الجواب: في هذه الحال نقول: دفع ضرورة المسلمين أولى؛ لأن فيها إنقاذاً للأرواح، وأما الأضحية فهي إحياء للسنة، فقد يعرض للمفضول ما يجعله أفضل من الفاضل.
قوله: «ويسن أن يأكل ويهدي ويتصدق أثلاثاً»، أي: يشرع، لا على وجه الوجوب، بل على وجه الاستحباب أن يقسمها أثلاثاً، فيأكل الثلث، ويهدي بالثلث، ويتصدق بالثلث.
والفرق بين الهدية والصدقة: أن ما قصد به التودد والألفة فهو هدية؛ لما جاء في الحديث: «تهادوا تحابوا» (١)، وما قصد به التقرب إلى الله فهو صدقة، وعلى هذا فتكون الصدقة للمحتاج، والهدية للغني.
وقوله: «أثلاثاً» أي ثلثاً للأكل، وثلثاً للهدية، وثلثاً للصدقة؛ لأجل أن يكون انتفاع الناس على اختلاف طبقاتهم في هذه الأضحية، وقدم الأكل؛ لأن الله قدمه فقال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨].
وقوله: «ويسن أن يأكل».
ظاهره: أنه لو تصدق بها كلها فلا شيء عليه ولا إثم عليه، وهذا بناء على أن الأكل من الأضحية سنّة كما هو قول جمهور العلماء.
وقال بعض أهل العلم: بل الأكل منها واجب يأثم بتركه؛
стр. 3047
لأن الله أمر به، وقدمه على الصدقة؛ ولأن النبي ﷺ في حجة الوداع «أمر أن يؤخذ من كل بدنة قطعة فجعلت في قدر فطبخت فأكل من لحمها وشرب من مرقها» (١)، قالوا: وتكلف هذا الأمر أن يأخذ من مائة بعير مائة قطعة تطبخ في قدر، ويأكل منها يدل على أن الأمر في الآية الكريمة للوجوب؛ ولأن هذا من باب التمتع بنعم الله فيدخل في قوله ﷺ : «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله (٢).
وعلى كل حال لا ينبغي للإنسان أن يدع الأكل من أضحيته.
واستحب بعض العلماء: أن يأكل من كبدها.
وعلل ذلك بأن الكبد أسرع نضوجاً؛ لأنها لا تحتاج إلى طبخ كثير، فإذا اختار أن يأكل منها وطبخها صار من الذين يبادرون بالأكل من أضاحيهم، والمبادرة بالمأمور به أفضل من التأخر.
وقوله: «يأكل ويهدي ويتصدق أثلاثاً»، هذا ما اختاره أصحاب الإمام أحمد ﵏ وهذا ما ورد عن السلف ﵏ وقيل: بل يأكل ويتصدق أنصافاً لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾، وقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾، ولم يذكر الله تعالى الهدية، والهدية من باب جلب المودة يحصل بهذا أو بغيره، وهذا القول أقرب إلى ظاهر
стр. 3048
القرآن والسنة، ولكن مع ذلك إذا اعتاد الناس أن يتهادوا في الأضاحي، فإن هذا من الأمور المستحبة؛ لدخولها في عموم الأمر بما يجلب المودة والمحبة بين الناس، ولا شك أنك إذا أهديت من لحم الأضاحي في أيام الأضحية إلى غني أنها تقع في نفسه موقعاً أعظم مما لو أهديت له ما يقابلها من الطعام كالتمر والبر وما أشبه ذلك، وإذا كان في هذا مصلحة فهي مطلوبة، ولكن تحديدها بالثلث يحتاج إلى دليل من السنة.
والرسول ﷺ تصدق بكل لحم الإبل في الهدي، إلا القطع التي اختارها ﷺ أن تجمع في قدر وتطبخ (١).
وقوله: «ويسن أن يأكل ويهدي ويتصدق»، ظاهر كلام المؤلف أن هذا الحكم في كل أضحية حتى الواجب بالنذر فإنه يأكل منها، ويهدي ويتصدق، وهو صحيح، بخلاف الواجب في الهدي فإنه لا يأكل منه إذا كان جبراناً، ويأكل منه إذا كان شكراناً، فدم هدي التمتع والقران يأكل منه، والدم الواجب لترك الواجب أو فعل المحظور لا يأكل منه، والفرق أن الثاني كفارة والأول شكر، فلذلك أكل النبي ﷺ من هديه، وهو واجب بالقران.
إذاً الأضحية يأكل منها، سواء كانت واجبة بالنذر أو غير واجبة، وأما الهدي ففيه تفصيل كما يلي:
أولاً: ما وجب لفعل محظور أو ترك واجب فإنه لا يأكل منه؛ لأنه يقع موقع الكفارة.
стр. 3049
ثانياً: ما وجب لشكر النعمة كهدي التمتع والقران، فإنه يأكل منه، كما جاءت بذلك السنة، أما التطوع فلا إشكال أنه يأكل منه ويتصدق ويهدي.
وظاهر كلام المؤلف ـ أيضاً ـ أنه لو كانت الأضحية ليتيم فإنه يأكل منها ويهدي ويتصدق.
وقال بعض العلماء: إذا كانت ليتيم فإنه لا يأكل منها، ولا يهدي، ولا يتصدق إلا مقدار الواجب فقط، وهو أقل ما يقع عليه اسم اللحم؛ لأن مال اليتيم لا يجوز التبرع به.
ولكن الصحيح أنه متى قلنا بجواز الأضحية في مال اليتيم فإنه يعمل فيها ما جاءت به الشريعة، فيؤكل منها، ويهدى، ويتصدق.
مسألة: هل يشرع أن يُضحى من مال اليتيم؟ في هذا تفصيل:
إن جرت العادة بأنه يضحي من أموال اليتامى، وأنه لو لم يضح من أموالهم لانكسرت قلوبهم، فهنا ينبغي أن يضحى من ماله، كما أننا نشتري له ثوباً جديداً للعيد مع أن عنده ثوباً يكفيه، لكن نشتري له الثوب الجديد من أجل أن يوازي غيره من الناس.
فهي إذاً ـ أعني الأضحية ـ من باب النفقة بالمعروف، فإذا كان من المعروف عند الناس أنه يضحى للأيتام فإنه يضحي ولو من ماله، وهذا يقع.
مثال ذلك: أن يكون في هذا البيت أيتام ليس عندهم إلا أمهم، وأمهم فقيرة، ولكن الأيتام لهم أموال ورثوها من إخوانهم أو أعمامهم، أو من أي أنسان، المهم عنده مال، فهل نضحي
стр. 3050
من أموالهم وندفع لهم الأضحية ليضحوا بها ويفرحوا مع الناس؟ أو نقول هذه أموال يتامى لا يجوز أن يتبرع منها بشيء؟
الجواب: الأول؛ لأن المال يخدم الإنسان، فإذا كان هؤلاء اليتامى لو لم تدخل عليهم شاة الأضحية، ولم يأكلوا اللحم مع الناس، لانكسرت قلوبهم فإنه يضحى عنهم من مالهم.
قوله: «وإن أكلها إلا أوقية تصدق بها جاز وإلا ضمنها»، الضمير «ها» يعود على الأضحية، أي أكلها كلها ولم يتصدق بمقدار أوقية، فإنه يضمن الأوقية، وهي معيار معروف صنجة يوزن بها. لأن الله قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾، أي: وأطعموا منها، ومن للتبعيض، وأدنى جزء من الأضحية يصدق عليه أنه بعض.
وقال بعض العلماء: إن تصدق بها إلا أقل ما يقع عليه اسم اللحم، فإنه لا حرج عليه، ولكن لو أكلها جميعاً فإنه يضمن أقل ما يقع عليه اسم اللحم.
مثال ذلك: رجل ضحى بشاة وجعلها في الثلاجة كلها، وأكلها، نقول له الآن: يجب عليك أن تتصدق بأقل ما يقع عليه اسم اللحم، فاشتر لحماً من السوق، وتصدق به من أجل حق الفقراء، فإن أكلها إلا عضدها ـ مثلاً ـ أجزأه ذلك؛ لأن العضد يقع عليه اسم اللحم.
وَيَحْرُمُ عَلَى مَن يُضَحِّي أن يَأخُذَ فِي العَشْرِ مِن شَعْرِهِ أوْ بَشَرتِهِ شيئاً.
قوله: «ويحرم على من يضحي أن يأخذ في العشر من شعره أو بشرته شيئاً»، الحرام من تركه لله أثيب، وإن فعله استحق العقاب على فعله.
стр. 3051
والدليل على ذلك قول النبي ﷺ : «إذا دخل العشر، وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذن من شعره ولا من بشرته ولا من ظفره شيئاً» (١)، والأصل في النهي التحريم.
والحكمة من ذلك أن الله برحمته لما خص الحجاج بالهدي، وجعل لنسك الحج محرمات ومحظورات، وهذه المحظورات إذا تركها الإنسان لله أثيب عليها، والذين لم يحرموا بحج ولا عمرة شرع لهم أن يضحوا في مقابل الهدي، وشرع لهم أن يتجنبوا الأخذ من الشعور والأظفار والبشرة لأن المحرم لا يأخذ من شعره شيئاً، يعني لا يترفه، فهؤلاء ـ أيضاً ـ مثله، وهذا من عدل الله وحكمته، كما أن المؤذن يثاب على الأذان، وغير المؤذن يثاب على المتابعة، فشرع له أن يتابع.
وقوله: «يحرم»، هذا أحد القولين في المسألة.
والقول الثاني: أنه يكره وليس بحرام.
ولكن الذي يظهر أن التحريم أقرب؛ لأنه الأصل في النهي لا سيما فيما يظهر فيه التعبد، ولأن النبي ﷺ أكد النهي بقوله: «فلا يأخذن»، والنون هذه للتوكيد.
وقوله: «على من يضحي» يفهم منه أن من يُضَحَّى عنه لا حرج عليه أن يأخذ من ذلك، والدليل على هذا ما يلي:
أولاً: أن هذا هو ظاهر الحديث، وهو أن التحريم خاص
стр. 3052
بمن يضحي، وعلى هذا فيكون التحريم مختصاً برب البيت، وأما أهل البيت فلا يحرم عليهم ذلك؛ لأن النبي ﷺ علق الحكم بمن يضحي، فمفهومه أن من يضحى عنه لا يثبت له هذا الحكم.
ثانياً: أن النبي ﷺ كان يضحي عن أهل بيته، ولم ينقل أنه كان يقول لهم: لا تأخذوا من شعوركم وأظفاركم وأبشاركم شيئاً، ولو كان ذلك حراماً عليهم لنهاهم النبي ﷺ عنه، وهذا هو القول الراجح.
فإن قال قائل: ما وجه قول من يقول: إنه يحرم على من يضحي أو يضحى عنه؟
قلنا: وجهه أنهم قاسوا المضحى عنه على المضحي؛ لاشتراكهم في الأجر، فكما أن المضحي يؤجر فالمضحى عنه يؤجر أيضاً، فلما اشتركا في الأجر اشتركا في الحكم.
فيقال: هذا القياس لا يصح؛ لأنه في مقابلة النص، وكل قياس في مقابلة النص فإنه فاسد الاعتبار، أي: غير معتبر ولا يرجع إليه، ثم إن التساوي ممنوع، فإنهما وإن أجرا على هذه الأضحية، فإن أجر من بذل المال، وتعب في ذبحها لا يساويه أجر من ضُحي عنه فقط، بل من بذل المال أكثر أجراً ممن لم يبذله.
وقوله: «أن يأخذ في العشر»، المراد بالعشر عشر ذي الحجة إلى أن يضحي، فإن ضحى يوم العيد انفك ذلك عنه يوم العيد، وإن تأخر إلى اليوم الثاني، أو الثالث لم ينفك عنه ذلك إلا في اليوم الثاني أو الثالث حتى يضحي.
стр. 3053
وقوله: «من شعره» الشعر معروف، هو شامل للشعر المستحب إزالته، والمباح إزالته، فلا يأخذ منه شيئاً.
وقوله: «شيئاً» يشمل القليل والكثير.
مثال المستحب إزالته: شعر الإبط والعانة.
والمباح إزالته كالرأس، فلا يحلق رأسه، ولا يقص منه شيئاً حتى يضحي.
وقوله: «أو بشرته» أي جلده، لا يأخذ منه شيئاً، وهل يمكن للإنسان أن يأخذ من جلده شيئاً؟ نقول: يمكن أن يأخذ كما يلي:
أولاً: إذا كان لم يختتن، وأراد الختان في هذه الأيام نقول له: لا تختتن؛ لأنك ستأخذ من بشرتك شيئاً.
ثانياً: بعض الناس يغفل فتجده يقطع من جلده من عقب الرجل، والإنسان الذي يعتاد هذا الشيء لا بد أن يصاب بتشقق العقب، فإن تركه سكن، وإن حركه فتن عليه، ولو كان فيه جلد ميت اتركه حتى لا يتشقق ويزيد.
مسألة: سكت المؤلف عن شيء جاء به الحديث وهو «الظفر»، ولا أعلم أن أحداً من العلماء أهمل حكمه، ولعل المؤلف ﵀ تركه اقتصاراً أي ذكر شيئين مما جاء به الحديث وأسقط الثالث، ولكن الحكم واحد فلا يأخذن من ظفره شيئاً، لكن لو أنه انكسر الظفر، وتأذى به فيجوز أن يزيل الجزء الذي يحصل به الأذية ولا شيء عليه، وكذلك لو سقط في عينه شعرة، أو نبت في داخل الجفن شعر تتأذى به العين، فأخذه بالمنقاش جائز؛ لأنه لدفع أذاه.
стр. 3054
وفهم من كلام المؤلف أنه إذا أخذ شيئاً من ذلك فلا فدية عليه وهو كذلك، ولا يصح أن يقاس على المحرم؛ لأن الاختلاف ظاهر لما يلي:
أولاً: المحرم لا يحرم عليه إلا أخذ الرأس، وما سواه فإنه بالقياس، وهذا الحديث عام للرأس وغير الرأس.
ثانياً: المحرم لا يحرم عليه أخذ شيء من بشرته، وهذا يحرم.
ثالثاً: المحرم عليه محظورات أخرى غير هذا، فالإحرام أشد وأوكد فلذلك وجبت الفدية فيه، أما هذا فإنه لا فدية فيه.
مسألة: لو أخذ الإنسان وتجاوز هل تقبل أضحيته؟
الجواب: نعم تقبل لكنه يكون عاصياً، وأما ما اشتهر عند العوام أنه إذا أخذ الإنسان من شعره أو ظفره أو بشرته في أيام العشر فإنه لا أضحية له فهذا ليس بصحيح؛ لأنه لا علاقة بين صحة التضحية والأخذ من هذه الثلاثة.
وإذا قدر أن الرجل لم ينو الأضحية إلا في أثناء العشر، وقد أخذ من شعره وبشرته وظفره فيصح، ويبتدئ تحريم الأخذ من حين نوى الأضحية.
стр. 3055
فَصْلٌ
تُسنُّ العَقِيقةُ عَن الغُلَامِ شَاتَان، وَعَن الجَارِيَةِ شَاةٌ ......
قوله: «تسن العقيقة»، العقيقة فعيلة بمعنى مفعولة، فهي عقيقة بمعنى معقوقة، والعق في اللغة القطع، ومنه عق الوالدين أي قطع صلتهما.
والمراد بالعقيقة شرعاً: الذبيحة التي تذبح عن المولود، سواء كان ذكراً أو أنثى.
وسميت عقيقة؛ لأنها تقطع عروقها عند الذبح، وهذه التسمية لا تشمل كل شيء، فلو قال قائل: والذبيحة العادية تقطع عروقها فهل يصح أن تسمى عقيقة؟
نقول: لا، لكن مناسبة التسمية لا تنسحب على جميع ما وجد فيه هذا المعنى، ولهذا نسمي المزدلفة جمعاً ولا نسمي عرفة جمعاً ولا نسمي منى جمعاً، فما سمي لمعنى من المعاني فإنه لا يقاس عليه ما شاركه في هذا المعنى فيسمى بهذه التسمية؛ ولهذا لا نقول الأضحية عقيقة، ولا الهدي عقيقة، ولا ذبيحة الأكل عقيقة مع أن سبب تسمية العقيقة بذلك موجود في هذه.
وعند العامة تسمى العقيقة تميمة، يقولون: لأنها تتمم أخلاق المولود، وأخذوا هذا من قوله ﷺ في الحديث: «كل غلام مرتَهَن بعقيقته» (١)، فإن المعنى أنه محبوس عن
стр. 3056
الانطلاق والانشراح، وكذلك عن الحماية من الشيطان.
وقوله: «تسن» أي: سنة في حق الأب، وهي سنة مؤكدة حتى أن الإمام أحمد قال: يقترض إذا لم يكن عنده مال وأرجو أن يخلف الله عليه؛ لأنه أحيا سنة، فإن لم يكن الأب موجوداً فهل تسن في بقية العصبة أو في حق الأم؟
الظاهر أنه إذا لم يكن الأب موجوداً كما لو مات وابنه حمل، فإن الأم تقوم مقام الأب في هذه المسألة.
وقوله: «تسن العقيقة»، هل يشترط في ذلك القدرة؟ أو حتى للفقير؟
نقول: إذا كانت الواجبات الشرعية يشترط فيها القدرة فالمستحبات من باب أولى، فالفقير لا نقول له: اذهب واقترض، لكن إذا كان الإنسان لا يجد الآن، إلا أنه في أمل الوجود كموظف ولد له ولد في نصف الشهر، وراتبه على قدر حاجته فهو الآن ليس عنده دراهم، لكن في آخر الشهر سيجد الدراهم، فهل نقول: اقترض ثمن العقيقة واشتر به حتى يأتيك الراتب، أو نقول: انتظر حتى يأتيك الراتب؟ الثاني أحسن؛ لأنه يحصل به إبراء الذمة، ولا يدري الإنسان ربما تحصل فيما بين ولادة المولود وبين حلول الراتب أشياء تستلزم الأموال فيأتيه مرض، أو تنكسر السيارة، وما أشبه ذلك، فالأولى أن يقال: لا تقترض حتى إن رجوت الوفاء عن قرب فانتظر، والعقيقة لا تلزم في اليوم
стр. 3057
السابع، أو في اليوم الرابع عشر، أو الحادي والعشرين.
قوله: «عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة»، الغلام أي: الذكر، هكذا جاءت السنة عن النبي ﷺ بالتفريق بين الذكر والأنثى (١).
وقوله: «عن الغلام شاتان» ينبغي أن تكون الشاتان متقاربتين سناً وحجماً وشبهاً وسمناً، وكلما كانتا متقاربتين كان أفضل، فإن لم يجد الإنسان إلا شاة واحدة أجزأت وحصل بها المقصود، لكن إذا كان الله قد أغناه فالاثنتان أفضل.
قوله: «وعن الجارية شاة» الجارية الأنثى، وهذا أحد المواضع التي يكون فيها الرجل ضعف المرأة.
وهل هناك مواضع أخرى؟
الجواب: نعم، هي: الفرائض، والدية، والشهادة، والصلاة، لأن أكثر الحيض خمسة عشر يوماً على المشهور عند أكثر العلماء، فإذا كانت امرأة تحيض أكثر الحيض صار لها من الصلاة في كل شهر نصف شهر فيزيد الرجل عليها بنصف شهر، وكذلك أيضاً في العطية إذا أعطى الإنسان أولاده فإنه يعطي الذكر مثل حظ الأنثيين، وأيضاً ورد في الحديث أن عتق الذكر عن عتق جاريتين (٢).
стр. 3058
مسألتان:
الأولى: لو أن عند إنسان سبع بنات لم يعق عنهن، فهل يجزئ أن يذبح عنهن بعيراً؟ الجواب: لا يجزئ.
الثانية: لو ذبح عن واحدة بعيراً فقيل: إنها لا تجزئ؛ لأن هذا خلاف ما عينه الرسول ﷺ ، وقيل: تجزئ؛ لأنها خير من الشاة.
تُذْبَحُ يَوْمَ سَابِعِهِ فَإِنْ فَاتَ فَفِي أربَعَةَ عَشَرَ، فَإِنْ فَاتَ فِفِي إِحْدَى وَعِشْرين، …
قوله: «تذبح يوم سابعه»، أي: يسن أن تذبح في اليوم السابع (١)، فإذا ولد يوم السبت فتذبح يوم الجمعة يعني قبل يوم الولادة بيوم، هذه هي القاعدة، وإذا ولد يوم الخميس فهي يوم الأربعاء وهلم جرًّا.
والحكمة في أنها تكون في اليوم السابع؛ لأن اليوم السابع تختم به أيام السنة كلها، فإذا ولد يوم الخميس مر عليه الخميس والجمعة والسبت والأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء، فبمرور أيام السنة يتفاءل أن يبقى هذا الطفل ويطول عمره.
فبناء على هذا التعليل لو مات الطفل قبل السابع فإنها تسقط العقيقة؛ لأن الرسول ﷺ قال: «تذبح يوم السابع» (٢)، ولكن هذا
стр. 3059
التعليل قد يكون الإنسان في شك منه، ويقول: إن الرسول ﷺ اختار اليوم السابع؛ لأن هناك أشياء كثيرة معلقة بالعدد سبعة، ولا ندري هل لحكمة أو لا؟ وعليه تسن العقيقة ولو مات قبل السابع.
ولكن هل يشترط أن يخرج حياً أو يشترط أن تنفخ فيه الروح فقط؟
الجواب: من العلماء من قال بالأول، وقال: لو نفخت فيه الروح وخرج من بطن أمه ميتاً فإنه لا عقيقة له.
ومنهم من قال: بل يعق عنه، وإن خرج ميتاً إذا خرج بعد نفخ الروح؛ لأنه بعد نفخ الروح سوف يبعث، فهو إنسان ترجى شفاعته يوم القيامة، بخلاف من خرج قبل نفخ الروح فيه فإنه لا يعق عنه؛ لأنه ليس بإنسان ولهذا فإن الجنين لا يبعث يوم القيامة إذا سقط قبل نفخ الروح فيه؛ لأنه ليس فيه روح حتى تعاد إليه يوم القيامة.
إذاً عندنا أربع مراتب:
الأول: خرج قبل نفخ الروح فيه، فلا عقيقة له.
الثانية: خرج ميتاً بعد نفخ الروح، ففيه قولان للعلماء.
الثالثة: خرج حياً ومات قبل اليوم السابع فيه أيضاً قولان، لكن القول بالعق أقوى من القول بالعق في المسألة التي قبلها.
الرابعة: بقي إلى اليوم السابع ومات في اليوم الثامن يعق عنه قولاً واحداً.
مسألة: ذكر الشارح أنه يسمى في اليوم السابع، ومحل ذلك
стр. 3060
ما لم يكن الاسم قد هيِّئ قبل الولادة، فإن كان قد هيئ قبل الولادة فإنه يسمى يوم الولادة.
والدليل على ذلك أن النبي ﷺ دخل ذات يوم على أهله فقال: «ولد لي الليلة ولد سميته إبراهيم» (١)، فسماه من حين ولادته؛ لأنه قد هيأ الاسم.
ولو اتفق الأهل على تسميته في اليوم الرابع أو الخامس، فإن الأولى أن يؤخر إلى اليوم السابع.
مسألة: وينبغي في اليوم السابع حلق رأس الغلام الذكر، ويتصدق بوزنه ورِقاً أي: فضة، وهذا إذا أمكن بأن يوجد حلاق يمكنه أن يحلق رأس الصبي، فإن لم يوجد وأراد الإنسان أن يتصدق بما يقارب وزن شعر الرأس فأرجو ألاَّ يكون به بأس، وإلا فالظاهر أن حلق الرأس في هذا اليوم له أثر على منابت الشعر، لكن قد لا نجد حلاقاً يمكنه أن يحلق رأس الصبي؛ لأنه في هذا اليوم لا يمكن أن تضبط حركته، فربما يتحرك ثم إن رأسه لين قد تؤثر عليه الموسى، فإذا لم نجد فإنه يتصدق بوزنه ورقاً بالخرص.
وفي هذه المناسبة يجب أن يختار الإنسان لولده الاسم الذي لا يعيَّر به عند الكبر، ولا يؤذى به؛ لأن الأب قد يعجبه اسم معين لكن في المستقبل يتأذى به الولد، فيكون سبباً لأذية ابنه، ومعلوم أن أذية المؤمن حرام، وعليه فيختار أحسن الأسماء
стр. 3061
وأحبها إلى الله، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن» (١)، وأما ما يروى: «خير الأسماء ما عبِّد وحمِّد» (٢)، فهذا لا أصل له ولا يصح عن النبي ﷺ ، ثم إنه إذا لم يعجبه التسمية بعبد الله وعبد الرحمن؛ لكثرة هذين الاسمين في حمولته ويخشى من الاشتباه، كما يوجد في بعض الحمائل الكبار، حتى إنه ربما يكون الكتاب الذي يرسل إلى فلان يصل إلى فلان الآخر المساوي له في الاسم، أو يحتاج أن يذكره إلى خامس جد أو ما أشبه ذلك، فله أن يسمي باسم آخر لكن يختار ما هو أنسب وأحسن.
ويحرم أن يسمي باسم يُعبد لغير الله، فلا يجوز أن يسمي عبد الرسول، ولا عبد الحسين، ولا عبد علي، ولا عبد الكعبة، وقد نقل ابن حزم الإجماع على تحريم ذلك إلا عبد المطلب فإنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب» (٣)، فأخذ بعض العلماء من هذا جواز التسمية بعبد المطلب، ولكن الحديث لا دليل فيه؛ لأن الحديث من باب الإخبار لا من باب الإنشاء، فالرسول يتحدث عن جده يعني عن اسم سمي وانتهى ومات صاحبه، والإخبار ليس كالإنشاء، ولهذا
стр. 3062
لا يجوز على القول الراجح أن يسمي الإنسان ابنه بعبد المطلب، فإن استدل مستدل بكلام الرسول ﵊ أجبناه بأن ذلك من باب الإخبار، ولهذا لو كان لك أب يسمى بعبد الرسول فلك أن تقول أنا فلان ابن عبد الرسول وليس هذا إقراراً؛ بل إخباراً، لكن إذا كان عبد الرسول حياً فإنه يغير اسمه إلى آخر، فباب الإخبار أوسع من باب الإنشاء، والمحرم الإنشاء.
مسألة: هناك أسماء بدأت تظهر على الساحة لا سيما في النساء وهي غريبة، وقد ذكر بعض الناس رجلاً سمى ولده نكتل فقيل له لماذا؟ قال: لأن هذا أخو يوسف ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ﴾ وهذا من الجهل فهم يريدون أن يتبركوا بالأسماء الموجودة في القرآن الكريم فيختطفون ولا يفكرون ولا يقدرون، فالذي ينبغي أن يُختار الأسماء الموجودة في عرفه والتي يألفها الناس، وليس فيها محظور شرعي، وأما الأسماء الغربية فهي إن كانت من الأسماء المختصة بالكفار فهي حرام؛ لأن هذا من أبلغ التشبه بهم، ومن أكبر ما يجعلهم في العلياء، فإذا كان المسلمون يختارون أسماء هؤلاء الكفار، مثل جورج وما أشبهه، فإنهم بذلك يعظمونهم.
أما أسماء الملائكة:
فمن العلماء من قال: التسمي بأسمائهم حرام.
ومنهم من قال: إنه مكروه.
ومنهم من قال: مباح.
стр. 3063
والأقرب الكراهية مثل جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، فلا نسمي بهذه الأسماء؛ لأنها أسماء ملائكة.
أما الأسماء بما في القرآن مما ليس فيه محظور، مثل سندس، فلا بأس؛ لأن هذا ليس فيه محظور، وليس فيه تزكية، لكن كما قلت لكم كون الإنسان يختار من الأسماء ما يألفه الناس ويسيرون عليه هذا هو الأولى.
والأصل أن التسمية مرجعها إلى الأب؛ لأنه هو ذو الولاية، لكن ينبغي أن يستشير الأم وإخوانه في الاسم؛ لأن النبي ﷺ قال: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي» (١)، ومن المعلوم أن الإنسان إذا تبسط مع أهله واستشار في هذه الأمور أنه من الخيرية بلا شك، ولأجل أن تطيب القلوب.
وأحياناً يتعارض قول الأم مع قول الأب في التسمية، فالمرجع إلى قول الأب، لكن إن أمكن أن يجمع بين القولين باختيار اسم ثالث يتفق عليه الطرفان فهو أحسن؛ لأنه كلما حصل الاتفاق فهو أحسن وأطيب للقلب.
قوله: «فإن فات ففي أربعة عشر، فإن فات ففي إحدى وعشرين»، أي: تعتبر الأسابيع الثلاثة الأولى السابع، والرابع عشر، والحادي والعشرون.
стр. 3064
قال في الشرح: يروى عن عائشة ﵂ (١)، فإن فات اليوم الحادي والعشرون ففي أي يوم؛ لأنه ربما لا يتيسر للإنسان أن يذبح في اليوم السابع أو الرابع عشر أو الحادي والعشرين.
تُنْزَعُ جُدُولاً وَلَا يُكْسَرُ عَظْمُهَا، وحُكمُهَا كَالأضْحِيَةِ إِلاَّ أنَّه لَا يُجْزِئ فِيها شرِك فِي دَمٍ. …
قوله: «تنزع جدولاً ولا يكسر عظمها»، أي: أعضاءً، يعني لا تكسر عظامها، وإنما تقطع مع المفاصل، وهذا أيضاً مروي عن عائشة ﵂ (٢)، قالوا: من أجل التفاؤل بسلامة الولد وعدم انكساره، ولكن ليس هناك دليل يطمئن إليه القلب في هذه المسألة؛ ولهذا قال بعض أهل العلم: إنها تفصل كما يفصل غيرها بدون أن نأخذها عضواً عضواً، والغريب أن بعض الناس قال: وينبغي أن تطبخ بالحلو أي يوضع فيها سكر تفاؤلاً بحلاوة أخلاق الطفل، وهذا قول ضعيف؛ لأنه ليس فيه دليل، ومسألة التفاؤل لا ينبغي أن نتوسع فيها هذا التوسع.
قوله: «وحكمها كالأضحية»، أي: حكم العقيقة حكم الأضحية في أكثر الأحكام ومنها:
стр. 3065
أولاً: أنه لا بد أن تكون من بهيمة الأنعام، فلو عق الإنسان بفرس لم تقبل؛ لقول النبي ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (١)، وقد قال: «عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة» (٢).
ثانياً: أنه لا بد أن تبلغ السن المعتبرة، وهو ستة أشهر في الضأن، وسنة في المعز، وسنتان في البقر، وخمس سنين في الإبل.
ثالثاً: أن تكون سليمة من العيوب المانعة من الإجزاء كالعور البيِّن، والمرض البين، والعرج البين، وما أشبه ذلك.
وتخالف الأضحية في مسائل منها:
أولاً: أن طبخها أفضل من توزيعها نِيَّة؛ لأن ذلك أسهل لمن أطعمت له.
ثانياً: ما سبق أنه لا يكسر عظمها، وهذا خاص بها.
ثالثاً: ما ذكره المؤلف أنه لا يجزئ فيها شرك في دم بقوله:
«إلا أنه لا يجزئ فيها شرك في دم»، أي العقيقة لا يجزئ فيها شرك دم، فلا تجزئ البعير عن اثنين، ولا البقرة عن اثنين، ولا تجزئ عن ثلاثة ولا عن أربعة من باب أولى؛ ووجه ذلك:
أولاً: أنه لم يرد التشريك فيها، والعبادات مبنية على التوقيف.
ثانياً: أنها فداء، والفداء لا يتبعض؛ فهي فداء عن النفس، فإذا كانت فداء عن النفس فلا بد أن تكون نفساً.
стр. 3066
والتعليل الأول لا شك أنه الأصوب؛ لأنه لو ورد التشريك فيها بطل التعليل الثاني، فيكون مبنى الحكم على عدم ورود ذلك.
وَلَا تُسَنُّ الفَرَعَةُ، وَلَا العَتَيِرةُ
قوله: «ولا تسن الفرعة ولا العتيرة»، هاتان ذبيحتان معروفتان في الجاهلية وقد اختلفت الأحاديث في إثباتهما أو نفيهما، ومن ثم قال المؤلف: «لا تسن الفرعة».
والفرعة هي ذبح أول ولد للناقة، فإذا ولدت الناقة أول ولد فإنهم يذبحونه لآلهتهم تقرباً إليها، ومعلوم أن الإنسان إذا ذبح على هذا الوجه كان شركاً أكبر لا إشكال فيه، لكن لو ذبح شكراً لله على نعمته لكون هذه الناقة ولدت، فيذبح أول نتاج لها شكراً لله ؛ من أجل أن يبارك الله له في النتاج المستقبل، فهنا لا شك أن النية تخالف ما كان عليه أهل الجاهلية تماماً، ولكنها توافق ما كان أهل الجاهلية يفعلونه في الفعل وإن اختلفت النية، فهل يقال: إنها من أجل ذلك يُنْهى عنها كما نهي عن الذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله؟ هذا هو التعليل الصحيح لولا أنه ورد في السنة (١) ما يدل على الجواز؛ وعلى هذا فنقول:
стр. 3067
إن ذبح الإنسان الفرعة بقصد كقصد أهل الجاهلية فهو شرك محرم لا إشكال فيه، وإن ذبحها من أجل أن يكون ذلك شكراً لله على هذا النتاج الذي هذا أوله، ولتحصل البركة في المستقبل فهذا لا بأس به.
ولكن هل هو سنة؟ يقول المؤلف: «لا تسن».
وقوله: «ولا العتيرة»، والعتيرة فعيلة بمعنى مفعولة، من العَتْرِ وهي ذبيحة في أول شهر رجب، فقد كانوا في الجاهلية يعظمون رجباً، لأن رجباً أحد الأشهر الأربعة الحرم التي هي: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، فكانوا يعظمون هذا الشهر ويخصونه بالعمرة أيضاً، كما كان لهم عبادات في هذا الشهر منها العتيرة يذبحونها في أول رجب.
والمؤلف يقول: «لا تسن»، واستدل بالحديث المتفق عليه وهو قول الرسول ﵊: «لا فَرَعَ ولا عتيرة» (١)، وفي رواية: «لا فَرَعَ ولا عتيرة في الإسلام» (٢)، وتخصيص ذلك في الإسلام يوحي بأنها من خصال الجاهلية، ولهذا كره بعض العلماء العتيرة بخلاف الفرعة لورود السنة بها، وأما العتيرة فجديرة بأن تكون مكروهة ـ يعني الذبيحة في أول رجب ـ لا سيما وأنه إذا ذبحت في أول رجب، وقيل للناس إن هذا لا بأس به فإن النفوس
стр. 3068
ميالة إلى مثل هذه الأفعال، فربما يكون شهر رجب كشهر الأضحية ذي الحجة ويتكاثر الناس على ذلك، ويبقى مظهراً ومشعراً من مشاعر المناسك وهذا لا شك أنه محظور.
فالذي يترجح عندي أن الفرعة لا بأس بها لورود السنة بها، وأما العتيرة فإن أقل أحوالها الكراهية؛ لأن الرسول ﷺ نفى ذلك وقال: «لا فرع ولا عتيرة».
وبهذا يكون قد انتهى باب الأضاحي، والهدي، وبه يتبين لنا أن الدماء المشروعة ثلاثة أقسام: هدي وأضحية وعقيقة.
وأما وليمة العرس التي قال فيها النبي ﷺ لعبد الرحمن بن عوف ﵁: «أولم ولو بشاة» (١)، فإنها لا تختص ببهيمة الأنعام، فكما تكون بها تكون بغيرها، كالطعام، والتمر، والحيس الذي يخلط فيه التمر والأقط والسمن، وغير ذلك، لكن إذا أولم بشاة فلا بأس.
مسألة: ما يفعله بعض الناس إذا نزل منزلاً جديداً ذبح ودعا الجيران والأقارب، هذا لا بأس به ما لم يكن مصحوباً بعقيدة فاسدة، كما يفعل في بعض الأماكن إذا نزل منزلاً، فإن أول ما يفعل أن يأتي بشاة ويذبحها على عتبة الباب حتى يسيل الدم عليها، ويقول: إن هذا يمنع الجن من دخول البيت، فهذه عقيدة فاسدة ليس لها أصل، لكن من ذبح من أجل الفرح والسرور فهذا لا بأس به.
стр. 3069
مسألة: ما يفعله بعض الناس الآن إذا كان في رمضان ذبحوا ذبائح وقالوا: هذا عشاء الأب، وهذا عشاء الأم، وهذا عشاء الجد، وهذا عشاء الخالة، عشاء الوالدين، فهذا أيضاً ليس بمشروع إلا إذا ذبح الإنسان هذا من أجل اللحم، لا من أجل أن يتقرب إلى الله بالذبح، فإن كان هذا الأول فإنه لا بأس به فقد يقول: أنا لا أريد أن أذهب إلى المجزرة وأريد أن أذبح الشاة عندي، وآكل لحمها فقط، لا تقرباً إلى الله بالذبح، ولا افتخاراً فيقال: ذبح عن أبيه شاة أو ما أشبه ذلك فهذا لا بأس به.
والهدي منه ما هو واجب، ومنه ما هو تطوع، فالواجب هدي المتعة والقران، والتطوع أن يتقرب الإنسان إلى الله بذبح شاة، أو بعير، أو بقرة في مكة؛ ليتصدق بها على الفقراء بدون سبب.
وأما الدم الواجب لفعل محظور، أو ترك واجب، فهذا يسمى فدية، ولا يأكل منه صاحبه شيئاً.
стр. 3070
الشرح الممتع
على
زاد المستقنع
لفضيلة الشيخ العلامة
محمد بن صالح العثيمين
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
المجلد الثامن
دار ابن الجوزي
طبع بإشراف مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
الطبعة الأولى ١٤٢٥ هـ
стр. 3071
كتاب الجهاد
قوله: «كتاب الجهاد»، الجهاد مصدر جاهد الرباعي، وهو بذل الجهد في قمع أعداء الإسلام بالقتال وغيره؛ لتكون كلمة الله هي العليا.
وينقسم الجهاد إلى ثلاثة أقسام: جهاد النفس، وجهاد المنافقين، وجهاد الكفار المبارِزين المعاندين.
أما النوع الأول:
فهو جهاد النفس: وهو إرغامها على طاعة الله، ومخالفتها في الدعوة إلى معصية الله، وهذا الجهاد يكون شاقًّا على الإنسان مشقة شديدة، لا سيما إذا كان في بيئة فاسقة، فإن البيئة قد تعصف به حتى ينتهك حُرُمات الله، ويدع ما أوجب الله عليه، وقد روي عن النبي ﷺ حينما رجع من غزوة تبوك أنه قال: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر»، يعني جهاد النفس، لكنه حديث غير صحيح (١).
أما النوع الثاني:
فهو جهاد المنافقين، ويكون بالعلم، لا بالسلاح؛ لأن المنافقين لا يقاتَلون، فإن النبي ﷺ استؤذن أن يُقْتَلَ المنافقون
стр. 3072
الذين علم نفاقهم فقال: «لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه» (١)، والدليل على أنهم يُجاهَدون قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التحريم: ٩]. ولما كان جهاد المنافقين بالعلم، فالواجب علينا أن نتسلح بالعلم أمام المنافقين الذين يوردون الشبهات على دين الله؛ ليصدوا عن سبيل الله، فإذا لم يكن لدى الإنسان علم فإنه ربما تكثر عليه الشبهات والشهوات والبدع ولا يستطيع أن يردها.
أما النوع الثالث:
فهو جهاد الكفار المبارِزين المعاندين المحاربين، وهذا يكون بالسلاح، وقد يقال: إن قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] يشمل النوعين: جهاد المنافقين بالعلم، وجهاد الكفار بالسلاح، ولكنّ قول الرسول ﷺ : «ألا إن القوة الرمي» (٢)، يؤيد أن المراد بذلك السلاح، والمقاتلة.
وَهُو فَرْضُ كِفَايَة وَيَجِبُ إِذَا حَضَرَهُ أَوْ حَصَرَ بَلَدَهُ عَدَوٌّ أَوْ اسْتَنْفَرَهُ الإِمَامُ
قوله: «وهو فرض كفاية» وفرض الكفاية هو الذي إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، وصار في حقهم سنّة، وهذا حكمه.
أما مرتبته في الإسلام فقد سمَّاه النبي ﷺ : «ذروة سنام
стр. 3073
الإسلام» (١)، والسنام هو الشحم النابت فوق ظهر الجمل، وذروته أعلاه، وإنما جعله النبي ﷺ ذروة سنام الإسلام؛ لأنه يعلو به الإسلام ويرتفع به، كما أن سنام البعير كان فوقه مرتفعاً.
وقوله: «وهو فرض كفاية». لا بد فيه من شرط، وهو أن يكون عند المسلمين قدرة وقوة يستطيعون بها القتال، فإن لم يكن لديهم قدرة فإن إقحام أنفسهم في القتال إلقاء بأنفسهم إلى التهلكة، ولهذا لم يوجب الله على المسلمين القتال وهم في مكة؛ لأنهم عاجزون ضعفاء، فلما هاجروا إلى المدينة وكوّنوا الدولة الإسلامية وصار لهم شوكة أُمروا بالقتال، وعلى هذا فلا بد من هذا الشرط، وإلا سقط عنهم كسائر الواجبات؛ لأن جميع الواجبات يشترط فيها القدرة، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
قوله: «ويجب إذا حضره»، هذا هو الموضع الأول من المواضع التي يتعين فيها الجهاد. فيجب الجهاد ويكون فرض عين إذا حضر الإنسان القتال، لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ *وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يُوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ
стр. 3074
مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ *﴾ [الأنفال]، وقد أخبر النبي ﷺ : أن التولي يوم الزحف من الموبقات حيث قال: «اجتنبوا السبع الموبقات ـ وذكر منها ـ التولي يوم الزحف» (١)، إلا أن الله تعالى استثنى حالين:
الأولى: أن يكون متحرفاً لقتال بمعنى أن ينصرف؛ ليعمل من أجل القتال، كأن يستطرد لعدوه فإذا لحقه كرّ عليه فقتله.
الثانية: أن يكون منحازاً إلى فئة، بحيث يذكر له أن فئة من المسلمين من الجانب الآخر تكاد تنهزم، فيذهب من أجل أن يتحيز إليها تقوية لها، وهذه الحال يشترط فيها ألاَّ يَخَاف على الفئة التي هو فيها، فإن خاف على الفئة التي هو فيها فإنه لا يجوز أن يذهب إلى الفئة الأخرى، فيكون في هذه الحال فرض عين عليه لا يجوز له الانصراف عنه.
قوله: «أو حصر بلده عدو»، هذا هو الموضع الثاني، إذا حصر بلدَه العدوُّ فيجب عليه القتال دفاعاً عن البلد، وهذا يشبه من حضر الصف في القتال؛ لأن العدو إذا حصر البلد فإنه سيمنع الخروج من هذا البلد، والدخول إليه، وما يأتي لهم من الأرزاق، وغير ذلك مما هو معروف، ففي هذه الحال يجب أن يقاتل أهل البلد دفاعاً عن بلدهم.
стр. 3075
قوله: «أو استنفره الإمام» هذا هو الموضع الثالث.
إذا «استنفره» أي: قال: انفروا.
وقوله: «الإمام» هو ولي الأمر الأعلى في الدولة، ولا يشترط أن يكون إماماً عامّاً للمسلمين؛ لأن الإمامة العامة انقرضت من أزمنة متطاولة، والنبي ﷺ قال: «اسمعوا وأطيعوا ولو تأمَّر عليكم عبد حبشي» (١)، فإذا تأمر إنسان على جهةٍ ما، صار بمنزلة الإمام العام، وصار قوله نافذاً، وأمره مطاعاً، ومن عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ والأمة الإسلامية بدأت تتفرق، فابن الزبير في الحجاز، وبنو مروان في الشام، والمختار بن عبيد وغيره في العراق، فتفرقت الأمة، وما زال أئمة الإسلام يدينون بالولاء والطاعة لمن تأمر على ناحيتهم، وإن لم تكن له الخلافة العامة؛ وبهذا نعرف ضلال ناشئة نشأت تقول: إنه لا إمام للمسلمين اليوم، فلا بيعة لأحد!! ـ نسأل الله العافية ـ ولا أدري أيريد هؤلاء أن تكون الأمور فوضى ليس للناس قائد يقودهم؟! أم يريدون أن يقال: كل إنسان أمير نفسه؟!
هؤلاء إذا ماتوا من غير بيعة فإنهم يموتون ميتة جاهلية ـ والعياذ بالله ـ؛ لأن عمل المسلمين منذ أزمنة متطاولة على أن من استولى على ناحية من النواحي، وصار له الكلمة العليا فيها، فهو إمام فيها، وقد نص على ذلك العلماء مثل صاحب سبل
стр. 3076
السلام وقال: إن هذا لا يمكن الآن تحقيقه، وهذا هو الواقع الآن، فالبلاد التي في ناحية واحدة تجدهم يجعلون انتخابات ويحصل صراع على السلطة ورشاوى وبيع للذمم إلى غير ذلك، فإذا كان أهل البلد الواحد لا يستطيعون أن يولوا عليهم واحداً إلا بمثل هذه الانتخابات المزيفة فكيف بالمسلمين عموماً؟!! هذا لا يمكن.
فإذا استنفره الإمام وجب عليه الخروج؛ لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ *﴾ ﴿إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٨، ٣٩]، وقال النبي ﷺ : «وإذا استنفرتم فانفروا» (١)، وهذه أدلة سمعية، والدليل العقلي: هو أن الناس لو تمردوا في هذا الحال على الإمام لحصل الخلل الكبير على الإسلام، إذ أن العدو سوف يُقدم إذا لم يجد من يقاومه ويدافعه.
الموضع الرابع: إذا احتيج إليه صار فرض عين عليه.
مثاله: عندنا دبابات وطائرات لا يعرف قيادتها إلا هذا الرجل، فحينئذ يجب عليه أن يقاتل؛ لأن الناس محتاجون إليه، وربما نقول: إن هذه المسألة الرابعة تؤخذ من قولنا: إنه فرض كفاية؛ لأنه إذا لم يقم به أحد واحتيج إلى هذا الرجل ففرض
стр. 3077
الكفاية يكون فرض عين عليه، والحاصل أن الجهاد يجب وجوب عين في أربع مسائل:
الأولى: إذا حضر القتال.
والثانية: إذا حصر بلدَه العدوُ.
والثالثة: إذا استنفره الإمام.
والرابعة: إذا احتيج إليه.
وما عدا ذلك فهو فرض كفاية.
مسألة: هل يكون الجهاد بالمال أو بالنفس أو بهما؟.
الجواب: أنه تارة يجب بالمال في حال من لا يقدر على الجهاد ببدنه، وتارة يجب بالبدن في حال من لا مال له، وتارة يجب بالمال والبدن في حال القادر ماليّاً وبدنيّاً، وكما في القرآن الكريم فإن الله يذكر الجهاد بالمال والجهاد بالنفس، ويقدم الجهاد بالمال في أكثر الآيات؛ لأن الجهاد بالمال أهون على النفوس من الجهاد بالنفس، وربما يحتاج الجند إلى المال أكثر مما يحتاجون إلى الرجال.
وَتَمَامُ الرِّبَاطِ أَرْبَعُونَ يَوْماً وَإِذَا كَانَ أَبَوَاهُ مُسْلِمَيْنِ لَمْ يُجَاهِد تَطَوُّعاً إِلاَّ بِإِذْنِهِمَا ..
قوله: «وتمام الرباط أربعون يوماً» الرباط مصدر رابط، وهو لزوم الثغر بين المسلمين والكفار، والثغر هو المكان الذي يخشى دخول العدو منه إلى أرض المسلمين، وأقرب ما يقال فيه ـ بالنسبة لواقعنا ـ: إنه الحدود التي بين الأراضي الإسلامية والأراضي الكفرية، فيسن للإنسان أن يرابط؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ
стр. 3078
تُفْلِحُونَ *﴾ [آل عمران]، وأول ما يدخل في الآية الرباط على الثغور، فيرابط الإنسان ليحمي بلاد المسلمين من دخول الأعداء، ويجب على المسلمين أن يحفظوا حدودهم من الكفار إما بعهد وأمان، وإما بسلاح ورجال حسب ما تقتضيه الحال.
والرباط أقله ساعة، أي: لو ذهب الإنسان بالتناوب مع زملائه ساعة واحدة حصل له أجر، وتمامه أربعون يوماً، هكذا جاء في الحديث (١)، ولكن لو زاد على الأربعين هل له أجر؟
الجواب: نعم له أجر، لا شك.
ثم هل الأولى أن يذهب بأهله إلى هذه الثغور؛ ليسكنوا معه، أو الأولى ألاّ يذهب بهم خوفاً عليهم؟
الجواب: فيه تفصيل، إذا كان الثغر مخوفاً فلا ينبغي أن يذهب بأهله، وإذا كان غير مخوف فالأولى أن يذهب بهم ليزداد طمأنينة؛ لأن الإنسان إذا كان بعيداً عن أهله فإنه سوف يكون منشغل البال على أهله وولده.
قوله: «وإذا كان أبواه مسلمَيْن لم يجاهد تطوعاً إلا بإذنهما» أبَوا الشخص هما أمه وأبوه، وأُطْلِق عليهما الأبوان من باب التغليب، كما يقال: القمران للشمس والقمر، ويقال: العُمَران لأبي بكر وعمر ﵄، فإذا كان الإنسان له أبوان
стр. 3079
مسلمان، وأراد الجهاد تطوعاً فإنه لا بد من إذنهما، فإن أذنا له وإلا حرم عليه الجهاد.
فإن قال قائل: هل يلزم استئذان الأب والأم لكل تطوع قياساً على الجهاد، بمعنى أنه إذا أراد أن يقوم الليل هل يشترط إذن الأبوين؟ وإذا أراد أن يصلي الراتبة أو أراد أن يطلب العلم هل يستأذن الأبوين؟.
نقول: لا يشترط. والفرق أن الجهاد فيه خطر على النفس، وسوف تتعلق أنفس الأبوين بولدهما الذاهب إلى الجهاد، ويحصل لهما قلق، بخلاف ما إذا سافر لطلب العلم في بلد آمن، أو إذا تطوع في بلده بشيء من التطوع، فإن ذلك لا ضرر على الأبوين فيه، وفيه منفعة له.
ولهذا نقول: ما فيه منفعة للإنسان ولا ضرر على الأبوين فيه فإنه لا طاعة للوالدين فيه منعاً أو إذناً؛ لأنه ليس فيه ضرر وفيه مصلحة، وأي والد يمنع ولده من شيء فيه مصلحة له، وليس على الوالد فيه ضرر فإنه مخطئ فيه وقاطع للرحم؛ لأن الذي ينبغي للأب أن يشجع أولاده من بنين أو بنات على فعل كل خير، ونظير هذا أن بعض النساء يمنعن بناتهن من صوم أيام البيض، أو من صوم يومي الاثنين والخميس بحجة أن في ذلك مشقة، وكلفة عليهن، مع أن الذي يحس بالكلفة والمشقة هن البنات الصائمات، فلا يحل للوالد أن يمنع ولده من فعل طاعة، سواء أكان ذكراً أم أنثى، إلا إذا كان على أحد الأبوين في ذلك ضرر، كما لو كان الأب أو الأم يحتاج أحدهما إلى تمريض
стр. 3080
مثلاً، وإذا اشتغل الابن أو البنت بهذه الطاعة ضَرَّ الأب أو الأم فحينئذ لهما أن يمنعاه، ويجب عليه هو أن يمتنع؛ لأن بر الوالدين واجب والتطوع ليس بواجب.
وقوله: «أبواه مسلمين» ظاهر كلامه أنه ولو كانا رقيقين فإنه لا يجاهد تطوعاً إلا بإذنهما؛ لأنه لم يقل: مسلمين حرين، بل قال: «أبواه مسلمين» وأطلق، فلو كانا رقيقين، ومنعاه من جهاد التطوع فلهما ذلك، ويجب عليه أن يمتنع.
وإذا كان أبواه كافرين فمنعاه من جهاد التطوع هل يلزمه طاعتهما؟.
الجواب: لا؛ لقوله: «وإذا كان أبواه مسلمين»؛ ولأننا نعلم أن الأبوين الكافرين إنما يمنعان ولدهما من الجهاد وقاية للكفار وحماية لهم، لا رأفة بالولد، أو إشفاقاً عليه.
وإذا كان الأبوان فاسقين يكرهان الجهاد والمستقيمِين، ويكرهان أن تعلو كلمة الحق، لكنهما مسلمان، فهل يشترط إذنهما في جهاد التطوع؟ لأن بعض الناس في أيام الذهاب إلى الجهاد يمنع ولده من الذهاب لا خوفاً عليه، يقول: اذهب لما شئت لكن للجهاد لا تذهب، ونعلم أنه ليس ذلك من أجل الخوف عليه، ولكن من أجل كراهة الجهاد.
ظاهر كلام المؤلف أنه لا يجاهد تطوعاً إلا بإذنهما، ونيتهما إلى الله، لكن في النفس من هذا شيء، فإذا علمنا أنهما لم يمنعاه شفقة عليه، بل كراهة لما يقوم به من جهاد الكفار ومساعدة المسلمين، ففي طاعتهما نظر.
стр. 3081
بدأ المؤلف ﵀ بذكر ما يلزم الإمام والجيش فقال:
وَيَتَفَقَّدُ الإِمَامُ جَيْشَهُ عِنْدَ المَسِير، وَيَمْنَعُ المُخَذِّلَ والمُرْجِفَ وَلَهُ أَنْ يُنفِّلَ فِي بِدَايتِهِ الرُّبُعَ بَعْدَ الخُمُسِ، وَفِي الرَّجعَةِ الثُّلثَ بَعْدَهُ. وَيَلْزَمُ الْجَيْشَ طَاعَتُهُ وَالصَّبْرُ مَعَهُ …
«ويتفقد الإمام جيشه عند المسير» الجيش الآن فيه طائرات ودبابات وصواريخ، فإذا ذهب الجيش المكون من إبل وخيل فما ينوب منابه مثله، نقول للإمام: تفقد إما بنفسك إن كنت ذا خبرة، أو بمن تثق به من ذوي الخبرة، وينظر الصالح فيقره، والفاسد فيمنعه حتى يكون صالحاً؛ لأنه لو ترك وأهمل فربما يكون في السلاح أو في المجاهدين من تكون الهزيمة بسببه لو ذهب به إلى المعركة، فلا بد أن يتفقد الجيش.
قوله: «ويمنع المخذِّل والمرجف» لو قال المؤلف: ويمنع كل من لا يصلح للجهاد لكان أعم، والمخذِّل هو الذي يزهد الناس في القتال يقول مثلاً: لماذا نجاهد؟ فهذا يفت في عضد الجيش بلا شك.
والمرجف هو الذي يهوّل قوة العدو، أو يضعف قوة المسلمين، فيقول مثلاً: السرية التي ذهبت قبلنا هُزِمَت، أو يقول: العدو جيشهم كثير، عندهم قوة وعندهم صواريخ وقنابل، وعندهم كيماويات، فمثل هؤلاء يجب على الإمام أن يمنعهم ولا يأذن لهم بالجهاد؛ لأن ضرر هؤلاء أكثر من نفعهم إن كان فيهم نفع.
مسألتان:
الأولى: إذا كان الجيش الذي أعد للقتال تربيته الجهادية ضعيفة، وغالبه مخذل ومرجف، فهل يقاتلون؟.
الجواب: لا، إذا كان الجيش على ما ذكر، والمخذل كثير
стр. 3082
والمرجف كثير، فإنه لا يجاهد؛ لأن الجهاد لا بد أن يغلب على الظن أننا ننتصر، أما إذا غلب على الظن الهزيمة فلا يجوز أن يُغرر بالمسلمين، المسألة ليست هينة، وليست مسألة أشخاص يفقدون، بل هذا يعتبر ذلًّا حتى على الإسلام، إلا إذا اضطر الإمام لذلك، لأن الجهاد نوعان: جهاد هجوم، وجهاد دفاع، أما الدفاع فيجب بكل حال، وأما الهجوم فهو الذي ذكرنا.
الثانية: يجب على الإمام أن ينظم الجيش، ويرتبه، ويقسمه بحسب ما تقتضيه الحاجة، وفق خطط علمية مدروسة يضعها أهل الاختصاص، فبالضرورة نعلم أن الجيوش في عصرنا الحاضر تختلف عن الجيوش في الماضي، ففي الماضي كان يسمى الجيش خميساً؛ لأنه كان يقسم إلى خمسة أقسام: مقدمة، وميمنة، وميسرة، ومؤخرة، وقلب، ويوضع لكل قسم قائد، إلى غير ذلك، أما في الحاضر فقد تعددت الأسلحة وكثرت التخصصات، فينبغي للإمام مراعاة كل ذلك، حتى لا يبدو الجيش في حالة فوضى عند التحام الجيشين.
وهل له أن يبعث العيون يعني الجواسيس الذين يتطلعون إلى العدو ويعرفون أخباره؟.
الجواب: نعم، بل يجب عليه إذا دعت الحاجة إلى ذلك؛ لأن هذا من جملة ما يستعين به على القتال.
قوله: «وله أن ينفِّل في بدايته الربع بعد الخمس، وفي الرجعة الثلث بعده»، «وله» أي: للإمام، ومعنى هذا أن الإمام إذا
стр. 3083
دخل أرض العدو، وبعث سرية يعني دون أربعمائة نفر يبدؤون القتال فله أن يقول لهم: لكم بعد الخمس الربع؛ لأن هذه السرية إذا ذهبت فإنها تذهب وهي أقل خوفاً من السرية التي تبعث بعد رجوع الإمام؛ لأنهم يقولون: الجيش خلفنا فيقول: اذهبوا وقاتلوا وما تغنمون نأخذ الخمس منه، ولكم بعد ذلك الربع خاصة لكم، ثم يقسم الباقي على الجيش.
وكذلك ـ أيضاً ـ له أن ينفل الثلث بعده، أي: بعد الرجوع، وانتهاء القتال فيبعث سرية ربما تتفقد من بقي من العدو ويجعل لها الثلث، وزادت عن السرية الأولى؛ لأنها أشد خوفاً، ولأن العدو في البداية ربما يكون على غفلة وعلى غرة، وهنا العدو قد انتبه، وربما يكون في قلبه حنق، يريد أن ينتقم؛ ولأن الجيش لما فرغ من القتال صار متشوفاً ومتشوقاً لأهله ففي ذلك مشقة شديدة، ولذلك كان التنفيل في الرجعة أكثر من التنفيل في البدأة، فلذلك تعطى مقابل هذا أربعة من اثني عشر، أي: تزاد على الأخرى واحداً من اثني عشر؛ لأن الأولى لها ثلاثة من اثني عشر وهذه لها أربعة من اثني عشر.
وقوله: «له» عبَّر باللام الدالة على الإباحة في مقابلة المنع، فلا ينفي أن تكون سنة أو واجبة أحياناً، فإذا رأى أن السرية لن ترجع إلا بإعطاء شيء زائد أو لن تتقدم إلا بإعطاء شيء زائد ورأى من المصلحة إرسال السرية فإنه يكون واجباً.
قوله: «ويلزم الجيش طاعته» أي: طاعة أميره الذي هو نائب عن الإمام، وهو ما يسمى في عرفنا الآن القائد أو حسب
стр. 3084
ما يعرف، فيلزم الجيش طاعته فيما أمر، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، ولكن يشترط لوجوب طاعته فيها ألاَّ يخالف أمر الله ورسوله ﷺ ، فإن خالف أمر الله ورسوله ﷺ فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ويدل لهذا:
أولاً: الآية الكريمة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، أطيعوا الله هذا فعل، وأطيعوا الرسول فعل أيضاً، فأعاد الفعل بالنسبة لطاعة الرسول ﷺ ؛ لأن طاعته مستقلة يجب أن يطاع بكل حال. أما الثالث فلم يُعد الفعل، فقال: ﴿وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ولم يقل: أطيعوا؛ لأن طاعة أولي الأمر تابعة لطاعة الله ورسوله ﷺ ، ولهذا لو أمر ولي الأمر بمخالفة أمر الله ورسوله ﷺ ، قلنا: لا سمع ولا طاعة.
وظاهر كلام المؤلف أنه تجب طاعته ولو كان فاسقاً، وهو كذلك، فتجب طاعة ولي الأمر ولو كان من أفسق عباد الله؛ وذلك لعموم الأدلة الدالة على وجوب طاعة ولاة الأمور، والصبر عليهم وإن رأينا منهم ما نكره في أديانهم وعدلهم واستئثارهم، فإننا نسمع ونطيع فنؤدي الحق الذي أوجب الله علينا، ونسأل الله الحق الذي لنا، هكذا أمر النبي ﷺ (١)، وهكذا جرى عليه سلف هذه الأمة.
стр. 3085
فإن أمر بمعصية فإنه لا طاعة له؛ لأنه هو نفسه عبد لله مأمور لله، فكيف يأمر بما يخالف أمر الله، نقول: ربنا وربك الله، ولا طاعة لك في معصية الله أبداً، ويدل لهذا قصة السرية الذين بعثهم الرسول ﷺ وأَمَّرَ عليهم رجلاً وأمرهم أن يطيعوا أميرهم، وفي يوم من الأيام أغضبوه فأمرهم أن يجمعوا حطباً، فقالوا: سمعاً وطاعة فجمعوا الحطب، وأمرهم أن يوقدوا فيه النار، قالوا: سمعاً وطاعة وأوقدوا النار، قال: ألقوا أنفسكم فيها، فتردد القوم؛ لأن النبي ﷺ أمرهم أن يطيعوه، ولكن لماذا آمنوا؟ آمنوا خوفاً من النار، فقال بعضهم لبعض: كيف نلقي أنفسنا في النار، ونحن إنما آمنا فراراً منها، وهذا قياس صحيح، فأبوا أن يلقوا أنفسهم في النار، فلما رجعوا إلى المدينة، وأخبروا النبي ﷺ بهذا، قال: «لو دخلوا فيها ما خرجوا منها» (١)؛ لأنهم قتلوا أنفسهم، ومن قتل نفسه بالنار عُذِّب بها في نار جهنم؛ لأن كل من قتل نفسه بشيء فإنه يعذب به في نار جهنم (٢)، فلو قتل نفسه بخنجر فإنه يوم القيامة يعذب بهذا الخنجر في نار جهنم، ولو قتل نفسه بالتردي من شاهق فإنه يخلق له في النار شاهق فيتردى منه يعذب به في نار جهنم، ومن قتل نفسه بسُمٍّ بأن تحسَّى هذا السم عُذب به في نار جهنم، ولو دخلوا النار عذبوا بها في نار جهنم