قوله: «وميت» أي: لا تصح لميت؛ لأن الميت لا يملك، فإذا كان لا يملك فكيف تصح الوصية له؟!
وقيل: تصح الوصية للميت وتصرف صدقة له في أعمال الخير، وهذا القول هو الراجح، أنه تصح للميت لا على سبيل التمليك؛ لأن الميت لا يملك، وكل أحد يعرف أن الإنسان إذا أوصى لميت لا يريد أن يُشترى له طعام ليأكله، أو شراب ليشربه أو لباس يلبسه، وإنما يريد أن يصرف في أعمال الخير لهذا الميت، لكن لو قال: أنا أريد تمليك الميت، قلنا: الوصية غير صحيحة، وهذا تلاعب؛ لأن الميت لا يملك، وملك الميت ينتقل إلى غيره إذا مات، فكيف يملك؟!
قوله: «فإن وصَّى لحي وميت يعلم موته فالكل للحي» إذا وصى لحي وميت، بأن قال: أوصيت بألف ريال لزيد وعمرو الميت، وهو يعلم أنه ميت فالكل للحي؛ ووجه ذلك أن اشتراكهما اشتراك تزاحم، والموصي يعلم أن الميت معدوم، وأن الوصية لا تصح له، فكأنه أراد أن تكون كلها للحي، فلما تعذر أن يكون نصيب الميت له عاد إلى الحي؛ لأنه يعلم أن الميت لا يملك، وعلى القول الذي رجحنا يكون للحي النصف وللميت النصف ويكون صدقة له، والمذهب أنه ليس للحي إلا النصف مطلقاً سواء علم الموصي أم لم يعلم، بناء على تفريق الصفقة، وأن الصفقة إذا اشتملت على حلال وحرام، حَلَّ الحلال وحرم الحرام، أو على صحيح وفاسد صح الصحيح وفسد الفاسد، وعليه يكون للحي النصف مطلقاً.
ومحل الخلاف ما لم يقل: بينهما أنصافاً، فإن قال ذلك فليس للحي إلا النصف مطلقاً.
стр. 4552
قوله: «وإن جهل»، أي: موته.
قوله: «فالنصف»، ووجهه أنه إنما أوصى للحي والميت بناءً على أن الميت موجود وحي، وعلى هذا يكون الموصى به بينهما نصفين، وتَعذَّرَ إيصال حق الميت إليه، فيبقى حق الحي وهو النصف.
قوله: «وإن وصَّى بماله لابنَيه وأجنبي فردَّا فله التُّسع»، أي: إن وصى لابنيه وأجنبي بكل ماله، بأن قال: أوصيت بمالي لزيد وابنيَّ بكر وخالد، فإن الوصية بما زاد على الثلث باطلة إذا ردها الورثة، وهذان الابنان ردَّا وقالا: لا نقبل ما زاد على الثلث ولا نجيزه، فإن الوصية ترجع من المال كله إلى الثلث، فيصير الثلث بين ثلاثة، الابنين والأجنبي أثلاثاً، فيكون نصيب الأجنبي التسع؛ لأنه ثلث الثلث، ولهذا قال: «فله التُّسع».
стр. 4553
بَابُ المُوصَى بِهِ
تَصِحُّ بِمَا يَعْجَزُ عَنْ تَسْلِيمِهِ، كَآبِقٍ وَطَيْرٍ فِي هَوَاءٍ، وَبِالمَعْدُومِ، كَبِمَا يَحْمِلُ حَيَوانُهُ وَشَجَرَتُهُ أَبَداً، أَوْ مُدَّةً مُعَيَّنَةً ............
قوله: «تصح بما يعجز عن تسليمه كآبق»، «تصح» أي: الوصية، والآبق هو العبد الذي هرب من سيده، وهروبه من سيده يعني أنه لن يرجع إليه، فإذا أوصى بعبده الآبق لزيد فالوصية صحيحة؛ لأنه لا مضرة عليه، فإن وجده فهو له وإن لم يجده لم يخسر شيئاً، وكونه يخسر لطلبه هذا عائد إليه.
قوله: «وطير في هواء»، أي: وتصح ـ أيضاً ـ الوصية بطير في الهواء، كإنسان له حمام يطير في الهواء، فقال: أوصيت بحمامي الذي يطير لزيد؛ والعلة أنه إما سالم وإما غانم، ومثله الوصية بالجمل الشارد والشاة الضالة.
وبناءً على هذا نقول: يتخرج صحَّة هبة ما لا يقدر على تسليمه؛ لأنه إذا كانت الوصية تصح بما لا يقدر على تسليمه فالهبة ـ أيضاً ـ مثلها؛ لأنها كلها تبرع، وهذا هو الصحيح أنه يجوز هبة ما لا يقدر على تسليمه، كالآبق والطير في الهواء؛ لأنه إن حصل فهو غانم وإن لم يحصل فليس بغارم وإنما هو سالم، أما بيع الآبق والطير في الهواء، فهذا لا يجوز لحديث أبي هريرة ﵁: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر» (١).
стр. 4554
قوله: «وبالمعدوم» أي: تصح الوصية بالمعدوم.
قوله: «كبما يحمل حيوانه وشجرته أبداً أو مدة معينة» مثاله: أوصيت لزيد بما تحمل هذه الشاة، وليس بالحمل؛ لأنه سبق أن الحمل لا تصح الوصية به حتى يعلم وجوده، لكن هذا أوصى بما تحمل، وليس بحمل معلوم معين بل على سبيل أنه نماء، فقال: كل ما تحمل فهو له، فهذا يجوز مع أنه معدوم، وقد تكون هذه الشاة ليس فيها ولد، فنقول: متى نشأ فيها ولد فهو له، وإذا نشأ الثاني فهو له، وإذا نشأ الثالث فهو له، وهكذا.
وكذلك بما تحمل شجرته، فلو كان عنده نخلة وأوصى بثمرة هذه النخلة لفلان، فهذا يصح سواء على الدوام أو في مدة معينة، بأن قال: أوصيت بما تحمل هذه النخلة لمدة خمس سنوات لزيد، فإن الوصية تصح مع أنه معدوم؛ لأن الحمل في هذه الحال صار كالمنفعة في العقار، إذ أنه لم يقصد حملاً معيناً حتى نقول: لا يصح، بل قصد ثمرتها من الحمل، فصار كما لو أوصى بمنفعة هذا البيت وما أشبه ذلك.
، فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ شَيْءٌ بَطَلَتْ الوَصِيَّةُ وَتَصِحُّ بِكَلْبِ صَيْدٍ وَنَحْوِهِ، وَبِزَيْتٍ مُتَنَجِّسٍ.
قوله: «فإن لم يحصل منه شيء بطلت الوصية» يعني لو قال: أوصيت لزيد بثمرة هذه النخلة عام تسعة عشر وأربعمائة وألف، ولم تحمل، فهل يطالب الموصى له الورثةَ بمعدل ثمرتها كل عام؟
الجواب: لا، بل تبطل الوصية؛ لأن الموصى به لم يحصل.
стр. 4555
ومثله ـ أيضاً ـ ما يحمل حيوانه، فلو قال: أوصيت بما تحمل هذه الشاة لفلان، ولم تحمل فإنه لا يطالب الورثةَ بمثل حملها كل عام، بل تبطل الوصية لتعذر استيفاء الموصى به.
قوله: «وتصح بكلب صيد» كرجل عنده كلب صيد معلم، فأوصى به لفلان فنقول: تصح الوصية به، مع أن كلب الصيد ليس بمال، ولكنه قد أذن بالانتفاع به، وكذا هبته، أما بيع كلب الصيد فإنه لا يصح؛ لأن النبي ﷺ نهى عن بيع الكلب (١)، وحقيقة الوصية به أنها تنازل من الموصي عن هذا الكلب؛ لأن نفس الموصي لا يملك الكلب، وباب التبرع أوسع من باب المعاوضة.
قوله: «ونحوه» أي: نحو الصيد، مثل كلب الحرث والماشية؛ لأن كل هذه الثلاثة تباح منفعتها كما جاء في الحديث (٢)، فإذا أوصى بكلب صيد أو كلب حرث أو كلب ماشية صحت الوصية.
وإن أوصى بكلب ليس لهذه الثلاثة، ولا لما بمعناها فالوصية لا تصح؛ لأن الموصي لا يملك أن ينتفع بهذا الموصى به.
قوله: «وبزيت متنجس» لا نجس، وبينهما فرق، فالنجس
стр. 4556
نجس لعينه، والمتنجس نجاسته حكمية، فالنجس كزيت الميتة، وزيت الخنزير، وزيت كل ما يحرم أكله، والمقصود دهنه، فهذا لا تصح الوصية به، أما الزيت الذي هو زيت الأشجار، فهذا لا يمكن أن يكون نجساً، وإنما يكون متنجساً، فدهن الحيوان وودكه إن كان من حيوان نجس فهو نجس، وإن كان من حيوان طاهر وأصابته نجاسة فهو متنجس، وزيت الشجر يكون متنجساً ولا يكون نجساً.
إذاً الزيت المتنجس تجوز الوصية به؛ لأنه يجوز الانتفاع به في الجلود والسفن وما أشبهها، ففيه منفعة مباحة.
وهل يجوز بيعه؟
الجواب: إن قلنا: إنه يمكن تطهيره وهو الصحيح جاز بيعه، فيكون كالثوب النجس يجوز بيعه ويطهر بعد، وإن قلنا: لا يمكن تطهيره فإنه لا يجوز بيعه، والمذهب أنه لا يمكن تطهيره ولا يجوز بيعه، والصواب خلاف ذلك.
وَلَهُ ثُلُثُهُمَا وَلَوْ كَثُرَ المَالُ إِنْ لَمْ تُجِزِ الوَرَثَةُ وَتَصِحُّ بِمَجْهُولٍ كَعَبْدٍ وَشَاةٍ .......
قوله: «وله ثلثهما ولو كثر المال إن لم تُجزِ الورثة» «له» أي: للموصى له، ثلث الكلب وثلث الزيت المتنجس، ولو كثر المال، إلا إذا أجازت الورثة الوصية بالكلب كله أو بالزيت كله صار له كله، ولنضرب المثال حتى يتضح المقال:
رجل أوصى بكلب حرث لفلان، وعنده ماشية تبلغ مئات الآلاف، فلو باع الكلب فإنه يساوي عشرة ريالات والماشية تساوي ملايين، ولما مات قال الورثة: لا نجيز الوصية، فيكون للموصى له من الكلب الثلث؛ لأن الكلب جنس خاص لا نظير
стр. 4557
له في ماله، فلا يُملك، ويجوز الانتفاع به، وبقية المال يُملك وينتفع به، وعلى هذا فإذا كان للموصي ثلاثة كلاب متساوية، وأوصى لهذا الرجل بكلب واحد، تنفذ الوصية أجاز الورثة أم لم يجيزوا؛ لأن لهم من جنس هذا ثلثين.
وكذلك الزيت المتنجس يقولون: إنه ليس بمال فلا يصح بيعه، لكن يجوز الانتفاع به، فهو من جنس ليس من جنس المال.
وقوله: «ولو كثر المال» إشارة إلى خلاف.
وهو أن من العلماء من يقول: إنه إذا لم يزد على الثلث ـ لو فرضنا له قيمة ـ فإنه لا تعتبر إجازة الورثة، ويعطى الموصى له بكل حال؛ لأن منع الوصية بأكثر من الثلث لحق الورثة، والورثة الآن ليس عليهم نقص، فهذا الكلب حتى لو باعوه لا يمكن بيعه، فالصواب إذاً أن الكلب كله للموصى له.
قوله: «وتصح بمجهول كعبد وشاة» أي: تصح الوصية بمجهول؛ لأنه إذا صحت بالمعدوم فالمجهول من باب أولى، والمجهول هنا يشمل المبهم، فالمجهول أن يقول: أوصيت لفلان بعبد، والمبهم أن يقول: أوصيت لفلان بعبد من عبيدي، فالجهل في الثانية أقل من الأولى، ويسمى عند العلماء مبهماً؛ لأنه معلوم من وجه مجهول من وجه آخر، فهو معلوم من ناحية كونه محصوراً، ومجهول من ناحية عدم تعيينه.
وهل يُعْطَى أغلى العبيد أو أرخص العبيد أو ماذا؟ وكذا لو أوصى له بشاة، فهل يُعْطَى أدنى شاة أو يعطى شاة سمينة أو ماذا؟
стр. 4558
وَيُعْطَى مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الاسْمُ العُرْفِيُّ، وَإِذَا أَوْصَى بِثُلُثِهِ فَاسْتَحْدَثَ مَالاً وَلَوْ دِيَةً دَخَلَ فِي الوَصِيَّةِ ..........
يقول المؤلف: «ويُعْطى ما يقع عليه الاسم العرفي»، فيعطى عبداً من العبيد أدنى شيء، إلا بإجازة الورثة، فإذا أجازوا فالأمر إليهم، وإلا فيعطى ما يسمى عبداً، ولو كان جاهلاً.
فإن قال قائل: وهل يعطى عبداً مجنوناً؟
فالجواب: لا؛ لأن ظاهر قصد الموصي أن ينتفع الموصى له بالموصى به، والمجنون لا نفع فيه، بل فيه عبء وعناء، فهو يُعْطَى عبداً عاقلاً، سواء كان متعلماً أو جاهلاً، وسواء كان قوياً أو ضعيفاً.
وبالنسبة للشاة يقول المؤلف: «ويُعطَى ما يقع عليه الاسم العرفي»، فإذا كان عُرف الناس أن الشاة هي الأنثى من الضأن، فإنه يُعطَى شاة أنثى، فإن اختلف العُرف والحقيقة اللغوية فإنه يقدم العرف؛ لأن كلام الناس يُحمل على ما يعرفونه، فالشاة في اللغة تطلق على الذكر والأنثى من الضأن والمعز، لكنها في العرف أخص من ذلك، إنما تطلق على الأنثى من الضأن.
فإذا قال الورثة: نعطيك تيساً، أو عنزاً، قال: لا، أو خروفاً قال: لا، فله ذلك؛ بناء على أن المغلَّب العُرف، وهو الصحيح، أما إذا قلنا: يُرجع إلى اللغة فإن الورثة يعطونه ما شاؤوا من هذه الأصناف.
واستفدنا من كلام المؤلف ﵀ أن العرف مقدم فيما ينطق به الناس، فيحمل على أعرافهم، وهذه هي القاعدة السليمة الصحيحة، وليس في هذه المسألة فقط، بل في جميع المسائل يحمل كلام الناس على ما يعرفونه.
стр. 4559
وعلى هذا، فإذا قال الرجل: خليت زوجتي، فالصيغة من الصريح؛ لأنه عند الناس «خلى زوجته» كـ «طلق زوجته»، وإن كانت كناية عند الفقهاء، لكن هذا يناقض كلامهم في بعض الأبواب في أنه يُغلَّب العرف حتى في الأيمان.
وإذا قال: «جوزتك» بنتي، بهذا اللفظ، فعند الناس في عرفهم أن جوَّز مثل زوَّج، فعلى هذا ينعقد النكاح بهذا اللفظ، أما لو خطب ابنته منه وقال: أعطيتك، فهذا ليس بعقد ولكنه وعد؛ لأنه لما قال: خطبت، فقال: أعطيتك، يعني وافقتك على خطبتك.
المهم أننا نأخذ من كلام المؤلف هنا أن العرف مقدم على كل شيء ما لم يناقض الشرع، فإن ناقض الشرع فلا حكم له، فلو فرض أنه شاع في الناس أن بيع المحرم المعيَّن حلال، وهو حرام شرعاً فلا يرجع إلى العرف، فالعرف إذا خالف الشرع يجب إلغاؤه؛ لأن الأمة الإسلامية يجب أن يكون المتعارف بينها ما دل عليه الشرع، فإذا وجد عرف يخالف الشرع وجب تعديله، ولا يجوز أن يحول الشرع إلى العرف.
فإن قال قائل: ألستم تقولون: إن المرجع في النفقة على الزوجة ـ مثلاً ـ إلى العرف؟ الجواب: بلى، لكننا لم ننقض القاعدة؛ لأن الله أحالنا في الإنفاق على الزوجة إلى العرف، فإذا عملنا بالعرف في الإنفاق فقد عملنا بالشرع.
قوله: «وإذا أوصى بثلثه فاستحدث مالاً ولو دية دخل في الوصية»، (أوصى) الفاعل يعود على ما يدل عليه الاشتقاق، يعني وإذا أوصى الموصي، وعَود الضمير على ما يدل عليه الاشتقاق
стр. 4560
سائغ في اللغة العربية، قال الله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]، فقوله: (هو) أي: العدل المفهوم من كلمة «اعدلوا»، فإذا أوصى موصٍ بثلثه فاستحدث مالاً دخل في الوصية؛ لأن المعتبر الثلث عند الموت لا عند الوصية.
مثال ذلك: رجل أوصى بثلثه وعنده ثلاثة آلاف، فالثلث حين الوصية يساوي ألفاً، لكن الرجل أغناه الله، وصار عنده ثلاثة ملايين عند الوفاة، فتكون الوصية مليوناً، ولهذا قال: «فاستحدث مالاً دخل في الوصية».
وقوله: «ولو دية» إشارة خلاف لكنه خلاف ضعيف، فقيل: إن الدية لا تدخل في الوصية؛ لأنها إنما وجبت بعد موته فتكون للورثة خاصة، والذين قالوا تدخل في الوصية قالوا: لأن الموصى له صار مستحقاً لمال الموصي، وموته شرط لثبوتها، أما سبب الثبوت ـ وهو الجناية ـ فهو سابق على الموت؛ لأن الجناية حدثت قبل الموت، وهذا هو الصحيح أن الدية تدخل في الوصية.
مثال ذلك: رجل أوصى بثلث ماله وعنده مائتا ألف، ثم قُتِلَ خطأً فاستحق الدية مائة ألف، فيكون الجميع ثلاثمائة ألف فيكون للموصى له مائة ألف، ولو قلنا: إن الدية لا تدخل لكان للموصى له ثلث المائتين، أي: ستة وستون وثلثان، لكن نقول: له مائة ألف؛ لأن الدية تعتبر من ماله؛ لأنها عوض نفسه.
وبناءً على هذا ينبغي للقضاة إذا كتبوا تنازل الورثة عن الدية، أن يسألوا أولاً هل أوصى أو لا؟ فإن كان قد أوصى فليس
стр. 4561
لهم التنازل عن الدية كلها، إلا إذا كان له مال يقابل الثلث؛ لأن حق الوصية مشارك لحق الورثة، فيسأل ويقول: هل له ما يقابل الثلث؟ فإذا قالوا: ليس عنده إلا هذه الدية، فيقول: إذاً لا يصح عفوهم إلا عن ثلثي الدية، أما ثلثها فهي للوصية إذا كان قد أوصى بالثلث.
وهذه يغفل عنها بعض الناس، تجده ـ مثلاً ـ يحضر الورثة ويكتب تنازلهم ولا يسأل هل أوصى أو لا؟ وهل له مال سوى هذه الدية أو لا؟
وَمَنْ أُوصِيَ لَهُ بِمُعَيَّنٍ فَتَلِفَ بَطَلَتْ، وَإِنْ تَلِفَ المَالُ غَيْرُهُ فَهُوَ للمُوصى لَهُ إِنْ خَرَجَ مِنْ ثُلُثِ المَالِ الحَاصِلِ لِلوَرَثَةِ.
قوله: «ومن أُوصي له بمعيَّن فتلِف بطلت»، بأن قال الموصي: أوصيت بهذه السيارة لفلان، فاحترقت السيارة وتلفت، فتبطل الوصية؛ لأن الموصى به تعذر استيفاؤه، وليس له أن يطالب الورثة ويقول: أعطوني قيمة السيارة؛ لأنه معين تلف، فتبطل الوصية.
قوله: «وإن تلف المالُ غيرُهُ فهو للموصى له إن خرج من ثلث المال الحاصل للورثة»، أي: إن تلف المال غير الموصى به ـ هذا عكس المسألة السابقة ـ نظرنا، إن كان تلف المال قبل موت الموصي فليس للموصَى له إلا ثلث ما أُوصِيَ له به؛ لأنه لما مات صار هذا المعين زائداً على الثلث فلا ينفذ منه إلا الثلث فقط، أما إن كان تلف المال بعد الموت فكما قال المؤلف: «فهو للموصى له إن خرج من ثلث المال الحاصل للورثة»، فإذا كان بعد الموت فنقول: إن ما سوى هذا المعين تلف على نصيب الورثة.
стр. 4562
مثال ذلك: أوصى له بسيارة فتلف المال إلا هذه السيارة، فهل تبطل الوصية أو لا ينفذ إلا ثلث السيارة، أم ماذا؟ نقول: في هذا تفصيل، إن تلف المال قبل أن يموت لم ينفذ من هذه السيارة إلا الثلث؛ لأنَّ ماله أصبح هذه السيارة فقط، فليس له إلا ثلثها إلا أن يجيز الورثة، وإن كان تلف المال بعد موت الموصي نظرنا، إذا كان المال الذي تلف ضعف قيمة السيارة، يعني السيارة قيمتها ألف، والمال الذي تلف ألفان، فالوصية نافذة؛ لأنه تبين الآن أن هذه السيارة عند موت الموصي تساوي الثلث فتنفذ، وإن كان الذي تلف بعد موت الموصي مثل قيمة السيارة أو أقل، فإنه لا يثبت للموصى له إلا ما يقابل الثلث، بمعنى أننا نضم قيمة السيارة إلى الموجود، فإذا كانت قيمة السيارة مثلاً ستين ألفاً، والموجود عشرون ألفاً، فنضم قيمة السيارة إلى الموجود فيكون ثمانين ألفاً، فلا يملك من السيارة إلا ما يقابل ثلث الجميع، ولهذا قال: «فهو للموصى له إن خرج من ثلث المال الحاصل للورثة» والحاصل للورثة لا يكون إلا بعد الموت.
стр. 4563
بَابُ الوَصِيَّةِ بِالأَنْصِبَاءِ وَالأَجْزَاءِ
إِذَا أَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِ وَارِثٍ مُعَيَّنٍ فَلَهُ مِثْلُ نَصِيبِهِ مَضْمُوماً إِلى المَسْأَلَةِ، فَإِذَا أَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِ ابْنِهِ وَلَهُ ابْنَانِ فَلَهُ الثُّلُثُ، وَإِنْ كَانُوا ثَلاثَةً فَلَهُ الرُّبُعُ ......
«باب الوصية بالأنصباء والأجزاء»، الأنصباء: جمع نصيب وهو نصيب الوارث، وهو الشيء المقدر، والأجزاء: جمع جزء وهو الشيء المقدر، لكن لا بالنسبة لشخص معين، فالأنصباء بالنسبة للأشخاص، والأجزاء بالنسبة للمسألة.
قوله: «إذا أوصى بمثل نصيب وارث معيَّن فله مثل نصيبه مضموماً إلى المسألة»، هذا هو الضابط، فإذا أوصى بمثل نصيب وارث معين فقال: مثل نصيب ابني فلان، أو بنتي فلانة أو ما أشبه ذلك، فله مثل نصيبه مضموماً إلى المسألة، إذاً نصحح مسألة الورثة، ثم نضيف إليها مثل نصيب مَنْ أوصى له، مثاله:
قوله: «فإذا أوصى بمثل نصيب ابنه وله ابنان فله الثلث»، فالمسألة من اثنين، أضف إليها مثل نصيب واحد منهما، فتكون المسألة من ثلاثة، فيكون له الثلث.
قوله: «وإن كانوا ثلاثة فله الربع»، فإذا أوصى بمثل نصيب ابنه وله ثلاثة أبناء، فمسألتهم من ثلاثة، أضف إليها واحداً مثل نصيب أحدهم تكن أربعة، فيكون للموصى له الربع، وهذا سهل.
ولو أوصى بمثل نصيب زوجته وله زوجة وابن، فله الثمن
стр. 4564
مضموماً إلى المسألة وهو تسع في الحقيقة! لأن نصيب الزوجة الثمن ـ واحد من ثمانية ـ والمسألة من ثمانية أضف إليها واحداً تكن تسعة، فيكون للموصى له التسع، وللزوجة الثمن واحد، لكنه بسبب الوصية أصبح تسعاً، والباقي للابن.
وَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ بِنْتٌ فَلَهُ التُّسْعَانِ، وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ وَرَثَتِهِ وَلَمْ يُبَيِّنْ كَانَ لَهُ مِثْلُ مَا لأَقَلِّهِمْ نَصِيباً، فَمَعَ ابْنٍ وَبِنْتٍ رُبُعٌ وَمَعَ زَوْجَةٍ وَابْنٍ تُسْعٌ وَبِسَهْمٍ مِنْ مَالِهِ فَلَهُ سُدُسٌ، وَبِشَيْءٍ أَوْ جُزْءٍ أَوْ حَظٍّ أَعْطَاهُ الوَارِثُ مَا شَاءَ.
قوله: «وإن كان معهم بنت فله التسعان» أي: إذا كانوا ثلاثة أبناء معهم بنت فله التسعان؛ لأن الثلاثة لكل واحد سهمان فيكون ستة، والبنت سهم فيكون سبعة، أضف إلى المسألة مثل نصيب أحد الأبناء فتكون تسعة، فيكون له التسعان.
قوله: «وإن وصى له بمثل نصيب أحد ورثته ولم يبين كان له مثل ما لأقلهم نصيباً» مثال ذلك: قال أوصيت لفلان بمثل نصيب وارث من ورثتي، ولم يبين مَنْ هو، فله مثل ما لأقلهم نصيباً.
قوله: «فمع ابن وبنت ربع» هذا المثال الأول.
له ابن وبنت وأوصى له بمثل نصيب أحد ورثته ولم يبين، فنقول: الابن والبنت مسألتهما من ثلاثة، للابن اثنان، وللبنت واحد، أضف إلى الثلاثة مثل نصيب البنت تكن أربعة، إذاً للموصى له الربع.
قوله: «ومع زوجة وابن تُسع» هذا المثال الثاني: إذا قال: أوصيت لفلان بمثل نصيب أحد الورثة، وورثته زوجة وابن، فالزوجة لها الثمن، والابن له الباقي، أضف الثمن واحداً إلى الثمانية تكن تسعة، إذاً فللموصى له التسع.
стр. 4565
قوله: «وبسهم من ماله فله سدس» أي: إذا أوصى له بسهم من ماله فله السدس قَلَّ أو كثر، فيؤخذ السدس من التركة أولاً ثم يقسم الباقي على الورثة، مثال هذا: أوصى رجل بسهم من ماله لفلان، وله ابن وبنت، فنعطي فلاناً السدس، والباقي يقسم بين الابن والبنت، للذكر مثل حظ الأنثيين، وهذا مروي عن بعض الصحابة ﵃ (١) ـ فأخذ به الفقهاء توقيفاً لا تعليلاً.
وقال بعضهم: إنه تعليل؛ لأن السهم في اللغة العربية السدس، ولكن في القلب شيء من هذا؛ لأن السهم يقتضي أن يكون أقل سهم، فيكون كما لو أوصى بنصيب وارثٍ ولم يُبين، وهذا أحد القولين في المسألة، أنه إذا أوصى له بسهم من ماله فله مثل ما لأقل الورثة نصيباً، وعلى هذا فمع ابن وبنت يعطى الربع؛ لأن هذا أقل سهم.
وأما السدس فلعلها قضايا أعيان وردت عن بعض الصحابة ﵃ فَظُنَّ أنها توقيف، وما دامت المسألة ليس فيها نص شرعي ولا حقيقة شرعية، فينبغي أن يُرجع في ذلك إلى المسألة ويقال: أدنى سهم فيها هو الواجب للموصى له.
قوله: «وبشيء أو جزء أو حظ أعطاه الوارث ما شاء» أي: إذا قال: أوصيت لفلان بشيء من مالي ثم هلك، فيعطيه الوارث ما شاء، وظاهر كلامهم ﵏ أنه يعطيه ما شاء مطلقاً، حتى ولو كان بعيداً أن يكون مراداً، فلو كان إنسان عنده عشرة ملايين
стр. 4566
تركة، وأوصى بشيء من ماله لفلان، فأعطاه الورثة ريالاً فقط، فعلى كلام المؤلف تبرأ ذممهم، ولا يطالبهم بشيء؛ لأن الميت أوصى له بشيء من ماله، وهذا شيء، فيعطى أقل ما يقع عليه الاسم، ولكن ينبغي أن يقال: ما لم يخالف ذلك العرف، فإن خالف العرف رجعنا إلى ما تقتضيه الوصية، ومن المعلوم أن من عنده عشرة ملايين وأوصى لشخص بشيء أنه لا يريد ريالاً من عشرة ملايين!! هذا بعيد جداً؛ لأن الموصي قصده نفع الموصى له، وإعطاؤه من هذا المال، ومثل هذا لا يرضى أن يعطى إياه، فيرجع في ذلك ـ على القول الراجح ـ إلى ما يقتضيه العرف، ولا يعطيه الوارث ما شاء.
وكذلك ـ أيضاً ـ إذا قال: بجزء من مالي، وعنده عشرة ملايين، فأعطاه الوارث هللة، وهي جزء من المال، فلا يمكن أن يقال: إن هذه الهللة أراد الموصي أن يُعْطَى إياها الموصى له، وعنده عشرة ملايين!!
ولو أوصى له بشيء من ماله، فأعطاه الورثة غترة النوم التي يتغلل بها إذا نام، فعلى كلام المؤلف أن هذا يجزئ؛ لأن هذه مال تورث وتباع في التركة، لكن هذا لا يمكن أن يقال به، حتى عامة الناس يرون أن هذا منتقد، وأن الموصي لم يرد ذلك.
وقوله: «أو حظ» بأن قال: أوصي لفلان بحظ من مالي، وأعطوه هللة وعنده ملايين فيصح على كلام المؤلف، لكن إذا قال: «حظ من مالي» فكلٌ يفهم أنه حظ مهم.
فعلى كل حال مثل هذه المسائل يُرجع فيها إلى العرف، لا إلى مطلق المعنى؛ لأن الناس لهم أعراف ولهم إرادات تُخصص العام، أو تُعمم الخاص، أو تطلق المقيد أو ما أشبه ذلك.
стр. 4567
بَابُ المُوصَى إِلَيْهِ
تَصِحُّ وَصِيَّةُ المُسْلِمِ إِلى كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ عَدْلٍ رَشِيدٍ .....
قوله: «باب الموصى إليه» الموصى إليه ليس ركناً من أركان الوصية؛ لأن أركان الوصية هي: موصٍ، وموصًى له، وموصًى به، والصيغة قد نقول: هي من الأركان، لكن الموصى إليه ليس بركن؛ لأنه أمر زائد فيمكن للموصي أن يقول: أوصيت لفلان بكذا وينتهي.
الموصى إليه هو الذي عُهد إليه بالتصرف بعد الموت سواء في المال أو في الحقوق، وهو بمنزلة الوكيل للأحياء وله شروط.
قوله: «تصح وصية المسلم إلى كل مسلم مكلف عدل رشيد» أي: إذا كان الموصي مسلماً فلا بد أن يكون الموصى إليه مسلماً مكلفاً، يعني بالغاً عاقلاً، عدلاً يعني مستقيم الدين والخلق، رشيداً، يعني حسن التصرف فيما أوصي إليه به.
ووصية الكافر إلى المسلم تصح من باب أولى، ووصية الكافر إلى الكافر تصح، فلو أوصى يهودي إلى يهودي لينفذ بعد موته ما وصاه به فلا بأس، إنما هذه الشروط في الموصى إليه إذا كان الموصي مسلماً.
وقوله: «إلى كل مسلم» يخرج به الكافر، فلا تصح وصية المسلم إلى الكافر، ولو كان الكافر أميناً، ولو كان الكافر عاقلاً ولو كان صديقاً للموصي؛ لأن هؤلاء قد خانوا الله من قبل، وإذا
стр. 4568
كانوا خانوا الله فإنهم يخونون عباد الله من باب أولى؛ ولهذا لما كتب معاوية ﵁ إلى عمر بن الخطاب ﵁ في أن يولي نصرانياً على حساب بيت المال فأبى عليه عمر ﵁ وقال: لا يمكن أن نأتمن نصرانياً على حساب بيت المال، وكيف نأمنهم وقد خوَّنهم الله، فكتب إليه معاوية ﵁ أن الرجل حاذق وجيد، فكتب إليه عمر ﵁: (مات النصراني والسلام) (١)، وهذه لها مغزى عظيم، يعني هل يتعطل بيت المال إذا مات هذا النصراني؟! فقدِّرْ أنه مات، فبيت المال لا يتعطل.
إذاً لا يصح أن يوصي إلى الكافر، ولو كان من آمن الكفار، وأقواهم؛ لأنه غير مأمون مهما كان الأمر.
وقوله: «مكلف» يعني بالغاً عاقلاً، والبلوغ معروف بماذا يحصل، والعقل هو أن يكون لدى الإنسان ما يحجزه عن السفه والتصرفات الطائشة، وضد البالغ الصغير، وضد العاقل المجنون.
وظاهر كلامه أنه تصح وصية الرجل إلى المرأة؛ لأنها بالغة عاقلة، فإذا أوصى إليها بثلث ماله تصرفه للفقراء أو أي مشروع خيري، فهذا يجوز؛ لأنها يصح تصرفها في مال نفسها، فيصح تصرفها في مال غيرها.
وقوله: «عدل» العدل ضد الفاسق، وهو من استقام في دينه ومروءته، ففي دينه بأن لا يفعل كبيرة إلا أن يتوب منها، وأن لا يصر على صغيرة، وأن يكون مؤدياً للفرائض؛ وذلك لأن من
стр. 4569
فرط في دينه فإنه لا يؤمن أن يفرط في عمله، وأما المروءة فإنه لا يفعل ما ينتقده الناس، فإن فعل ما ينتقده الناس عليه فليس بعدل.
فإن أوصى إلى فاسق، فالمذهب أنه لا تصح الوصية إليه؛ لأنه غير مأمون، وقد قال الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، فالفاسق لا يقبل خبره ولا يرضى تصرفه، ولكن ينبغي أن يقال: إن هذا مبني على الشهادة، فإذا قبلنا شهادة الفاسق المرضي في شهادته قبلنا الوصية إليه؛ لأنه قد يوجد فاسق لكنه أمين من جهة المال، ولنفرض أنه يشرب الدخان، وشرب الدخان إصرار على صغيرة، إذاً هو فاسق، فإذا كان هذا الشارب للدخان رجلاً عاقلاً حصيفاً أميناً رشيداً، ونقول: لا تصح الوصية إليه، في هذا نظر لا شك، ولهذا نقول: إن اشتراط العدالة فيه تفصيل، فإن كانت العدالة تخدش في تصرفه فهي شرط، وإن كانت لا تخدش في تصرفه، وأنه يتصرف تصرفاً تاماً ليس فيه أي إشكال، فإنها ليست بشرط، وهذا هو الصحيح في مفهوم قوله: «عدل».
وقوله: «رشيد» وهو الذي يحسن التصرف فيما وكل إليه؛ لقول الله تعالى في اليتامى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، فالرشد لا بد منه، ولكن الرشد في كل موضع بحسبه، فالرشيد في المال هو الذي يحسن البيع والشراء والاستئجار والتأجير، بدون أن يغبن غبناً أكثر مما جرت به العادة.
والرشيد في ولاية النكاح ـ على القول بصحة الوصية فيها ـ
стр. 4570
ليس الذي يحسن البيع والشراء، بل هو الذي يعرف الكفء ومصالح النكاح.
فكل رشد بحسبه، فالرشيد في المال ليس الرشيد في ولاية النكاح، والرشيد في النكاح ليس الرشيد في المال، فقد يكون الرجل رشيداً في ولاية النكاح؛ لأنه رجل يعرف الناس ويعرف الكفء ويخشى الله ويتقه، ولكنه في المال أخرق لا يعرف، يأتيه الصبي معه الدجاجة تساوي ريالين فيبيعه إياها بعشرة ريالات، فهذا ليس برشيد؛ لأنه غبن بنحو خمسة أضعاف، لكنه من الناحية الأخرى جيد، إذاً الرشيد في كل موضع بحسبه.
وَلَوْ عَبْداً، وَيَقْبَلُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَإِذَا أَوْصَى إِلَى زَيْدٍ وَبَعْدَهُ إِلَى عَمْرٍو وَلَمْ يَعْزِلْ زَيْدَاً اشْتَرَكَا، وَلَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِتَصَرُّفٍ لَمْ يَجْعَلْهُ لَهُ .....
قوله: «ولو عبداً، ويقبل بإذن سيده» «لو» هذه إشارة خلاف، يعني أنه تصح الوصية إلى العبد لكن يقبل بإذن سيده، ولو قلنا بهذا القول فيجب أن نقول: من شرط السيد أن يكون عدلاً رشيداً بالغاً عاقلاً مسلماً، فيشترط في سيده أن يكون ممن تصح الوصية إليه.
وهذا الخلاف الذي أشار إليه المؤلف ﵀ يقابله من يقول: لا تصح الوصية إلى العبد مطلقاً؛ لأن العبد قاصر يحتاج إلى من يقوم عليه، فكيف يكون قيماً على غيره؟! فالوصية إلى العبد لا تصح.
والقول الثالث: التفصيل، فالوصية إلى عبد نفسه جائزة، والوصية إلى عبد غيره غير جائزة؛ لأن وصيته إلى عبد نفسه تكون نتيجة لعلمه بأن هذا العبد أمين رشيد، يحسن التصرف تماماً، وأنه سوف يحرص على وصية سيده كما يحرص على ماله أو
стр. 4571
أكثر، وهذا القول وسط بين القول بالمنع مطلقاً والقول بالجواز مطلقاً، ومع ذلك لا بد من إذن السيد؛ لأنه إذا قبل الوصية فسوف ينشغل وقتاً غير قصير بتصريف هذه الوصية، فيقتطع جزءاً من وقته يُفوِّته على سيده، فلا بد من إذن السيد.
وقوله: «سيده» يجوز أن يقال: سيده؛ لأن هذه سيادة مقيدة، والممنوع هي السيادة المطلقة، فإنها لا تكون إلا لله وحده ، أما السيد المقيد فلا بأس، فيقال: سيد هؤلاء القوم، أو سيد بني فلان.
قوله: «وإذا أوصى إلى زيد وبعده إلى عمرو ولم يعزل زيداً اشتركا، ولا ينفرد أحدهما بتصرفٍ لم يجعله له» هذان الاسمان ـ زيد وعمرو ـ محل التمثيل عند الفقهاء والنحويين وغيرهم أيضاً، لخفتهما؛ لأن كليهما ثلاثة أحرف وسطها ساكن، فهي خفيفة على اللسان، فلو قال: أوصيت إلى زيد أن يصرف خُمس مالي في أعمال البر، ثم بعده قال: أوصيت إلى عمرو أن يصرف خُمس مالي في أعمال البر، فنقول: إن قال: عزلت زيداً، فالوصية لعمرو، وإن لم يقل فهي بينهما، هكذا قال الفقهاء ﵏، وإذا كانت بينهما اشتركا في التصرف، ولا يمكن أن ينفرد أحدهما بتصرف إلا بمراجعة الآخر، وعلى هذا فإذا مات الموصي أعطينا الرجلين جميعاً الوصية ـ وهي الخمس ـ في المثال السابق، وقلنا: تصرفا فيه فيما أوصى به فيه، ولا ينفرد أحدكما عن الآخر بشيء؛ لأنه جعله لهما.
стр. 4572
وهذه المسألة لها صور:
الأولى: أن يوصي إلى زيد ثم يوصي إلى عمرو، ويقول: قد عزلت زيداً، فإن الموصى إليه يكون عمراً.
الثانية: أن يقول: أوصيت إلى زيد وعمرو، فإن الوصية تكون إلى الاثنين.
الثالثة: أن يقول: أوصيت إلى زيد، ثم يقول بعد ذلك: أوصيت إلى عمرو، فالمذهب أنهما يشتركان.
وقيل: إن الوصية للأخير؛ لوجهين:
أولاً: أنه لو ورد نصان لا يمكن الجمع بينهما فإن الثاني يكون ناسخاً للأول.
ثانياً: إن مقتضى الوصية إلى عمرو عزل زيد، ورضاه بعمرو.
فإن قال قائل: قد يكون نسي أنه أوصى إلى زيد، مثل أن تكون المدة طويلة.
فنقول: نعم، لنفرض أنه نسي، لكن الإيصاء إلى عمرو يقتضي أنه رضي بعمرو، وإذا اقتضى ذلك، فإن قلنا: إنه عزل لزيد فهو عزل، وإن لم نقل فهو ابتداء وصية، فيكون الثاني هو الوصي وحده، وهذا القول هو الراجح، كما مر علينا في الموصى له أنهما يشتركان، وأن القول الراجح أنه للثاني، ولكن كما قلت من قبل، وأقوله الآن تأكيداً: إنه ينبغي للإنسان إذا كتب وصية إنسان أن يقول: هذه الوصية ناسخة لما قبلها، حتى يريح الذين يأتون من بعد، ولا يحصل التباس.
وقوله: «ولا ينفرد أحدهما بتصرفٍ لم يجعله له» علم منه أنه
стр. 4573
إذا انفرد أحدهما بتصرف جعله له فلا بأس، كما لو قال: أوصيت بخمسي إلى زيد وعمرو في أعمال الخير، يتولى زيد صرفه في طلبة العلم، فإن الذي يتولاها زيد؛ لأنه خصه، ولو قال: يتولى عمرو صرفه فيمن احتاج إلى النكاح، فإن عمراً يتولى هذا، ونحن نمشي في الوصية على ما يقتضيه كلام الموصي.
وَلَا تَصِحُّ وَصِيَّةٌ إِلاَّ فِي تَصَرُّفٍ مَعْلُومٍ يَمْلِكُهُ المُوصِي كَقَضَاءِ دَيْنِهِ وَتَفْرِقَةِ ثُلُثِهِ والنَّظَرِ لِصِغَارِهِ، .............
قوله: «ولا تصح وصية إلا في تصرف معلوم يملكه الموصي» أي: الوصية لا تصح بالنسبة للموصى إليه إلا في تصرف معلوم يبينه الموصي، ويكون الموصي يملك ذلك، فإن كان في تصرف مجهول فإنه لا يصح، وهل مثله إذا أَطلق ولم يذكر تصرفاً؟ يحتمل هذا وهذا، مثل أن يقول: أوصيت بخمسي إلى فلان، ولا يذكر شيئاً، فظاهر كلام المؤلف أنه لا تصح الوصية؛ لأن الموصى إليه ماذا يصنع؟
لكن القول الراجح: أنه تصح الوصية ويقال للموصى إليه: افعل ما يقتضيه العرف، أو افعل ما ترى أنه أحسن شيء في أمور الخير، حتى وإن اقتضى العرف خلافه، وَعُرْفُنا الآن ـ الذي جرى عليه أكثر الناس ـ إذا قال: أوصيت بخمس مالي أو ثلثه يجعل في أضحية، وعشاء في رمضان، وما أشبه ذلك من المصروفات التي يعرفها الناس من قبل، لكن لو رأى الموصى إليه أن يصرف هذا في عمارة المساجد وطبع الكتب المحتاج إليها، وتزويج المحتاجين وإعانة طلاب العلم، فهذا أفضل من أضحية تذبح ويتنازع عليها الورثة.
وكان الناس فيما سبق ـ لما كانت الأموال قليلة ـ يتنازعون
стр. 4574
على الأضحية نزاعاً شديداً، حتى لو أخذ أحدهم أكثر من الآخر برطل تنازع معه.
فنقول: إذا أوصى بشيء وأطلق، فالصحيح أنه جائز، ويصرف فيما اعتاده أهل البلد، أو على الأصح فيما يرى أنه أفضل.
وقوله: «يملكه الموصي» فإن كان لا يملكه لم تصح الوصية، والذي لا يملكه الموصي نوعان:
أحدهما: ما لا يملكه شرعاً بأن يوصي إليه في فعل محرم، مثل أن يقول: أوصيت إلى فلان أن يَصرف للقبر الفلاني مائة درهم لإسراجه أو للذبح له، فهذه الوصية باطلة.
الثاني: ما يمتنع لحق الغير، مثل أن يقول: أوصيت إلى فلان أن يبيع بيتي وهو مرهون، فهذا لا يصح؛ لأنه لا يملكه إلا بإذن المرتهن.
قوله: «كقضاء دينه» يعني لو أوصى هذا الرجل إلى فلان أن يقضي دينه فإن التصرف معلوم، حتى لو كان الدين مجهولاً فإنه لا يضر.
قوله: «وتفرقة ثلثه» يعني أوصى بثلثه وقال: الوصي ـ أي: الموصى إليه ـ فلان يفرقه في كذا وكذا، فهذا التصرف معلوم، وليت المؤلف لم يقل: «وتفرقة ثلثه» وليته قال: تفرقة خمسه؛ لأنه في أول الوصايا قال: تسن بالخمس، وإذا كان هذا هو الأفضل فينبغي أن يكون هو مورد التمثيل؛ لأن الثلث مباح والخمس أفضل، وإذا كان كذلك فينبغي أن نذكر الأفضل حتى يعتاد الناس عليه، ولهذا الآن أكثر الناس يقول: فلان ليس له
стр. 4575
ثلث، ولو راعينا الأفضل لقلنا: ما له خمس، فليت المؤلف ﵀ قال: وتفرقة خمسه، أو على الأقل قال: وتفرقة ما أوصى به؛ لأنه لو قال: الثلث، اعتاد الناس على الثلث.
قوله: «والنظر لصغاره» النظر للصغار ـ أيضاً ـ من التصرف المعلوم، يقول: الوصي على أولادي الصغار من بنين وبنات فلان، فإنه يجوز ويكون هذا الوصي هو الناظر على الأولاد، يقوم بمصالحهم من نفقة وكسوة وتربية وسكن.
وهل يملك أن يوصي بتزويج بناته؟
المذهب: يملك، فيقول: الوصي في تزويج بناتي فلان، حتى وإن كان لهن إخوة أشقاء فإنهم لا يزوجونهن؛ لأن ولاية النكاح تستفاد بالوصية، لكن هذا القول ضعيف جداً؛ لأن ولاية النكاح ولاية مستقلة، هي للإنسان ما دام حياً، فإذا مات انتقلت إلى من هو أولى شرعاً، فلا تستفاد ولاية النكاح ـ على القول الراجح ـ بالوصية.
وقولنا: لا تستفاد بالوصية، يفهم منه أنها تستفاد بالقرابة، فلو أوصى أن يزوج بناته أخوهن الأكبر الشقيق، فإنه يصح؛ لأنه هو وليهن بعده، إلا من تزوجت وأتت بأبناء فأبناؤها أولياؤها.
إذاً القول الراجح في مسألة التزويج أنه لا يملك الموصى إليه ـ وهو الوصي ـ أن يزوج بهذه الوصية، لكن إذا أردنا أن نعمل بالقول الراجح وبالمذهب فكيف نصنع؟ لأننا نقع في مشكلة، فإذا زوج الوصي ـ وهو بعيد منهن ـ فعلى المذهب
стр. 4576
النكاح صحيح، وعلى ما اخترناه النكاح غير صحيح؛ لأن ولاية النكاح لا تستفاد بالوصية، ولو زوج أخوهن في هذه الحال فالنكاح غير صحيح على المذهب، وهو صحيح على القول المختار، فإما أن يوكل أحدهما الآخر فيقال للأخ: وكِّل الوصي، أو يقال للوصي: وكِّل الأخ، وإذا وكل أحدهما الآخر انحلت المشكلة، وإلا يحضران جميعاً عند المأذون ويزوِّجانها.
فيقول الولي: زوَّجتك أختي فلانة، ويقول الوصي: زوجتك بنت فلان بالوصية، فإذا أوجب هذان الاثنان، يقول الزوج: قبلت النكاح، وعلى هذا فيكون الإيجاب صادراً من اثنين، والقبول من واحد.
وَلَا تَصِحُّ بِمَا لَا يَمْلِكُهُ المُوصِي، كَوَصِيَّةِ المَرْأَةِ بِالنَّظَرِ فِي حَقِّ أَوْلَادِهَا الأَصَاغِرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَمَنْ وُصِّيَ فِي شَيْءٍ لَمْ يَصِرْ وَصِيًّا فِي غَيْرِهِ، وإنْ ظَهَرَ عَلى المَيِّتِ دينٌ يَسْتَغْرِقُ تَرِكَتَهُ بَعْدَ تَفرِقَةِ الوَصِيِّ لَمْ يَضْمَنْ وَإِنْ قَالَ: ضَعْ ثُلُثِي حَيْثُ شِئْتَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَلَا لِوَلَدِهِ.
قوله: «ولا تصح بما لا يملكه الموصي، كوصية المرأة بالنظر في حق أولادها الأصاغر ونحو ذلك» لا تصح الوصية فيما لا يملكه الموصي، كامرأة أيِّم قد مات زوجها ولها أولاد صغار، هي وليتهم، فلما أحست بالموت أو خافت أوصت شخصاً ينظر في أولادها الصغار، يقول المؤلف: الوصية لا تصح؛ لأن الأم لا تملك النظر استقلالاً على أولادها الصغار، فالنظر في الأولاد للأب أي: للذكور، فإذا ماتت الأم تحال المسألة إلى القاضي ويجعل القاضي من رأى فيه خيراً.
وفي المسألة قول آخر، وهو أنها تصح ولايتها ومن ثم وصيتها، فلو أن رجلاً أوصى إلى امرأته بالنظر في أولاده الصغار يجوز؛ لأن المرأة مسلمة مكلفة رشيدة وتصح الوصية إلى كل
стр. 4577
مسلم، فتدخل في كلام المؤلف الأول «تصح وصية المسلم إلى كل مسلم» وكثير من النساء تكون رعايتها لأولادها أفضل بكثير من رعاية الرجال.
قوله: «ومن وُصِّيَ في شيء لم يصر وصياً في غيره» فإذا أوصى إلى شخص يكون ناظراً على أولاده، فإنه لا يملك النظر في أموالهم؛ لأن النظر على الأولاد ليس هو النظر في المال.
وإذا وصى إلى شخص ينمي مال أولاده الصغار، لم يكن له حضانتهم؛ لأن الوصية بمنزلة الوكالة، فتختص بما أُوصِيَ إليه فيه، وهكذا جميع من عمل نائباً لغيره فإنه لا يتجاوز ما حُدِّد له، ومن ذلك القضاة مثلاً، فإذا جَعَلَتْ وزارة العدل رجلاً قاضياً في الأنكحة لم ينظر في المواريث، وإذا جعلته قاضياً في المواريث لم ينظر في البيوع، وإذا جعلته قاضياً في البيوع لم ينظر في قسمة المواريث، وهلم جرًّا.
فالوكالة والوصايا تتقيد بما عُيِّنَت له ولا تزيد، فعلى هذا نقول: من وصي إليه بشيء لم يكن وصياً في غيره؛ وتعليل ذلك أن هذا الوصي يتصرف بالإذن، فوجب أن يقتصر على ما أُذِن له فيه ولا يتعداه، وهذا تعليل ظاهر ليس به شبهة.
قوله: «وإن ظهر على الميت دين يستغرق تَرِكَتَهُ بعد تفرقة الوصي لم يضمن» هذه مسألة مهمة، فلو ظهر على الميت دين بعد أن تصرف الوصي، وصرف الموصى به إلى جهته، فإنه لا ضمان
стр. 4578
على الوصي؛ لأنه تصرف تصرفاً مأذوناً فيه فليس عليه ضمان.
مثال ذلك: أوصى إلى زيد أن يبذل عشرة آلاف ريال في بناء مسجد، فصرفها، ثم ظهر على الميت دين يستغرق العشرة فليس عليه ضمان؛ لأنه تصرف تصرفاً مأذوناً فيه فوقع موقعه، فهو مجتهد وليس عالماً بالغيب، فإن قيل: لماذا لم ينتظر؟ فالجواب: إلى أي مدى ينتظر؟ لأن كل وقت يحتمل أن يظهر فيه دين، والوصي مأمور بالإسراع بتنفيذ الوصية، فإن أخرها يوماً أو يومين خوفاً من أن يظهر دين، قال أيضاً: أؤجل شهراً أو شهرين خوفاً من أن يظهر دين، وحينئذٍ يؤدي إلى عدم تنفيذ الوصية، فنقول: هذا الوصي المشروع في حقه أن يبادر في تنفيذ الوصية، فإذا فعل ما هو مشروع في حقه ثم تبين ما ليس يعلمه فإنه لا ضمان عليه.
فإذا قال قائل: أين يكون حق صاحب الدين؟
نقول: صاحب الدين ليس له شيء، بخلاف ما إذا أخذ الورثة المال، ثم تبين بعد ذلك أن عليه ديناً، ـ أي: على الميت ـ فإنه يؤخذ من الورثة، فيؤخذ من كل إنسان ما أَخَذَ، والفرق ظاهر؛ لأن الوصي تصرف لغيره، والورثة تصرفوا لأنفسهم، فتلف المال تحت أيديهم فلزمهم ضمانه، وهذه المسألة قد يظن الظان أنه لا فرق بينها وبين المسألة السابقة، والفرق بينهما واضح.
فإن قال قائل: لو علم الوصي له أنَّ على الميت ديناً ولكنه أخذ الموصى به وتصرف فيه، فهنا نقول: إنه يضمن؛ لأنه حين
стр. 4579
تَصَرُّفِهِ يعلم أنه لا يستحق، إذ إن الدين مقدم على الوصية، فيكون الوصي له بمنزلة الوارث الذي يضمن.
قوله: «وإن قال: ضع ثلثي حيث شئت لم يحل له ولا لولده» مثاله: إنسان أوصى إلى شخص وقال: ضع ثلثي حيث شئت، أو قال: ضع ثلثي في قضاء الديون، فمات الرجل فإنه لا يجوز للوصي أن يأخذ شيئاً من هذا الثلث، ولا يجوز لولده أن يأخذ شيئاً من هذا الثلث؛ لأنه لو أراد الموصي أن ينفع الوصي لقال: أوصيت لك، ولم يقل: أوصيت إليك، ولا يحل لولده؛ لأنه متهم، فربما يحابي ولده ويصرف المال له، وغيره أحق به منه؛ فلذلك قال العلماء ﵏: إنه لا يجوز للوكيل ولا للوصي أن يصرف لنفسه أو لأحد من أولاده، وعمم بعضهم ذلك وقال: أو ممن لا تقبل شهادته له، فوسعوا الأمر.
ولكن لو قال قائل: في مسألة الوكالة إذا كان الوكيل يريد هذا الشيء، وأخرجه أمامَ الناس يتزايدون فيه حتى كان آخر سوم على هذا الوكيل، فهل له أن يأخذه؟
على كلام الفقهاء لا، والصحيح أنه إذ زالت التهمة فهو كغيره، هذا من حيث النظر، أما من حيث العمل ـ ولا سيما في زمننا هذا ـ فينبغي أن يمنع الوكيل أو الوصي مطلقاً من أن يصرف الشيء إلى نفسه، أو إلى أحد من ذريته، من ذكور أو إناث، والعلة هي التهمة، ألا يحرص على أن يضع هذا الشيء موضعه.
وذكرنا أنه إذا زالت التهمة، بأن أخرج الوكيل الشيء بالمزاد العلني ووقف عليه فالمذهب لا يصح، حتى في هذه
стр. 4580
الحال ـ التي هي بعيدة من التهمة ـ يقولون: لا يصح، سداً للباب، وهذا القول من الناحية التربوية أحسن من القول بأنه يجوز أن يأخذه؛ لأننا إذا قدرنا أن واحداً من مائة زال الوصف في حقه ـ وهو التهمة ـ فغيره لا يزول.
وَمَنْ مَاتَ بِمَكَانٍ لَا حَاكِمَ بِهِ وَلَا وَصِيَّ حَازَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ تَرِكَتَهُ، وَعَمِلَ الأَصْلَحَ حِينَئِذٍ فِيهَا مِنْ بَيْعٍ وَغَيْرِهِ.
قوله: «ومن مات بمكان لا حاكم به ولا وصي، حاز بعضُ مَنْ حضره مِنَ المسلمين تِركتَهُ» وهذا يقع كثيراً، مثال ذلك: رفقة مات أحدهم في سفر وليس هناك قاضٍ يرجع إليه، ولا وصي خاص يرجع إليه، يقول: «حاز بعض من حضره من المسلمين تركته» وقوله: «حاز» خبر بمعنى الأمر، يعني يجب أن يحوز بعض من حضره تركته؛ لئلا تضيع أو ما أشبه ذلك.
قوله: «وعمل الأصلح حينئذٍ فيها من بيع وغيره» فيحوز التركة التي معه، ثم إن كان الأحسن أن يبيعها باعها، وإن كان الأحسن أن يبقيها أبقاها، وهذا يختلف باختلاف الأموال واختلاف الأحوال، فمثلاً إذا كان في التركة ما يسرع فساده كالبطيخ فالأفضل له البيع لا شك، وإذا كان في التركة ما الأحسن إبقاؤه وجب إبقاؤه، وإذا دار الأمر بين هذا وهذا فإنه يبقى على حاله؛ لأن الأصل أن لا يتصرف فيه، ثم إن تغيرت الحال فيما بعد عمل ما تقتضيه الحال من بيع أو غيره.
стр. 4581
كِتَابُ الفَرَائِضِ
وَهِيَ العِلْمُ بِقِسْمَةِ المَوَارِيثِ
قوله: «كتاب الفرائض»، ترجم له المؤلف بالكتاب؛ لأنه جنس مستقل، وقال: «الفرائض»، ولم يقل: المواريث، مع أن المواريث أعم، ولذا عبَّر بعض العلماء وقال: كتاب المواريث، وهو أعم من كتاب الفرائض؛ لأن المواريث تشمل الفرض والتعصيب والرحم، ولكن المؤلف عبَّر بالفرائض؛ لأن الفرائض هي الأصل، قال النبي ﵊: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر» (١)، فلما كانت هي الأصل والمقدم، ترجم بها ﵀.
والفرائض من حيث اللغة جمع فريضة بمعنى مفروضة، فهي فعيلة بمعنى مفعولة، والفرض في اللغة: الحز والقطع، إذا حززت الشيء بالسكين قيل: هذا فرض، وكذلك إذا قطعته بالسكين قيل: هذا فرض، ولكنه في الاصطلاح يختلف، ففرائض الوضوء غير الفرائض التي نحن فيها، فتفسر الفرائض في الاصطلاح في كل باب بما يناسبها، فهو هنا يقول:
«وهي العلم بقسمة المواريث» وهو نوعان شرعي وفني،
стр. 4582
ويقال: فقهي وحسابي، فالعلم بالمواريث فقهاً هذا شرعي، والعلم بالمواريث حساباً هذا فني مرادٌ لغيره، والأول مراد لذاته؛ لأن المقصود إيصال حقوق أصحاب المواريث إليهم، سواء عرفت الحساب أم لم تعرف، لكن مع ذلك يحتاج طالب العلم إلى معرفة حساب المواريث وإن عرف فقهها، فمثلاً: إذا هلك هالك عن بنت وأخت شقيقة، فكوننا نعرف أن للبنت النصف وللأخت الشقيقة ما بقي، فهذا علم شرعي فقهي، وإذا قلنا: المسألة من اثنين للبنت النصف واحد وللأخت الشقيقة ما بقي وهو واحد، فهذا فني حسابي، لكن هل نحن نحتاج إليه بالضرورة؟ لا نحتاج إليه بالضرورة، فأيُّ واحد نقول له: اقسم المال نصفين للبنت النصف وللأخت النصف فإنه يقسم، لكن أحياناً نحتاج إليه فيما إذا كثرت المسائل، ولا سيما في باب المناسخات كما سيأتي إن شاء الله.
وحكم تعلم هذا العلم فرض كفاية، إن قام به من يكفي سقط عن الباقين، وإلا وجب على جميع الأمة؛ لأنه لا يمكن تنفيذ شريعة الله في هذا الباب إلا بتعلمه.
وعلم الفرائض من أجلِّ العلوم وأشرفها؛ لأمور:
أولاً: أنه تنفيذ لفريضة من فرائض الله، قال الله تعالى لما ذكر ميراث الأصول والفروع: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١]، فأنت إذا تعلَّمت الفرائض فإنك تتوصل بها إلى القيام بفريضة من فرائض الله.
ثانياً: أن المواريث حدٌّ من حدود الله فإذا
стр. 4583
تعلمتها التزمت بها حدود الله، قال الله تعالى في ميراث الزوجين والإخوة من الأم لما ذكر هذا: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٣].
ثالثاً: أن الفرائض هدى وبيان، ولهذا لما ذكر الله ميراث الإخوة الأشقاء أو لأب في آخر سورة النساء، قال: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، ولهذا كان علم الفرائض من أفضل العلوم.
واعلم أن الإنسان إذا مات فإنه يتعلق بتركته خمسة حقوق:
الأول: تجهيز الميت بتغسيله وتكفينه وحنوطه وحمله ودفنه وما يتعلق بذلك، هذا قبل كل شيء، حتى لو كان عليه دين فإنه يقدم هذا على الدين.
الثاني: الدين الموثق برهن.
الثالث: الدين المرسل الذي ليس فيه رهن.
الرابع: الوصية بالثلث فأقل لغير وارث.
الخامس: الميراث.
فهذه خمسة حقوق مرتبة، فإذا مات ميت وخلف مائة ريال وعليه دين مائة ريال وتجهيزه مائة ريال، فإنه يبدأ بالتجهيز، ويقال لصاحب الدين: ليس لك شيء؛ لأنه ليس عنده شيء.
وهل يلزم الوارثَ أن يقضي الدينَ عنه؟ لا يلزم حتى لو كان الميت أباه أو ابنَه أو أخاه الأكبر، لكن إذا كان من باب التبرع فباب التبرع واسع.
بعد ذلك الدين الموثق برهن، مثال هذا: رجل هلك وعنده مائة ريال، وله شاة مرهونة بمائة ريال، وعليه دين ليس موثقاً مائة
стр. 4584
ريال هذه ثلاثمائة، فنبدأ بالتجهيز، نأخذ مائة الريال ونجهز الميت بها، ثم الدين الموثق برهن فنقول لصاحب الرهن: هذه الشاة بعها واسْتَوْفِ حقك مائة ريال، فإذا قال الدائن الآخر: أنا ـ أيضاً ـ أطلبه، نقول: دينك مؤخر عن الدين الذي فيه الرهن، والدين المرسل لم يبق شيء له ولا يلزم الوارث أن يقضيه، ولكنا نبشر المدينين إذا أخذوا أموال الناس ليؤدوها، ولكن أخلفت الأمور أن الله يؤدي عنهم من فضله وكرمه، كما قال النبي ﷺ : «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه» (١)، بعد هذا الدينُ غَيْرُ الموثقِ برهن، فلو هلك هالك عن مائتي ريال، وشاة قيمتها مائة ريال مرهونة بدين قدره مائة ريال، وعليه دين مرسل قدره مائة ريال، ووصية، فنوزعها كالآتي: المائة الأولى للتجهيز، والثانية ـ الشاة ـ للدين الموثق برهن، والثالثة للدين المرسل، والوصية لا تنفذ؛ لأن الوصية تكون بعد هذه الثلاثة ولم يبق لها شيء.
مثال آخر: إذا هلك هالك وخلّف مائتين وتسعين ريالاً وعليه دين برهنٍ مائة ريال والمرهون يساوي مائة ريال، وعليه دين مرسل مائة ريال، ووصية بالثلث، أولاً: نأخذ مائة ريال للتجهيز، ثانياً: مائة ريال بالدين الموثق بالرهن، ثالثاً: مائة ريال بالدين المرسل، بقي تسعون ريالاً، وهو موصٍ بالثلث نأخذ ثلاثين ريالاً للوصية يبقى للميراث ستون ريالاً، هنا قدمنا الوصية على الميراث؛ لأننا أخذنا للوصية الثلث من رأس المال كاملاً، وإذا أخذنا الثلث يبقى ثلثان
стр. 4585
فيكون للذي يرث النصفَ الثلثُ، إذاً الوصية ما نقصت، أُعطي الموصى له الثلاثين كاملة، أي: الثلث كاملاً، والميراث نقص؛ لأن الوصية مقدمة عليه، ولهذا كان لصاحب النصف في الوصية الثلث.
وتأمل يا أخي، فالمالُ الذي تجمعه إذا مت إلى من يذهب؟ يذهب إلى أشياء ضرورية، للتجهيز، أو غرامات ديون عليك، أو لغيرك، فمالُك حقيقةً هو ما قدمته في حياتك تقرباً إلى الله ، وأما ما خلَّفته فليس لك.
أَسْبَابُ الإِرْثِ رَحِمٌ وَنِكَاحٌ وَوَلَاءٌ، وَالوَرَثَةُ ذُو فَرْضٍ وَعَصَبَةٍ وَرَحِمٍ، ....
ثم اعلم أن الإرث كغيره من الأشياء، له أسباب، وله شروط، وله موانع، ولهذا قال:
«أسباب الإرث رحم ونكاح وولاء» الرحم يعني القرابة، وهي الاتصال بين إنسانين بولادة قريبة أو بعيدة، فابن عمك رحم؛ لأن بينكما اتصالاً بالولادة تلتقي معه في الجد، ثم هذه القرابة أصول وفروع وحواشٍ، فمن تدعوه بأب أو بأم أصل، ومن يدعوك بأب أو بأم فرع، ومن يدعو آباءَك بأبٍ أو بأم حواشٍ، إذن الفروع فروع الإنسان نفسه، والحواشي فروع آبائه وأمهاته، والأصول من تفرع منهم.
وقوله: «ونكاح» وهو الاتصال بين ذكر وأنثى بعقد صحيح، فعقد النكاح الباطل لا توارث فيه، وعقد النكاح الفاسد لا توارث فيه، فلا بد أن يكون نكاحاً صحيحاً حتى يورث به من الجانبين، الزوج يرث الزوجة، والزوجة ترث زوجها، ويثبت التوارث بين الزوجين من حين ما يعقد الرجل على المرأة، حتى وإن هلك في نفس مجلس العقد قبل أن يجتمع بها فإنها ترثه، ولو هلكت هي في
стр. 4586
مجلس العقد فإنه يرثها، إذاً يثبت التوارث بمجرد العقد، وينتهي بالبينونة، فلو طلق الرجل زوجته وانتهت العدة ثم مات لا يبقى التوارث، ولو طلق زوجته ومات وهي في العدة فالإرث باقٍ.
وهل يشترط الخلوة أو الدخول؟ لا.
مثال: رجل تزوج امرأة بدون ولي ثم مات فهل ترثه؟ لا؛ لأن النكاح غير صحيح، النكاح فاسد.
مثال آخر: رجل تزوج امرأة وبعد موته تبين أنها أخته من الرضاعة فلا ترث؛ لأن النكاح باطل، والفرق بين النكاح الفاسد والباطل، أن النكاح الفاسد ما اختلف العلماء فيه، والباطل ما أجمعوا على بطلانه، فنكاح الأخت من الرضاعة باطل؛ لأن العلماء مجمعون عليه، والنكاح بلا ولي فاسد؛ لأن العلماء مختلفون فيه، وعليه فلا توارث في نكاح فاسد ولا في نكاح باطل.
وقوله: «وولاء» وهو الاتصال بين إنسانين بسبب العتق، ويورث به من جانب واحد وهو الجانب الأعلى وهو المعتِق، فالمعتِق يرث عتيقَه، والعتيق لا يرث معتِقَهُ، والنكاح يورث به من الجانبين، والرحم تارة من جانبين وتارة من جانب واحد، فابن الأخ يرث عمته وهي لا ترثه، لأنها من ذوي الأرحام، فالورثة ثلاثة أقسام ـ سبحان الله ـ هذا العلم يمكن أن نقول: ثلاثي، أسبابه ثلاثة، موانعه ثلاثة، شروطه ثلاثة، أقسام الميراث به ثلاثة ـ أيضاً ـ.
قوله: «والورثة ذو فرض وعصبة ورحم» فذو الفرض كل من لهم نصيب مقدر شرعاً وسيذكرهم المؤلف ﵀، والعاصب من يرث بلا تقدير، ولهذا إذا انفرد أخذ المال كله بجهة واحدة، وإذا
стр. 4587
كان معه صاحب فرض أخذ ما بقي، وإذا استغرقت الفروض التركة سقط؛ لأنه يرث بلا تقدير، وذو الرحم كل من يرث بغير فرض ولا عصب، وسيأتي ـ إن شاء الله ـ ذكر هذا مفصلاً.
فَذُو الفَرْضِ عَشَرَةٌ: الزَّوْجَانِ، وَالأَبَوَانِ، وَالجَدُّ وَالجَدَّةُ وَالبَنَاتُ، وَبَنَاتُ الابْنِ، وَالأَخَوَاتُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَالإخْوَةُ مِنَ الاُمِّ، …
قوله: «فذو الفرض عشرة» يعني أصحاب الفرض عشرة.
الأول والثاني: قوله: «الزوجان» يعني الزوج والزوجة.
الثالث والرابع: قوله: «والأبوان» يعني الأم والأب، لكن هذا من باب التغليب، كما يقال: القمران للشمس والقمر، ويقال: العُمَرَان لأبي بكر وعمر ﵄.
الخامس والسادس: قوله: «والجد والجدة» لكن بشرط في الجد ألا يكون بينه وبين الميت أنثى، فأبو الأب يرث، وأبو أبي الأب يرث؛ لأنه ليس بينه وبين الميت أنثى، وأبو الأم لا يرث؛ لأنه بينه وبين الميت أنثى.
والجدة يشترط لإرثها شرطان:
الأول: ألا يكون بينها وبين الميت ذكر مسبوقٌ بأنثى، مثال ذلك: جدة أدلت بأبي أم لا ترث؛ لأنها أدلت بذكر مسبوق بأنثى.
الثاني: ألا تدلي بأب أعلى من الجد على المشهور من المذهب، وهذا الشرط فيه خلاف، مثال ذلك: أم أب ترث؛ لأنها أدلت بأب فترث من ولده لصلبه، أم أبي الأب فأدلت بالجد فترث، أم أبي أبي الأب، هذه لا ترث على المذهب، لأنها أدلت بأب أعلى من الجد، فالقاعدة أن أمهات الأب وإن علون أمومة وارثات، وأمهات الجد وإن علون أمومة وارثات، وأمهات أبي الجد، وإن علون أمومة غير وارثات، لكن هذا الشرط ضعيف،
стр. 4588
والصواب أن أمهات الجد وارثات وإن علون أمومة؛ لأنهن مدليات بوارث، ومن أدلى بوارث من الأصول فهو وارث، وبناء على هذا القول الراجح يكون الشرط في إرث الجدة واحداً فقط، وهو ألا تدلي بذكر مسبوق بأنثى، وعلى هذا فأم أم أم أم أم أم أب ترث.
السابع والثامن: قوله: «والبنات وبنات الابن» البنات للصلب يرثن، وبنات الابن يرثن، وبنات البنت لا يرثن، قال الشاعر:
بنونا بنو أبنائِنا وبناتُنا
بَنُوهُنَّ أبناءُ الرجالِ الأباعدِ
فالضابط في ميراث الفروع ألا يدلي أحد بأنثى، سواء كان ذكراً أم أنثى، فمن أدلى بأنثى فلا ميراث له، فبنت ابن ابن ابن ابن ابن ابن ترث، وبنت بنت لا ترث؛ لأنها أدلت بأنثى.
التاسع: قوله: «والأخوات من كل جهة» وهل هناك جهات؟ نعم قد تدلي بجهتين أو بجهة، إما من قِبَل الأب وإما من قِبَل الأم، فالأخت الشقيقة من جهتين؛ لأن الأخت الشقيقة أمها أمك وأبوها أبوك، والأخت لأب من جهة واحدة، والأخت من الأم من جهة واحدة، فالأخت لأب هي التي يجمع بينك وبينها الأب دون الأم، والأخت من الأم هي التي يجمع بينك وبينها الأم دون الأب.
العاشر: قوله: «والإخوة من الأم» أي: الذكور، أما الأخوات من الأم فداخلات في قول المؤلف «والأخوات من كل جهة».
بدأ المؤلف ﵀ يفصل الميراث، وما سلكه الفقهاء من كونهم يذكرون الوارث ويذكرون أحواله أحسن مما
стр. 4589
سلكه الفرضيون، فالفرضيون ﵏ يذكرون الفروض وأصحابها فيقولون مثلاً: النصف يرثه خمسة، ثم يذكرونهم، وهذا يشتت ذهن الطالب، لكن الفقهاء سلكوا مسلكاً آخر، يذكرون الإنسان ويذكرون أحواله في الإرث، والموافق للقرآن كلام الفقهاء؛ لأنه يذكر الوارث ويذكر أحواله.
فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ، وَمَعَ وُجُودِ وَلَدٍ أَوْ وَلَدِ ابنٍ وَإِنْ نَزَلَ الرُّبُعُ، ولِلزَّوْجَةِ فَأَكْثَرَ نِصْفُ حَالَيْهِ فِيهِمَا،
قوله: «فللزوج النصف ومع وجود ولد أو ولد ابن وإن نزل الرُّبُع» الزوج ينحصر ميراثه في النصف أو الربع لا ثالث لهما، فإن وجد فرع وارث فله الربع، وإن لم يوجد فله النصف لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾ [النساء: ١٢]، والآية واضحة وصريحة، فلو هلكت امرأة عن زوج وأخ شقيق، فللزوج النصف لعدم الفرع الوارث.
ولو هلكت امرأة عن زوج وابن ابن، فللزوج الربع لوجود الفرع الوارث.
ولو هلكت امرأة عن زوج وابن بنت، فللزوج النصف؛ لأن الفرع غير وارث.
قوله: «وللزوجة فأكثر نصف حاليه فيهما» قد يموت الإنسان عن زوجة واحدة أو عن زوجتين أو ثلاث أو أربع، إذاً الزوجة الواحدة كالأربع لها «نصف حاليه» أي: نصف حال الزوج «فيهما» أي: في الحالين، فمثلاً إذا مات الزوج وله فرع وارث، أولاد، أو أولاد ابن، فلزوجته الثمن، وللثنتين والثلاث والأربع
стр. 4590
الثمن، وإذا هلك هالك عن زوجة وأخ شقيق، فللزوجة الربع لعدم وجود فرع وارث، والدليل قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢]، الحمد لله الذي فرض هذا، فلولا هذه الفريضة من الله لبقي الناس في مشاكسة ونزاع لا نهاية له، لكن الله ـ جل وعلا ـ تولى ذلك بنفسه، هذا له الربع، هذا له الثمن، هذا له النصف.
وَلِكُلٍّ مِنَ الأَبِ وَالجَدِّ السُّدُسُ بِالفَرْضِ مَعَ ذُكُورِ الوَلَدِ أَوْ وَلَدِ الابْنِ، وَيَرِثَانِ بِالتَّعْصِيبِ مَعَ عَدَمِ الوَلَدِ وَوَلَدِ الابْنِ، وَبِالفَرْضِ وَالتَّعْصِيبِ مَعَ إِنَاثِهِمَا .............
قوله: «ولكل من الأب والجد السدس بالفرض مع ذكور الولد أو ولد الابن، ويرثان بالتعصيب مع عدم الولد وولد الابن، وبالفرض والتعصيب مع إناثهما»، «الجد» أي: الذي ليس بينه وبين الميت أنثى؛ لأن الذي بينه وبين الميت أنثى لا يرث.
فللجد والأب ثلاث حالات:
الأولى: أن يوجد ذكور من الفروع، الثانية: أن يوجد إناث من الفروع، الثالثة: ألا يوجد أحد من الفروع.
ففي الحال الثالثة: إذا لم يكن مع أحدهما أحد من الفروع فإنه يرث بالتعصيب ولا يرث بالفرض.
مثال ذلك: هلك هالك عن زوجة وأب، للزوجة الربع وللأب الباقي؛ لأنه عاصب.
هلك عن أخ شقيق وأب، للأب كل المال؛ لأنه عاصب والعاصب يرث بلا تقدير، وفي الحال الثانية: إذا كان مع الأب