وقوله: «بإذن الإمام» هل يأذن الإمام مباشرة؟ نقول: بإذن الإمام أو نائبه؛ لأنه الآن اختلفت الأوضاع، واختلف أسلوب الحكم، فالإمام نفسه لا يباشر مثل هذه الأمور لكن له نواب، ووزراء، هذا وزير داخلية، وهذا وزير بلديات، وهذا وزير عمال … إلخ.
فالوزير ينوب مناب الإمام، وإذا جُعل للوزير من قِبَل الإمام أن ينيب غيره في كل بلد كالأمير أو المحافظ، قام هذا الأمير أو المحافظ مقام الإمام، وقصدي من هذا الترتيب ألا يقول قائل: إن إذن الأمير أو المحافظ أو الوزير أو رئيس البلدية أو ما أشبه ذلك غير معتبر؛ لأن المعتبر إذن الإمام، فنقول: إن النواب عنه بمنزلته يقومون مقامه.
وقوله: «بإذن الإمام وعدمه» لأن الأرض لله وقد قال النبي ﷺ : «من أحيا أرضاً ميتة فهي له» (١)، لكن لو قال قائل: هذا لا داعي له؛ لأنه إذا قال: من أحياها ملكها، ولم يذكر «بإذن الإمام» معناه أنه لا يشترط إذن الإمام، ولكن الفقهاء إذا قالوا شيئاً لا داعي له من حيث العبارة، فإنما يشيرون إلى رأي آخر، وهنا يريد المؤلف أن يشير إلى رأي آخر، وهو أن هناك قولاً بأنه لا تملك الأرض الميتة إلا بإذن الإمام أو نائبه لئلا تحصل الفوضى والاعتداء، فإذا كانت بإذن الإمام أو نائبه صارت مرتبة مضبوطة.
وسبب اختلافِهم اختلافُهم في فهم قول الرسول ﷺ : «من
стр. 4307
أحيا أرضاً ميتة فهي له» فهل هذا حكم تشريعي أو حكم تنظيمي؟ إن قلنا: إنه حكم تشريعي صار «من أحيا أرضاً ميتة فهي له» سواء أذن الإمام أم لم يأذن؛ لأن النبي ﷺ قاله على وجه التشريع للأمة، وإن قلنا: إنه على وجه التنظيم، صار لا بد أن يقول الإمام: «من أحيا أرضاً ميتة فهي له» في كل زمان ومكان.
ونظير هذا من بعض الوجوه قول النبي ﷺ : «من قتل قتيلاً فله سَلَبُه» (١) أي في الحرب، فهل هذا تشريع أو تنظيم؟ فيه خلاف، فبعض العلماء قال: إن الرجل إذا قتل قتيلاً في الحرب فله سلبه سواء اشترط ذلك الإمام أم لا، وبعضهم قال: ليس له سلبه إلا بإذن الإمام، وهنا أمير الجيش ينوب مناب الإمام؛ لأن سَلَب القتيل غنيمة فيلحق بالغنيمة ولا يملكه القاتل إلا بإذن خاص.
وكلام المؤلف في المسألة السابقة ـ وهو مذهب الحنابلة ـ يدل على أن من أحيا أرضاً ميتة فهي له، سواء كان ذلك برخصة من ولاة الأمر أم لا، لكن لو أن ولي الأمر قال: لا يحيي أحد أرضاً إلا بإذني وموافقتي، فهل يملك المحيي بعد ذلك الأرض بالإحياء بدون مراجعة ولي الأمر؟ الجواب: لا؛ لأن المسألة انتقلت من كونها داخلة في العموم إلى تخصيص من ولي الأمر، وقد قال الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] فإذا قال ولي الأمر: لا أحد يحيي إلا بإذني وترخيص مني، فمن أحيا بعد أن بلغه هذا القول فإنها تنزع منه ولا حق له فيها؛ وذلك لأن ولي الأمر أمر بهذا،
стр. 4308
لكن إذا كان أحياها قبل صدور الأمر فهي له؛ لأن الذي يظهر من قول الرسول ﷺ : «من أحيا أرضاً ميتة فهي له» أنه تشريع، وهذا هو الأصل حتى يقوم دليل على أنه تنظيم، لكن قد تكون المصلحة، أو الحاجة، أو الضرورة في تقييد ولي الأمر الإحياء بهذا الشرط وذلك حسب المنطقة، فبعض المناطق يكون فيها أناس جهال إذا لم يُقَيَّدوا بإذن الإمام اعتدى بعضهم على بعض، فهؤلاء يكون من الضروري أن يقيدوا بإذن الإمام، وقد تكون بعض المناطق أهون، فيكون عندهم خوف من الله وتقوى ولا يعتدي أحد على أحد، فهنا قد يكون من الحاجة تقييدهم بالإذن، وقد يزول هذا كله وتكون المنطقة أهلها أغنياء، وكل إنسان عنده أرض تكفيه، وكل إنسان عنده خوف من الله فهنا تكون المصلحة، فالتقييد إما أن تقتضيه الضرورة أو الحاجة أو المصلحة.
وفي وقتنا الحاضر حسب ما نسمع، أن تقييد الإحياء بإذن الإمام أمر لا بد منه، يدخل في قسم الضرورة مباشرة في بعض المناطق، ويدخل في الحاجة أو المصلحة في مناطق أخرى؛ لأنه لا يمكن أن يتبعض النظام، بمعنى أن نجعل هذه الجهة لا بد فيها من إذن الإمام، وهذه الجهة يُمَلَك فيها بدون إذن الإمام؛ لأن الدولة واحدة، ولذلك لو قال قائل: لا حاجة إلى إذن الإمام في بلد أهلها أغنياء، وكل إنسان عنده مزرعته وكل إنسان عنده خوف من الله، ولا يمكن أن يعتدي على أحد؟ نقول: نعم، لكن ليست كل المناطق على هذه المنزلة، فَيُعَمَّم النظام ولا بأس.
إذاً المذهب: أنه لا يشترط للإحياء إذن الإمام، والقول
стр. 4309
الراجح أنه يملكها بدون إذن الإمام إلا إذا أصدر الإمام أمره بألا يحيي أحد أرضاً إلا بإذنه فلا تحيا إلا بإذنه، وإذا أمر الإمام ألا يُحييَ أحد أرضاً إلا بإذنه فهل تجب طاعته؟ الجواب: نعم، تجب طاعته؛ لأن طاعة ولي الأمر واجبة في غير معصية الله، وتنظيم الأراضي، وكون الناس لا يُعْطَون إلا بترخيص وحدود مضبوطة ليس من معصية الله، بل هو من حفظ حقوق العباد.
قوله: «في دار الإسلام وغيرها» يعني من أحياها ملكها سواء كان في دار الإسلام وغير دار الإسلام، ودار الإسلام هي التي غلب عليها الإسلام ظهوراً وشيوعاً بحيث يؤذن فيها للصلاة، وتقام فيها الجماعات، ويصام فيها رمضان ويعلن، وتظهر فيها الشعائر حتى وإن كان فيها كفار، فلو قدر أن الكفار فيها خمسون في المائة أو أكثر فهي دار إسلام، ما دام حكم الإسلام غالباً عليها، أما إذا لم يكن حكم الإسلام عليها غالباً فهي دار كفر ولو كثر فيها المسلمون، والاعتبار بالمظهر والظاهر، ويدل لهذا أن النبي ﷺ كان إذا غزا قوماً أمسك حتى يطلع الفجر، فإن أَذَّنُوا امتنع من قتالهم، وإن لم يؤذِّنوا قاتلهم (١).
فمثلاً بلاد أوروبا الآن بلاد كفر؛ لأن الحكم الشائع والظاهر فيها هو الكفر، وإن كان يوجد فيها جمعيات إسلامية، وربما يوجد في بعض البلاد هناك مناطق تقام فيها الجماعة والجمعة، لكنها بلاد كفر؛ لأن الغالب والمهيمن عليها هو حكم
стр. 4310
الكفار، فإذا قدر أن شخصاً تملَّك في أوروبا، وأحيا أرضاً فهي ملكه شرعاً، ولا أحد ينازعه فيها إذا تم الإحياء.
وقيل: إن دار الإسلام من كان أكثر أهلها مسلمين بغض النظر عن الحاكم، وقيل: إن دار الإسلام من يحكمها مسلم ولو كان أكثر أهل البلد كفاراً، والعلماء اختلفوا في هذا اختلافاً كبيراً، لكن أقرب الأقوال أنه ما أعلن فيها بالإسلام.
قوله: «والعَنْوة كغيرها» العنوة ما فتح بالسيف، أي: أن بلاد الكفر المفتوحة بالسيف كغيرها من البلاد التي فتحت صلحاً، فإذا أحيا أرضاً ميتة في بلاد فتحت عنوة فهي له، وما زال المسلمون يتبايعون هذه الأراضي، أما قول بعض الفقهاء ومنهم أصحاب الإمام أحمد ـ في المشهور عنهم ـ أنه لا يباع غير المساكن مما فتح عنوة، فهذا قول مخالف لما جرى بين المسلمين، فإن المسلمين منذ فتحوا هذه البلاد وهم يتبايعون الأراضي والمساكن ويملكونها، وكذلك فيما فتحت صلحاً، بأن صولح أهلها أن يبقوا فيها وتكون الأرض أرضنا، ويبقون فيها بالجزية، أما ما صولحوا على أنها لهم، فإنها لا تملك بالإحياء؛ لأن الأرض أرضهم، لكن ما صولحوا على أنها لنا ونقرهم فيها بالجزية أو بالعهد فإنها تملك.
وظاهر كلام المؤلف: أنه لا فرق بين مكة وغيرها، ولكن هذا فيه خلاف، أما المدينة فكغيرها من البلدان تُملك بالإحياء، وأما مكة ففيها خلاف؛ لأن مكة مشعر يجب على كل مسلم أن يقصده ليؤدي مناسك الحج، فليست خاصة لأحد، ولهذا قال
стр. 4311
فقهاؤنا ﵏: إنه لا يصح بيع مساكنها ولا إجارتها؛ لأنها تعتبر أرض مشعر، ولا يملك الإنسان فيها شيئاً على وجه تام كما يملكه في غيرها، إلا المساكن التي بناها فهذه له أن يبيعها لكن الأرض لا تباع.
ويرى شيخ الإسلام ﵀ قولاً وسطاً في هذا فيقول: هي تملك بالإحياء وبالإرث وبالبيع، لكنها يحرم تأجيرها، فمن استغنى عن مكان وجب بذله لغيره، ولو أن الناس مشوا على كلام شيخ الإسلام لحصل في ذلك سعة عظيمة للناس؛ ووجه ذلك أن الناس لا يبنون إلا ما يحتاجون إليه فقط، وإذا لم يبنوا إلا ما يحتاجون إليه وقدم الحجاج، فإن من وجد سكناً مبنياً بالحجارة والطين سكنه وإلا فالخيام.
والقول الثالث في المسألة: أن مكة كغيرها تملك بالإحياء وبالبيع ويجوز بيعها وإجارتها، والعمل الآن على هذا القول، وهذا هو الذي لا يمكن العمل بسواه في الوقت الحاضر؛ لأننا إن قلنا بالمذهب فهو قول ضعيف لا يمكن العمل به، وإن قلنا باختيار شيخ الإسلام صار هناك خصومات وعداوات وبغضاء، فإذا قدم الحاج ووقف عند البيت وقال لصاحب البيت: البيت يوجد فيه حجر فارغة، فقال صاحب البيت: لا يوجد، فهنا يحصل نزاع وخصام، ثم هل يمكن أن نقول للذي جاء ليستأجر: لك الحق أن تسأل صاحب البيت كم عائلتك؟ وكم في البيت من حجرة؟ والزائد لا بد أن تفرغه لنا!! هذا فيه صعوبة، ولهذا مشى القضاة الآن على أنها تملك بيعاً وشراءً ويملك تأجيرها
стр. 4312
واستئجارها، لكن على المذهب يقولون: إذا لم يجد مكاناً إلا بأجرة دفعها والإثم على الآخذ، وهذا فيه فسحة، وعللوا ذلك بأن سكناه في هذا البيت حق له، فإذا قال صاحبه: لا يمكن أن تسكن إلا بأجرة، فمعناه أنه منعك حقك إلا بعوض، فابذِلْ العوض وهو الآثم.
وبهذا التقرير نعرف أن بعض البلاد التي يقولون فيها: لا بد أن تؤمن على سيارتك، وحاجاتك وأنت ترى أن التأمين حرام؛ لأنه من الميسر، فلك في هذه الحال أن تعطيهم وهم الآثمون؛ لأنه لا يمكن أن نضيق على الناس ونفوت مصالحهم، فنقول: اعقد معهم عقد التأمين، لكن أضمر في نفسك أنك مظلوم وأنك مكره على بَذْلِكَ ثمن التأمين، وفي هذه الحال إذا قدر عليك حوادث أكثر مما دفعت فإنك لا تستحق هذا الزائد؛ لأنك تعتقد أن العقد باطل وحرام، فخذ ما خسرت أو ما دفعت في التأمين والباقي امتنع منه، فإن أبوا إلا أن تأخذه فخذه وتصدق به تخلصاً منه، وبهذا نسلم من الحرج الذي يصيب بعض الناس الآن، يقول: إنه في بلاد لا يمكن أن يشتري سيارة، ولا أن يعمل أي عمل إلا بتأمين، فنقول: هذا المخرج، والحمد لله والإثم على الآخذ.
قوله: «ويملك بالإحياء ما قرب من عامر إن لم يتعلق بمصلحته» يعني أن الإحياء لا يشترط أن يكون بعيداً عن العمران، فيملك بالإحياء ما قرب من عامر، حتى وإن لاصقه، فلو أن رجلاً قد بنى بيتاً، وما حول البيت فضاء ليس لأحد، فبنى
стр. 4313
هو بجنب البيت وليس بينهما إلا الجدار، فإنه يصح الإحياء ويملكه، لكن يقول المؤلف: «إن لم يتعلق بمصلحته» فإن تعلق بمصلحة العامر لكونه مرعى لدوابهم أو فناءً لإلقاء القمامة أو محتطباً لهم، فإنه لا يملك ولا يجوز لأحدٍ أن يتملكها، فإن تملكها فإن كان ببنيان هدم وإن كان بغرس قلع؛ لأن هذه الأرض التي تتعلق بها مصالح الناس ليست منفكة عن الاختصاصات، فلا تكون مواتاً حسب التعريف الفقهي، وإذا قدرنا أن الرجل قد بنى بيتاً إلى جنب بيتِ قد أحيي وسكن صاحبه، فهل يطالب صاحب البيت هذا الذي أحيا من بعد بقيمة الجدار الذي بينهما؟
الجواب: لا يطالبه؛ لأن هذا الرجل بنى الجدار على أنه حماية بيته وأنه مُلْكُه، وهذا تجدد إحياؤه فلا يطالبه بقيمة الجدار الذي بينهما، لكن لو فرض أن الأرض مقطَّعة وكل قطعة لبيت، وتأخر أحد الجارين في عمارة منزله حتى يعمر الآخر فيسقط عنه قيمة الجدار؛ لأن بعض الناس قد يتحيل، ويقول: أتأخر في البناء وإذا بنى جاري سقط عني قيمة الجدار، ففي هذه الحال يحسن قضاءً أن يلزم بما يُستحق عليه من قيمة الجدار سداً لحيل المتحيلين.
أما إذا كان الجار ليس له نية أن يعمر ثم عمر بعد ذلك، فإنه لا يلزمه أن يدفع شيئاً من قيمة الجدار، ولهذا قال النبي ﷺ : «لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبه على جداره» قال أبو هريرة ﵁ حين كان أميراً على المدينة: (ما لي أراكم عنها معرضين والله لأرمين بها بين أكتافكم) (١) أي: أرمين بالخشب،
стр. 4314
يعني إذا لم تمكِّنوا من وضع الخشب أضعه على الكتف؛ لأنه أمير، وهذا نظير قول عمر ﵁ لمحمد بن مسلمة مع جاره، حين احتاج جاره أن يجري الماء من ملكه عبر ملك محمد بن مسلمة فامتنع، وقال: لا يمكن أن تجري الساقي على ملكي، فالأرض أرضي، فقال له صاحب الساقية: انتفع به اغرس عليه وابذر، فأبى، فترافعا إلى عمر ﵁ فقال له: (لَيُجرينَّه وإلا أجريته على بطنك) (١)؛ لأن هذا الذي امتنع يعتبر مضاراً، نعم لو قال: أنا لا أريد أن تجري الساقي في ملكي؛ لأني أريد أن أبنيه فهنا له الحق، أما إذا كان يريد أن يزرعه ويغرسه فمن مصلحته أن يجري الماء.
وَمَنْ أَحَاطَ مَوَاتاً، أَوْ حَفَرَ بِئْراً فَوَصَلَ إِلَى المَاءِ، أَوْ أَجْرَاهُ إِلَيْهِ مِنْ عَيْنٍ وَنَحْوِهَا، أَوْ حَبَسَهُ عَنْهُ لِيُزْرَعَ فَقَدْ أَحْيَاهُ. ..............
قوله: «ومن أحاط مواتاً، أو حفر بئراً فوصل إلى الماء، أو أجراه إليه من عين ونحوها، أو حبسه عنه ليُزرع فقد أحياه» هذا بيان لما يحصل به الإحياء، وهي مسائل:
الأولى: «إذا أحاط مواتاً» أي: ضرب عليها حائطاً يمنع الدخول منه ملكها، وليس حائطاً يسيراً كحجر أو حجرين.
وظاهر كلام المؤلف ولو كبيرة، أما إذا كان في الأراضي شح بأن كانت البلد في أرض محجوزة إما بالأنهار وإما بالجبال، فلولي الأمر أن يحدد، ويقول: لا أحد يتملك أكثر من كذا وكذا قدراً؛ وذلك من أجل ألا يحتكرها أحد الأقوياء، ويحوط أرضاً كبيرة ثم يبيعها على الناس بثمن غالٍ.
стр. 4315
الثانية: «أو حفر بئراً فوصل إلى الماء» فإن هذا إحياء، لكن ما الذي يملكه بحفر البئر؟ إن كانت البئر للوِرْد ونحوه فإنه يملك حريمها، وسيأتي ـ إن شاء الله ـ بيان ذلك، وإن كانت لسقي الأرض كبئر الزراعة فإنه يملك كل ما أجرى عليه الماء، فإن لم يصل إلى الماء فليس بإحياء لكنه يكون أحق بها من غيره؛ لأنه ابتدأ بالإحياء ولم ينهه.
الثالثة: «أو أجراه إليه من عين ونحوها» فقوله: «أجراه» أي: أجرى الماء إلى الموات «من عين أو نحوها» كالنهر، فإنه يحصل به الإحياء، ولكن ما الذي يُمْلك؟ الجواب: كل ما جرى عليه الماء فهو إحياء.
الرابعة: «أو حبسه عنه ليُزرع» فقد أحياه، فهذه أرضٌ الماءُ فيها كثير لا تصلح للزرع، فإذا زُرِعَ فيها غرق الزرع، فكيف يحييها؟ يحييها بأن يحبس الماء عنها، فإذا حبس الماء عنها لتصلح للزرع فقد أحياها، فكل ما حبس عنه الماء فإنه يعتبر مُحيا يملكه صاحبه، فإجراء الماء إلى الأرض إحياء، ومنع الماء عن الأرض إحياء؛ لأن المقصود أن تتهيأ الأرض للزرع.
وزاد أهل العلم فقالوا: كذلك لو كان فيها أشجار لا يمكن أن تغرس معها أو تزرع فأزال الأشجار فهو إحياء، وكذلك لو كان فيها أحجار متراكمة عليها لا تصلح الأرض مع هذه الأحجار للزرع ثم أزال الأحجار ونقاها فهذا إحياء.
ومن العلماء من يقول: يُرْجع في هذا إلى العرف، فما عده الناس إحياءً فهو إحياء، وما لم يعدوه إحياءً فليس بإحياء، وعللوا
стр. 4316
هذا بعلة قوية، فقالوا: إن القاعدة عندنا أن كل ما أطلقه الشارع وليس له حد في الشرع فمرجعه إلى العرف؛ لقول النبي ﷺ : «من أحيا أرضاً ميتة فهي له» (١) ولم يبين النبي ﷺ ما يحصل به الإحياء، وهذا القول لا يبعد عما قاله المؤلف ﵀ لكن ربما تتغير الأحوال وتختلف.
أما لو غرس على أرض واسعة كبيرة أشجاراً كالجدار، فهل يملك ما كان داخل هذه الأشجار؟ الجواب: لا يملك؛ لأنه ما زرعها، ولا بنى، والأشجار عرضة للزوال، لكنه تَحجُّر فيكون أحق بها، بمعنى أنه لا يزاحمه عليها أحد، ولكن إذا تأخر في إحيائها وَوُجِد من يطلب إحياءها فيمهل، ويقال له: يا فلان إما أن تحيي الأرض، وإما أن ترفع يدك؛ لأن هناك من ينتظر إحياءها.
وقوله: «أو حبسه عنه ليزرع فقد أحياه» أما لو حبس الماء عن هذه الأرض لمجرد أن تيبس فقط فإن هذا ليس بإحياء، وفي هذا إشارة من المؤلف إلى أن النية معتبرة في الإحياء في مثل هذه الصورة.
وَيَمْلِكُ حَرِيمَ البِئْرِ العَادِيَّةِ خَمْسِينَ ذِرَاعاً مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَحَرِيمَ البَدِيَّةِ نِصْفَهَا. ....
قوله: «ويملك حريم البئر العاديَّة خمسين ذراعاً من كل جانب، وحريمَ البديَّة نصفَها».
قوله: «حريم» أي: محارم الشيء، أي: ما حوله.
стр. 4317
وقوله: «العادية» يعني التي أعيدت بعد أن كانت محفورة من قبل ثم طمها الرمل، أو المطر، أو ما أشبه ذلك، ثم أعادها، فيملك خمسين ذراعاً من كل جانب؛ وذلك لأنه حفرها أولاً ثم حفرها ثانياً، فبالحفر الأول ملك خمسة وعشرين ذراعاً، وبالحفر الثاني ملك خمسة وعشرين، فيكون الجميع خمسين ذراعاً.
ومراد المؤلف ﵀ بذلك البئر المحفورة للسقيا وليست للزرع، وهذا يقع كثيراً في البر عند البادية، تجد الرجل يحفر بئراً حتى يصل إلى الماء من أجل أن يسقي ماشيته من إبل أو بقر أو غنم، فنقول: هذا الرجل يملك بهذه البئر خمسين ذراعاً إن كانت قد أعيدت، أو خمسة وعشرين ذراعاً إن كانت بدية، يعني مبتدأة، ففعيل هنا بمعنى مفعول، أي: ابتدأ حفرها، أما إن كانت البئر للزرع فهو شبيه بإجراء الماء إلى الأرض يكون إحياء لكل ما يمكن أن يزرع بهذه البئر.
وظاهر كلام الفقهاء ﵏ أنه لا فرق بين أن يكون الحفر سهلاً أو يكون الحفر شديداً، كما لو كانت أرضاً صخرية، وأنه لا فرق بين أن يكون عمقها بعيداً أو عمقها قريباً؛ وتعليل ذلك أن هذا الحريم هو الذي يتعلق به مصلحة البئر، فالرجل في البادية إنما حفر هذا البئر من أجل أن يسقي ماشيته، وخمسة وعشرون ذراعاً من كل جانب فيها كفاية، أي: دائرة يبلغ قطرها خمسين ذراعاً، أما إذا كانت عاديَّة بمعنى أنها انطمت ثم حفرها ثانية فإنه يملك خمسين ذراعاً من كل جانب.
وظاهر كلامهم ـ أيضاً ـ أنه لا فرق بين أن يكون الحافر مرة
стр. 4318
أخرى، هو الأول أو غيره، أما إذا كان هو الأول فإعطاؤه خمسين ذراعاً واضح؛ لأنه تعب عليها مرتين، وأما إذا كان غيره، فيقال: إن الأول ملك خمساً وعشرين، والثاني ملك خمساً وعشرين فيكون خمسين ذراعاً من كل جانب، فتكون الخمس والعشرون الأولى باعتبار حفر الأول لها، والثانية باعتبار حفر الثاني لها.
وَلِلإمَامِ إِقْطَاعُ مَوَاتٍ لِمَنْ يُحْيِيهِ، وَلَا يَمْلِكُهُ. وَإِقْطَاعُ الجُلُوسِ فِي الطُّرُقِ الوَاسِعَةِ مَا لَمْ يَضُرَّ بِالنَّاسِ، وَيَكُونُ أَحَقَّ بِجُلُوسِهَا، وَمِنْ غَيْرِ إِقْطَاعٍ لِمَنْ سَبَقَ بِالجُلُوسِ مَا بَقِيَ قُمَاشُهُ فِيهَا وَإِنْ طَالَ. ......
قوله: «وللإمام» إذا قال الفقهاء: «الإمام» فمرادهم السلطان الأعلى، أي الذي له الكلمة على كل الدولة، كالملك ـ مثلاً ـ في البلاد الملكية وكالرئيس في البلاد الجمهورية، وما أشبه ذلك، فمن له الكلمة العليا فهو عند أهل العلم الإمام؛ لأنه يؤتم به ويطاع فيما يأمر به في غير معصية الله، وكل من كان قدوة فهو إمام، ولذلك نسمي من يصلي بنا في الجماعة إماماً؛ لأننا نأتمر بأمره، فلا نكبر إلا إذا كبر، ولا نركع إلا إذا ركع، وإذا قام قمنا، وإذا سجد سجدنا.
قوله: «إقطاع موات لمن يحييه» إقطاعه يعني أن يقول مثلاً: يا فلان لك هذه الأرض أحيها، فإذا أحياها المقطَع فإنه يملكها، وإذا لم يحيها فإنه يكون أحق بها من غيره، فيكون المقطَع كالمتحجر وليس كالذي أحيا.
وإذا قالوا: «وللإمام» فاللام للإباحة، بمعنى أنه لا يمنع من الإقطاع، ولكن قد يجب وقد يحرم، فيجب عليه إذا تقدم متشوف لإحياء الأرض، وكان هذا المتقدم قادراً على إحيائها، فالواجب على الإمام حينئذ أن يقطعه حتى لا تتعطل الأراضي، وحتى ينتفع هذا المتقدم.
стр. 4319
ويكون حراماً إذا أقطعها شخصاً محاباة، بمعنى أنه قد تقدم من هو أولى منه وأقدر على إحياء الأرض، ولكنه أقطعها هذا الرجل؛ لأنه قريبه، أو لأنه ذو جاه أو ما أشبه ذلك.
وفهم من قوله: «إقطاع موات» أنه ليس له الحق في أن يقطع أرضاً ذات اختصاص؛ لأن الموات هي الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم، وعلى هذا فليس للإمام أن يقطع أودية البلد، وطرقه، أو ما أشبه ذلك؛ لأنها مختصة وإن لم تكن مملوكة، وليس له أن يقطع مراعي البلد، ومحتطبهم، أي محل جمع الحطب وما أشبه ذلك؛ لأن هذا من الاختصاصات، وليس من الأرض الموات.
وقوله: «وللإمام» كذلك من قام مقام الإمام فهو مثله؛ لأنه في الوقت الحاضر الإمام لا يتولى هذا، وإنما يتولاه الوزراء أو الوكلاء أو ما أشبه ذلك، فيرجع في هذا إلى نظام الحكم، فإذا كانت الدولة يتولى الإقطاع فيها الحاكم الأعلى فهو الحاكم الأعلى، وإذا كان نوابه فنوابه.
قوله: «ولا يملكه» الواو هنا للاستئناف، والضمير هنا يعود على المقطَع، يعني أن المقطَع لا يملكه لكن يكون أحق به من غيره، بحيث لا يمكن لأحد أن يقوم بإحيائه؛ لأن النبي ﷺ قال: «من أحيا أرضاً ميتة فهي له» (١) فجعل مناط الحكم الإحياء.
وقيل: إنه يملكه بإقطاع الإمام؛ لأن إقطاعه إياه تمليك على
стр. 4320
هذا القول؛ لأن النبي ﷺ أقطع بعض الأراضي (١) وإقطاعه إياها تمليك بلا شك، ولأن الإمام هو المسؤول عن أراضي دولته وأحوال الدولة، فإذا أقطع هذا الرجل فكأنه وهبه، والهبة يكون بها الملك، لكن الأقرب أنه لا يملكه، وأنه أحق به، ثم إن أحياه فهذا المطلوب ويملكه بالإحياء وإن لم يحيه، وتقدم متشوف لإحيائه وجب على الإمام أن يقول للذي أقطعه: إما أن تحييه، وإما أن ترفع يدك ويضرب له مدة يمكنه أن يحييه فيها.
مسألة: هل يجوز لمن أُقطع أن يتنازل عن إقطاعه بعوض؟
الجواب: في هذا خلاف، فمن العلماء من قال: لا يجوز لاحتمال ألا يحصل للثاني؛ لأن الثاني إذا لم يحيه قيل له: ارفع يدك.
وقال بعض أهل العلم: بل يجوز ذلك؛ لأن هذا الذي أُقطع تنازل عن حقه بعوض، والأصل في العقود الحل والإباحة وليس في ذلك محظور؛ لأنه إذا تنازل عنه نزل الثاني منزلة الأول، وهذا لا مانع منه، وهذا القول هو الصحيح.
قوله: «وإقطاع الجلوس في الطرق الواسعة ما لم يضر بالناس» أي: وللإمام إقطاع الجلوس في الطرق الواسعة بشرط ألا يضر بالناس؛ لأن المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة، ولنضرب مثلاً بسوق الخضار، فهذا السوق يكون عادة
стр. 4321
واسعاً فله أن يقطع أحداً مكاناً يجلس فيه، فيقول: يا فلان لك رأس السوق أو وسط السوق أو طرف السوق أو ما أشبه ذلك؛ لأن المرجع في هذه الأمور إلى الإمام، لكن بشرط ألا يضر بالناس، والإضرار بالناس له صور منها:
لو أقطعه مكاناً كبيراً والناس مزدحمون في هذا المكان، ولو لم يقطعه لَوسِعَ هذا المكان أربعة أو خمسة فهنا لا يجوز له ذلك؛ لأن هذا إضرار بالناس، والناس محتاجون، وإذا أقطع قطعة كبيرة من هذا السوق لهذا الرجل، فبدلاً من أن يكون في هذا السوق عشرون رجلاً لم يتسع إلا لعشرة ـ مثلاً ـ وهذا إضرار.
كذلك لو أقطعه مكاناً هو مدخل السوق ويضيق على الداخلين فهنا نقول: هذا ممنوع، ولا يحل له؛ لأن الإمام يجب عليه أن يراعي المصالح العامة، والمضار الخاصة تغتفر من أجل المصالح العامة؛ لأنه إذا راعى المصالح العامة فربما يضر آخرين لكنهم أفراد.
قوله: «ويكون أحق بجلوسها» ولكن لا يملكها؛ لأن السوق ملك للعامة، فإذا أقطعه مكاناً يبيع فيه، فإنه لا يملكه لكن يكون أحق بالجلوس فيه.
قوله: «ومن غير إقطاع» يعني لو جلس إنسان في مكان من السوق يبيع ويشتري فيه من غير إقطاع.
قوله: «لمن سبق بالجلوس ما بقي قماشه فيها وإن طال» يعني لو تقدم إنسان إلى مكان ووضع بسطته فيه، فما دامت بسطته في السوق فهو أحق وليس لأحد أن يزاحمه؛ لأنه سبق، حتى ولو طال.
стр. 4322
وقوله: «وإن طال» فيها إشارة خلاف، فمن العلماء من يقول: يعطى مهلة يومين أو ثلاثة أو أسبوعاً ثم يقال: ارفع يدك؛ لأنه إذا طال بقاؤه صار كالمالك وحينئذٍ يتعذر أن ينتفع به أحد غيره، وربما يبقى القماش وهو لا يأتي فيمنع هذا المكان من الانتفاع به وهو لا ينتفع به.
ومنهم من قال: ما دام الرجل محتاجاً إلى هذا المكان فإنه أحق ولو طال جلوسه لقول النبي ﷺ : «من سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد فهو أحق به» (١) والصحيح أن ذلك يرجع إلى رأي ولي الأمر، فإن رأى من المصلحة أن يبقى فلا بأس؛ وإن رأى من المصلحة رفعه فإنه يرفعه.
لكن إذا كان هذا المكان موسمياً وانتهى الموسم، فهل نقول: إن هذا الرجل له في الموسم الآخر هذا المكان؟ أو أنه في الموسم الآخر من سبق إلى مكان فهو أحق به؟
الجواب: الثاني؛ لأنه انتهى الموسم، فإذا قدرنا أن في هذا المكان موسماً يكون في عيد الفطر، وانتهى الموسم، وأتى موسم عيد الأضحى فلا نقول للذي جلس في مكان في موسم عيد الفطر: أنت أحق به في موسم عيد الأضحى؛ لأنه انتهى الموسم.
فإن كان من المقرر نظاماً أن كل من قام في بسطة ارتحل عنها في آخر النهار، كما يوجد في بعض المحلات، يبقى الإنسان في هذا المكان طول النهار فقط، وفي الليل تنقل كل الأمتعة، فماذا نعمل في اليوم الثاني؟ هل نقول: نبتدئ من جديد
стр. 4323
ومن سبق فهو أحق؟ أو نقول: من كان في مكان بالأمس فهو أحق به؟
الجواب: الأول، فما دام النظام يقول: الجلوس كل يوم بيومه، فإذا انتهى اليوم الأول وجاء الثاني فإن من سبق فهو أحق.
وَإِنْ سَبَقَ اثْنَانِ اقْتَرَعَا، وَلِمَنْ فِي أَعْلَى المَاءِ المُبَاحِ السَّقْيُ وَحَبْسُ المَاءِ إِلَى أَنْ يَصِلَ إِلَى كَعْبِهِ ثُمَّ يُرْسِلُهُ إِلَى مَنْ يَلِيهِ. وَلِلإمَامِ دُونَ غَيْرِهِ حِمَى مَرْعىً لِدَوَابِّ المُسْلِمينَ مَا لَمْ يَضُرَّهُمْ.
قوله: «وإن سبق اثنان اقترعا» يعني سبقا إلى مكان ليبيعا فيه، بأن يكون كل واحد وصل إلى المكان في نفس الوقت، فإننا ننظر إن أمكن توزيع الأرض بينهما وانتفاع كل منهما بما أخذ فإننا نقسمها بينهما، وإن لم يمكن بحيث لا تتسع إلا لمتجر واحد، فهل نقول: ينظر إلى الأكبر سناً، أو إلى الأفقر؛ لأنه أحق بالمراعاة، أو إلى الأغنى، لأنه سوف يجلب إلى هذا المكان ما لا يستطيع الفقير أن يجلبه؟ نقول: كل هذه مسائل اعتبارية فيرجع إلى الأصل، وهو أنهما تساويا في الوصول إليه، ولا طريق إلى التمييز إلا بالقرعة.
ولكن كيف نقرع؟
نقول: القرعة هي ما يحصل بها التمييز، ولا تتعين بشكل معين، فكل ما يحصل به التمييز فهو قرعة وهو يختلف، والناس يختلفون في كيفية الإقراع، والمقصود هو التمييز.
قوله: «ولمن في أعلى الماء المباح السقي وحبس الماء إلى أن يصل إلى كعبه» «لمن» خبر مقدم، و «السقي» مبتدأ مؤخر، و «الماء المباح» يراد به ما ليس بمملوك؛ لأن الماء نوعان: نوع مملوك، ونوع مباح.
стр. 4324
فالأنهار التي يجريها الله مباحة، والأودية التي يأتي بها المطر مباحة، والبئر التي حفرها قوم واشتركوا فيها هذه مملوكة.
والماء المملوك يكون توزيعه على حسب الملك؛ لأنهم مشتركون، ولا مزية لواحد على الآخر، فمثلاً إذا كان لأحدهما النصف والثاني النصف، وزع الماء بينهما نصفين، وإذا كان لأحدهما الربع والثاني ثلاثة أرباع، فيوزع ربعاً وثلاثة أرباع على حسب الحال.
وكيفية التوزيع ـ أيضاً ـ تختلف، إما أن يكون الساقي واحداً ثم يوضع خروق موزِّعة، فمثلاً إذا كانوا نصفاً ونصفاً فإننا نحتاج إلى اثنين، وإذا كان ثلاثة أرباع وربعاً فإننا نحتاج إلى أربعة، فتوزع بحسب الحال.
أما إذا كان مباحاً فيقول المؤلف: «ولمن في أعلى الماء المباح السقي وحبس الماء إلى أن يصل إلى كعبه» «السقي» يعني أن يسقي زرعه، أو نخله، إلى أن يصل إلى الكعب، ومعلوم أن الأرض ليست متساوية من كل وجه، ربما يصل إلى الكعب في جانب ويصل إلى نصف الساق في جانب آخر، فالعبرة بالمتوسط، وإلا فمن المعلوم أنه لو كانت بعض الأرض نازلة متراً أو أكثر لاستوعبت ماءً كثيراً قبل أن يصل إلى الكعب في العالي، لكن العبرة بالمتوسط.
قوله: «ثم يرسله إلى من يليه» يعني بعد ما يسقي حتى يصل إلى الكعب يرسله إلى من يليه، إلا إذا كان الأعلى أتى أخيراً فإنه يقدم الأسفل.
стр. 4325
مثال ذلك: هذا الوادي زرع فيه إنسان، وصار يسقي زرعه منه، ثم جاء إنسان وتقدم إلى أعلى الوادي، فلا نعطي المتقدم؛ لأن الأول أحق لسبقه، لكن إذا قدرنا أنهم أحيوا جميعاً، أو أننا لا نعلم مَنْ المتقدم فإنه يقدم الأعلى، ودليل ذلك ما جاء في الحديث الصحيح من تشاجر الأنصاري والزبير بن العوام ﵄ في شِراج الحرة، حيث ينزل هذا الشراج إلى الحائطين جميعاً، فكان الزبير ﵁ يسقي ثم يرسل إلى جاره من غير تقدير، فقال الجار: لا، لا بد أن يكون السقي بالسوية، بمعنى أنك إذا سقيت زرعك وكان الماء لا يكفي إلا زرعك فلا بد أن تجعل لي نصيباً منه، فتخاصما إلى النبي ﷺ فقضى للزبير؛ لأنه أحق، وقال له: اسق ثم أرسل إلى جارك، وأطلق، وهذا يحصل بأقل ما يسمى سقياً، ولكن الأنصاري أخذته الحمية وقال: أن كان ابن عمتك يا رسول الله؟! ـ عفا الله عنه ـ يعني كأنه ظن أن الرسول ﷺ راعى القرابة، وصلة القرابة واجبة فأراد ﵊ أن يقدم قرابته؛ لأن صلة القرابة واجبة، فظن ﵁ وعفا عنه ـ أن الرسول ﷺ راعى هذا وحكم للزبير، ويبعد جداً أن يكون الأنصاري أشار إلى حيف الرسول ﷺ لكن لفظه يحتمله ولا شك، ولكن علينا أن نحسن الظن به، وأن نقول: إنه ظن أن الرسول ﷺ أمر الزبير أن يسقي؛ لأنه كان من قرابته وكان هذا من صلة الرحم، فاحتفظ النبي ﷺ للزبير بحقه فقال: «اسق حتى يصل إلى
стр. 4326
الجَدْر، ثم أرسله إلى جارك» (١) والجدر هي التي نسميها نحن الغلالي، أو الغلة، وهي التي تفصل بين الحياض، فقيس هذا الجدر، فوصل إلى الكعب، فاعتبر العلماء ﵏ ذلك بالكعب؛ لأن الجدر ـ أيضاً ـ يختلف، فقد يكون بعض الناس يكبِّر الجدر، وبعضهم يصغِّره فكان الكعب هو الميزان، فيحبس إلى أن يصل إلى الكعب ثم يرسله إلى جاره، ومعلوم أن وصول الماء إلى الكعب أكثر من أن يكون مجرد سقي؛ لأن مجرد السقي قد يكون بنصف هذه المسافة، وهذا هو الذي أمر به الرسول ﷺ أولاً، لكن الأنصاري ﵁ لما قال هذا احتفظ النبي ﷺ للزبير ﵁ بحقه وقال: «اسق حتى يصل إلى الجدر». وإذا أرسله إلى من يليه وكانوا ثلاثة أو أربعة، فالثاني يسقي إلى الكعب، والثالث إلى الكعب، والرابع إلى الكعب، وإن لم يبق له شيء بأن كان الماء قليلاً فليس له شيء.
قوله: «وللإمام دون غيره حمى مرعى لدواب المسلمين ما لم يضرهم» اشترط المؤلف ﵀ ثلاثة شروط في حمى المراعي، والمراعي جمع مرعى وهو مكان الرعي الذي يكثر فيه العشب والحشيش، والأراضي تختلف، بعضها يكون فيه العشب الكثير، والزرع الكثير، وبعضها دون ذلك.
فهل يجوز لأحد أن يحمي شيئاً من هذه الأراضي؟
стр. 4327
نقول: يجوز بثلاثة شروط:
الأول: أن يكون الحامي هو الإمام، وهو الولي العام على الدولة.
الثاني: أن تكون الحماية لدواب المسلمين، ودواب المسلمين هي دواب الصدقة، ودواب الفيء، ودواب الأرباب المجهولين، وما أشبه ذلك، فهي التي لعموم المسلمين وليست لشخص واحد.
الثالث: قوله: «ما لم يضرهم» وصورة الضرر بحيث لا يوجد حول هذا البلد إلا هذا المرعى، وإذا حُمِي تضرر الناس.
فلو أراد أحد من الناس أن يحميه لدواب المسلمين ولكنه ليس له ولاية عليها فإنه لا يجوز؛ لأن هذا افتيات على الإمام، وتَقَدُّمٌ بين يديه، كما أنه لو أراد أحد أن يقيم الحد على الزاني فإنه لا يملك هذا، ولا يملكه إلا الإمام أو نائبه، فكذلك حمى المرعى لدواب المسلمين لا يملكه إلا الإمام أو نائبه.
ولو أراد أحد من الأئمة أن يحمي لنفسه ودوابه مرعى رآه جميلاً وكثير الأعشاب فإن هذا لا يجوز؛ لأن الناس شركاء في ثلاث: الماء، والكلأ، والنار (١)، فلا يحل له أن يحميه ويمنع الناس من رعيه.
стр. 4328
ولو أراد الإمام أن يحميه لدواب المسلمين، وكان فيه ضرر على الناس فإنه لا يملك ذلك؛ لأن الناس شركاء في هذا.
ومثل المرعى منطقة في البحر كثيرة الحوت، فلا يجوز لأحد أن يحميها، لأن الناس فيها شركاء، ومثل ذلك المحتطب، وهو المكان الذي يكثر فيه الحطب، فلو أن أحداً حماه واختص به فلا يجوز؛ لأن الناس في هذا شركاء.
стр. 4329
بَابُ الجَعَالَةِ
وَهِيَ أَنْ يَجْعَلَ شَيْئاً مَعْلُومَاً لِمَنْ يَعْمَلُ لَهُ عَمَلاً مَعْلُوماً، أَوْ مَجْهُولاً مُدَّةً مَعْلُومَةً أَوْ مَجْهُولَةً. .....
قوله: «الجعالة» فَعَالة من الجَعْل، والجَعْل معناه وضع الشيء، وفسرها المؤلف بقوله:
«وهي أن يجعل شيئاً معلوماً لمن يعمل له عملاً معلوماً، أو مجهولاً، مدة معلومة أو مجهولة» فالجعالة عقد لا يشترط فيه العلم بأحد العوضين، وهو ـ أي عقد الجعالة ـ فيه عوض مدفوع، وعوض معمول، فالعوض المدفوع لا بد فيه من العلم، والمعمول لا يشترط فيه العلم، المدفوع يكون من الجاعل، والمعمول يكون من العامل.
والفرق بين عقد الجعالة والإجارة، أن الإجارة مع معين بخلاف الجعالة فهو يطلق فيقول: من فعل كذا فله كذا؛ ولهذا صارت عقداً جائزاً، فإن قال قائل: كيف تجيزون هذا العمل مع ما فيه من الجهالة؟
قلنا: نجيزه لدعاء الحاجة إليه وليس هو على سبيل الإلزام؛ لأن العامل له أن يدع العمل في أي لحظة شاء؛ لأن الجعالة عقد جائز، ولو لم يوجد هذا الشيء لضاع للناس مصالح كثيرة، فمثلاً هذا الشخص ضاعت بعيره فلا يمكن أن يستأجر شخصاً لإحضاره؛ لأن هذا الشخص لا يدري متى يجد البعير، فلم يبق إلا الجعالة.
стр. 4330
فإذا قال: من رد بعيري فله مائة ريال، فهنا العوض من الجاعل معلوم، والعمل مجهول؛ لأنه لا يُعلَم أيردها عن قريب أو عن بعيد، فربما يتعب ويظن أنه يردها في يومين ولا يردها إلا في عشرة أيام، أو ربما لا يستطيع ردها مطلقاً، فنقول: العمل لا يشترط فيه العلم بالنسبة للجعالة، وهذا من محاسن الشريعة؛ لأنه قد يصعب تعيين العمل في مثل هذه الحال، فلو قال: مَنْ رد لقطتي ـ مثلاً ـ من مسافة عشرة كيلو، فقد توجد في عشرة كيلو وقد لا توجد، لكن إذا جعل العوض عوضاً عن العمل مطلقاً، والعامل حظه ونصيبه كما يقولون، فهذا لا بأس به.
فإن جعل شيئاً مجهولاً بأن قال: من رد بعيري فله ما في هذا الكيس من الدراهم، فإنه لا يجوز؛ لأنه مجهول، لا ندري أمائة أم مائتان أم أكثر؟ فلا بد أن يكون العوض المدفوع من الجاعل معلوماً ليكون العامل على بصيرة.
ولو قدر أن الجاعل جعل جُعلاً كبيراً؛ لأنه يظن أن هذه البعير لا توجد إلا بمشقة وبُعْد شُقَّة، فيسرها الله للعامل، فهل يطالب الجاعلُ العاملَ بنقص العوض أم لا؟ الجواب: لا، نقول: هذا من رزق الله للعامل، كما أنه لو لم يجدها إلا بعد مدة طويلة وشُقَّة بعيدة فإنه لا يطالب الجاعلَ بزيادة.
ولو قال: إذا رددت بعيري الشارد فلك نصفه، فهذا معلوم، لكنه معلوم بالنسبة؛ لأنه جزء مشاع، فلا بأس؛ كالمضارب تعطيه المال وتقول: اتجر به ولك نصف الربح، فربما يتجر به اتجاراً
стр. 4331
شاقاً عظيماً ولا يحصل ربح، وربما تظن أنه لن يربح إلا قليلاً فيربح كثيراً.
فالمعلوم إذاً إما أن يكون بالتعيين بالعدد والوصف، وإما أن يكون بالمشاع أي بالسهم.
كَرَدِّ عَبْدٍ، وَلُقَطَةٍ، وَخِيَاطَةٍ، وَبِنَاءِ حَائِطٍ. فَمنْ فَعَلَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِقَوْلِهِ اسْتَحَقَّهُ، وَالجَمَاعَةُ يَقْتَسِمُونَهُ. وَفِي أَثْنَائِهِ يَأْخُذُ قِسْطَ تَمَامِهِ ...........
قوله: «كرد عبد» أي: كرد عبد آبق، يعني هرب من سيده فجعل جعلاً لمن جاء به، ومثل ذلك لو جعل جعلاً معلوماً لمن أحضر ولده الضائع فجائز؛ لأنه عمل، وإن كان الحر في الأصل لا يباع لكن هذا ليس بيعاً له، ولكنه إحضار له.
قوله: «وَلُقَطة» أي: رد لقطة وهي المال الضائع، وهذا من باب «علفتها تبناً وماءً بارداً» أي: وسقيتها ماءاً بارداً؛ لأن الماء لا يعلف، فاللقطة لا ترد إلا إذا كانت عند شخص وجدها فيردها، لكن مراده برد اللقطة إيجادها وإحضارها إلى صاحبها.
قوله: «وخياطة» يعني خياطة ثوب، بأن قال: من خاط لي ثوباً صفته كذا وكذا فله الأجر المعلوم، والثوب من الرجل وليس من العامل، فهذا جائز، أما إذا كانت القطعة من العامل فهذا يسمى عند العلماء استصناع السلعة، وفيه خلاف، فبعضهم يقول: لا يجوز؛ لأن هذا ليس بسَلَم، إذ السَّلَم لا بد فيه من التأجيل، وليس معيناً؛ لأنه في الذمة، والوصف قد لا يحيط به، ولكن الصحيح أنه جائز؛ لأنه يمكن ضبطه بالوصف، وعمل الناس عليه قديماً وحديثاً.
قوله: «وبناء حائط» كأن يقول: من بنى لي هذا الحائط فله
стр. 4332
كذا وكذا، وهذا يسمى عندنا مقاولة، نقول: هذا جائز، فإن تعاقد مع المقاول على أنه أجير صارت إجارة.
فإذا قال: من بنى هذا الحائط فله عشرة آلاف ريال، ثم سبق واحد وشرع في البناء، فهل لأحد غير الأول أن يأتي ويكمل؟ لا؛ لأنه أحق به، لما شرع صار لازماً، وإلا فالأصل في عقد الجعالة أنه جائز.
قوله: «فمن فعله بعد علمه بقوله استحقه» أي: استحق الجُعل، كرجل سمع آخر يقول: من رد بعيري فله مائة ريال، فبادر، وخرج، وطلبه فجاء به، فإنه يستحق العوض؛ لأنه عمل بعد أن علم، أما لو وجد الرجل الضالة ثم جاء بها إلى صاحبها وهو لا يعلم بالجعل، فإنه لا يستحق شيئاً؛ لأن المؤلف اشترط أن يكون بعد العلم؛ ووجه ذلك أنه لم يعمل لك؛ لأنه لم يعلم أنك وضعت جعلاً فلا عقد بينكما فكيف يستحق؟! وما يفعله بعض الناس اليوم فهو من باب الإكرام فقط.
فبعض الناس إذا وجد شيئاً وأتى به صاحبه قال: أريد منك مالاً مقابل الحفظ، يعني أني حفظته لك ولا سيما إذا كان ثميناً كالحلي، والساعات والأقلام الغالية، فلصاحب المال أن يقول: ليس لك علي شيء؛ لأني لم أجعل جعلاً، أو لأني جعلت جعلاً ولم تعلم به أنت، فله أن يمنع؛ لأنه ليس بينه وبينه عقد، لكن من المروءة إذا كان الشيء ثميناً أن تعطيه ما يطيب به قلبه لما يلي:
أولاً: لأنه عمل معروفاً، وقد قال النبي ﷺ : «من صنع
стр. 4333
إليكم معروفاً فكافئوه» (١).
ثانياً: أن مثل هذا ينبغي أن يشجع هو وأمثاله؛ لأن كونه يأتي به بدون أن يُطلب منه يدل على أمانته، فنحن نقول لصاحب المال: أما الوجوب لا يجب عليك، لكن لا شك أنه من المروءة والخير أن تعطيه.
فإن قال: أنا طلبت هذه اللقطة بنية الرجوع على صاحبها، قلنا: ليس لك الحق في ذلك؛ لأن صاحبها لم يطلب هذا الشيء ولم يجعل هذا الجُعل، وربما يكون صاحبها لم يعلم بأنها ضاعت وربما يكون غنياً ثرياً لا تهمه إذا ضاعت؛ لهذا لا تستحق شيئاً إلا بعد علمك بالجعل.
قوله: «والجماعة يقتسمونه» وفي نسخة: «ولجماعة» يعني وإن جعله لجماعة يقتسمونه بالسوية، يعني أن الجماعة لو أحضروا ما جُعِلَ عليه الجعل فإنهم يقتسمون الجعل، فإذا قال: من رد بعيري فله مائة ريال، فرده عشرة فإنهم يشتركون؛ لأن كل واحد منهم عَمِل.
فلو أن خمسة منهم قالوا: إن هؤلاء ليسوا شركاء لنا، نقول للذين أُنكِروا: هل هؤلاء شركاء لكم؟ فإذا قالوا: نعم، ثبت حق الأولين بدعواهم، وشهادة الآخرين، لكن هل يثبت للآخرين حق
стр. 4334
المشاركة؟ لا يثبت إلا ببينة، ولهذا ينبغي للقاضي أن يكون فطناً في هذه المسألة؛ لأن كل واحد من العشرة يدعي أنه مشارك، فإذا أقر الأولون وقالوا: نعم نحن الذين أتينا به، ولكن هؤلاء لم يشاركونا، فنسأل المنكرين ونقول: هل هؤلاء شاركوكم؟ فإذا قالوا: نعم، قلنا: ثبت حقهم وأنتم تدعون أنكم مشاركون، فإن أتيتم بالبينة وإلا فلا حق لكم.
قوله: «وفي أثنائه يأخذ قسط تمامه» يعني في أثناء العمل «يأخذ» أي العامل «قسط تمامه».
مثال ذلك: رجل وجد حائط صاحبه قد انهدم جانب من جداره ـ أي: جدار الحائط ـ وبما أن بينهما صحبة جعل يبنيه، فبنى ثلاثة صفوف من اللَّبِن، وبعد أن بنى ثلاثة صفوف قال صاحب الحائط: من بنى حائط بستاني فله سبعمائة ريال، والجدار يحتاج إلى سبعة صفوف من اللبن، فعلم صاحبه أنه جعل جعلاً وهو سبعمائة لمن بنى هذا الجدار، فكمَّل البناء، فكم نعطيه؟ قد يبدو لبعض الناس أنه يعطى أربعة أسباع يعني أربعمائة، ولكن هذا غلط؛ لأن البناء كلما ارتفع ازدادت مشقته، وعلى هذا فلا بد أن نقدره بالنسبة فنقول: جدار بني ثلاثة صفوف منه وهو يحتاج إلى سبعة صفوف، فكم تقدر النسبة؟ فإن قيل: يقدر ما بناه بالربع مثلاً، فنعطيه ثلاثة أرباع، بمعنى ألا نجعل أعلى الصف وهو السابع مثل آخر صف الذي هو الأول؛ لأن الأول ما فيه إلا أن يأتي باللبنات ويضعها، لكن الأعلى يحتاج إلى سُلَّم، وإلى رجال يمد بعضهم لبعض، ثم الموازنة، فموازنة
стр. 4335
صفوف اللبن مهمة جداً، ولهذا تجد الناس الحذاق يجعلون خيطاً يقيسون عليه لئلا يختلف اللبن بتقدم أو تأخر.
على كل حال من علم بالجعل في أثناء العمل يعطى قسط تمامه، لكن هل هو بالأجزاء أو بالقيمة؟ بالقيمة؛ لأننا لو قلنا بالأجزاء لكان في المثال الذي ذكرنا يستحق أربعمائة، وليس كذلك.
وَلِكُلٍّ فَسْخُهَا، فَمِنَ العَامِلِ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئاً، وَمِنَ الجَاعِلِ بَعْدَ الشُّرُوعِ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ عَمَلِهِ. ......
قوله: «ولكل» أي: لكل من الجاعل والعامل.
قوله: «فسخها» أي: الجعالة؛ لأن الجعالة ليست عقداً لازماً، فلو فرض أن الرجل قال: من رد بعيري فله مائة ريال، وبعد يومين رجع وقال: يا أيها الناس إني قد فسخت الجعالة، فله ذلك، ومن عمل بعد أن علم بفسخها فلا حق له؛ لأن الجعالة عقد جائز.
وكل عقد جائز من الطرفين فإن لكل منهما فسخه إلا إذا قصد الإضرار بالآخر؛ لأن جميع المباحات من عقود وأفعال إذا تضمنت ضرراً على الآخرين صارت ممنوعة، فلو تضمن ضرراً على الآخر فإنه لا يجوز أن يفسخ، فإن فسخ الجاعل للإضرار فللعامل أجرة ما عمل.
ولكن هل تكون الأجرة منسوبة إلى الأجرة العامة، أو منسوبة إلى الجُعل الذي جعل له؟ هذا محل نظر.
وصورة ذلك: إنسان جاعل شخصاً على أن يقوم بتصريف هذه السلعة، وفي أثناء العمل وَقَّفه، وكان إيقافه إياه في أيام تضر بالعامل، ففي هذه الحال نقول على ما اشترطنا ألا يتضمن ضرراً: إنه لو فسخ فإنه لا يحل له.
стр. 4336
لكن: هل تنفسخ؟ نقول: نعم تنفسخ، ولكن للمجعول له أجرة العمل.
وهل يعطى الأجرة باعتبار أنه عامل كأجير، أو عامل كمجعول له؟
إذا قلنا بالأول فإننا نقول: ننسب الأجرة إلى هذا الزمن الذي تم التعاقد عليه ونعطيه بقسط الأجرة، سواء زادت على حصة الجعالة أم لم تزد؛ ووجه ذلك أنه لو انفسخت الجعالة رجعنا إلى أجرة المثل.
ولكن القول الراجح أن نعطيه بنسبة الجعالة؛ لأن هذا الرجل عمل كمجاعَل وليس كأجير، فنقول: لو عمل العمل كله استحق الجعل كله، ولنقل: إن الجعل كله مائة ريال، وهو الآن عمل الثلثين، فنجعل له ثلثي المائة؛ لأنه راضٍ بهذا.
قوله: «فمن العامل لا يستحق شيئاً» يعني إن كان الفسخ من العامل لم يستحق شيئاً؛ لأنه هو الذي فوت على نفسه الجعالة، فلو قيل مثلاً: من بنى هذا الجدار فله مائة ريال، فالتزم به أحد الناس، وفي أثناء البناء فسخ العامل الجعالة، فنقول له: ليس لك شيء.
لكن لو فُرِض أن الجاعل سيتضرر كثيراً؛ لأن العامل فسخ الجعالة في وقت لا يوجد فيه عمال، فالعمال ـ مثلاً ـ قد أخذهم الناس، لأن العمال في أول السنة كثيرون، وفي أثناء السنة يقلون، وهذا سوف يكون فيه على الجاعل ضرر، ففي هذه الحال لو قيل بتضمين العامل ما يلحق الجاعل من الضرر لكان له وجه،
стр. 4337
بمعنى أننا نقيم شخصاً يكمل الجدار ويكون على العامل أجرة هذا الشخص؛ لأنه ربما يتحيل أو يكيد للجاعل، فإذا بدأ بالعمل وتفرق العمال وصار العامل الذي بعشرة لا يوجد بخمسين فسخها.
وهناك قول آخر أنه إذا تضمن ضرراً على الجاعل فيلزم العامل بإتمام العمل إلا من عذر، وعلى هذا القول ـ أيضاً ـ نستريح، ولا نحتاج إلى نسبة ولا شيء، نقول: يلزمك أنت أيها العامل أن تكمل إلا لعذر، مثل لو مُرِض، أو شُل أو ما أشبه ذلك.
قوله: «ومن الجاعل بعد الشروع للعامل أجرة عمله» يعني إذا وقع الفسخ من الجاعل بعد الشروع فللعامل أجرة عمله، فإذا قدرنا أنه بنى نصف الجدار، وفسخ الجاعل، فللعامل أجرة عمله.
وظاهر قوله: «أجرة» أنه تنفسخ الجعالة نهائياً ولا يترتب عليها أثرها، ويُعطى أجرة العمل.
وأجرة العمل منسوبة إلى الأجرة العامة على ظاهر كلام المؤلف، فنلغي الجعالة ونقول: ماذا يقول أهل الخبرة في هذا الجدار إذا بني، كم أجرته؟ فإذا قيل: هذا الجدار إذا استُؤجر لبنائه يبنى بخمسمائة، والآن بنى النصف، فنعطيه ـ مثلاً ـ مائتين من خمسمائة؛ وذلك لأنه كلما ارتفع البناء ازدادت الكلفة، فعلى هذا ننسب ما يعطاه بقسط الأجرة سواء زادت على حصة الجعالة أم لم تزد؛ ووجه ذلك أنه لما انفسخت الجعالة رجعنا إلى أجرة المثل.
стр. 4338
والراجح أننا نعطيه بنسبة الجعالة، فإذا قُدِر أنه لو استؤجِر عليه لكان بمائة ولو جُوعِل لكان بثمانين، فنعطيه بالنسبة للثمانين؛ لأن الجاعل راضٍ بهذه الجعالة، وكذلك العامل راضٍ بأن يكون مقابل عمله هو هذا الجعل.
فإذا قدرنا أن الجعالة أكثر من الإجارة ـ وهذا هو الغالب؛ لأن الغالب أن الذي يعقد عقد جعالة يريد العجلة ـ فماذا نعطيه؟ نعطيه بنسبة الجعالة.
الخلاصة: الجعالة على كلام المؤلف عقد جائز، يجوز للجاعل فسخها، ويجوز للعامل فسخها، فإن فسخ العامل فلا شيء له، لكن هل عليه شيء؟
ذكرنا أنه إذا تضمن ضرراً على الجاعل ألزم بدفع الضرر، مثل أن يكون العمال قد فقدوا ولا يوجد عامل فيلزم العامل بإتمام العمل؛ لأنه لا عذر له، وهو الذي ضر الجاعل، فيتمه إما بنفسه وإما بإقامة من يتمه وعلى العامل أجرته.
وإن فسخ الجاعل فإن كان قبل العمل فلا شيء للعامل؛ لأنه لم يعمل، وإذا كان بعد الشروع فللعامل أجرة عمله على المذهب، وأما على القول الراجح فيكون بنسبة الجعل كما سبق.
لكن لو تضمن ضرراً على العامل إذا فسخت قبل العمل فهل على الجاعل شيء؟
المذهب لا شيء عليه، ويتوجه أن يقال: يلزمه أرش تفويت العمل على العامل.
стр. 4339
وَمَعَ الاخْتِلَافِ فِي أَصْلِهِ أَوْ قَدْرِهِ يُقْبَلُ قَوْلُ الجَاعِلِ، وَمَنْ رَدَّ لُقَطَةً، أَوْ ضَالَّةً، أَوْ عَمِلَ لِغَيْرِهِ عَمَلاً بِغَيْرِ جُعْلٍ لَمْ يَسْتَحِقَّ عِوَضاً، إِلاَّ دِينَاراً أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَماً عَنْ رَدِّ الآبِقِ وَيَرْجِعُ بِنَفَقَتِهِ أَيْضاً.
قوله: «ومع الاختلاف في أصله أو قدره يقبل قول الجاعل» يعني لو اختلف العامل والجاعل في أصل الجعل، هل جعل أو لا؟ فالقول قول الجاعل، هكذا قال المؤلف ﵀ وأطلق، فلو عمل العامل وأنهى العمل وقال: أريد جعلاً، قلنا: لا بد أن نسأل إذا وافق الجاعل فلك ما ادعيت، وإذا لم يوافق فالأصل عدم الجعالة، وكذلك إذا اختلفا في القدر، فقال الجاعل: القدر مائة، وقال العامل: القدر مائتان فالقول قول الجاعل؛ لأنه غارم، فمثلاً إذا قال العامل: إنها مائتان، وقال الجاعل: إنها مائة، فقد اتفقا على مائة وبقيت المائة الزائدة مدعىً بها، وقد قال النبي ﷺ : «البينة على المدعي» (١) ولهذا أخذ العلماء من هذا الحديث قاعدة: أن القول قول الغارم، لكن في هذا ـ أيضاً ـ تفصيل، فإذا اختلفا في القدر وادعى الجاعل قدراً لا يمكن أن يقام العمل بمثله، وادعى العامل قدراً يمكن أن يقام بمثله، فهنا نقول: إن دعوى الجاعل دعوى تكذبها العادة والعرف، فلا يقبل قوله ويقبل قول العامل، ولو ادعى العامل شيئاً كثيراً فإنه لا يقبل لأنه ادعى ما يخالف العادة ولأنه ادعى على الغارم ما لم يعترف به فيقبل قول الجاعل.
قوله: «ومن رد لقطة» يعني الضائع الذي ليس بحيوان إذا أتى بها إلى صاحبها.
стр. 4340
قوله: «أو ضالة» وهي الضائع من الحيوان، والفرق بين اللقطة وبين الضالة، أن الضالة لها إرادة وتعرف ولكن تضل، واللقطة ليس لها إرادة.
قوله: «أو عمل لغيره عملاً بغير جعل لم يستحق عوضاً» لكن له أجر عند الله، وعلى هذا فإذا وجد لقطة باهظة الثمن، وقال لصاحبها: أعطني مقابلاً من المال، فإنه لا يلزمه أن يعطيه ويجبر الواجد على تسليمها لصاحبها مجاناً، إلا إذا كان قد جعل جعلاً، بأن قال: من رد لقطتي فإن له كذا وكذا فيعطى جعلاً.
وكذلك الضالة، إذا رد ضالة مما يباح التقاطه، فإنه لا يستحق عوضاً إلا إذا كان قد جعل له، وذلك لعدم وجود عقد بينه وبين المالك، فيقال: لك الأجر عند الله، أما أن تستحق على المالك شيئاً فلا.
واستثنى المؤلف مسألة جاء بها النص فقال:
«إلا ديناراً أو اثني عشر درهماً عن رد الآبق» الدينار هو النقد من الذهب، والدرهم هو النقد من الفضة، وإذا تأملت التقدير في هذا وفي الديات وفي نصاب السرقة، تبين لك أنه في عهد الرسول ﷺ كان الدينار يساوي اثني عشر درهماً؛ ولهذا تقطع اليد بربع دينار (١) أو بثلاثة دراهم (٢)، والديات
стр. 4341
ألف مثقال ذهب أو اثنا عشر ألف درهمٍ فضة.
وقوله: «والآبق» هو العبد الذي شرد عن مالكه، هذا إذا رده أحد فله دينار أو اثنا عشر درهماً من الفضة، والدليل السنة، فقد جعل النبي ﷺ ذلك لمن رد الآبق (١) ووردت آثار عن الصحابة (٢) بذلك، والحكمة من هذا أن إباق العبد ليس بالأمر الهين؛ لأنه إذا أبق وكان أصله كافراً فربما يرجع إلى أصله إلى بلاد الكفر، ويكون حرباً على المسلمين، أو إذا ترك وساح في الأرض فربما يحتاج ويفسد في الأرض بالسرقات أو غيرها، فلذلك جعل الشارع لمن رده عوضاً، وإن لم يُظهر سيده ذلك العوض.
ويستثنى أمران آخران ـ أيضاً ـ:
الأول: من أنقذ مال المعصوم من الهلكة، فإنه يستحق أجرة المثل، مثل أن يرى الحريق قد اتجه إلى متاع شخص فينقذ المتاع، فهذا يعطى أجرة المثل؛ وذلك لتشجيع الناس على إنقاذ أموال المعصومين من الهلكة؛ لأننا لو قلنا: لا يعطى شيئاً؛ لأنه
стр. 4342
لم يتفق مع صاحبه بعقد، توانى الناس عن المبادرة في إنقاذ أموال المعصومين.
الثاني: إذا كان الإنسان قد أعد نفسه للعمل فجاء شخص وأعطاه الثوب وقال: خط لي ثوباً فله أن يأخذ عوضاً؛ لأنه قد أعد نفسه للعمل، أما إذا لم يعد نفسه للعمل فليس له شيء، فقد أعطاه على أنه محسن.
فصار كل من عمل لغيره عملاً بلا عقد فإنه ليس له شيء، إلا في ثلاث أحوال:
الأولى: إنقاذ مال المعصوم من الهلكة.
الثانية: رد الآبق.
الثالثة: إن أعد الإنسان نفسه للعمل.
مسألة: لو أن شخصاً عمل ما فيه مصلحة في مال الشخص وطلب العوض على ذلك، فهل يلزم المالك؟ لا؛ لأن صاحب المال يقول: أنا ما أمرتك لا باللفظ ولا بالقرينة، بل أن صاحب المال يمكن أن يطلب منه عوضاً، ويقول: لماذا تتصرف في مالي؟!
قوله: «ويرجع بنفقته أيضاً» أي: يرجع راد الآبق بنفقته؛ لأن نفقته واجبة، لما فيها من إحياء النفس، ولا يمكن أن يتخلف الذي رد الآبق عن الإنفاق عليه؛ لأنه لو تخلف عن الإنفاق عليه لهلك، فلهذا يرجع بنفقته.
ومن يقبل قوله في النفقة؟
إذا دل العرف على قول الذي رد الآبق، أو على قول سيده
стр. 4343
عُمِل بالعرف، فمثلاً لو قال مَنْ رد الآبق: أنفقت عليه ألف ريال، وقال سيده: بل خمسمائة، فلدينا الآن مدعٍ، ومدعى عليه، والغارم السيد، فهل نقبل قول السيد، أو ننظر ماذا يدل عليه واقع الناس؟ الجواب: الثاني، فإذا كان من العادة أن مثل هذا الآبق يُنفق عليه ألف أخذنا بقول الذي رده، وإذا كان من العادة أنه لا ينفق عليه إلا خمسمائة أخذنا بقول السيد، وإن اشتبه علينا الأمر رجعنا إلى الأصل وهو أن يقبل قول السيد؛ لأنه غارم.
فإن نوى التبرع بهذا كله برد الآبق والنفقة، ثم بعد ذلك نُدِّم، وقيل له: كيف تنوي التبرع وقد خسرت عليه كذا وكذا وتعبت فيه؟! فأراد الرجوع فليس له أن يرجع؛ لأنه حال فِعْلِهِ فَعَلَهُ لا على سبيل التعويض.
وإن نوى الرجوع في الرد والنفقة ولكن أثناء الحال نوى بقلبه أنه يبرئ صاحب العبد، ثم ندم وأراد الرجوع فهنا له أن يرجع؛ لأنه حين فعله كان ناوياً الرجوع والتعويض، لكن نوى فيما بعد أن يبرئه ولم يبرئه، والإنسان إذا نوى الشيء ولم يفعل فهو بالخيار، كما لو أعد الإنسان الدراهم ليتصدق بها وقبل أن يتصدق بها عدل عن هذا، وكما لو بنى بيتاً بنية أنه سيوقفه على الفقراء ثم بعد استكمال البيت عدل عن هذه النية، فإنه يجوز؛ لأنه لم يتلفظ بالوقف ولم يشرعه للفقراء، وكما لو نوى أن يضحي بهذه الشاة ثم عدل وباعها فليس عليه شيء، فلا حرج؛ لأن هذه الأشياء لا تتم إلا بالإمضاء فعلاً، أما قبل ذلك ـ وهي مجرد نية ـ فليس عليه شيء.
стр. 4344
بَابُ اللُّقَطَةِ
وَهِيَ مَالٌ، أَوْ مُخْتَصٌّ ضَلَّ عَنْ رَبِّهِ، وَتَتْبَعُهُ هِمَّةُ أَوْسَاطِ النَّاسِ. .....
قوله: «اللقطة» فُعَلَة من الأخذ واللقط، فهي الشيء الملقوط، لكن لها معنى خاص عند الفقهاء، عرفها المؤلف بقوله:
«وهي مال أو مختص ضل عن ربه» والقيد المهم فيها قوله: «ضلَّ عن ربه» أي ضاع منه.
وقوله: «مال» وهو ما يصح تملكه وعقد البيع عليه كالدراهم، والأمتعة وما أشبهها.
وقوله: «مختص» وهو كل ما يختص به الإنسان بدون ملك، فلا يصح تملكه ولا أخذ العوض عنه، وذلك مثل كلب الصيد، فكلب الصيد لا يملك، لكن صاحبه أخص به من غيره، فهو مختص وليس بمال، وكالسرجين النجس وجلد الميتة على قول، فهذه لا تباع ولا تشترى، لكن صاحبها أخص بها.
وقوله: «ضلَّ عن ربه» أي: عن صاحبه؛ لأن «رب» في اللغة العربية تطلق بمعنى صاحب، كما جاء ذلك في القرآن، وجاء ذلك في الحديث.
ففي القرآن: قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ *﴾ [الصافات] رب العزة أي: صاحبها، ولا يمكن أن تكون ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ بمعنى خالقها؛ لأن العزة صفة من صفات الله غير مخلوقة.
стр. 4345
وفي الحديث: «أن تلد الأمة ربها» في إحدى روايات البخاري (١)، وقال في ضالة الإبل: «ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها» (٢).
قوله: «وتتبعه هِمة أوساط الناس» هذا القيد قيد فيما يجب تعريفه لا في اللقطة؛ لأن اللقطة يصدق عليها التعريف، وإن كانت لا تتبعها همة أوساط الناس، فمن وجد رغيفاً لا يساوي درهماً فهي لقطة، وإن كانت الهمة لا تتبعه.
لكن المؤلف ﵀ دمج الحكم في التعريف ليبين أن الذي يجب تعريفه، هو الذي تتبعه همة أوساط الناس، وأما ما لا تتبعه همة أوساط الناس فهذا لا يعرف.
والمراد بقوله: «همة أوساط الناس» أي: تتعلق به نفوسهم، وعلى هذا فنقول: من وجد مالاً فعلى ثلاثة أقسام:
الأول: أن يعلم أن صاحبه تركه رغبة عنه فهذا لواجده، كما يوجد الآن بعض الكراسي المكسرة ترمى في الأسواق، أو بعض الزنابيل، أو بعض الأواني، أو ما أشبه ذلك، نعلم أن صاحبها تركها رغبة عنها، هذه يملكها واجدها بدون شيء، حتى لو علمنا أن هذا الرجل له متاع ثقيل في البر، وعجز عنه وتركه