← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 10649

الشرح الممتع على زاد المستقنع

ابن عثيمين

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 5531–5570 · переход к 5536.

стр. 5531

وعلى هذا فلو كان له مال، وقال: أعطوني مالي، أنا عندي أولاد، قلنا: لا؛ لأننا نشك في بلوغك، وهذا هو المذهب أنه لا يحكم ببلوغه إذا شككنا فيه؛ لأن الأصل عدمه. ومن أين خلق الولد؟! قالوا: مسألة خلق الولد ما ترد علينا؛ لأن إلحاق النسب أمر يتطلع له الشرع، فيثبت بأدنى شبهة، ولهذا سبق في الفرائض أن الورثة لو أقروا بأن هذا أخوهم، وُرِّث وثبت نسبه أيضاً، ولو كان أبوهم ما يدري عن هذا الرجل، فما دامت المسألة ممكنة، وليس هناك مدعٍ، ونسبه مجهول، أي: بالشروط المعروفة، فالمذهب أنه يلحق بالميت ويرث. قوله: «ومن اعترف بوطء أمته في الفرج، أو دونه فولدت لنصف سنة أو أزيد لحقه ولدها» الأمة لا تكون فراشاً إلا بالوطء، وانتبه لهذا الفرق بين الأمة والزوجة، فالزوجة تكون فراشاً بالعقد إذا أمكن الوطء وإن لم نتحققه، وأما الأمة فما تكون فراشاً إلا بالوطء، وبماذا يثبت الوطء؟ يثبت بواحد من أمرين: إما باعترافه، أو بقيام البينة التي تشهد بأنه جامعها، أما مجرد دعواها فلا تقبل؛ لأنها قد تدعي أنه جامعها لأجل أن تكون أم ولد لو أتت بولد وينكر. والأمة هي المملوكة، والمملوكة ممن أحل الله تعالى وطأها لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ *﴾ ﴿إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ *﴾ [المؤمنون]، والأمة إذا ثبت أنه وطئها سيدها تسمى «سُرِّيَّة»؛ لأن سيدها تسرَّاها، فإذا

стр. 5532

اعترف وأتت بولد لنصف سنة أو أزيد لحقه، والفائدة من ذلك أن يكون لهذا الولد نسب معلوم، وأنها تصير بذلك أم ولد تعتق بموته. وقوله: «نصف سنة» يعني وعاش، فإن أتت به لأقل من نصف سنة ولم يعِش فهو ـ أيضاً ـ ولده؛ لأنه بوطئها صارت فراشاً له، وقد قال النبي ﷺ : «الولد للفراش» (١)، فلو قدر أنه جامعها ثم بعد أربعة أشهر أتت بولد مخلق، فإنه يكون له. أما إذا أتت به بعد أربعة أشهر منذ وطئها وعاش فليس له، وإذا كان له يترتب على هذا أنها تكون أم ولد كما سبق في باب العتق. وقوله: «في الفرج أو دونه» فيثبت حتى فيما إذا جامعها دون الفرج؛ لأنه ربما تأخذ شيئاً من مائه وتتلقح به، هذه وجهة النظر عندهم. قوله: «إلا أن يدعي الاستبراء ويحلف عليه» أي: إلا أن يدعي السيد الاستبراء ويحلف عليه، والاستبراء معناه أن تحيض بعد وطئه، فإذا قال: إنه وطئها لكن حاضت بعد وطئه، فهذا هو الاستبراء، وهو مأخوذ من البراءة وهو الخلو، يعني إذا ادعى أنه انتظر حتى حاضت فإنه لا يلحقه الولد؛ لأن الغالب أن المرأة إذا حملت لا تحيض، وأن حيضها دليل على عدم حملها، فإذا قال: إنه وطئها ولكنه استبرأها وحاضت حيضة، وحلف عليه، فإن

стр. 5533

الولد لا يلحقه، وإذا لم يلحقه فإنه يكون مملوكاً له، فيَسْلم بكونه ليس له من أن تكون أمَتُه أمَّ ولد، يحرم عليه بيعها، وتَعْتِقُ بعد موته، ويحصل له ولد مملوك يبيعه؛ لأن الأمة إذا ولدت ولداً حتى من زوج صحيح، فالولد لسيدها مملوكاً له، إلا إذا اشترط، أو كان هناك غرور؛ يعني خدع، وأظهرت أنها حرة، وغُرَّ بها، فهذا شيء ثانٍ. وَإِنْ قَالَ: وَطِئْتُهَا دُونَ الْفَرْجِ، أَوْ فِيهِ وَلَمْ أُنْزِلْ، أَوْ عَزَلْتُ لَحِقَهُ، وَإِنْ أَعْتَقَهَا، أَوْ بَاعَهَا بَعْدَ اعْتِرَافِهِ بوَطْئِهَا، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِدُونِ نِصْفِ سَنَةٍ لَحِقَهُ، وَالْبَيْعُ بَاطِلٌ. قوله: «وإن قال: وطئتها دون الفرج أو فيه ولم أنزل أو عزلت لحقه» يدعي السيد هذه الدعوى؛ لأجل أن لا يكون الولد من مائه، فيقول: وطئتها دون الفرج، ومعلوم أن الوطء دون الفرج ما يحصل به الحمل، أو قال: في الفرج لكن لم أنزل، أيضاً ما يحصل حمل، أو قال: في الفرج وأنزل ولكن عزل، يعني عند الإنزال نزع، وأنزل خارج الفرج، يقول المؤلف: لحقه نسبه؛ لما سبق من أنه إذا جامعها في الفرج أو دونه صارت فراشاً له، وقد قال النبي ﷺ : «الولد للفراش» (١). قوله: «وإن أعتقها أو باعها بعد اعترافه بوطئها فأتت بولد لدون نصف سنة لحقه، والبيع باطل» اعترف أنه وطئ أمته ثم باعها، ولما باعها ومضى خمسة شهور أتت بولد وعاش، فلمن يكون؟ الجواب: للسيد الأول، ولماذا لا يكون للسيد الثاني؟

стр. 5534

لأنه لا يمكن أن تأتي بولد لأقل من ستة أشهر ويعيش، فيكون للسيد الأول، ويكون البيع باطلاً؛ لأن بيع أم الولد حرام، وكل بيع حرام فهو باطل، وهذا مبني على القول بأنه يحرم بيع أمهات الأولاد، والمسألة خلافية، وقد كانت أمهات الأولاد في عهد النبي ﵊، وفي عهد أبي بكر ﵁ وفي أول خلافة عمر ﵁ يبعن، ثم لما رأى عمر ﵁ أن الناس صاروا يفرقون بين المرأة وأولادها منع من ذلك (١)، مثل ما صنع في مسألة الطلاق الثلاث، ولهذا بعض العلماء يقولون: إذا أتت أم الولد بولد لسيدها ومات ولدها، فإنه يجوز لسيدها أن يبيعها؛ لأن المحظور الذي من أجله منع عمر ﵁ زال، وهو التفريق بينها وبين ولدها، لكن المذهب أنه متى ما وضعت الأمة من سيدها ما تبين فيه خلق الإنسان، فإنها تكون أم ولد، تعتق بموته، ولا يحل بيعها، وبناء على ذلك إذا باعها على شخص وأتت بولد لأقل من ستة أشهر تبين أنها بيعت وهي أم ولد؛ لأنها ناشئ بولد، وعلى هذا يكون البيع باطلاً، والمشتري يأخذ دراهمه، ويرد الأمة إلى سيدها. وقوله: «أعتقها أو باعها» فالبيع باطل، ولكن هل العتق باطل أو لا؟ لا يبطل؛ لأنه زادها خيراً، بعد أن كانت لا تعتق إلا بعد موته أصبحت عتيقة، ولهذا لم يقل: العتق باطل.

стр. 5535

والخلاصة أن هذا الفصل آخره في حكم الأمة، والبحث فيه في أمور: أولاً: تكون الأمة فراشاً إذا جامعها سيدها، أما قبل ذلك فليست فراشاً. ثانياً: إذا كانت فراشاً وولدت لأقل من ستة أشهر منذ جامعها وعاش، فإن الولد لا يلحق بالسيد، ويكون ملكاً له؛ لأنه ولد من مملوكته. ثالثاً: إذا باعها بعد أن اعترف بوطئها، وأتت بولد لأقل من ستة أشهر، فالولد له نسباً، والبيع باطل. مسألة: الولد في النسب وفي الولاء يتبع أباه، فيقال: فلان بن فلان، ولا يقال: ابن فلانة، إلا إذا انقطع نسبه من جهة أبيه فينسب إلى أمه كما سبق. في الولاء إذا أُعتق الأب فإنه يتبع أباه، فيكون ولاؤه لمن أعتق. في الحرية والملك يتبع أمه، بمعنى أنه إذا كانت أمه حرة كان الولد حراً، ولو كان الأب رقيقاً، فلو تزوج رقيق بحرة فالولد حر، كذلك ـ أيضاً ـ في الملك يتبع أمه فلو تزوج حُرٌّ بأمة لغيره فالولد ملك لسيدها. وفي الدِّين يتبع خيرهما، فولد المسلم من النصرانية مسلم، وكذلك لو وطئ كافر امرأة مؤمنة بشبهة فإن الولد يكون مسلماً، يتبع أمه؛ لأن الإسلام يعلو ولا يعلى.

стр. 5536

وفي الطهارة والحل يتبع أخبثهما، فولد الحمار من الفرس ـ وهو البغل ـ حرام نجس. فهذه النسب التي ذكرها العلماء في هذا الباب، فإذا سئلت هل الولد يتبع أمه أو أباه؟ فعلى هذا التفصيل الذي سبق.

стр. 5537

كِتَابُ الْعِدَدِ هذا الكتاب من أهم أبواب الفقه؛ لأنه ينبني عليه مسائل كثيرة من المواريث، وصحة النكاح وغير ذلك. قوله: «العِدَدَ» جمع عِدَّة بكسر العين، وهو في اللغة مأخوذ من العدد يعني من واحد، اثنين، ثلاثة، أربعة … إلى آخره. وفي الشرع: تربص محدود شرعاً بسبب فرقة نكاح، وما ألحق به. فقولنا: «تربص» يعني انتظار، مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤]. وقولنا: «محدود شرعاً» أي: من قبل الشرع. وقولنا: «بسبب فرقة نكاح، وما ألحق به» كوطء الشبهة مثلاً، فالمرأة إذا وطئت بشبهة عليها أن تعتد، مع أنه ليس ذلك من نكاح، لكنه ملحق به. أما حكم العدة فواجب؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ قال أهل العلم: إن هذا خبر بمعنى الأمر، وإنما جاء بصيغة الخبر لإقراره وتثبيته، كأنه أمر مفروغ منه، وكذلك قوله: ﴿وَأُولَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] فالعدة واجبة، ولكن لا بد من شروط، فيشترط لوجوب العدة: أن يكون النكاح غير باطل، وإذا كانت مفارَقة حياة أن يحصل وطء، أو خلوة ممن يولد لمثله بمثله.

стр. 5538

تَلْزَمُ الْعِدَّةُ كُلَّ امْرأَةٍ فَارَقَتْ زَوْجاً، خَلَا بِهَا، مطَاوِعَةً، مَعَ عِلْمِهِ بِهَا، وَقُدْرَتِهِ عَلَى وَطْئِهَا، وَلَوْ مَعَ مَا يَمْنَعُهُ مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا حِسّاً، أَوْ شَرْعاً، أَوْ وَطِئَهَا، أَوْ مَاتَ عَنْهَا ...... قوله: «تلزم العدة كلَّ امرأة فارقت زوجاً» «امرأة» هنا لا يعني أن تكون بالغة، فليس بشرط، بل المراد كل أنثى فارقت زوجها. وقوله: «فارقت» لم يقل: طلقها؛ لأجل أن يشمل جميع أنواع الفرقة بموت أو حياة، كالفسخ لعيب، أو خلاف شرط، أو إعسار بنفقة على القول به، أو غير ذلك، وقد ذكر ابن القيم ﵀ في «بدائع الفوائد» أن فرقة النكاح عشرون نوعاً، كلها تسمى فرقة، إنما الضابط هو كل امرأة فارقت زوجها بموت أو حياة، والفراق بالحياة إما طلاق أو فسخ. قوله: «خلا بها» عن مميز، يعني صار هو وإياها في مكان لم يحضرهما أحد له تمييز. قوله: «مطاوعة» هذا شرط للخلوة، فلو أكرهت على الخلوة فلا عدة وإن خلا بها، ولكن هذا فيه نظر؛ لأن الرجل إذا خلا بالمرأة فهو مظنة الجماع، سواء كانت مطاوعة أو غير مطاوعة، فاشتراط أن تكون مطاوعة ضعيف، فلو خلا بها وهي مكرهة فإن احتمال الوطء وارد. قوله: «مع علمه بها» أي: بأن يخلو بها وهو يعلم أن في المكان امرأة، فإن كان لا يعلم مثل أن يكون أعمى أو يكون أدخل عليها في حجرة ليس فيها إضاءة، فلا عدة؛ لأنه ليس هناك مظنة وطء. قوله: «وقدرته على وطئها» أي: بأن يكون قادراً من حيث الجسمية على الوطء، فإن خلا بها وهو مُربَّط بالحديد فلا عبرة بهذه الخلوة.

стр. 5539

قوله: «ولو مع ما يمنعه» الضمير يعود على الوطء، يعني ولو مع مانع من الوطء. قوله: «منهما» أي: بأن يكون المانع منهما، مثاله: أن يكون الرجل مجبوباً وهي رتقاء، فالمانع هنا فيهما جميعاً، المجبوب لا ذكر له حتى يجامع، والرتقاء لا يمكن أن يلجها ذكر. قوله: «أو من أحدهما» أي: بأن يكون المانع من أحدهما، مثل أن يكون هو مجبوباً وهي سليمة، أو هي رتقاء وهو سليم. قوله: «حساً أو شرعاً» أي: ولو كان أحدهما فيه مانع حسي أو شرعي، الحسي كما مثلنا، وأما المانع الشرعي فكأن يكون أحدهما صائماً أو كلاهما صائماً صوم فريضة، فإن الصائم صوم فريضة لا يحق له الجماع، وكذلك ـ أيضاً ـ لو أدخلوه عليها وهو مُحْرِم أو هي مُحْرِمة، فإن العدة تثبت ولو مع مانع شرعي. إذاً يشترط في الخلوة أن تكون المرأة مطاوعة، وأن يكون عالماً بها، وأن يكون قادراً على الوطء. قوله: «أو وطئها» معطوف على قوله «خلا بها» يعني أو امرأة وطئها زوجها ولو بدون خلوة فإنها تجب العدة، وكيف يطؤها بدون خلوة؟ يتصور ذلك لو فرضنا أن مميزاً له عشر سنوات معهما في الحجرة، وجامعها، فهنا ما خلا بها. قوله: «أو مات عنها» معطوفة ـ أيضاً ـ على «خلا بها» يعني تلزم العدةُ امرأةً مات عنها زوجها ولو بدون خلوة، ولو بدون وطء، فالموت موجب للعدة مطلقاً.

стр. 5540

حَتَّى فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ فِيهِ خِلَافٌ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلاً وِفَاقاً لَمْ تَعْتَدَّ لِلْوَفَاةِ، وَمَنْ فَارَقَهَا حَيّاً قَبْلَ وَطْءٍ وَخَلْوَةٍ، أَوْ بَعْدَهُمَا، أَوْ بَعْدَ أَحَدِهِمَا، وَهُوَ مِمَّنْ لَا يُولَدُ لِمِثْلِهِ، أَوْ تَحمَّلَتْ بِمَاءِ الزَّوْجِ أَوْ قَبَّلَهَا أَو لَمَسَهَا بِلَا خَلْوَةٍ فَلَا عِدَّةَ. قوله: «حتى في نكاح فاسد» يعني تلزم العدة حتى في نكاح فاسد، وبين المؤلف النكاح الفاسد بقوله: «فيه خلاف» هذا بيان للفاسد، وهي صفة كاشفة كما يقولون، وهذا باب واسع، فالنكاح الذي فيه خلاف ليس مسألة أو مسألتين أو ثلاثاً أو أربعاً، بل هو كثير، فمن النكاح الفاسد أن يتزوجها بلا ولي، فبعض العلماء يقول: إنه يصح، إذا كانت امرأة بالغة عاقلة فلها أن تزوج نفسها، كذلك النكاح بلا شهود، أو بشهود لكن من الأصول أو الفروع، أو يتزوج امرأة رضع من أمها مرة واحدة فقط، أو ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً؛ فبعض العلماء يقول: يحرم، وبعضهم يقول: المحرِّم عشر رضعات، أو تزوج أخت امرأته وهي في عدة بينونة، أو تزوج أخت زوجته من الرضاع، فشيخ الإسلام يرى أنه لا بأس به ولكنه قول ضعيف، والصواب أن الجمع بين الأختين من الرضاع حرام كما هو رأي الجمهور، والحاصل أن مسائل الخلاف في هذا الباب كثيرة. وظاهر كلام المؤلف: أن العدة تجب بالنكاح الفاسد، وإن كان يعتقد عدم صحته، مثل لو جاءه أحد بعد أن عقد عليها، وقال: هذا النكاح ما يصح، فقال: هي طالق، فتجب العدة مع أنه يعتقد أنه باطل؛ لأنه ربما يريد أن يخطبها إنسان يرى أن النكاح صحيح فلا يجوز له أن يتزوجها حتى تعتد، ولهذا قلنا: يجب أن تطلق حتى في النكاح المختلف فيه، الذي تعتقد أنت أنه ليس بصحيح. مثال ذلك: رجل تزوج امرأة وهو لا يصلي، فالصحيح أن

стр. 5541

النكاح فاسد، فإن تاب وصلى وجب تجديد العقد وإلا وجب أن يطلِّق وتعتد المرأة؛ لأنه ربما يأتي إنسان يقول: أنا ما أرى كفر تارك الصلاة، فيكون النكاح عنده صحيحاً، فحينئذٍ لا بد من أن يكون هناك طلاق شرعي؛ من أجل أن نفتح الباب لمن أراد أن يخطبها من جديد. فالمهم أن النكاح الفاسد حكمه حكم الصحيح احتياطاً؛ لأننا لو قلنا: حكمه حكم الباطل، وصارت قضية، ورفع الأمر إلى قاضٍ يحكم بصحته حصل تناقض، ثم إننا إذا فرقنا بينها وبين زوجها في النكاح الفاسد، بقي في قلوبنا شيء، وهو خلاف العلماء الآخرين؛ لأنه ربما يكون الصواب معهم فيكون تفريقنا غلطاً، ولا تحل للأزواج بعد ذلك، ولهذا ألحقنا الفاسد بالصحيح من باب الاحتياط. قوله: «وإن كان باطلاً وفاقاً لم تعتد للوفاة» إذا كان النكاح باطلاً وفاقاً ـ يعني بالإجماع ـ فهو يسمى نكاحاً باطلاً، والذي فيه خلاف يسمى نكاحاً فاسداً، فإذا كان النكاح باطلاً يقول المؤلف: «لم تعتد للوفاة» لكن لو جامعها وجبت العدة لجماعه ووجب الصداق أيضاً. وقوله: «لم تعتد للوفاة» وللحياة من باب أولى، وعبارة المؤلف توهم طالب العلم المبتدئ أنها إذا لم تعتد للوفاة فإنها تعتد للحياة! وليس الأمر كذلك؛ لأنها إذا لم تعتد للوفاة فللحياة من باب أولى، ولهذا لو قال المؤلف ﵀: فلا عدة عليها، لكان أحسن وأوضح، المهم إذا كان العقد باطلاً فإنها لا تعتد؛

стр. 5542

لأن وجود الباطل كعدمه، مثل أن يتزوج امرأة ثم يتبين ـ قبل أن يدخل عليها ـ أنها أخته من الرضاع، فالنكاح باطل لإجماع العلماء على فساده، فتفارقه بدون عدة، وبدون مهر، وبدون أي شيء؛ لأن هذا العقد الباطل وجوده كعدمه لا أثر له، وكذلك لو مات عنها ثم ثبت أنها أخته من الرضاع فإنها ليس عليها عدة؛ لأن هذا النكاح باطل بالإجماع، ولهذا قال: «لم تعتد للوفاة». مسألة: نكاح الخامسة باطل أو فاسد؟ فيه خلاف، الرافضة يقولون: له أن يتزوج إلى تسع! ولكن لا يعتد بخلافهم عند أهل العلم، وبعض الصوفية يقول: له أن يتزوج إلى خمسين إذا كان من المشايخ الكبار، ولكن ما يعتد بخلافهم أيضاً، المهم أن نكاح الخامسة باطل؛ لأنه خلاف ما أجمع عليه المسلمون، ونكاح المعتدة باطل لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥] وهذا نهي صريح في القرآن. ثم شرع المؤلف ﵀ في مفهوم الشروط الماضية فقال: «ومن فارقها حياً» احترازاً مما إذا فارقها بالموت. قوله: «قبل وطء وخلوة» أي: إذا فارقها حياً قبل وطء وخلوة فلا عدة عليها؛ لأنا ذكرنا أن من الشروط أن يحصل وطء أو خلوة، فإذا تزوجها ثم طلقها قبل أن يخلو بها، فليس عليها عدة لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]. فإذا قال قائل: الآية يقول الله فيها: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ فكيف تقولون: الخلوة؟

стр. 5543

قلنا: من أخذ بظاهر الآية لم يعتبر الخلوة، ويعلق الحكم بالوطء، وقد قال به بعض أهل العلم، لكن الصحابة ﵃ حكموا بأن من خلا بها كمن مسها (١)، وعللوا ذلك بأن الرجل استباح منها ما لا يباح لغير الزوج، فعلى هذا تكون العدة واجبة عليه، والمسألة في القلب منها شيء؛ لأن الآية الكريمة صريحة ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، ولأن الخلوة ـ وإن كان الإنسان استباح ما لا يباح لغيره ـ فإنهم يقولون: إن الرجل إذا قبلها بلا خلوة فلا عدة، مع أن التقبيل لا يحل لغير الزوج، فالمسألة في القلب منها شيء، لكن المعروف عن الصحابة ﵃ أن من أرخى ستراً أو أغلق باباً فإنه كالذي دخل، فيلزمها العدة. قوله: «أو بعدهما» أي: بعد الوطء والخلوة. قوله: «أو بَعْدَ أحدهما» أي: الوطء أو الخلوة. قوله: «وهو ممن لا يولد لمثله» الذي لا يولد لمثله من دون العشر، مثل رجل زوج ابنه امرأة، وأدخل عليها، لكنه صغير له تسع سنوات، وبقي عندها كل الليل وهو يجامعها، ولما كان في الصباح طلقها، فنقول: لا عدة عليها؛ لأنه لا يولد لمثله، وهذه المسألة ـ أيضاً ـ في النفس منها شيء لقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، وهذا الصبي قد مس وهو زوج، وكوننا نقول: «لا يولد لمثله» ليس هذا هو العلة، ولهذا لو كان عنيناً وجامعها، بل لو خلا بها فعليها العدة؛ وليست المسألة كونها مظنة الحمل أو لا، لكن

стр. 5544

استمتاع بشهوة من هذا الصبي، فكيف نقول: ليس عليها عدة؟! فعلى الأقل نجعلها كمسألة الخلوة، لكن هذا هو المذهب. كذلك ـ أيضاً ـ لو كانت هي ممن لا يولد لمثلها، وهي التي دون التسع، كزوجة لها ثمان سنوات دخل عليها زوجها وهو صغير، يمكنه أن يطأها، وجامعها وتلذذ بها، ثم فارقها، يقولون: لا عدة عليها؛ لأنه لا يولد لمثلها، وهذه هي المسألة الثالثة التي في نفسي منها شيء؛ وذلك لأن الآية إنما علقت الحكم بالمسيس، لكن سنأخذ كلام المؤلف لأجل أن نبني عليه ما يأتي. فصار يشترط أن تكون الخلوة أو الوطء ممن يولد لمثله (وهو الزوج) بمثله (وهي الزوجة). قوله: «أو تحملت بماء الزوج» أي: طلبت الحمل بماء الزوج، يعني أخذت من منيِّه ووضعته في فرجها، وحملت منه، وهذا جائز؛ لأن الماء ماء زوجها، وهذا يشبه في عصرنا أطفال الأنابيب، فهل يجوز إجراء هذه العملية؛ لأنه أحياناً تكون المرأة عندها ضعف في الرحم، ولا يمكن أن تحمل إلا بهذه الواسطة؟ فيرى بعض العلماء أنه يجوز للمرأة أن تتحمل من ماء الزوج بواسطة أو بغير واسطة، ولكن الفتيا بذلك فيها خطر التلاعب بالأنساب، فربما يأتي إنسان عقيم، منيه غير صالح، فيشتري من شخص منياً، وتحمل به المرأة، وهذا واقع، فالآن يوجد بنوك للحيوانات المنوية، وهذا غير جائز، لذلك نحن لا نفتي بذلك إطلاقاً؛ لأننا نخشى من التلاعب.

стр. 5545

المهم أنها إذا تحملت بمائه فلا عدة عليها؛ لأنه ما مسها ولا خلا بها، والله يقول: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ فنقول: ألستم تقولون: إنه إذا جامعها وهو ممن لا يولد لمثله فلا عدة؛ لعدم إمكان الحمل؟! فكأن هذا إشارة منكم إلى أن العبرة بإمكان الحمل، فإذا تحملت بمائه، فلماذا لا تجب عليها العدة؟! ولا شك أن هذا فيه نظر؛ لأن أصل وجوب العدة من أقوى أسبابه العلم ببراءة الرحم، فهنا نعلم أن الرحم مشغول، فكيف يكون لا عدة؟! ولهذا يعتبر قول المؤلف هنا ضعيفاً، والصواب أنه يجب عليها العدة. لكن لاحظ أننا إذا قلنا: لا تجب عليها العدة، فإنه ما يمكن أن تتزوج وهي حامل من ماء هذا الزوج حتى تضع، فهذا أمر لا بد منه، لكننا لا نقول: معتدة لزوجها، بل من أجل انشغال رحمها فقط، ولهذا فالقول الثاني في هذه المسألة ـ وهو الصواب ـ أنه تجب العدة إذا تحملت بماء الزوج، وهذا هو الواقع؛ لأننا سنمنعها من أن تتزوج، والنسب يلحق الزوج، فإذا كان الولد له وهي ممنوعة من أجل ولده من أن تتزوج فهذه العدة، وهذا هو الصواب حتى على المذهب، لكن المؤلف خالف المذهب في هذه المسألة، وأما الجواب عن الآية أن الله ذكر المسيس؛ فلأنه سبب الحمل. قوله: «أو قَبَّلها» أي: قبل زوجته. قوله: «أو لمسها بلا خلوة فلا عدة» قَبَّلها لكن بلا خلوة، بحضور أبيها، أو بحضور أمها، أو لمسها، صافحها مثلاً، ولو

стр. 5546

بشهوة فإنه لا عدة عليها، والدليل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ فهذا الرجل ما مسها فلا عدة عليها. خلاصة ما قال المؤلف: أن العدة واجبة في كل نكاح غير باطل؛ لأجل أن يدخل الفاسد، وهذا شرط لوجوب العدة، سواء العدة للوفاة أو للحياة. ويشترط للعدة في الحياة أن يحصل وطء، أو خلوة ممن يولد لمثله بمثله. ويشترط في الخلوة أن يكون عالماً بها، قادراً على الوطء، وأن تكون مطاوعة. والشرط الأساسي الذي لا بد منه أن يكون النكاح غير باطل. وهذه الشروط لا بد من معرفتها؛ لأنه يترتب عليها جميع ما يأتينا من أحكام العِدد. مسألة: لو أن شخصاً عقد على امرأة وتوفي عنها قبل الدخول والخلوة فتجب العدة؛ لأنا اشترطنا في عدة الوفاة أن يكون النكاح غير باطل ولم نشترط سوى ذلك، هذا تعليل، وأما الدليل فلعموم قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. فإن قال قائل: لماذا لا تقيسون الفرقة بالموت على الفرقة بالحياة؛ لأن الله تعالى ذكر في الطلاق أنه إذا كان قبل المسيس فلا عدة، فلماذا لا تقولون في عدة الوفاة كذلك؟

стр. 5547

نقول: الجواب على هذا من وجهين: أولاً: أنه لا يمكن الإلحاق؛ لأن الاعتداد بفرقة الحياة له أحكام خاصة، فالعدة فيه ثلاثة قروء، أو ثلاثة أشهر لمن لا تحيض، بخلاف الفرقة في الوفاة، فيمتنع الإلحاق. ثانياً: ما أخرجه أهل السنن من حديث ابن مسعود ﵁ في امرأة عقد عليها زوجها، ثم مات قبل الدخول بها، فقال: لها الميراث، وعليها العدة، ولها المهر، فقام رجل فقال: «إن النبي ﷺ قضى في بَرْوَع بنت واشق امرأة منا بمثل ما قضيت» (١)، فحينئذٍ يكون النقل مانعاً من القياس؛ لأنه من المعلوم عند أهل العلم أنه لا قياس مع النص. إذا قال قائل: رجل وطئ امرأة بشبهة ـ بدون عقد ـ فهل توجبون عليها العدة؟ المذهب أننا نوجب عليها العدة؛ لأنهم يرون أن الوطء موجب للعدة، سواء كان في زواج، أو في شبهة، أو في زنا، والصحيح أنه لا تجب، وإنما يجب الاستبراء فقط؛ لأن العدة إنما تجب في نكاح غير باطل، أما هذا فليس فيه نكاح أصلاً، فكيف تجب العدة؟! فنقول: إن الواجب في هذا هو

стр. 5548

الاستبراء فقط، بمعنى أنها إن كانت حاملاً فحتى تضع الحمل، وإن لم تكن حاملاً فبحيضة واحدة فقط، هذا هو القول الصحيح في هذه المسألة. والوطء على أربعة أوجه: الأول: في النكاح، الثاني: الشبهة، الثالث: الزنا، الرابع: الملك، فالنكاح تجب فيه العدة بشروط ذكرناها فيما سبق، ووطء الشبهة ذكرناه فيما سبق، وفيه العدة على المذهب، والملك ليس فيه عدة، ولكن فيه استبراء، فلو أن الرجل جامع أمته فلا يمكن أن يبيعها أو يزوجها إلا بعد أن يستبرئها. أما الزنا فالمشهور من المذهب أنه كوطء الشبهة فتجب به العدة، إن حملت فبوضع الحمل، وإن لم تحمل فبثلاث حيض، ويعللون ذلك بأنه وطء يحصل به الحمل فوجبت به العدة، كوطء الشبهة، ولكن هذا التعليل عليل جداً؛ لأننا نقول: هذا الواطئ وطئ من ليست زوجة له، لا شرعاً ولا اعتقاداً، ولا يمكن أن يلحق السفاح بالنكاح، فإلحاق هذا بهذا من أضعف ما يكون. القول الثاني: أن المزني بها ليس عليها عدة، وإنما الواجب الاستبراء وهو قول مالك، وسيأتينا ـ إن شاء الله تعالى ـ في باب الاستبراء كيفية الاستبراء. القول الثالث: أنها لا عدة عليها ولا استبراء، وهو مروي عن أبي بكر وعمر وعلي ﵃ وهو مذهب الشافعي، وهذا القول أصح الأقوال، لكن إن حملت على هذا القول لم يصح العقد عليها حتى تضع الحمل؛ لأنه لا يمكن أن

стр. 5549

توطأ في هذه الحال؛ لأن النبي ﷺ «نهى أن توطأ ذات حمل حتى تضع» (١)، والفائدة من ذلك أنها إذا كانت ذات زوج ما نقول للزوج: تجنبها إذا زنت مثلاً، بل نقول: لك أن تجامعها، ولا يجب عليك أن تتجنبها، إلا إن ظهر بها حمل فلا تجامعها، أما إذا لم يظهر بها فإنها لك. فلو قال قائل: ألا يحتمل أن تكون نشأت بحمل من وطء الزنا؟ نقول: هذا الاحتمال وارد، لكن قال النبي ﵊: «الولد للفراش وللعاهر الحجر» (٢)، فما دمنا ما تيقنا أنها حملت من الزاني فإن الولد يحكم بأنه للفراش، وإذا حملت من الزاني وقلنا لزوجها: لا تطأها، فإنه يجوز أن يستمتع بها بغير الوطء؛ لأنها زوجته، وإنما منع من الوطء من أجل أن لا يسقي ماءه زرع غيره.

стр. 5550

فَصْلٌ وَالْمُعْتَدَّاتُ سِتٌّ: الْحَامِلُ، وَعِدَّتُهَا مِن مَوْتٍ وَغَيْرِهِ إِلَى وَضْعِ كُلِّ الْحَمْلِ بِما تَصِيرُ بِهِ أَمَةٌ أُمَّ وَلَدٍ، ..... قوله: «والمعتدات ست» يعني ستة أصناف، وهذا الحصر مأخوذ من التتبع والاستقراء، فالعلماء تتبعوا الكتاب والسنة فوجدوا أنها ست، مثل ما تتبع النحويون كلام العرب فوجدوا أنه لا يخرج عن اسم، وفعل، وحرف. قوله: «الحامل» وتسمى أم العدات؛ لأنها تقضي على كل عدة، المتوفى عنها زوجها، والمطلقة، والمفسوخة، فمتى كانت المرأة المُفارَقةُ حاملاً فعدتها من الفراق إلى وضع الحمل، ولهذا قال المؤلف: «وعدتها من موت» بأن يموت عنها الزوج. قوله: «وغيره» بأن يطلقها، أو يفسخ النكاح، أو ما أشبه ذلك. قوله: «إلى وضع كل الحمل» فلو خرج بعضه لم تنقضِ العدة، ولو كان توأمين فخرج واحد لم تنقضِ العدة، والدليل قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] «أولات» بمعنى صاحبات، وقوله: «حملهن» مفرد مضاف فيشمل كل حملها، وعلى هذا فلا بد أن تضع جميع الحمل، فقوله: «كل الحمل» الكُلِّيَّة هنا تعود إلى التعدد، بل وإلى الواحد، فلو فرض أن المرأة مات زوجها وهي تطلق وقد ظهر رأس الحمل ثم خرج بقيته فتنقضي العدة؛ لأنه قبل أن يخرج كاملاً لم تكن وضعت حملها. وقوله: «من موت وغيره» قدم الموت؛ لأن الموت فيه خلاف، فإذا مات عنها زوجها ووضعت الحمل قبل أربعة أشهر

стр. 5551

وعشر، فهل تنتظر حتى تنتهي أربعة الأشهر وعشر، أو تنقضي عدتها بوضع الحمل؟ المؤلف يقول: تنقضي العدة بوضع الحمل، حتى لو كان يموت وهي في الطَّلْق، ولما خرجت روحه خرج حملها انتهت العدة، وتبعها الإحداد، وجاز لها أن تتزوج ولو قبل أن يغسل زوجها، لعموم قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. ويرى بعض أهل العلم أن الحامل إذا مات عنها زوجها تعتد بأطول الأجلين، من وضع الحمل أو أربعة أشهر وعشر، يعني تنتظر إلى الأطول، فإذا وضعت قبل أربعة أشهر وعشر انتظرت حتى تتم أربعة أشهر وعشراً، وإن تمت أربعة أشهر وعشراً قبل أن تضع انتظرت حتى تضع الحمل، وحجة هؤلاء أنه تعارض عندنا عمومان، ولا يمكن العمل بهما إلا على هذا الوجه، والعمومان هما قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، والثاني: ﴿وَأُولَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. فبين الآيتين عموم وخصوص وجهي، كل واحدة أعم من الأخرى من وجه، فآية البقرة خاصة بمن سبب عدتها الوفاة، وعامة في الحوامل وغير الحوامل، وآية الطلاق خاصة في الحوامل عامة في سبب وجوب العدة، فلم يقل: أجلهن من الموت أو من الطلاق، فهي عامة باعتبار سبب وجوب العدة خاصة بالحامل، فهاتان الآيتان بينهما عموم وخصوص وجهي، إذا اتفقتا في صورة فالأمر ظاهر، يعني لو وضعت الحمل عند تمام أربعة أشهر وعشر تنقضي العدة، وتتفق الآيتان.

стр. 5552

وإذا لم يحصل اتفاق، ولنفرض أنها وضعت قبل أربعة أشهر وعشر، إن نظرنا إلى آية البقرة قلنا: ما تنقضي العدة؛ لأن الله يقول: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، وإن نظرنا إلى آية الطلاق قلنا: تنقضي، فما يمكن أن نعمل بهما جميعاً حتى نقول: تنتظر أربعة أشهر وعشراً. وكذلك لو مضى عليها أربعة أشهر وعشر ولم تضع الحمل، والحمل بقي عليه شهران، فإن نظرنا إلى آية البقرة قلنا: انقضت العدة، وإن نظرنا إلى آية الطلاق قلنا: لم تنقضِ؛ لأنها ما وضعت، إذاً فتبقى حتى تضع، ولهذا ذهب علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس ﵃ إلى أنها تعتد بأطول الأجلين، وحجتهما ظاهرة؛ لأنه ما يمكن العمل بالآيتين إلا هكذا. ولكن سنة الرسول ﵊ تأبى ذلك، فإن سبيعة الأسلمية ﵂ مات عنها زوجها ونفست بعده بليالٍ معدودة، فأرادت أن تتزوج، فجعلت تتجمل للخُطَّاب، فمر بها أبو السنابل بن بعكك ﵁ فقال: ما لك تتجملين للخُطَّاب؟! لا يمكن أن تفعلي حتى يتم لك أربعة أشهر وعشر، أخذاً بأطول الأجلين، وهذا هو المعقول، لكنها شدت عليها ثيابها ومشت إلى الرسول ﷺ وسألته، فقال: «كذب أبو السنابل» ـ يعني أنه أخطأ، فالكذب يراد به الخطأ ـ ثم أذن لها أن تتزوج، ففي هذا الحديث الثابت في الصحيحين (١) دليل على أن عموم آية الطلاق مقدم على عموم آية البقرة، ويكون المعتبر وضع الحمل،

стр. 5553

سواء كان دون أربعة أشهر وعشر، أو فوق أربعة أشهر وعشر، وهذا هو الصحيح أنها تعتد بوضع الحمل طالت المدة أو قصرت. قوله: «بما تصير به أمةٌ أمَّ ولد» أي: تنقضي العدة بوضع ما تصير به أمةٌ أمَّ ولد، وتصير الأمة أم ولد إذا وضعت ما تبين فيه خلق إنسان، بأن بانت مفاصله، يداه، ورجلاه، ورأسه، ولا عبرة بالخطوط؛ لأن الخطوط بإذن الله تشاهد حتى وهو علقة، لكن الكلام على التميز، فإذا تميز بأن عرف رأسه، وبانت رجلاه، ويداه، ووضعت، فحينئذٍ تنقضي العدة، فإن وضعت من لم يتبين فيه خلق إنسان فلا عبرة بهذا الوضع فلا بد أن تكون مخلقة؛ لأن المضغة قبل ذلك يحتمل أن تكون إنساناً ويحتمل أن تكون قطعة من اللحم، ولا حكم مع الاحتمال، فتعتد بالحيض إن كانت مطلّقة، وبأربعة أشهر وعشر، إن كانت متوفى عنها زوجها. وقوله: «بما تصير به أمة أم ولد» لماذا لم يقل: إلى وضع كل الحمل إذا كان مخلقاً؛ مع أن هذا أقرب إلى الفهم من قوله: «بما تصير به أمة أم ولد»؟ الجواب على هذا: أولاً: أن الفقهاء ﵏ يتناقلون العبارات، فتجد هذه العبارة تكلم بها أول واحد، وتبعه الناس. ثانياً: من أجل أن ترتبط العلوم بعضها ببعض، فأنت إذا قرأت: «بما تصير به أمة أم ولد» لزمك أن تراجع ما تصير به أمة أم ولد، فترتبط العلوم بعضها ببعض.

стр. 5554

فَإِنْ لَمْ يَلْحَقْهُ لِصِغَرِهِ، أَوْ لِكَوْنِهِ مَمْسُوحاً، أَوْ وَلَدَتْ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ نَكَحَهَا وَنَحْوِهِ وَعَاشَ لَمْ تَنْقَضِ بِهِ، وَأَكْثَرُ مُدَّةِ الْحَمْلِ أَرْبَعُ سِنِينَ، وَأَقَلُّهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَغَالِبُهَا تِسْعَةُ أَشْهُرٍ، وَيُبَاحُ إِلْقَاءُ النُّطْفَةِ قَبْلَ أَرْبَعِينَ يَوْماً بِدَوَاءٍ مُبَاحٍ. قوله: «فإن لم يلحقه لصغره» أي: لم يلحق الزوجَ لصغره، وهو من دون العشر، كزوج جامع زوجته وهو دون العشر، قلنا: لا عبرة بهذا الجماع، ولا بهذه الخلوة؛ لأن الولد لا يلحقه، فما يمكن أن ينزل ماءً يُخلق منه آدمي، وهو دون العشر، حتى لو فرض أن له شهوة وأنزل ماءً فلا يمكن أن يكون له ولد حتى يتم له عشر سنين. قوله: «أو لكونه ممسوحاً» يعني ليس له ذكر ولا أنثيان، فإن قطعت أنثياه فقط فهو خصي، وإن قطع ذكره فهو مجبوب، سواء كان بأصل الخلقة أو طرأ عليه ذلك، فهذا ما يلحقه الولد. قوله: «أو ولدت لدون ستة أشهر منذ نكحها» يعني فإنه لا يلحقه، أي بعد أن تزوج امرأة ثم طلقها وهي حامل ثم وضعت الحمل وعاش بعد أن مضى على عقد النكاح عليها خمسة أشهر فلا يلحقه ولا تنقضي العدة به؛ لأن هذا الولد لا ينسب إليه، إذاً بعد وضعه تعتد بثلاث حيض. قوله: «ونحوه» بأن تأتي به فوق أربع سنين منذ أبانها، بناء على القول بأن أكثر مدة الحمل أربع سنوات، فإذا أتت به لأكثر من أربع سنوات منذ أبانها فإنها لا تنقضي به العدة، ولا ينسب إلى زوجها، مثال ذلك: رجل طلّق زوجته آخر ثلاث تطليقات وهي حامل، وما وضعت إلا فوق أربع سنوات، فالولد ليس له، إذاً لا تنقضي به العدة، وتنتظر حتى تحيض ثلاث حيض. قوله: «وعاش» يعود على قوله: «لدون ستة أشهر».

стр. 5555

قوله: «لم تنقض به» أي: لا تنقضي به العدة؛ وذلك لأنه لا يمكن أن يولد جنين دون ستة أشهر ويعيش؛ إذ إن أقل مدة يعيش فيها الحمل ستة أشهر، فإن لم يعش انقضت به العدة، وسبق أنها إذا وضعت ما تبين فيه خلق الإنسان ـ وإن لم تنفخ فيه الروح ـ فإن العدة تنقضي به، لكن إذا عاش وهو لأقل من ستة أشهر علم أنه ليس ولداً له. واستفدنا من كلام المؤلف ﵀ أنه يشترط في الحمل الذي تنقضي به العدة: أولاً: أن يكون منسوباً شرعاً إلى من له العدة. ثانياً: أن يتبين فيه خلق إنسان. قوله: «وأكثر مدة الحمل أربع سنين وأقلها ستة أشهر وغالبها تسعة أشهر» الحمل له أقل، وأكثر، وغالب، غالبه تسعة أشهر كما هو معروف، وأقله ستة أشهر بمقتضى دلالة القرآن، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، ويقول: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] فإذا أخذنا عامين للفصال بقي للحمل ستة أشهر، وهذا واضح. وقوله: «وأكثر مدة الحمل أربع سنين» لا يوجد دليل لا من القرآن ولا من السنة على هذا، ولذلك اختلف فيها العلماء، فقال بعضهم: أربع سنين، وقال بعضهم: سنتان، وقال بعضهم: ست سنوات، وقال بعضهم: سبع سنوات، وقال آخرون: لا حد لأكثره؛ لأن القرآن دل على أقله ولم يذكر أكثره، ولأن المعنى

стр. 5556

يقتضي ذلك، فإذا رأينا امرأة حاملاً وما زال الحمل في بطنها، ولم يجامعها أحد، ومضى أربع سنوات، ثم نقول: الحمل ليس لزوجها؟! هذا لا يمكن أن يقال به، والمسألة مبنية على أنه ما وجد أكثر من أربع سنين، وهذا ليس بصحيح، بل وجد أكثر من أربع سنين، وجد إلى سبع سنوات، أو تسع، أو قد يوجد أكثر، فالمسألة معلقة بشيء موجود في البطن يبقى حتى يوضع، فالصواب أنه لا حد لأكثره. مسألة: ما هو أقل زمن يتبين فيه خلق إنسان؟ الجواب: أقل زمن يتبين فيه خلق إنسان واحد وثمانون يوماً، وغالب زمن يتبين فيه خلق إنسان تسعون يوماً. قوله: «ويباح إلقاء النطفة قبل أربعين يوماً» يعني يحل إلقاء النطفة قبل أربعين يوماً، والنطفة هي القطرة من المني، يباح إلقاؤها من الرحم، لكن اشترط المؤلف أن تكون قبل أربعين يوماً من ابتداء الحمل؛ وذلك لأنه يبقى بإذن الله كما قال النبي ﷺ : «أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فيؤمر بنفخ الروح فيه» (١). واشترط المؤلف شرطاً آخر فقال: «بدواء مباح» فأما بدواء محرم فإنه لا يجوز، وظاهر كلام المؤلف سواء كان ذلك لحاجة أم لم يكن.

стр. 5557

وعلم من قوله: «قبل أربعين يوماً» أنه بعد أربعين يوماً لا يباح إلقاؤه ولو لم تنفخ فيه الروح، وهو كذلك على المذهب، والمسألة لها ثلاث حالات: الأولى: أن يكون قبل أربعين يوماً. الثانية: أن يكون بعدها وقبل نفخ الروح. الثالثة: أن يكون بعد نفخ الروح. أما بعد نفخ الروح فيه فيأتي ـ إن شاء الله ـ التفصيل فيه قريباً. وأما قبل أربعين يوماً ففيه خلاف بين أهل العلم، فالمشهور من المذهب الجواز، فيجوز للمرأة أن تشرب دواء يُسقط الحمل إذا كان قبل أربعين يوماً، قالوا: لأنه نطفة لم يتحول إلى علقة، فلا يعلم هل تفسد أو لا تفسد؟ ولأن الإنسان يجوز له أن يعزل، وهذا شبيه بالعزل. وقال بعض العلماء: ما دام تيقنت الحمل فإنه لا يجوز إسقاطه ولو كان نطفة، واستدلوا لذلك بقوله: ﴿﴾ [المرسلات: ٢١] لا يقدر عليه أحد، فالأصل أنه معصوم من حين أن يقبله الرحم، فلا يجوز إلقاؤه إلا لضرورة، واحتمال الفساد كاحتمال الموت بعد نفخ الروح، فما دام أن الحيوان المنوي علق بالبيضة، فاحتمال أن يفسد وارد، كما أن احتمال أن يموت بعد نفخ الروح فيه وارد أيضاً، لكن الأصل أنه باقٍ، وقياسه على العزل قياس مع الفارق؛ لأن العزل منع، وهذا رفع، فالعزل يمنع الماء أن يدخل في الرحم، وهذا رفع لهذا الماء الذي وصل

стр. 5558

إلى الرحم وعَلِق به، وابتدأ تكوين إنسان، فبينهما فرق، وعلى هذا القول يكون إلقاؤه حراماً؛ ولهذا كان القول الراجح أن إلقاء النطفة إما مكروه وإما محرم، لكن إذا دعت الحاجة إلى هذا، مثل أن تكون الأم مريضة يخشى عليها زالت الكراهة أو التحريم. الحال الثانية: إذا كان علقة؟ فالمذهب لا يجوز إلقاؤه؛ لأن العلقة دم، والدم مادة الحياة، فالآن انتقل وتحول وتغير من الماء الذي لا قيمة له إلى دم هو ابتداء خلق الإنسان، ولذلك إذا نزف دم الإنسان فإنه يموت، قالوا: فإذا وصل إلى هذه المرحلة فإنه لا يجوز إلقاؤه. وقال بعض العلماء: بل يجوز إلقاؤه؛ لأنه دم، والدم لا قيمة له، والله حرم علينا أكل الميتة والدم ولحم الخنزير، فيكون لا قيمة له، وليس آدمياً محترماً حتى نقول: إنه لا يجوز. أما بعد نفخ الروح فيه فإنه لا يجوز إلقاؤه، وله حالان: الأولى: أن يلقى في حال يعيش فيها، مثل إذا أتمت المرأة التاسع، وحصل عليها صعوبة في الوضع، فيجوز إلقاؤه بشرط أن لا يكون في ذلك خطر على حياته، أو على حياة أمه؛ فإن كان في ذلك خطر فهو حرام. الثانية: أن يلقى قبل أوان نزوله، مثل أن يلقى وله خمسة شهور أو ستة شهور، فهذا يحرم؛ لأن الغالب أنه لا يسلم، اللهم إلا إذا ماتت الأم وهو حي، ورجي بقاؤه لو أُخرج فلا بأس بذلك، بل قد يجب؛ لأن في هذا إنقاذاً لحياة الجنين، فإذا قال قائل: لكن فيه مُثلة للأم التي ماتت، فالجواب: أن لا مُثلة في

стр. 5559

عهدنا الحاضر؛ لأن شق بطن الحامل وإخراج الجنين أمر لا يعد مُثلة في وقتنا، وهذا ما يسمى عند الناس بالولادة القيصرية. لو قال قائل: لو أن الحمل قد نفخت فيه الروح وتحرك، لكن لو بقي لكان خطراً على أمه وتموت، وإذا ماتت سيموت، وإذا أخرجناه فستحيا ويموت فهل ننزله أو لا؟ نقول: لنضرب مثلاً، هذا رجل جائع جداً وعنده طفل مملوء لحماً وشحماً، وهو يقول: إذا لم آكل هذا الطفل مِتُّ، فماذا نقول؟ الجواب: لا يجوز له أن يأكله، وهنا نقول: لا يجوز أن نخرجه من بطن أمه، ونحن نعرف أنه سيموت. فإذا قال قائل: إن أبقيتموه مات هو وأمه، فخسرتم نفسين. نقول: إذا أبقيناه ومات هو وأمه، فهذا ليس بفعلنا، هذا بفعل الله ، أما إذا نزَّلنا نحن الطفل ومات بفعلنا فنحن الذين قتلناه، ثم نقول: ربما تموت الأم ويكون ـ مثلاً ـ عندنا أجهزة نشق بطنها بسرعة، ونخرج الولد ويسلم، وفي الحال الأولى ربما نظن أنه لو بقي ماتت، ومع المعالجة والمداواة تسلم الأم والابن، فالمهم أنه ليس على كل حال تموت الأم؛ لأنه ربما نقدر أنه لو بقي لماتت الأم ثم لا تموت، والأطباء ليس قولهم وحياً لا يخطئ، بل هم كغيرهم، يخطئون ويصيبون، وأنا أذكر قصة وقعت على من أعلمهم علم اليقين، كان له امرأة حامل فقرر الأطباء أن ولدها مشوَّه وأنه لا بد من إسقاطه، ففزعت الأم وخاف الأب، وأراد الله ، فوضعت الأم فصار هذا الحمل أحسن أولادها، فتبين أن تقرير الأطباء قد يكون خطأ؛

стр. 5560

لأنهم غير معصومين، فنحن نتمشى مع الشريعة وما ترتب على ذلك فليس مِنَّا. وبهذا نعرف أن الشرع كله خير، وأن الإنسان لو استحسن شيئاً قد يفوته أشياء، وإلا فإنه في بادئ الأمر نقول: كوننا نقتل نفساً أفضل من أن نقتل نفسين، ولكن نقول: فرق بين فعلنا وفعل الله . وعلى هذا فإذا نفخت فيه الروح فإنه لا يجوز إخراجه على وجه لا نأمن سلامته، ويكون عليه خطر فيه، ولذلك أخطأ بعض من أفتى بجواز وضع الحمل بعد نفخ الروح فيه إذا خيف على أمه، نقول: هذا غلط عظيم، وهذا يريد أن يكون بنو آدم كالبهائم، فالبهيمة إذا قدر أنها إن بقي ولدها في بطنها ماتت، وإن أخرج مات ولم تمت، فإننا نخرجه؛ لأنه يجوز لنا قتله، لكن بنو آدم لا، وانتبه لهذه العلة؛ لأن بعض الناس لا سيما المعاصرون يريدون أن يجعلوا بني آدم مشابهين للبهائم، بل تطورت الحال إلى أن يجعلوا بني آدم مشابهين للسيارات، فجعلوا الآدميين يؤخذ منهم قطع الغيار، إنسان فشلت كُلْيته، وآخر كليتاه سليمتان، نقول: بع علينا كلية من كليتيك، يؤخذ من هذا وتوضع في هذا، سبحان الله، أين فضيلة البشر؟! أين احترام البشرية؟! ولهذا نرى أنه لا يحل بأي حال من الأحوال أن يتبرع أحد بعضو من أعضائه، حتى لأبيه وأمه؛ لأن هذا يعني أنك تصرفت بنفسك تصرف مالك السيارة بالسيارة، وقد نص الفقهاء في كتاب الجنائز على أنه يحرم أن يقطع عضو من الميت ولو أوصى به، وسبحان الله، الناس الآن لا يهمهم إلا الدنيا، فنقول لهذا

стр. 5561

المتبرع: إذا تبرعت بكلية من كليتيك، ثم تعطلت الأخرى فإنه سيهلك، فيكون هو السبب في إهلاك نفسه، وذلك الآخر الذي طلبها إذا تركناه ومات، فقد قتله الله ، وليس لنا فيه شيء، ولا يغرَّنَّك التحسين العقلي؛ لأن التحسين العقلي المخالف للشرع ليس تحسيناً، فكل ما خالف الشرع ليس بحسن، وإن زينه بعض الناس، فلا بد من الرجوع إلى الشرع. وأما قياس ذلك على أخذ الدم فهو من القياس الفاسد؛ لأن الدم من حين ما يؤخذ يأتي بدله في الحال، والعضو إذا قطع لا يأتي، فهذا قياس مع الفارق. مسألة: لو أن رجلاً تلفت كليته ورأى ما يسمى ببنك الكلى، فهل يجوز أن يشتري واحدة؟ نعم يجوز؛ لأن هذه الكلى الآن قطعت من أصحابها ولا يمكن أن تعود، فيجوز شراؤها. وإذا قال قائل: إذا كان بين النطفة ونفخ الروح، مثل أن يكون علقة أو مضغة لكن ما نفخت فيه الروح، واضطررنا إلى تنزيله بحيث أنه لو بقي في بطن أمه لخشي عليها الهلاك فهل ننزِّلُه أو لا؟ نقول: في هذه الحال ننزله؛ لأنه إلى الآن ما نفخت فيه الروح، فإذا قال الأطباء: إنه يمكن أن تموت الأم بنسبة تسعين بالمائة، نقول: هذا لا بأس به؛ لأنه ليس في ذلك قتل نفس، ولهذا فالجنين في هذه المرحلة لو أنه نزل من بطن أمه لا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، بل يحفر له في أي مكان ويدفن؛ لأنه إلى الآن لم يكن إنساناً، ولا يبعث يوم القيامة؛ وتأمل هذا في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ

стр. 5562

ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ *﴾ [الحج]. فقوله: ﴿نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ هذا بعد الأطوار السابقة، وفي الآية الأخرى يقول: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] بعد ذكر العلقة والمضغة، فمن حيث الصورة والجسم ما تغير، لكن من حيث إنه صار إنساناً يحس ويدرك جعله الله تعالى خلقاً آخر ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]. الخلاصة: إلقاء الحمل حال النطفة، إما مكروه، أو محرم على القول الراجح، وعلى ما مشى عليه المؤلف في الكتاب مباح، وبعد أن يكون علقة فإلقاؤه محرم حتى على كلام المؤلف إلا إذا دعت الضرورة إليه، وإذا كان مضغة مخلقة فإلقاؤه محرم إلا إذا دعت الضرورة إليه، فإذا نفخت فيه الروح فإلقاؤه محرم ولو دعت الضرورة إليه، لأنه قتل نفس.

стр. 5563

فَصْلٌ الثَّانِيةُ: الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا بِلَا حَمْلٍ مِنْهُ، قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ، ..... قوله: «الثانية» يعني من المعتدات. قوله: «المتوفى عنها زوجها» الفرق بين المُتَوفِّي والمُتَوَفَّى، أن الأول اسم فاعل، والثاني اسم مفعول، والصواب اسم المفعول؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، فالإنسان مُتَوَفَّى، ويجوز ـ لكنه لغة ضعيفة جداً ـ أن نجعلها اسم فاعل مُتَوَفٍّ أي: متوفٍّ أجله ورزقه، أي قد استوفاه واستكمله، لكن الأول هو الأصح. قوله: «بلا حمل منه» احتراز من الحامل، والحامل تقدم أن عدتها بوضع الحمل. قوله: «قبل الدخول أو بعده» وقبل الخلوة أيضاً، وهل يشترط أن تكون ممن يوطأ مثلها، وهو ممن يولد لمثله؟ ما يشترط، ففي عدة الوفاة ما يشترط إلا شرط واحد فقط، وهو أن يكون النكاح غير باطل، ولا يشترط سوى ذلك، فلا يشترط وطء، ولا خلوة، ولا كبر، ولا عقل، ولا شيء، ولهذا نقول: قبل الدخول وبعده، وقبل الخلوة وبعدها، وفي حال الصغر وفي حال الكبر، فلو عُقد له على طفلة لها سنتان ومات عنها تعتد وتحاد، فنجنبها الزينة، والطيب، ولا تخرج من البيت إلا لحاجة، والدليل على ذلك عموم الآية: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] فما قيدها الله بشيء، بل مجرد كونها زوجة، ولهذا ترث منه ويرث منها.

стр. 5564

ومن السنة أن ابن مسعود ﵁ سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يدخل بها ثم مات، فقال: عليها العدة ولها الصداق والميراث، فقام رجل فقال: إن النبي ﷺ قضى في بَرْوَع بنت واشق ـ امرأة منا ـ بمثل ما قضيت (١)، فحكم ابن مسعود أن عليها العدة مع أنه لم يدخل بها. لِلْحُرَّةِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرَةٌ، وَلِلأَمَةِ نِصْفُهَا، فَإِنْ مَاتَ زَوْجُ رَجْعِيَّةٍ فِي عِدَّةِ طَلَاقٍ سَقَطَتْ، وَابْتَدَأَتْ عِدَّةَ وَفَاةٍ مُنْذُ مَاتَ، ...................... : «للحرة أربعة أشهر وعشرة» «عشرة» بالتاء على أن التمييز مذكر، لكن تقدم لنا أن ثلاثة إلى عشرة تؤنث مع المذكر وتذكر مع المؤنث إذا ذُكِرَ المُمَيَّز، أما إذا لم يذكر فيجوز الوجهان، وعلى هذا فيكون قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾» ليس عشر ليالٍ ـ كما قاله كثير من العلماء ـ ولكن عشرة أيام؛ لأن «أشهر» للزمان النهاري، فكذلك عشرة أيام، لكنها لم تؤنث لأنه لا يجب تأنيث العدد مع تذكير المعدود إلا إذا كان مذكوراً، فللحرة أربعة أشهر وعشرة أيام، والدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. والحكمة في أنها أربعة أشهر وعشر ـ والله أعلم ـ أنها حماية لحق الزوج الأول، ولهذا لما عظم حق الرسول ﵊ صارت نساؤه حراماً على الأمة كل الحياة، أما غيره فيكتفى بأربعة أشهر وعشرة أيام، ولماذا كانت أربعة أشهر وعشرة؟ الجواب: أن الأربعة ثلث الحول والعشرة ثلث الشهر، وقد

стр. 5565

جاء في الحديث: «الثلث والثلث كثير» (١)، وكانت النساء في الجاهلية يبقين في العدة سنة في أكره بيت، يضعون لها خباء صغيراً في البيت، وتقعد به بالليل والنهار، ولا تغتسل ولا تتنظف، وتبقى سنة كاملة، يمر عليها الصيف والشتاء، فإذا خرجت أَتَوْا لها بعصفور أو دجاجة أو غير ذلك لتتمسح به، ثم تخرج من هذا الخباء المنتن الخبيث، وتأخذ بعرة من الأرض وترمي بها (٢)، كأنها تقول بلسان الحال: كل الذي مَرَّ عليَّ ما يساوي هذه البعرة! لكن الإسلام ـ الحمد لله ـ جاء بهذه المدة الوجيزة، أربعة أشهر وعشرة أيام، ثم مع ذلك هل منعها من التنظف؟ لا، تتنظف كما شاءت، وتلبس ما شاءت غير أن لا تتبرج بزينة، ولا تتطيب كما سيأتي. وهذه المدة سواء حاضت أم لم تحض، فلو كانت ممن تحيض وحاضت ثلاث حيض، فلا أثر لذلك، ولو كانت ممن لا يحيض في الشهرين إلا مرة ولم تحض إلا مرتين فإنها تنتهي عدتها بأربعة أشهر وعشرة أيام. قوله: «وللأمة نصفها» يعني شهران وخمسة أيام. فإن قال قائل: حق الزوج لا فرق فيه بين الأَمَة وبين الحرة، وأنتم تقولون: إن أربعة أشهر وعشرة أيام من أجل حماية حق الزوج، فأي فرق بين الأمة والحرة؟! ثم إن الآية عامة.

стр. 5566

قلنا: هذا تعليل صحيح، فعندنا عموم الآية وعموم المعنى، عموم الآية هذه امرأة متوفى عنها زوجها، وعموم المعنى أن حماية حق الزوج لا فرق فيه بين أن تكون المتوفى عنها أمة أو حرة، ولكن الجواب على ذلك أن الصحابة ﵃ أجمعوا على أن الأمة المطلقة عدتها نصف الحرة على ما نقل عنهم (١)، وقاسوا عليها عدة المتوفى عنها زوجها، بل إن بعضهم حكى الإجماع على أن المتوفى عنها زوجها إذا كانت أمة تعتد بشهرين وخمسة أيام، والحقيقة أن الآية لو تمسك أحد بعمومها وبعموم المعنى، لكان له وجه وهو أرجح، فالصواب أنه لا فرق بين الحرة والأمة، إلا إذا منع من ذلك إجماع، ولكن الإجماع لم يمنع منه، فإنه قد نقل عن الأصم وعن الحسن أنهما كانا يريان ذلك. قوله: «فإن مات زوج رجعية في عدة طلاق سقطت، وابتدأت عدة وفاة منذ مات» أي: إذا مات إنسان وزوجته في عدة، فلا تخلو من ثلاث حالات: إما أن تكون رجعية، أو بائناً لا ترث، أو بائناً ترث. أولاً: الرجعية، يقول المؤلف: «إن مات زوج رجعية في عدة طلاق سقطت وابتدأت عدة وفاة منذ مات» مثال ذلك: رجل طلق زوجته طلاقاً رجعياً، وحاضت مرتين وبقيت عليها الحيضة الثالثة ثم مات، تبتدئ عدة وفاة منذ مات، والدليل قوله تعالى في

стр. 5567

المطلقات: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وجه الدلالة من الآية: أن الله تعالى سمى المُطَلِّق بعلاً، أي: زوجاً، فإذا ضممت هذه الآية إلى قوله: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] صارت الرجعيةُ زوجةً متروكةً بعد الوفاة، فيلزمها عدة الوفاة. ثانياً: البائن التي لا ترث يقول المؤلف: وَإِنْ مَاتَ فِي عِدَّةِ مَنْ أَبَانَهَا فِي الصِّحَّةِ لَمْ تَنْتَقِلْ، وَتَعْتَدُّ مَنْ أَبَانَهَا في مَرَضِ مَوْتِهِ الأَطْوَلَ مِنْ عِدَّةِ وَفَاةٍ وَطَلَاق ....................... ٍقوله «وإن مات في عدة من أبانها في الصحة لم تنتقل» إذا مات في عدة المبانة التي لا ترث فإنها لا تنتقل؛ لأنها أجنبية منه، لا يملك ردها، والبينونة لها طرق كثيرة كما سبق، منها أن تكون هذه الطلقة آخر ثلاث تطليقات، فإذا كانت هذه الطلقة آخر ثلاث تطليقات، ولما مضى حيضتان مات، فإنها لا تستأنف عدة وفاة، بل تكمل العدة؛ وذلك لأنها ليست زوجة، ولا علاقة بينها وبين زوجها بأي شيء من علائق النكاح؛ ولهذا لا يحل لها أن تكشف لزوجها في حال العدة، وله ـ على القول الراجح ـ أن يتزوج الرابعة؛ لأن التي بانت لا تحسب عليه، فلهذا لا تنتقل، ومثلها من طلقها على عوض واعتدت بحيضتين، ثم مات قبل الثالثة، فإنها تكمل العدة وتنتهي؛ لأنها ليست زوجة، وليس بينها وبين زوجها شيء من أحكام النكاح. ثالثاً: البائن التي ترث، يقول المؤلف: «وتعتد من أبانها في مرض موته الأطولَ من عدة وفاة وطلاق» إذا أبانها في مرض موته المخوف متهماً بقصد حرمانها من الميراث، ثم مات وهي في العدة، فهل ترث أو ما ترث؟

стр. 5568

ترث؛ لأنه متهم، وفي العدة تعتد الأطول من عدة وفاة أو طلاق، عدة الوفاة تبدأ من وفاته، وعدة الطلاق تكميل، وأيهما الأطول؟ لا نستطيع أن نقول: عدة الوفاة؛ لأنها قد لا تحيض في الشهرين إلا مرة، وقد سألتني امرأة تقول: إنه يقعد عنها الحيض أربعة أشهر، لكنه يأتيها شهراً كاملاً ـ سبحان الله ـ من العجائب، كأنه يجتمع في شهر واحد. مثال ذلك: رجل طلق زوجته في مرض موته المخوف متهماً بقصد حرمانها من الميراث، وفي أثناء العدة مات، ولنفرض أنه مضى حيضتان، فنقول: تعتد الأطول من عدة الوفاة والطلاق، فإن كانت عدة الوفاة أطول اعتدت بها، وإن كانت عدة الطلاق أطول اعتدت بها؛ لأنها زوجة وليست زوجة، فباعتبار أنها ترث زوجة، وباعتبار أنها ليست رجعية، وقطعت العلاقة بينها وبين زوجها ليست بزوجة، فنأخذ بالأحوط، ونقول: تعتد بالأطول؛ لأنها إن كانت زوجة اعتدت عدة وفاة لا غير، وإن كانت غير زوجة أكملت عدة الطلاق لا غير، فإذا كان فيها شائبة من هذه ومن هذه فإننا نقول: لا تخرج من العدة بيقين حتى تعتد بالأطول؛ لأنه هو الأحوط. مثال آخر: رجل طلق زوجته في مرض موت مخوف متهماً بقصد حرمانها، ولما حاضت مرتين مات، نقول: ننظر أيهما الأطول، فإذا قالت: إنها تحيض بالشهر مرة، فباعتبار الحيض بقي عليها شهر، وباعتبار الموت أربعة أشهر وعشرة أيام، نقول: إذاً ابتدئي العدة من جديد، أربعة أشهر وعشرة أيام، والتزمي فيها الإحداد، فإن قالت: إنها ترضع وبقي على الحيض سنتان؛ لأن

стр. 5569

الحيض عادة ما يأتي المرضع، فيلزمها أن تنتظر حتى يأتيها الحيض، وتحيض ثلاث مرات؛ فهنا الأطول بلا شك عدة الطلاق. ولكن هل نقول: إن عليها الإحداد، أو نقول: لا إحداد عليها؛ لأن الإحداد تابع للعدة، والآن العدة عدة طلاق وليست عدة وفاة؟ هذا محل نظر، والظاهر أن الإحداد من توابع العدة، فإذا ألزمناها بعدة الطلاق فلا إحداد، وإذا ألزمناها بعدة الوفاة فعليها الإحداد. مثال آخر: إذا كانت هذه المرأة المطلقة حاملاً، فعدتها بوضع الحمل مطلقاً؛ لأن الحامل عدتها وضع الحمل، سواء من طلاق أو وفاة، فإذا أبانها وهي حامل فلا نقول: تنتقل، بل عدتها تنقضي بوضع الحمل. مَا لَمْ تَكُنْ أَمَةً، أَوْ ذِمِّيَّةً، أَوْ جَاءَتْ الْبَيْنُونَةُ مِنْهَا فَلِطَلَاقٍ لَا غَيْرَ، وَإِنْ طَلَّقَ بَعْضَ نِسَائِهِ مُبْهَمَةً، أَوْ مُعَيَّنَةً ثُمَّ أُنْسِيَها، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ قُرْعَةٍ اعْتَدَّ كُلٌّ مِنْهُنَّ سِوَى حَامِلٍ الأَطْوَلَ مِنْهُمَا، ........ قوله: «ما لم تكن أَمَةً أو ذميةً» استثنى المؤلف الأمة والذمية؛ لأن الأمة لا ترث، فلو طلقها في مرض موته المخوف فإنه لا يتهم بقصد حرمانها؛ والذمية إذا كان زوجها مسلماً لا ترث؛ لاختلاف الدين. قوله: «أو جاءت البينونة منها» مثل أن يعلق طلاقها على فعلٍ لها منه بد، مثل أن يقول: إن خرجت من البيت فأنت طالق، يريد الطلاق، فخرجت في مرض موته المخوف، فهنا ما ترث؛ لأنه لم يكن متهماً بقصد حرمانها من الميراث، وعلى هذا فلا تنتقل بالعدة، بل تبقى على عدة الطلاق؛ لأن البينونة جاءت منها، ولهذا قال:

стр. 5570

«فلطلاقٍ لا غير» يعني لا تنتقل. أما إن علقه على فعل لا بد لها منه، مثل أن يقول: إن ذهبت إلى الحمام فأنت طالق، فذهبت في مرض موته المخوف، ففي هذه الحال تطلق، ولكن ترث وتعتد الأطول من عدة وفاة وطلاق، وعلى هذا فنقول: إذا مات الرجل وقد طلق امرأة وهي في عدة منه، فلها ثلاث حالات: الأولى: إن كانت رجعية انتقلت إلى عدة الوفاة. الثانية: إن كانت بائناً لا ترث أكملت عدة الطلاق. الثالثة: إن كانت بائناً ترث اعتدت الأطول من عدة وفاة وطلاق هذا ما ذهب إليه المؤلف. والقول الثاني: أنها تكمل عدة الطلاق؛ لأنه لا علاقة بينه وبينها، بدليل أنه لا يرث منها لو ماتت، وأنها بائنة منه لا يجوز أن يخلو بها، ولا أن يسافر بها، ولا أن تكشف له وجهها، وإنما ورّثناها منه معاملةً له بنقيض قصده، فهنا العلة ليست من قبل الزوجية، ولكن من قبل معاملة الإنسان بنقيض قصده، وهذا القول قوي جداً؛ لأنه ما الذي يخرجها عن العموم؟! ومسألة الإرث غير مسألة العدة، ولذلك ترث منه ولو تمت العدة ما دام متهماً بقصد حرمانها، فدل ذلك على أنه لا علاقة للعدة بباب الميراث، وهذا القول عندما تتأمله تجده أرجح من القول الذي مشى عليه المؤلف؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان.
следующие страницы →