛ فلأنهما أفسد ما يجب عليهما المضي فيه، فلزمهما إعادته.
وقوله: «ثاني عام» يفهم منه أنه لا يجوز تأخيره إلى العام الثالث، فإن عجزا بقي في ذمتهما حتى يقدرا على القضاء.
تنبيه: لم يذكر المؤلف ﵀ ما إذا جامع بعد التحلل الأول، لكن ذكره غيره.
قالوا: إذا جامع بعد التحلل الأول، فإنه يجب عليه أن يخرج إلى الحل ويحرم، أي: يخلع ثياب الحل ويلبس إزاراً ورداءً ليطوف طواف الإفاضة محرماً؛ لأنه فسد إحرامه، أي: فسد ما تبقى من إحرامه، فوجب عليه أن يجدده، وعليه فدية، وسيأتي إن شاء الله بيان الفدية فيما بعد، وعليه الإثم، إذاً، إذا جامع بعد التحلل الأول ترتب عليه أربعة أمور:
الأول: الإثم.
الثاني: فساد الإحرام.
الثالث: وجوب الخروج إلى الحل ليحرم منه.
الرابع: الفدية.
стр. 2727
مثاله: رجل رمى وحلق يوم العيد، ثم جامع أهله قبل أن يطوف ويسعى، فعليه الإثم، والفدية، وفسد إحرامه، وعليه الخروج إلى الحل ليحرم فيطوف محرماً، لا بثيابه؛ لأن إحرامه فسد.
وَتَحْرُمُ الْمُبَاشَرَةُ، فَإِنْ فَعَل فَأَنْزَلَ لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ لَكنْ يُحْرِمُ مِن الحِلِّ لِطَوَافِ الفَرْضِ ..
قوله: «وتحرم المباشرة، فإن فعل فأنزل لم يفسد حجه وعليه بدنة»، المباشرة أي: مباشرة النساء لشهوة.
وهذا هو المحظور التاسع، وهو آخر المحظورات، والدليل قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] ولأنه إذا كان يحرم عقد النكاح الذي تستباح به المباشرة فالمباشرة من باب أولى.
وأما المباشرة لغير شهوة، كما لو أمسك الرجل بيد امرأته، فهذا ليس حراماً، أما لو كانت المباشرة بشهوة فهو حرام، وسواء كانت المباشرة لشهوة باليد، أو بأي جزء من أجزاء البدن، سواء كانت بحائل أو بدون حائل؛ لأن ذلك يخل بالنسك، وربما أدى إلى الإنزال.
فإن كانت قبل التحلل الأول، فأنزل ترتب عليه أمران: الإثم، والفدية، وهي بدنة كفدية الجماع. لكن النسك لا يفسد والإحرام أيضاً لا يفسد.
فإن باشر ولم ينزل بل أمذى، أو كان له شهوة، ولكن لم يمذ، ولم ينزل فليس عليه بدنة، بل عليه فدية أذى، كما سنذكره إن شاء الله فيما بعد.
فالمباشرة توافق الجماع في أن الفدية فيها بدنة، وتخالف
стр. 2728
الجماع في عدم إفساد النسك والإحرام، وعدم القضاء.
فإذا قال قائل: ما الدليل على وجوب البدنة فيها؟
قلنا: الدليل القياس على الجماع؛ لأنها فعل موجب للغسل مع الإنزال، فأوجب الفدية كالجماع، وليس فيها نص ولا أقوال للصحابة.
لكن هذا القياس ضعيف؛ لأنه كيف يقاس فرع على أصل يخالفه في أكثر الأحكام، فالمباشرة مع الإنزال لا توافق الجماع إلا في مسألة واحدة وهي وجوب الغسل، فلا توافقه في فساد النسك، ولا في وجوب قضائه، ولا في فساد الصيام ـ على قول بعض أهل العلم ـ وحينئذٍ يقال: ما السبب في أنك ألحقتها به في هذا الحكم، مع أنها تخالفه في أحكام أخرى، فلماذا لا تجعلها مخالفة له في هذا الحكم كما خالفته في الأحكام الأخرى؟!
فالصحيح أن المباشرة لا تجب فيها البدنة، بل فيها ما في بقية المحظورات.
قوله: «لكن يحرم من الحل لطواف الفرض»، يظهر أن هذا سَبْقُ قلم من الماتن ﵀؛ لأن هذا الحكم المستدرك لا ينطبق على المباشرة، بل ينطبق على الجماع بعد التحلل الأول، والإنسان بشر، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، فهذه العبارة الأصح أن تنقل إلى الجماع بعد التحلل الأول، فهو الذي ذكر أهل العلم أنه يفسد به الإحرام، وأنه يجب أن يخرج إلى الحل؛ ليحرم منه فيطوف محرماً.
стр. 2729
وَإِحْرَامُ المَرْأةِ كَالرَّجُلِ إِلاَّ فِي اللِّبَاسِ، وتَجْتَنِبُ البُرْقُع والقُفَّازَين، وَتَغْطِيةَ وَجْهِهَا وَيُبَاحُ لَهَا التَّحلِّيَ.
قوله: «وإحرام المرأة كالرجل» أي: أنه يحرم عليها ما يحرم على الرجال، ويلزمها من الفدية ما يلزم الرجال، إلا ما استثني.
قوله: «إلا في اللباس» فليست كالرجل؛ لأن الرجل لا يلبس القميص ولا السراويل، ولا البرانس، ولا العمائم، ولا الخفاف، والمرأة تلبس ذلك ولا إثم عليها، ولكن عمامتها الخمار.
وقوله: «إلا في اللباس» فلا يحرم عليها اللباس، لكن يحرم عليها نوع واحد من اللباس، وهو القفازان فإنهما لباس اليدين كما سيذكره.
قوله: «وتجتنب البرقع»، لو قال المؤلف: «البرقع، والنقاب» أو قال: النقاب فقط لكان أحسن، وإنما اقتصر على البرقع فقط؛ لأن البرقع للزينة، والنقاب للحاجة.
فالنقاب تستعمله المرأة فتغطي وجهها، وتفتح فتحة بقدر العين لتنظر من خلالها، والبرقع تجمل، فهو يعتبر من ثياب الجمال للوجه، فهو إذاً نقابٌ وزيادة، وعلى هذا، فنقول: النقاب حرام على المحرمة.
ودليل ذلك قول النبي ﷺ : «ولا تنتقب المرأة» (١)، وإذا نهيت المرأة المحرمة عن النقاب فنهيُها عن البرقع في باب أولى.
قوله: «والقفازين»، القفازان: لباس يعمل لليدين، كما تعمل البزاة لباساً، والبزاة جمع باز، أي: أصحاب الطيور، يجعلون على أيديهم قفازين؛ ليتوقوا أظافر الطير إذا أمسكوه، والدليل قول النبي ﷺ : «لا تلبس القفازين» (١)، إذاً فهي تشارك
стр. 2730
الرجل في نوع من اللباس، وهو القفازان؛ لأن الرجل لا يلبس القفازين أيضاً لأنهما لباس.
قوله: «وتغطية وجهها»، أي: تجتنب تغطية الوجه، فلا تغطي الوجه.
أما الرجل فسبق أن القول الراجح جواز تغطيته وجهه؛ لأن لفظة «ولا وجهه» (١) في قصة الذي مات مختلف في صحتها، وفيها نوع اضطراب، ولذلك أعرض الفقهاء عنها، وقالوا: إن تغطية المحرم وجهه لا بأس به، ويحتاجه المحرم كثيراً، فقد ينام مثلاً ويضع على وجهه منديلاً أو نحوه عن الذباب، أو عن العرق، أو ما أشبه ذلك.
فيحرم على المرأة أن تغطي وجهها، وهذا هو المشهور من المذهب، وذكروا هنا ضابطاً، أن إحرام المرأة في وجهها، وهذا ضعيف، فهذا إن أرادوا به، أنه المحل الذي يمنع فيه لباس معين فهذا صحيح، وإن أرادوا به التغطية فهذا غير صحيح؛ لأنه لم يرد عن النبي ﷺ نهي المرأة عن تغطية وجهها، وإنما ورد النهي عن النقاب، والنقاب أخص من تغطية الوجه، لكون النقاب لباس الوجه، فكأن المرأة نهيت عن لباس الوجه، كما نهي الرجل عن لباس الجسم، ولباس الرأس.
قوله: «ويباح لها التحلي»، أي: يجوز للمحرمة أن تلبس الحلي، والمراد الحلي المباح، لا كل حليٍّ، فالحلي الذي على صورة حيوان حرام عليها، وعلى غيرها، فالإحرام لا يمنع المرأة
стр. 2731
عن التحلي، لكن يجب أن تستر الحلي عن الرجال، فإذا كانت وحدها في البيت، أو مع نساء، أو مع زوج، أو مع محارم وعليها الحلي، فلا بأس.
هذه هي محظورات الإحرام.
مسألة: ما فائدة معرفة الإنسان محظورات الإحرام من حيث العمل والسلوك؟ هل الفائدة أن يعرف ما هو المحظور، وماذا يترتب عليه؟ أو الفائدة أن يعرف المحظور ليتجنبه، فإذا ابتلي به عرف ماذا يجب عليه؟
الجواب: الثاني، ولهذا نحن ينقصنا في علمنا أننا لا نطبق ما علمناه على سلوكنا، وأكثر ما عندنا أننا نعرف الحكم الشرعي، أما أن نطبق، فهذا قليل ـ نسأل الله أن يعاملنا بعفوه ـ وفائدة العلم هو التطبيق العملي، بحيث يظهر أثر العلم على صفحات وجه الإنسان، وسلوكه، وأخلاقه، وعبادته، ووقاره، وخشيته وغير ذلك، وهذا هو المهم.
وأظن أنه لو أتى رجل نصراني ذكي ودرس الفقه مثل ما درسناه، لفهم منه مثل فهمنا أو أكثر، انظر مثلاً في اللغة العربية «المنجد» يقولون: إن مؤلفه نصراني، ويبحث بحثاً جيداً.
فالأمور النظرية ليست هي المقصودة في العلم ـ اللهم إنا نسألك علماً نافعاً ـ فالعلم فائدته الانتفاع.
وكم من عامي جاهل تجد عنده من الخشوع لله ، ومراقبة الله، وحسن السيرة، والسلوك، والعبادة، أكثر بكثير مما عند طالب العلم.
стр. 2732
بَابُ الفِدْيَةِ
يُخَيَّرُ بِفِدْيَةِ حَلْقٍ، وَتَقْلِيمٍ، وَتَغْطِيَةِ رَأْسٍ وَطيبٍ وَلُبْسِ مَخِيطٍ بَيْنَ صِيامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ إِطعَامِ ستَّةِ مَسَاكِين لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدُّ بر، أَوْ نصفُ صَاع تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ ذَبْحِ شاةٍ.
قوله: «الفدية» هي ما يعطى فداءً لشيء، ومنه فدية الأسير في الحرب حيث يعطينا شيئاً ثم نفكه، فالفدية ما يجب لفعل محظور أو ترك واجب، وسميت فدية، لقوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].
ومحظورات الإحرام من حيث الفدية تنقسم إلى أربعة أقسام: ـ
الأول: ما لا فدية فيه، وهو عقد النكاح.
الثاني: ما فديته مغلظة، وهو الجماع في الحج قبل التحلل الأول.
الثالث: ما فديته الجزاء أو بدله، وهو قتل الصيد.
الرابع: ما فديته فدية أذى، وهو بقية المحظورات.
وهذه القسمة حاصرة تريح طالب العلم.
وفدية الأذى إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو صيام ثلاثة أيام متتابعة، أو متفرقة، أو ذبح شاة، فتذبح وتوزع على الفقراء، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].
قال المؤلف ـ مبيناً ذلك لكنه ليس على وجه التقسيم والحصر ـ: «يخير بفدية حلق، وتقليم، وتغطية رأس، وطيب، ولبس مخيط، بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين».
стр. 2733
«يخير» فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود على المحرم الذي فعل محظوراً، والتقدير يخير المحرم إذا فعل محظوراً من هذه الأجناس، حلق الشعر، وتقليم الأظافر من اليدين أو الرجلين، وتغطية الرأس، والطيب، يخير في هذه الأربعة: بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين مُدُّ بُر، أو نصف صاع تمر، أو شعير، أو ذبح شاة.
ودليل هذه الفدية من حيث الجملة، قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].
و «صيام» مجمل لم يبينه الله ، لكن بينه رسول الله ﷺ ، أو «صدقة» مجملة ـ أيضاً ـ لكن بينها رسول الله ﷺ .
أو «نسك» مبين؛ لأن النسك هو الذبيحة، فالصيام بيَّنه الرسول ﷺ ، في حديث كعب بن عجرة ﵁، بأنه ثلاثة أيام، والصدقة بأنها إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع (١).
قوله: «لكل مسكين مدُّ بُر، أو نصف صاع تمر أو شعير»، ظاهره أن الفدية في الإطعام محصورة في هذه الأصناف الثلاثة، البر، والتمر، والشعير، وهذا غير مراد؛ لأن المراد ما يطعمه الناس، من تمر، أو شعير، أو بر، أو رز، أو ذرة، أو دخن، أو غيره.
стр. 2734
والمؤلف هنا فرق بين البر وغير البر، فالبر مُد، وغير البر نصف صاع.
والمُد ربع الصاع؛ لأن صاع النبي ﷺ أربعة أمداد، نصفه مدَّان، ففرق المؤلف ﵀ بين البر وغيره، وفي باب الفطرة لم يفرق المؤلف بين البر وغيره.
ففي باب الفطرة صاع من بر، أو صاع من تمر، أو صاع من شعير، أو غير ذلك مما يُخْرج منه، فالفقهاء ـ رحمهم الله تعالى ـ يفرقون بين البر وغيره في جميع الكفارات والفدية، إلا في صدقة الفطر، ولهذا قرر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قاعدة، وقال: إن البر على النصف من غيره، ففي الفطرة نصف صاع عند شيخ الإسلام.
ولكن مذهبنا في الفطرة مذهب أبي سعيد الخدري ﵁: «فإنه لما قدم معاوية ﵁ المدينة، وقال: أرى مدًّا من هذه يساوي مدين من الشعير، قال أبو سعيد: أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه على عهد النبي ﷺ » (١) ونحن نقول كما قال أبو سعيد ﵁.
وكذلك مذهبنا هنا أن لا فرق بين البر وغيره؛ لأن النبي ﷺ قال لكعب بن عجرة ﵁: «أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع» (٢)، فعيَّن المقدار، وأطلق النوع، فظاهر
стр. 2735
الحديث أن الفدية نصف صاع لكل مسكين، سواء من البر أو من غيره؛ ولهذا جميع ما ورد فيه إطعام مساكين يجوز أن تغديهم أو تعشيهم، إلا هذا الموضع فلا بد أن تطعمهم طعاماً يملكونه، ومقداره نصف صاع لكل مسكين.
قوله: «أو ذبح شاة» أطلق المؤلف «شاة»، فهل المراد الأنثى من الضأن، أو المراد أعم من ذلك؟
الجواب: المراد الثاني، شاة، سواءٌ كانت خروفاً أم أنثى، معزاً أم ضأناً، بل أو سُبع بدنة، أو سُبع بقرة مما يجزئ في الأضحية، ويوزعها على الفقراء ولا يأكل منها شيئاً؛ لأنها دم جبران.
وقوله: «صيام ثلاثة أيام»، ظاهره أنه لا يشترط فيه التتابع، لأن ما أطلقه الشرع يجب أن يكون على إطلاقه، وإضافة قيد إلى ما أطلقه الشرع تقييد لشرع الله وتضييق على عباد الله، والرسول ﷺ قال لكعب بن عجرة «صم ثلاثة أيام» (١) ولم يقيدها.
فإن شئت صم يوماً بعد يوم، وإن شئت صمها متتابعة.
فإن قال قائل: ألستم تقولون: إن كفارة الأيمان ثلاثة أيام متتابعة، والله أطلق فقال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]؟
فالجواب: أنه قد صح عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قرأ: «فصيام ثلاثة أيام متتابعة» (٢)، وقراءة ابن مسعود ﵁