لا يُخرج باباً أدنى من بابه إلا بإذن الآخرين، أي: لو كان أحد هؤلاء المشتركين في الدرب له باب في أوله، فأراد أن يحوله إلى آخره فليس له ذلك؛ لأنه لا يملك من هذا الدرب إلا ما كان محاذياً لبابه أو أدنى منه لفم الدرب.
فلو فرضنا أن هذا الدرب عليه ستة أبواب، بابان في الآخر عند نهاية الدرب، وبابان على اليمين، وعلى اليسار، فأصحاب الأبواب التي في الآخر، هؤلاء لهم حق أن يفتحوا في أي مكان من هذا الدرب، والسبب لأنهم يملكون كل الدرب، فلهم حق في كل الدرب.
وأصحاب الأبواب التي على اليمين واليسار من كان منهم أدنى إلى فم الدرب، فليس له أن ينقل بابه إلى الداخل إلا بإذنهم، وأما ما أراد نقله إلى فم الدرب فله ذلك؛ لأنه أسقط حقه، لكن بشرط ألا يفتحه أمام باب جاره إلا بإذنه؛ لأنه ربما يتأذى.
وهل له أن يفتح باباً للهواء في الطريق المشترك؟
الجواب: نعم، له ذلك ولا يحتاج إلى إذن، والسبب أنه لا ضرر على أهل الشارع؛ ولأن له الحق في أن يهدم من جداره إلى مقدار قامة الرجل، فإخراج النوافذ للهواء لا بأس به.
وَلَيْسَ لَهُ وَضْعُ خَشَبِهِ عَلَى حَائِطِ جَارِهِ إِلاَّ عِنْدَ الضَّرُورَةِ إِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ التَّسْقِيفُ إِلاَّ بِهِ، وَكَذَلِكَ المَسْجِدُ وَغَيْرُهُ.
قوله: «وليس له وضع خشبه على حائط جاره إلا عند الضرورة» هذه مسألة جديدة، فالجيران لا بد أن يكون بينهم، جدار، وهذا الجدار إما أن يكون لواحد منهم فقط أو يكون مشتركاً، فإذا كان لواحد منهم فهو ملكه، وإذا كان مشتركاً فهو
стр. 3782
ملك للجميع، وكلام المؤلف الآن فيما إذا كان خاصّاً بأحدهما أي: بأحد الجارين، فهل للثاني أن يضع خشبه على هذا الجدار؟
يقول المؤلف: إذا كان هناك ضرورة فلا بأس وإلا فليس له ذلك إلا إذا أذن المالك، فإنه يجوز مطلقاً سواء اضطر إلى ذلك أم لم يضطر، وسواء كان على الجدار ضرر أم لم يكن؛ لأن الجدار ملك للجار فإذا أذن فلا بأس، ولا أحد يحول بينه وبين ماله، وأما إذا لم يأذن فإنه لا يجوز أن يضع الخشب إلا بشرطين:
الأول: الضرورة إلى وضعه.
الثاني: ألاَّ يكون على الجدار ضرر.
قوله: «إذا لم يمكنه التسقيف إلا به» هذه الضرورة مثل أن يكون الخشب قصيراً لو أنه سَقَّفَهُ على جداره هو لكانت المسافة بعيدة، فلا يمكن التسقيف به لقصر الخشب.
مثاله: حجرة طولها أربعة أمتار وعرضها متران، والعرض هو جدار الجار، والخشب الذي عنده طوله متران ونصف، فلو أراد أن يجعل الخشب على الأمتار الأربعة لا يمكن، إذن لا بد أن يجعله على المترين، والمتران هما الجدار الذي لصاحبه، فنقول: لك أن تضع الخشب على جدار جارك سواء رضي أم لم يرض، فإن قال هل لذلك شرط؟
قلنا: نعم، الشرط ألا يتضرر الجدار بذلك، مثل أن يكون الجدار رهيفاً والخشب ثقيلاً، ويتضرر الجدار، ويخشى عليه من الانهدام فحينئذٍ لا يحل له أن يضعه، لقول النبي ﷺ : «لا ضرر
стр. 3783
ولا ضرار» (١)، لكن إذا كان لا يضره فإنه لا يمنعه ما دام محتاجاً إلى ذلك.
فإذا قال الجار: أخرج عمودين واجعل بينهما جسراً، وضع الخشبة عليهما من داخل بيتك فإنه لا يلزمه؛ لأننا إذا قلنا: يلزمه، لم يبق للحديث الذي ذكره النبي ﷺ معنى من المعاني أبداً، وهو قوله ﷺ : «لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبه في جداره»، والنهي هنا للتحريم، وإنما حرم النبي ﷺ المنع؛ لأن في وضع الخشب مصلحة لصاحب الجدار ومصلحة للجار.
أما مصلحة الجار فظاهرة؛ لأنه يسلم من أن يقيم أعمدة وسقوفاً قوية تحمل الخشب، وأما مصلحة ذلك لصاحب الجدار؛ فلأن الخشب يشد الجدار ويقويه، ويقيه الشمس، والمطر، ففيه مصلحة للطرفين، ولهذا نهى النبي ﷺ الجار أن يمنع جاره من وضع خشبه على جداره، قال أبو هريرة: «ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم» (٢)، قال ذلك حين كان أميراً على المدينة، وكلامه ﵁ يحتمل معنيين:
المعنى الأول: «ما لي أراكم عنها»، أي: عن هذه السنة «معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم»، وخص الأكتاف لأنها موضع التحمل.
стр. 3784
المعنى الثاني: «ما لي أراكم عنها معرضين»، أي: تمنعون من وضع الخشب، «والله لأرمين بها ـ أي بالخشب ـ بين أكتافكم»، يعني لو لم أجد ما أضعها عليه إلا أكتافكم لوضعتها على أكتافكم؛ لأنه كان أميراً، وهذا كقول عمر بن الخطاب ﵁ لمحمد بن مسلمة: «والله لأجرينه ولو على بطنك» (١)؛ وذلك أن له مُلْكَين وبينهما ملك لجاره، فأراد أن يجري الماء من ملكه إلى ملكه الثاني مارّاً بملك جاره، فمنعه جاره وقال: لا يمكن أن تجري الماء على أرضي، فألزمه عمر ﵁ بذلك، أي: بأن يجري الماء على أرضه؛ لأنه لم تكن هناك مصلحة من المنع، فصاحب الأرض ينتفع فيزرع ويغرس على هذا الساقي الذي يمشي، والجار ـ أيضاً ـ ينتفع، لكن لو فرض أن الجار الذي منع من جريان الماء يريد أن يقيم عليها بيتاً فحينئذٍ له الحق، أما وهي بستان فجريان الماء ينفعها.
ولو قال صاحب الجدار: لا تضع الخشب حتى تسلم نصف قيمة الإيجار، فإنه لا يلزمه أن يسلمه؛ لأن الجدار ملك لبانيه، وهذا الجار إن رضي أن يكون شريكاً له في هذا الجدار ويشتريه منه فله، وإن لم يرض فإنه لا يجبر، وبناء على ذلك فإن ما يعرف عند الناس بالمباناة لا تحل للجار، فبعض الناس إذا بنى بيته وجاء جاره وبنى قال له: أعطني نصف تكاليف الجدار، فهذا حرام عليه؛ لأنه إنما بنى الجدار على أنه ملكه، فما الذي
стр. 3785
يُحل له أن يأخذ نصف تكاليفه من هذا الجار؟! نعم تلزمه إن علمنا أن الجار تباطأ في البناء وتأخر من أجل أن يبني الجار.
فالشرط لوضع الخشب ألا يكون على الجدار ضرر، والشرط الذي أشار إليه المؤلف أن يكون الجار محتاجاً إلى وضع الخشب.
قوله: «وكذلك المسجد» أي: أن المسجد كالجار، فإذا احتاج جار المسجد إلى أن يضع خشبه على جدار المسجد، أو أن يغرزها فيه غرزاً، فلا بأس بالشرطين المذكورين وهما الضرورة، وعدم الضرر على الجدار.
ولا يُقال: إن المسجد وقف عام للمسلمين، بل يُقال: إن العلة هي مصلحة الطرفين، وهذا لا يضر المسجد وهو مصلحة للجار.
قوله: «وغيره» أي: كالمدارس والرُّبُط وبيوت الأيتام وما أشبه ذلك من الأوقاف العامة، فإنه يضع خشبه عليها كما يضع على جدار الجار بالشرطين المذكورين، وهما الضرورة إلى وضع الخشب، وعدم الضرر على الجدار.
وظاهر كلام المؤلف أن للجار أن يُعَلِّيَ بناءه على جاره فيجعله ـ مثلاً ـ خمسة طوابق أو ستة طوابق، وجاره ليس له إلا طابق واحد؛ لأن الهواء تابع للقرار وهذا صحيح، فله ذلك حتى لو حجب الشمس والهواء عنه؛ لأن هذا ملكه، لكن إن علمنا أنه قصد الإضرار بجاره فهنا نمنعه؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يُضَار جاره، والمضارة ممنوعة شرعاً، حتى إن الرجل إذا أراد أن
стр. 3786
يُراجع زوجته التي طلقها حَرُم عليه إذا كان قصده المضارة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١].
أما إذا كان لغرض صحيح، كأن يستغل ملكه فيجعله شققاً ويؤجرها فله ذلك.
وَإِذَا انْهَدَمَ جِدَارُهُمَا أوْ خِيفَ ضَرَرُهُ فَطَلَبَ أحَدُهُما أَنْ يُعَمِّرَهُ الآخَرُ مَعَهُ أُجْبِرَ عَلَيْهِ، وَكَذَا النَّهْرُ والدُّولَابُ والقَنَاةُ.
قوله: «وإذا انهدم جدارهما أو خيف ضرره فطلب أحدهما أن يعمره الآخر معه أجبر عليه».
«إذا انهدم جدارهما» الضمير يعود على الجارين، أي: هذا جدار مشترك بين أرضيهما، وأقيم على نفقتيهما ثم انهدم الجدار فطلب أحدهما من الآخر أن يُعَمِّره، فقال الآخر: أنا لن أعمره؛ لأنه ليس لي حاجة لإقامة الجدار، فإنه يجبر على ذلك؛ لأنه شريك مع صاحبه فيجبر على عمارة ما كانا شريكين فيه.
فإذا أراد أحدهما أن يهدمه ليعمره بالإسمنت وهو قد عُمِّر بلبن الطين، فهل يجبر؟
الجواب: لا؛ لأن هناك فرقاً بين إصلاح ما فسد، وبين التجميل والتزويق والنقل إلى أفضل، فإصلاح ما فسد يجبر الآخر عليه، كما لو انهدم، أو خيف ضرره بأن يكون مَالَ أو تشقق، أما أن ينقل إلى أفضل فلا يجبر الآخر.
وإذا قال: أنا أريد أن أقوم به ـ والجدار مشترك ـ على نفقتي وامتنع الشريك، يُنظر في هذا فإن كان قصده من الامتناع المراغمة لجاره، وقال أهل الخبرة: إن الجدار إذا أقيم على
стр. 3787
الطراز الحديث أفضل وأحسن فهنا يجبر؛ لأنه في هذه الحال ليس عليه ضرر.
فإذا قال: اللبن ملكي كيف تأخذونه وتهدمونه؟ قلنا له: إنما نقلناه إلى أحسن وأنت ليس عليك ضرر، فالنفقة ليست عليك والجدار باق على الشركة، فأي ضرر في ذلك؟! وأنت إذا امتنعت لا تريد إلاَّ المراغمة فقط.
فإن قال: أنا لا أريد المراغمة، لكن إذا كان طيناً أمكنني أن أضرب الوتد في الجدار، أما الآن فلا يمكنني، فهذا قد يكون غرضاً، بأن يكون ممن يغسل الثياب ويريد أن يضع أوتاداً على الجدار؛ من أجل أن ينشر عليها الثياب.
والخلاصة: أنه إذا امتنع لغرض صحيح فهنا لا نجبره، أما إذا امتنع مراغمة لجاره، فإنه لا ضرر ولا ضرار.
وقوله: «أو خيف ضرره» بأن يكون الجدار متشققاً ويخشى سقوطه والشقوق عرضية فإنه يخشى منه، وإذا كانت الشقوق طولا فلا يخشى منه وهذا بالنسبة لبيوت الطين، وأما بالنسبة للبيوت المسلحة، فالظاهر أنها كلها عيب، لكن الشقوق العرضية أخطر، إلا إذا كان يوجد جسر فوق، فالظاهر أنه لا يؤثر، فإذا خيف أن يسقط الجدار ففي هذه الحال إذا طلب أحدهما من الآخر أن يعمر أجبر عليه.
قوله: «وكذا النهر» أي: لو كان بين أراضيهما نهر، وذلك بأن فتح على النهر الأم ساقية ينطلق منها الماء، فخربت الساقية
стр. 3788
وهي مشتركة بين الجارين، فهل يجبر أحدهما الآخر على إصلاحها؟
الجواب: نعم يجبره؛ لأنها مشتركة، والآن خربت ولا بد من إصلاحها، فإن طلب أحدهما من الآخر أن يوسع النهر فهل يجبر؟
الجواب: لا يجبر؛ لأن هذا كمال وليس إصلاح فاسد، فلو اتسع ملك أحدهما واحتاج إلى زيادة ماء، فقال: أنا أريد أن أوسع مدخل الماء حتى يكثر، وقال الآخر: لا، فهل يجبر؟
الجواب: لا يجبر؛ لأنه يقول: أنا لا أحتاج إلى زيادة الماء، ولا يمكن أن ترهقني بالنفقة، فإن قال الجار: أنا أقوم بالنفقة وأبى، فهل يجبر؟
الجواب: فيه تفصيل، إن كان يقول: أخشى إن زاد مدخل الماء أن يغرقني وأنا لا أتحمل، والنهر يزيد وينقص، فأخشى أن يغرقني، وإذا كان مدخله ضيقاً أمكنني أن أدرأه فأنا لا أوافق، والثاني يقول: أنا أرضي اتسعت وأحتاج إلى زيادة الماء، فينظر في الحقيقة، نقول: إذا كان الاحتمال الذي أبداه الشريك وهو خوف زيادة الماء وإغراق الزرع وارداً فهذا له حق الامتناع، ويقول لصاحبه: افتح نهراً لك، وأما إذا كان غير وارد والنهر مطرد على حال واحدة ولا يخشى منه، فإننا نجبره إذا التزم الشريك بالنفقة.
قوله: «والدولاب» وهو دولاب الماء المعروف، فإذا خرب هذا الدولاب المشترك، وطلب أحد الشريكين من الآخر أن يعمره ألزم بذلك.
стр. 3789
قوله: «والقناة» وهي الماسورة، يعني إذا كان هؤلاء لهم ماسورة تنطلق من نهر أو بئر وخربت، وطلب أحدهما من الآخر أن يعمرها وجب عليه.
والخلاصة:
أولاً: أن إصلاح الفاسد يُجبر عليه الممتنع.
ثانياً: فعل الأكمل لا يجبر عليه، إلا إذا التزم من أراد إصلاحه بالنفقة، ولم يكن على الآخر ضرر فإنه يجبر.
ثالثاً: إذا أراد نقله لمساوٍ فإنه لا يجبر مطلقاً، حتى ولو التزم الآخر بالنفقة، مثل أن ينقل الجدار بمواد هي المواد الأولى، لكن أراد أن يجعله أبيض بدل أسود أو أحمر بدل أبيض وما أشبه ذلك، فإنه لا يجبر؛ لأنه ليس فيه مصلحة.
قال في الروض (١): «ومن له عُلوٌ لم يلزمه عمارة سفله إذا انهدم بل يجبر عليه مالكه» ويُتصور هذا، فيمكن لواحد أن يشتري الدور الأعلى، والآخر الدور الأسفل فإذا انهدم الأسفل فإن الأعلى سينهدم، فقال الأعلى للأسفل: اعمر، فقال: لا، بل سأرحل إلى محل آخر فهنا يجبر صاحب الأسفل، ونقول له: إذا كنت لا تريده أقم الأعمدة والجسور والسقف؛ لأنه مالكه، فإذا قال المالك: لك الأرض لا أريدها ولن أعمرها، اعْمُرْ أنت على الأرض، فهنا ننظر أيهما أحسن أن يسكن فوق، أو أسفل؟ فالأعلى أفضل من وجوه، إذاً ما دام الأسفل ليس أحسن مطلقاً لا يجبر عليه بل يعود إلى رضاه، فإن رضي وإلا فله الحق
стр. 3790
بمطالبته بالبناء، أما لو كان الأسفل أحسن مطلقاً فإننا نلزمه؛ لأنه إذا أبى مع أنه أحسن مطلقاً علمنا أنه يريد بذلك المضارة، وقد قال النبي ﷺ «لا ضرر ولا ضرار» (١)، ونقول في مثل هذه الحال: يجبر على القبول وإلا فهو وشأنه.
قال في الروض (٢): «ويلزم الأعلى سترة تمنع مشارفة الأسفل»، فمثلاً لي بيت مرتفع فيجب أن أبني جداراً يمنع مشارفة الأسفل، وكم ارتفاعه؟ العلماء يقولون: العبرة في ذلك بقامة الرجل المتوسط، فلا بد أن يضع جداراً بحيث إذا وقف الإنسان لا يشرف على جاره.
وإذا كان الجار ليس ملاصقاً لكن بيني وبينه سور، وبيتي يطل عليه فهنا يلزمني أن أضع سترة؛ لأن هذا ضرر على الجيران، ومِثْلُ ذلك النَّوافِذُ، فلا بد أن يكونَ جدارُها رفيعاً، فإن كان غير رفيع فإنه لا يجوز، فإن قال قائل: لن أرفع هذه النوافذ، ولكن سأضع زجاجاً مثلجاً يمنع الرؤية، فقال الجار: هذا الزجاج إن كانت أبوابه متحركة فيمكن تبقى مفتوحة، وإن كانت ثابتة فصحيح ربما يمنع لكن الزجاج قابل للكسر، لو يأتي بَرَد من السحاب ويضرب الزجاج كسره، أو يعبث شخص بالحصى لكسر الزجاج، فأنا أتوقف في هذه المسألة.
стр. 3791
بَابُ الحَجْرِ
وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى وَفَاءِ شَيْءٍ مِنْ دَيْنِهِ لَمْ يُطَالَبْ بِهِ وَحَرُمَ حَبْسُهُ، وَمَنْ مَالُهُ قَدْرَ دَيِنِه لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ وَأُمِرَ بِوَفَائِهِ، فَإنْ أَبَى حُبِسَ بِطَلَبِ رَبِّهِ، فَإِنْ أصَرَّ وَلَمْ يَبِعْ مَالَهُ بَاعَهُ الحَاكِمُ وَقَضَاهُ وَلَا يُطَالَبُ بمُؤَجَّلٍ.
قوله: «باب الحجر» الحجر في اللغة: المنع والتضييق، ومنه سمي العقل حِجْراً، قال: ـ تعالى ـ: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حْجِرٍ *﴾ [الفجر: ٥]، أي: لذي عقل، وسمي العقل حجراً؛ لأنه يمنع صاحبه من فعل ما لا يليق شرعاً أو عرفاً.
أما في الاصطلاح: فهو منع إنسان من التصرف في ماله، وذمته، أو في ماله فقط.
وهو قسمان: إما لمصلحته أو لمصلحة غيره، أي أن الحجر قد يكون لمصلحة المحجور عليه، وقد يكون لمصلحة غيره، فإن كان لمصلحته فهو حجر في المال والذمة، وإن كان لمصلحة الغير فهو حجر في المال فقط.
فمثلاً إذا قلنا للموصي: لا توص بأكثر من الثلث، أي: حجرنا عليه فيما زاد على الثلث فهذا لمصلحة الغير، فيمنع من التصرف في ماله ولا يمنع من التصرف في ذمته، وإذا حجرنا على السفيه ألا يتصرف في ماله أو ذمته فهذا لمصلحة نفسه، فالمهم أن الحجر تارة يكون لمصلحة الغير، وتارة يكون لمصلحة المحجور عليه نفسه، وله أسباب تتبين في الشرح.
قوله: «ومن لم يقدر على وفاء شيء من دَينه لم يطالب به وحرم حبسه».
стр. 3792
قسم المؤلف ﵀ المدين إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: من لم يقدر على وفاء شيء من دينه، يعني ليس عنده شيء يفي به، كرجل عليه مائة درهم، لكن ليس عنده شيء، فكيف نعامل هذا؟
يقول المؤلف: «لم يطالب به وحرم حبسه» يعني لا يحل لغريمه أن يطالبه، بل ولا أن نطلبه؛ دليل ذلك قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، ولما قال: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾. قال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]، إذاً هذا لا يتعرض له ويترك حتى يرزقه الله ويوفي دينه، هذا الذي لا يستطيع وفاء شيء من دينه، فليس عنده شيء أبداً.
وبهذا نعرف أن أولئك الظلمة، الذين يطالبون الغرماء الذين ليس عندهم شيء، لا يخافون الله، ولا يرحمون عباد الله، لا يخافون الله؛ لأنهم عصوا الله، فالله يقول: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾، وهؤلاء لم ينظروه، ولم يرحموا عباد الله؛ لأنهم يكلفون العبد ما لا يطيق، وربما أدى ذلك إلى حبسه؛ لأن بعض القضاة قد لا يتصرف تصرفاً حسناً، فيحبس هذا الغريم مع أنه لا يستطيع الوفاء، وما أحسن أن تقرأ في حاشية العنقري كلاماً لابن هبيرة.
وقوله: «وحرم حبسه» حرم على ولي الأمر أن يحبسه، سواء حبسه في السجن العام، أو حبسه في بيته؛ لأن الحبس لا يعني أن يكون في السجن العام، بل قد يحبس الإنسان في بيته ويرسم عليه،
стр. 3793
ويقال: لا تخرج من البيت؛ لما سبق من الآيات التي ذكرناها.
فلا يحل للقاضي أن يحكم بحبس المطلوب؛ لأن حبسه ليس فيه فائدة بل لا يزيد الأمر إلا شدة، ليدعه يطلب الرزق في أرض الله فلعله أن يوفي، بل ويحرم على القاضي سماع الدعوى في مطالبته متى تبين له أنه فقير، ويجب على القاضي إذا نهى من له الدين عن الطلب وأصرَّ، أن يؤدب هذا المطالب؛ لأنه فعل معصية، وقد قال العلماء: التعزير واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، لكن لو ادَّعى العسرة وهو كاذب فلا بد من بينة، فلو ادعى العسرة وليس هناك قرينة تدل على أنه موسر فإنه يحلف ويخلى، فإن كان هناك قرينة تدل على أنه موسر فللقاضي أن يحبسه.
قوله: «ومن ماله قدر دينه لم يحجر عليه» لا يعني بذلك أن يكون المال قدر الدين سواء بسواء، بل المراد من ماله قدر دينه أو أكثر فإنه لا يحجر عليه، كرجل عليه مائة درهم وبيده مائة درهم، فهذا ماله قدر دينه، فلا يحجر عليه؛ لأنه لا حاجة للحجر.
مثال آخر: رجل عليه مائة درهم وبيده مائتا درهم، فهذا لا يحجر عليه، إذاً مراد المؤلف بقوله: «من ماله قدر دينه» هذا الحد الأدنى، يعني قدر الدين أو أعلى فإنه لا يحجر عليه، ولا يمنع من التصرف في ماله ولكن ماذا نفعل؟
يقول: «وأمر بوفائه» «أمر» مبني لما لم يسمَّ فاعله، فمن الفاعل الآمر؟
стр. 3794
الجواب: هو ولي الأمر من قاض، أو أمير، أو غيرهما، فإن أبى حبس بطلب رب الدين أي: صاحب الدين، فيحبسه ولي الأمر إما في السجن العام، وإما في بيته، وإما في بيت آخر، المهم أنه يمنع من التصرف، ومن التجول.
قوله: «فإن أبى حبس بطلب ربه» أي: رب الدين، والرب هنا بمعنى الصاحب، فهو يطلق على عدة معانٍ منها الصاحب، يعني إذا طلب صاحب الدين أن يحبس حبس؛ والدليل على الحبس قول النبي ﵊: «لَيُّ الواجد ظلم يُحل عرضه وعقوبته» (١)، «لَيّ» بمعنى مطل، و «الواجد» هو القادر على الوفاء، «عرضه»، أي: غيبته في الشكوى بأنه مماطل، و «عقوبته» لم يبين نوع العقوبة، فقال بعض العلماء: الحبس، وعندي أن الحديث ينبغي أن يكون على إطلاقه، وأن يراد بالعقوبة ما تجعله يوفي ما عليه، فقد يكون الحبس أنكى له فيبادر بالوفاء، وقد يكون الضرب أنكى، وقد يكون التشهير به أنكى له فيبادر بالقضاء، فالصحيح أن العقوبة مطلقة ترجع إلى اجتهاد القاضي، هذا إذا كان ماله قدر دينه.
فإن لم يطلب وقال للقاضي ـ مثلاً ـ لما رأى أنه متوجه إلى
стр. 3795
حبسه: لا تحبسه، إذا آل الأمر إلى حبسه فأنا أصبر، فهنا لا يحبس؛ لأن الحق لصاحب الدين ولو شاء أن يبرئه لأبرأه، فإذا كان الحق حقه ولو شاء أن يبرئه لأبرأه فهنا يبرئه من الحبس، فيقول: لا يُحبس اتركه متى أراد أوفى، فإن أصر حبس، وهذه الصورة قد تكون نادرة، لكن ربما تقع من بعض السفهاء أو من بعض من يريد الإضرار بالدائن، المهم يحبس يومين أو ثلاثة أو أكثر.
قوله: «فإن أصر ولم يبع ماله باعه الحاكم وقضاه» ولم يذكر المؤلف الضرب، يعني أنه يحبس ولا يضرب، وظاهر كلامه أنه لا يضرب.
وقال بعض أهل العلم: بل يضرب، فيعزر كل يوم، لكن لا يزاد على عدد الجلدات التعزيرية، وهي على المشهور عشر جلدات، كل يوم نجلده عشر جلدات، فيحبس ليلاً ونهاراً ويجلد صباحاً، ويقال له: أوف ما عليك وإذا لم ينفع فيه حبس ولا ضرب، حينئذٍ يبيع الحاكم ماله ويقضي دينه، لكن المؤلف ﵀ مشى على أنه لا ضرب؛ لأنه لا فائدة، فرجل صبر على الحبس ولم يوف فما الفائدة من ضربه؟ لكن لو رأى ولي الأمر من قاض أو أمير، أن ضربه قد يفيد فله أن يضربه ضرباً غير مبرح، وعلى هذا فنجعل الضرب ليس لازماً بل هو راجع إلى المصلحة.
وظاهر كلام المؤلف أن الحاكم لا يبيع ماله فوراً، بمعنى أنه إذا قيل له: أوف الدين، قال: لا، قلنا: نحبسك، قال:
стр. 3796
احبسوني، فظاهر كلام المؤلف: أنه لا يباع، وإنما يستعمل معه الحبس، وإلى متى؟ إلى يومين أو ثلاثة أو أربعة، فلم يحدد، بل إلى أن يوفي، وإلا سيبقى في الحبس دائماً، ولا شك أن هذا فيه إضرار بلا مصلحة، إضرار بصاحب الدين من جهة، وإضرار بالغريم المدين من جهة أخرى.
ولهذا لو كان أحد من العلماء يقول: بأنه لا يحبس ولا يضرب، وإنما يتولى الحاكم الوفاء مباشرة مما عنده، لو قيل بهذا لكان له وجه؛ لأن في ذلك مصلحة للطرفين، أما صاحب الحق فمصلحته ظاهرة أنه يسلم إليه الحق، وأما المدين وهو الغريم فالمصلحة في حقه انتفاء الضرر عليه بالسجن أو الضرب، وحينئذٍ نقول: إذا استوفى صاحب الحق حقه، فلا حرج على القاضي أو ولي الأمر أن يؤدب هذا المماطل بحبس، أو ضرب، فيكون هنا التأديب فيه مصلحة، ألا يعود مثل هذا إلى المماطلة، وأما المبادرة بتولي قضاء الدين ففيه مصلحة لصاحب الدين.
وقوله: «فإن أصر ولم يبع ماله باعه الحاكم وقضاه» «باعه» الهاء تعود على المال، و «الحاكم» القاضي، وكلما جاءت كلمة «الحاكم»، فالمراد به القاضي، لكن لو أنه جَعَلَ هيئةً للنظر في الديون، صارت هذه الهيئة تتولى شؤون الديون، ولا يتولاها الحاكم.
مسألة: هل يجوز أن يشتري الناس والمالك لم يرضَ؟ يجوز، لأنه بيع بحق والبيع لا يصح إذا كان مكرهاً بغير حق، أما إن كان بحق فلا بأس به، ومن ثَمَّ ننتقل إلى مسألة مشكلة
стр. 3797
وهي ما تأخذه الحكومة تعزيراً، فهل يجوز أن نشتريه إذا عرض للبيع؟ نعم يجوز؛ لأنها أخذت بحق مثل السيارات والأراضي ونحوها.
وقوله: «باعه الحاكم» هذا مقيد بما إذا لم يكن المال عنده من جنس الدين، فإن كان من جنس الدين فلا حاجة لبيعه.
مثاله: رجل يُطْلَبُ منه مائة صاع بر، وعنده مائة صاع بر، إذاً ماله الآن قدر دينه فلا يحجر عليه، ومن جنس دينه فلا يباع، اللهم إلا أن يكون ما في ذمته موصوفاً بصفات لا توجد في هذا البر الذي عنده، فحينئذٍ لا بد من بيعه، سواء كان الذي عنده أطيب أو أردأ، إن كان أردأ فإن صاحب الحق لا يرضى، وإن رضي فلا حرج، وإن كان أطيب فإن المدين لا يرضى وإن رضي فلا حرج.
قوله: «ولا يطالب بمؤجل» يعني أن المدين لا يطلب ولا يطالب ـ أيضاً ـ بمؤجل حتى يحل أجله، ودليل ذلك قول النبي ﷺ : «المسلمون على شروطهم» (١)، وصاحب الدين قد رضي بتأجيله، فيجب عليه الانتظار حتى يحل الأجل، فإذا حل الأجل عملنا ما سبق، يعني صار كالحال.
وَمَنْ مَالُهُ لَا يَفِي بِمَا عَلَيْهِ حَالًّا وَجَبَ الحَجْرُ عَلَيْهِ بِسُؤَالِ غُرَمَائِهِ أَوْ بَعْضِهِمْ وَيُسْتَحَبُّ إِظْهَارُهُ، وَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِي مَالِهِ بَعْدَ الحَجْرِ، وَلَا إِقْرَارُهُ عَلَيْهِ، وَمَنْ بَاعَهُ أَوْ أَقْرَضَهُ شَيْئاً بَعْدَهُ رَجَعَ فِيهِ إِنْ جَهِلَ حَجْرَهُ وَإِلاَّ فَلَا،
قوله: «ومن ماله لا يفي بما عليه حالًّا وجب الحجر عليه» هذا هو القسم الثالث، مثاله: رجل له ألف ريال وهو مطلوب
стр. 3798
بألفين، فالمال الذي عنده لا يفي بما عليه حالًّا، فماذا نصنع؟
يقول المؤلف: «وجب الحجر عليه» أي: وجب على الحاكم الذي يتولى هذه الأمور الحجر على من ماله لا يفي بما عليه.
قوله: «بسؤال غرمائه» يعني إذا سأل الغرماء الحجر عليه.
قوله: «أو بعضهم» أي: أو سأل بعضهم الحجر عليه وجبت إجابته، ودليل ذلك أن النبي ﷺ حجر على معاذ ﵁ وباع ماله في دين عليه (١)، هذا من جهة الأثر، وإن كان فيه مقال.
ومن جهة النظر؛ فلأنه في الحجر عليه حماية لحق الدائن وحماية لذمة المدين، فالدائن حتى يعطى حقه أو بعضه، وحماية لذمة المدين لئلا تبقى ذمته معلقة مشغولة بالدين دائماً، وهذه مصلحة كبرى عظيمة للدائن والمدين، فكان مقتضى النظر الصحيح أن يثبت الحجر.
ومن جهة النظر ـ أيضاً ـ أن النبي ﷺ جعل مطل الغني ظلماً (٢)، وهذا وإن لم يكن غنيّاً الغناء التام الذي يوفي، لكن عنده بعض الشيء فيكون ظالماً بمنع الحقوق، والظلم يجب
стр. 3799
رفعه، ولا سبيل لنا إلى رفعه في هذه الحال إلا بالحجر عليه؛ لأنه لو قال قائل: احبسوه، كما في القسم الثاني، قلنا: ولو حبسناه ليس فيه فائدة؛ لأن المال الذي عنده لا يفي بخلاف القسم الثاني فالمال يفي، أما هنا فلا حاجة، والظلم تجب إزالته، فلهذا وجب الحجر.
ومعنى الحجر أن نمنعه من التصرف في ماله، لا في ذمته، فلا يتصرف ببيع ولا شراء ولا هبة ولا وقف ولا رهن، ولا غير ذلك، فإذا كان صاحب متجر أغلقنا المتجر بحيث لا يتصرف فيه بشيء، ولو صاحب زراعة، منعناه من التصرف في زراعته، المهم أن نمنعه من التصرف في أعيان ماله، حفظاً لذمته ولحق الغرماء.
قوله: «ويستحب إظهاره» أي: إظهار الحجر بوسائل الإعلام، فلان محجور عليه؛ وذلك لفائدتين:
الأولى: ليظهر من له دين عند هذا الرجل؛ لأنه إذا اشتهر أنه حجر عليه فأهل الدين سيأتون.
الثانية: لئلا يغتر الناس فيعاملوه بعد الحجر، ومعلوم أن معاملته بعد الحجر باطلة، يعني لو أن أحداً اشترى منه شيئاً بعد الحجر، فإن الشراء لا يصح ولا ينفذ، فيعلم الناس حتى لا يغتروا بمعاملته؛ لأنه إذا لم يعلم فإنه ربما يغتر الناس ويعاملونه، فيستحب إظهاره لما فيه من الفائدة للمحجور عليه، وللغرماء ولغيرهم من الناس.
قوله: «ولا ينفذ تصرفه في ماله بعد الحجر» يعني بعد أن نحجر عليه لا ينفذ تصرفه في ماله، لا ببيع ولا شراء ولا تأجير
стр. 3800
ولا هبة ولا رهن ولا وقف، فأي تصرف في المال لا ينفذ؛ لأنه محجور عليه فأصبحت أمواله مشغولة بحقوق الغرماء، فصار كالراهن يبيع الرهن، وبيع الرهن ـ كما سبق ـ غير صحيح، وهذه فائدة الحجر، أن نمنعه من التصرف في ماله لحق الغرماء، فهذا محجور عليه لحق غيره.
مثال ذلك: رجل حجرنا عليه وعنده سيارة قد وضعها في المعرض قبل الحجر عليه، فهل يمكن أن يبيعها؟
الجواب: لا يمكن؛ لأنه إذا حجر عليه لا يمكن أن يتصرف.
وقوله: «في ماله» يؤخذ منه أنه يصح تصرفه في ذمته، بأن يشتري شيئاً بثمن مؤجل، وهو كذلك، فلو اشترى المحجور عليه في ذمته لم نمنعه؛ لأن المال الذي حجر عليه لا يتضرر بذلك، ولكن البائع لا يدخل مع الغرماء فيما حجر عليه فيه هذا الشخص، فإذا اشترى من شخص سيارة فنقول: الشراء صحيح، لكن لا ينقد ثمنها من المال الذي عنده، وتكون السيارة للمحجور عليه.
وصاحب السيارة لا يدخل مع الغرماء في ماله السابق؛ وذلك لأنه حجر عليه قبل هذا التصرف.
وقوله: «بعد الحجر» يؤخذ منه أن تصرفه قبل الحجر صحيح، ولو أضر بالغرماء، فلو كان عليه دين وماله أقل من دينه، وتصرف فيه بالهبة بأن وهب من وجد من الناس، فتصرفه صحيح.
стр. 3801
مثاله: إنسان عليه عشرة آلاف، وليس عنده إلا ثمانية آلاف، فذهب يتبرع للناس، فكل من وجد تبرع له، فنقول: لا يصح التبرع، مع أنه بالغ عاقل رشيد؛ لأن المال الآن تعلق به حق الغرماء.
فظاهر كلام المؤلف أن تصرفه صحيح ولو أضر بالغرماء ولكنه آثم، وهذا هو المذهب.
واختار شيخ الإسلام ﵀ أن تصرفه قبل الحجر، إن كان مضراً بالغرماء فهو غير صحيح ولا نافذ، وإن كان غير مضر فهو صحيح ونافذ، وهذا أصح؛ ووجهه أن تصرفه في ماله تصرفاً يضر الغرماء حرام ـ حتى على المذهب ـ والشيء الحرام لا يجوز أن ينفذ؛ لأن تنفيذ ما حرم الله مضادة لله ، وقال النبي ﷺ : «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط» (١)، ولهذا سئل الإمام أحمد ﵀ عن المدين، هل يتصدق أو لا؟ قال: بالشيء اليسير كالخبزة وشبهها، وأما ما يضر بالغرماء فلا يجوز، على أننا نرى أنه لا يجوز أن يتصدق ولو بالقليل ما دام عليه دين أكثر مما عنده من المال؛ لأن القليل، مع القليل كثير، فإذا قلنا تصدق ـ مثلاً ـ بدرهم على هذا الفقير، فجاء فقير آخر تصدق بدرهم وهلم جراً، فصار القليل كثيراً فالمنع أولى؛ ولأننا إذا منعناه من الصدقة، وقلنا: لا يمكن أن تتصدق، صار ذلك أشحذ لهمته في وفاء دينه؛ لأن الإنسان قد لا يحتمل أن يبقى لا يتصدق.
стр. 3802
ولو أراد أن يعتمر وعليه دين أكثر من ماله، ومعه مال الآن يستطيع أن يعتمر به، فإننا نقول: لا تعتمر، وهذا حرام عليك، قال: ما أديت الفريضة، قلنا: لا فريضة عليك؛ لأن من شرط وجوب العمرة والحج ألا يكون على الإنسان دين، فليس عليك فريضة الآن، قال: زملائي يحجون، قلنا: ولو كان، فلا يمكن حتى توفي الدَّين، فإذا قال: يريدون أن أذهب معهم مجاناً، فهذا فيه تفصيل:
إن كان يمنعه من عمل يكسب به فلا يجوز، وإن كان لا يمنعه وهو إنسان عاطل ليس عنده عمل، أو جاءت الإجازة ـ مثلاً ـ فلا حرج؛ لأنه هنا لا يضر بالغريم في شيء.
والعجب أن بعض الناس ـ نسأل الله لنا ولهم الهداية ـ تكون عليهم الديون ويقومون بإكرام الناس ودعوتهم كما يفعل الغني، هذا خطأ! وهو آثم في ذلك؛ لأن قضاء الدين واجب، ومثل هذه الأمور مستحبة وليست بواجبة؛ لكن أكثر الناس لا يعقلون هذا الأمر ويستهينون بأمر الدَّيْن، مع أن أمر الدَّيْن عظيم جدّاً، حتى إن الرسول ﷺ قبل أن يفتح الله عليه كان إذا قدمت إليه جنازة وعليها دين يمتنع من الصلاة عليها (١)، وهذا أمر عظيم، الرسول ﷺ لا يشفع له! وكذلك ـ أيضاً ـ الرجل يقتل في سبيل الله، تكفر الشهادة كل شيء إلا الدَّين، ولهذا لما سئل النبي ﷺ عن الشهادة قال: «إنها تكفِّر كل شيء»، فانصرف
стр. 3803
الرجل فناداه فقال: «إلا الدَّين أخبرني بذلك جبريل آنفاً» (١)، فالتهاون بالدين ليس من العقل ولا من الشرع أيضاً.
والخلاصة الآن: يحجر على المدين إذا كان ماله أقل من دينه، لكن بشرط سؤال الغرماء أو بعضهم، فإن لم يسألوا فلا حرج إذا لم يحجر عليه، لكن الصحيح أنه محجور عليه شرعاً، لا حكماً، والدليل قول النبي ﷺ : «مطل الغني ظلم»، (٢) والتبرع بماله يؤدي إلى المطل، وعدم الوفاء، فيكون ذلك ظلماً، لكن يفترق عن المحجور عليه حكماً، بأن هذا يصح أن يتصرف في ماله بغير التبرع، فيجوز أن يتصرف لكن لا يتبرع فيبيع ويشتري ـ مثلاً ـ ولا حرج، فهذا هو الفرق.
ولهذا نقول للمدين الذي ماله أقل من دينه ولم يحجر عليه: بع واشتر ليس ثمة مانع، لكن لا تتصدق ولا تتبرع، وإذا جاءه صاحب له وأراد أن يبيع عليه ما يساوي عشرة بثمانية فهذا لا يجوز؛ لأن هذا تبرع في الواقع.
قوله: «ولا إقراره عليه» يعني لا يصح بعد الحجر أن يقر على شيء من ماله الذي بيده، ويصح إقراره في ذمته.
مثال ذلك: لما حجرنا عليه قال: هذه السيارة لفلان، فلا يقبل إقراره على المال، لكن يقبل في ذمته وكيف ذلك؟ نقول: أما السيارة الآن فإنها تباع ويوفى منها الدين، وأما الذي أقر له
стр. 3804
بالسيارة فيطالبه بعد فك الحجر عنه، ويقول: أعطني قيمة السيارة، فإقراره على عين ماله لا يقبل.
والحكمة من أنه لا يقبل؛ لئلا يتواطأ الغريم وآخر على الإقرار، بأن هذا الشيء للآخر؛ من أجل ألا يباع في دينه.
مثاله: إنسان حجرنا عليه وعنده سيارة تساوي خمسين ألفاً، فجاءه صاحب له فقال: يا فلان أقر بأن السيارة لي؛ من أجل ألا تباع في الدين، هذا وارد لا شك، ولهذا يسد الباب.
كذلك لو قال لشخص: إن له علي ألف درهم في ذمتي، بعد أن حجرنا عليه، فهنا لم يقر بعين وإنما أقر بدين.
قلنا: لا يقبل بمعنى أنه لا يدخل مع الغرماء، ولكن يطالب بعد فك الحجر عنه؛ لأن التهمة حاصلة، فقد يأتي إنسان صاحباً له ويقول: أنت عليك دراهم للناس، أقر لي بشيء حتى أشاركهم، وإذا أخذته أعطيتك إياه، وهذا وارد، فإننا نقول: لا يقبل إقراره بالنسبة لمشاركة الغرماء، أما بالنسبة لبقاء الدين في ذمته فهو باق، ولهذا قال: «ولا إقراره عليه» أي: على ماله، يعني على أعيان ماله لا يقبل.
قوله: «ومن باعه أو أقرضه شيئاً بعده» أي: بعد الحجر.
قوله: «رجع فيه» أي: فيما باعه أو أقرضه.
قوله: «إن جهل حجره وإلا فلا» يعني إنسان باع على المحجور عليه شيئاً وهو لا يعلم ـ والمراد أنه باعه في ذمته؛ لأنه
стр. 3805
سبق أنه لو باعه بماله لم يصح ـ ثم علم أنه محجور عليه، فإننا نقول له: ارجع بمالك ولا ضرر؛ لأن التصرف معه بعد الحجر غير نافذ، حتى لو فرض أن هذا المحجور عليه استعمله يومين أو ثلاثة أو أكثر، فيكفيك أن يرجع إليك عين مالك.
مثال هذا: رجل باع على هذا المحجور عليه سيارة بخمسين ألفاً، وهو لا يدري أنه محجور عليه ثم علم، فنقول: خذ السيارة ما دمت لم تعلم، فإن كان عالماً فإنه لا يرجع وتدخل السيارة في دينه، تباع وتوزع على الغرماء، ولا يدلي مع الغرماء؛ لأن هذا التصرف وقع بعد أن منع هذا من التصرف.
وَإِنْ تَصَرَّفَ فِي ذِمَّتِهِ، أَوْ أقَرَّ بِدَيْنٍ أَوْ جِنَايَةٍ تُوجِبُ قَوَداً أَوْ مَالاً صَحَّ وَيُطَالَبُ بِهِ بَعْدَ فَكِّ الحَجْرِ عَنْهُ، وَيَبِيْعُ الحَاكِمُ مَالَهُ وَيُقَسِّمُ ثَمَنَهُ بَقَدْرِ ديونِ غُرَمَائِهِ،
قوله: «وإن تصرف في ذمته» المحجور عليه لا يصح تصرفه في عين ماله، فإذا حجرنا على الرجل لوجود دين عليه أكثر مما معه فإنه لا يمكن أن يبيع شيئاً من ماله ولو قلّ، فلا يمكنه أن يبيع قلماً، ولا ساعة، ولا غيره؛ لأن أعيان ماله تعلق بها حق الغرماء، لكن إن تصرف في ذمته فلا بأس، ومعنى تصرفه في ذمته أي: لو استقرض من شخص شيئاً فلا حرج، فهذا الرجل الذي حجرنا عليه لو احتاج إلى مال واستقرض من غيره فلا حرج، فإذا كان عليه دين يبلغ عشرة آلاف، والمال الذي عنده يساوي ثمانية آلاف، فإننا نحجر عليه ولا يتصرف في ماله، فإذا استقرض من شخص مالاً فالقرض هنا صحيح؛ لأنه لم يتصرف في المال الذي حجرنا عليه فيه وإنما يتصرف في ذمته، وكذلك ـ أيضاً ـ لو اشترى شيئاً لكن لم يشتر بعين ماله، كما لو اشترى من شخص بيتاً أو سيارة فلا بأس؛ لأن الحجر عليه
стр. 3806
إنما هو في أعيان المال فقط، أما الذمة فليس عليها حجر.
قوله: «أو أقر بدين» أي: حال الحَجْر أقر بدَين، يعني أن هذا الرجل الذي عليه عشرة آلاف، وعنده ثمانية وحجرنا عليه، بعد الحجر قال: في ذمتي لفلان أربعة آلاف، فإننا لا نقبله على المال الموجود نقبله في ذمته، فنقول: الآن ثبت في ذمتك للذي أقررت له أربعة آلاف، لكن لا تؤخذ أربعة الآلاف من المال؛ لوجهين:
الأول: أن هذا التصرف بعد الحجر والتصرف بعد الحجر لا يمكن أن يصح فيما يتعلق بالمال.
الثاني: أن هذا المدين ربما يتفق مع شخص ويقول: سأقر لك بخمسين ألف ريال من أجل أن يشارك الغرماء، فإذا وزعت الدراهم وأخذ هذا المُقَرُّ له الدراهم، أعادها على المحجور عليه.
قوله: «أو جناية توجب قوداً» أي: أقر بجناية توجب قوداً، فقال: إن عبده قطع يد إنسان من المفصل، أو أقر بأنه قطع يد إنسان من المفصل واختار المجني عليه الدية.
فكلمة «توجب قوداً» تشمل ما إذا أقر على نفسه بجناية توجب قوداً فإنه يصح، لكن لا يطالب بالدية إلا بعد فك الحجر.
والجناية التي توجب قوداً مثل أن يقر أنه قطع يد إنسان من المفصل عمداً، فهذه جناية توجب القود وهو القصاص، فنقول: الإقرار صحيح، لكن المُقَرَّ له إذا اختار الدية لا يشارك الغرماء؛
стр. 3807
لأن هذا الإقرار بعد الحجر ولا يطالبه إلا بعد فك الحجر، ما لم يطالب بالقود، فإن طالب بالقود فلا بأس أن يقاد، بأن قال المقر له: أنا أريد أن يقتص منه وتقطع يده، قلنا: لا بأس؛ لأن هذا لا يتعلق بماله.
قوله: «أو مالاً صح» الجناية التي توجب المال، مثل القطع من دون المفصل، يعني لو قطعه من الذراع من دون المفصل فلا قود فيه، وإنما يجب المال، والمال إذا كان في الإنسان شيئان فإن في أحدهما نصف الدية، فهذا قطع يده من نصف الذراع فلا قود ولكن فيه نصف الدية، فإذا أقر بذلك يقبل الإقرار، ولا يطالب به إلا بعد فك الحجر.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين أن تكون الجناية جديدة أو قديمة، فلو فرض أن هذا الرجل الذي أقر المحجور عليه بأنه هو الذي قطع يده، أن يده قد برئت منذ زمن والحجر ليس له إلا عشرة أيام فقط، فهنا نعلم أن القطع كان قبل الحجر، وأن الدية وجبت قبل الحجر، لكن نقول: شرط وجوب الدية هو الإقرار ولم يكن إلا بعد الحجر، واحتمال أن يكون المحجور عليه كاذباً في إقراره وارد، فالمهم أنه لو أقر بجناية توجب قوداً أو مالاً فالإقرار صحيح، لكن لا يطالب به إلا بعد فك الحجر.
وكذلك لو كان له عبد وأقر بأن عبده جنى، والعبد من جملة المال يباع في الدين، فإننا لا نقبله إلا بعد فك الحجر، أما الآن فلا.
стр. 3808
قوله: «ويطالب به بعد فك الحجر عنه» أي: بما أقر به بعد فك الحجر، ويفك الحجر إذا أعطينا الغرماء ما وجدوه من ماله، فإذا قسم ما وجدنا من ماله على الغرماء فقد انتهى الحجر، فيطالب بما أقر به ويطالب بما ثبت في ذمته، فإن حجرنا عليه مرة ثانية شارك من أقر لهم غرماءه الأولين، فالأحكام التي تترتب على الحجر هي:
الأول: لا ينفذ تصرفه في ماله.
الثاني: أن إقراره بعد الحجر لا يصح على ماله، ولكن يصح في ذمته ويطالب به بعد فك الحجر.
قوله: «ويبيع الحاكم ماله» هذا هو الحكم الثالث، الحاكم أي: القاضي، وهل المراد أن الحاكم نفسه يتولى بيعه فيقف في السوق ويقول: من يشتري هذا، أو يأمر من يبيع؟
الجواب: الثاني؛ لأن الحاكم عادة ـ الذي هو القاضي ـ لا يقف في الأسواق يقول: من يشتري هذا المال؟ لكن يأمر من يبيع ماله، أي: مال المحجور عليه، لكن بشرط ألا يكون ماله من جنس الدين، فإن كان من جنس الدين فإنه لا يبيعه؛ لأنه لا حاجة للبيع حينئذٍ، ولأن البيع قد يضر هذا المحجور عليه، فربما يباع الشيء بأقل من قيمته، والبيع يحتاج إلى نقل وتفريغ وأجرة دلاَّل، وهذا ضرر على المحجور عليه.
قوله: «ويقسِّم ثمنه بقدر ديون غرمائه» أي: ثمن المبيع يقسم بقدر ديون الغرماء، ولا فرق بين ما ثبت قريباً وما ثبت
стр. 3809
بعيداً، بمعنى أننا لا نقدم الدين الأول، على الدين الثاني.
وكيفية ذلك أن تَنْسِبَ الموجود للدين، فما حصل من النسبة فهو لكل واحد من دينه بقدر تلك النسبة.
مثال ذلك: الدَّيْنُ عشرة آلاف ريال والموجود ثمانية، انسب الثمانية إلى العشرة تكن أربعة أخماس، فلكل واحد من الغرماء أربعة أخماس ماله، فمن له ألف نعطيه ثمانمائة، ومن له مائة نعطيه ثمانين، وإذا كان دين أحدهم خمسة ريالات فإننا نعطيه أربعة ريالات وهلم جرّاً؛ لأن النسبة هكذا تكون.
وَلَا يَحِلُّ مُؤَجَّلٌ بِفَلَسٍ وَلَا بِمَوْتٍ إِنْ وَثَّقَ وَرَثَتُهُ بِرَهْنٍ أَوْ كَفِيلٍ مَلِيءٍ وَإنْ ظَهَر غَرِيمٌ بَعْدَ القِسْمَةِ رَجَعَ عَلَى الغُرَمَاءِ بقِسْطِهِ وَلَا يَفُكُّ حَجْرَهُ إِلاَّ حَاكِمٌ.
قوله: «ولا يحل مؤجل بفلس» يعني إذا كان على الإنسان دين مؤجل وحجر عليه فهل يحل الدين أو يبقى على أجله؟
يقول المؤلف: إنه لا يحل فيبقى على أجله ويطالب إذا حل الأجل.
مثال هذا: إنسان استدان من شخص ديناً لمدة سنة، وفي أثناء السنة حجر على المدين، فجاء صاحب الدين ليطالب مع الغرماء، فنقول: لا حق لك؛ لأنه لم يحل دينك المؤجل؛ لأن الأجل حق للمدين، وحق المدين لا يسقط بفلسه.
فإذا قال صاحب الدين المؤجل: أنتم لما حجرتم عليه سوف تبيعون ماله، ولا يبقى لي شيء، فإننا نقول: لا؛ لأنه لا حق لك فيه، بل أنت على حقك، وربما إذا حل دينك يأتي الله تعالى برزق.
قوله: «ولا بموت» كذلك لا يحل المؤجل بموت، أي موت المدين إلا أن المؤلف استثنى فقال:
стр. 3810
«إن وثق ورثته برهن أو كفيل مليء» فإن لم يوثقوا حل.
مثال هذا: رجل عليه عشرة آلاف ريال تحل بعد سنة، ثم مات الرجل فهل يحل الدين؟
الجواب: لا يحل؛ لأن المال انتقل إلى الورثة بأعيانه وأوصافه، ومن أوصافه أنه مؤجل، فالحق للورثة الآن فإذا قالوا: لن نوفيك؛ لأن دينك لم يحل، فالقول قولهم، ولكن اشترط المؤلف «إن وثق ورثته برهن أو كفيل مليء» يعني إذا قالوا: حقك الآن لم يحل ولا تطالبنا بشيء.
فإذا قال: أخشى أن تقتسموا المال ويضيع حقي، قالوا: لك هذا البيت رهناً، والبيت يساوي عشرين ألفاً، والدين عشرة آلاف، وهذا الرهن يكفي للدين، فإذا لم يرهنوه شيئاً، وقال: قدموا لي كفيلاً، قالوا: هذا فلان يكفل دينك، نظرنا فإن كان مليئاً لم يحل الدين، وإن كان غير مليء حل الدين.
والمليء هو القادر على الوفاء بماله وقوله وبدنه.
فالمليء بماله أن يكون عنده أموال تكفي لهذا الدين.
والقادر ببدنه أن يكون ممن يمكن إحضاره لمجلس الحكم عند التحاكم.
والقادر بقوله ألا يكون مماطلاً، فيقول: غداً بعد غد، ويماطل، فإذا أتوا بكفيل غني لو أبى أن يوفي حوكم فالدين لا يحل.
وعلم من قوله: «أو كفيل مليء» أنهم لو جاؤوا بكفيل غير
стр. 3811
مليء فإن الدين يحل؛ لئلا يضيع حق الدائن، فإذا جاؤوا إليه بكفيل، والكفيل لا يملك إلا ألف ريال، والدين عشرة آلاف، فإنه لا يكفي؛ لأنه ليس مليّاً بماله، وإذا أتوا بكفيل عنده أموال كثيرة، لكنه مماطل لا يكاد يخرج الحق منه، فهذا ـ أيضاً ـ لا يكفي في إحرازه.
فلو أتوا بإنسان غني وعنده مال وغير معروف بالمماطلة، لكن لو ماطل لم نتمكن من إحضاره إلى القضاء، إما لأنه ذو سلطان لا يمكن أن يؤتى به إلى القضاء؛ وإما لأنه قريب للإنسان يخجل أن يجر قريبه إلى القضاء كأبيه ـ مثلاً ـ فهنا نقول: هذا الكفيل لا يكفي فيحل الدين؛ لئلا يضيع حق الدائن، وعلى هذا فإذا توفي رجل وعليه دين لآخر يحل بعد سنة، وجاء صاحب الدين يطالب الورثة، ففيه تفصيل:
إن أعطوه رهناً يكفي، أو أقاموا كفيلاً مليئاً فإن الدين لا يحل، وإلا فإن الدين يحل، ويطالب صاحب الدين الورثة بدينه.
بقي أن يقال: إذا كان هذا الدين ثمن مبيع، فالغالب أن الدين إذا كان ثمن مبيع سوف يزيد على الثمن الحاضر، فإذا كنت أبيع هذه السيارة بعشرة آلاف اليوم، سأبيعها إذا كان الثمن مؤجلاً باثني عشر ألف مثلاً.
مثاله: رجل اشترى سيارة من شخص باثني عشر ألف إلى سنة، وثمنها الحاضر عشرة آلاف ثم مات يوم شرائه، ولم يكن عند الورثة رهن يحرز، ولم يأتوا بكفيل، فحل الدين، فهل للدائن أن يأخذ جميع الدين، أو لا يأخذ إلا ثمنه الحاضر؟
стр. 3812
الجواب: على المذهب، أنه يحل بكامله ولا ينزل منه شيء؛ لأنه ثبت في ذمة الميت اثنا عشر ألفاً، والميت لو كان حيّاً لم يوف إلا بعد سنة.
لكن لو قيل: بأنه إذا مات بمثل هذه السرعة في يومه، فينبغي أن يثبت له قيمة السيارة في اليوم الحاضر؛ لأن السعر لم يتغير، أو يقال له: خذ سيارتك لم يأتها شيء.
فالخلاصة الآن: إذا أفلس الرجل المدين فإنه لا يحل دينه ويبقى مؤجلاً.
وإذا مات المدين، فإن فيه تفصيلاً: فإن وثق الورثة من له الدين، برهن يكفي، أو أتوا بكفيل مليء فالدين باق لا يحل؛ لأنه لا ضرر على صاحب الدين، وأما إذا لم يأتوا برهن أو لم يأتوا بكفيل مليء، فإنه يحل الدين؛ لئلا يضيع حقه.
بقي علينا الإشكال الذي أوردناه، هل يحل الدين بكامله، أو يخصم منه ما كان زائداً على الثمن الحاضر؟
فالمذهب أنه يحل الدين بكامله؛ لأنه دين ثبت في ذمة الميت فيبقى على ما هو عليه، والذي ينبغي أن يقال: إنه لا يحل الدين بكامله؛ لئلا نظلم الورثة.
قوله: «وإن ظهر غريم بعد القسمة رجع على الغرماء بقسطه»
стр. 3813
أي: بعد قسمة ماله، يعني حجرنا على الرجل وقسمنا ماله ولم يبق عنده شيء، ظهر بعد ذلك غريم لم يعلموا به من قبل، وقد سبق دينُهُ الحَجْرَ عليه، قال المؤلف: «رجع على الغرماء بقسطه» وما قسطه؟ ننظر نسبة دينه إلى ما أخذه الغرماء، فإذا وجدناه نصف ما أخذه الغرماء، يرجع على كل واحد بنصف ما أخذ، ولو الربع يرجع على كل واحد بربع ما أخذ.
مثال ذلك: الدين ثمانية آلاف والموجود ستة آلاف، قسمنا الستة بين الغرماء، ثم ظهر غريم دينه أربعة آلاف، فإنك تضمها إلى الدين السابق فيكون مجموع الدين اثني عشر ألفاً، ونسبة الدين الذي ظهر إلى مجموع الدين الثلث، فيرجع على كل واحد بثلث نصيبه.
قوله: «ولا يفك حجره إلا حاكم» أي: حجر المحجور عليه لفلس لا يفكه إلا حاكم، والتعليل: لأنه ثبت بحكم الحاكم، وما ثبت بحكم الحاكم لا يرتفع إلا بحكمه.
فلا نقول: إننا إذا قسمنا ماله بين غرمائه انفك الحجر؛ بل لا بد أن يفكه الحاكم، وعلى الحاكم أن يبادر بفك الحجر عنه فلا يماطل، فمثلاً نحن قسمنا ماله الموجود بين الغرماء يوم السبت، فلا يجوز للقاضي أن يؤخر فك الحجر إلى يوم الجمعة مثلاً؛ لأن في ذلك ضرراً عليه، بل نقول: يجب أن يفكه فور قسمته.
стр. 3814
فصلٌ
وَيُحْجَرُ عَلَى السَّفِيهِ والصَّغِيرِ والمَجْنُونِ لِحَظِّهِمْ وَمَنْ أعْطَاهُمْ مَالَهُ بَيْعَاً أَوْ قَرْضَاً رَجَعَ بِعَيْنِهِ، وَإِنْ أتْلَفُوهُ لَمْ يَضْمَنُوا،
قوله: «ويحجر على السفيه والصغير والمجنون لحظِّهم» هذا هو القسم الثاني من أقسام الحجر، وهو المحجور عليه لحظِّ نفسه، وهم ثلاثة:
السفيه: وهو الذي لا يحسن التصرف في المال، فهو بالغ عاقل لكن لا يحسن التصرف في المال، فيذهب يشتري به ما لا نفع فيه ولا فائدة.
الصغير: وهو الذي لم يبلغ.
المجنون: وهو فاقد العقل.
فهؤلاء الثلاثة يحجر عليهم، فلا يمكنون من التصرف في مالهم، لكن لحظهم لا لحظ غيرهم، فإذا كان السفيه مراهقاً حجرنا عليه من وجهين، هما: السفه، والصغر، ولكن لا بأس أن نعطيه ما يتصرف به مما جرت به العادة لنختبره؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، بمعنى أننا لا نحجر عليه حجراً تاماً، بل نعطيه ما يتصرف به بقدره، حتى نعرف أنه يحسن التصرف فإذا بلغ أعطيناه ماله.
والمجنون هل نعطيه شيئاً للاختبار؟
الجواب: لا؛ لأنه مجنون، فلو أعطيناه أيَّ شيء فسوف يفسده.
والسفيه البالغ كالمراهق، بمعنى أننا لا نمكنه من التصرف في ماله كما يريد، ولكن نعطيه شيئاً مما جرت به العادة من الأشياء اليسيرة.
стр. 3815
وأطلق المؤلف فلم يقل: يحجر عليهم في أموالهم أو في ذممهم، فهؤلاء محجور عليهم في الأموال، بمعنى أنهم لا يتصرفون في أموالهم، وفي الذمم بمعنى أنهم لا يتصرفون في ذممهم، فلا يستقرضون ولا يشترون شيئاً بدين؛ لأنهم محجور عليهم في المال والذمة.
وقوله: «لحظهم» هذه إشارة إلى الحكمة من الحجر عليهم وهو حظهم ومنفعتهم، فلسنا نحجر على هؤلاء من باب التضييق ولكن من باب المصلحة.
قوله: «ومن أعطاهم ماله بيعاً أو قرضاً رجع بعينه وإن أتلفوه لم يضمنوا» «من أعطاهم» «من» اسم شرط، واسم الشرط يدل على العموم، يعني أيَّ إنسان أعطاهم ماله بيعاً أو قرضاً رجع بعينه، وإن أتلفوه لم يضمنوا.
مثال ذلك: رجل باع على السفيه ساعة ثم إن السفيه أتلفها، فهل يصح البيع؟
الجواب: لا يصح، فإن كان أخذ ثمنها من السفيه وجب عليه رده، وهل يضمنها هذا السفيه؟
الجواب: لا يضمنها؛ لأن الرجل هو الذي سلطه على ماله فلا يضمن، وكذلك لو جاء إنسان سفيه لشخص فقال: أقرضني مائة ريال، وهو يعرفه فقال: هذه مائة ريال، فلو أتلف هذا السفيه مائة الريال فإنه لا يضمنها، لكن إن بقيت المائة في يده فلمن أقرضه إياها أن يأخذها منه؛ لأن هذا التصرف غير صحيح،
стр. 3816
وإذا قدر أن هذا السفيه اشترى بها حاجة، فهل يرجع عليه بها؟
الجواب: نعم يرجع؛ لأن البدل له حكم المبدل، فإذا جاء هذا السفيه إلى شخص، وقال: أقرضني مائة ريال، قال له: هذه مائة ريال، فذهب واشترى بها ساعة، فهل يرجع الذي أعطاه المائة ريال بالساعة أو لا؟
الجواب: يرجع؛ لأنها بدل ماله، لو وجد ماله عند السفيه لأخذه، فكذلك إذا وجد بدله، أما لو اشترى هذا السفيه بالمائة ريال حلوى وأكلها، أو بطيخاً وأكله، أو عمل بها وليمة دعا إليها أصحابه وأكلها، فإنه لا يضمن؛ لأنه هو الذي سلطه على ماله وهذا سفيه، فكيف تعطي مالك للسفهاء؟!
ومثل ذلك الصغير، فلو جاء الصغير وقال لشخص: سلفني عشرة ريالات، فقال له: خذ هذه العشرة، فأخذها الصغير واشترى بها أشياء وأتلفها فلا يضمن الصغير، لكن لو وجد العشرة بيده، أخذها منه؛ لأنها عين ماله.
ولو جاء الصغير وقال لرجل: إن أبي يقول لك: من فضلك أقرضني مائة ريال، فادعى أن أباه أوصاه بذلك، فأقرضه، ثم إن الصبي أتلفها، هل يضمن؟
الجواب فيه تفصيل: إن صَدَّق الوالد ابنه فإن الأب يضمن؛ لأن الولد قبضها وكيلاً عن أبيه، فإذا تلفت بيد الولد كأنما تلفت بيد أبيه، وإن قال: لم أرسله ولا علمت بذلك، فلا ضمان على الصبي؛ لأن هذا الرجل هو الذي سلط الصغير على ماله.
والذي قررناه هو مقتضى كلام الفقهاء ﵏ لكن
стр. 3817
فيه إشكال؛ لأنها جرت العادة في مثل هذا أن الإنسان يقول لابنه، الذي لم يبلغ بأن يكون مراهقاً، أو له إحدى عشرة سنة أو ما أشبه ذلك: يا بني اذهب لجارنا، وقل له: أقرضني مائة ريال مثلاً، فهنا لا شك أن الرجل لم يعطه مائة ريال إلا وهو واثق من أن أباه قد أوصاه، وإلا لم يعطه، فهذه المسألة عندي فيها توقف، وهو أنه إذا جرت العادة بأن صاحبه يرسل إليه ولده ليستقرض منه، فينبغي أن يقال: إنه يضمن، لكن في هذه الحال الذي يضمن هو الوالد؛ لأن الرجل إنما أقرضه بناءً على أن أباه أرسله.
هذا إذا كانت العادة جارية بينهما مطردة، أما إذا لم تكن العادة جارية مطردة فإن هذا الصغير لا يضمن، ووالده ـ أيضاً ـ لا يضمن، إذا كذبه.
وقوله: «ومن أعطاهم» ذكرنا أنها عامة، فإذا كان الذي أعطاهم مثلهم يعني صغيراً أعطى صغيراً، وتلف المال عند الصغير، فهل نقول: عليهم الضمان؛ لأن عطية الصغير هنا غير معتبرة، فكأن الصغير الذي أعطي المال أتلفه بدون إعطاء؛ لأن هذا الإعطاء غير معتبر لكونه ممن لا يصح تصرفه؟ أو نقول: إن هذا الصغير لما سلط الصغير على المال فإنه لا ضمان؟ الأقرب الضمان؛ لأن حق الآدمي مضمون بكل حال، وإعطاء الصغار لمثلهم لا عبرة به.
وَيَلْزَمُهُمْ أرْشُ الجِنَايَةِ، وَضَمَانُ مَالِ مَنْ لَمْ يَدْفَعْهُ إِلَيْهِمْ، وَإِنْ تَمَّ لِصَغِيرٍ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً،
قوله: «ويلزمهم أرش الجناية» يعني إذا جنى هؤلاء الثلاثة فإن أرش الجناية ـ أي: ما تقدر به الجناية ـ لازم لهم، سواء
стр. 3818
كانت الجناية على النفس أو على المال، فلو أن هؤلاء الثلاثة اعتدوا على شاة إنسان وكسروها لزمهم أرش الجناية، ولو اعتدوا عليه نفسه وكسروا يده لزمهم أرش الجناية؛ لأن حق الآدمي لا يفرق فيه بين المكلف وغير المكلف؛ إذ إنه مبني على المشاحة، ولا يمكن أن يضيع حق بعمل مكلف أو غير مكلف، فلا بد أن يضمن، لكن إن كانت دية فالدية على عاقلته، وإن كان دون ثلث الدية فهو عليه نفسه.
قوله: «وضمان مال من لم يدفعه إليهم» حتى وإن لم يكن لهم تمييز، فلو أن المجنون اعتدى على مال إنسان وأحرقه فإنه يضمنه؛ لأنه لم يسلطه عليه.
فإذا قال قائل: أليس قد رفع القلم عن ثلاثة؟
قلنا: نعم رفع القلم عن ثلاثة باعتبار حق الله، ولهذا لا يأثم هذا المجنون، ولا يأثم هذا السفيه، ولا يأثم هذا الصغير، ويأثم إذا كان بالغاً، ولكن الضمان لازم لهم؛ لأن هذا حق للآدمي؛ ولذلك لو أن نائماً انقلب على مال أحد وأتلفه فإنه يضمنه؛ لأن الإتلاف يستوي فيه العامد والمخطئ والصغير والكبير.
فإن لم يكن عندهم مال فإنه لا يؤخذ من وليهم، لكن يبقى في ذممهم حتى يكبروا ويتوظفوا أو يتجروا ويؤخذ منهم.
فخلاصة هذا أن هؤلاء الثلاثة محجور عليهم في أموالهم وذممهم، وأن من سلطهم على ماله
стр. 3819
ببيع أو إجارة أو قرض أو غير ذلك فإنه لا ضمان عليهم؛ لأنه هو الذي سلطهم على ماله، وأما إن اعتدوا هم بأنفسهم فعليهم الضمان، فيلزمهم أرش جناية وضمان مال من لم يدفعه إليهم.
قوله: «وإن تم لصغير خمس عشرة سنة» (خمسَ عشرةَ) بالفتح؛ لأنها مبنية على الفتح، وكل الأعداد المركبة ما عدا اثني عشر مبنية على الفتح، ثلاثةَ عشرَ عاماً، وأربعَ عشرةَ سنة، خمسةَ عشرَ، ستةَ عشرَ، وسبعةَ عشرَ، وثمانيةَ عشرَ، وتسعَ عشرةَ، وأحدَ عشرَ أيضاً، أو إحدى عشرة، أي مبنية على فتح الجزءين، أما اثنا عشر فإنها بحسب العوامل، فتقول: جاءني اثنا عشر رجلاً وأكرمت اثني عشر رجلاً.
أَوْ نَبَتَ حَولَ قُبُلِهِ شَعْرٌ خَشِنٌ أَوْ أَنَزَلَ، أَوْ عَقَلَ مَجْنُونٌ وَرَشَدَ، أَوْ رَشَدَ سَفِيهٌ زَالَ حَجْرُهُم بِلَا قَضَاءٍ وَتَزِيدُ الجَارِيَةُ فِي البُلُوغِ بِالحَيْضِ، وَإِنْ حَمَلَتْ حُكِمَ بِبُلُوغِهَا، وَلَا يَنْفَكُّ قَبْلَ شُرُوطِهِ.
قوله: «أو نبت حول قُبُله شعر خشن أو أنزل» هذه ثلاثة أشياء بها يحصل البلوغ، الأول: إذا تم له خمس عشرة سنة فقد حصل البلوغ، والدليل على ذلك حديث عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: «عرضت على النبي ﷺ يوم أُحُد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني».
وفي رواية صحيحة للبيهقي وابن حبان: «ولم يرن بلغت» (١)، «وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني ورآني بلغت» (٢)، الشاهد قوله: «ورآني بلغت»، لأننا لو اقتصرنا على الرواية الأولى رواية البخاري، لنازع منازع وقال:
стр. 3820
إنه لم يجزه، لا لأنه لم يبلغ، ولا لأنه بلغ، ولكن لأنه ليس أهلاً للقتال، إما لضعف جسمه، وإما لغير ذلك من الأسباب، لكن رواية البيهقي وابن حبان تدل على أنه لم يجزه لعدم البلوغ، وللبلوغ أجازه، قال نافع: فقدمت على عمر بن عبد العزيز وهو خليفة فحدثته بهذا الحديث، فقال: هذا هو حد البلوغ، وكتب إلى عماله بذلك (١)، وعلى هذا فنقول: إذا تم للإنسان خمس عشرة سنة فهو بالغ، وإن كان صغيراً في جسمه، وإن لم يحتلم، وإن لم تنبت عانته، فيمكن أن يكون الإنسان في أول النهار غير مكلف، وفي آخر النهار مكلفاً، إذا ولد عند زوال الشمس وتم له خمس عشرة سنة عند زوال الشمس بلغ.
فإذا قال قائل: كيف يمكن البلوغ بين دقيقة ودقيقة؟ قلنا: لا بد من حد، إذا اعتبرنا البلوغ بالسنين، حتى لو جعلناها ثماني عشرة سنة فسوف يبلغ في آخر النهار، وفي أول النهار ليس ببالغ، حتى في الإنزال إذا احتلم نصف النهار، كان أول النهار غير بالغ وآخره بالغاً، فلا بد من حد.
وحديث ابن عمر ﵄ فيه إشكال:
حيث يقول: «إنه عرض على النبي ﷺ في غزوة أحد وهو ابن أربع عشرة سنة، وعرض عليه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة» (٢). فالفرق سنة، ومن المعلوم أن أُحُداً في السنة