يسقط غيره من الحقوق؛ لأنه ما دام السبب باقياً فإنه يجب أن يبقى المُسبَّب، وإنما ذكر المؤلف ذلك؛ لأن بعض أهل العلم قال: إن الخلع يسقط ما سبقه من الحقوق؛ لأن المقصود الفداء والفراق التام، بحيث لا يبقى له علقة، ولا يبقى لها علقة، ولكن القول الراجح ما قاله المؤلف: أنه إذا خالعها بشيء وجب العوض الذي خالعها عليه، وأما غيرُه من الحقوق الواجبة لها على زوجها فهي باقية.
وَإِنْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِصِفَةٍ ثُمَّ أَبَانَهَا فَوُجِدَتْ، ثُمَّ نَكَحَهَا فَوُجِدَتْ بَعْدَهُ طَلَقَتْ كَعِتْقٍ، وَإِلاَّ فَلَا.
قوله: «وإن علق طلاقها بصفة ثم أبانها فوُجدت، ثم نكحها فوجدت بعده طَلَقَتْ».
مثال ذلك: أن يقول: إن كلمت فلاناً فأنت طالق، ثم بعد هذا الكلام طرأ بينهما سوء تفاهم فطلقها، وخرجت من العدة، وكلمت فلاناً بعد أن خرجت من العدة، ثم تزوجها ثانياً، ثم بعد الزواج الثاني كلمت فلاناً تطلق؛ لأنه علق طلاقها في حال يملك التعليق، فوجدت الصفة المعلق عليها في حال يملك التطليق، فإذاً يقع الطلاق.
فإذا قال قائل: أليست الصفة وجدت في حال البينونة فانحلت اليمين بها؟ لأن اليمين والطلاق ينحلان بأول مرة وينتهيان.
نقول: نعم، هذا صحيح، لكن الصفة وجدت في حال لا يملك طلاقها، ولا يقع عليها طلاقه؛ لأنها ليست في عصمته، فوجودها قبل أن يتزوجها المرة الثانية كعدمه، وعلى هذا فتطلق في المرة الثانية.
стр. 5217
فلو أن الرجل قال لزوجته: إن كلمت زيداً فأنت طالق فكلمته وهي في عصمته تطلق، فإذا راجعها ثم كلمته ما تطلق؛ لأن الطلاق المعلق انحل بأول مرة، فصار وقوعه في الثانية غير معلق عليه الطلاق.
فإذا قال قائل: ما الفرق بين هذه الصورة والصورة الأولى؟
فالجواب: أن الصورة الأولى وقعت الصفة وهي في غير عصمته، فلم يكن المحل قابلاً، فلا يقع الطلاق.
وقوله: «ثم أبانها» يشمل ما إذا كانت البينونة بالثلاث، أو بما دونه، فالبينونة بالثلاث تبين بمجرد أن يقول: أنت طالق ثلاثاً، والبينونة بغير الثلاث تكون إذا انتهت العدة، أو إذا كان الطلاق على عوض، وكلام المؤلف يشمل ما إذا كانت البينونة بالطلاق الثلاث، أو بغير الطلاق الثلاث، ما دام بانت منه ووجدت الصفة في حال البينونة، فإنه إذا تزوجها مرة ثانية فإنه تعود الصفة.
وقال جمهور أهل العلم: إنه إذا كانت البينونة بالطلاق الثلاث فإن الصفة لا تعود؛ لأن النكاح الأول انتهت أحكامه بالطلاق الثلاث؛ فإذا طلقها ثلاثاً ثم تزوجت بزوج آخر، ثم فارقها الزوج الثاني، ثم تزوجها الزوج الأول تعود على طلاق ثلاث.
فإذا وجدت الصفة في النكاح الجديد لم تطلق الزوجة، مثال ذلك: رجل قال لزوجته: إن كلمت زيداً فأنت طالق ولم يبق له إلا طلقة واحدة فقط، فطلقها الطلقة الثالثة، وقبل انتهاء العدة
стр. 5218
كلمت زيداً، ثم إنها تزوجت بزوج آخر، وفارقها، ثم تزوجها زوجها الأول، ثم كلمت زيداً، فعلى رأي الجمهور لا تطلق، وعلى رأي المؤلف تطلق؛ لأن قوله: «ثم أبانها» عام، ولا شك أن رأي الجمهور أصح في هذه المسألة لقوة تعليله.
وهناك قول آخر: أنها لا تعود مطلقاً، ولو كانت البينونة بغير الطلاق الثلاث، قالوا: لأن ظاهر الحال أنه لما قال الرجل لزوجته: إن كلمت فلاناً فأنت طالق أن قصده في هذا النكاح، ولم يكن يطرأ على باله أنه حتى لو طلقها وتزوجها بعد، وهي ـ أيضاً ـ إذا بانت منه فقد انقطعت علائقها منه، فالتعليق إنما كان في نكاح سابق، والنكاح السابق بانت منه، وهذا نكاح جديد فلا تطلق؛ لأن الله ـ تعالى ـ إنما جعل الطلاق بعد النكاح، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] فلا طلاق قبل النكاح، وهذا قد علق الطلاق في نكاح سابق قبل النكاح الثاني.
فعندنا ثلاثة أقوال:
الأول: أن الصفة تعود مطلقاً وهو المذهب.
الثاني: أنها لا تعود مطلقاً.
الثالث: رأي الجمهور، أنها لا تعود إن بانت بالطلاق الثلاث، وتعود إن بانت بغير الثلاث.
وكل هذا فيما إذا وجدت الصفة في حال البينونة، لكن إذا لم توجد، بأن قال: إن كلمتِ زيداً فأنت طالق، ثم طلقها وبانت منه، ثم تزوجها قبل أن تكلم زيداً ثم كلمت زيداً بعد التزويج،
стр. 5219
فعلى المذهب وغير المذهب تطلق؛ لأن يمينه لم تنحل، فالصفة لم توجد فتطلق بكل حال.
وعند شيخ الإسلام في هذه المسألة أنها لا تطلق؛ لأن الظاهر أنه أراد وقوع الصفة في النكاح الأول الذي علق عليه، وفي الحقيقة أنك إذا تدبرت الأمر، وجدت أن هذا القول أرجح من غيره؛ لأن الظاهر من هذا الزوج أنه لم يطرأ على باله أن هذا التعليق يشمل النكاح الجديد، اللهم إلا إذا كان علقها على صفة يريد ألا تتصف بها مطلقاً، فهذا قد يقال: إنها تعود الصفة.
قوله: «كعتقٍ» يعني كما لو علق الإنسان عتق عبده على شيء، ثم باع العبد فوجدت الصفة التي علق عتقه عليها، ثم اشتراه فوجدت بعد شرائه، مثاله: قال لعبده: إن فعلت كذا وكذا فأنت حر، ولم يفعله فباعه على زيد، ثم فعله في ملك زيد فإنه لا يعتق؛ لأنه ليس في ملكه، ثم اشتراه من زيد، وفعله بعد أن اشتراه، فإنه يعتق؛ لأنه وجد الفعل وهو في ملكه.
قوله: «وإلا فلا» يعني وإن لم توجد الصفة في النكاح الثاني، فإنها لا تطلق إذا وجدت حال البينونة؛ لأنها حال البينونة ليست زوجة، كما أن الشرط الذي عُلق عليه العتق إذا وجد بعد خروج ملكه عنه لا يحصل به العتق.
تم المجلد الثاني عشر
ـ بفضل الله وتوفيقه ويليه الثالث عشر ـ بعون الله تعالى ـ
وأوله: كتاب الطلاق
стр. 5220
الشرح الممتع
على
زاد المستقنع
لفضيلة الشيخ العلامة
محمد بن صالح العثيمين
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
المجلد الثالث عشر
دار ابن الجوزي
طبع بإشراف مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ
стр. 5221
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كِتَابُ الطَّلَاقِ
قوله: «الطلاق» اسم مصدر طلَّق، واسم المصدر يوافق المصدر في المعنى لكن يخالفه في الحروف، وهو مأخوذ من التخلية والإطلاق الذي هو ضد القيد؛ وذلك لأن النكاح عقد وقيد، فإذا فورقت المرأة انطلق ذلك القيد؛ ولهذا نقول: إن تعريفه في الاصطلاح «هو حل قيد النكاح أو بعضه»، إن كان بائناً فهو حل لقيد النكاح كله، وإن كان رجعياً فهو حل لبعضه، ولهذا إذا طلق مرة نقص فيبقى له طلقتان، وإذا طلق ثنتين بقي له واحدة.
وإذا تأملت وجدت أن الزوج هو الذي بيده الأمر، وأن المرأة عنده كالناقة المعقولة؛ ولهذا أمر النبي ﵊ أن نتقي الله في النساء، وقال: «إنهن عوان عندكم» (١)، والعاني هو الأسير، وبه يظهر ما فضل الله به الرجل على المرأة، ونعرف أن الذين ينادون بتسوية الرجل والمرأة قد ضادُّوا الله ـ تعالى ـ في حكمه الكوني والشرعي؛ لأن المرأة لا تساوي الرجل، لا من حيث الخِلقة، ولا من حيث الخُلُق، ولا من حيث العقل، فلا تساويه بأي حال من الأحوال.
لكن أولئك قوم ـ والعياذ بالله ـ تشبَّعوا بما عند أعداء
стр. 5222
المسلمين، من تقديس المرأة وتسييدها حتى إنهم يقدِّمونها على الرجال حينما تذكر مع الرجل، فصار هؤلاء الجهَّال والسفهاء التابعون لكل ناعق يقلدونهم، ويرون أنهم إنما صنعوا الطائرات والمراكب والدبابات والأسلحة الفتاكة؛ لأنهم ساووا المرأة بالرجل، فظنوا أن انحطاطهم في الأخلاق هو الذي أرقاهم إلى هذا، وأنَّ تأخرنا نحن بسبب أننا تمسَّكنا بهذا الدين، الذي يزعم بعض الملاحدة أنه أفيون الشعوب ـ والعياذ بالله ـ يعني مخدر الشعوب، والحقيقة أن الذي أخَّرنا ليس هو الإسلام ولكن تخلفنا عن الإسلام، وتعطيلنا لتوجيهات الإسلام، وإلا فالرب يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠].
ولما كانت الأمة الإسلامية من قبل متمسكة بالإسلام صار لها من الظهور والعظمة ما جعل أولئك يقلدونها، حتى إنهم يقولون: إن هارون الرشيد لما أهدى إلى شارلمان ملك فرنسا ساعة، وشُغِّلت عنده نفر وهرب، وقال: إن هذا سحر من العرب! والآن انقلبت المسألة وصارت آلاتهم التي يجلبونها لنا نقول: هذه سحر! هذا كله بسبب تخلفنا عن الإسلام، فلو أننا أنزلنا القرآن في قلوبنا منزلة الشيء المحبوب المرغوب، وفي أعمالنا منزلة المنهاج الذي نسير عليه ما غلبتنا قوة في الأرض، لكن بالتخلف حصل ما حصل.
فالمهم أن الواجب علينا نحن طلبة العلم أن نكرس جهودنا ضد هذا السيل الجارف، الذي ينادي بتسوية المرأة بالرجل، والذي حقيقته هدم أخلاق المرأة وفساد الأسرة، وانطلاق المرأة
стр. 5223
في الشوارع متبرجة متبهية بأحسن جمال وثياب والعياذ بالله، حتى تتفكك الأسرة، وشَرُّ هذا ليس هذا موضع بسطه، إنما نحن طلبة العلم نعرف أن لطالب العلم مقاماً عند العامة، فإذا تكلم في كل مناسبة ضد هذه المبادئ الخبيثة صار في هذا خير كثير ودرء لمفاسد كثيرة.
واعلم أن الطلاق لا يكون إلا بعد نكاح؛ لأنه حل قيد النكاح، فقبل النكاح لا طلاق، فلو قال رجل لامرأة: إن تزوجتك فأنت طالق فتزوجها، ما تطلق، أو رجل قالت له زوجته: سمعت أنك تريد أن تتزوج وهذا لا يرضيني، وضيقت عليه، فقال لها: ترضين أن أقول: إن تزوجت امرأة فهي طالق؟ قالت: يكفي ورضيت، فقالها، وما تزوج، فلو تزوج لم تطلق؛ لأنه قبل النكاح.
ولو قال لرقيق: إن ملكتك فأنت حر، فملكه، لا يقع قياساً على الطلاق، فالطلاق قبل عقد النكاح لا يقع، والعتق قبل الملك لا يقع، وإلى هذا ذهب كثير من العلماء، وقالوا: إن الإنسان ليس عليه عتق فيما لا يملك، ولا طلاق فيما لا يملك.
ولكن الإمام أحمد ﵀ ذهب إلى أن العتق يقع، وفَرَّق بينه وبين الطلاق بأن الملك يراد للعتق، يعني أن الإنسان يشتري العبد ليعتقه، لكن النكاح لا يراد للطلاق، فلا يمكن أن يقال: إنه نكح فلانة ليطلقها، اللهم إلا في نكاح التحليل، ولا يصح أصلاً.
أما حكم الطلاق فإنه تجري فيه الأحكام الخمسة، فيكون
стр. 5224
واجباً، وحراماً، وسنَّة، ومكروهاً، ومباحاً، وما هو الأصل؟ الأصل الكراهة، والدليل قوله تعالى في الذين يؤلون من نسائهم، يعني يحلف أنه ما يطؤها قال: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *﴾ [البقرة]، ففي الطلاق قال: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *﴾، وهذا فيه شيء من التهديد، لكن في الفيئة قال: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *﴾ فدل هذا على أن الطلاق غير محبوب إلى الله ، وأن الأصل الكراهة، وأما حديث: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» (١)، فهو ضعيف ولا يصح، حتى من حيث المعنى، يغني عنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *﴾ [البقرة].
يُبَاحُ لِلْحَاجَةِ، ......................................
قوله: «يباح للحاجة» أي: حاجة الزوج، فإذا احتاج فإنه يباح له، مثل أن لا يستطيع الصبر على امرأته، مع أن الله أشار إلى أن الصبر أولى فقال: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]، وقال ﷺ : «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها خلقاً آخر» (٢)، لكن أحياناً لا يتمكن الإنسان من البقاء مع هذه الزوجة، فإذا احتاج فإنه يباح له أن يطلق، والدليل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]،
стр. 5225
ولم يقل: يا أيها النبي لا تطلقوا النساء، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، ولأن الذين طلقوا في عهد الرسول ﵊ لم يكن ينهاهم عنه، ولو كان حراماً لمنعهم، ولو كان مكروهاً لاستفصل منهم، ثم عندنا قاعدة فقهية معروفة عند أهل العلم، وهي أن المكروه يزول عند الحاجة، وهذا من حكمة الله ، وقد كان أعداء المسلمين يطعنون على المسلمين في جواز الطلاق؛ لأنهم ما يودون أن تحزن المرأة، مع أن هذا هو العيب حقيقة؛ لأننا نعلم علم اليقين أن الرجل إذا أمسكها على هون، وهو لا يريدها ولا يحبها، يحصل لها من التعاسة شيء لا يطاق، لكن إذا طلقها يرزقها الله ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠]، فكان ما جاء به الإسلام هو الحكمة، والرحمة أيضاً، وإلا فإلزام الإنسان بمعاشرة من لا يحب من أصعب الأمور حتى قال المتنبي:
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى
عدواً له ما من صداقته بُدُّ
فمن نكد الدنيا أنك ترى عدواً لك، لكن لا بد أن تصادقه.
وقوله: «للحاجة» اللام يحتمل أن تكون للتعليل، ويحتمل أن تكون للتوقيت، فيحتمل أن يكون المعنى يباح الطلاق إذا احتاج إليه، ويحتمل أن يكون المعنى يباح وقت الحاجة، فتكون للتوقيت.
وَيُكْرَهُ لِعَدَمِهَا، .........................................
ثانياً: قوله: «ويكره لعدمها» أي: عدم الحاجة، فمع استقامة الحال يكره، وقد ذكرنا أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ
стр. 5226
فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *﴾ [البقرة] فيه الإيماء والتنبيه على أن الطلاق مكروه عند الله وهذا دليل أثري.
والدليل النظري: أن الطلاق يترتب عليه تشتت الأسرة، وضياع المرأة وكسر قلبها، لا سيما إذا كان معها أولاد أو كانت فقيرة أو ليس لها أحد في البلد، فإنه يتأكد كراهة طلاقها، وربما يترتب عليه ضياع الرجل أيضاً، فقد لا يجد زوجة، ثم إنه إذا عُلم أن الإنسان مِطْلاق فإنه لا يزوجه الناس، فَلِعلل كثيرة نقول: إنه يكره.
وَيُسْتَحَبُّ لِلضَّرَرِ، ...............................
ثالثاً: قوله: «ويستحب للضرر» أي: ضرر المرأة، فإذا رأى أنها متضررة فإنه يستحب أن يطلقها، ولو كان راغباً فيها، كما لو فرض أن المرأة لما تزوجها أصابها مرض نفسي، كما يقع كثيراً ـ نسأل الله العافية ـ وضجرت وتعبت، ولا استقامت الحال مع زوجها، وهو يحبها، نقول هنا: يستحب أن تطلقها لما في ذلك من الإحسان إليها بإزالة الضرر عنها، أما ما يفعله بعض الجبابرة ـ والعياذ بالله ـ يقول: أنا ما أطلق حتى ترد عليَّ ما أمهرتها أو أكثر، فهذا ـ والعياذ بالله ـ ظلم، فالذي ينبغي إذا رأى أنها متضررة أن يُطْلِق سراحها.
وهل نقول: في هذه الحال ينبغي أن يشاورها، أو لا؟ وهل نقول: إنه ينبغي أن يقول لها: أنت ـ مثلاً ـ كما ترين أُصبتِ بهذا الأمر، فإن رغبت أن أطلقك فلا حرج؟ في هذه الحال أنا أتردد، هل يستحب أن يشاورها أو لا يستحب؟ والسبب أنها ربما تكون عندها رغبة في الزوج وتقول: أرغب أن أبقى، وبقاؤها يكون
стр. 5227
ضرراً عليها وهدماً لصحتها، فقد يقال: إنه يجعل المسألة من جهته هو على أنه معالج وطبيب، وإذا رأى أن مصلحتها تقتضي أن يطلقها طلقها.
ولو تضجرت منه لقلة ذات اليد، كإنسان فقير، وهي ـ مثلاً ـ من بيت أغنياء، ورأى أن المرأة متضجرة من فقره، فهنا نقول: يستحب أن يشاورها، مثل ما أمر الله نبيه ﵊ في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَِزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً *وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا *﴾ [الأحزاب]، فأول من بدأ بها عائشة ﵂ وهي أصغرهن، وخاف ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ أنها لصغرها تريد الحياة الدنيا، فقال: «ما عليك ألا تستأذني أبويك في هذا»، أي: شاوري أبويك في هذا الأمر ـ فقالت: يا رسول الله أفي هذا أشاور أبوي؟! إني أريد الله والدار الآخرة (١)، ﵂.
فالمهم إذا كان السبب هو قلة ذات يد الرجل، أو سوء عشرته، أو ما أشبه ذلك؛ لأن بعض الناس يكون أحمق ضيق النفس، فهذه نرى أنه يشاورها، وأما إذا كان ذلك لسبب فيها هي فنرى أنه ينزل نفسه في هذه الحال منزلة الطبيب المعالج، وينظر ما تقتضيه المصلحة.
стр. 5228
نعم إذا كرهته لدينه ـ يعني لاستقامته ـ فإنه لا يخيرها أبداً، بل يبقيها عنده لعل الله يهديها بعد ذلك، وهذا إن كان يمكن العلاج؛ لأن الناس يختلفون، فبعض الناس تكون صورته صورة رجل، لكن معناه امرأة، تغلبه المرأة، فأخشى أن تفسد دينه، فالمسألة ترجع إلى قوة الرجل وصلابته.
وَيَجِبُ لِلإِيلَاءِ، وَيَحْرُمُ لِلْبِدْعَةِ، ......................
قوله: «ويجب للإيلاء» الإيلاء مصدر آلى يولي بمعنى حلف يحلف، وهو أن يحلف الرجل على ترك وطء زوجته أكثر من أربعة أشهر، بأن يقول: والله لا أجامعك، إما لمدة سنة، أو يُطْلِق، قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ *﴾ ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *﴾ [البقرة]، فحدد الله أربعة أشهر، فإذا تمَّت الأربعة وجب عليه واحد من أمرين: إما الرجوع ويكفِّر كفارة يمين، وإما الطلاق، وإذا لم يفعل ألزم أو طلق عليه الحاكم.
كذلك يجب عليه أن يطلق إذا اختلَّت عفة المرأة ولم يمكنه الإصلاح، فلو كانت المرأة ـ والعياذ بالله ـ تفعل الفاحشة وهو لا يستطيع أن يمنعها، فإنه يجب عليه أن يطلق، فإن لم يفعل صار ديوثاً.
قوله: «ويحرم للبدعة» يعني إذا كان طلاق بدعة، وهذا من التعبير الغريب؛ لأن المعروف عند أهل العلم أن البدع تطلق على عبادة لم تشرع، أو على وصف زائد عما جاءت به الشريعة، أو في جانب الاعتقاد، وهنا جعلوها في جانب العمليات.
ولكنهم جعلوها بدعة لمخالفة الشرع، والظاهر أن هذا
стр. 5229
التعبير قديم من عهد السلف، يسمون الطلاق الموافق للمأمور سنة والمخالف للمأمور بدعة.
وطلاق البدعة يكون في العدد وفي الوقت، يعني إما أن يكون بدعة لوقوعه في وقت محرم، أو بدعة لكونه بعدد محرم، فالبدعة في الوقت، مثل أن يطلق من تلزمها العدة بالحيض وهي حائض، أو في طهر جامعها فيه وهي من ذوات الحيض ولم يتبين حملها، فإن تبين حملها جاز طلاقها، ولو كان قد جامعها في الطهر، كذلك إذا كانت لا تلزمها العدة كغير المدخول بها، فإن طلقها وهي حائض فالطلاق سنة، أو كانت ممن لا يحيض، كصغيرة أو عجوز كبيرة فلا بأس أن يطلقها.
وأما البدعة في العدد فأن يطلقها أكثر من واحدة، مثل أن يطلقها ثنتين فيقول: أنت طالق طلقتين، أو يقول: أنت طالق ثلاثاً؛ لأن السنة أن يطلقها واحدة، وهل يقع أو لا يقع؟ أكثر العلماء على أنه يقع، والقول الراجح أنه لا يقع، فإذا طلق إنسان زوجته فقال: أنت طالق، أنت طالق، تطلق على القول الراجح واحدة فقط؛ لأن الثانية بدعة، والبدعة لا يجوز إقرارها، ولو قلنا بوقوع الطلاق لزم من ذلك إقرار البدعة، وإقرار البدعة منكر، ثم إن قول الرسول ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (١)، يقتضي أن الطلقة الثانية مردودة لا تقع؛ لأنها غير مأمور بها فهي طلقة بدعة، والبدعة لا يمكن أن تقع، فكل بدعة ضلالة، وهذا
стр. 5230
ما أقرره، وهو الذي قرره شيخ الإسلام ابن تيمية واختاره شيخنا عبد الرحمن بن سعدي ﵀، وقال: إن من تأمل هذا القول وجد أنه القول الذي لا يسوغ القول بخلافه؛ لأن أدلته قوية وواضحة.
وظاهر كلام أهل العلم: أن الطلاق في النفاس مثل الطلاق في الحيض؛ لأنهم قالوا في باب النفاس: إنه كالحيض فيما يحل ويحرم ويجب ويسقط، إلا ما استثنوا، وهي ثلاث مسائل وليس منها الطلاق، وعندي أنه يصح أن يطلقها في النفاس؛ لأن النفاس ما يحسب من العدة، بخلاف الحيض، فهو إذا طلقها تشرع في عدتها، أما الحيض فإنها لا تشرع في عدتها مباشرة، هذا هو الفرق بينهما، والمسألة ليست إجماعية، فلو أن الإجماع ثبت بأن الطلاق في حال النفاس حرام ما وسعنا أن نخرج عنه، فالراجح أنه إذا طلقها في النفاس وقع الطلاق.
فصار الطلاق تجري فيه الأحكام الخمسة: يباح للحاجة، ويكره لعدمها، ويستحب للضرر، ويجب للإيلاء، ويحرم للبدعة، وذكرنا ـ أيضاً ـ أنه يجب فيما إذا اختلت عفة الزوجة، ولم يتمكن من إصلاحها.
وَيَصِحُّ مِنْ زَوْجٍ مُكَلَّفٍ، وَمُمَيِّزٍ يَعْقِلُهُ، .........
قوله: «ويصح من زوج مكلف ومميز يعقله» يصح الطلاق بهذه الشروط:
أولاً: «من زوج»، فغير الزوج لا يصح منه الطلاق، إلا أن يقوم مقام الزوج بوكالة فلا بأس، فلو طلق امرأة قبل أن يتزوجها فلا يصح، ولو قال لامرأة واجهها: أنت طالق، ثم تزوجها ما
стр. 5231
يقع، وكذلك لو قال: إن تزوجتك فأنت طالق ما يقع؛ لأن الله يقول في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، و ﴿ثُمَّ﴾ للترتيب، ولأنه لا يتصور طلاق بلا عقد، وكيف يكون طلاقاً وهو لم يتزوج؟!
فإذا قال قائل: المعروف في مذهب الإمام أحمد أنه إذا قال لعبد: إن ملكتك فأنت حر، ثم ملكه أن العبد يعتق، بخلاف إن تزوجتك فأنت طالق.
قالوا: إن الفرق بينهما كما سبق، أن شراء العبد يراد للعتق لكن زواج المرأة لا يراد به الطلاق، فشراء العبد يراد للعتق فيكون مقصوداً شرعياً، فصح تعليق العتق عليه؛ ولهذا من وجب عليه إعتاق رقبة، وعنده دراهم وليس عنده رقبة، فالطريق إلى إعتاقها الشراء، لكن النكاح لا يراد للطلاق، ومن ثَمَّ كان نكاح المحلل باطلاً؛ لأن المحلل لا يريدها للاستمتاع بل يريدها للطلاق، فهذا هو الفرق بينهما، وهو فرق وجيه وواضح.
ولو تزوج رجل امرأة بدون شهود ثم طلقها، فإن قلنا: إن الإشهاد شرط للصحة لم يقع الطلاق؛ لأن النكاح لم يصح أصلاً، ولو تزوج رجل امرأة في عدتها ثم طلقها لم يصح الطلاق؛ لأنه ليس من زوج، إذ إن العقد في العدة غير صحيح، وكذا لو تزوجها بنكاح شغار ثم طلقها فلا يصح الطلاق؛ لأن العقد غير صحيح فهي ليست زوجة، وليس قولنا: لا يصح الطلاق أنه لا يفرق بينهما، فهي ليست زوجته أصلاً، فهي حكماً
стр. 5232
مُفَرَّقٌ بينها وبين زوجها، فلا بد أن تفارقه، لكن هذا الطلاق لا يعتبر.
ثانياً: قوله: «مكلف» وهو البالغ العاقل، فخرج بالبالغ الصغير، وخرج بالعاقل المجنون، لكن في الصغير قال:
«ومميز يعقله» فصار الصغير المميز الذي يعقل الطلاق يصح طلاقه.
والمميز سبق أن المذهب أنه محدود بالسن وهو سبع سنوات، والقول الثاني: أنه محدود بالحال، بأن يقال: إن المميز هو الذي يفهم الخطاب ويرد الجواب، لكن اشترط المؤلف أيضاً في المميز أن يعقله، وينبغي أن نجعل «يعقله» عائدة على كل الأوصاف، على «مكلف» وعلى «مميز»؛ لأن من لا يعقل معنى الطلاق لا يقع منه الطلاق ولو كان مكلفاً، فلو فرضنا أن رجلاً أعجمياً لا يعرف معنى الطلاق، وتكلم به باللسان العربي، وهو لا يعقله فلا يقع طلاقه؛ لأنه ما يعقل معناه، وكذلك الصبي المميز إذا قال لزوجته: أنت طالق، قلنا: أتدري معنى «أنت طالق؟» قال: معناه أنها ما رُبطت، فهل هذا يعقل الطلاق أو لا؟ الجواب: ما يعقله، إذاً لا يقع طلاقه.
لكن لو سألناه قلنا: أتعرف الطلاق؟ قال: نعم، الطلاق معناه أنه حصلت المفارقة بيني وبينها، وأصبحت غير زوجة لي، فهذا يعقله فيقع طلاقه.
ودليل اشتراط كونه يعقله قول النبي ﷺ : «إنما الأعمال
стр. 5233
بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (١)، ومن لا يعقل الشيء لا ينويه.
وَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ مَعْذُوراً لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ، ..................
قوله: «ومن زال عقله معذوراً لم يقع طلاقه» زوال العقل في الحقيقة له أقسام وصور كثيرة؛ منها أن يزول عقله بالنوم، فإذا نام إنسان وسمعناه يقول لزوجته: أنت طالق، أو يقول: فلانة بنت فلان زوجتي طالق، فلا تطلق؛ لأنه لا عقل له، وقد قال النبي ﷺ : «رفع القلم عن ثلاثة … » ومنهم «النائم حتى يستيقظ» (٢)، ومنها أن يزول عقله بإغماء مثل إنسان أغمي عليه وطلق زوجته في حال إغمائه فلا يقع طلاقه، ومنها أن يزول عقله بالبنج مثل: إنسان بنج للدواء، وفي حال البنج طلق زوجته فلا يقع طلاقه؛ لأنه معذور، ومنها أن يزول عقله بالخرف، كعجوز وصل إلى التخريف والهذر وصار لا هَمَّ له إلا تطليق زوجته، وكلما أتت له بالشاي أو القهوة قال: أنت طالق، فلا يقع طلاقه؛ لأنه لا عقل له؛ ولو أن رجلاً شرب الخمر جاهلاً أنه خمر، فسكر، فطلق لا يقع طلاقه؛ لأنه معذور، وكذا لو أكره على شرب الخمر فشربه فسكر فطلق، فكذلك لا يقع طلاقه؛ لأنه معذور.
стр. 5234
فالحاصل أنه إذا زال العقل بعذر شرعي، أو بعذر عادي كالنوم، أو بعذر طارئ كالمرض فإنه لا يقع الطلاق.
وَعَكْسُهُ الآثِمُ، ..............................
قوله: «وعكسه الآثم» يعني يقع طلاقه، فمن زال عقله غير معذور فإنه يقع طلاقه؛ لأنه لا عذر له، مثاله السكران باختياره، كإنسان ـ والعياذ بالله ـ شرب وسكر، فإنه يقع طلاقه؛ لأنه ليس بمعذور، فالسكر محرم بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين.
وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال: إن السكران غير المعذور يقع طلاقه، وهذا هو المذهب؛ وعللوا ذلك بأنه ليس بمعذور فيه، فيكون كالصاحي، وبأن هذا أنكى له وأزيد في عقوبته، وربما لا يردعه عن شرب الخمر إلا الخوف من هذا الأمر، فيكون في ذلك مصلحة الردع.
وقال بعض أهل العلم: إن السكران لا يقع طلاقه؛ لأنه إذا أثم عوقب على إثمه، لكن إذا تكلم بدون عقل، فكيف نلزمه بمقتضى كلامه وهو لا يعقله؟! فهذا يخالف قول الرسول ﵊: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (١)، فإن هذا السكران حينما تكلم وقال: أنت طالق، ما نوى، فهذا لا يقع طلاقه، وكونه آثماً له عقوبة خاصة وهي التعزير بالجلد، أما التعزير باعتبار كلامه مع عدم عقله، فهذا زيادة، ولا يجوز أن نزيد على العقوبة التي جاءت بها السنة، وهذا هو الذي صح به الأثر عن عثمان ﵁ (٢)، وكان
стр. 5235
عمر بن عبد العزيز ﵀ يقضي على السكران بالتأديب والإلزام بالطلاق إذا طلق، فلما ذكر له الأثر عن عثمان ﵁ رجع فصار يؤدبه ولا يقضي بطلاقه (١)، وهذا القول أصح، وهو الذي رجع إليه الإمام أحمد ﵀، وكان الإمام أحمد ﵀ يقول بطلاق السكران حتى تبينه ـ يعني تأمله ـ وتبين له أنه لا يقع، وقال: إني إذا قلت: يقع، أتيت خصلتين، حرمتها عليه وأحللتها لغيره، وإذا قلت: لا يقع فإنما أتيت خصلة واحدة وهي أنني أحللتها له، فعلى هذا يكون مذهب الإمام أحمد شخصياً أنه لا يقع، أما مذهبه الاصطلاحي فإنه يقع، لكن لا شك أن هذا أصح دليلاً وأظهر، كما قاله صاحب الإنصاف.
لكن هل يجوز للإنسان أن يلزم به السكران لعله يرتدع؟!
نقول: إذا لم يتضمن ضرراً على الزوجة؛ لأنه أحياناً يكون ضرر على الزوجة، فقد تكون الزوجة ذات أولاد منه، فيقع الإشكال في المستقبل، ثم إننا لا نأمن ـ أيضاً ـ ولا نجزم أن يكون في ذلك إصلاح له، فربما أنه رجل لا يهتم، فلا يهمه أن تبقى زوجته أو لا تبقى، فالظاهر لي أنه لا ينبغي الإفتاء بوقوع الطلاق ما دام أن الأصح من حيث النظر عدم الوقوع، اللهم إلا فيما لو كانت الزوجة هي التي تطلب الفراق، وكان بقاؤها معه متعباً لها، فلو أننا أخذنا بهذا القول من باب التأديب وردع الناس
стр. 5236
فإنه لا بأس به، كما كان ذلك من سياسة عمر ﵁، فعمر إذا لم يرتدع الناس عن الشيء ألزمهم بمقتضاه، مثل ما ألزمهم بالطلاق الثلاث، فكان الطلاق الثلاث واحدة، لكن لما تهاونوا في هذا الأمر وصاروا يطلقون ثلاثاً قال: فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم (١).
وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ ظُلْماً بِإيلَامٍ لَهُ أَوْ لِوَلَدِهِ، أَوْ أَخْذِ مَالٍ يَضُرُّهُ، أَوْ هَدَّدَهُ بِأَحَدِهَا قَادِرٌ يَظُنُّ إِيقَاعَهُ بِهِ فَطَلَّقَ تَبَعاً لِقَوْلِهِ لَمْ يَقَعْ، .........
قوله: «ومن أكره عليه» أي: أكرهه أحد على الطلاق.
قوله: «ظلماً» مصدر في موضع الحال، أي: أكره عليه مظلوماً، أي: بغير حق، كشخص قال له إنسان: يجب أن تطلق زوجتك، ففعل، لكن طلَّق تبعاً لقوله، لا قاصداً الطلاق فإنه لا يقع؛ لأنه لم ينوِه، وإنما نوى دفع الإكراه، وقد قال النبي ﵊: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (٢)، وهذا ما نوى الطلاق.
وقوله: «ظلماً» احترازاً مما لو أكره عليه حقاً، وذلك مثل المولي إذا تمَّت عليه أربعة أشهر، وأبى أن يرجع، وأبى أن يطلق، فأكرهه الحاكم عليه وطلق فإن الطلاق يقع؛ لأنه بحق، وكل محرم يكون بحق فإنه يزول التحريم فيه؛ لأن الشيء لا يحرم إلا لأنه باطل، فإذا انقلب الشيء حقاً صار غير محرم.
كذلك لو أكره عليه لكونه لا يقوم بالنفقة الواجبة للزوجة،
стр. 5237
وقيل له: أنفق، فماطل وأبى، فإننا نكرهه ونلزمه أن يطلق، فإن أبى في هذه الحال أن يطلق فإن القاضي يتولى التطليق عنه.
ومن هذا ما سبق في باب الخلع إذا كرهت المرأة البقاء مع الزوج، وقالت: أنا لا أعيب عليه في خُلُق ولا دين، لكن ما أقدر أن أبقى معه أبداً، فقد سبق أنه يُكره ـ على الصحيح ـ على المخالعة، بشرط أن يُرد إليه ما أنفق على زوجته من المهر.
وقوله: «بإيلام له» هذا تمثيل للإكراه، يعني أن المُكرِه آلمه بضرب أو حبس، أو قيده ـ مثلاً ـ بالرمضاء في أيام الصيف والقيظ، أو بمنع ما ينقذه، مثل ما ذُكر أن رجلاً في عهد عمر بن الخطاب ﵁ خرج يشتار عسلاً يأخذه من الجبال، فدلَّت إليه امرأته الحبل لينزل به، فلما وصل إلى المكان وأراد أن يصعد، قالت له امرأته: لن أعطيك الحبل حتى تطلقني، فطلقها فذهب إلى عمر ﵁ فقال: المرأة امرأتك (١)، ولم ينفذ الطلاق لأنه مُكرَه.
قوله: «أو لولده» أي: إيلاماً لولده، كأن يمسكوا ولده ويؤذوه أمامه، وقالوا: لن نُطْلِقَ الولد حتى تطلِّق فطلق.
فلو قال قائل: هو ما تألم، نقول: صحيح أنه ما تألم بدناً، لكن تألم قلباً، وهذا قد يكون أشد عليه مما لو كان هذا الفعل به.
قوله: «أو أخذ مال يضره» الضرر يختلف بحسب الناس، فشخص لو أخذت منه مليون ريال ما يضره، وآخر لو أخذت منه عشرة ريالات يضره، فالإنسان الذي عنده مائة مليون إذا أخذ منه
стр. 5238
مليون، يقول: الحمد لله عندي تسعة وتسعون مليوناً، لكن من عنده عشرة ريالات وأخذت منه
فإنها تضرهُ، فالقاعدة إذاً تعود على الضرر، ولهذا فالمؤلف ﵀ لم يقل: أُخذت منه عشرة دراهم أو عشرون درهماً أو مائة درهم، بل قال: «أخذ مال يضره» ومِن المال الذي يضر لو كان عليه ثوب في أيام الشتاء يقيه من البرد، وهذا الثوب يساوي درهمين، وهو رجل عنده ملايين الدراهم، فوافقه في برِّيَّة ويريد أن يأخذ منه الثوب إلا أن يطلق، فأخذ الثوب يضره مع أنه من الناحية المالية ليس بشيء عنده، لكن الكلام على الضرر.
قوله: «أو هدَّده بأحدها» أي: الإيلام أو أخذ مال يضره.
قوله: «قادر يظن إيقاعه به» اشترط شرطين في المكره، أولاً: أن يكون قادراً، ثانياً: أن يظن المكرَه إيقاع المكرِه ما هدَّدَه به.
فخرج بقوله «قادر» ما لو هدده إنسان عاجز، كرجل شاب يمتلئ شباباً وقوة جاءه شيخ كبير عاجز، وقال له: طلِّقِ امرأتك وإلا كسرت العصا عليك، فهذا هدده لكنه غير قادر، فلا يعتبر إكراهاً؛ لكن لو كان مع هذا الشيخ الكبير مسدس فهو قادر.
قوله: «يظن إيقاعه به» فإن كان يظن أنه لا يوقع ما هدده به، إما لقوة الحكم، أو لأي سبب من الأسباب، فلا إكراه.
فعندنا فعل، وتهديد بالفعل، فالفعل قال المؤلف: «بإيلام له أو لولده أو أخذ مال يضره» وفي التهديد اشترط أن يكون المهدِّد قادراً، وأَنْ يظن إيقاعه بالمهدَّد.
стр. 5239
قوله: «فطلق تبعاً لقوله لم يقع» «طلق» الضمير يعود على المُكرَه «تبعاً» مفعول لأجله، يعني طلق متابعة لقوله لا قصداً للطلاق، فحينئذٍ يكون قصده بالطلاق دفعاً للإكراه فقط، وما نوى الطلاق، فإنه لا يقع لقول النبي ﵊: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (١)، ولأن الاختيار في جميع العقود والفسوخ شرط، قال الله تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، فلا بد في جميع العقود والفسوخ أن تكون صادرة عن رضاً واختيار، إلا أن يكون الإكراه بحق.
وعلم من قوله: «تبعاً لقوله» أنه لو طلق بقصد إيقاع الطلاق فإنه يقع الطلاق، وهذه المسألة مسألة كبيرة عظيمة لا تختص بمسألة الطلاق، تأتي حتى في مسألة الإكراه على الكفر، قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ *﴾ [النحل]، فهل يشترط في الإكراه أن يكون قصد المُكرَه متابعة المُكرِه، بمعنى أنه لا يقصد إلا دفع الإكراه، أو نقول: إن الإكراه موجب لرفع الحرج عن المُكرَه ولو نوى، ما دام قلبه لم يطمئن؛ لأن المُكرَه في تلك الحال يكون ملجأ مغلقاً عليه؟ الجواب:
أولاً: لو كان عامياً، فهو ما يتصور الفرق بين أن يقصد دفع الإكراه، أو يقصد إيقاع الطلاق، فلا فرق ويقول: هذا ألزمني أن
стр. 5240
أطلق وطلقت، فلا يقول: ألزمني أن أطلق فطلقت تبعاً لقوله، لا قصداً للطلاق.
ثانياً: إذا كان طالب علم يفرق بين دفع الإكراه، وبين إرادة ما أكره عليه، فإن الإنسان بشر، ومقام المضايقات أمر لا يعلمه إلا من وقع فيه، والإنسان ما دام في سعة يجد نفسه مسيطراً، أو يحس من نفسه أنه مسيطر على كل الأمور، لكن إذا وقع في الشدة زال عنه التفكير، ولهذا ذهب بعض أهل العلم ـ وقولهم أقرب إلى الصواب ـ إلى أنه بالإكراه يزول الحكم مطلقاً، ما لم يطمئن إلى الشيء، وهذا بعيد، فهنا ثلاث حالات:
الأولى: أن لا يقصده مطلقاً، وإنما قصد دفع الإكراه.
الثانية: أن يقصده من أجل الإكراه.
الثالثة: أن يطمئن به فيكون فاعلاً له أكره عليه أم لم يكره.
ففي الأخيرة يقع الشيء ويحكم له بالاختيار قولاً واحداً، وفي الأولى لا يقع قولاً واحداً، وفي الثانية قولان، والراجح أنه لا يقع؛ لأنه قد طلق مغلقاً عليه، وقد قال النبي ﷺ : «لا طلاق في إغلاق» (١).
وَيَقَعُ الطَّلَاقُ في نِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، ......................
قوله: «ويقع الطلاق في نكاح مختلف فيه» يعني مختلفاً في صحته؛ وذلك أن النكاح ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم متفق على صحته، وقسم متفق على بطلانه، وقسم مختلف فيه.
стр. 5241
المتفق على صحته يقع فيه الطلاق، ولا إشكال فيه بإجماع المسلمين.
والمتفق على بطلانه لا يقع فيه الطلاق؛ لأنه باطل، والطلاق فرع عن النكاح، فإذا بطل النكاح فلا طلاق، مثل ما لو تزوج أخته من الرضاع غير عالم، فهذا النكاح باطل بإجماع المسلمين، لا يقع الطلاق فيه، وكذلك لو تزوج امرأة وهي معتدة فإنه لا يقع الطلاق فيه؛ لأن العلماء مجمعون على أن المعتدة لا يجوز نكاحها لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
وأما النكاح المختلف فيه فلا يخلو من حالين:
الأولى: أن يرى المتزوج صحته، فإن رأى صحته فإن الطلاق يقع ولا إشكال في ذلك، مثاله: رجل تزوج امرأة رضعت من أمه ثلاث رضعات، وهو يرى أن الرضاع المحرم خمس رضعات، فالنكاح في رأيه صحيح، فهذا يقع فيه الطلاق بلا شك.
وكذلك لو تزوج امرأة بدون شهود وهو يرى أن الشهادة في النكاح ليست بشرط فالطلاق يقع.
الثانية: أن لا يرى المتزوج صحة النكاح، فاختلف أهل العلم في وقوع الطلاق، فقال بعضهم: إنه يقع فيه الطلاق، وقال بعضهم: إنه لا يقع، فالذين قالوا: لا يقع، قالوا: لأن الطلاق فرع عن النكاح، وهذا لا يرى صحة النكاح فلا يقع الطلاق منه، وهذا تعليل جيد لا بأس به، والذين قالوا: إنه يقع، قالوا: لأنه
стр. 5242
وإن لم يَرَ هو صحة النكاح، لكن قد يكون غيره يرى صحته، فإذا فارقها بدون طلاق، وأتاها إنسان يرى صحة النكاح فلن يتزوجها، فالطلاق يصح في النكاح المختلف فيه وإن لم يَرَ المطلق صحته؛ لأنه إذا لم يطلق فسوف يعطل هذه المرأة.
فإذا قال قائل: لماذا يقع الطلاق وهو لا يرى أن النكاح صحيح والطلاق فرع عليه؟ قلنا: من أجل أن لا يحجزها عن غيره؛ لأنه قد يريدها من يرى أن النكاح صحيح، فإذا لم يطلقها هذا الزوج لن يتزوجها غيره؛ لأنه يرى أنها لا زالت باقية في عصمته، ولهذا قال المؤلف: «ويقع الطلاق في نكاح مختلف فيه» قال في الروض: «ولو لم يره مطلق» (١).
وَمِنَ الغَضْبَانِ، ..................................
قوله: «ومن الغضبان» الغضب فسره أهل الكلام بأنه غليان دم القلب لطلب الانتقام، والظاهر أن هذا التعريف لم يزده إلا جهالة وغموضاً، ولهذا لو قلنا: الغضب معروف لكان أوضح، ويعرف بعلامات أشار إليها النبي ﷺ حيث قال: «إن الغضب جمرة توقد في قلب الإنسان، ألم تروا إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه؟» (٢)، فعرَّفه النبي ﵊ بأصله ونتائجه، أصله جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم، حرارة
стр. 5243
يجدها الإنسان في نفسه، ثم تنتفخ الأوداج ـ يعني العروق ـ ويحمر الوجه وربما ينتشر الشعر ويقف، ويجد الإنسان نفسه كأنه يغلي، فإذا غضب الإنسان على زوجته وطلقها في حال الغضب، يقول المؤلف: إن الطلاق يقع؛ لأن الغضبان له قول معتبر، ولهذا قال النبي ﵊: «لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان» (١)، ومعنى ذلك أن حكمه معتبر، وإلا لما كان للنهي محل، فالحكم نافذ مع الغضب بنص السنة، وقد حكم النبي ﷺ بين الزبير ورجل من الأنصار في السقي، فقال الرجل المحكوم عليه: أن كان ابن عمتك يا رسول الله؟ يعني حكمت له لأنه ابن عمتك، فغضب النبي ﵊، وقال: «يا زبير: اسق حتى يصل الماء الجدر ثم أرسله إلى جارك» (٢)، فهنا نفذ الحكم مع الغضب، فإذا نفذ الحكم مع الغضب وهو بين الناس، فالحكم بين الإنسان وبين زوجته من باب أولى، فيقع طلاق الغضبان.
وقوله: «ومن الغضبان» المؤلف أطلق ولم يفرق بين الغضب الشديد والغضب الخفيف، وقد ذكر ابن القيم ﵀ أن الغضب ثلاث درجات:
الأولى: أن يصل به إلى حد لا يدري ما يقول، وربما يصل
стр. 5244
إلى الإغماء، فهذا لا يقع طلاقه بالاتفاق؛ لأنه لا يعقل ما يقول، فيقول: أنا طلقتها وما أدري هل أنا بالسماء أو بالأرض؟ وهل أمامي زوجتي أو أمي أو جدي أو جدتي.
الثانية: ابتداء الغضب لكن يعقل ما يقول، ويمكن أن يمنع نفسه، فهذا يقع طلاقه بالاتفاق؛ لأنه صدر من شخص يعقله غير مغلق عليه، وكثيراً ما يكون الطلاق في الغالب نتيجة للغضب.
الثالثة: بَيْنَ بَيْنَ، كإنسان يدري أنه بالأرض ويدري أنه ينطق بالطلاق، لكنه مغصوب عليه، فلقوة الغضب عجز أن يملك نفسه، والرسول ﷺ يقول: «ليس الشديد بالصرعة» يعني الذي يصرع الناس «وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (١)، فهذا يدري ويعي ما يقول، وأنه يخاطب امرأته ويطلقها، لكن الغضب سيطر عليه كأنه يغصبه غصباً أن يطلق، فهذا فيه خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال: إن طلاقه يقع؛ لأن له قصداً صحيحاً، وهو يشعر بما يقول، ويعلم المرأة التي أوقع عليها الطلاق، فلا عذر له.
ومنهم من قال: إنه لا طلاق عليه؛ لأن النبي ﷺ يقول: «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق» (٢)، وهذا لا شك أنه مغلق عليه، فكأن أحداً أكرهه حتى طلق، وعلى هذا فيكون الطلاق غير
стр. 5245
واقع، وهذا هو الصحيح، وهو اختيار شيخ الإسلام وابن القيم في كتابه «إغاثة اللهفان في طلاق الغضبان» وذكر ستة وعشرين وجهاً تدل على عدم وقوعه.
فالقول بعدم وقوع طلاق الغضبان نظرياً هو القول الراجح، لكن عملياً وتربوياً هل نقول بالفتوى به، أو نمنع الفتوى به إلا في حالات معينة نعرف فيها صدق الزوج؟ الثاني؛ لأننا لو أطلقنا القول بأن طلاق الغضبان لا يقع لَكَثُرَ من يقول: أنا غضبت وطلقت، وهو لا يفرق بين الدرجة الأولى والدرجة الثانية فيقع التلاعب، ولهذا فإطلاق الفتوى بعدم وقوع الطلاق من الغضبان يؤدي إلى أن يتتابع الناس في الطلاق، فإذا رأى الإنسان من الزوج أنه رجل مستقيم لا يمكن أن يتهاون فحينئذٍ يتوجه القول بالفتوى أنه لا يقع الطلاق، وإذا رأى أنه متهاون يريد أن ترجع إليه زوجته بأي سبيل، فهنا ينبغي أن يفتى بوقوع الطلاق، وهذا من باب سياسة الخلق، والسياسة لها شأن عظيم في الشريعة الإسلامية حتى في الأمور الحسية، فربما نمنع هذا الرجل من أكل هذا الطعام المعين وهو حلال؛ لأنه يضره، ولا نمنع الآخر لأنه لا يضره.
ومن الإغلاق ما يكون من الموسوسين، فالموسوس يغلق عليه حتى إنه يطلق بدون قصد، حتى إن بعضهم ـ نسأل الله العافية ـ يقول: إني إذا فتحت الكتاب كأني أقول: امرأتي طالق، وإذا رفعت اللقمة إلى فمي كأني أقول: امرأتي طالق، وكل شيء يُبْدِي له أن امرأته طالق، فهذا لا شك أنه لا يقع طلاقه حتى لو
стр. 5246
طلق؛ لأن بعضهم إذا رأى الضيق العظيم قال: سأطلق وأستريح، ثم يطلق فهذا لا يقع طلاقه؛ لأنه بلا شك مغلق عليه، وهذا من أعظم ما يكون من الإغلاق، فالذي يبتلى بهذا الوسواس، سواء في عباداته أو في نكاحه يتعب تعباً عظيماً، حتى إنه إذا شك أحدث أو لا؟ قال: سأحدث ليتيقن، وإذا شك هل نوى الدخول في الصلاة أو ما نوى؟ قال: إذاً أنا أقطعها وأنوي من جديد، ثم إن نوى ودخل في الصلاة شك ثم قطعها، وقال: أنوي من جديد وهكذا، فمثل هذا يجب أن يفتى بأن يقال له: لو قالت لك نفسك: إنك ما نويت الصلاة فأنت ناوٍ، ولو قالت لك نفسك: إنك محدث فأنت غير محدث، حتى يزول عنه هذا الأمر؛ لأن هذا يعتبر تصرفه تصرفاً لاغياً، ومن ذلك الطلاق، فطلاق الموسوس لا يعتد به؛ وذلك لأنه إما أن يكون غير واقع، كما لو كان يظن أنه طلق، وإما أن يكون واقعاً بالإغلاق والإكراه كأن شيئاً يغصبه أن يقول فيقول.
وَوَكِيلُهُ كَهُوَ، ..................................
قوله: «ووكيله كهو» أي: وكيل الزوج في الطلاق كالزوج يقوم مقامه، لكن كيف قال: «كهو» و «هو» ضمير منفصل للرفع؟
هذا التعبير جائز في اصطلاح النحويين، وفيه استعارة ضمير الرفع لضمير الجر؛ لأن ضمير الجر في مثل هذا هو الهاء فقط، تقول: مررت به، وصلت إليه، لكن لما تعذر وجود الضمير المتصل مع الكاف فإنه يستعار ضمير الرفع، وإن كان الضمير المتصل قد يتصل بالكاف، كما قال ابن مالك:
وما رَوَوْا مِنْ نحو رُبَّهُ فَتَى
نَزْرٌ كَذَا كَمَا وَنَحْوُهُ أَتَى
стр. 5247
لكن الأكثر في اللغة العربية أن الكاف لا تدخل على ضمير متصل.
وقوله: «ووكيله كهو» علم منه أنه يصح التوكيل في الطلاق وهو كذلك؛ لأن ما جاز أن يصح التوكيل في عقده جاز أن يصح التوكيل في فسخه، ولأنه تصرف لا يتعلق بالشخص نفسه، فليس عملاً بدنياً لا بد أن يقوم به الشخص نفسه، فيجوز للزوج أن يوكل شخصاً في طلاق زوجته، فيقول له: وكلتك أن تطلق زوجتي، ولكن لا بد أن يعيِّنَها إذا كان له أكثر من زوجة.
ويشترط في الفرع ما يشترط في الأصل، فمثلاً لا يملك الوكيل أن يطلق الزوجة وهي حائض، حتى لو علمنا أن زوجها لم يأتها لمدة سنوات؛ لأن الوكيل فرع عن الزوج، والزوج لا يجوز أن يطلق امرأته وهي حائض فكذلك الوكيل، ولهذا قال: «ووكيله كهو»، لكن يختلف عن الزوج في أنه محدد.
ويُطَلِّقُ وَاحِدَةً وَمَتَى شَاءَ، إِلاَّ أَنْ يُعَيِّنَ لَهُ وَقْتاً وَعَدَداً، ............
قوله: «ويطلق واحدة» يعني أنه يتقيد بما قيده به، فإن أطلق فما له إلا واحدة فقط، فلا يُطلِّق أكثر.
مثال ذلك: قال زيد لعمرو: وكلتك في طلاق زوجتي، فذهب الوكيل وقال لها: أنت طالق ثلاثاً فما تطلق؛ لأنه تصرف تصرفاً غير مأذون فيه، ولأنه لم يقل له: طلق ثلاثاً، والوكالة مطلقة، فلا يملك إلا أقل ما يقع عليه اسم الطلاق وهو واحدة.
قوله: «ومتى شاء، إلا أن يعين له وقتاً وعدداً» أي: يطلق متى شاء، اليوم أو غداً، أو بعد غدٍ أو بعد شهر، أو بعد شهرين، لكن بشرط ألا يكون في حيض أو في طهر جامع فيه
стр. 5248
الزوج؛ وذلك لأن الزوج لا يملك ذلك وهو الأصل، فالفرع كذلك لا يملك، فيطلق متى شاء إلا إذا قال: لا تطلقها إلا في هذا الشهر، أو أنت وكيلي في طلاق امرأتي في هذا الشهر، فإنه لا يطلق إذا خرج الوقت.
فلو قال: أنت وكيلي في طلاق زوجتي في عشر ذي الحجة فطَلَّقَها في آخر ذي القعدة فما يقع؛ لأنه حدد له الوقت، ولو قال: أنت وكيلي في طلاق امرأتي في شهر محرم فطلقها في شهر ربيع فما يقع؛ وذلك لأن تصرف الوكيل مبني على إذن الموكل، وإذا كان مبنياً على إذن الموكل تقيد بما أذن له فيه، وهذه قاعدة مهمة في كل الوكالات، سواء في الطلاق أو النكاح أو البيع أو الشراء أو التأجير أو غير ذلك.
فإذا قيل: لماذا تفرقون بين الوقت والعدد؟ ففي العدد تقولون: واحدة، وفي الوقت: متى شاء، فلماذا لا تقولون: الوقت في حينه، فإن طلق في حين التوكيل، وإلا فلا يطلق؟
نقول: الفرق أن العدد يصدق فيه الطلاق بواحدة، فالزائد غير مأذون فيه، أما مسألة الزمن فالفعل غير مقيد، ما قال: اليوم، أو غداً، أو بعد شهر، أو بعد سنة.
ويقول الوكيل: طلقت زوجة موكلي فلان، أو يقول: أنت طالق بوكالتي عن زوجك.
فإن قال قائل: ما الداعي للتوكيل؟
فالجواب: ربما يكون الإنسان سيغيب، والطلاق ـ مثلاً ـ
стр. 5249
يكون بعد شهر أو شهرين، فيتأنى في الأمر، أو ربما أنه لا يحب أنه يجابهها بالطلاق.
فإذا رجع الزوج فإن كان قبل أن يطلق الوكيل انفسخت الوكالة؛ لأن له أن يفسخ، وإن كان بعد أن طلق فقد مضى الطلاق، وإذا فسخ الوكالة قبل أن يطلق الوكيل، والوكيل لم يعلم وطلَّق، فهل نقول: إن الطلاق لم يقع، أو نقول: إنه وقع؛ لأن الوكيل بنى على أصل لم يثبت زواله؟ في هذا رأيان للعلماء، منهم من قال: إنه إذا عزله ـ وإن لم يعلم ـ انعزل، فإذا طلَّقَ طَلَّقَ وهو غير وكيل، فلا يقع طلاقه.
ومنهم من قال: إذا طلق قبل العلم بالعزل فإن المرأة تطلق؛ لأنه بنى على أصل ـ وهو التوكيل ـ لم يثبت زواله.
والأقرب أنه لم يقع الطلاق؛ لأنه بفسخه الوكالة زال ملك الوكيل أن يطلق، لكن لو ادعى بعد أن طلق الوكيل أنه عزله قبل فلا بد من بينة، ولهذا إذا عزل الوكيل فلا بد أن يشهد؛ حتى لا ينكر أهل الزوجة إذا كانوا يريدون فراق الزوج.
وليس للوكيل أن يوكل آخر، ولهذا قال: «ويطلق» أي: يطلق الوكيل نفسه، وليس له أن يوكل.
وَامْرأَتُهُ كَوَكِيلِهِ فِي طَلَاقِ نَفْسِهَا.
قوله: «وامرأته كوكيلِهِ في طلاق نفسها» أفادنا المؤلف أنه يجوز أن يوكل امرأته في طلاق نفسها؛ وهذه أغرب من الأولى، فيجوز أن يقول: وكلتكِ أن تطلقي نفسك؛ لأنها تتصرف كما يتصرف الوكيل، فلها أن تطلق نفسها، كما خير النبي ـ عليه
стр. 5250
الصلاة والسلام ـ نساءه بين أن يبقين معه أو يفارقهن (١)، وكما أن للإنسان أن يخير امرأته بين الطلاق وبين بقاء النكاح فإن هذا مثله؛ لأنه جعل الأمر بيدها بواسطة الوكالة، فالمذهب أنه يملك أن يوكل زوجته في طلاق نفسها، وتوكيل المرأة في طلاق نفسها مع أنها لا تملكه مستثنى من قولهم في باب الوكالة: «ومن له التصرف في شيء صح أن يوكل ويتوكل فيه» إلا في مسائل عدوها، منها هذه المسألة أنه يجوز توكيل المرأة في الطلاق وهي لا تملك الطلاق.
وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم سلفاً وخلفاً، فمنع منها أهل الظاهر وجماعة من السلف والخلف، وقالوا: ما يمكن أن يكون الطلاق بيد الزوجة بالوكالة، لأن الزوجة تختلف عن الأجنبي بأنها سريعة العاطفة والتأثر ولا تتروَّى في الأمور، فلو يأتيها أدنى شيء من زوجها قالت: طلَّقْتُ نفسي بالوكالة، ولهذا وصفها النبي ﷺ فقال: «لو أحسنت إليها الدهر كله، ثم رأت منك شيئاً، قالت: ما رأيت منك خيراً قط» (٢)، بخلاف وكيل الزوج، فعلى هذا لا يصح أن يوكل زوجته في طلاق نفسها؛ وبناء على هذا الرأي قالوا: لو علق طلاقها على فعل لها لم يقع الطلاق، مثل أن يقول: لو فعلت كذا فأنت طالق، ففعلت فإنها
стр. 5251
لا تطلق؛ لأنها ما عندها تروٍّ، ولو جاءها أدنى شيء قالت: الحمد لله سأطلق، سأفعل هذا الفعل من أجل أن أطلق.
فحتى على القول بالجواز ـ كما هو المذهب ـ لا ينبغي للإنسان أن يوكل امرأته في طلاق نفسها أبداً؛ لأنها كما علل المانعون ضعيفة التفكير، سريعة التأثر والعاطفة، فكل هذه الأسباب توجب أن يتوقف الإنسان في توكيلها.
* * *
стр. 5252
فَصْلٌ
إِذَا طَلَّقَهَا مَرَّةً، فِي طُهْرٍ لَمْ يُجَامِعْ فِيهِ، وَتَرَكَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا فَهُوَ سُنَّةٌ، ...........................
هذا الفصل ذكر فيه المؤلف أحكاماً مهمة وهي الطلاق البدعي، والطلاق الشرعي، فقال:
«إذا طلقها» ضمير المفعول يعود على الزوجة، وضمير الفاعل يعود على الزوج.
قوله: «مرة» يعني طلقة واحدة، بأن قال: أنت طالق طلقة واحدة، أو قال: أنت طالق وسكت، فإنه يكون مرة واحدة؛ لأنه إذا لم يقيد بعدد فإن المُطْلَق يصدق بمرة واحدة، فإذا قلت مثلاً: أكرم زيداً، فأكرمه مرة امتثل، ولا يحتاج أن يكرر، فقوله: «مرة» هذا قيد.
قوله: «في طهر» هذا قيد ثانٍ.
قوله: «لم يجامع فيه» هذا قيد ثالث.
قوله: «وتركها حتى تنقضي عدتها» هذا هو القيد الرابع، يعني لم يلحقها بطلاق آخر.
قوله: «فهو سنة» يعني هذا الطلاق هو طلاق السنة، وهو ما جمع أربعة قيود: أن يكون مرة، وفي طهر، ولم يجامعها فيه، ولم يلحقها بطلقة أخرى.
فخرج بقوله: «مرة» ما لو طلقها مرتين، بأن قال: أنت طالق طلقتين، أو أنت طالق ثنتين، أو أنت طالق مرتين، أو أنت طالق أنت طالق، فهذا ليس بسنة؛ لأنه ما طلقها مرة بل طلق ثنتين.
стр. 5253
وخرج بقوله: «في طهر» ما لو طلقها في حيض، أو في نفاس فإنه ليس بطلاق سنة، وسيأتي ـ إن شاء الله ـ بيان ذلك.
وقوله: «في طهر لم يجامع فيه» خرج به ما إذا طلقها في طهر جامع فيه فإنه يكون طلاق بدعة، حتى ولو طال زمن الطهر، فلو فرض أن هذا الرجل طهرت امرأته من النفاس وجامعها وهي ترضع، والعادة أن التي ترضع لا تحيض إلا إذا فطمت الصبي، يعني بعد سنتين تقريباً، فلو طلق خلال مدة السنتين لصار طلاق بدعة؛ لأنه في طهر جامعها فيه، إذاً ينتظر حتى يأتيها الحيض وتطهر.
وقوله: «وتركها حتى تنقضي عدتها» فإن ألحقها بطلقة أخرى فهو بدعة، فمثلاً إذا قال: أنت طالق، وشرعت في العدة، ثم بعد يومين أو ثلاثة أو عشرة أيام، قال: أنت طالق، نقول: هذا الطلاق بدعة وليس طلاق سنة، والدليل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، ففسر النبي ﵊ العدة بأن يطلقها في طهر لم يصبها فيه (١).
وقوله: «في طهر» يدل على أن هذه المرأة من ذوات الحيض، أما من ليست من ذوات الحيض فإنه يجوز أن يطلقها حتى في طهر جامعها فيه؛ لأنه ليس هناك طهرٌ وحيضٌ؛ لأن التي لا تحيض من حين يطلقها تبدأ في العدة؛ حيث إن عدتها بالأشهر.
стр. 5254
ويستثنى من قولنا: «في طهر لم يجامعها فيه» إذا كانت حاملاً وجامعها وطلقها بعد الجماع، فالطلاق طلاق سنة، وليس طلاق بدعة، ولهذا لو أضاف المؤلف ﵀ قيداً خامساً لكان أولى، فيقول: «في طهر لم يجامعها فيه ولم يتبين حملها» لأنه إذا تبين حملها جاز طلاقها، ولو كان قد جامعها؛ لأنه يكون مطلقاً للعدة، حيث إن عدة الحامل بوضع الحمل.
فصارت القيود خمسة: الأول: يطلقها مرة، في طهر لم يجامع فيه، ولم يتبين حملها، وتركها حتى تنقضي عدتها فهذا هو السنة، فإذا طلقها مرتين فأكثر فبدعة، أو في حيض، أو نفاس فبدعة، أو في طهر جامعها فيه ولم يتبين حملها فبدعة، أو ألحقها بطلقة أخرى فبدعة.
فَتَحْرُمُ الثَّلَاثُ إِذاً، ..................................
قوله: «فتحرم الثلاث إذاً» يعني في طهر لم يجامع فيه؛ لأن رجلاً طلق امرأته في عهد النبي ﷺ ثلاثاً، فقام الرسول ﷺ فقال: «أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟!» حتى قام رجل فقال: يا رسول الله ألا أقتله (١)؟! فدل هذا على أنه محرم، ولأنه نوع من الاستهزاء بآيات الله؛ لأن الله ـ تعالى ـ جعل في الطلاق فسحة للإنسان، وإذا طلق ثلاثاً فكأنه تعجل ما جعل الله فيه فسحة فيكون مضاداً لحكم الله، ولأن عمر بن الخطاب ﵁ ألزمهم بهذه الثلاث عقوبة لهم (٢)،
стр. 5255
والعقوبة لا تكون على فعل شيء مباح، ولقول ابن عمر ﵄ حين سئل عمن طلق زوجته ثلاثاً، قال: «لو اتقى الله لجعل له مخرجاً» (١)، فدل هذا على التحريم، وهذا هو القول الصحيح، أن إيقاع الثلاث جملة واحدة محرم.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن الطلاق الثلاث ليس محرماً، وأنه جائز، وهذا مذهب الشافعي، وقال: إن الدليل على عدم التحريم أن عمر ﵁ أمضاه، ولو كان حراماً لم يمضه؛ لأن الحرام لا يجوز إمضاؤه، إذ إن إمضاء الحرام من المضادة لله؛ لأن الله إذا حرم شيئاً فإنه يريد من عباده اجتنابه، فإذا نفذناه وقعنا فيه.
وأجاب عن حديث: «أيُلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟!» (٢) بأنه ضعيف، ولكن لعل الشافعي ﵀ ما بلغه الحديث على وجه يصح، والصواب: أن الحديث أقل أحواله أن يكون حسناً، وقد صححه جماعة من أهل العلم، ثم إن الأدلة التي ذكرناها واضحة.
وأما قوله: إنه لو كان حراماً ما أمضاه عمر، فنقول: ما أمضاه رضاً به، ولكن عقوبة لفاعله، ولهذا قال ﵁ حين إمضائه: إن الناس قد تعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم.