الخلقة طاهر، لا أن نقول: وما دونها، لأن الفرع لا بُدَّ أن يكون مساوياً للأصل، ولا يظهر قياس ما دونها عليها قياساً أولوياً.
وظاهر كلامه: أن ما كان قَدْرها من السِّباع التي لا تؤكل نجس.
والرَّاجح: أن العِلَّة التي يجب أن تُتَّبع مَا علَّل به النبيُّ ﷺ وهي: أنَّها من الطَّوافين علينا.
وعلى هذا: كلُّ ما يكثر التطواف على الناس؛ مما يشقُّ التَّحرُّز منه فحكمه كالهرَّة.
لكن يُستثنى من ذلك ما استثناه الشَّارع، وهو الكلب، فهو كثير الطَّواف على النَّاس، ومع ذلك قال النبيُّ ﷺ : «إذا ولغ الكلب في إِناء أحدكم، فليغسله سبعاً إِحداهن بالتُّراب» (١).
وسِبَاعُ البهائِم والطَّيْرِ، والحمارُ الأَهْلِيُّ، والبَغْلُ منه: نَجِسَةٌ.
قوله: «وسباع البهائم»، يعني: نجسة.
وسباع البهائم: هي التي تأكل وتفترس كالذِّئبِ، والضَّبُعِ، والنَّمِر، والفَهْدِ، وابن آوى، وابن عُرس، وما أشبه ذلك مما هو أكبر من الهِرَّة.
قوله: «والطير»، أي: وسباع الطَّير كالنسر، التي هي أكبر من الهرة.
قوله: «والحمارُ الأهليُّ»، احترازاً من الحمار الوحشيِّ، لأن الوحشيَّ حلالُ الأكل فهو طاهر.
стр. 457
وأما الأهليُّ فهو محرَّمٌ نجِسٌ كما في حديث أنس ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ أمر أبا طلحة ﵁ أن يِناديَ يومَ خيبر: «إِنَّ الله وَرسولَه ينهيانكم عن لحوم الحُمُر الأهليَّة، فإِنها رجس أو نجس» (١).
قوله: «والبغل منه: نَجِسةٌ»، أي: من الحمار الأهليِّ، والبغل: دابَّة تتولَّد من الحمار إِذا نَزَا على الفرس.
وتعليل ذلك: تغليب جانب الحظر؛ لأن هذا البغل خُلِقَ من الفرس والحمار الأهليِّ، على وجه لا يتميَّز به أحدهما عن الآخر؛ فلا يمكن اجتناب الحرام إِلا باجتناب الحلال.
فإِن كان من حمار وحشيٍّ، كما لو نزا حمارٌ وحشيٌّ على فرس، فإِن هذا البغل طاهرٌ، لأن الوحشيَّ طاهرٌ، والفرسَ طاهرٌ، وما يتولَّدُ من الطاهر فهو طاهر.
وإذا كانت هذه الأشياء نجسة، فإن آسارَها ـ أي بقية طعامها وشرابها ـ نجسة.
فلو أن حماراً أهليًّا شرب من إِناء، وبقي بعد شربه شيء من الماء، فإِنه نجس على كلام المؤلِّف.
وذهب كثيرٌ من أهل العلم إِلى أن آسار هذه البهائم طاهرةٌ إِذا كانت كثيرةَ الطَّواف علينا (٢).
стр. 458
وعلَّلوا: بأن هذا يشقُّ التَّحرُّز منه غالباً، فإِنَّ النَّاس في البادية تكون أوانيهم ظاهرةً مكشوفةً، فتأتي هذه السِّباعُ فتردُ عليها، وتشرب. فلو ألزمنا النَّاس بوجوب إراقة الماء، ووجوب غسل الإِناء بعدها لكان في ذلك مشقَّة.
والأحاديثُ في ذلك فيها شيء من التَّعارض. فبعضها يدلُّ على النَّجاسة، وبعضها يدلُّ على الطَّهارة ....
فممَّا وَرَدَ يدلُّ على الطَّهارة، حديث القُلَّتين الذي رواه ابن عمر ﵄ أن النبيَّ ﷺ سُئِلَ عن الماء، وما ينوبُه من السِّباع؟ فقال: «إِذا بلغ الماء قُلَّتين لم يحمل الخَبَث» (١)، ولم يقل بأن هذه طاهرة، بل جعل الحكم منوطاً بالماء، وأنه إِذا بلغ قُلَّتين لم يحمل الخبث، فدلَّ ذلك على أن ورود هذه السِّباع على الماء يجعله خبيثاً لولا أن الماء بلغ قلتين.
وفيه أحاديث أخرى، وإن كان فيها ضعف، لكن لها عِدَّة طرق تدلُّ على أن آسار البهائم طاهرة، حيث سُئِلَ النبيُّ ﷺ عن ذلك فقال: «لها ما حملت في بطونها، ولنا ما غَبَرَ طَهور» (٢)، وهذا يدلُّ على الطهارة.
ويمكن الجمع بين الحديثين، فيُقالُ: إِن كان الماء كثيراً لا
стр. 459
يتغيَّر بالشُّرب فلا بأس به، ويكون طَهوراً. وإِن كان يسيراً، وتغيَّر بسبب شربها منه؛ فإِنه نجس.
وقال ابن قدامة ﵀: إِنَّ الحمار والبغل طاهران (١)؛ لأنَّ الأمة تركبهما، ولا يخلو ركوبهما من عَرَقٍ، ومن مطر ينزل، وقد تكون الثياب رطبة، أو البدن رطباً، ولم يأمر النبيُّ ﷺ أمَّته بالتحرُّز من ذلك. وهذا هو الصَّحيح.
وعلى هذا فسؤرهما، وعرقهما، وريقهما، وما يخرج من أنفهما طاهر، وهذا يؤيِّد ما سبق أنْ ذكرناه في حديث أبي قتادة في الهِرَّة (٢)، فإِن الحمار بلا شكٍّ من الطَّوافين علينا، ولا سيَّما أهل الحُمُر الذين اعتادوا ركوبها، فالتحرُّز منها شاقٌّ جدًّا.
فإِن قيل: الكلاب أيضاً لمن له اقتناؤها كصاحب الزَّرع، والماشية والصَّيد، يكثر تطوافها عليهم؟
فالجواب: أنَّ الكلاب فيها نصٌّ أخرجها وهو قوله ﷺ : «إِذا ولغ الكلب … »، الحديث (٣).
وهذا يدلُّ على نجاسة سؤر الكلب، حتى وإِن كان من الطَّوَّافين .....
стр. 460
بابُ الحَيْضِ
هذا الباب من أصعب أبواب الفقه عند الفقهاء، وقد أطالوا فيه كثيراً.
وفيما يبدو لنا أنَّه لا يحتاج إِلى هذا التَّطويل والتفريعات والقواعد التي أطال بها الفقهاء ﵏ والتي لم يكن كثيرٌ منها مأثوراً عن الصَّحابة ﵃.
فالمرأة إذا جاءها الحيض تركت الصَّلاة ونحوها، وإِذا طَهُرَتْ منه صلَّت، وإِذا تنكَّر عليها لم تجعله حيضاً.
فقواعده في السُّنَّة يسيرة جدًّا، ولهذا كانت الأحاديث الواردة فيه غير كثيرة.
ولكن بما أننا نقرأ كلام الفقهاء، فيجب علينا أن نعرف ما قاله الفقهاء ﵏ في هذا الباب، ثم نعرضه على كتاب الله وسُنَّة رسوله ﷺ ، فما وافق الكتاب والسُّنَّة أخذناه، وما خالفهما تركناه، وقلنا: غفر الله لقائله.
الحيض في اللُّغة: السَّيلان، يُقال: حَاضَ الوادي إِذا سال.
وفي الشَّرع: دم طبيعة يصيب المرأة في أيام معلومة إِذا بلغت. خلقه الله تعالى لحكمة غذاء الولد، ولهذا لا تحيض الحامل في الغالب، لأن هذا الدَّم ـ بإِذن الله ـ ينصرف إِلى الجنين عن طريق السُّرَّة، ويتفرَّق في العروق ليتغذَّى به، إِذ إِنه لا يمكن أن يتغذَّى بالأكل والشُّرب في بطن أمه، لأنه لو تغذَّى بالأكل والشُّرب
стр. 461
لاحتاج غذاؤه إلى الخروج. هكذا قال الفقهاء (١) ﵏.
والحيض دم طبيعة، ليس دماً طارئاً أو عارضاً، بل هو من طبيعة النساء لقول النبي ﷺ لعائشة ﵂: «إِنَّ هذا أَمْرٌ كتبه اللَّهُ على بنات آدم» (٢) أي كتبه قَدَراً، بخلاف الاستحاضة فهي دم طارئ عارض كما قال النبيُّ ﷺ في الاستحاضة: «إِنها دَمُ عِرْق» (٣). فإِذا عرف الإِنسان أنه مكتوب عليه وعلى غيره، فإِنَّه يهون عليه.
والدِّماء التي تصيب المرأة أربعةٌ: الحيضُ، والنِّفاس، والاستحاضةُ، ودَمُ الفساد، ولكلٍّ منها تعريفٌ وأحكامٌ كما سيأتي إِن شاء الله تعالى.
فالحيض دمُ طبيعةٍ كما سبق، وهل له حدٌّ في السِّنِّ، ابتداءً وانتهاءً، وكذا في الأيام؟.
المعروف عند الفقهاء أنَّ له حدًّا. والصَّحيح: أنَّه ليس له حدٌّ.
لَا حَيْضَ قَبْلَ تسعِ سِنين، ............
قوله: «لا حَيضَ قبل تسع سنين»، أي: لا حيض شرعاً قبل
стр. 462
تسع سنين، فإِن حاضت قبل تمام التِّسع فليس بحيض، حتى وإِن حاضت حيضاً بالعادة المعروفة، وبصفة الدَّم المعروف، فإنه ليس بحيض، بل هو دم عِرْق، ولا تثبت له أحكامُ الحيض.
وقوله: «قبل تسع سنين» أي انتهاؤها، فإِذا حاضت من لها تسعٌ، فليس بحيض، وبعد التِّسع حيض.
ومن المأثور عن الشَّافعي ﵀: أنه رأى جَدَّة لها إِحدى وعشرون سنة (١).
ويُتصوَّر هذا بأن تحيض لتسع سنين، وتلد لعشر، وبنتها تحيض لتسع، وتلد لعشر، فهذه عشرون سَنَة، وسَنَة للحمل، فتضع مولوداً، فهذه إِحدى وعشرون سَنَة.
ولا بَعْدَ خَمْسِينَ، ..............
قوله: «ولا بعد خمسين»، أي ولا حيض بعد تمام خمسين سنة، فلو أنَّ امرأة استمرَّ بها الحيض على وتيرة وطبيعة واحدة بعد تمام الخمسين فليس بحيض.
مثاله: امرأة تُتِمُّ خمسين سنة في شهر ربيع الأول، وفي شهر ربيع الثاني جاءها الحيض على عادتها، فعلى كلام المؤلِّف ليس بحيض، لأنَّه لا حيض بعد الخمسين.
ولا فرق عندهم بين المرأة الأعجميَّة، ولا العربيَّة، ولا الصَّحيحة، ولا المريضة، ولا المرأة التي تأخَّر ابتداءُ حيضها، ولا التي تقدَّم.
стр. 463
واستدلُّوا على ذلك: بأن هذا ليس معروفاً عادة، فالعادة الغالبةُ ألا تحيض قبل تمام تسعِ سنين، ولا بعد خمسين سنة.
والعادة والغالب لها أثرٌ في الشَّرع، فالرَّسولُ ﷺ قال للمستحاضة: «امكُثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك» (١)، فَرَدَّها إِلى العادة.
وقال شيخُ الإِسلام (٢)، وابنُ المنذر، وجماعةٌ من أهل العلم (٣):
إِنه لا صحَّة لهذا التَّحديد، وأن المرأة متى رأت الدَّم المعروف عند النِّساء أنه حيض؛ فهو حيض؛ صغيرةً كانت أم كبيرةً، والدَّليل على ذلك ما يلي:
١ - عموم قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيْضِ قُلْ هُوَ أَذىً﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فقوله: ﴿قُلْ هُوَ أَذىً﴾ حكمٌ معلَّقٌ بِعلَّة، وهو الأذى، فإِذا وُجِدَ هذا الدَّمُ الذي هو الأذى ـ وليس دم العِرْق ـ فإِنَّه يُحكمُ بأنه حيضٌ.
وصحيحٌ أن المرأة قد لا تحيضُ غالباً إلا بعد تمام تسع سنين، لكن النِّساء يختلفن، فالعادةُ خاضعةٌ لجنس النِّساء، وأيضاً للوراثة، فمن النساء من يبقى عليها الطُّهر أربعة أشهر، ويأتيها الحيض لمدَّة شهر كامل، كأنه ـ والله أعلم ـ ينحبس، ثم يأتي جميعاً.
стр. 464
ومن النِّساء من تحيض في الشهر ثلاثة أيام، أو أربعة، أو خمسة، أو عشرة.
٢ - قوله تعالى: ﴿وَاللَاَّّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَاَّّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]، أي: عِدَّتهن ثلاثةُ أشهر، ولم يقل: واللائي قبل التسع أو بعد الخمسين، بل قال: واللائي يئسن من المحيض واللائي لم يحضن، فالله سبحانه رَدَّ هذا الأمر إِلى معقول معلَّل، فوجب أن يثبت هذا الحكم بوجود هذه الأمور المعقولة المعلَّلة، وينتفي بانتفائها، والمرأة التي حاضت في آخر شهر من الخمسين، وأوَّل شهر من الحادية والخمسين غير آيسة، فهو حيضٌ مطَّردٌ بعدده وعدد الطُّهر بين الحيضات ولا اختلاف فيه، فمن يقول بأنَّ هذه آيسة؟!.
والله علَّق نهاية الحيض باليأس، وتمام الخمسين لا يحصُل به اليأس إِذا كانت عادتُها مستمرَّةٌ، فتبيَّن أنَّ تحديد أوَّله بتسع سنين، وآخره بخمسين سَنَة لا دليل عليه.
فالصَّواب: أنَّ الاعتماد إِنَّما هو على الأوصاف، فالحيض وُصِفَ بأنَّه أذى، فمتى وُجِدَ الدَّمُ الذي هو أذىً فهو حيض.
فإِن قيل: هل جرت العادة أن يذكر القرآن السَّنوات بأعدادها؟.
فالجواب: نعم، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف: ١٥]، ولو كانت مدَّة الحيض معلومة بالسَّنوات لبيَّنه الله تعالى، لأنَّ التَّحديدَ بالخمسين أوضحُ من التحديد بالإِياس.
стр. 465
ولا مع حَمْلٍ، ............
قوله: «ولا مع حَمْلٍ»، أي: لا حيض مع الحمل، أي حال كونها حاملاً. والدَّليل من القرآن، والحسِّ.
أما القرآن: فقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَاللَاَّّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَاَّّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]، أي: عدتهن ثلاثة أشهر.
وقال تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، فدلَّ هذا على أنَّ الحامل لا تحيض، إِذ لو حاضت، لكانت عِدَّتها ثلاث حِيَضٍ، وهذه عِدَّة المطلقة.
وأما الحِسُّ: فلأَنَّ العادة جرت أنَّ الحامل لا تحيض، قال الإِمام أحمد ﵀: «إِنما تعرف النساء الحمل بانقطاع الدَّم» (١).
وقال بعض العلماء: إِن الحامل قد تحيض إِذا كان ما يأتيها من الدَّم هو الحيض المعروف المعتاد (٢).
واستدلُّوا: بما أشرنا إِليه من أنَّ الحيض أذىً، فمتى وُجِدَ هذا الأذى ثبت حكمه.
وأما إِلغاء الاعتداد بالحيض بالنسبة للحامل، فليس من أجل أنَّ ما يصيب المرأة من الدَّم ليس حيضاً، ولكن لأنَّ الحيض لا يصحُّ أن يكون عدةً مع الحمل، لأن الحمل يقضي على ما عداه
стр. 466
من العِدد، إِذ يُسمَّى عند الفقهاء ﵏ «أمُّ العِدد» (١)، ولهذا لو مات عن امرأته، ووضعت بعد ثلاث ساعات أو أقلَّ من موته، فإِن العِدَّة تنقضي، بينما المُتوفَّى عنها زوجُها بلا حمل عِدَّتها أربعة أشهر وعشر، فلو حاضت الحامل المطلَّقة ثلاث حِيَضٍ مطَّردة كعادتها تماماً، فإِنَّ عدَّتها لا تنقضي بالحيض.
ولذا كان طلاق الحامل جائزاً، ولو وطئها في الحال، لأنها تَشْرَعُ في العِدَّة من فور طلاقها، فليس لها عِدَّةُ حيضٍ، ويقع عليها الطَّلاق.
فالرَّاجح: أن الحامل إِذا رأت الدَّم المطَّرد الذي يأتيها على وقته، وشهره؛ وحاله؛ فإِنه حيضٌ تترك من أجله الصَّلاة، والصَّوم، وغير ذلك، إِلا أنه يختلف عن الحيض في غير الحمل بأنه لا عِبْرَة به في العِدَّة، لأن الحمل أقوى منه.
والحيض مع الحمل يجب التحفُّظ فيه، وهو أنَّ المرأة إِذا استمرت تحيضُ حيضَها المعتاد على سيرته التي كانت قبل الحمل فإِنَّنا نحكم بأنه حيض.
أما لو انقطع عنها الدَّم، ثم عاد وهي حاملٌ، فإِنَّه ليس بحيضٍ.
وأقَلُّهُ يومٌ وليلةٌ، وأَكْثَرُه خَمْسَةَ عَشَرَ يوماً، ..........
قوله: «وأقلُّه يومٌ وليلة»، يعني: أقلَّ الحيض يومٌ وليلةٌ، والمراد أربعٌ وعشرون ساعة. هذا أنهى شيء في القلَّة، فلو أنها رأت الحيض لمدَّة عشرين ساعة وهو المعهود لها برائحته، ولَونه،
стр. 467
وثخونته، فليس حيضاً، فما نَقَصَ عن اليوم والليلة، فليس بحيض. هذا المذهب.
واستدلُّوا: بأن العادة لم تجرِ أن يوجد حيضٌ أقلُّ من يوم وليلة، فإِذا لم يوجد عادة، فليكن أقلُّه يوماً وليلة.
وهذا ليس بدليل، لأن من النِّساء من لا تحيض أصلاً، ومنهن من تحيض ساعات ثم تطهر، فالصحيح: أنه لا حَدَّ لأقلِّه.
قوله: «وأكثَرُه خَمْسَةَ عَشَرَ يوماً»، أي: أكثر الحيض، وهذا المذهب.
واستدلُّوا: بالعادة، وهو أن العادة أن المرأة لا يزيد حيضها على خمسة عشر يوماً، ولأنَّ ما زاد على هذه المدَّة فقد استغرق أكثر الشهر، ولا يمكن أن يكون زمن الطُّهر أقلَّ من زمن الحيض.
فإِذا كان سِتَّة عشر يوماً، كان الطُّهر أربعة عشر يوماً، ولا يمكن أن يكون الدَّم أكثر من الطُّهر، وعند العلماء أن الدَّم إِذا أطبق على المرأة وصار لا ينقطع عنها، فإِنها تكون مستحاضة، فأكثر الشَّهر يجعل له حُكْم الكُلِّ، ويكون الزَّائد على خمسة عشر يوماً استحاضة، فكلُّ امرأة زاد دمها على خمسة عشر يوماً يكون استحاضة.
وإِذا سَأَلت المرأة عن دم أصابها لمدَّة عشرين ساعة، هل تقضي ما عليها من الصَّلاة التي تركتها في هذه المدَّة؟.
فالجواب: عليها القضاء؛ لأنَّ هذا ليس بحيض، فهي قد جلست في زمن طُهْر.
стр. 468
وإِذا سَأَلت عن دم زاد على خمسة عشر يوماً؟
فالجواب أن نقول: إِنك مستحاضة، فلا تجلسي هذه المدَّة، وما ليس بحيض مما هو دون اليوم والليلة، أو مع الحمل، فليس استحاضة، ولكن له حُكم الاستحاضة، ومن الفقهاء من يُطْلِق عليه بأنَّه دَمُ فساد (١).
والصَّحيح في ذلك أيضاً: أنه لا حَدَّ لأكثره؛ فمن النِّساء من تكون لها عادة مستقرَّة سبعة عشر يوماً؛ أو ستة عشر يوماً، فما الذي يجعل الدَّم الذي قبل الغروب من اليوم الخامس عشر حيضاً، والدَّم الذي بعد الغروب بدقيقة واحدة استحاضة مع أن طبيعته ولونه وغزارته واحدة، فكيف يقال: إِنه بمضيِّ دقيقة أو دقيقتين تحوَّل الدَّم من حيض إِلى استحاضة بدون دليل. ولو وُجِدَ دليل على ما قالوا لسَلَّمنا.
فإِذا كان لها عادة مستمرَّة مستقرَّة سبعة عشر يوماً ـ مثلاً ـ قلنا: هذا كله حيض.
أما لو استمرَّ الدَّم معها كُلَّ الشَّهر؛ أو انقطع مدَّة يسيرة كاليوم واليومين، أو كان متقطِّعاً يأتي ساعات، وتطهُر ساعات في الشَّهر كلِّه، فهي مستحاضة؛ وحينئذ نعاملها معاملة المستحاضة كما سيأتي إِن شاء الله تعالى (٢).
وغَالِبُهُ ستٌّ، أو سَبْعٌ، وأَقَلُّ الطُّهرِ بين الحَيضَتَيْن ثَلاثَة عَشَرَ يوماً ............
قوله: «وغَالِبُهُ ستٌّ، أو سَبْعٌ»، أي غالب الحيض ستُّ ليال أو سبع.
стр. 469
وهذا صحيح؛ لثبوت السُّنَّة به؛ حيثُ قال ﷺ للمستحاضة: «فَتَحيَّضِي ستَّة أيَّامٍ، أو سبعة أيَّام في علم الله، ثم اغتسلي» (١).
وهذا أيضاً هو الواقع، فإِنه عند غالب النساء يكون ستًّا، أو سبعاً.
قوله: «وأَقَلُّ الطُّهرِ بين الحَيْضَتَين ثَلاثَة عشَرَ يوماً»، وكذا لو أتاها بعد عشرة أيام بعد طُهْرِها، فليس بحيض، فما تراه قبل ثلاثة عشر يوماً ليس بحيض، لكن له حُكْم الاستحاضة.
والدَّليل على ذلك: ما رُويَ عن عليِّ ﵁ أن امرأة جاءت، وقالت: إِنها انْقَضَت عدَّتُها في شهر، فقال علي لشُرَيحٍ: «اقْضِ فيها»، فقال: «إِن جاءت ببيِّنة من بطانة أهلها ممن يُعرف دينه وخلقه فهي مقبولة، وإِلا فلا. قال علي: «قالون» أي جيِّد بالرُّومية (٢).
стр. 470
لأنَّه إِذا كان لها شهر، وادَّعَتْ انتهاء العِدَّة، فهذا بعيد، فاحتاجت إِلى بيِّنة.
ويُتصوَّر أن تحيض ثلاث مرَّات خلال شهر كما يلي: تحيض يوماً وليلة، وتطهر ثلاثة عشر يوماً، فمضى من الشهر أربعة عشر يوماً، ثم تحيض يوماً وليلة، فبقي الآن أربعة عشر يوماً بالتأكيد، أو خمسة عشر يوماً، ثم طَهُرَتْ ثلاثة عشر يوماً، بقي الآن يوم أو يومان، ثم حاضت يوماً وليلة الحيضة الثالثة، فانتهت العِدَّة، وهذا نادر جدًّا.
والمرأة إِذا ادَّعت انتهاء العِدَّة بالحيض، فإِن كان بزمن معتاد، قُبِلَ قولُها كما لو ادَّعت انتهاء عدَّة الطَّلاق بالحيض بشهرين ونصف، فيُقبَلُ قولُها بلا بينة، لأن الله جعل النِّساء مؤتمنات على عدَدهنَّ فقال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
ولو ادَّعت مطلَّقةٌ انتهاء العِدَّة بعد ثمانية وعشرين يوماً؛ فهذه تُرَدُّ ولا تُسمَعُ دعواها؛ ولو كانت من أصدق النِّساء؛ لأنَّ هذا مستحيل، مادمنا قعَّدنا قواعد أنَّ أقلَّ الحيض يومٌ وليلةٌ، وأقلَّ الطُّهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً، فلا يمكن أن تنقضي بثمانية وعشرين يوماً.
ولو ادَّعت بعد مضيِّ شهر؛ أي: تسعة وعشرين يوماً إِلى ثلاثين انتهاء العِدَّة، فهذه تُسمَعُ دعواها، أي: يَلتفتُ القاضي لها
стр. 471
وينظر في القضية، ولا يقبل قولَها إِلا ببيِّنَةٍ.
والصَّحيح: أنه لا حدَّ لأقلِّ الطُّهر كما اختاره شيخ الإِسلام (١)، ومالَ إِليه صاحب «الإِنصاف»، وقال: «إِنه الصَّواب» (٢).
ولا حدَّ لأكثرِهِ، ..........
قوله: «ولا حدَّ لأكثره»، أي: لا حدَّ لأكثر الطُّهر بين الحيضتين، لأنه وُجِدَ من النساء من لا تحيض أصلاً، وهذا صحيحٌ.
وتَقْضي الحائِضُ الصَّوْمَ، لا الصَّلاةَ، ولا يَصِحَّان مِنْهَا، بل يَحْرُمَانِ، ............
قوله: «وتقضي الحائض الصَّوم، لا الصَّلاة»، استفدنا من هذه العبارة أربعةَ أحكام:
الأول: أنَّها لا تصوم.
الثاني: أنَّها لا تُصلِّي.
الثَّالث: أنَّها تقضي الصوم.
الرَّابع: أنَّها لا تقضي الصَّلاة.
أما الأول والثَّاني، فاستفدناهما بدلالة الالتزام والإِشارة؛ لأنَّ من لازم قوله: «تقضي» أنها لم تفعل.
وأما الثَّالث والرَّابع، فاستفدناهما من منطوق كلام المؤلِّف، والدِّلالة عليه من باب دَلالة المطابقة.
والدَّليل عليه ما يلي:
١ - أنَّ النبيَّ ﷺ لما سألته النِّساء: وما نُقصانُ ديننا وعقلنا
стр. 472
يا رسول الله؟ قال: « … أليس إِذا حاضت لم تُصَلِّ ولم تَصُمْ؟»، قُلن: بلى، قال: «فذلك من نقصان دينها» (١).
٢ - أن عائشة ﵂ سُئِلتْ ما بَالُ الحائض تقضي الصَّوم، ولا تقضي الصَّلاة؟ قالت: «كان يصيبنا ذلك على عهد رسول الله ﷺ فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصَّلاة» (٢).
٣ - أن الإِجماع قائم على ذلك.
فإِن قيل: ما الحكمة أنَّها تقضي الصَّوم، ولا تقضي الصَّلاة؟.
قلنا: الحكمة قول الرَّسول ﷺ كما سبق. واستنبط العلماء ﵏ لذلك حكمة، فقالوا: إِن الصَّوم لا يأتي في السَّنة إِلا مَرَّةً واحدة، والصَّلاة تتكرَّر كثيراً، فإِيجاب الصَّوم عليها أسهل، ولأنها لو لم تقضِ ما حصل لها صومٌ.
وأمَّا الصَّلاة فتتكرَّر عليها كثيراً، فلو ألزمناها بقضائها لكان ذلك عليها شاقًّا.
ولأنَّها لن تعدم الصَّلاة لتكرُّرِها، فإِذا لم تحصُل لها أوَّل الشَّهر حصلت لها آخره (٣).
قوله: «ولا يَصحَّان منها»، أي: لا يصحُّ منها صومٌ، ولا صلاةٌ. فلو أنها تذكَّرت فائتةً قبل حيضها، ثم قضتها حال الحيض
стр. 473
لم تبرأ ذمَّتُها بذلك، وإِنّما مَثَّلتُ بالفائتة لأنَّها واجبةٌ عليها، أما الحاضرة فليست واجبةً عليها.
وكذا لو قالت: أحبُّ الصَّوم مع النَّاس وأتحفَّظ حتى لا ينزل الدَّم، فصامت؛ فصومُها غيرُ صحيح للحديث السَّابق.
قوله: «بل يحرمان»، أي: الصَّوم والصَّلاة.
وتعليل ذلك: أنَّ كلَّ ما لا يصح فهو حرام.
قال ﷺ : «كلُّ شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإِن كان مائة شرط» (١).
ويَحْرُمُ وطؤُها في الفَرْج، فإِن فعل فعليه دينارٌ، أو نِصْفُهُ كفَّارةٌ، ويَسْتَمْتِعُ منها بما دُونَه ....
قوله: «ويحرم وطؤها في الفرج»، أي يحرم وطء الحائض في فرجها.
والحرام: ما نُهِيَ عنه على سبيل الإِلزام بالترك.
وحكمه: يُثاب تاركُه امتثالاً، ويستحقُّ العقابَ فاعلُه.
والدَّليل على تحريم وطء الحائض في الفَرْج:
١ - قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيْضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
والمحيض: مكان وزمان الحيض، أي: في زمنه ومكانه وهو الفَرْج، فما دامت حائضاً فوطؤها في الفَرْج حرام.
٢ - قوله ﷺ لما نزلت هذه الآية: «اصنعوا كلَّ شيءٍ إِلا
стр. 474
النِّكاح» (١)، أي: إِلا الوَطء.
قوله: «فإِن فعل»، أي: وَطئها في الفَرْج.
قوله: «فعليه دينار، أو نصفه كفَّارة»، أي: يجب عليه دينار أو نصفه كفَّارة.
والدِّينار: العُملة من الذَّهب، وزِنةُ الديِّنار الإِسلاميِّ مثقالٌ من الذهب، والمثقالُ غرامان وربع، والجنيه السعودي: مثقالان إِلا قليلاً، فنصف جنيه سعودي يكفي، فيُسأل عن قيمته في السُّوق.
فمثلاً: إِذا كان الجنيه السعودي يساوي مائة ريال، فالواجب خمسون أو خمسة وعشرون ريالاً تقريباً، ويُدفع إِلى الفقراء.
وقوله: «أو نِصْفُه» أو: للتخيير، فيجب عليه أن يتصدَّق بدينار، أو نصفه، لأنَّ الأصل في «أو» أنها للتخيير.
والدَّليل على ذلك: ما رواه أهلُ السُّنن عن ابن عباس ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال في الذي يأتي امرأته وهي حائض: «يتصدَّق بدينار أو بنصف دينار» (٢).
стр. 475
واختلف العلماء في تصحيحه، فصحَّحه جماعةٌ من العلماء حتى قال الإِمام أحمد: ما أحسنه من حديث (١). وقال أبو داود لمَّا رواه: هذه هي الرِّواية الصَّحيحة (٢).
وضعَّفه بعض العلماء حتى قال الشَّافعيُّ ﵀: «لو ثبت هذا الحديث لَقُلْتُ به» (٣). ولهذا كان وجوبُ الكفَّارة من مفردات المذهب، والأئمة الثَّلاثة يرون أنَّه آثم بلا كفارة (٤).
والحديثُ صحيحٌ، لأنَّ رجالَه كلَّهم ثقاتٌ، وإِذا صحَّ فلا يضرُّ انفرادُ أحمد بالقول به.
فالصحيح: أنها واجبةٌ، وعلى الأقل نقولُ بالوجوب احتياطاً.
وهل على المرأة كفَّارة؟ سكت المؤلِّفُ عن ذلك.
стр. 476
فقيل: لا كفارة عليها (١)؛ لأنه ﷺ قال: «يتصدَّقُ بدينار؛ أو نصفه». وسكت عن المرأة.
وقيل: عليها كفَّارة كالرَّجل إِن طاوعته (٩٠٢).
وعلَّلوا: بأن الجنايةَ واحدةٌ، فكما أنَّ عليه ألاَّ يقربها، فعليها ألا تمكِّنه، فإِذا مكَّنته فهي راضيةٌ بهذا الفعل المحرَّم فلزمتها الكفَّارة.
وأيضاً: تجب عليها قياساً على بقية الوَطء المحرَّم، فهي إذا زنت باختيارها فإِنه يُقامُ عليها الحدُّ، وإِذا جامعها زوجُها في الحجِّ قبل التَّحلُّل الأول فسد حجُّها، وكذا إِذا طاوعته في الصِّيام فسد صومُها ولزمتها الكفارة.
وسكوتُ النبيِّ ﷺ عن المرأة لا يقتضي الاختصاص بالرَّجل، لأن الخطاب الموجَّه للرِّجال يشمَل النِّساء، وبالعكس، إِلا بدليل يقتضي التَّخصيص.
ولا تجب الكفَّارة إِلا بثلاثة شروط:
١ - أن يكون عالماً.
٢ - أن يكون ذاكراً.
٣ - أن يكون مختاراً.
فإِن كان جاهلاً للتّحريم، أو الحيضِ، أو ناسياً، أو أُكرهت المرأةُ، أو حَصَلَ الحيضُ في أثناء الجماع، فلا كفَّارة، ولا إِثم.
قوله: «ويستمتعُ منها بما دُونه»، أي يستمتعُ الرَّجل من الحائض بما دون الفَرْج.
стр. 477
فيجوز أن يستمتعَ بما فوق الإِزار، وبما دون الإزار، إِلا أنَّه ينبغي أن تكون متَّزرة؛ لأنَّه ﷺ كان يأمر عائشة ﵂ أن تَتَّزِرَ فيباشرها وهي حائض (١)، وأَمْرُه ﷺ لها بأن تتَّزِرَ لئلاَّ يَرى منها ما يكره من أثر الدَّم، وإِذا شاء أن يستمتع بها بين الفخذين مثلاً، فلا بأس.
فإِن قيل: كيف تجيب عن قوله ﷺ لما سُئِلَ ماذا يَحِلُّ للرَّجُل من امرأته وهي حائض؟ قال: «لك ما فوق الإِزار» (٢)، وهذا يدلُّ على أن الاستمتاع يكون بما فوق الإِزار.
فالجواب عن هذا بما يلي:
стр. 478
١ - أنَّه على سبيل التنزُّه، والبعد عن المحذور.
٢ - أنه يُحمَلُ على اختلاف الحال، فقولُه ﷺ : «اصنعوا كلَّ شيء إِلا النكاح» (١)، هذا فيمن يملك نفسه، وقوله ﷺ : «لك ما فوق الإِزار»، هذا فيمن لا يملك نفسه إِما لقلَّة دينه أو قوَّة شهوته.
وإِذا استمتع منها بما دون الفَرْج فلا يجب عليه الغُسْل إِلا أن يُنزِلَ. والمرأة إِذا أنزلت وهي حائض استُحِبَّ لها أن تغتسل للجنابة، لئلا يبقى عليها أثر الجنابة، سواء حَدَثت لها الجنابة بعد الحيض كما لو احتلمت، أو كانت على جنابة حين الحيض، هكذا قال العلماء (٢)، وتستفيد من هذا الغسل استباحة قراءة ما تحتاجه من القرآن كالأوراد والتَّعلُّمِ والتَّعليم.
وإِذا انقَطَعَ الدَّمُ، ولم تغتسلْ لم يُبَحْ غَيْرُ الصِّيامِ، والطَّلاقِ.
قوله: «وإِذا انقطع الدَّم ولم تغتسل لم يُبَحْ غير الصيِّام والطَّلاق».
يعني: إِذا انقطع الدَّمُ ولم تغتسل؛ بقي كلُّ شيء على تحريمه إِلا الصِّيامَ، والطَّلاقَ.
أما الصِّيام فقالوا: لأنها إِذا طَهُرَتْ صارت كالجُنُبِ تماماً، والجُنُبُ يصحُّ منه الصِّيامُ بدلالة الكتاب والسُّنَّة:
فالكتاب قوله تعالى: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ
стр. 479
الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وإِذا جاز الجِمَاع إِلى طُلوع الفجر لزمَ من ذلك أن يصبحَ جُنُباً.
والسُّنَّة ما روته عائشةُ أن النبيَّ ﷺ كان يصبحُ جُنُباً من جماعٍ غير احتلامٍ، في رمضان ثم يصوم (١).
ولم يذكر المؤلِّف فيما سبق تحريم الطَّلاق، لكن يُفْهَمُ من قوله هنا: «لم يُبَحْ غير الصِّيام والطَّلاق»، أنه محرَّمٌ.
والدَّليل على جواز الطَّلاق بعد انقطاع الدم قوله ﷺ : «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثم لِيُطَلِّقْهَا طاهراً أو حاملاً» (٢)، والمرأة تَطْهُرُ بانقطاع الدَّم.
فإِن قيل: هل يجوز الجِمَاع؟
فالجواب: لا، والدَّليلُ على هذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
فإِن قيل: المرأة إِذا كان عليها جنابةٌ جاز أن تُجَامَعَ قبل الغُسل فكذلك هذه أيضاً؟.
فالجواب: أن هذا قياسٌ في مقابلة النَّصِّ، فلا يُعتَبَرُ.
فإن قيل: المراد بقوله: «تَطَهَّرْنَ» أي: غَسَّلْنَ أثرَ الدَّم؟.
стр. 480
الجواب: أنَّ هذا قال به بعضُ العلماء كابن حزم ﵀ (١)، ولكن نقول: إن المراد بالتطهُّر هو التطهُّر من الحَدَث، وهذا لا يكون إِلا بالاغتسال، والدَّليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾.
والمُبْتَدَأَةُ تَجْلِسُ أَقَلَّه، ثُمَّ تَغْتَسلُ، وتُصَلِّي، فإن انقَطَع لأكْثَره فَمَا دُون، اغْتَسلَتْ عِنْدَ انقطاعِهِ، ...........
قوله: «والمُبْتَدَأةُ تجلس أقلَّه، ثم تغتسلُ وتصلِّي»، بدأ ﵀ ببيان الدِّماء التي تكون حيضاً، والتي لا تكون حيضاً.
والمُبْتَدأةُ: هي التي ترى الحيضَ لأوَّل مرَّة، سواءٌ كانت صغيرةً، أم كبيرة لم تحضْ من قبلُ ثم أتاها الحيضُ.
ومعنى قوله: «تجلسُ»، أي: تدعُ الصَّلاةُ والصِّيام، وكلَّ شيء لا يُفْعَلُ حال الحيض.
وقوله: «أقلَّه»، أي: أقلَّ الحيض وهو يومٌ وليلةٌ.
وقوله: «ثم تغتسل وتُصلِّي».
أي: بعد أن يمضي عليها أربعٌ وعشرون ساعة، تغتسلُ وتُصلِّي ولو لم يتوقَّف الدَّمُ.
وعلَّلوا: بأنَّ أقل الحيض هو المتيقَّنُ، وما زاد مشكوكٌ فيه، فيجب عليها أن تجلس أقلَّ الحيض.
وقوله: «وتصلِّي»، أي: المفروضة. وظاهر كلامه حتى النَّوافل، وهل هذا الظَّاهر مرادٌ؟.
الذي يظهر لي: أنَّه إِنْ كان مراداً فهو ضعيف، لأنَّ صلاتها
стр. 481
الآن من باب الاحتياط، فيجب عليها أن تقتصر على الفرائض، إِذ الأصل أنَّ هذا الدَّمَ دمُ حيض، أمَّا النَّافلة فليس فيها احتياط، لأنَّ الإِنسان لا يأثم بتركها، فلا حاجة للاحتياط فيها.
وعلى هذا ينبغي أن يُحمَلَ قولُه: «وتصلِّي»، أي: المفروضة، لأنها هي التي يُخشى أن تأثم بتركها بخلاف النَّافلة.
وتصوم الصَّوم الواجب؛ كما لو ابتدأ بها في رمضان؛ فتجلس يوماً وليلة، ثم تصوم من باب الاحتياط.
قوله: «فإِن انقطعَ لأكْثَره فما دُون اغتسلت عند انقطاعه»، أي: انقطع الدّم لأكثر الحيض كخمسة عشر يوماً، فما دونه كعشرة أيام، إِن لم ينقصْ عن يوم وليلة.
وسنقرِّر المذهب حتى نعرفه، ثم نرجع إِلى القول الرَّاجح.
مثال ذلك: امرأة جلست يوماً وليلةً، ثم اغتسلت، وصارت تُصلِّي وتصوم الواجب، فانقطع لأكثره فأقل، فمثلاً: انقطع لعشرة أيام، فتغتسل مرَّةً أخرى، ولهذا قال: «اغتسلت عند انقطاعه» وهذا على سبيل الوجوب؛ لاحتمال أن يكون الزَّائدُ عن اليوم واللَّيلة حيضاً، فتغتسل احتياطاً، فهنا اغتسلت مرَّتين؛ الأولى عند تمام اليوم واللَّيلة، والثَّانية عند الانقطاع.
ولنفرض أنَّه في شهر «محرَّم» فعلت هذا الشيء؛ فإِذا جاء «صفر» تعمل كما عملت في «محرَّم»، فإِذا جاء الشهر الثَّالث وهو «ربيعٌ الأولُ» تعمل كما عملت في شهر «محرَّم» تجلس يوماً وليلة، ثم تغتسل وتُصلِّي وتصوم، فإِذا انقطع لعشرة أيام كما ذُكِرَ في المثال اغتسلت أيضاً ثانية وصلَّت، فالآن تكرَّر عليها ثلاثَ مرَّاتٍ.
стр. 482
فإنْ تَكرَّرَ ثلاثاً فَحَيْضٌ، وتَقْضِي ما وَجَبَ فيه، وإِن عَبَر أكْثَرَهُ فَمُسْتَحَاضَةٌ، فإن كان بعضُ دَمِهَا أَحْمَرَ، وبعضُه أسْودَ، .........
قوله: «فإِن تكرَّر ثلاثاً فحيضٌ»، كما في المثال السَّابق، فتكون عادتُها عشرةَ أيام، لكن ماذا تصنع بالنِّسبة لما بين اليوم والليلة إِلى اليوم العاشر؛ لأنها كانت تُصلِّي فيها وتصوم، وتبيَّن أنَّها أيَّامُ حيض؟
فيُقال: أمَّا بالنِّسبة للصَّلاة فإِنَّها وإِن لم تصحَّ منها؛ فإِنها لا تُقضى، لأنَّ الحائض لا تجب عليها الصَّلاةُ ولا تأثم بفعلها؛ لأنَّها فعلتها تعبُّداً لله واحتياطاً.
وتقضي الصَّوم، لأن تبينَّ أنَّها صامت في أيام الحيض، والصَّوم لا يصحُّ مع الحيض، لو فُرِضَ أنَّ هذا وَقَعَ في رمضان.
قوله: «وتقضي ما وَجَبَ فيه»، أي: تُقضَى كلُّ عبادة واجبة على الحائض؛ لا تصحُّ منها حال الحيض، كما في المثال السَّابق. وهذه قاعدةٌ.
فإِن قُدِّرَ أن هذا الحيض لم يتكرَّر بعدده ثلاثاً، أي: جاءها أول شهر عشرةٌ، والشهرُ الثاني ثمانيةٌ، والثالث ستةٌ، فالسِّتةُ هنا هي الحيض فقط، ففي الشَّهر الرَّابع إِن تكرَّرت الثمانية ثلاث مرَّات صارت عادتُها ثمانية، وفي الشهر الخامس إِن تكرَّرت العشرة ثلاثاً صارت عادتها عشرة، فما تكرَّر ثلاثاً فهو حَيضٌ.
قوله: «وإِن عَبَر أكثره فمستحاضةٌ»، «عبر» أي جاوز، «أكثرَه»، أي: أكثر الحيض وهو خمسة عشر يوماً، «فمستحاضةٌ» ويكون من مُبْتَدَأَة ومُعْتَادة.
مثال المُبْتَدَأة: امرأة جاءها الحيض لأوَّل مرَّة واستمرَّ معها
стр. 483
حتى جاوز الخمسة عشر؛ فهذه المبتدأةُ ليس لها عادةٌ سابقةٌ ترجع إليها، فلا يكون أمامها بالنسبة للاستحاضة إِلا شيئان:
الأول: التَّمييز، وهذه علامةٌ خاصَّة.
الثَّاني: عادة غالب نسائها، وهذه عامَّةٌ، والخاصُّ مقدَّمٌ على العام، والاستحاضة: سيلان دم عِرْقٍ في أدنى الرَّحم يُسمَّى العاذل.
مثل: لو حصل لها جُرح في عِرقٍ، وخرج الدَّم باستمرار، فهذا ليس طبيعيًّا، ولكنه مرضٌ بسبب انفصام أحد العُروق في أدنى الرَّحم.
والحيض: سيلان دَم عِرْقٍ في قعر الرَّحم يُسمَّى العاذر.
ثم بَيَّنَ المؤلِّفُ ـ رحمه الله تعالى ـ التَّمييز فقال:
«فإِن كان بعضُ دمها أحمرَ وبعضه أسودَ»، هذه علامة من علامات التَّمييز، فيُقال لها: ارجعي إِلى التَّمييز.
والتَّمييزُ: التَّبيُّن حتى يُعرفَ هل هو دُم حيض، أو استحاضة.
والمؤلِّف ﵀ ذكر علامةً واحدةً وهي اللَّون. والتَّمييز له أربع علامات:
الأولى: اللَّون: فدم الحيض أسودُ، والاستحاضةِ أحمرُ.
الثانية: الرِّقة: فدم الحيض ثخينٌ غليظٌ، والاستحاضةِ رقيقٌ.
الثالثة: الرَّائحة: فدم الحيض منتنٌ كريهٌ، والاستحاضةِ غيرُ منتنٍ، لأنه دَمُ عِرْقٍ عادي.
стр. 484
الرَّابعةُ: التَّجمُّد: فدم الحيض لا يتجمَّد إِذا ظهر، لأنه تجمَّد في الرَّحم، ثم انفجر وسال، فلا يعود ثانية للتجمُّد، والاستحاضة يتجمَّد، لأنه دم عِرْقٍ. هكذا قال بعضُ المعاصرين من أهل الطبِّ، وقد أشار ﷺ إِلى ذلك بقوله: «إِنه دَمُ عِرْقٍ»، والمعروف أنَّ دماء العروق تتجمَّد.
ولم يَعْبُرْ أَكْثَرَهُ، ولم يَنْقُصْ عن أَقَلِّه فهو حَيْضُها تَجْلسُهُ في الشَّهْرِ الثَّاني، والأحْمَرُ استحاضةٌ، وإن لم يكُنْ دَمُهَا مُتَميِّزاً قَعَدَتْ غالبَ الحَيْضِ من كلْ شهرٍ.
قوله: «ولم يَعبُرْ أكثره»، أي: لم يتجاوز الأسود أكثر الحيض، لأنه إِذا عَبَرَ أكثرهُ لم يصلُح أن يكونَ حيضاً.
فلو أنَّ امرأةً جاءها الدَّم لمدَّة خمسة وعشرين يوماً، منها عشرون يوماً أسود وخمسةٌ أحمر، فالأسودُ لا يصلح أن يكون حيضاً، لأنَّه تجاوز أكثر الحيض ..
قوله: «ولم يَنْقُصْ عن أَقَلِّه فهو حَيْضُها تَجْلِسُهُ في الشَّهْرِ الثَّاني، والأحْمَرُ استحاضةٌ»، أي: لم ينقص الأسود عن أقلِّ الحيض. وأقلُّه يوم وليلةٌ، فلو قالت المُبْتَدَأة: إِنَّه أول يوم أصابها الدَّم كان أسود، ثم صار أحمر لمدة عشرين يوماً، فلا ترجع إِلى التَّمييز، لأنَّه لا يصلح أن يكون حيضاً؛ لنقصانه عن يوم وليلة.
وإن قالت: أصابها الدَّم الأسود ستَّةَ أيام، فإِنَّه حيضٌ، لأنَّه لم ينقص عن أقلِّه، ولم يزد على أكثره، والباقي الأحمر استحاضة.
قوله: «وإِنْ لم يكن دَمُهَا متميِّزاً قعدتْ غالبَ الحيضِ»، قعدت؛ أي: المُبْتَدأةُ.
стр. 485
وغالب الحيض: ستَّة أيام أو سبعةٌ، والدَّليل على ذلك: قوله ﷺ : «تحيَّضي في علم الله ستًّا أو سبعاً» (١).
ولأنَّه إِذا تعذَّر علم الشَّيء بعينه رجعنا إِلى جنسه، فهذه المرأة لمَّا تعذَّر علم حيضها بعينها ترجع إِلى بني جنسها.
والأرجح: أن ترجع إِلى عادة نسائها كأختها وأمِّها، وما أشبه ذلك، لا إِلى عادة غالب الحيَّض، لأنَّ مشابهة المرأة لأقاربها أقرب من مشابهتها لغالب النساء.
قوله: «من كلِّ شهر»، لأن غالب النساء تحيض في الشَّهر مرَّة.
والدَّليل على ذلك قولُه تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَاللَاَّّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَاَّّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤].
فجعل اللَّهُ لكلِّ حيضة شهراً، وهذا هو الغالب.
وتبدأ الشَّهر من أوَّل دم أصابها، فإِذا كان أول يوم أصابها الدَّم فيه هو الخامس عشر، فإِنها تبدأ من الخامس عشر، فإِذا قلنا: سبعة أيام، فإِلى اثنين وعشرين، وإِن قلنا: ستة فإِلى واحد وعشرين، وهكذا.
وإِن نسيت ولم تَدْرِ هل جاءها الحيض من أول يوم من الشَّهر، أم في العاشر، أم العشرين، فلتجعلْهُ من أوَّل الشَّهر على سبيل الاحتياط.
стр. 486
واعلم: أن هذه الأحكام ليست من أجل الصَّلاة فقط، بل كلُّ الأحكام المترتِّبَة على الحيض تترتَّب على هذه الأيام إِذا حكمنا بأنها أيَّام حيض، وإِذا قلنا بأنها أيام طُهْر يترتَّب على ذلك كلُّ ما يترتَّب على الطُّهر.
والخلاصة: أن المستحاضة المُبْتَدأة تعمل بالتَّمييز، فإِن لم يكن لها تمييزٌ عملت بغالب عادة النساء، فتجلس ستَّة أيَّام أو سبعة من أوَّل وقت رأت فيه الدَّم، فإِن نسيت متى رأته فمن أول كلِّ شهر هلالي، وسبق أنَّ الأرجح أن تعمل بعادة نسائها.
والمستَحاضةُ المُعْتَادةُ، ولو مُميِّزة تَجْلِس عادتَها، وإن نسيتها عَملتْ بالتَّمييز الصَّالح، .........
قوله: «والمستحاضةُ المعتادةُ ولو مميِّزة تجلسُ عادتَها»، المعتادة: هي التي كانت لها عادةٌ سليمةٌ قبل الاستحاضة، ثم أُصيبتْ بمرض الاستحاضة.
مثال ذلك: امرأةٌ كانت تحيض حيضاً مطَّرداً سليماً ستَّة أيَّام من أوَّل كلِّ شهر، ثم أُصيبت بمرض الاستحاضة؛ فجاءها نزيفٌ يبقى معها أكثر الشَّهر، فهذه مستحاضةٌ معتادة، نقول لها: كلَّما جاء الشَّهر فاجلسي من أول يوم إِلى اليوم السَّادس.
وقوله: «ولو مميِّزة»، لو: إِشارة خلاف.
أي: هذه المعتادة تجلس العادة، ولو كان دمُها متميِّزاً فيه الحيضُ من غيره.
مثاله: امرأةٌ معتادةٌ عادتها من أول يوم من الشهر إِلى اليوم العاشر؛ لكنها ترى في اليوم الحادي عشر دماً أسود لمدَّة ستَّة أيَّام، والباقي أحمر، فهذه معتادة مميِّزة. فالمشهور من المذهب: أنها تأخذ بالعادة.
стр. 487
واستدلُّوا بقوله ﷺ لأمِّ حبيبة بنت جحش: «امْكُثي قَدْرَ ما كانت تحبسُكِ حَيْضَتُكِ» (١). فردَّها النبيُّ ﷺ للعادة، واحتمال وجود التَّمييز معها ممكنٌ، ولم يستفصل النبيُّ ﷺ . فلمَّا لم يستفصل مع احتمال وجود التَّمييز عُلِمَ أنها ترجع إِلى العادة مطلقاً، وأنَّ المسألة على سبيل العموم، إِذ من القواعد الأصولية المقرَّرة: «أنَّ ترك الاستفصال في مقام الاحتمال يُنَزَّلُ منزلةَ العموم في المقال».
وذهب الشَّافعيُّ (٢)، وهو روايةٌ عن أحمد (٣): أنها ترجع للتَّمييز. واستدلُّوا بما يلي:
١ - قوله ﷺ : «إِنَّ دمَ الحيضِ أسودُ يُعرَفُ» (٤)، قال هذا
стр. 488
في المستحاضة، والنساء اللاتي استحضن على عهد رسول الله ﷺ حوالي سبع عشرة امرأة (١)، ولا يُستبعد أن تنتقلَ العادةُ من أوَّل الشَّهر إِلى وسطه بسبب مرض الاستحاضة الذي طرأ عليها.
٢ - أنَّ التَّمييز علامةٌ ظاهرةٌ واضحةٌ، فيُرجع إِليها.
والرَّاجح: أنها ترجع للعادة، ولأنَّ الحديث الذي فيه ذكر التَّمييز قد اختُلِفَ في صحَّته.
ولأنه أيسر وأضبطُ للمرأة، لأنَّ هذا الدَّمَ الأسود، أو المنتنَ، أو الغليظَ، ربما يضطرب، ويتغيَّر أو ينتقل إِلى آخر الشَّهر، أو أوَّله، أو يتقطَّع بحيث يكون يوماً أسود، ويوماً أحمر.
قوله: «وإِن نسيتها عملت بالتَّمييز الصَّالح»، أي نسيت عادتها.
والتَّمييزُ الصالحُ: هو الّذي يصلُحُ أن يكونَ حيضاً، بأن لا ينقص عن أقلِّه، ولا يزيد على أكثره.
مثاله: امرأةٌ نسيت عادتها؛ لا تدري هل هي في أوَّل
стр. 489
الشَّهر، أو وسطه أو آخره، فنقول: ترجع إِلى المرحلة الثَّانية، وهي التَّمييز، لأنها لما نسيت العادة تعذَّر العمل بها، فترجع إِلى التَّمييز.
فنقول: هل دمك يتغيَّر؟ فإن قالت: نعم، بعضُه أسودُ، أو منتنٌ، أو غليظٌ، نقول لها أيضاً: كم يوماً يأتي هذا الأسود، أو المنتن، أو الغليظ؟ فإِذا قالت: يأتي خمسة أيَّام أو سِتَّة أيَّام مثلاً، نقول لها: اجلسي هذا الدَّم، والباقي تطهَّري وصلِّي، وإِن قالت: إِنه يأتيها يوماً واحداً أو أكثر من خمسة عشر يوماً فلا عِبْرَة به؛ لأنَّه لا يصلح أن يكونَ حيضاً.
فإِن لم يكُنْ لها تمييزٌ فغَالب الحيض كالعَالِمَة بموْضِعِه النَّاسية لِعَدَدِه، ...........
قوله: «فإِن لم يكن لها تمييزٌ فغالب الحيض»، أي: أنه ليس لها تمييزٌ، بأن كان دمُها لا يتغيَّر فتجلسَ غالب الحيض مثاله: امرأة يأتيها الدَّم أسود دائماً؛ أو أحمر دائماً ونحو ذلك.
فنقول هنا: تجلس غالب الحيض سِتَّة أيَّام أو سبعة.
والرَّاجح كما قلنا في المُبْتَدَأة أنَّها ترجعُ إِلى أقاربها، وتأخذ بعادتهن في الغالب من أَوَّلِ الشهر الهلاليِّ، ولا نقول من أوَّل يوم أتاها الحيضُ، لأنَّها قد نسيت العادة.
قوله: «كالعالمة بموضعه النَّاسية لعدَدِه»، يعني: كما تجلسُ العالمة بموضعه الناسية لعدده.
أي: أن العالمة بموضعه الناسية لعدده تجلس غالب الحيض، ولا ترجع للتَّمييز.
ومثاله: امرأة تقول: إنَّ عادتها تأتيها في أوّل يوم من الشهر
стр. 490
الهلاليِّ لكنها لا تدري هل هي ستَّة أيام، أو سبعةٌ، أو عشرةٌ؟ فهي نسيت العدد، وعلمت الموضع.
فنقول: ترجع إلى غالب الحيض، فتجلس ستَّة أيَّام أو سبعة من أوَّل الشهر؛ لأنها علمت أن عادتها من أول الشَّهر. وسبق أنها ترجع إلى غالب عادة نسائها على القول الرَّاجح.
وإِن علمتْ عدَدَهُ ونسيتْ موضعَهُ من الشَّهرِ ولو في نصفه جلستها من أوَّله، كَمَنْ لا عادة لها ولا تمييز ومَنْ زادتْ عادتُها، أو تقدَّمتْ، أو تأخَّرَتْ، فما تكرر ثلاثاً فحيضٌ، وما نَقَصَ عن العادةِ طُهْرٌ، وما عاد فيها جَلَسَتْهُ، .........
قوله: «وإِن علمت عَدَدَهُ ونسيت موضعه من الشَّهرِ»، هذه المسألة عكس المسألة السَّابقة، علمت العَدَدَ؛ ونسيت الموضعَ من الشَّهر.
فنقول لها: كم عادتُك؟ فإذا قالت: ستَّةٌ لكنني نسيت هل هي في أوَّل الشَّهر، أو وسطه، أو آخره؟ فنأمرها أن تجلس من أوَّل الشَّهر على حسب عادتها.
قوله: «ولو في نصفه جلستها من أوَّلِهِ»، لو: إِشارة خلاف.
أي: علمت أنَّها في نصفه، لكن لا تدري في أيِّ يوم من النِّصف هل هو في الخامس عشر، أو العشرين؟ فترجع إِلى أوَّل الشَّهر لسقوط الموضع، وهذا هو المذهب.
والقول الثَّاني: تجلس من أوَّل النِّصف (١)، لأنَّه أقرب من أوَّل الشَّهر. وهذا هو الصحيح.
قوله: «كمن لا عادة لها، ولا تمييز»، مَنْ: نكرة موصوفة، والتقدير: كمُبْتَدَأَة. وعرفنا هذا التقدير من قوله: «لا عادة لها».
стр. 491
إِذن؛ فالمُبْتَدَأَة التي لا عادة لها ولا تمييز؛ تجلس غالبه من أوَّل الشَّهر، وهذه فائدة قوله: «كمن لا عادة لها، ولا تمييز».
والصحيح في المُبْتَدَأَة: أنَّ دمَها دم حيض ما لم يستغرق أكثر الشهر، فالمبتدأةُ من حين مجيء الحيض إِليها فإِنها تجلس حتى تطهر أو تتجاوز خمسة عشر يوماً.
والدَّليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيْضِ قُلْ هُوَ أَذىً﴾ [البقرة: ٢٢٢]. فمتى وُجِدَ هذا الدَّمُ الذي هو أذىً فهو حيضٌ قلَّ أو كَثُرَ. إِذ كيف يُقالُ: اجلسي يوماً وليلة، ثم اغتسلي وصلِّي، ثم اغتسلي عند انقطاعه ثانية، واقضي الصوم؟!!.
إِذ معنى هذا أننا أوجبنا عليها العبادة مرَّتين، والغسل مرَّتين، وهذا حكم لا تأتي بمثله الشَّريعةُ، والعبادات تجبُ مرَّةً واحدة لا أكثر من ذلك.
وإِن استغرق دمُ المُبْتَدَأَةِ أكثرَ الوقت، فإِنَّها حينئذ مستحاضةٌ، ترجع إِلى التَّمييز، فإِن لم يكن تمييزٌ فغالب الحيض أو حيض نسائها، هذا هو الصحيح.
قوله: «ومن زادت عادتها»، مَنْ: اسم شرط جازم، يفيدُ العموم، فيشمل كلَّ امرأة.
مثاله: امرأةٌ عادتُها خمسةُ أيَّام، ثم زادت فصارت سبعة أيام.
قوله: «أو تقدَّمت»، مثالُه: امرأةٌ عادتُها في آخر الشهر، فجاءتها في أوَّل الشَّهر.
стр. 492
قوله: «أو تأخَّرت»، مثاله: عادتُها في أوَّل الشَّهر فجاءتها في آخره.
فالصُّور في تغيُّر الحيض ثلاث: الزِّيادة، التَّقدُّم، التَّأخُّر، وبقيت صورةٌ رابعةٌ وهي النقصُ، وسيذكرها المؤلِّف (١).
قوله: «فما تكرر ثلاثاً فحيض»، كالمبتدأة تماماً.
مثال الزِّيادة: عادتُها خمسةُ أيام، فجاءها الحيضُ سبعةٌ، فتجلس خمسةٌ فقط، ثم تغتسل وتُصلِّي وتصوم، فإِذا انقطع اغتسلت ثانية كالمُبْتَدَأة إِذا زاد دمُها على أقلِّ الحيض، وإِذا كان الشَّهرُ الثَّاني وحاضت سبعة تفعل كما فعلت في الشهر الأول، وإِذا كان الشهر الثَّالث وحاضت سبعة صار حيضاً، وحينئذ يجب عليها أن تقضي ما يجب على الحائض قضاؤه فيما فعلته بعد العادة الأولى؛ فتقضي الصَّوم الواجب إِن كانت صامت في اليومين، والطَّواف الواجب، إِن كانت طافت فيهما، لأنه تبيَّن أنهما حيضٌ؛ والحيض لا يصحُّ معه الصِّيام ولا الطَّواف.
وهذا مبنيٌّ على ما سبق في المُبْتَدَأة، وتقدَّم أنَّ الصَّحيح: أنَّ المُبْتَدَأَة تجلسُ حتى تطهر (٢)، وعلى هذا إِذا زادت العادةُ وجبَ على المرأة أن تبقى لا تُصلِّي ولا تصومُ، ولا يأتيها زوجُها حتى تطهَر ثم تغتسل وتُصلِّي؛ لأنَّ هذا دمُ الحيض ولم يتغيَّر، والله قد بيَّن لنا الحيضَ بوصف منضبط فقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ
стр. 493
الْمَحِيْضِ قُلْ هُوَ أَذىً﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فما دام هذا الأذى موجوداً فهو حيض.
ومثال التَّقدُّم: عادتُها في آخر الشَّهر فجاءها في أوَّله فنقول: انتظري، فإِذا تكرَّر ثلاثاً فحيض، وإِلا فليس بشيء.
والصَّحيح: أنه حيضُ، وأنه لو كانت عادتُها في آخر الشَّهر، ثم جاءتها في أوَّله في الشَّهر الثَّاني، وجب عليها أن تجلسَ ولا تُصلِّي ولا تصوم ولا يأتيها زوجُها.
ومثال التَّأخر: عادتُها في أوَّل الشَّهر، ثم تأخرت إِلى آخره، فعلى ما مشى عليه المؤلِّف إِذا جاءها في آخره لا تجلس ـ وإِن كان هو دم الحيض الذي تعرفه برائحته وغلظه وسواده ـ حتى يتكرَّرَ ثلاثاً، وتُصلِّي وتصوم، فإِذا تكررَ ثلاث مرَّات أعادتْ ما يجب على الحائضِ قضاؤه. والرَّاجحُ: أنه إِذا تأخَّرت عادتُها، وجب عليها أن تجلس لكونه حيضاً، لأنه معلوم بوصف الله إِيَّاه بأنَّه أذى.
قوله: «وما نَقَصَ عن العادة طُهْرٌ»، هذا تَغَيُّر العادة بنقص.
مثاله: عادتُها سبعٌ، فحاضت خمسةً، ثم طَهُرت، فإِنّ ما نقص طُهْرٌ، يجب عليها أن تغتسل، وتُصلِّي، وتصوم الواجب، ولزوجها أن يجامعها كباقي الطَّاهرات.
والدَّليل على ذلك ما يلي:
١ - قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
стр. 494
٢ - قولُه ﷺ : «أليس إِذا حاضت لم تصلِّ، ولم تصم» (١). وهذه المرأة انتهى حيضها.
فائدة: علامةُ الطُّهر معروفةٌ عند النِّساء، وهو سائلٌ أبيضُ يخرج إِذا توقَّفَ الحيضُ، وبعض النِّساء لا يكون عندها هذا السَّائل، فتبقى إِلى الحيضة الثَّانية دون أن ترى هذا السَّائل، فعلامةُ طُهْرِها أنَّها إِذا احتشت بقطنة بيضاء، أي: أدخلتْهَا محلَّ الحيض ثم أخرجَتْهَا ولم تتغيَّرْ، فهو علامةُ طهرها.
قوله: «وما عاد فيها جَلَسَته»، أي: ما عاد في العادة بعد انقطاعه، فإِنها تجلسه بدون تكرار، لأنَّ العادة قد ثَبَتَتْ، وعاد الدَّم الآن في نفس العادة.
مثاله: عادتُها ستَّة أيَّام وفي اليوم الرَّابع انقطع الدَّم، وطَهُرَتْ طُهْراً كاملاً، وفي اليوم السادس جاءها الدَّمُ، فإِنها تجلس اليوم السَّادس؛ لأنه في زمن العادة، فإِن لم يعدْ إِلا في اليوم السَّابع، فإِنَّها لا تجلسه، لأنه خارجٌ عن العادة، وقد سبق أنه إِذا زادت العادة، فليس بحيض حتى يتكرَّر ثلاث مرَّات، وسبق القولُ الرَّاجح في ذلك (٢).
قوله: «والصُّفرة، والكُدرة»، الصُّفرة والكُدرة سائلان يخرجان من المرأة، أحياناً قبل الحيض، وأحياناً بعد الحيض.
والصُّفْرَةُ، والكُدْرَةُ في زمن العادةِ: حيضٌ، ...........
والصُّفرة: ماءٌ أصفر كماء الجُروح.
والكُدرة: ماءٌ ممزوجٌ بحُمرة، وأحياناً يُمزَجُ بعروق حمراء
стр. 495
كالعَلَقة، فهو كالصَّديد يكون ممتزجاً بمادة بيضاء وبدم.
قوله: «في زمن العادة حيضٌ»، أي: في وقتها، وظاهر كلامه أنهما إِن تقدَّما على زمن العادة أو تأخَّرا عنه فليسا بحيض. وهذا أحد الأقوال في المسألة (١).
والقول الثاني: أنَّهما ليسا بحيض مطلقاً؛ لقول أمِّ عطيَّة: «كُنَّا لا نعدُّ الكُدْرة والصُّفرة شيئاً» رواه البخاري (٢). ومعنى قولها: «شيئاً» من الحيض، وليس المعنى أنَّه لا يؤثِّر، لأنه ينقض الوُضُوء بلا شكٍّ، وظاهر كلامها العموم.
والقول الثَّالث: أنَّهما حيض مطلقاً؛ لأنَّه خارجٌ من الرَّحم ومنتنُ الرِّيح، فحكمه حكم الحيض.
واستُدلَّ لما قاله المؤلِّف:
١ ـ بما رواه أبو داود في حديث أمِّ عطيَّة: «كُنَّا لا نَعُدُّ الصُّفرة والكُدْرَةَ بعد الطُّهرِ شيئاً» (٣). فهذا القيد يدلُّ على أنه قبل الطُّهر حيضٌ.