← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 10649

الشرح الممتع على زاد المستقنع

ابن عثيمين

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

الميتة بالدباغ جاز استعماله في كل شيء من الجامدات والمائعات، فيمكن أن يجعل سقاء للماء أو اللبن، ويمكن أن يجعل حذاء أو خُفّاً، فالصواب أنه لا يجوز غصب جلود الميتة، وإذا غصبها وجب عليه ردها لما ذكرنا. وَإِتْلَافُ الثَّلَاثَةِ هَدَرٌ ............. قوله: «وإتلاف الثلاثة هدر» الثلاثة يعني الكلب وخمر الذمي وجلد الميتة، يعني لو أتلفها متلف فإنها لا تضمن، ودليل ذلك أن النبي ﷺ قال: «ثمن الكلب خبيث» (١) وهذا يدل على أن الكلب لا قيمة له شرعاً، فإذا أتلفه متلف فليس عليه ضمان، والخمر ـ أيضاً ـ دليله أن النبي ﷺ حرم بيعه (٢)، وهذا يدل على أنه لا عوض له شرعاً، فإذا أُتلف فلا ضمان، أما جلد الميتة فيدخل في قول الرسول ﷺ : «إن الله حرَّم بيع الميتة» وهذا يدل على أن الميتة ليس لها قيمة شرعاً، فإذا أتلفها متلف فإنه لا يضمن. بالنسبة للكلب والخمر الأمر فيهما واضح فليس لهما قيمة شرعاً، أما بالنسبة لجلد الميتة إن كان قد دبغ فإن بيعه يجوز، وحينئذ يضمنه متلفه بالقيمة أو بالمثل إن كان له مثل؛ لأنه إذا دبغ صار طاهراً، فيجوز الانتفاع به في كل شيء، أما قبل الدبغ فمحل نظر قد نقول: إنه يضمنه؛ لأنه إذا كان يمكن تطهيره فهو كالثوب النجس، والثوب النجس يجوز بيعه، وقد نقول: إنه لا

стр. 4132

يضمنه؛ لأنه إلى الآن ليس مما يباح استعماله، وصاحبه قد يدبغه وقد لا يدبغه، فيرجع في هذا إلى نظر القاضي. ولكن هل يعاقب على تعديه على حقوق الغير المحترمة؟ الجواب: نعم، يعاقب ويؤدب حيث أتلف شيئاً محترماً، وإنما ذكر المؤلف هذه الثلاثة في باب الغصب لقوله: «وإتلاف الثلاثة هدر» أما غيرها مما يُتلف ففيه الضمان وسيأتي إن شاء الله. وَإِنِ اسْتَوْلَى عَلَى حُرٍّ لَمْ يَضْمَنْهُ، وَإِنِ اسْتَعْمَلَهُ كُرْهاً أَوْ حَبَسَهُ فَعَلَيْهِ أُجْرَتُهُ … قوله: «وإن استولى على حر لم يضمنه» يعني أخذ حراً واستولى عليه حتى جعله كالرقيق له، ثم مات الحر ويد الغاصب عليه، فإنه لا يضمنه؛ لأنه حر وليس بمال، والحر لا تثبت عليه اليد، وإن استولى على عبد ضمنه؛ لأن العبد مال، كما لو استولى على سيارة، أو على بيت، أو ما أشبه ذلك فإنه يضمنه. لكن سيأتينا ـ إن شاء الله ـ في باب الديات أنه لو غصب حراً صغيراً فأصابته صاعقة فإنه يضمنه، وأنه إذا مات بمرض ففي ضمانه قولان، وهذا يقتضي أن اليد تستولي على الحر الصغير؛ لأنه لا يملك الدفاع عن نفسه بخلاف الكبير، وهذه المسألة فيها ثلاثة أقوال في مذهب الإمام أحمد: القول الأول: أن الحر لا يُستولى عليه أبداً وحينئذ لا يضمن، وهذا هو المذهب. القول الثاني: أن الحر يمكن الاستيلاء عليه، وعليه فيضمن المستولي عليه عينه ومنفعته. القول الثالث: التفريق بين الصغير والكبير، فإذا استولى على صغير فإنه يضمنه؛ لأنه لا يمكنه الدفاع عن نفسه، وإذا

стр. 4133

استولى على كبير فإنه لا يضمنه؛ لأن الكبير يمكنه الدفاع عن نفسه ويتخلص. قوله: «وإن استعمله كُرهاً أو حبسه فعليه أجرته» يعني إن أكرهه على أن يخدمه، أو أكرهه على أن يبقى في الدكان «فعليه أجرته»؛ لأنه أتلف منفعته ظلماً وعدواناً. فإذا قال قائل: وهل يمكن أن يستولي على حر ولا يستعمله؟ نقول: نعم، يمكن، فيستولي على حر حتى إذا جاءه الضيوف وجدوا عنده هؤلاء على أنهم عبيده أو أولاده أيضاً؛ لأن الإنسان يفخر بالأولاد، ولكنه لا يستعملهم، بل يكرمهم، إنما يريد أن يكون أمام الضيوف عنده أولاد أو خدم، فهؤلاء لا يضمنهم؛ لأنه لم يستعملهم بل كان يكرمهم، أما لو استعمله بأن قال له مثلاً: خذ العصا واذهب إلى الماشية وكن راعياً فيها، أو خذ الحراثة واذهب إلى الأرض احرثها، أو خذ الدفاتر وقيد الداخل والخارج، فهنا يقول المؤلف: إن عليه أجرته. فإن استعمله طوعاً فليس عليه أجرة، وظاهر كلام المؤلف سواء كان هذا الحر صغيراً أو كبيراً فيما إذا استعمله طوعاً، وهو مُسَلَّم في الكبير، وأما الصغير ففيه نظر؛ لأن الصغير ربما يطيع وهو لا يدري عن الأمور، فكيف نقول: إنه لا يُضمن مع أن تصرفه لا يعتبر تصرفاً معتبراً شرعاً؟! فينبغي أن يقال: إن استعمله طوعاً فإن كان كبيراً فلا أجرة له وإن كان صغيراً فله الأجرة. وقوله: «أو حبسه» إذا حبسه فعليه أجرته، وظاهر كلامه

стр. 4134

﵀ أن عليه أجرته مطلقاً حتى وإن كان حبسه في وقت لا ينتفع فيه، كما لو حبسه في الليل؛ لأن الليل ليس محلاً للعمل ومع ذلك نقول: عليه الأجرة، أو كان عاطلاً لا يعمل، وفي المسألة نظر؛ لأنه إذا حبسه وهو عاطل فإنه لم يفوت عليه شيئاً، فالصواب أن يقيد بما إذا كان هذا الرجل يعمل، أو في وقت ينتفع فيه. وإذا حبسه فمات من الحبس فهل يضمنه بدية؟ نعم، يضمنه بدية؛ لأنه مات بحبسه. فإن حبسه فنزلت عليه صاعقة من السماء؟ هذه المسألة اختلف فيها الفقهاء ﵏، منهم من قال: إنه يضمنه؛ لأنه لولا أنه حبسه في هذا المكان ما نزلت عليه الصاعقة، ومنهم من قال: لا يضمنه، إلا إذا عُرف أن هذا الموضع عادة تكثر فيه الصواعق، فإذا كان كذلك فإنه يضمنه. ومثل ذلك لو لدغته حية ومات في مكان الحبس، فإننا نقول: لا يضمن، إلا إذا عُرف أن هذا المكان تكثر فيه الحيات. وَيَلْزَمُ رَدُّ المَغْصُوبِ بِزِيَادَتِهِ، وَإِنْ غَرِمَ أَضْعَافَهُ، وَإِنْ بَنَى فِي الأَرْضِ أَوْ غَرَسَ لَزِمَهُ القَلْعُ، وَأَرْشُ نَقْصِهَا، وَتَسْوِيَتُهَا، وَالأُجْرَةُ. ...... قوله: «ويلزم رد المغصوب» أفادنا المؤلف أنه يجب شرعاً على الغاصب رد المغصوب، ومؤونة رده على الغاصب؛ لقول النبي ﷺ : «ليس لعرق ظالم حق» (١). قوله: «بزيادته» يعني لو زاد المغصوب فإن الزيادة لمالكه، سواء كانت متصلة أم منفصلة؛ لعموم قول المؤلف: «بزيادته».

стр. 4135

مثال الزيادة المتصلة: إنسان غصب شاة صغيرة ثم قام عليها بالإرضاع والإعلاف، وشَبَّت ونمت، فهل يرجع الغاصب على مالك الشاة بما زاد من قيمتها؟ لا، الزيادة للمالك. أما الزيادة المنفصلة: فكما لو غصب هذه الشاة وولدت عنده، وأنتجت وصار يبيع من ألبانها وألبان نَتاجها، فإن هذه الزيادة تكون لمالكها. فقول المؤلف ﵀: «بزيادته» يشمل الزيادة المتصلة وهي التي لا يمكن انفكاكها كالسِّمَن وتعلم الصنعة وما أشبه ذلك، والمنفصلة كالولد واللبن وما أشبه ذلك. ولو غصب عبداً، وهو غلام صغير، فعلَّمه الكتابة وعلَّمه علوماً عظيمة، فازدادت قيمته عشرة أضعاف هل يرجع على مالك الغلام بالتعليم؟ لا؛ لأنه غاصب ودليل ذلك قول النبي ﷺ : «ليس لعرق ظالم حق» فأيُّ عرق ظالم فليس له حق، فلو تلف فعليه الضمان بزيادته؛ لأن زيادة المغصوب تحدث على مُلك المالك، فيجب عليه إذا أتلفه أن يضمنه بزيادته. قوله: «وإن غرم أضعافه» يعني لو غصب شعيراً فخلطه ببُر، عشرة آصع من الشعير غصبها وخلطها في عشرة آصع من البر، فطالب المالك، وقال: أعطني شعيري، فقال: أنا خلطته بالبر، ولو بقيت أخلصه لغرمت أضعاف القيمة، فنقول: يلزمك تخليصه، فأحضر أناساً يخلصون الشعير من البر، ولو كانت قيمة البر والشعير خمسين ريالاً، وأجرة التخليص خمسمائة ريال، ولهذا قال: «وإن غرم أضعافه».

стр. 4136

وقال بعض أهل العلم: إذا كان الضرر كثيراً وليس لصاحبه غرض صحيح بعينه فإنه يعطى مثله أو قيمته، خصوصاً إذا علمنا أن قصد المالك المضارَّة بالغاصب، وهذا القول له وجه؛ لأن النبي ﷺ يقول: «لا ضرر ولا ضرار» (١) ويقول: «من ضارَّ ضارَّ الله به» (٢)، لكن لو كان هذا التضمين سبيلاً لتقليل الغصب والعدوان على الناس فالقول بالمذهب أقوى من القول الثاني، وهذا هو الراجح. قوله: «وإن بنى» أي: الغاصب. قوله: «في الأرض» أي: المغصوبة. قوله: «أو غرس» أي: في الأرض المغصوبة. قوله: «لزمه القلع، وأرش نقصها، وتسويتها، والأجرة» هذا مع الإثم. فيلزمه أولاً: «القلع» وهذا إذا طالبه صاحب الأرض، وقال: اقلع الذي غرسته في أرضي، فإنه يلزمه. وقوله: «أو بنى فيها» لو قال له المالك: اهدم البناء، فإنه يلزمه أن يهدم البناء، وهذا مقبول إذا كان لصاحب الأرض غرض

стр. 4137

في تخليتها من الغراس والبناء، لكن إذا كان يريد أن يبني عليها، فهل نلزم الغاصب بالهدم؟ الجواب: لا نلزمه، فلو قال الغاصب: أنا لا أريد البناء والشجر، فالشجر لك، والبناء لك، ولا تكلفني أن آتي بالمعاول، وآتي بالرجال يقلعون الشجر ويهدمون البناء؟ فنقول: إن كان يفوت بذلك غرضُ صاحب الأرض، بأن يقول صاحب الأرض: أنا أريد أن أغرسها نخلاً وهي الآن مغروسة برتقالاً، أو قال: أنا أريد أن أغرسها من نوع معين من النخل دون النوع الموجود فيها، فهنا له الحق بأن يُلزم الغاصبَ بقلع الغرس. كذلك في البناء، لو قال: أنا أريد أن أبنيها بيتاً لكن ليس على هذا الوجه، فهذا البناء لا يطيب لي، إما من حيث رداءة البناء، أو من حيث تصنيف البناء ـ مثلاً ـ فهل له الحق أن يجبره؟ نعم، لكن إذا علمنا أنه ليس له غرض إلا المضارة، وأن صاحب الأرض يريد أن يبنيها على هذه الصفة، أو يريد أن يغرسها بهذا النوع من الشجر، لكن يريد أن يضار بالغاصب ويكلفه، فهنا نمنعه، ونقول: ليس لك أن تجبر الغاصب على إزالة البناء أو الغراس، والدليل: أولاً: قول النبي ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» (١) وهذا لا شك أنه أضر صاحبه وأضر بنفسه أيضاً. ثانياً: أن النبي ﷺ نهى عن إضاعة المال (٢)، وهذا فيه

стр. 4138

إضاعة مال عليهما جميعاً، أما على الغاصب فواضح، وأما على المالك؛ فلأنه يريد أن ينشئ هذا البناء من جديد، وكان البناء أو الغراس موجوداً، فقد أضاع المال، وسيخسر مرة ثانية بإنشائه. فصار كلام المؤلف ليس على إطلاقه، بل نقيده بما إذا لم يتبين أن المقصود به المضارة، فإن تبين ذلك فإنه يمنع، فلا ضرر ولا ضرار. مسألة: لو طالب رب الأرض أن يبقى الغراس ويدفع القيمة، ففيه تفصيل، إن كان للغاصب غرض صحيح في قلعه فإنه لا يجبر على إبقائه، كأن يقلع النخل ويجعله في أرض يملكها، وإن لم يكن له غرض صحيح في امتناعه، وإنما سيقلع هذا الغرس ويرميه في الشمس حتى يتلف، فإننا لا نمكنه من ذلك لوجوه: الأول: أن هذا من الفساد، والله لا يحب الفساد. الثاني: أن هذا إضاعة مال، وقد نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال (١). الثالث: أن في إبقائه وإعطاء الغاصب القيمة منفعة له، ورغبته عن المنفعة يعتبر سفهاً، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥]، فإذا مُنعنا أن نعطي هؤلاء أموالهم فكيف لا نلزم هذا بأخذ زيادة على ماله؟! الرابع: أن لصاحب الأرض حقاً حيث يقول: لولا هذه

стр. 4139

الأشجار التي غرسها الغاصب لكنت أنا قد غرست وصار شجري كشجر الغاصب الآن، فقد فوَّت عليَّ منفعة الأرض طيلة هذه المدة، وهو لا ينتفع بغراسه إذا قلعه. ثانياً: «أرش نقصها» وهل تنقص الأرض بالبناء عليها؟ نعم، ربما تنقص، بأن يكون ـ مثلاً ـ أخذ من تربتها وهي صلبة أو ما أشبه ذلك، وأما في الغرس فواضح أنها تنقص؛ لأن الفلاحين يسمُّون الأرض إذا لم تغرس أرضاً بكراً، وإذا غرست صارت غير جيدة، فهنا فيها نقص فيلزمه أرش نقصها، وكيف ذلك؟ نقول: نقدر الأرض مغروسة وغير مغروسة، يعني نقدرها بكراً أو مغروسة قد نُزع غرسها، فالفرق بين القيمتين هو أرش النقص، فَيُلزم الغاصب بأرش النقص. ثالثاً: «تسويتها» أي: تسوية الأرض، ومعلوم أن الأرض بعد أن يهدم البناء الذي عليها لا بد أن يكون فيها حُفَر، وبقية الأنقاض كالجُدر وأساسات الحيطان، فنقول: نُلزم الغاصب بأن يسوي الأرض ويردها على ما كانت عليه. رابعاً: «الأجرة» أي: أجرة الأرض مدة استيلاء الغاصب عليها، فإذا قدرنا أنه استولى عليها لمدة أربع سنوات ألزمناه بأجرتها لمدة أربع سنوات، لكن هل نلزمه بأجرتها مسكونة ومعمورة، أو بأجرتها بيضاء ليس فيها عمران؟ ما دمنا قلنا: إن الزيادة تكون لصاحب الملك فإنها تُقَوَّم على أنها مسكونة معمورة، وهو جعلها عمارات تُسكن فالأجرة للمالك. ويحتمل أن يقال: إن الأجرة هذه حصلت ببناء الغاصب

стр. 4140

وبأرض المالك فتجعل الأجرة بينهما نصفين؛ لأننا الآن سنعطي المالك أكثر من أجرة الأرض، فأجرة الأرض بيضاء يمكن أن تكون ـ مثلاً ـ عشرة آلاف في السنة كأن تكون مستودعات، أو مواقف وما أشبه ذلك، لكن إذا كانت مبنية فأجرتها ـ مثلاً ـ مائة ألف في السنة، لكن من أين حصلنا مائة الألف في السنة؟ من بناء الغاصب، ومن أرض المالك، فهنا لو قال قائل: بأن لكل من الغاصب والمالك قسطه من الأجرة لكان جيداً. وَلَوْ غَصَبَ جَارِحاً، أَوْ عَبْداً، أَوْ فَرَساً، فَحَصَّلَ بِذَلِكَ صَيْداً فَلِمَالِكِهِ. قوله: «ولو غصب جارحاً أو عبداً أو فرساً فحصَّل بذلك صيداً فلمالكه» هذه المسائل مبنية على قوله ﷺ : «ليس لعرق ظالم حق» (١) فإذا غصب جارحاً، والجارح يطلق على الكاسب مثل كلب الصيد، وطير الصيد فهذا يسمى جارحاً، قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤] فإذا غصب إنسان كلب صيد، وصاد به فإن الصيد يكون للمالك؛ لأن الكلب لمالكه، ولم يكن من الغاصب إلا أنه أشلاه بالصيد فصاد. وقوله: «أو عبداً» فلو غصب عبداً وقال له: اذهب وصِدْ لنا طيوراً، صِدْ لنا حُمُر وحش، صِدْ لنا ظباء، فذهب وصاد، فيكون الصيد للمالك؛ لأنه كسب ملكه فيكون له. وقوله: «أو فرساً» الفرس ليس هو الذي يصيد، العبد يصيد، والجارح يصيد، أما الفرس فلا يصيد، بل يُصاد عليه،

стр. 4141

والصائد هو الغاصب؛ لأن الغاصب صاده بسهمه، أو صاده بوثبه، أما الفرس فليس منه إلا العدو فقط، ولهذا ينبغي أن يفرق بينه وبين الجارح والعبد؛ لأن الجارح والعبد حصل الصيد من فعلهما، وأما الفرس فليس من فعله. ولهذا نقول: الراجح في مسألة الفرس أن الصيد للغاصب؛ لأنه هو الذي باشر الصيد، لكن عليه أجرة الفرس، وربما تكون أجرة الفرس أكثر من قيمة الصيد، فقد يصيد حمامة قيمتها خمسة ريالات، ولكن استعمال الفرس بخمسين ريالاً مثلاً. وَإِنْ ضَرَبَ المَصُوغَ، وَنَسَجَ الغَزْلَ، وَقَصَّرَ الثَّوْبَ، أَوْ صَبَغَهُ، وَنَجَرَ الخَشَبَ وَنَحْوَهُ، أَوْ صَارَ الحَبُّ زَرْعاً، أو البَيْضَةُ فَرْخاً، وَالنَّوَى غَرْساً، رَدَّهُ وَأَرْشَ نَقْصِهِ، وَلَا شَيْءَ لِلغَاصِبِ، وَيَلْزَمُهُ ضَمَانُ نَقْصِهِ. قوله: «وإن ضرب المصوغ، ونسج الغزل، وقصَّر الثوب، أو صبغه، ونجر الخشب ونحوه، أو صار الحَبُّ زرعاً، أو البيضة فرخاً، والنوى غرساً، ردَّه وأرشَ نقصه، ولا شيء للغاصب». جواب: «إن» في هذه المسائل كلها قوله: «رده وأرش نقصه». وقوله: «ضرب المصوغ» يعني الحلي، وضربه يعني جعله نقداً، يعني غصب حليّاً من ذهب وضربه وجعله دنانير، أو غصب حلي فضة وضربه وجعله دراهم، فيجب عليه أن يرد هذه الدنانير والدراهم إلى المالك وعليه أرش النقص، فيقال مثلاً: هذه الدنانير تساوي مائة ريال، والمصوغ الذي حوَّله إلى دنانير يساوي مائتين فيرد الدنانير ومائة ريال.

стр. 4142

في الفضة ـ أيضاً ـ الحلي الذي حوله إلى دراهم كان يساوي ـ مثلاً ـ مائة ريال، فيرد الدراهم وخمسين ريالاً، فإذا قال: أنا أرد له مثل مصوغه وأطيب منه، وقال المالك: أنا أريد عين مالي، فالقول قول المالك؛ لأن عين ماله موجود، وهو هذه الدنانير والدراهم. فإذا قال الغاصب: أنا تعبت وخسرت، قلنا له: لكنك ظالم وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: ٤٢]. وكذلك لو غصب مثقالاً من الذهب وحوَّله إلى حلي، أو مثقالاً من الفضة وحوَّله إلى حُلي، فلمن تكون هذه الزيادة التي زادت بالصنعة؟ تكون لمالك المصوغ وليس للغاصب شيء؛ لأنه ظالم. وقوله: «ونسج الغزل» لو نسج الغزل وهو خيوط، كما لو غصب غزلاً من صوف أو وبر أو شعر ثم حوله إلى نسيج، فهو لمالكه وليس للغاصب شيء؛ لأنه ظالم. وقوله: «وقصَّر الثوب» أي: غسله بعد أن كان وسخاً، ومن المعلوم أن قيمته ستزداد لكن الزيادة لمالك الثوب وليس للغاصب شيء؛ لأنه ظالم. فهنا لا نقص، ولذلك قال في «الروض» (١) عند قول المؤلف: «وأرش نقصه»: «إن نقص». لكن لو فرض أنه نقص بهذا، وأنه كان في الأول جديداً

стр. 4143

لكن فيه وسخ ثم لما غسله صار غسيلاً، ومعلوم أن قيمة الغسيل أنقص من قيمة الجديد ولو كان وسخاً؛ لأن الذي يرى الجديد الوسخ يعلم أن استعماله قليل، والذي يرى الغسيل يُقدر أنه استعمل استعمالاً كثيراً ثم غُسِل فعليه أرش النقص. وقوله: «أو صبغه» إذا صبغ الثوب إلى صبغ مرغوب عند الناس بعد أن كان أبيض غير مرغوب فيه، فإن الصبغ يكون لمالك الثوب، هكذا قال المؤلف هنا، لكن فيه نظر؛ لأن الصبغ لا بد فيه من شيء يصبغ به، والشيء الذي صبغ به ملك للغاصب، فكوننا نقول: إن الصبغ يكون لمالك الثوب مع أن في هذا الثوب عيناً للغاصب فيه نظر، وينبغي أن يقال: للغاصب قيمة صبغه، لكن لو نقص الثوب بالصبغ بأن حوله إلى صبغ تنقص به القيمة فعلى الغاصب ضمان النقص. وقوله: «ونجر الخشب» مثاله: إنسان أخذ أعمدة من الخشب ونجرها أبواباً، فهنا لا بد أن تتغير القيمة وتزداد، فقيمته للمالك؛ لأن هذا ناتج عن فعل ظالم، والنجارة التي تتساقط عند النجر لتسوية الباب وما أشبه ذلك، قد يكون لها قيمة ويضمنها الغاصب؛ لأنه ظالم، والنجارة كان الناس فيما سبق يتخذونها حطباً ويشترونها من النجار. وقوله: «ونحوه» كما لو حول الحديد إلى أبواب، فإذا غصب صاجات من الحديد وحولها إلى أبواب فتكون للمالك والغاصب لا يستحق شيئاً. وقوله: «أو صار الحب زرعاً» إذا صار الحب زرعاً فهو

стр. 4144

لمالك الحب لا للغاصب؛ لأن هذا الزرع هو عين ملكه لكنه تحول بإرادة الله إلى هذا. وقوله: «أو صارت البيضة فرخاً» كذلك إذا صارت البيضة فرخاً، فلو أن رجلاً غصب بيضة ووضعها تحت طائر وصارت فرخاً، فالفرخ لمالك البيضة؛ لأنه عين ماله. وقوله: «والنوى غرساً» النوى معروف وهو نواة التمرة، فإذا غصب نوى ووضعه في الأرض فصار غرساً، فالغرس لصاحب النوى، فهذا الذي غصب مائة نواة ودفنها في الأرض فصارت مائة نخلة، فإنها تكون لصاحب النوى وليس للغاصب شيء؛ لأنه ظالم، وقد قال النبي ﷺ : «ليس لعرق ظالم حق» (١). وهل يستحق الغاصب في هذه المسائل أجراً؟ الجواب: لا؛ لقول النبي ﷺ : «ليس لعرق ظالم حق». وقوله: «رده وأرش نقصه، ولا شيء للغاصب» أما وجوب رده فظاهر؛ لأنه ملك لغيره فيجب رده إليه، وأما كونه لا شيء له فلأنه ظالم، وقد قال النبي ﷺ : «ليس لعرق ظالم حق». قوله: «ويلزمه ضمان نقصه» هذه مسألة مستقلة، يعني يلزم الغاصب ضمان نقص ما غصب من أي شيء كان، إن كانت أرضاً فنقصت بحرثه وتغييره إياها فهو ضامن، وإن كان كتاباً فاستعمله ونقص فإنه يلزمه ضمان نقصه، فهذه مسألة مستقلة وليست مفرعة على المسائل التي ذكرها؛ لأن المسائل الذي ذكرها قال فيها: «رده وأرش نقصه» وهنا قال: «ويلزمه ضمان

стр. 4145

نقصه» أي نقص المغصوب مطلقاً، فلو غصب حبراً واستعمله فنقص فيلزمه ضمان نقصه. وقوله: «ويلزمه ضمان نقصه» حتى ولو كان بغير فعله، كرجل غصب عبداً شاباً وبقي عنده عشر سنين، فظهرت لحيته وذهبت نضارة شبابه، فإن قيمته تنقص، فنقول: عليك ردَّه وردَّ ما نقص من قيمته ولو كان بغير فعلك؛ لأنه نقص تحت استيلائه، ولو مات وجب عليه ضمانه، فكل نقص يكون تحت يد الغاصب فهو من ضمانه سواء كان بسببه أو بغير سببه. وَإِنْ خَصَى الرَّقِيقَ رَدَّهُ مَعَ قِيمَتِهِ وَمَا نَقَصَ بِسِعْرٍ لَمْ يُضْمَنْ، وَلَا بِمَرَضٍ عَادَ بِبُرْئِهِ. قوله: «وإن خصى الرقيق رده مع قيمته» مثال ذلك: رجل غصب رقيقاً وخصاه؛ من أجل أن تزيد قيمته؛ لأن الرقيق إذا كان خصياً كانت قيمته أكثر؛ لأنه أقل خطراً على النساء من الفحل، يقول المؤلف: «رده مع قيمته» أي: رده مع قيمته خصياً؛ لأن هذا الخصاء زادت به القيمة وهو فعل من ظالم وليس له فيه حق، والقاعدة أن الزيادة للمالك والنقص على الغاصب. مثال هذا: غصب رقيقاً فحلاً يساوي عشرة آلاف، فخصاه فصار يساوي عشرين ألفاً، فيرده ويرد معه عشرة آلاف؛ لأنه أتلف منه ما فيه دية كاملة بالنسبة للحر، فلو خصى حراً وجب عليه دية كاملة، والرقيق ديته قيمته، فهذا الرجل خصى الرقيق، فنقول له: عليك قيمته؛ لأنك أتلفت منه ما فيه دية كاملة بالنسبة للحر، وما فيه دية كاملة بالنسبة للحر ففيه قيمة العبد كاملة، فصار هذا الغاصب قد زاد صاحب العبد بضمان القيمة، وزيادة قيمته بالخصاء ويرد العبد أيضاً؛ لأنه ليس ملكاً له.

стр. 4146

وقال بعض أهل العلم: إن الجناية على العبد تقوم بما نقص، وبناء على هذا الرأي نقول: ما دام العبد زاد بالخصاء فإن الغاصب لا يضمن شيئاً، وسيأتي ـ إن شاء الله ـ في القصاص أن القول الراجح أن الجناية على العبد كالجناية على البهيمة تقدر بما نقص، وأنه لو قطعت يده اليمنى يعطى السيد أكثر مما لو قطعت يده اليسرى، بخلاف الحر فإن اليمنى كاليسرى في الدية. فإن قال قائل: هل خصاء الآدميين جائز؟ فالجواب: لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى قطع النسل، إذ إن الخصي لا ينجب، وأما خصاء غير الآدميين فإذا كان لمصلحة البهيمة فهو جائز ولو كان من أجل زيادة الثمن، ولا شك أن خصاء البهيمة يجعل لحمها أحسن وأطيب، وهذا في المأكول ظاهر، فلو خصى خروفاً أو ثوراً أو جملاً أو فرساً أي: ذكراً من الخيل، فهذا لا شك أنه يُستفاد منه؛ لأنه يطيب اللحم، لكن إذا كان لا يؤكل كالحمار ـ مثلاً ـ فإن الفائدة من خصائه اتقاء شره؛ لأن الفحل من الحمير يتعب صاحبه إذا رأى أنثى من الحمير ركض إليها وربما يسقط صاحبه، وكذلك ـ أيضاً ـ يأخذ بالنهيق فيُتعِب، فإذا خصي بردت شهوته ولم تحصل منه هذه المفسدة. قوله: «وما نقص بسعر لم يُضمن» يعني أن هذا الغاصب إذا غصب هذه العين وهي تساوي عشرة آلاف، ثم نزل السعر حتى صارت لا تساوي إلا خمسة آلاف، فهل يضمن الخمسة أو لا يضمن؟ المؤلف يقول: إنه لا يضمن، وهو المذهب؛ لأن هذا

стр. 4147

النقص ليس عائداً إلى عين المغصوب بل لأمر خارج وهو قيمته عند الناس، ومعلوم أن القيمة ترتفع أحياناً وتنخفض أحياناً، فلو غصب شاة قيمتها مائتا ريال وبقيت عنده ولم تنقص عينها بل ربما زادت، ثم نقص السعر حتى صارت لا تساوي إلا مائة ريال، فهل يرد الشاة ومائة الريال؟ على كلام المؤلف: يرد الشاة ولا يضمن نقص السعر، مع أنه حين غصبها من مالكها كانت تساوي مائتين، وحال بينه وبينها حتى نقص السعر فلم تبلغ قيمتها إلا مائة، فالمذهب ـ وهو ما مشى عليه المؤلف ـ أنه لا يضمن، وعللوا ذلك بأن عين المغصوب لم تنقص، وإذا كانت لم تنقص فزيادة القيمة ونقصها لأمر خارج وهو الطلب أو الجلب، فإذا كثر الطلب لزم من ذلك ارتفاع القيمة، وإذا كثر الجلب لزم من ذلك نقص القيمة، أما عينها فلم تتغير وقد قال النبي ﷺ : «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» (١). قالوا: ونظير ذلك لو استقرض من شخص صاعاً من بر يساوي ثلاثة دراهم، ثم رده عليه وهو يساوي درهمين، فهل يعطيه درهماً؟ لا؛ لأنه رد عليه مثل ماله، وكذلك بالعكس لو استقرض صاعاً من البر يساوي درهمين، ثم ارتفعت القيمة فصار يساوي ثلاثة دراهم، فهنا يرد الصاع ولا يأخذ من صاحبه درهماً، فالنقص أو الزيادة في السعر لأمر خارج. واستثنوا من ذلك ما لو تلفت وقيمتها عند التلف مائتان، ثم أراد أن يردها لصاحبها وقد نزلت قيمتها، فعليه ضمان مائتين اعتباراً

стр. 4148

بحال التلف قولاً واحداً؛ لأن العين لم ترد الآن فننظر إلى وجوب قيمتها متى وجبت؟ وقد وجبت حين التلف، وهي حين التلف تساوي مائتين، وإن كانت لو كانت موجودة قيمتها تساوي مائة. لكن يقال: إن هذا الغاصب حال بين المالك وملكه حتى نزل السعر فهو ظالم، ونقص السعر في الواقع نقص صفة؛ لأن السعر قيمة السلعة، والقيمة تعتبر صفة في الواقع، ولهذا كان القول الصحيح أنه إذا نقص السعر فإن الغاصب يضمن النقص، فنقول: رد العين إلى صاحبها ومعها نقص السعر. ولو غصب رجل كتاباً يساوي خمسين ريالاً، ثم بعد شهر أو شهرين رده وهو يساوي أربعين ريالاً، فهنا ـ على المذهب ـ لا يضمن نقص السعر، لكن إن كان الكتاب نقص بالاستعمال يضمن النقص، وعلى القول الصحيح يضمن نقص السعر فيرد الكتاب ويرد معه عشرة ريالات، ويرد ـ أيضاً ـ أرش النقص الذي حصل باستعمال الكتاب، وهذا القول هو اختيار شيخ الإسلام وشيخنا عبد الرحمن السعدي ـ رحمهما الله ـ وهو الصواب، وهذا القول ينبغي أن يكون هو المتعين؛ لأننا إذا قلنا: إن السعر لا يُضمن ربما يعتدي المعتدي على شخص، فيغصبه ماله ويحبسه عنده يريد أن تنقص الأسعار ثم يسلمه إلى صاحبه، وهذا لا شك في أنه يضمن؛ لأنه تعمد إدخال الضرر على المالك فيضمن، فهو ليس كالذي غصبه وحبسه ليستعمله أو لغير ذلك، ولم يخطر بباله أنه يريد إضرار المالك بنقص السعر، فهذا أهون. قوله: «ولا بمرض عاد ببُرئه» يعني ولا يُضمن نقص بمرض

стр. 4149

«عاد» يعني النقص «ببرئه» أي: ببرء المرض، مثال ذلك: غصب شاة، ثم مرضت الشاة فنقص لبنها، ثم شُفيت الشاة وعاد لبنها على طبيعته، فهل يضمنها أو لا؟ يقول المؤلف: لا يضمنها؛ لأن النقص الذي حصل عنده عاد ورجعت إلى حالها الأولى، لكن لو فُرِض أنه كان رده إياها حين مرضها فإنه يضمن، أما بعد أن شُفيت فإنه لا يضمن؛ لأنه عاد على ما كان عليه حين الغصب، ولهذا قال: «ولا بمرض عاد ببرئه» أي برء المرض، لكن ليعلم أن كل ما أخذه من لبن فإنه يضمنه؛ لأن المنافع مضمونة على الغاصب، والكلام الآن على ضمان الأعيان. وَإِنْ عَادَ بِتَعْلِيمِ صَنْعَةٍ ضَمِنَ النَّقْصَ، وَإِنْ تَعَلَّمَ أَوْ سَمِنَ فَزَادَتْ قِيمَتُهُ ثُمَّ نَسِيَ أَوْ هُزِلَ فَنَقَصَتْ ضَمِنَ الزِّيَادَةَ كَمَا لَوْ عَادَتْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الأَوَّلِ، وَمِنْ جِنْسِهَا لَا يَضْمَنُ إِلاَّ أَكْثَرَهُمَا. قوله: «وإن عاد بتعليم صنعة ضمن النقص» «إن عاد» يعني النقص لا ببرء المرض، ولكن بتعليم صنعة ضمن النقص؛ لأن عَوْدَه هنا ليس هو عود النقص الذي حصل. مثاله: غصب عبداً ثم مرض العبد وهُزِل فهنا تنقص قيمته ولا شك، لكنه علَّمه صنعة ارتفعت بها قيمته، فلو كان هذا العبد يساوي قبل أن يمرض عشرة آلاف، وبعد أن مرض صار يساوي خمسة آلاف، ثم بعد ذلك تعلم صنعة فصار يساوي عشرة آلاف ـ فعاد الآن إلى القيمة الأولى ـ فهل يضمن نقصه؟ الجواب: نعم؛ لأن الغاصب ضامن النقص، والزيادة للمالك، فنقول: العبد يساوي وهو غير متعلم للصنعة نصف قيمته قبل أن ينقص، فيرد العبد ونصف قيمته؛ وما زاد بتعلم الصنعة فإنه للمالك. وكذلك لو غصب عبداً كاتباً فنسي الكتابة لكنه تعلم صنعة الآلات الكهربائية ـ مثلاً ـ وصار ما نقصه بنسيان الكتابة مجبوراً

стр. 4150

بما تعلمه من الصناعة الكهربائية، فهل نقول: هذا يجبر هذا؟ لا، نقول: اضمن نقصه بالكتابة، وزيادة قيمته بالصناعة الكهربائية لمالكه. قوله: «وإن تعلم أو سمن فزادت قيمته ثم نسي» في مسألة التعلم. قوله: «أو هُزِل» في مسألة السمن. قوله: «فنقصت» أي: قيمته. قوله: «ضمن الزيادة»، مثال ذلك: رجل غصب عبداً جاهلاً لا يعرف، فعلَّمه فتعلَّم فزادت القيمة، ثم نسي فنقصت، فلو كانت قيمته قبل أن يتعلم عشرة، ولما تعلم صارت قيمته عشرين، ولما نسي عاد إلى عشرة، يقول المؤلف: «فإنه يضمن الزيادة» التي حصلت بالتعلم؛ لأنه لما زادت قيمته بالتعلم وهو على ملك مالكه، نقصت الزيادة وهو في ضمان الغاصب، فيضمن الزيادة. ومثله ـ أيضاً ـ لو أنه سمن بعد غصبه، كأن يكون غصب شاة هزيلة ثم أعلفها حتى صارت سمينة ثم عادت وهزلت، فهل يضمن الزيادة التي زادت؟ نعم، يضمنها؛ لأن زيادتها كانت في ملك صاحبها، والنقص صار في ضمان الغاصب. قوله: «كما لو عادت من غير جنس الأول» يعني كما لو عادت الصنعة من غير جنس الأول، بأن غصب عبداً جاهلاً لا يعرف الصناعة، فتعلم النجارة وصار ماهراً جيداً في النجارة، ثم نسي فتعلم الحدادة وصار متقناً لها، فهل يضمن نقصه حين نقص

стр. 4151

بنسيان النجارة؟ نعم يضمنه؛ لأن الجنس الآن مختلف، نجارة وحدادة. قوله: «ومن جنسها لا يضمن إلا أكثرهما» كما لو تعلم الحاسب الآلي في شيء معين، ثم تعلمه في شيء آخر، ونسي العلم الأول، فهنا الزيادة من جنس ما نسيه فلا يضمن إلا أكثرهما، فإذا كانت الزيادة بعد النقص فلا ضمان عليه؛ لأنه زاده خيراً، لكن إن كان ما نسيه أكثر فإنه يضمن الأكثر؛ لأنهما من جنس واحد.

стр. 4152

فَصْلٌ وَإِنْ خُلِطَ بِمَا لَا يَتَمَيَّزُ كَزَيْتٍ، أَوْ حِنْطَةٍ بِمِثْلِهِمَا، أَوْ صَبَغَ الثَّوْبَ، أَوْ لَتَّ سَوِيقاً بِدُهْنٍ، أَوْ عَكْسُهُ وَلَمْ تَنْقُصِ القِيمَةُ وَلَمْ تَزِدْ، فَهُمَا شَرِيكَانِ بِقَدْرِ مَالَيْهِمَا فِيهِ، وَإِنْ نَقَصَتْ القِيمَةُ ضَمِنَهَا ........ قوله: «وإن خُلِط بما لا يتميز» الضمير في قوله: «إن خلط» يعود على المغصوب، فإذا خلط المغصوب، فإما أن يخلط بما يتميز، وإما أن يخلط بما لا يتميز، فهنا قسمان: الأول: إذا خلط بما لا يتميز «كزيت أو حنطة بمثلهما» مِثْلُ الزيت زيت، ومثلُ الحنطة حنطة، فمثلاً لو غصب إناء من الزيت وخلطه بإناء عنده من الزيت، فهنا لا يمكن تمييز المغصوب من غيره؛ لأنه اختلط، وكذلك لو خلط حنطة بحنطة فلا يمكن تمييزه؛ لأنه اختلط، فلا يمكن تمييز الحبة التي للغاصب من الحبة التي للمغصوب منه، فماذا يكون الحكم؟ قال المؤلف ﵀: «ولم تنقص القيمة ولم تزد فهما شريكان بقدر ماليهما فيه، وإن نقصت القيمة ضمنها» مثال ذلك: لو غصب صاعاً من البر وخلطه بصاع من البر من جنسه، فهنا يكونان شريكين بشرط أن لا تنقص القيمة ولا تزد، فإن نقصت القيمة بالخلط بأن كان الناس يختارون أن يشتروا شيئاً قليلاً من البر، وهو قد خلط مائة صاع بمائة صاع فتنقص القيمة، فإذا نقصت فعلى الغاصب ضمان النقص، وأما إذا لم تنقص ولم تزد فهما شريكان بقدر ماليهما، فإذا كان للغاصب صاعان

стр. 4153

وللمغصوب منه صاع فتكون القيمة بينهما أثلاثاً، وهلم جراً. والمذهب يلزمه مثل المغصوب من غير المشترك، فيقال: اشتر مثل الذي غصبت، والفرق بين القولين أنه إذا قلنا: إنهما شريكان، لزم أن يدخل في ملك المالك ما كان ملكاً للغاصب، هذه واحدة. ثانياً: إذا كانا شريكين، فإن الشركة تكون أحياناً نكدة، ويتنازعان في البيع أو القَسم، وإذا قلنا: هات بدله، ذهب الغاصب إلى السوق واشترى بدله. ثالثاً: أنه يندر أن تتفق أوصاف المخلوطات، فيندر أن يكون البر الذي غصبه الغاصب مثل الذي خلطه به، وحينئذٍ يدخل على ملك المالك ما هو دون ملكه، ولكن إذا قلنا: يلزمك مثله، فسوف يشتري مثله نوعاً ووصفاً ونسلم من الاختلاف؛ ولهذا نقول: إن ما ذهب إليه الأصحاب أقرب إلى الصواب مما ذهب إليه المؤلف. وقوله: «أو صبغ الثوب» أي: غَصَبَ الثوب وصبغه بلون ولم تزد القيمة ولم تنقص فهما شريكان، فللغاصب قيمة الصِّبْغ، ولمالك الثوب قيمة الثوب، فإذا قُدِّر أن قيمة الصبغ عشرة ريالات، وقيمة الثوب عشرة، وبِيعَا بعشرين ريالاً فلكل واحد منهما ثمن ملكه، وهذا يتناقض مع ما سبق من أنه إذا صبغ الثوب فهو لمالك الثوب وقد أشرنا إليه فيما سبق (١).

стр. 4154

فإن أمكن إزالة الصبغ وطالب المالك بثوبه وجبت إزالته ويضمن الغاصب النقص. وقوله: أو لَتَّ سويقاً بدهن» فلو غصب سويقاً ولتَّه بدهن، ومعنى لتَّه يعني صب عليه الدهن، ومعلوم أن الدهن الآن لا يمكن أن يتميز فهما شريكان. وقوله: «أو عكسه» أي: غصب صبغاً وصبغ به ثوباً عنده، أو غصب دهناً وأضاف إليه السويق ولم تنقص القيمة ولم تزد، فهما شريكان بقدر ماليهما فيه، وعند التنازع فالأصل أن الغارم يُقبل قوله. وقوله: «ولم تنقص القيمة ولم تزد» مراده قيمتهما مجموعة، بحيث يقال: السويق يساوي عشرة والدهن يساوي خمسة، والقيمة الآن ملتوتاً خمسة عشر، فإذا لم تنقص القيمة ولم تزد نقول: إنهما شريكان بقدر ماليهما، يكون لصاحب السويق عشرة ولصاحب الدهن خمسة. وقوله: «وإن نقصت القيمة ضمنها» الضامن هو الغاصب، فلو أن هذا السويق الذي لتَّه بدهن نقصت قيمته؛ لأن الناس لا يرغبون الدهن، أو لَتَّه بدهن له رائحة كريهة أو ما أشبه ذلك، فعلى الغاصب ضمان النقص؛ لأنه ظالم. وَإِنْ زَادَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا فِلِصَاحِبِهِ. وَلَا يُجْبَرُ مَنْ أَبَى قَلْعَ الصِّبْغِ. ...... قوله: «وإن زادت قيمة أحدهما فلصاحبه» فلو كان الدهن يساوي عشرة، والسويق يساوي عشرة، والدهن للغاصب لكنه لما لُتَّ بالسويق زادت قيمته؛ لأنه صار فيه نفع، فتكون الزيادة لصاحبه.

стр. 4155

فإن قال المالك: دهنك لم يزد إلا حيث كان في شعيري فأنا وأنت شريكان في هذه الزيادة. فالجواب: أن المالك إذا طلب ذلك وجبت إجابته خلافاً لظاهر كلام المؤلف، ولو لم نقل بهذا لكان كل إنسان يكون الدهن عنده كاسداً يغصب سويقاً ويلته به وتزيد قيمته، وهذا هو الصحيح؛ لأن الزيادة حصلت بضم الدهن إلى السويق، أما لو نقصت قيمة السويق بلتِّه بالدهن، والسويق هو المغصوب فعلى الغاصب ضمان النقص. والخلاصة أن القاعدة: أن كل نقص يترتب على فعل غاصب أو على غير فعله في المغصوب فإنه مضمون على الغاصب. والمؤلف ﵀ لم يذكر القسم الثاني فيما إذا خلط بما يتميز، فإذا خلط بما يتميز وجب على الغاصب تخليصه ولو ضاع عليه مال كثير، فإذا غصب براً وخلطه بشعير، فإن البر يتميز من الشعير، فهنا نقول للغاصب: خلِّص البر من الشعير ولو بقي وقتاً طويلاً؛ لأن عين المال المغصوب موجودة فيجب ردها إلى صاحبها، فإذا قال: هذا إضرار بي؟ فالجواب أن نقول له: أنت الذي جنيت على نفسك، لماذا تغصب أولاً؟ ولماذا تخلطه ثانياً؟ وقد قال النبي ﷺ : «ليس لعرق ظالم حق» (١) إذن يلزمه التخليص ولو غرم أضعافه.

стр. 4156

لو قال الغاصب: الآن أنا خلطت البر بالشعير، والبر الذي خلطته خمسة أصواع، وأنا أعطيك أيها المالك عشرة أصواع، فهل يجبر المالك أو لا؟ يقولون: لا يجبر، بل يقال: خَلِّص البر ولو دفع أكثر من مثله. وهذا في الحقيقة من جهة قد نقول: إنه قول جيد؛ لأن في ذلك ردعاً للغاصبين، فإذا علم الغاصب أنه سوف يضمن إلى هذا الحد فإنه لا يغصب، وإن نظرنا إلى أن فيه إضراراً، وقد قال النبي ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» (١) قلنا: هنا يتوجه القول بأن المغصوب منه يجبر على قبول مثل بره الذي غُصِب، ويعد البر الآن كالتالف، وإذا أتلف شخص براً ضمنه بمثله، فالمسألة فيها تردد، وحينئذٍ ننظر ـ في مسألة القضاء والحكم بين الغاصب والمغصوب منه ـ إلى المصلحة، فإذا رأى القاضي أن من المصلحة أن يُلزِم الغاصِبَ بتخليص مال المغصوب منه فليفعل، وإن رأى العكس فلا حرج؛ لأن المضارة في هذا واضحة. قوله: «ولا يُجبر من أبى قلع الصِّبغ» من الذي يأبى، هل هو الغاصب أو المغصوب منه؟ لا ندري هل المغصوب الصبغ، أو المغصوب الثوب؟ على كل حال سواء هذا أو هذا، إذا قيل: اقلع الصبغ، فلا يمكن هذا؛ لأن الصبغ بعد أن صار في الثوب صار من جنس الصفة ولا يمكن فصله عن الموصوف، وكيف يمكن أن يقلعه؟! لا يمكن، اللهم إلا أن يجعل في الماء ثم يخرج الماء ملوناً بلون هذا الصبغ، ويعود الثوب على ما كان عليه،

стр. 4157

وهذا فيه إفساد، حتى الثوب يتضرر بهذا، فلا يجبر من أبى قلع الصبغ. إذن كيف تكون الحال؟ تكون الحال كما قال بالأول: إذا صبغ الثوب صار شريكاً لصاحب الثوب، فهما شريكان. فإن قال صاحب الثوب: أنا لا أريد مشاركته؛ لأنني لو شاركته في هذا الثوب وأردت أن أبيعه امتنع من البيع، وإذا أردت أن أبقيه قال: بل يباع، فهنا يحصل نزاع لا شك، فنقول: إذا طلب صاحب الثوب أن يثمَّن ويدفع قيمة الصبغ، ويكون له الثوب مصبوغاً فإنه يتعين إجابته؛ لما في عدم الإجابة من الإضرار بالجميع، وربما يحصل نزاع لا ينتهي. وَلَوْ قُلِعَ غرْسُ المُشْتَرِي أَوْ بِنَاؤُهُ لاسْتِحْقَاقِ الأَرْضِ، رَجَعَ عَلَى بَائِعِهَا بِالغَرَامَةِ. وَإِنْ أَطْعَمَهُ لِعَالِمٍ بِغَصْبِه، فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ ........ قوله: «ولو قُلع غرس المشتري أو بناؤه لاستحقاق الأرض رجع على بائعها بالغرامة» مثال ذلك: رجل باع أرضاً مغصوبة والمشتري غرس فيها أو بنى، ثم أقام مالك الأرض بَيِّنة على أن هذا غاصب، فالأرض مستحقة الآن للذي أقام البيِّنة على أنها ملكه، وتبين أن الأرض التي باعها الغاصب مغصوبة لا يصح العقد عليها، وصاحب الأرض قال للمشتري، الذي غرس أو بنى: اقلع الغرس، أو اهدم البناء، فهنا المشتري يرجع على البائع؛ لأنه غره، حيث أظهر أنه مالك. وقوله: «رجع على بائعها بالغرامة» أي: بغرم ما تلف عليه، فهو يقول: أنا تعبت في شراء الشجر وتعبت في غرسه، فأرجع

стр. 4158

عليك بقيمة الشجر الذي تلف علي وبأجرة الغارس، وكذلك يقال في البناء. ولو علم المشتري أن الأرض مغصوبة، لكنه تجاهل الأمر وطمع في الأرض وقال: لعل مالكها لا يكون عنده بينة وغرس أو بنى، فهل يرجع على الغاصب أو لا يرجع؟ لا يرجع؛ لأنه دخل على بصيرة. وَإِنْ أَطْعَمَهُ لِمَالِكِهِ أَوْ رَهَنَهُ أَوْ أَوْدَعَهُ أَوْ آجَرَهُ إِيَّاهُ لَمْ يَبْرَأْ إِلاَّ أَنْ يَعْلَمَ وَيَبْرَأُ بِإِعَارَتِهِ. قوله: «وإن أطعمه» أي: الغاصب أطعم المغصوب قوله: «لعالم بغصبه فالضمان عليه» أي: على الآكل؛ لأنه أكل مال غيره وهو يعلم بغير حق. قوله: «وعكسه بعكسه» أي: أطعمه لغير عالم بغصبه فالضمان على الغاصب لا على الآكل؛ لأنه أكل استناداً إلى أن الذي يتصرف في المال هو المالك أصلاً. مثال ذلك: رجل غصب شاة وذبحها وأطعمها شخصاً آخر، يعلم أنها مغصوبة فالضمان على الآكل؛ لأنه مباشر للإتلاف والغاصب متسبب، والقاعدة الشرعية في المتلفات: (أنه إذا اجتمع متسبب ومباشر فالضمان على المباشر) فإن كان لا يعلم فالضمان على الغاصب الذي أطعمه. بقي علينا أن نقول: صاحب الشاة في هذه الحال، هل له أن يرجع على الغاصب مع أن الآكل قد علم أنها مغصوبة؟ الجواب: نعم، له ذلك فهو مخير بين أن يرجع على الغاصب أو على الآكل، لكن قرار الضمان يكون على الآكل إن كان عالماً بالغصب، وإن لم يكن عالماً بالغصب فالقرار على

стр. 4159

الغاصب، وحينئذٍ نقول: يخير المالك بين الرجوع على الغاصب؛ لأنه هو الذي غصب ملكه أي: باشر الغصب، والرجوع على الآكل؛ لأن التلف كان تحت يده. وقد ذكر ابن رجب ﵀ في القواعد الفقهية (١): أن الأيدي المترتبة على يد الغاصب ـ وهي التي انتقل إليها المغصوب من الغاصب ـ عشرة، وأنها كلها أيدي ضمان، يعني يصح أن نضمِّنَها، وأما قرار الضمان فإن كانت هذه اليد عالمة فقرار الضمان عليها، وإن كانت جاهلة فقرار الضمان على الغاصب، إلا ما دخلت على أنه مضمون عليها بكل حال فيكون قرار الضمان عليها. مثال ذلك: إذا غصب شخص من غاصب، فالغاصب الثاني أخذ العين على أنها مضمونة عليه؛ لأنه متعدٍّ، ففي هذه الحال إذا ضمَّنَ المالكُ الغاصبَ الأول رجع على الثاني، وإن ضمن الثاني لم يرجع على أحد بشيء. مثال آخر: غصب شخص ساعة وجعلها وديعة عند شخص آخر، ثم سرقت الساعة من بيت المودَع مع تحفظه ووضعها في الحرز، فالمودَع لا ضمان عليه؛ لأنه لم يتعدَّ ولم يفرط، فإذا جاء المالك وضمّن المودَع، فإنه يرجع على الغاصب بما ضمن؛ لأنه أخذ الساعة على أنها غير مضمونة عليه وأنه محسن، وما على المحسنين من سبيل، فإن ضمّن المالك الغاصبَ، فإن الغاصب لا يرجع على المودَع؛ لأنه غير ضامن، فلو فرض أن

стр. 4160

الساعة للغاصب وتلفت عند المودَع بلا تعدٍّ ولا تفريط فإنه لا يرجع عليه؛ لأن المودَع محسن وما على المحسنين من سبيل. قوله: «وإن أطعمه لمالكه أو رهنه أو أودعه أو آجره إياه لم يبرأ إلا أن يعلم» مثال ذلك: رجل غصب طعاماً كخبز وأرز وغيره فأطعمه لمالكه، فأكله المالك على أنه مُلْك للغاصب، فهنا نقول: إن الغاصب لا يبرأ إلا إذا أعلمه، بأن قال: أنا غصبت هذا المال منك والآن أنا تائب فتفضل كُلْه، فإذا أكله برئ؛ لأنه علم. وكذلك لو رهنه إياه، كما لو استدان من المالك ديناً وأرهنه المغصوب فإنه لا يبرأ؛ لأن المرتهن داخل على أنه لا ضمان عليه، فيده يد أمانة فلو تلف بلا تعدٍّ ولا تفريط فلا ضمان عليه، إلا إذا علم مالكه أن هذا ملكه فإنه يبرأ الغاصب؛ لأنه الآن مكَّنه منه وسلَّطه عليه. وقوله: «أو أودعه» أي: أودع المغصوب «إياه» أي: المالك «لم يبرأ إلا أن يعلم»، والوديعة هي الاستحفاظ، يعني استحفاظ المالك بأن تعطي الشخص مالاً يحفظه لك، ويسمى عند الناس «أمانة» وهو في الحقيقة وديعة، فإذا أودعه عنده فمن المعلوم أن المُودَع لا يضمن إلا إن تعدى أو فرط، فإن أعلمه الغاصبُ أن هذا ملكه برئ منه سواء تلف أم لم يتلف؛ لأنه إذا تلف فإنه بيد مالكه، وأما إذا أودع الغاصب المال المغصوب لمالِكهِ، ومالِكُهُ لم يعلم فالضمان على الغاصب، حتى لو تلف تحت المُودَع بلا

стр. 4161

تعدٍّ أو تفريط فإن الغاصب يضمنه؛ لأنه معتدٍ، والمالك أخذه على أنه ملك للغاصب. فإن تلف بتعدٍّ من المودَع أو بتفريط منه فإن عليه الضمان، وإذا كان عليه الضمان وهو ملكه فلا يستحق على الغاصب شيئاً ولا يستحق الغاصب منه شيئاً، ومثل ذلك يقال في الرهن. وقوله: «أو آجره إياه» فلو غصبه سيارة ـ مثلاً ـ وآجره إياها يوماً أو أكثر ولم يعلم، فالضمان لو حصل عليها تلف ـ ولو بلا تعدٍّ ولا تفريط ـ على الغاصب؛ لأن يده يد عدوان، وقد قال الرسول ﷺ : «ليس لعرق ظالم حق» (١). وقوله: «لم يبرأ إلا أن يعلم» يعني إلا أن يعلم المالك الذي أُودِع أو ارتهن أو أكل أو استأجر، فإذا علم، فمعلوم أن السلطة له على ماله والغاصب بريء. قوله: «ويبرأ بإعارته» «يبرأ» الفاعل الغاصب «بإعارته» الضمير يعود على المغصوب، يبرأ بإعارته لمالكه، مثال ذلك: رجل غصب كتاباً وأعاره مالكه، فهنا يبرأ سواء علم المالك أم لم يعلم؛ وجه ذلك أنه إن علم أنه ملكه فقد تم استيلاؤه عليه وتلف تحت يده، وإن لم يعلم أنه ملكه فالمستعير ضامن بكل حال، حتى وإن أخذه على أنه ملك للغاصب، وهذا مبني على أن المستعير ضامن بكل حال سواء فرط أو تعدى أو لم يتعدَّ ولم يفرط.

стр. 4162

وقد سبق أن القول الراجح أن المستعير كغيره، ممن يكون المال تحت يده بإذن من المالك أو إذن من الشارع، وأن يد المستعير يد أمانة، وعلى هذا لو تلف تحت يد مالكه في إعارة فالضمان على الغاصب، إلا أن يعلم المالك أنه ملكه فيبرأ به، فإن تعدى أو فرط ضمن وإلا فلا. وَمَا تَلِفَ أَوْ تَغَيَّبَ مِنْ مَغْصُوبٍ مِثْلِيٍّ غَرِمَ مِثْلَهُ إِذاً وَإِلاَّ فَقِيمَتُهُ يَوْمَ تَعَذَّرَ، وَيُضْمَنُ غَيْرُ المِثْلِيِّ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ تَلَفِهِ، وَإِنْ تَخَمَّرَ عَصِيرٌ فَالمِثْلُ. فَإِنِ انْقَلَبَ خَلاًّ دَفَعَهُ وَمَعَهُ نَقْصُ قِيمَتِهِ عَصِيراً ...... قوله: «وما تلف أو تغيب من مغصوب مثلي غَرِمَ مثله إذاً» أي حين تلفه. وقوله: «وما تلف» «ما» يحتمل أنها موصولة، ويحتمل أنها شرطية، والظاهر من السياق أنها شرطية. وقوله: «تغيب» مراده تغيب غيبة لا يمكن الحصول عليه، فكأنما تلف. فالمغصوبات تنقسم إلى قسمين: مغصوب مثلي يعني له مثيل، ومغصوب غير مثلي. فالمغصوب المثلي يُضمن بمثله، وغير المثلي يُضمن بقيمته، فلننظر ما هو المثلي؟. المثلي ضيق جداً على المذهب، وهو كل مكيل أو موزون يصح السلم فيه وليس فيه صناعة مباحة. ولكن القول الراجح في هذا، أن المثلي ما له مثيل أو مشابه، سواء كان مكيلاً أو موزوناً مصنوعاً أو غير مصنوع، فكل ما له مثيل أو مشابه فإنه مثلي. وقاعدة: (أن المثلي يُضمن بمثله) قاعدة متفق عليها، وعلى هذا فلو أن شخصاً كسر فنجالاً لشخص، فهل نلزمه أن يأتي

стр. 4163

بفنجال مثله لصاحب الفنجال الأول؟ على المذهب: لا، بل له قيمة الفنجال، وعلى القول الراجح يلزمه أن يأتي بفنجال. ولو أنه ذبح شاته الثنية التي صفتها كذا وكذا في السمن والهزال واللون، وعند ذابح الشاة شاة مثلها تماماً، فهل يضمن الشاة بهذه الشاة، أو بالقيمة؟ المذهب: يلزمه الضمان بالقيمة، والقول الراجح في المسألتين جميعاً الفنجال يضمن بفنجال، والشاة تضمن بشاة. ولو أن رجلاً أخذ خبزة إنسان وأكلها فإنه يضمنها على المذهب بالقيمة؛ لأن فيها صناعة مباحة، وأيضاً هي غير مكيلة، وعلى القول الراجح يضمنها بمثلها، فإذا كان رجلان واقفان عند الفَرَّان فقدم الفران الخبزة لفلان وأخذها، ثم خطفها الثاني من يده وأكلها، فكيف يضمن؟ على المذهب بالقيمة، وعلى القول الراجح يقول: انتظر حتى يعطيني خبزتي فخذها وينتهي كل شيء. فالقول الراجح أن المثلي كل ما له مثل أو شبه، سواء كان مكيلاً أو موزوناً أو حيواناً أو جماداً أو مصنوعاً أو غير مصنوع، ويدل لهذا أن النبي ﷺ استسلف إبلاً فرد مثلها (١) ولم يرد القيمة، وعلى المذهب لو استسلفت شاة من جارك ترد قيمتها لا مثلها؛ لأنها غير مثلية فليست مكيلة ولا موزونة، ويدل لهذا ـ أيضاً ـ قصة الصحفة والطعام حيث أرسلت إحدى أمهات المؤمنين إلى النبي ﷺ طعاماً بصحفة مع رسول لها فأتى الرسول

стр. 4164

بالطعام والصحفة إلى النبي ﷺ في بيت إحدى نسائه، فغارت التي هو في بيتها وضربت بيد الرسول حتى سقطت الصحفة وتكسرت، فأمر النبي ﷺ صاحبة البيت أن تعطي هذه صحفتها وطعامها وقال: «طعام بطعام، وإناء بإناء» (١) وهذا دليل واضح. ثم ـ يا سبحان الله ـ أيما أدق أن يضمن الإنسان فنجالاً بفنجال أو صاعاً بصاع؟ الأول بلا شك؛ لأن المماثلة في الفنجال بالفنجال متطابقة تماماً، والمماثلة بين صاع وصاع لا بد أن تختلف، فلا بد أن يكون هناك زيادة يسيرة. إذاً القاعدة أن المثلي يضمن بمثله؛ لأن مطابقة المثلي لمثله أقوى من مطابقة القيمة للشيء، فالقيمة تقدير وتخمين، والمماثلة مماثلة. مسألة: قال في «الروض» (٢): و «ينبغي أن يستثنى منه الماء في المفازة، فإنه يضمن بقيمته في مكانه، ذكره في المبدع»؛ لأن الماء في المفازة قيمته كبيرة، فلو أن شخصاً غصب من آخر قربة ماء في مفازة ـ أي: في مهلكة ـ فلما وصلا إلى البلد قال: أعطيك قربة ماء، فعلى القاعدة فإنه ماء بماء وهو مثله فيكفي، ولكن هذا مستثنى، وقالوا: بل يعطى قيمته في مكانه، فالقربة في المفازة ـ مثلاً ـ تساوي ألف ريال، وفي البلد لا تساوي شيئاً وقد يكون باعها هناك وانتفع بها فكيف يقال: رد مثلها؟! فهذا مستثنى حتى على المذهب.

стр. 4165

قوله: «وإلا فقيمته يوم تعذر» أي: وإلا يمكن الضمان بالمثل فإنه يضمن بقيمته يوم تعذره. فإذا قدرنا أنه أتلف مثلياً ولكن تعذر المثلي، مثال ذلك: غصبه في محرم وأتلفه وما زال له نظير في السوق، وفي ربيع ـ مثلاً ـ فُقِد من السوق، ثم في جمادى طالبه المالك بالضمان، فماذا يضمن الآن؟ هل يضمن القيمة وقت الضمان، أو وقت التعذر؟ يقول المؤلف: «وإلا فقيمته يوم تعذر» ووجه هذا القول: أنه لما تعذر ثبتت القيمة، فلزمه الضمان بالقيمة وقت التعذر، ولو قيل: إن عليه الضمان بالقيمة وقت الاستيفاء منه لكان له وجه؛ وذلك أن الأصل ثبوت المثل في ذمته حتى يسلمه، وهو إذا تعذر فيما بين الإتلاف وبين الاستيفاء فقد لا يتعذر عند الاستيفاء، ربما يتعذر ـ مثلاً ـ في ربيع، ولكن لا يتعذر في جمادى، فنضمنه المثل فإن تعذر فقيمة المثل وقت الاستيفاء؛ لأن الأصل أن الذي ثبت في ذمة الغاصب هو المثل، والتعذر قد يكون في حين ولا يكون في حين آخر. قوله: «ويضمن غير المثلي بقيمته يوم تلفه» وذلك لأن غير المثلي تثبت القيمة من حين الغصب، فلو تلف هذا الذي ليس بمثلي فقيمته وقت التلف؛ لأنه قبل التلف لا يزال ملكاً لصاحبه فزيادته ونقصه على صاحبه. لكن المغصوب اختلف العلماء هل يضمن بنقص السعر أو لا؟ وسبق القول فيه. قوله: «وإن تخمر عصير فالمثل» إنسان غصب عصير عنب

стр. 4166

ثم تخمر، لمَّا تخمر العصير زالت ماليته وصار الواجب إراقته، يقول المؤلف: إنه إذا تخمر العصير ضمنه بالمثل، أي: مثل العصير لا مثل الخمر؛ وذلك لأن تخمره بمنزلة تلفه، والمتعذر شرعاً كالمتعذر حساً، والعصير مثلي؛ لأنه مكيل. قوله: «فإن انقلب خلاًّ» يعني بعد أن تخمر انقلب خلاًّ بنفسه بأن زالت الشدة المسكرة فيه. قوله: «دفعه» أي: دفع الخل؛ لأنه عين ماله. قوله: «ومعه نقص قيمته عصيراً» لأنه إذا تخمر ثم تخلل فلا بد أن ينقص فيضمن نقص قيمته عصيراً؛ لأنه حصل النقص وهو في يد الغاصب. مثال ذلك: رجل غصب عصير عنب ثم تخمر، فتحول من عين حلال إلى عين حرام، لكنه في نفس الوقت عاد خلاًّ؛ لأنه قد يتخلل الخمر بنفسه، وإذا تخللت الخمرة بنفسها فهي حلال، فعاد إلى كونه عصيراً لكنه عصير متخلل من خمر، فينقص؛ لأنك لو أتيت بهذا الإناء الذي تخلل بعد التخمر، وإناء مثله من العصير لكانت قيمة إناء العصير أكثر بلا شك، يقول المؤلف: «دفعه» يعني الغاصب يدفع هذا الخمر الذي تخلل؛ لأنه عين ملك صاحبه. فإن نقص بأن كان حين غصبه عصيراً يساوي مائة، والآن لا يساوي إلا ثمانين فهنا الغاصب يضمن النقص، ولهذا قال: «ومعه نقص قيمته عصيراً» يعني نقص قيمته عن كونه عصيراً. هل يمكن أن يقال: إن هذا شاهد لما ذهب إليه شيخ الإسلام

стр. 4167

ابن تيمية ﵀ من أن نقص السعر مضمون على الغاصب؟ الجواب: لا؛ لأن نقص السعر هنا لنقص العين وليس للقيمة، فلا يكون فيه رد على من قالوا: إن النقص بالسعر لا يضمن، ولكن سبق لنا أننا فصلنا في هذا، وأنه إن قصد تأخير تسليمه حتى يزول الموسم وينقص السعر، فعليه الضمان وإلا فلا. وقوله: «فإن انقلب خلاًّ» ولم يقل: قُلب خلاًّ؛ لأن الخمر إن تخلل بنفسه فهو حلال؛ لأنه بفعل الله وليس بفعلنا، وإن تخلل بفعلنا فهو حرام لحديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ سئل عن الخمر تتخذ خلاًّ، قال: لا (١)، ولأن الشارع أمر بإراقة الخمر (٢)، ولو كان يحل بالتخليل لأمر بتخليله؛ لأن تخليله إبقاء له، وإراقته إتلاف له، ولو كان يمكن أن تعود ماليته شرعاً لأرشد إليه الشارع، فلما لم يرشد إليه عُلم أن التخليل حرام. لكن لو خلَّله من يعتقد حِلَّ التخليل من مسلم أو كافر، فهل يحل؟ الصحيح أنه يحل؛ لأن هذا انقلب خلاًّ على وجه مباح، فصار مباحاً، وعلى هذا فالخل الوارد من بلاد الكفار يكون حلالاً للمسلمين؛ وإن كان مخللاً بفعل آدمي، لأنه مخلل بفعل آدمي يعتقد تحليله.

стр. 4168

فَصْلٌ وَتَصَرُّفَاتُ الغَاصِبِ الْحُكْمِيَّةُ بَاطِلَةٌ .......... قوله: «وتصرفات الغاصب الحكمية باطلة» «تصرفات» مبتدأ، و «الحكمية» نعت لـ: «تصرفات» و «باطلة» خبر المبتدأ. وقوله: «وتصرفات الغاصب» أي: تصرفاته في المغصوب. وقوله: «الحكمية» يعني التي يلحقها حكم من صحة أو فساد؛ لأن تصرفات الغاصب من حيث الحكم التكليفي كلها حرام، ومن حيث الحكم الوضعي ـ وهو الحكم بالصحة والفساد ـ ما كان له حكم من صحة أو فساد فإن تصرفات الغاصب باطلة، يعني أن وجودها كالعدم، فمثلاً إذا غصب ثوباً فباعه، فالغصب حكمه حرام، والبيع حرام، وهل هو صحيح أو فاسد؟ ننظر هل البيوع منها صحيح وفاسد؟ الجواب: نعم، منها صحيح وفاسد، وعلى هذا فيكون هذا البيع باطلاً لا ينتقل به الملك إلى المشتري؛ لأن من شرط البيع أن يكون من مالك أو من يقوم مقامه، والغاصب لا يقوم مقام المالك. والإجارة منها صحيح وفاسد، والوقف منه صحيح وفاسد، والرهن منه صحيح وفاسد، فجميع التصرفات الحكمية يعني التي يلحقها حكم بالصحة أو بالفساد، يقول المؤلف: «باطلة» فبيع الغاصب للمغصوب باطل، وتأجيره للمغصوب باطل، ويظهر ذلك فيما لو غصب داراً وآجرها شخصاً بعشرة آلاف ريال، ثم مَنَّ الله عليه بالتوبة وردَّ الدار إلى مالكها، فهل تأجيره هذا صحيح، أو باطل؟ الجواب: باطل، ولو قلنا: إنه صحيح لكان لمالك البيت الأجرة التي تم العقد عليها وهي عشرة آلاف، وإذا قلنا: غير صحيح

стр. 4169

فإن الغاصب يضمن الأجرة، فإذا قدرنا أنه يؤجر باثني عشر ألفاً فإن الغاصب يضمن اثني عشر ألفاً؛ لأن العقد الأول غير صحيح ويجب أن يُضمن لصاحب البيت الأجرة المعتادة، ولو قلنا: إنه صحيح لم يلزمه إلا عشرة آلاف فقط، أما المستأجر الذي أخذها بعشرة آلاف والبيت يساوي اثني عشر ألفاً، هل نضمنه اثني عشر ألفاً، أو عشرة آلاف؟ فيه تفصيل: إن كان عالماً بأنه مغصوب فإننا نضمنه اثني عشر ألفاً، وإن كان غير عالم نضمنه عشرة آلاف فقط. وفُهِمَ من قوله: «الحكمية» أن غير الحكمية لا يُحكم لها بصحة أو فساد، فلو غصب ماءً فأزال به نجاسة، فهل نقول: إن الإزالة غير صحيحة؟ الجواب: لا؛ لأن إزالة النجاسة لا يقال: صحيحة وفاسدة، وعلى هذا فلو غصب ماء فأزال به نجاسة على ثوبه طهر الثوب؛ لأن إزالة النجاسة ليس لها حكم بالصحة ولا بالفساد. ولو غصب ماء فتوضأ به فهل يصح وضوؤه؟ ننظر هل الوضوء ينقسم إلى فاسد وصحيح؟ الجواب: نعم، إذاً لا يصح وضوؤه بالماء المغصوب؛ لأنه تصرفٌ حكمي، أي: يلحقه الصحة والفساد. مثال آخر: رجل غصب ثوباً فباعه، فحكم البيع أنه فاسد؛ لأنه من التصرفات الحكمية التي يلحقها الصحة والفساد. وظاهر كلام المؤلف: أن الغاصب لو ذكى الشاة التي غصبها صارت حراماً؛ لأن التذكية تنقسم إلى صحيحة وفاسدة فتكون تذكية الغاصب غير مبيحةٍ للمذكاة.

стр. 4170

فالضابط: أن تصرفات الغاصب من حيث الحكم التكليفي حرام مطلقاً، ومن حيث الصحة والنفوذ تنقسم إلى قسمين: ما له حكم من صحة أو فساد يكون تصرف الغاصب فيه باطلاً، وما ليس له حكم يكون تصرف الغاصب فيه نافذاً. وظاهر كلام المؤلف أن تصرفات الغاصب الحكمية باطلة سواء أجازها المالك أو لم يجزها، وسواء تضرر الغاصب وغيره بذلك أم لا. القول الثاني خلاف ظاهر كلام المؤلف، وهو أنه إذا أجازه المالك فالتصرف صحيح نافذ؛ لأن تحريم التصرف لحق الغير لا لحق الله، فإذا أسقط حقه سقط وزال المانع، وعلى هذا فإذا قيل للمالك: إن الغاصب قد باع ثوبك، فقال: أنا أجزته، فالبيع صحيح والمشتري يملك الثوب، أما إذا لم يجزه فإن البيع لا يصح ويجب على المشتري رد الثوب وأخذ ثمنه الذي بذله فيه؛ لأن التصرف غير صحيح. القول الثالث: إن كانت التصرفات يسيرة، مثل ما لو باعه على شخص ثم اطلع عليه المالك وطالب به فهو له ويأخذه من المشتري، أما إذا صَعُبَ وتعذر، مثل ما لو باعه الغاصب على رجل، وهذا الرجل باعه على آخر، وهكذا تناقل الناس هذا المغصوب، فإن التصرفات صحيحة، بناء على الحرج والمشقة التي تلحق فيما لو حكمنا ببطلان التصرف، وأيضاً ربما يكون المغصوب بعيراً غصبه الغاصب وباعه على شخص وولدت البعير وكثر نسلها، فكيف نقول: إنه باطل مع العسر والمشقة العظيمة؟!
следующие страницы →