لا يبيح النكاح، فلو أن رجلاً عقد على امرأة بعد التحلل الأول فالعقد حرام، والنكاح غير صحيح؛ لأنها لم تحل بعد، فلا بد من التحلل الأول والثاني.
فإن قال قائل: وهل الرجل بعد التحلل الأول مُحرِم؟ قلنا: لا، لكن قال الرسول ﷺ : «إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء» (١)، فنقول: هو غير محرم لكن النساء مستثناة، والعقد من وسائل استحلال النساء، فيحرم بعد التحلل الأول ولا يصح.
وقيل: إن عقد النكاح بعد التحلل الأول صحيح وليس حراماً؛ لأن المحرم النساء، وهذا عقد، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، واختيار شيخ الإسلام ﵀ وهو أصح، أنه لا يحرم النكاح بعد التحلل الأول، ولكن نقول للإنسان: احتط لنفسك، المسألة ليست هينة؛ لأنه ربما تقدم على النكاح بعد التحلل الأول، ثم بعدئذٍ يوسوس لك الشيطان، ويقول: زوجتك حرام ويدخل عليك شكوكاً، فنقول له: انتظر حتى تحل؛ لأنك حتى لو عقدت الآن لن تدخل عليها؛ لأن النساء حرام عليك.
مسألة: لو أن امرأة أحرمت بعمرة، وحاضت قبل الطواف، واستحيت أن تقول لأهلها: إنها حاضت، فطافت وسعت ورجعت إلى أهلها، وعقد عليها النكاح، فالعقد غير صحيح؛ لأنها لم تزل على إحرامها، وطوافها غير صحيح، وسعيها غير صحيح،
стр. 4867
وتقصير شعرها أمره سهل، فيجب أن تذهب وتكمل عمرتها، ثم يعقد عليها من جديد.
فهذه مسائل خطرة، هذه المرأة لما استحيت من الحق عوقبت بهذه العقوبة، والله لا يستحي من الحق، والواجب ألا يستحي الرجل ولا المرأة من الحق، وإذا كان الرسول ﷺ لما سأله رجل، فقال: يا رسول الله إني أجامع فلا أنزل، أعليَّ الغسل؟ فقال: «إني أفعله أنا وهذه ـ يشير إلى عائشة ﵂ وأغتسل» (١)، فلم يستحِ لأنه حق، ولما سأله ابن أبي سلمة عن قبلة الصائم، وكان عنده أم سلمة ﵂ فقال: «سل هذه» يعني أمه، وكان يقبلها الرسول ﵊ وهو صائم، فقال: يا رسول الله غفر الله لك ما تقدم من ذنبك، فقال ﷺ : «إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأتقاكم له» (٢)، ولما ضحك قوم من الضرطة وهي الريح التي لها صوت، قال النبي ﷺ : «علام يضحك أحدكم مما يفعل؟» (٣)، هل أنت إذا فعلتها وحيداً في نفسك تضحك؟ ولكن على كل حال الناس يضحكون؛ لأنه من سوء الأدب أن الإنسان يظهر صوت الضرطة
стр. 4868
بين الناس، والحمد لله هذا أدب طيب، فنقول: لا تظهر، ولا تضحك.
وَلَا يَنْكِحُ كَافِرٌ مُسْلِمَةً، وَلَا مُسْلِمٌ وَلَوْ عَبْداً كَافِرَةً إِلاَّ حُرَّةً كِتَابِيَّةً، .........
قوله: «ولا ينكح كافرُ مسلمة»، الكافر بأي نوع كان كفره، سواء كان يهودياً أم نصرانياً أم وثنياً أم شيوعياً، فإنه لا يحل أن يتزوج مسلمة، ولو كانت فاسقة، والدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١] أي: لا تزوجوا المشركين حتى يؤمنوا، وقوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة؛ ١٠]، فإذا منع من استدامة عقد الكافر على المؤمنة فابتداؤه من باب أولى، أما الدليل من النظر فلأنه لا يمكن أن تكون المسلمة تحت زوج كافر، والزوج سيد، قال الله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥]، وقال رسول الله ﷺ : «اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم» (١)، أي: أسرى.
وهل تارك الصلاة كافر أو لا؟ الخلاف في هذا معروف، والصواب أنه كافر فلا يجوز أن يزوج بمسلمة، فإن عقد له على مسلمة، فإن نكاح الكافر بالمسلمة باطل بإجماع المسلمين.
قوله: «ولا مسلمٌ ولو عبداً كافرةً»، المسلم لا ينكح الكافرة ولو كان عبداً، والدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١].
стр. 4869
وقوله: «ولو عبداً» «لو» هل هي إشارة خلاف، أو رفع توهم بأنه لما نقص في الحرية صار يجوز له أن يتزوج الكافرة؛ لأنها تفوقه في الحرية، وهو يفوقها في الدين فيتقابلان؟ لا أدري إن كان أحد من أهل العلم قال بذلك أو لا؟ فإن كان فيه خلاف فالخلاف لا شك أنه ضعيف، وإن كان رفع توهم فقد يتوهم بعض الناس أن حريتها تقابل إسلامه، ورِقُّه يقابل كفرها، فيكون كل واحد منهما له مزية على الآخر.
قوله: «إلا حرة كتابية» هذا مستثنى من نكاح المسلم بالكافرة، فيجوز نِكاحها بشرطين: أن تكون حرة، وأن تكون كتابية، والدليل قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥]، قال أهل العلم: المراد بالمحصنات هنا الحرائر، والمحصنات تطلق في القرآن على معانٍ، منها:
أولاً: المتزوجات يعني ذوات الأزواج.
ثانياً: العفيفات عن الزنا.
ثالثاً: الحرائر.
فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤]، المراد بالمحصنات هنا العفيفات.
وقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] على قول فيها، إن المراد المتزوجات، وأما المحصنات الحرائر، فمثل هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾.
وقوله: «كتابية» هي اليهودية أو النصرانية، وهل يشترط أن
стр. 4870
تكون ملتزمة بالدين الخالص لليهود والنصارى، أو لا يشترط؟
قال بعض أهل العلم: إنه يشترط بأن توحد الله ولا تشرك به شيئاً، ولكنها لا تتبع إلا موسى ﵊ إن كانت يهودية، أو عيسى ﵊ إن كانت نصرانية، فإن خالفت الإسلام وأشركت فإنها لا تحل، وهؤلاء راموا الجمع بين آية المائدة وآية البقرة، فقالوا: إذا أشركت بالله، ولو كانت يهودية أو نصرانية فلا تحل، وأما إذا كانت غير مشركة بالله وإن لم تَدِنْ بالإسلام الذي جاء به محمد ﵊ فإنها تحل، وتكون الفائدة من قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أنها غير مسلمة وحلت، لا أنها مشركة وحلت، وإلى هذا ذهب كثير من أهل العلم من السلف والخلف، وعلى هذا الرأي إذا كانت النصرانية تقول بأن الله ثالث ثلاثة، فإنها لا تحل ولو تدينت بدين النصارى، وكذلك اليهودية إذا قالت: عزير ابن الله فإنه لا تحل؛ لأنها مشركة.
وذهب أكثر أهل العلم إلى أن الآية: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ عامة، فكل من انتمى إلى دين أهل الكتاب فهو منهم، وقالوا: إن هذا مخصص لقوله ـ تعالى ـ في سورة البقرة: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ لأن آية البقرة متقدمة على آية المائدة، ثم هذا التعليل في الحقيقة عليل؛ لأن التخصيص لا فرق فيه بين المتقدم والمتأخر، لكن الدليل الواضح هو أن الله ذكر في سورة المائدة حل نساء أهل الكتاب، وحكى عنهم الشرك وكفَّرهم أيضاً فقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، وقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]، وقال:
стр. 4871
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ *﴾ [التوبة] إلى أن قال: ﴿هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١].
فالحاصل: أن الذي عليه جمهور أهل العلم أن من تدين بدين أهل الكتاب وانتسب إليهم، ولو كان يقول بالتثليث فإنه تحل ذبيحته، ويحل نكاحه.
وقوله: «إلا حرة كتابية» هل مثلها المجوسية؟ لا، ليست مثلها مع أن المجوس تؤخذ منهم الجزية، ولكنهم يخالفون أهل الكتاب في الذبائح، فلا تحل ذبائح المجوس، ولا تحل مناكحتهم بالإجماع، ولم يخالف في حل ذبائحهم إلا أبو ثور ﵀، ولكن الإمام أحمد ﵀ أنكر هذا القول إنكاراً عظيماً، فالمجوس لا تحل ذبائحهم، ولا يحل نكاح نسائهم، ولكن تؤخذ منهم الجزية؛ لأن الرسول ﷺ أخذ الجزية منهم (١)، والصحيح في مسألة الجزية كما تقدم لنا أنها تؤخذ من جميع الكفار؛ لأن المقصود أن يكون الكفار تحت حضانة المسلمين ورعايتهم لعلهم يسلمون، وهذا لا فرق فيه بين اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم.
وَلَا يَنْكِحُ حُرٌّ مُسْلِمٌ أَمَةً مُسْلِمَةً، إِلاَّ أَنْ يَخَافَ عَنَتَ العُزُوبَةِ، لِحَاجَةِ المُتْعَةِ، أَوْ الخِدْمَةِ، وَيَعْجَزُ عَنْ طَوْلِ حُرَّةٍ، أَوْ ثَمَنِ أَمَةٍ، ........
قوله: «ولا ينكح حر مسلم أمة مسلمة» «حر» احترازاً من العبد، فالعبد له أن يتزوج أمة؛ لأنه يساويها.
стр. 4872
وقوله: «مسلم» احترازاً من الكافر، فلا ينكح الأمة المسلمة مطلقاً، إذاً المفهومان مختلفان حكماً.
وقوله: «أمة مسلمة»، اشترط أن تكون مسلمة، وظاهر كلامه ولو كانت كتابية فلا تحل للمسلم.
قوله: «إلا أن يخاف عنت العزوبة» العنت المشقة، «العزوبة» عدم الزواج، فالأعزب هو غير المتزوج، سواء كان رجلاً أو امرأة.
قوله: «لحاجة المتعة أو الخدمة»، فإذا خاف عنت العزوبة، إما لأجل الخدمة، وإما لأجل الاستمتاع، فله أن يتزوج الأمة لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥].
قوله: «ويعجز عن طَوْل حرةٍ أو ثمن أمة» الطول المهر، أي: يعجز عن مهر الحرة، أو ثمن الأمة.
فهذه ثلاثة شروط:
الأول: أن تكون الأمة مسلمة.
الثاني: أن يخاف عنت العزوبة.
الثالث: أن يعجز عن طول حرة أو ثمن أمة.
والدليل قوله ﵎: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى أن قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٥].
стр. 4873
فالشرط الأول من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً﴾.
والشرط الثاني من قوله تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾.
والشرط الثالث من قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾.
وتأمل الآية الكريمة هل ينطبق عليها كلام المؤلف؟ نعم، ينطبق إلا في قوله: «وثمن أمة» فإن هذا الشرط ليس موجوداً في القرآن، لكن اشترطه الفقهاء، قالوا: لأنه إذا كان قادراً على شراء الأمة استغنى به عن نكاح الأمة، ولأن نكاحه الأمة يلحقه من العار أكثر مما يلحقه لو اشترى أمة وتسرَّاها، ولأنه إذا نكح أمة صار أولاده أرقاء، وإذا تسرى أمة صار أولاده أحراراً، ولهذا قال الإمام أحمد ﵀: إذا تَزوَّج الحرُّ أمةً رَقَّ نصفُهُ، يعني صار رقيقاً؛ لأن عياله من هذه الأمة يكونون مماليك لسيدها.
وما ذكره المؤلف له وجه قوي، ثم إن النظر يقتضي التحريم كذلك؛ لأنه كما قال الإمام أحمد يستلزم أن يكون أولاده أرقاء مماليك يباعون ويشترون، وهو حر!! وهذا قد يكون فيه عار أن يرى ولده يقاد بالقلادة إلى السوق ليباع، فهذا أمر عظيم ليس هيناً؛ فلذلك لا يجوز إلا في حالة الضرورة، كما ذكر الله .
بقي علينا أن يقال: ما الحكم فيما لو اشترط على المالك أن يكون أولاده أحراراً؟ اختلف في هذا أهل العلم، فمنهم من قال: إنه يجوز أن يتزوج الأمة إذا اشترط أن يكون أولاده
стр. 4874
أحراراً، قالوا: لأن العلة هي رق الأولاد، والآن زال، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ولكن نقول: كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، والله لم يشترط ذلك، لم يقل: إلا أن يشترط حرية أولاده، ثم إن من الدناءة وخلاف المروءة أن الحر يتزوج أمة، حتى عند الناس إذا تزوج أمة صار شهرة، فلان الرجل الشريف النسيب تزوج رقيقة فلان!! ففيه معرة وعيب، والإنسان ينبغي أن يبتعد عن كل شيء يجر إليه العيب، فالصواب ما دل عليه القرآن الكريم أنه لا يحل أن يتزوج الأمة، إلا بما ذكر الله من الشروط، حتى وإن اشترط أن أولاده أحرار فإنه لا يصح لعموم الآية، وكوننا نقول: إن العلة هي استرقاق أولاده، قد يعارض فيه معارض، ويقول: من قال لكم إن هذه هي العلة؟ وَهَبْ أن ذلك جزء العلة فإن الحكم لا يتم إلا بوجود العلة تامة.
وَلَا يَنْكِحُ عَبْدٌ سَيِّدَتَهُ، وَلَا سَيِّدٌ أَمَتَهُ، وَلِلْحُرِّ نِكَاحُ أَمَةِ أَبِيهِ، دُونَ أَمَةِ ابْنِهِ، وَلَيْسَ لِلْحُرَّةِ نِكَاحُ عَبْدِ وَلَدِهَا،.
قوله: «ولا ينكح عبدُ سيدته» تحريماً إلى أمد؛ حتى يخرج عن ملكها، فما دامت سيدته فإنه لا يحل له أن يتزوجها، فإذا قيل: ما الدليل؟ مع أن الله يقول: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] قلنا: الدليل إجماع العلماء، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم عليه.
والإجماع أحد الأدلة الأربعة التي هي الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس الصحيح، وأيضاً المعنى يقتضي ذلك؛ لأن السيدة لا يمكن أن تكون مَسُودة، والزوجُ سيد زوجته، فإذا قلنا: إنها سيدته كيف تكون مسودة؟! يكون له الأمر عليها، هذا تنافر
стр. 4875
وتناقض أن يكون الآمر مأموراً، لكن ما الطريق إلى الحِل إذا رغب أن يتزوجها ورغبت أن تتزوجه؟ تعتقه، لكن لو خدعها وقال: أعتقيني لأتزوجك وهي راغبة فيه فأعتقته، فلما أعتقته قال: الحمد لله الذي فكني منك، والمُعْتَق لا يمكن أن يرجع رقيقاً، ففي مثل هذه الحال يضمن قيمة نفسه لها؛ لأنه غرها وخدعها.
قوله: «ولا سيد أمته» أي: لا ينكح سيد أمته، يعني لا يعقد عليها النكاح، وليس المعنى ألا يطأ، فإنه يطؤها بملك اليمين؛ لأن الله جعل ملك اليمين قسيماً للنكاح فقال: ﴿إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦]، فدلَّ ذلك على أنهما لا يجتمعان؛ لأن قسيم الشيء مباين له، ولأن النبي ﷺ أعتق صفية وجعل عتقها صداقاً (١)، وأيضاً فإن وطأه إياها بملك اليمين أقوى من وطئه إياها بالعقد؛ لأن ملك اليمين يحصل به الملك التام، فيملك عينها ومنافعها، والنكاح لا يملك إلا المنفعة التي يقتضيها عقد النكاح شرعاً أو عرفاً، فهو مقيد، قال أهل العلم: ولا يَرِدُ العقد الأضعف على العقد الأقوى، فهو يستبيح بُضعها بملك اليمين الذي هو أقوى من عقد النكاح.
قوله: «وللحر نكاح أمة أبيه» بشرط ألا يكون الأب قد جامعها؛ فإن جامعها الأب فإنها لا تحل للابن؛ لأنها مما نكح أبوه.
مثال ذلك: رجل له أبٌ غني وعند أبيه جوارٍ، فأراد هذا
стр. 4876
الابن أن يتزوج واحدةً منهن، يجوز بالشروط السابقة في نكاح الأمة؛ لأنها داخلة في عموم الآية: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، وفي عموم قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
قوله: «دون أمة ابنه» مثلاً رجل له ابن غني، لكن لم يجد أحداً يزوجه؛ لأنه كبير السن، وعند ابنه إماء مملوكات، فأراد أن يتزوج واحدة منهن، فهل يجوز؟ يقول المؤلف: لا يجوز أن يتزوجها، ولو تمت شروط نكاح الأمة في حقه؛ لأن الأب له أن يتملك من مال ولده بخلاف الابن، فإذا كان له أن يتملك من مال ولده، فلا حاجة إلى أن يتزوج أمة ولده، بل يتملك الأمة، وتحل له بملك اليمين، فهو إذاً مستغنٍ عن نكاح أمة ابنه بجواز تملكه، فله فيها شبهة ملك.
ولكن هذا القول ضعيف؛ لأنه ليس للأب شبهة ملك في مال ولده، بل له شبهة تملك، وفرق بين أن نقول: لك التملك، وأن نقول: لك ملك؛ لأننا إذا قلنا: ملك، يعني أنه مشارك للابن، وإذا قلنا: تملك، يعني أنه ليس مشاركاً، لكن له أن يتملك، والمراد هنا أن له التملك، وحينئذٍ نقول: إن أمة ابنه حلال له، لدخولها في عموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، فالصواب في هذه المسألة أنه يجوز للأب أن يتزوج أمة ابنه إذا تم في حقه شروط جواز نكاح الإماء.
فإن قيل: كيف تجيزون هذا وهو له حق التملك، لماذا لا تقولون له: تملكها؟ فنقول: قد لا يختار أن يتملكها، بل يحب
стр. 4877
أن تبقى ملكاً لابنه ليبيعها إذا طلقها أبوه، أو يزوجها وينتفع بمهرها، أو ما أشبه ذلك.
قوله: «وليس للحرة نكاح عبد ولدها»، هذه امرأة حرة ولها ولد، وهذا الولد له عبد، فأراد هذا العبد أن يتزوج أم سيده، يقول المؤلف: إن هذا لا يجوز، ولو كان عبد آخر، وأراد أن يتزوج أم هذا الرجل، جاز.
وهذا القول مبني على قول ضعيف، وهو أنه إذا ملك أحد الزوجين زَوْجَه، أو ملكه ابنُهُ، أو أبوه انفسخ النكاح، وستأتي في آخر الفصل، فإذا ضعف الأصل ضعف الفرع، وإذا كان الأصل ضعيفاً لا دليل عليه تبقى هذه المسألة وهي الفرع كذلك ضعيفة لا دليل عليها.
والقول الثاني في هذه المسألة: أنه يجوز للحرة أن تنكح عبد ولدها، ولا حرج فيه، ولا يقال: إن هذه المسألة غريبة، كيف تكون؟! نقول: ربما تكون أم السيد امرأة شابة، ولابنها عبد شاب جميل مثلاً، فأحبته وأحبها، وطلبت من ابنها أن يزوجها هذا العبد، فهذا يجوز، وهذا القول هو الصحيح؛ لأنه داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وعبد ابنها ليس أباها، ولا ابنها، وأخاها، ولا عمها، ولا خالها، ولا ابن أخيها، ولا ابن أختها، فأين الدليل على المنع؟! وقد سبق أنه لا يجوز للحرة أن تتزوج عبدها، وقلنا: إن الدليل على ذلك الإجماع والتضاد، أما هنا فلا إجماع ولا تضاد، فالصواب إذاً أن للحرة أن تنكح عبد ولدها، وأولادها منه يكونون أحراراً تبعاً لها.
стр. 4878
وَإِنِ اشْتَرَى أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ أَوْ وَلَدُهُ الْحُرُّ، أَوْ مُكَاتَبُهُ الزَّوْجَ الآخَرَ أَوْ بَعْضَهُ انْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا، .......
قوله: «وإن اشترى أحدُ الزوجين أو ولدُه الحرُّ، أو مُكاتَبُهُ الزوجَ الآخرَ أو بعضَه انفسخ نِكَاحُهُما»، هذه المسألة مبنية على ما سبق، مثال ذلك: امرأة حرة زَوْجُها عَبْدٌ لرجل، فاشترته فينفسخ النكاح؛ لأنها لما اشترته صارت سيدته، والسيدة لا تنكح عبدها، فإذا امتنع ابتداء النكاح امتنع دوامه.
وبالعكس: لو أن حراً أراد أن يتزوج أمة، وهو ممن يحل له نكاح الإماء، فتزوجها، ثم اشتراها، فينفسخ النكاح؛ لأنه لما اشتراها ملكها، فورد العقد الأعلى على العقد الأدنى، فانفسخ العقد الأدنى، وصارت تحل له بملك اليمين.
وهل يجب عليه أن يستبرئها أو لا؟ في ذلك تفصيل، إن كان السيد قد اشترط ما في بطنها، فلا يجوز أن يجامعها حتى يستبرئها؛ لأن الولد للسيد، وإن لم يشترط السيد ذلك فله أن يجامعها، ولا يحتاج إلى استبرائها؛ لأن الولد له.
وقوله: «أو ولده» هذا مبني على أن الإنسان لا يتزوج أمة ابنه، والقول الراجح جواز ذلك، مثاله: رجل تزوج أمة على وجه صحيح، بالشروط المعروفة، فاشترى ابنه هذه الزوجة من سيدها، وصارت ملكاً للولد، فينفسخ النكاح؛ لأنه ليس للأب أن يتزوج أمة ابنه.
وسبق أن القول الراجح أن للأب أن يتزوج أمة ابنها، إلا إذا تملكها، وأنه لا ينفسخ النكاح.
стр. 4879
ولكن هل للولد إذا علم أن النكاح ينفسخ أن يشتري زوجة أبيه؟ الجواب: لا يحل؛ لأنه عقوق، فقد يكون الأب متعلقاً بهذه الزوجة وراغباً فيها، فيأتي الولد ويشتريها فيفوتها عليه.
ولو أن شخصاً له أم متزوجة عبداً، وهذا الابن اشترى هذا العبد ينفسخ نكاح أمه؛ لأنه ملك زوجها، فإذا كان مالكاً له من الأصل، فعدم انعقاد النكاح من باب أولى، وهذه المسألة مبنية على أصل ضعيف، والمبني على الضعيف أضعف منه، وعلى هذا يجوز للإنسان أن يزوج عبده أمه، لعموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
وقوله: «أو ولده الحر» لأن غير الحر لا يملك أصلاً، ولا يشتري شيئاً يدخل في ملكه.
وقوله: «أو مكاتَبُهُ» المكاتب هو العبد الذي اشترى نفسه من سيده بثمن مؤجل بأجلين فأكثر، وهو حر في التصرف، يتصرف كما شاء، بالبيع والشراء والاستئجار والإجارة، فإذا اشترى المكاتب زوجة سيده، فإن النكاح ينفسخ ـ لأن أصل المكاتب لا يكون حراً إلا إذا أدى الكتابة، وما دام لم يؤدِ الكتابة فهو عبد ـ فإذا اشترى زوجة سيده صار السيد هو الذي ملك زوجته في الواقع؛ لأن ملك المكاتب ملك لسيده، هكذا قالوا.
وفي هذا التعليل نظر؛ لأن المكاتب يملك البيع والشراء؛ ولهذا لو أراد أن يبيع ما اشتراه لم يملك سيده أن يمنعه، ثم إن المكاتب قد يعجز عن أداء قيمة الكتابة، فإذا عجز صار عبداً، ولهذا لو قيل: إذا اشترى المكاتب زوجة سيده فإنه ينتظر، فإن
стр. 4880
تحرر فالنكاح لا ينفسخ، وإن عاد رقيقاً فإنه ينفسخ؛ لأنه حينئذٍ يكون السيد قد ملك زوجته.
وكل هذه مبنية على تعليلات بعضها له وجه، وبعضها لا وجه له، وليس هناك أدلة.
وَمَنْ حَرُمَ وَطْؤُهَا بِعَقْدٍ حَرُمَ بِمُلْكِ يَمِينٍ إِلاَّ أَمَةً كِتَابِيَّةً، .........
قوله: «ومن حرم وطؤها بعقد حرم بملك يمين»، هذا ضابط «فكل امرأة يحرم أن تعقد عليها يحرم أن تطأها بملك اليمين» فأخت الزوجة يحرم عقد النكاح عليها، فيحرم أن تطأها بملك اليمين، أي: لو كان إنسان له زوجة حرة ولها أخت مملوكة، فاشترى أختها المملوكة، فالشراء صحيح، لكن لا يطؤها ما دامت أختها عنده، حتى يحرمها، إما بطلاق أو فسخ أو غير ذلك؛ لأنه لا يجوز أن يجمع بين الأختين في العقد، فلا يجوز أن يجمع بينهما في ملك اليمين.
فإن قال قائل: كيف صح شراؤها ولم يصح نكاحها؟
فالجواب: أن الشراء لا يتعين للاستمتاع، بل قد يشتري العبد ليعتقه، أما عقد النكاح فالمراد به الاستمتاع، ولذلك يجوز أن يشتري أخت زوجته، ولا يجوز أن يعقد عليها النكاح، وكذلك لو اشترى أمة وهو محرم فيصح العقد، ولو تزوج امرأة وهو محرم لم يصح، ولو علق عتق شخص بالشراء، فقال: إذا اشتريت هذا فهو عتيق فإنه يصح؛ لأن الشراء يراد للعتق فإذا اشتراه عتق، ولو قال: إذا تزوجت فلانة فهي طالق، وتزوجها، فإنها لا تطلق.
стр. 4881
والفرق بينهما أن الشراء يراد للعتق، والنكاح لا يراد للطلاق، هكذا فرق الإمام أحمد ﵀ بينهما.
ولهذا لو أراد شخص أن يتزوج ثانية، وعلمت الأولى وغضبت، فإنه يقول: إن تزوجت فلانة فهي طالق، فإذا تزوجها لا تطلق؛ لأن النكاح لا يراد للطلاق.
ومن العلماء من قال: لا يصح في المسألتين؛ لأنه لم يملك المرأة حتى يملك طلاقها، ولم يملك العبد حتى يملك عتقه.
قوله: «إلا أمة كتابية»، فالأمة الكتابية يجوز وطؤها بملك اليمين، مع أنه لا يجوز وطؤها بعقد النكاح؛ لأنه ـ سبق لنا ـ أنه يشترط لجواز عقد النكاح على الأمة أن تكون مؤمنة لقوله تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، فنكاح الأمة المؤمنة جائز، ونكاح الأمة الكافرة غير جائز، ووطء الأمة الكتابية يجوز بملك اليمين، والدليل عموم قول الله تعالى: ﴿إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦].
وعلم من قول المؤلف: «أمة كتابية» أن الأمة غير الكتابية لا تحل بملك اليمين، فلو اشترى الإنسان أمة وثنية، فإنه لا يحل له أن يطأها ـ على كلام المؤلف ﵀، فإذا وقعت حرب بين المسلمين وبين الهندوس، وسبينا نساءهم، فعلى ما ذهب إليه المؤلف فإن نساءهم لا تحل.
لكن هذا خلاف ظاهر القرآن، وهو قول ضعيف، والصواب
стр. 4882
أن الأمة المملوكة وطؤها حلال، سواء كانت كتابية، أم غير كتابية، وليس في كتاب الله اشتراط أن تكون من مُلِكت كتابية، والآيات واضحة، ﴿إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ فمن يُخرِج نوعاً من الإماء عن هذا العموم فعليه الدليل، وعلى هذا فلو كان عند الإنسان أمة غير كتابية وهو مالك لها فإن له أن يطأها بملك اليمين، خلافاً لما يفيده كلام المؤلف ﵀ وهذا الذي ذكرناه هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
وقد حكى بعضهم الإجماع على أن غير الكتابية من الإماء لا يحل وطؤها، ولكن هذا الإجماع غير صحيح.
وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ مُحَلَّلَةٍ وَمُحَرَّمَةٍ فِي عَقْدٍ صَحَّ فِيمَنْ تَحِلُّ، وَلَا يَصِحُّ نِكَاحُ خُنْثَى مُشْكِلٍ قَبْلَ تَبَيُّنِ أَمْرِهِ، ..........
قوله: «ومن جمع بين محلَّلةٍ ومحرمةٍ في عقدٍ صح فيمن تحل»، هذا يسميه العلماء تفريق الصفقة أي: العقد، يعني إذا جمعت الصفقة في بيع أو نكاح بين شيئين، يصح العقد على أحدهما دون الثاني، فإنه يصح فيما يصح العقد عليه، ويبطل فيما لا يصح، هذا هو المذهب وهو الصحيح؛ لأن العلة في أحدهما تقتضي الصحة وفي الآخر تقتضي البطلان، فيجب العمل بها.
وقال بعض أهل العلم: إنه لا يصح في المحللة أيضاً؛ لأن العقد واحد اشتمل على مباح ومحظور، فيغلب جانب الحظر، ولكن الصواب أن يقال: إِنَّ تعدُّدَ المعقود عليه كتعدد العقد، وإن كانت الصيغة واحدة، مثال ذلك: رجل تزوج امرأتين في عقد، إحداهما مُحْرِمة، والأخرى غير محرِمة، فيصح العقد في غير المحرمة، ولا يصح في المحرمة.
стр. 4883
قوله: «ولا يصح نكاح خنثى مشكل قبل تبين أمره» بنو آدم وغيرهم أيضاً من ذوات الحياة، إما ذكور خلص، أو إناث خلص، أو مشتبه فيهم، فالذكور والإناث الخلص واضح أمرهم، لكن المشتبه فيه يسمى الخنثى المشكل.
تعريفه في باب الميراث: من لم يتبين أنه ذكر أو أنثى، سواء كان له آلة ذكر وأنثى، أو كان له مخرج واحد يخرج منه البول والغائط، أو لم يكن له مخرج.
والخنثى المشكل في باب النكاح: من له آلة ذكر وآلة أنثى، أي له عضو ذكر وفرج أنثى، ولم يتبين أهو ذكر أو أنثى، بأن كان يبول منهما جميعاً، ولم يحصل له شيء يميزه، أذكر هو أو أنثى؟ فهذا لا يصح أن يتزوج، فلا يتزوج أنثى ولا يتزوج ذكراً، لا يتزوج أنثى لاحتمال أن يكون أنثى، والأنثى لا تتزوج الأنثى، ولا يتزوج ذكراً لاحتمال أن يكون ذكراً، والذكر لا يتزوج الذكر، فيبقى هكذا لا يتزوج إلى أن يتبين أمره، فإذا تبين أمره، فإن كان من الذكور تزوج الإناث، وإن كان من الإناث تزوجه الذكور، فهذا حرام إلى أمد، حتى يتبين أمره.
مسألة: هل يجوز أن يجرى له عملية ليحول إلى أحد الصنفين؟ إن كان واضحاً فلا شك أنه يجوز إجراء العملية له، يعني إن اتضح أنه أنثى فإنه يجوز أن تجرى له عملية بإزالة آلة الذكر، وإن تبين أنه ذكر، وكان له ثديان مثلاً، فإنه يجوز له إجراء عملية لإزالة الثديين؛ لأن الثديين عيب في الذكور، كما أن ذكر الرجل عيب في الإناث، لكن المشكل إذا كان خنثى مشكلاً؛
стр. 4884
فإن أردنا أن نزيل آلة الذكورة فقد نكون جَنَيْنا عليه، وإن أزلنا آلة الأنوثة ـ أيضاً ـ جنينا عليه؛ لأنه إلى الآن لم يتضح أنه ذكر ولا أنثى، فالظاهر أنه يبقى على ما هو عليه حتى يبينه الله بما أراد، وإذا كان يمكن الكشف عليه بالطب ـ مثلاً ـ على الرحم أو غيره، فهذا يعمل به.
وإذا كان له شهوة وهو الآن ممنوع شرعاً من النكاح، فماذا يصنع؟ نقول له: الرسول ﵊ يقول: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم» (١)، فنقول له: صم، فإذا قال: لا أستطيع الصوم؛ فإنه يمكن أن يعطى من الأدوية ما يهون عليه الأمر، وهو أحسن من قولنا: أخرج المني بطرق غير مشروعة.
стр. 4885
بَابُ الشُّرُوطِ وَالعُيُوبِ فِي النِّكَاحِ
قوله: «الشروط والعيوب في النكاح»، جمع المؤلف بين الشروط والعيوب؛ لأن العيب فَقْد شرط؛ إذ إن العقد المطلق مقتضاه السلامة من العيوب، فكأن العاقد شرط بمطلق عقده خلو المعقود عليه من العيوب؛ فلهذا جمع بينهما.
سبق لنا شروط النكاح، فنحتاج إلى معرفة الفرق بينها وبين الشروط في النكاح، فنقول: الشرط في اللغة العلامة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨] أي: علاماتها، أما الفرق بين شروط النكاح والشروط فيه، فهو من أربعة أوجه:
أولاً: أن شروط النكاح من وضع الشارع، فالله هو الذي وضعها وجعلها شروطاً، وأما الشروط في النكاح فهي من وضع العاقد، وهو الذي شرطها.
ثانياً: شروط النكاح يتوقف عليها صحة النكاح، أما الشروط فيه فلا تتوقف عليها صحته، إنما يتوقف عليها لزومه، فلمن فات شرطه فسخ النكاح.
ثالثاً: أن شروط النكاح لا يمكن إسقاطها، والشروط في النكاح يمكن إسقاطها ممن هي له.
стр. 4886
رابعاً: شروط النكاح لا تنقسم إلى صحيح وفاسد، والشروط في النكاح تنقسم إلى صحيح وفاسد.
واعلم أن الشروط في النكاح يعتبر أن تكون مقارِنة للعقد، أو سابقة عليه، لا لاحقة به، فمحلها إما في صلب العقد أو قبله لا بعده، في صلب العقد مثل أن يقول: زوجتك ابنتي هذه على أن لا تتزوج عليها، فهذا مقارن للعقد، أو زوجتك ابنتي هذه على أن تدفع لها خمسمائة ريال مهراً، هذا مقارن أيضاً، والشرط السابق أن يتفق هو وإياه حين خطبها منه أن لا يتزوج عليها، فهذا الشرط مع كونه سابقاً للعقد، لكنهما اتفقا عليه فيعتبر؛ لأن العقد الذي حصل مبني على ما سبق من الشروط.
وقد سبق لنا في الشروط في البيع أن المعتبر منها المقارن واللاحق في زمن الخيار، دون ما اتفقا عليه قبل، وسبق لنا أن الصحيح أنه كالنكاح لا فرق بينه وبينه، وأن ما اتفقا عليه قبله يكون كالمقارن، أما النكاح فإنه لا يمكن فيه الشرط اللاحق؛ لأنه ليس فيه خيار على المذهب، وفي البيع يمكن أن يلحق بعد العقد كما لو لحق في خيار المجلس، أو في خيار الشرط كما تقدم.
واعلم أن الأصل في جميع الشروط في العقود الصحة حتى يقوم دليل على المنع؛ والدليل على ذلك عموم الأدلة الآمرة بالوفاء بالعقد: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء: ٣٤]، وكذلك الحديث الذي روي عن الرسول ﵊:
стр. 4887
«المسلمون على شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً» (١). وكذلك قوله ﵊: «كل شرط ليس فيه كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط» (٢).
فالحاصل: أن الأصل في الشروط الحل والصحة، سواءً في النكاح، أو في البيع، أو في الإجارة، أو في الرهن، أو في الوقف، وحكم الشروط المشروطة في العقود إذا كانت صحيحة أنه يجب الوفاء بها في النكاح وغيره؛ لعموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ فإن الوفاء بالعقد يتضمن الوفاء به وبما تضمنه من شروط وصفات؛ لأنه كله داخل في العقد، وقد قيل:
الأصل في الأشياء حِلٌّ وامنعِ
عبادةً إلا بإذن الشارعِ (٣)
والغريب أن فقهاء المذهب ﵏ يرون أن الوفاء بالشروط في عقد النكاح سنة وليس بواجب، حتى فيمن لا يملك الفسخ، ولكن هذا القول ضعيف، ومخالف لقول
стр. 4888
الرسول ﵊ الثابت عنه في الصحيحين: «إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج» (١)، فالصواب أنه يجب على الزوج والزوجة، وعلى كل من شُرط عليه شرط أن يوفي به استناداً إلى الآيات التي أشرنا إليها، وإلى هذا الحديث الصحيح، ومن الغريب أن نوجب الوفاء بالشرط في عقدٍ على بيع لا يساوي خمسة دراهم، ولا نوجب الوفاء بالشرط في عقد يكون العوض فيه الزوجة، التي هي محل الحرث، والعوض الذي أعطيته خمسون ألفاً!!
والشروط في النكاح تنقسم إلى ثلاثة أقسام: صحيحة، وفاسدة غير مفسدة، وفاسدة مفسدة.
الأول: شروط صحيحة، ومعلوم أن الشرط الصحيح لا يؤثر على العقد، فالصحيحة يصح معها العقد، ومنها:
إِذَا شَرَطَتْ طَلَاقَ ضَرَّتِهِا، أَوْ أَنْ لَا يَتَسَرَّى أَوْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا،
قوله: «إذا شرطت طلاق ضَرتِها» «إذا» شرطية، والجواب في قوله: «صح» فإذا شرطت طلاق ضرتها فإن الشرط صحيح والعقد صحيح، مثال ذلك: خطب رجل من شخص ابنته، فقال: لا بأس لكن بشرط أن تطلق زوجتك، نقول: هذا الشرط صحيح؛ لأن الزوجة التي شرطت أن يطلق ضرتها لها مقصود في ذلك، وهو أن تنفرد به، وهذا مقصود للنساء بلا شك، وكل يعرف أن النساء يحببن أن ينفرد الزوج بهن، فيكون هذا مقصوداً صحيحاً.
стр. 4889
لكن هذا القول ضعيف؛ لأن هذا القياس في مقابلة النص، والنظر في مقابلة الأثر عمًى وليس بنظر؛ لأن كل شيء يخالف النص فهو باطل، يخالف قول رسول الله ﵊: «لا تسأل المرأة طلاق أختها» فأتى بالأخوة التي تستوجب عدم الاعتداء على حقها، ثم علل فقال: «لتكفأ ما في صحفتها» (١)، يعني فإن هذا الشرط موجب لقطع رزقها من هذا الزوج الذي ينفق عليها، وهذا أدنى ما يوجبه، وإلا فالرسول ﷺ ذكر الأدنى ليُستدل به على الأعلى، ففراق زوجها لها فراق العشرة، وإن كانت ذات أولاد ففراق أولاد، وتشتتهم، وهذا أعظم، فالرسول ﵊ نبه بأدنى المفاسد على أعلاها.
فإذا قلنا بجوازه، فمعنى ذلك أننا خالفنا النص، وأبحنا للمرأة أن تشترطه، إذاً هذا الشرط يدخل في الشروط الفاسدة لا في الشروط الصحيحة؛ لمخالفته للنص.
وقولهم: إن لها في ذلك غرضاً مقصوداً، نقول: صحيح لكن فيه اعتداء على غيرها ممن هي أمكن منها بزوجها، فيكون هذا النظر الذي قالوه مقابَلاً بأثر ونظر، فلو تزوجها على هذا الشرط، ثم دخل بها وأمسك الأولى فليس لها أن تطالبه بطلاقها؛ لأن الشرط الفاسد كأن لم يكن.
قوله: «أو أن لا يتسرى أو لا يتزوج عليها» الفرق بين التسري والتزوج، أن التسري الوطء بملك اليمين، والتزوج عقد النكاح، فإذا اشترطت امرأة أن لا يتسرى عليها زوجها، فقبل فإن
стр. 4890
هذا يجوز؛ لأن حق الأمة لم يوجد بعد، فلم تعتدِ على أحد، أو اشترطت أن لا يتزوج عليها فإن هذا يجوز.
وقال بعض العلماء: إنه لا يجوز؛ لأنه حجر على الزوج فيما أباح الله له، فهو مخالف للقرآن: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، فيقال في الجواب على ذلك: هي لها غرض في عدم زواجه، ولم تعتدِ على أحد، والزوج هو الذي أسقط حقه، فإذا كان له الحق في أن يتزوج أكثر من واحدة وأسقطه، فما المانع من صحة هذا الشرط؟! ولهذا فالصحيح في هذه المسألة ما ذهب إليه الإمام أحمد ﵀ من أن ذلك شرط صحيح.
فإذا قيل: ما الفرق بين هذه المسألة والمسألة الأولى؟
فالجواب: أن الفرق بينهما ظاهر؛ لأنه في الأول الرجل متزوج، وهنا لم يتزوج، فليس في هذه المسألة الأخيرة عدوان على أحد، ولهذا يقال: إن الدفع أهون من الرفع، وهي قاعدة معروفة من قواعد الفقه، والاستدامة أقوى من الابتداء، ثم إن الوفاء به ـ أيضاً ـ هو الموافق للمروءة والأخلاق؛ لأنه ليس من كريم الخلق أن تتزوج امرأة على أنك لا تتزوج عليها، ثم إذا أزلت بكارتها وصارت كاسدة بين الناس تذهب وتتزوج عليها!!
مسألة: لو قالوا للزوج: نشرط عليك أنك لو تزوجت فهي طالق، فقال: لكم ألا أتزوج، وإن تزوجت فهي طالق، يصح شرط ألا يتزوج، لكن لو تزوج هل تطلق؟ لا؛ لأنه تعليق على ما لا يملك، فالطلاق لا يكون إلا بعد النكاح، وهذا الرجل لم يتزوج حتى يطلق، ولهذا لو أن امرأة سمعت أن زوجها يريد أن يتزوج
стр. 4891
وبدأت تخالفه، فإذا أمرها بشيء، لم تمتثل، وقالت: لأنك ستتزوج، فقال: أتريدين أن أرضيك؟ قالت: نعم، قال: إذا تزوجت أي امرأة فهي طالق، ثم عقد على امرأتين فلا تطلقان؛ لأنه طلاق معلق على النكاح، ولا يصح أن يعلق الطلاق على النكاح، إذ إنه لا بد أن يكون النكاح سابقاً للطلاق.
يُخْرِجَهَا مِنْ دَارِهَا أَوْ بَلَدِهَا، أَوْ شَرَطَتْ نَقْداً مُعَيَّناً، أَوْ زِيَادَةً فِي مَهْرِهَا صَحَّ، فَإِنْ خَالَفَهُ فَلَهَا الفَسْخُ، .........
قوله: «أو لا يخرجها من دارها» قال: أنا أزوجك بنتي، لكن بشرط ألا تخرجها من بيتي فيصح؛ وذلك لأنه هو الذي أسقط حقه، وليس في ذلك عدوان على أحد، لكن يجوز فيما بعد أن يسألها إسقاط هذا الشرط، ولو بعوض على القول الراجح.
قوله: «أو بلدها» اشترطت ألا يخرجها من بلدها فهذا جائز، وهو أوسع من الدار قليلاً؛ لأنه يملك في هذا الشرط أن يخرجها إلى بيته، أو إلى جهة أخرى من البلد، فإن اتسعت البلد حتى صارت بلاداً، فنقول: ما دام اسم البلد باقياً على هذه المنطقة فهو بلدها، فيجوز هذا الشرط.
وفي الروض (١) «أو ألا يفرق بينها وبين أولادها»، فهذا ـ أيضاً ـ شرط صحيح.
كذلك ـ أيضاً ـ إذا شرطت أن ترضع ولدها الصغير وقَبِل بهذا يلزمه؛ لأن هذه كلها أقصى ما فيها أنها إسقاط لكمال الاستمتاع من الزوج، وهو الذي رضي بذلك وأسقط حقه.
стр. 4892
قوله: «أو شرطت نقداً معيناً» يعني في المهر، بأن قالت: أريد أن يكون صداقي من الدولارات فإنه يجوز، ولو اشترطت أن يكون المهر من النقد المعدني، يعني ذهباً أو فضة فإنه يجوز، ولو شرطت أن يكون صداقها من فئة مائتين الجديدة فإنه يجوز؛ لأنه قد يكون لها فيها غرض، فالمهم إذا شرطت نقداً معيناً لزم الزوج لعموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، والشروط في العقود هي أوصاف للعقود، فتدخل في قوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾.
قوله: «أَوْ زيادةً فِي مَهْرِهَا صحَّ» أي: والتزم الزوج بذلك، فالشرط صحيح، ولا مانع.
وقوله: «في مَهْرِهَا» متعلق بقوله: «معيناً».
وقوله: «زيادة» لو شرطت العكس أي: نقصاً في المهر، فهذا يصح، بأن قالت: بشرط أن لا يكون مهري إلا مائة ريال، ثم أعطاها مائتين فإن لها أن ترد المائة؛ لأنه قد يكون لها غرض في قلة المهر، إما لئلا تنكسر قلوب أخواتها، أو صديقاتها، أو تريد أن تسن سنة حسنة بتقليل المهور، فلها أن ترد الزائد على ما شرطت؛ لأن الحق لها وأسقطته.
وعموم قول المؤلف: «أو زيادة في مهرها» يشمل الزيادة الكثيرة والزيادة القليلة، فلو قالت: أنا أشترط عليك أن يكون مهري مليون ريال، ومهرها لا يساوي إلا مائتي ريال، فهذا يصح والحق لها، وهذا قد يقع تعجيزاً للخاطب؛ لأنها لا تريده، وأبوها، أو أمها، أو حاشيتها يريدون أن يجبروها على ذلك، فتقول: لا مانع، بشرط أن يعطيني مهراً مليون ريال، فإن كان
стр. 4893
تعجيزاً فسوف يرفضه الزوج غالباً، فاشتراط الزيادة الكبيرة قد يكون لغرض، ونحن نقول: إن الشروط في النكاح هي إلزام أحد الزوجين الآخر ماله فيه غرض.
والزيادة في المهر، هل تكون لها، أو لأمها وأبيها؟
تكون لها بنص القرآن لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ أي: مهورهن ﴿نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] أي: عطية لا منة فيها.
قوله: «فإن خالفه فلها الفسخ» يعني إن خالف هذه الشروط، أن يطلق ضرتها، وألا يتزوج عليها، ولا يتسرى، ولا يخرجها من دارها، أو بلدها، أو زيادة نقد معين، أو زيادة في مهرها، سبع مسائل، لكن الأولى منها ضعيفة لا نعتبرها، فيكون المعتبر من المسائل التي عدها ست مسائل، إن خالفها فلها الفسخ.
وقد يستفاد من ظاهر قوله: «فإن خالفه» أن المخالفة ليست حراماً؛ لأنه لم يقل: «وتحرم مخالفته» فقد يقال: إن ظاهر كلامه أن مخالفة الشرط ليست حراماً، وأن الوفاء به ليس بواجب وهو المذهب؛ وعللوا ذلك بأنه إذا لم يفِ فلها الخيار يعني فقد استفادت، فلا نلزمه، ولكن الصحيح أن الوفاء به واجب كما سبق، لكن إذا لم يفِ به، سواء قلنا: إن الوفاء سنة، أو قلنا: إنه واجب، فلها الفسخ.
وقوله «فلها» اللام هل هي للإباحة، أو للاستحقاق، أو لهما جميعاً؟ لهما جميعاً، فالفسخ حق لها، إن شاءت فسخت، وإن شاءت لم تفسخ.
وقوله: «فلها الفسخ» ظاهره على التراخي، يعني لا يشترط
стр. 4894
أن تبادر وتفسخ، مثال ذلك: اشترطت أن لا يتزوج عليها فتزوج، نقول: ظاهر كلام المؤلف أن الفسخ على التراخي، لقوله: «فلها الفسخ» ولم يقل: فوراً، فلما لم يشترط الفورية علم أنه على التراخي، وقد يقول قائل: لم يذكر التراخي إذاً يبقى الفسخ استحقاقه مطلقاً، فإذا كان مطلقاً فمتى شاءت فسخت، لكن إن وجد منها ما يدل على الرضا فإنه يسقط حقها، فدلالة الرضا منها إما بالقول وإما بالفعل، أما القول فأن تقول: لا بأس، أنا راضية بما خالفتَ فيه، وأما بالفعل فأن تستقر، وما أشبه ذلك، فإذا لم يعلم رضاها فإن لها الفسخ.
وإذا قلنا: لها الفسخ، فالصواب أن لها أن تفسخ بدون إذن الحاكم؛ لأن هذا شرط لا اختلاف لها فيه، وقد امتنع من عليه الشرط من التزامه به، فلا حاجة للحاكم؛ لأننا نحتاج إلى الحاكم في الفسوخ التي فيها الخلاف.
مسألة: بعض الناس يشترط على الزوج أن لا يسافر بزوجته إلى الخارج، وهذا يقع كثيراً، فهذا الشرط صحيح، لكن إذا تزوجها وأسقطت هذا الشرط فيسقط؛ لأن الحق لها، ولا نقول: إن لأبيها أن يمنعها من السفر إذا خاف عليها الفتنة؛ لأنها لما تزوجت صار وليها زوجها، قال النبي ﵊: «الرجل راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته» (١).
стр. 4895
وإِذَا زَوَّجَهُ وَلِيَّتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الآخَرُ وَلِيَّتَهُ فَفَعَلَا وَلَا مَهْرَ بَطَلَ النِّكَاحَانِ، ...........
قوله: «وإذا زوجه وليته على أن يزوجه الآخر وليته ففعلا ولا مهر بطل النكاحان»، هذا من الشروط الفاسدة المفسدة، «إذا زوجه وليته» أي من له ولاية عليها، ففعيل هنا بمعنى مفعول، أي: موليته «على أن يزوجه الآخر وليته» يعني من له ولاية عليها، من بنت، وأخت، وعمة، والجدة إن كانت من جهة الأم، فلا ولاية له عليها، وإن كانت من جهة الأب فهو ابن ابن فله ولاية عليها.
وقوله: «على» أي بشرط «أن يزوجه الآخر وليته ولا مهر بينهما» والمهر هو الصداق الذي يدفع بعقد النكاح «بطل النكاحان» كل منهما يبطل، والدليل أثر ونظر، أما الأثر فهو ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ نهى عن نكاح الشغار، وفُسِّر الشغار بأن يزوجه موليته على أن يزوجه الآخر موليته ولا مهر بينهما (١)، وأما التعليل فمن ثلاثة أوجه:
أولاً: أنه في هذه الحال جعل مهر كل واحدةٍ بُضْع الأخرى، فهل هذا ابتغى بمالِهِ أو ابتغى بفرج موليته؟ الجواب: ابتغى بفرج موليته، والله تعالى يقول: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] يعني أن تطلبوا النكاح بأموالكم، وهذا الرجل طلب النكاح بفرج موليته، فجعل فرج موليته هو المهر.
стр. 4896
ثانياً: أنه في هذه الحال عادت منفعة الصداق إلى غير المرأة، فعادت إلى الولي، والله تعالى يقول: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] أي: عطية بلا تقصير، فأضاف الصداق إليهن، وأمر بإعطائهن إياه نحلة، وهنا ما أعطينا هذه المسكينة صداقاً.
ثالثاً: أن هذا فيه غالباً مخالفة الأمانة ومجانبتها، فإن الإنسان إذا كان يحصل له فرج امرأة بفرج موليته غفل عن مقتضى الأمانة، وهي اختياره الكفء لها، وصار لا يهمه إلا من يحقق له رغبته، أما أن يكون صالحاً أو طالحاً فلا يهمه، يأتيه الرجل الصالح فيقول: أريد أن تزوجني بمهر، لكن ليس عنده بنت فيقول: لا، ويأتيه الرجل الفاسق عنده بنت فيتبادلان، ففي هذا تضييع للأمانة التي حملها الله ـ تعالى ـ للإنسان، ولهذا كان هذا العقد باطلاً بالأثر وبالنظر.
وقوله: «ولا مهر بينهما» مفهومه أنه إن كان بينهما مهرٌ صح العقد، وظاهر كلامه سواء كان المهر قليلاً أم كثيراً؛ لأنه قال: «ولا مهر» فعلم منه أنه إذا كان بينهما مهر فالنكاح صحيح؛ لأن تفسير نافع للشغار قال: «أن يزوجه ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق» (١)، وأيضاً فإن الشغار بمعنى الخلو، ومنه قولهم شغر المكان إذا خلا، ومنه قول الناس: وظيفة شاغرة، يعني خالية ما فيها أحد، فإذا كان هناك مهر فلا خلو، وأيضاً فإن الله قال: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ وهذا الرجل قد ابتغى
стр. 4897
بماله فقد بذل مهراً، فيكون النكاح صحيحاً بالمهر، سواء كان قليلا أم كثيراً.
وقال بعض أهل العلم، ومنهم الخرقي أحد فقهاء الحنابلة: لا يصح وإن سمي لهما مهر، وأن الشغار ليس من الخلو، ولكن من شغر الكلب، إذا رفع رجله ليبول، وأنه سمي بهذا الاسم تقبيحاً له، وهو ظاهر ما في قصة معاوية ﵁ حيث أمر بفسخ النكاح مع تسمية المهر، وقال: هذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله ﷺ (١)، صحيحٌ أن المهر تام، ولكن ربما أن يضيع الإنسان أمانته بسبب أنه سيحصل على التزوج بهذه المرأة.
وقال بعض العلماء بالتفصيل، وهو أنه إذا كان المهر مهر مثلها لم ينقص، والمرأة قد رضيت بالزوج وهو كفء لها، فإن هذا صحيح، وهذا هو الصحيح عندنا، أنه إذا اجتمعت شروط ثلاثة: وهي الكفاءة، ومهر المثل، والرضا، فإن هذا لا بأس به؛ لأنه ليس هناك ظلم للزوجات، فقد أعطين المهر كاملاً، وليس هناك إكراه، بل غاية ما هنالك أن كل واحد منهما قد رغب ببنت الآخر فشرط عليه أن يزوجه، لا سيما في مثل وقتنا هذا، حيث صار الناس ـ والعياذ بالله ـ لا يمكن أن يزوجوا بناتهم ويتحجَّروهن، لكن وإن قلنا: إن هذا صحيح من حيث النظر، فإنه لا ينبغي فتح الباب للعامة؛ لأن الإنسان الذي ليس عنده خوف من الله، إذا كان يهوى أن يتزوج ببنت هذا الرجل، فهي وإن
стр. 4898
كرهت الزوج فيجبرها، فسد الباب في مثل هذا الوقت أولى، وأن يقال: متى شرط أن يزوجه الآخر فإنه يجب فسخه درءاً للمفسدة، أما من حيث المعنى ومن حيث النظر، فإن ظاهر الأدلة يقتضي أنه إذا وجد مهر العادة، والرضا، والكفاءة فلا مانع.
فَإِنْ سُمِّيَ لَهُمَا مَهْرٌ صَحَّ، وَإِنْ تَزَوَّجَهَا بِشَرْطِ أَنَّهُ مَتَى حَلَّلَهَا لِلأَوَّلِ طَلَّقَهَا، أَوْ نَوَاهُ بِلَا شَرْطٍ،
قوله: «فإن سمي لهما مهر صح» أي: كلا النكاحين، واعتمدوا على قوله في الحديث: «الشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق» (١)، قالوا: هذا التفسير يحل الإشكال، ويدل على أنه إذا كان بينهما صداق فإن النكاح صحيح، وكذلك الاشتقاق يدل عليه فهو من شغر المكان إذا خلا، والعبرة في الألفاظ بمعانيها، فالشغار إذاً ليس فيه مهر، فإن سمي فيه مهر فليس فيه خلو، وقد سبق بيان ذلك.
وقوله: «مهرُ» نكرة في سياق الشرط، وظاهره ولو قليلاً، لكنه خلاف المذهب، فالمذهب قالوا: غير قليل بلا حيلة، فإن كان قليلاً حيلة فإنه لا يصح حتى على المذهب.
قوله: «وإن تزوجها بشرط أنه متى حللها للأول طلقها»، هذا ـ أيضاً ـ شرط فاسد مفسد، ويسمى نكاح التحليل، كامرأة مطلقة ثلاثاً، والرجل إذا طلق زوجته ثلاثاً لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، لقوله تعالى: ﴿اَلطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] فجاء رجل فتزوجها، لكن اشترط أهل الزوجة عليه أنه متى حللها للأول طلقها، فوافق
стр. 4899
على هذا الشرط، فهذا الشرط فاسد مفسد؛ لأنه نكاح غير مقصود، وقد قال النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (١)، والنكاح يراد به الدوام والاستمرار، وهذا لا يراد به ذلك؛ ولهذا سماه النبي ﵊ «بالتيس المستعار» (٢)، فهو كرجل استعار تيساً ليبقى عنده في غنمه ليلة، ثم ينصرف، وهو جدير بأن يسمى بهذا الاسم؛ لأنه ما أراد بهذا النكاح البقاء، ولا العشرة، ولا الأولاد، وإنما أراد جماعاً يحلها به للأول فلا يصح؛ ولأن الرسول ﵊ لعن المحلِّل والمحلَّل له (٣)، فالمحلِّل؛ لأنه ـ والعياذ بالله ـ اتخذ آيات الله هزواً، فالنكاح يراد للبقاء وهذا لم يرده للبقاء، والمحلَّل له إن كان عالماً فملعون، أما إن كان ليس بعالم فليس بملعون، لكن إذا علم فلا يجوز أن يتزوجها؛ وذلك لأن النكاح الثاني غير صحيح، ولا بد أن يكون النكاح صحيحاً حتى تحل
стр. 4900
للأول، فهو ليس نكاحاً شرعاً فلا يؤثر ما يؤثره النكاح الصحيح، وعلى هذا فلا تحل للأول ولا للثاني، أما الثاني فلأن عقده عليها غير صحيح، وأما الأول فلأنها لم تنكح زوجاً غيره في الواقع.
وهل يسمى زنا؟ قد يكون فيه شبهة لكن ليس زناً محضاً، وقد روي عن عمر ﵁ أنه قال: «لا أوتى بمحلِّل ولا محلَّل له إلا رجمتهما» (١)، فهذا الأثر يدل على أنه زنا؛ لأن الرجم لا يكون إلا للزاني.
قوله: «أو نواه بلا شرط» أي: نواه الزوج الثاني، ولهذا قال: «وإن تزوجها بشرط أو نواه» أي: نوى الزوج الثاني أنه متى حللها للأول طلقها، فإنها لا تحل للأول، والنكاح باطل، والدليل أن هذا نوى التحليل فيكون داخلاً في النهي أو في اللعن، وقد قال النبي ﵊: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (٢).
وماذا لو نوته الزوجة، فوافقت على التزوج بالثاني من أجل أن تحل للأول؟ فظاهر كلام المؤلف أنه لا أثر لنية الزوجة؛ ووجهه أنه ليس بيدها شيء، والزوج الثاني لا يطلقها؛ لأنه تزوجها نكاح رغبة، فليس على باله هذا الأمر، فإن لم تنوه هي ولكن نواه وليها فكذلك.
ولهذا قال بعض الفقهاء عبارة تعتبر قاعدة، قال: من لا
стр. 4901
فرقة بيده لا أثر لنيته، فعلى هذا تكون الزوجة ووليها لا أثر لنيتهما؛ لأنه لا فرقة بيدهما.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن نية المرأة ووليها كنية الزوج، وهو خلاف المذهب، وسلموا بأنه لا فرقة بيدهما، لكن قالوا: بإمكانهما أن يسعيا في إفساد النكاح، بأن تنكد على الزوج حتى يطلقها، أو يغروه بالدراهم، والنكاح عقد بين زوج وزوجة، فإذا كانت نية الزوج مؤثرة فلتكن نية الزوجة مؤثرة أيضاً.
فعندنا ثلاثة: الزوج، والزوجة، والولي، والذي تؤثر نيته منهم هو الزوج على المذهب، والقول الراجح أن أي نية تقع من واحد من الثلاثة فإنها تبطل العقد، لقول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات» والولي حينما عقد لم ينوِ نكاحاً مستمراً دائماً، وكذلك الزوجة.
فإذا قال قائل: امرأة رفاعة القرظي تزوجت عبد الرحمن بن الزَّبير ﵄ وجاءت تشكو للرسول ﵊ أن ما معه مثل هدبة الثوب، فقال لها: «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟»، فقالت: نعم (١)، ألا يدل ذلك على أن نية الزوجة لا تؤثر؟ نقول: هذه الإرادة، هل هي قبل العقد، أو حدثت بعد أن رأت الزوج الثاني بهذا العيب؟ الذي يظهر أنها بعد أن رأته؛ لأن كون الرجل يتزوجها ويدخل بها، وليس عندها أي ممانعة، ثم جاءت تشتكي، فظاهر الحال أنه لولا أنها وجدت هذه العلة ما جاءت تشتكي، والله أعلم، وإن كان الحديث فيه احتمال.
فإذا كان نكاح المحلل باطلاً ولا تحل به للأول، فمتى تحل؟
стр. 4902
تحل إذا تزوجها بنكاح صحيح، نكاح رغبة، وجامعها، ولا بد من الجماع، فبغير جماع لا تحل، فلو بقيت مع الثاني عشر سنوات ولم يجامعها لم تحل للأول، والدليل قول النبي ﷺ لامرأة رفاعة القرظي: «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك»، والحكمة من ذلك أن الزوج الثاني إذا جامع رغب، فإن الجماع يقتضي المودة بين الزوجين.
أوْ قَالَ: زَوَّجْتُكَ إِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ، أَوْ إِنْ رَضِيَتْ أُمُّهَا، أَوْ إِذَا جَاءَ غَدٌ فَطَلِّقْهَا، أَوْ وَقَّتَهُ بِمُدَّةٍ بَطَلَ الكُلُّ.
قوله: «أو قال: زوجتك إذا جاء رأس الشهر، أو إن رضيت أمها، أو إذا جاء غدُ فطلقها، أو وقته بمدة بطل الكل» هذا النكاح المعلق، والمؤلف ذكر له أربع صور: الأولى: إذا جاء رأس الشهر، وهذا تعليق محض، الثانية: إذا رضيت أمها، فهذا تعليق بفعل الغير، الثالثة: تعليق الطلاق، الرابعة: إذا وقَّته بمدة، أي: وقَّت النكاح.
الأولى: إذا قال: زوجتك إذا جاء رأس الشهر، فهذا تعليق محض، فهل يصح النكاح أو لا يصح؟ يقول المؤلف: إنه لا يصح؛ لأنه يشترط تنجيز العقد، فلا يصح معلقاً.
وقوله: «رأس الشهر» هل هو أوله أو آخره؟ المعروف أن رأس الشهر ورأس الحول آخره، فإذا قال: زوجتك إذا جاء رأس الشهر يعني آخره، فقال: قبلت، فالنكاح لا يصح؛ لأنه نكاح معلق على شرط، فإذا كان نكاحاً معلقاً على شرط ثم قبل، وقع القبول قبل الإيجاب؛ لأن الإيجاب على رأس الشهر فإذا قبل الآن لم يصح.
هذا هو المشهور من المذهب في هذه المسألة وغيرها، أن جميع العقود غير الولايات والوكالات وما جرى مجراها لا يصح
стр. 4903
تعليقها، فالبيوع لا يصح تعليقها، والإجارة لا يصح تعليقها، والصحيح أن في ذلك تفصيلاً، فإن كان مجرد تعليق، فالقول بعدم صحة العقد صحيح، أما إن كان التعليق فيه غرض مقصود فالنكاح صحيح.
ثانياً: إذا قال: زوجتك إن رضيت أمها، فقال: قبلت، فرضيت أمها، فالنكاح لا يصح بناءً على ما سبق، من أن النكاح المعلق على شرط يقع فيه القبول قبل الإيجاب.
وقال بعض أهل العلم: إنه يصح؛ لأنه وإن كان تعليقاً لكن له معنى، وهو رضا الأم، فإن رضا الأم بزواج ابنتها له شأن كبير في إصلاح ما بين الزوجة والزوج، ولذلك بعض النساء تفسد بنتها على زوجها إذا لم ترضه.
فالقول الراجح في هذه المسألة: أنه جائز أن يقول: زوجتك إذا رضيت أمها؛ لأن في ذلك غرضاً صحيحاً، ولأن مدته الغالب أنها تكون قليلة، فإذا قلنا: إنه لا يصح، ورضيت الأم فلا يلزم إلا شيء واحد فقط وهو إعادة العقد، وما أسهل إعادة العقد إذا كان يحمي الإنسان من الشبهة، ويخرج به من الخلاف، ويترتب على القول بأنه يصح أنه لو رضيت أمها ثم مات الزوج، فعليها العدة، ولها المهر والميراث، وإذا قلنا: لا يصح لم يترتب شيء.
قال في الروض (١): «غير زوجت أو قبلت إن شاء الله فيصح، كقوله: زوجتكها إذا كانت بنتي، أو إن انقضت عدتها
стр. 4904
وهما يعلمان ذلك» هذا استثناء من هذه المسألة:
المسألة الأولى: إذا علقه بمشيئة الله، مثل أن يقول: زوجتك بنتي إن شاء الله، فقال: قبلت، فإن النكاح يصح، فإذا قال قائل: كيف يصح، ونحن لا نعلم مشيئة الله؟ قلنا: بل قد علمنا مشيئة الله؛ لأننا إذا فعلنا المأمور على حسب ما أمر الله به فقد علمنا أن الله قد شاء فِعْلَنا؛ فإذا قلت: زوجتك إن شاء الله، فقلت: قبلت هذا الزواج، علمنا أن الله شاءه لما وقع، وأن الله يرضاه بمقتضى الشرع، فنحن بوقوعه علمنا أنه مُشاءٌ لله، وبمعرفتنا أنه منطبق على مقتضى الشريعة علمنا رضا الله به، فبالوقوع، نعلم أنه مراد، وبموافقته للشرع نعلم أنه مرضي؛ وذلك لأن الله لا يرضى إلا ما وافق شرعه: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾. [الزمر: ٧]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦]، فما خالف أمر الله ورسوله ﷺ فهو غير مرضي له، وقع أم لم يقع، وما وافق مشيئته وقع، سواء كان مرضياً له أم لم يكن مرضياً له.
المسألة الثانية: إذا كان ولياً لها بأن قال: زوجتك هذه إن كانت ابنتي، وهو يعلم أنها بنته، والشهود يعلمون أنها ابنته، فهذا التعليق في الحقيقة بيان للواقع فيصح النكاح؛ والسبب أن هذا هو الواقع؛ لأنه لو لم تكن ابنته ما زوجها، وهذا تعليق على وجود الشرط.
المسألة الثالثة: لو علقه على انتفاء مانع، بأن يقول: زوجتك ابنتي هذه إن كانت انقضت عدتها، والزوج يعلم أنها منقضية، والشهود يعلمون أنها منقضية، فالنكاح صحيح؛ لأن هذا
стр. 4905
بيان للواقع، ومعلوم أنه لما انقضت عدتها صح نكاحها.
فصار التعليق بوجود الشرط، أو انتفاء المانع صحيحاً إذا كان الولي، والزوج، والشهود يعلمون ذلك.
وقوله: «أو إذا جاء غد فطلقها»، أي: بأن قال: زوجتك بنتي ليلة الثلاثاء، لكن صباح الأربعاء طَلِّقْها، فإن هذا لا يجوز؛ لأنه وقَّته ولم يأتِ في الشرع أن النكاح يراد للطلاق.
وقوله: «أو وقته بمدة» هذه هي القاعدة العامة، يعني إذا وقته بمدة بطل النكاح في كل المسائل، بأن قال: زوجتك ابنتي لمدة شهر، أو شهرين، فهذا الشرط فاسد مفسد، وهو ما يسمى بنكاح المتعة، وسمي بذلك؛ لأن المراد به التمتع هذه المدة فقط.
ولو قال: زوجتك بنتي ما دمت في هذا البلد، أو ما دمت تدرس في الجامعة فإن هذا لا يجوز؛ لأن هذا هو المتعة، سواء قيدها بزمن معين محدد، أو بحال معينة للزوج.
فالقاعدة إذاً كل نكاح موقت بعمل، أو زمن فإنه نكاح متعة لا يجوز.
والمتعة من مسائل الخلاف بين أهل القبلة الذين ينتسبون للإسلام، فقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه يجوز للضرورة (١)، وأن الإنسان إذا اضطر لمثل هذا النكاح فلا بأس به، مثل أن يكون غريباً يخشى على نفسه من الفساد، ويريد أن يتزوج، فإن تزوج تزوجاً مطلقاً كثر عليه المهر، وإن تزوج تزوجاً