← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 10649

الشرح الممتع على زاد المستقنع

ابن عثيمين

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.

стр. 5601

حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وفرَّقنا بينهما، لكن بقي عليها للزوج الأول حيضة واحدة فتحيض حيضة واحدة، وتنتهي من عدة الأول، ثم تستأنف العدة للثاني ثلاث حيض. ولو قلنا بأنها تعتد للثاني، ثم تكمل عدة الأول، فتحيض ثلاث حيض للثاني، ثم بعدها تعود وتعتد بحيضة للأول، فربما يعتريها بعد ثلاث حيض ـ مثلاً ـ ارتفاع الحيض على وجه لا تدري سببه، أو على وجه تدري سببه، فتطول العدة على الأول. وإذا قلنا بالتداخل نقول: إذا فارقت الثاني تعتد بثلاث حيض فقط، وتدخل بقية عدة الأول في عدة الثاني، وعلى ما مشى عليه المؤلف نقول: تكمل عدة الأول بعد التفريق، ثم تستأنف العدة للثاني. قوله: «وتحل له بعقد بعد انقضاء العدتين» لأن لم يوجد فيها ما يوجب التحريم عليه، مثاله: رجل تزوج امرأة معتدة، ودخل عليها، وجامعها، فالواجب أن نفرق بينهما، فإذا فرقنا بينهما وأتمت عدة الأول، ثم اعتدّت للثاني وأتمت العدة، فهل تحل للثاني أو لا؟ يقول المؤلف: «تحل له بعقد بعد انقضاء العدتين» أي: عدة الأول والثاني. وظاهر كلام المؤلف: أنها لا تحل له بعد انقضاء عدة الأول وإن كانت العدة الثانية له، وظاهره ـ أيضاً ـ بل صريحه أنها تحل للثاني ولا تحرم عليه، فعندنا ثلاثة احتمالات: هل تحل للثاني الذي وطئها في العدة في حال النكاح بعد انقضاء العدتين أو ما تحل؟ الجواب: تحل، والدليل عموم قوله

стр. 5602

تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وهذا الرجل ليس بينه وبين هذه المرأة محرمية، فإذا تمت الشروط صح النكاح. وقال بعض العلماء: لا تحل له أبداً، وهذا مروي عن أمير المؤمنين عمر ﵁ (١) عقوبةً له على فعله، حيث نكحها وهي في العدة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾، والقاعدة الفقهية عند أهل الفقه: «من تعجَّل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه»، فهذا الرجل تعجَّل الزواج من هذه المرأة المعتدة فيعاقب بأن يحرم إياها. وقال بعض العلماء: تحل له إذا شرعت في عدته، فإذا انقضت عدة الأول حلت للثاني؛ لأن العدة له والماء ماؤه فتحل له، وقد سبق في المحرمات في النكاح أن المعتدة من شخص والمستبرأة منه، إذا كان اعتدادها من وطء يلحق فيه النسب بالواطئ فإنها تحل له. وعندي أن هذه المسألة ينبغي أن يرجع فيها إلى اجتهاد القاضي، ما دام رويت عن أمير المؤمنين عمر ﵁ وهو معروف بسياسته، فإذا رأى القاضي أن يمنعه منعاً مؤبداً عقوبةً له وردعاً لغيره فلا حرج عليه كأن يكون تعمد فعل المحرم بأن تزوجها في العدة، ويكون هذا من باب التعزير، والتعزير يجوز بأن يُتلف على المرء ما يحبه المرء كالتعزير بالمال، وكما عزَّر عمر ﵁ المطلقين ثلاثاً بإمضاء الثلاثة عليهم (٢).

стр. 5603

فصارت الأقوال في هذه المسألة ثلاثة: الأول: أنها تحل لواطئها بعد انقضاء عدة الأول. الثاني: تحل للواطئ بعد انقضاء العدتين. الثالث: لا تحل له أبداً. والمذهب وسط في هذه الأقوال، فتحل له بعقد بعد انقضاء العدتين، ولكن من حيث القواعد الراجح القول الأول أنها تحل له بعقد بعد انقضاء عدة الأول، لا سيما إذا تاب إلى الله وأناب؛ لأن العدة له، لكن إذا رأى الإمام أو الحاكم الشرعي أن يمنعه منها مطلقاً على حد ما روي عن عمر ﵁ فإن له ذلك. وَإِنْ تَزَوَّجَتْ فِي عِدَّتِهَا لَمْ تَنْقَطِعْ حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا، فَإِذَا فَارَقَهَا بَنَتْ عَلَى عِدَّتِهَا مِنَ الأَوَّلِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَتِ الْعِدَّةَ مِنَ الثَّانِي، وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ مِنْ أَحَدِهِمَا انْقَضَتْ مِنْهُ عِدَّتُهَا بِهِ، ثُمَّ اعْتَدَّتْ لِلآخَرِ، وَمَنْ وَطِئَ مُعْتَدَّتَهُ البَائِنَ بِشُبْهَةٍ اسْتَأْنَفَتِ الْعِدَّةَ بِوَطْئِهِ، وَدَخَلَتْ فِيهَا بَقِيَّةُ الأُولَى، ................. قوله: «وإن تزوجت في عدتها لم تنقطع» إن تزوجت المعتدة في عدتها لم تنقطع العدة؛ لكن قد يقول قائل: إنها لما تزوجت به صارت ذات زوجين، فيجب أن نقطع عدة الأول. والجواب: أن هذا العقد غير صحيح ولا أثر له إطلاقاً، فهي إذاً ليست ذات زوجين، فإذا كانت امرأة في عدةٍ، وجاء رجل فتزوجها، إما جاهلاً أو متعمداً، فلا تنقطع العدة؛ لأن هذا العقد باطل فلا أثر له. لكن متى تنقطع؟ يقول المؤلف: «حتى يدخل بها» والمراد حتى يطأها الزوج الثاني؛ لأن الوطء هو الذي يقطع العدة، فإذا وطئها نفرق بينهما، فلو فرض أن امرأة معتدة تزوجها رجل آخر في العدة، وقد حاضت حيضتين، ولكنه لم يدخل عليها، ثم بين العقد والدخول حاضت الحيضة الثالثة، فتنتهي عدتها من الأول؛ لأنه لم يطأها، ولا

стр. 5604

تنقطع العدة بمجرد العقد؛ لأن هذا العقد غير صحيح، بل هو باطل بإجماع العلماء، وإذا كان باطلاً فلا يؤثر، فإذا جامعها الثاني فحينئذٍ يحصل التأثير؛ لاحتمال أن تعلق منه بولد، فلما كان كذلك انقطعت عدة الأول. قوله: «فإذا فارقها بنت على عدتها من الأول، ثم استأنفت العدة من الثاني» هذا كالتكرار للأول، لكن كرره ليبني عليه ما بعده، وهو قوله: «وإن أتت بولد من أحدهما انقضت منه عدتها به، ثم اعتدت للآخر» أصل المسألة امرأة تزوجت في عدتها، وجامعها الزوج الثاني، قلنا: يفرق بينهما وتتم عدة الأول، ثم تستأنف العدة للثاني، لكن لو أتت بولد من أحدهما يقيناً فإن العدة له، ثم تكمل للثاني، فلو أنها بعد أن تزوجت الزوج الثاني وجامعها أتت بولد لدون ستة أشهر، وعاش الولد فيكون للأول يقيناً؛ لأنه لا يمكن أن يعيش لأقل من ستة أشهر، وعلى هذا فيكون للأول يقيناً، وتستأنف العدة للثاني. وإن أتت بولد لأكثر من أربع سنين من فراق الأول فهو للثاني، بناء على أن مدة الحمل لا تزيد على أربع سنين، ثم تكمل عدة الأول. وقوله: «ثم اعتدّت للآخر» لا تظن أن المعنى استأنفت العدة، بل إن حكمنا بأن الولد للأول فإنها تستأنف العدة للثاني،

стр. 5605

وإن حكمنا بأن الولد للثاني فإنها تكمل عدة الأول؛ لأنه لم يوجد ما يبطل ما سبق من عدته، فإذا قدر أنها قد حاضت مرتين بعد إبانة الأول، ثم تزوجها الثاني ونشأت منه بحمل، ووضعت لأكثر من أربع سنين منذ أبانها الأول، فالولد للثاني، وانتهت عدتها منه بوضع الحمل، فهل تستأنف العدة للأول أو تكمل عدته؟ تكمل عدته؛ لأنه لم يوجد ما يبطل ما سبق من عدته، وقد سبق من عدته حيضتان فتكمل. قوله: «ومن وطئ معتدته البائن بشبهة» المرأة تبين بكل فسخ، فجميع الفسوخ بينونة، وبكل طلاق على عوض، وبكل طلاق تم به عدد الطلاق. إذاً المعتدة البائن هي كل من اعتدت بفسخ، أو بطلاق على عوض، أو بطلاق متمم للعدد، فهذا رجل قد طلق زوجته آخر ثلاث تطليقات، فجاء يوماً، ووجدها على فراشه فظنها زوجته الأخرى وجامعها، هذا الوطء نسميه وطئاً بشبهة، فماذا تصنع؟ يقول المؤلف: «استأنفت العدة بوطئه ودخلت فيها بقية الأولى» فإذا كان قد مضى حيضتان، وجامعها قبل الحيضة الثالثة، نقول: تستأنف العدة، وتدخل الحيضة الباقية في الثلاث، وعلى هذا تعتد بثلاث حيض وتنتهي، ولا نقول: تكمل الثالثة للأول ثم تعتد بثلاث، والفرق بينها وبين ما إذا جامعها رجل آخر أن العدتين هنا لواحد، فدخلت إحداهما في الأخرى، بخلاف ما إذا كانت العدتان لاثنين، فلا تدخل إحداهما في الأخرى.

стр. 5606

وَإِنْ نَكَحَ مَنْ أَبَانَهَا فِي عِدَّتِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا بَنَتْ. قوله: «وإن نكح من أبانها في عدتها ثم طلقها قبل الدخول بها بنت» البينونات ثلاث: بينونة فسخ، وطلاق على عوض، وطلاق تم به العدد، والبينونة التي تمكن هنا التي على عوض أو الفسخ، وأما الطلاق الذي تم به العدد فما يمكن؛ لأنها لا تحل له إلا بعد زوج. فهذا رجل طلق زوجته على عوض فتبِينُ منه، لكنه أحب أن يرجع إليها، نقول: ما تحل لك إلا بعقد جديد، فعقد عليها، لكن الرجل بعد أن عقد عليها ـ في العدة ـ طلقها قبل أن يدخل بها، يقول المؤلف: تبني على العدة الأولى، فإذا كانت قد حاضت حيضتين وتزوجها، ولكن طلقها قبل أن يطأها نقول: بقي حيضة واحدة، فتكملها وتنتهي، والعقد الجديد لا يحتاج إلى عدة؛ لأنه ما وجد سبب العدة؛ لأن من شرط العدة أن يحصل وطء أو خلوة، وهنا ما حصل وطء ولا خلوة. مثال ثانٍ: امرأة وجد زوجها بها عيباً ففسخها لعيبها، ثم بعد أن فسخها تراجع وتزوجها وهي في العدة، ثم طلقها قبل أن يطأها فتبني على العدة الأولى؛ لأنه ما وجد سبب لعدة جديدة. أما لو كان الطلاق رجعياً بأن طلق رجل زوجته طلاقاً رجعياً فراجعها، ثم طلقها قبل أن يدخل عليها، فهل تبني على عدتها أو تستأنف؟ الجواب: تستأنف العدة، فتعتد بثلاث حيض غير الأُولى؛ لأنه لما راجعها أعادها على النكاح الأول، والرجعة ليست عقداً

стр. 5607

جديداً، بل هي إعادة إلى النكاح الأول، والنكاح الأول فيه دخول، ولهذا هي معتدة من النكاح الأول، ولما أعادها على النكاح الأول أعادها على نكاح مدخول فيه، فإذا طلقها طلق امرأة مدخولاً بها فتستأنف العدة. وهذه مسألة يغلط فيها بعض الطلبة ما يفهم الفرق بين هذه وهذه، ولكن الفرق بينهما واضح، ففي المسألة الأولى كانت بائناً منه، فعقد عليها عقداً جديداً، ثم طلقها قبل الدخول والخلوة، فكان طلاقاً لا عدة فيه؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، وهذا نكحها وما مسَّها ولا خلا بها. أما المسألة الثانية فإنها إعادة امرأة إلى نكاح سابق حصل فيه دخول، فلما أعادها إلى النكاح الأول صارت هذه الإعادة مبنية على ما سبق، فإذا فارقها بعد هذه الإعادة تستأنف؛ لأنها مطلقة من نكاح مدخول فيه. مسألة: هل العدة لمجرد العلم ببراءة الرحم؟ لا، هذه من جملة الحكم، لكن أعظم شيء أن فيها حقاً للزوج، وإمهالاً له لعله يراجع؛ ولهذا لما كان النبي ﵊ له على أمته من الحقوق ما هو من أعظم الحقوق لبشر حرم على الأمة أن تتزوج نساءه من بعده، فكانت عدة زوجات الرسول ﷺ إلى الأبد ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] فإذن ليست العلة هي العلم ببراءة الرحم فقط.

стр. 5608

فإن قلت: إذا جعلت العلة حق الزوج، فلماذا لا يكون على المطلقة قبل الدخول عدة؟ الجواب على هذا من وجهين: أحدهما: أننا نقول: ليست العلة مجرد حق الزوج، ولا مجرد العلم ببراءة الرحم، ولهذا لا يمكن أن تعيَّن علة وجوب العدة بحق الزوج فقط، أو بالعلم ببراءة الرحم فقط، بل هناك حكم متعددة. الثاني: أن نقول: إن الرجل إذا لم يدخل بها فإن نفسه لا تتعلق بها كثيراً، ولهذا طلقها قبل الدخول، بخلاف ما إذا دخل بها.

стр. 5609

فَصْلٌ يَلْزَمُ الإِحدَادُ .............................. قوله: «يلزم الإحداد» الإحداد مصدر أَحَدَّ يُحِدُّ، وأما مصدر حَدَّ يَحُدُّ فهو حَدٌّ، والحد في اللغة: المنع، ومنه حدود البيت، وحدود الدار، وما أشبه ذلك، أما الإحداد في الشرع: فهو أن تمتنع المرأة عن كل ما يدعو إلى جماعها، ويرغب في النظر إليها، كثياب الزينة والحلي والتجمل بالكحل، وتحسين الوجه بالمكياج أو غيره. والإحداد منه واجب، ومنه جائز، ومنه ممنوع، فالواجب على المتوفى عنها، والجائز على من مات له صديق أو قريب لمدة ثلاثة أيام، والممنوع ما زاد على ذلك؛ كأربعة أيام أو خمسة أو أكثر. وقوله: «يلزم» معناه أنه واجب، والدليل استنبطه بعض أهل العلم من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، فإن قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ دليل على أن الإحداد ينافي هذه الرخصة، وأنه لا بد أن يكون هذا التربص تربصاً عن أشياء جائزة، ولولا ذلك لما كان فائدة في قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. وكذلك من قول الرسول ﵊ حينما شكوا إليه امرأة توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها، قالوا: أفنكحلها؟ قال: «لا»، فأعادوا عليه، قال: «لا»، ثم قال: «قد كانت إحداكن ترمي بالبعرة على رأس الحول، وإنما هي أربعة

стр. 5610

أشهر وعشر» (١)، فهذا دليل ـ أيضاً ـ على الوجوب، وأيضاً الرسول ﷺ نهى المتوفى عنها زوجها أن تلبس ثوباً فيه زينة وأن تتطيب، إلا ما استثني من قُسط أو أظفار، إذا طهرت من الحيض، تتبخر به (٢)، تتبع به أثر الدم، وإلا فلا يجوز لها أن تفعل، كما سيأتي إن شاء الله. وهل يمكن أن نستدل لذلك بقوله ﵊: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً» (٣)؟ بعض العلماء قال: يمكن أن يستدل به؛ لأن قوله: «لا يحل» معناه أنه حرام، والحرام لا يستباح إلا بواجب. وبعض العلماء قال: لا يدل على الوجوب؛ لأن نفي الحل لا يدل على الوجوب، بل يدل على انتفاء التحريم، فصار هذا الدليل فيه خلاف في صحة الاستدلال به، ووجه الخلاف أن نفي الحل في قوله: «لا يحل» لا يقتضي الوجوب، وهذا صحيح، لكن أولئك استدلوا بوجه آخر، قالوا: نفي الحل لا يدل على الوجوب، لكن معناه التحريم، والتحريم لا يستباح إلا بواجب،

стр. 5611

كما استدلوا على أن الختان واجب بمثل هذا الاستدلال، قالوا: لأن قطع شيء من الإنسان حرام، والحرام لا يستباح إلا بواجب، وكما استدل بعضهم على وجوب تحية المسجد بأمر النبي ﵊ بها في حال الخطبة (١)، قالوا: فإن استماع الخطبة واجب، ولا يشتغل عن الواجب إلا بواجب. على كل حال إن انشرح صدر الإنسان للاستدلال بهذا الحديث، مع تأييده بالأدلة الأخرى فلا بأس، وإلا فما دام عندنا دليل واضح فلا حاجة إلى المناقشة في دليل خفي؛ لأن من آداب المناظرة أنه إذا كان هناك دليل واضح فإننا لا نلجأ إلى المشتبه الذي يحتمل الجدال، ولهذا فإن إبراهيم ﵊ لما قال للذي أنكر الرب: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ ﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾، هذا فيه تلبيس ليس بصحيح، فقال له إبراهيم: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وهذا ليس فيه جدال. مُدَّةَ الْعِدَّةِ كُلَّ مُتَوَفًّى عَنْهَا زَوْجُهَا فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَلَوْ ذِمِّيَّةً، ......... قوله: «مدة العدة» «مدة» ظرف، يعني زمن العدة سواء طالت أم قصرت، فإذا كانت حائلاً فعدتها أربعة أشهر وعشرة أيام، وإحدادها أربعة أشهر وعشرة أيام، وإذا كانت حاملاً فعدتها إلى وضع الحمل، فإحدادها إلى وضع الحمل، وإذا لم تعلم بموت زوجها إلا بعد تمام العدة فلا إحداد؛ لأنه تابع للعدة. قوله: «كل متوفًّى عنها زوجها» «متوفًّى» اسم مفعول؛ لأنه

стр. 5612

مقبوض، وليس «متوفٍّ»؛ لأنها بمعنى قابض، وقد سبق أن بعضهم أجاز «متوفٍّ». قوله: «في نكاح صحيح» وقد سبق أنه لا يشترط لوجوب العدة صحة النكاح، وإنما الذي يشترط لوجوب العدة عدم بطلان النكاح؛ فالنكاح بلا ولي ليس بباطل ولكنه فاسد، فلو مات زوج امرأة تزوجها بلا ولي وجب عليها العدة، ولا يجب عليها الإحداد؛ لأنه قال: «في نكاح صحيح» بهذه النقطة فقط افترقت العدة والإحداد، فتجب العدة ولا يجب الإحداد إذا كان النكاح فاسداً. ولكن ما ذهب إليه المؤلف ليس بصحيح، والصواب أنه تجب العدة ويجب الإحداد لمن يعتقد صحته، أما من لا يعتقد صحته فلا عدة، لكن إن حصل وطء وجب إما الاستبراء أو العدة، بحسب ما تقدم من الخلاف، فالمهم أنه على المذهب يفرقون في باب الإحداد وباب العدة بين النكاح الصحيح والفاسد، ففي الفاسد يقولون: تجب العدة ولا يجب الإحداد، قالوا: والدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] ومن نكاحها فاسد ليست بزوجة، فكما أنها لا تدخل في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] فكذلك لا تدخل في قوله: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾. ولأن العقد الذي ليس بصحيح شرعاً لا يطلق عليه اسم ذلك العقد، فكل عقد فاسد لا يتناوله الاسم الشرعي؛ لأن الاسم الشرعي إنما يتعلق بالشيء الصحيح، ولهذا لو قال: والله

стр. 5613

لا أبيع، فباع دخاناً، لا يحنث؛ لأن البيع غير صحيح، فالأشياء التي لها مدلول شرعي إنما تحمل على مدلولها الشرعي، فنقول: هذا الدليل صحيح، والاستدلال صحيح، ولكن من اعتقد النكاح صحيحاً فله حكمه، كما لو كان ممن يرون أنه لا يجب الولي في النكاح، ومن اعتقده فاسداً فحكمه حكم الباطل. قوله: «ولو ذمية» «لو» هذه إشارة خلاف، والذمية هي من عقدت لها الذمة من الكفار، فقوله: «ولو ذمية» فيه تساهل، والصواب أن يقال: «ولو كتابية» لأنه لا يشترط في جواز نكاح الكتابية أن تكون ذمية، ولأن الذمة تعقد لغير أهل الكتاب، كالمجوس، ومع ذلك لا يحل نكاح المجوسية، فهذا التعبير فيه نظر طرداً وعكساً، فالمراد اليهودية أو النصرانية، وهل يمكن أن يتوفى شخص مسلم عن زوجة يهودية أو نصرانية؟ نعم؛ لأن اليهودية والنصرانية حلال للمسلمين، فلو مات عن امرأة غير مسلمة ـ يعني يهودية أو نصرانية ـ وجبت عليها العدة؛ لأنها زوجة، ووجب عليها الإحداد؛ لأن الإحداد تابع للعدة. فإن قلت: ما الدليل؟ قلنا: الدليل عموم قوله تعالى: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ وهذه زوجة، وعموم قول الرسول ﵊: «إلا على زوج» (١). فلو قال قائل: الذمية لا يجب عليها إحداد؛ لقول الرسول ﵊: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت إلا على زوج … إلخ»، والذمية لا تؤمن بالله ولا

стр. 5614

اليوم الآخر الإيمانَ الذي يقتضي الإذعان والقبول، فليس الإيمان مجرد أن يقول: أنا أؤمن بالله وأؤمن بأني سأبعث، بل لا بد أن يقبل ويذعن، ولهذا فهم غير مؤمنين، وإن قالوا: نؤمن بالله لقلنا: كذبتم، لو آمنتم بالله لآمنتم برسوله محمد ﵊. فنقول: ذهب بعض أهل العلم إلى أنها إذا كانت كتابية فإنه لا إحداد عليها، واستدلوا بالحديث، وبأن الكفار لا يخاطبون بفروع الإسلام مخاطبة فعل، وإن كانوا يخاطبون بها مخاطبة عقوبة؛ فلا تقل للكافر: لا تُرَابِ؛ لأن الربا حرام، بل قل له: أسلم أولاً، ولا تقل له: لا تلبس خاتم ذهب؛ لأنه حرام، وإنما قل له: أسلم، وكذلك ما نقول له: صلِّ، بل نقول: أسلم، فهم لا يخاطبون بفروع الإسلام مخاطبة فعل، إنما مخاطبة عقوبة؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ *﴾ ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ *عَنِ الْمُجْرِمِينَ *مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ *قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ *وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ *وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ *﴾ [المدثر]، فذكروا هذه الأشياء، ولولا أن لها أثراً في عقوبتهم ما ذكروها. فما الجواب عن هذا الاستدلال؟ الجواب كالتالي: أما الحديث وهو قوله ﵊: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت إلا على زوج» فالمراد بذلك الحث والإغراء، أي: إغراء المرأة على الفعل، وليس قيداً يخرج ما عداه، كما تقول: لا يمكن للكريم أن يهين ضيفه، قصدك بهذا أن تحثه على إكرام الضيف، وكذلك أيضاً

стр. 5615

قوله ﷺ : «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم» (١)، فالمقصود بهذا الإغراء والحث، وليس قيداً يخرج به ما سوى الموصوف، حتى نقول: إنه يخرج به من لا يؤمن بالله واليوم الآخر. وهذه قاعدة ينبغي أن يتنبه لها الإنسان، فكل وصف محمود ذكر في مقام التحذير فالمقصود به الإغراء، كأنه يقول: إن كنت كريماً حقاً فهذا لا يمكن أن يقع منك، إن كنت مؤمناً بالله واليوم الآخر فهذا لا يمكن أن يقع منك. وأما الجواب عن قولهم: إن غير المسلم لا يخاطب بفروع الإسلام خطاب فعل؛ نقول: هذا صحيح، لكن هذا في غير حق الآدمي، والإحداد من حقوق الزوج كالعدة، فهو تابع لها فلذلك وجب، ولهذا لو أن الزوج أجبر زوجته الذمية على غسل الجنابة، فقد سبق لنا أن القول الراجح أن له إجبارها، كما أنه يجبرها على قص الأظافر، وعلى نتف الإبط وما أشبه ذلك؛ لأن هذه من حقوقه. أَوْ أَمَةً، أَوْ غَيْرَ مُكَلَّفَةٍ، وَيُبَاحُ لِبَائِنٍ مِنْ حَيٍّ، وَلَا يَجِبُ عَلَى رَجْعِيَّةٍ وَمَوْطُوءَةٍ بِشُبْهَةٍ، أَوْ زِناً، أَوْ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ، أَوْ بَاطِلٍ، أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ، ........ قوله: «أو أمة» يعني يلزم الإحداد على المتوفى عنها زوجها ولو كانت أمة، وتكون أمة إذا كان زوجها رقيقاً، أو كان حراً ممن يجوز له نكاح الإماء، فتلزمها العدة والإحداد. فإن قال قائل: في إلزامها بالإحداد ضرر على سيدها. فالجواب: أن هذا الضرر قد التزم به سيدها؛ لأن تزويجه

стр. 5616

إياها التزام بما يجب لذلك العقد، فيكون هو الذي أوجب على نفسه ذلك. وأما قول من يقول: إنها ليس عليها شيء؛ لأنها ليست وارثة، فيقال: المسألة ليست مبنية على الإرث، بل مبنية على حق الزوج، وهي فرع وتبع للعدة. وأيضاً يقولون: إنه لما مات الزوج تعلق بها حق السيد، فنقول: ما دامت في العدة فلا حق للسيد فيها، ولهذا لو أراد أن يستمتع بها سيدها في العدة مُنع من ذلك. قوله: «أو غير مكلفة» وهي الصغيرةُ والمجنونةُ، فلو مات شخص عن زوجة مجنونة فإنه تجب عليها العدة؛ لأنها زوجة، ويجب عليها الإحداد فيَلْزمُ وليَّها أن يجنبها ما تتجنبه المحادة والصغيرة ولو كانت في المهد، كبنت صغيرة في المهد مات عنها زوجها فيجب أن تُحِدَّ، فلا تلبس لباس الزينة، ولا حلي الذهب، ولا يُخرج بها من البيت، كما سيأتي في الفصل الذي بعد هذا إن شاء الله. فإذا قال قائل: كيف تلزمونها بالإحداد وهي غير مكلفة؟! نقول: لأن هذا من حقوق الزوج، وليس من باب العبادات، فالعبادات مرفوعة عنها بلا شك، لكن هذا من حقوق الزوجية، فكما نلزمها بالعدة نلزمها كذلك بالإحداد؛ لأنه تابع لها. قوله: «ويباح لبائن من حي» أي: ويباح الإحداد لبائن من حي ولا يجب، والبائن هي التي كان فراقها بواحد من ثلاثة أمور

стр. 5617

كما سبق وهي: الفسخ، والطلاق على عوض، والطلاق المتمم للعدد، فلا يملك زوجها أن يرجع إليها بلا عقد. وإنما قال المؤلف: «يباح» لأن بعض أهل العلم قال: يجب على البائن أن تحد قياساً على المتوفى عنها زوجها؛ لأن كل واحدة منهما عدتها بينونة، فما يثبت للمتوفى عنها يثبت للبائن. ولكن المذهب أنه يباح لها فقط، قالوا: والقياس مقابل للنص؛ لأن الحديث صريح: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت إلا على زوج» (١)، أي: على زوج ميت، وليس على زوج مطلقاً؛ لأن المستثنى من جنس المستثنى منه، فالراجح أنها لا تحد. فإن قال قائل: قد تتكدر على زوجها الذي فارقها فراقاً بائناً أكثر من تكدرها لموت زوجها عنها. فيقال: هذا لا عبرة به. قوله: «ولا يجب على رجعية» الضمير في قوله: «ولا يجب» يعود على الإحداد، أي: لا يجب على رجعية الإحداد. وقوله: «رجعية» يعني التي لزوجها أن يراجعها، وهي التي طُلِّقَتْ بعد الدخول على غير عوض دون ما يملك من العدد، يعني دون استكمال العدد، وإنما قال المؤلف: «لا يجب» دفعاً لقول من يقول: إنه يجب أن تحد الرجعية؛ لأن الله يقول: ﴿لَا

стр. 5618

تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يُخْرَجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]، فهل الاستدلال بهذه الآية صحيح؟ نقول: ليس بصحيح؛ لأن الله ـ تعالى ـ نهى أن نُخرجها، ونهى أن تَخْرج، وليس المعنى أن تلزم الإحداد، ولا تتطيب، ولا تتجمل، ولا تتشرف لزوجها. ثم إن قوله: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يُخْرَجْنَ﴾ … ﴾ ليس المراد به أننا نلزمها البيت، فما تخرج ولا لزيارة أهلها، ولكن المعنى لا تخرجوهن من السكنى، أما خروجها المعتاد الذي كان لها قبل أن تطلق فهو مباح لها على القول الراجح، وإن كان المذهب يرون أنها تلزم البيت كما تلزمه المتوفى عنها زوجها. تنبيه: ليس معنى قول المؤلف: «ولا يجب على رجعية» أنه لو مات عنها وهي في عدتها أنها ما يجب عليها الإحداد، المعنى لو طلقها طلاقاً رجعياً فإنه لا يجب عليها الإحداد وهو حي، أما لو مات عنها وهي مطلقة طلاقاً رجعياً، فقد سبق أنها تنتقل إلى عدة الوفاة ويلزمها الإحداد. قوله: «وموطوءة بشبهة» يعني أن الإنسان إذا وطئ امرأة بشبهة فقد تقدم أنه تجب عليها العدة، وأن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: إنها استبراء، فهذه لا يجب عليها أن تحد، حتى لو قلنا بأن عليها العدة كمطلقة كما هو المذهب.

стр. 5619

قوله: «أو زناً» أي: ولا يجب الإحداد على موطوءة بزنا من باب أولى. قوله: «أو في نكاح فاسد» أي: لا يجب الإحداد على موطوءة في نكاح فاسد مختلف فيه، ولكن العدة تجب في النكاح الفاسد. قوله: «أو باطل، أو ملك يمين» أي: لا يجب على موطوءة بنكاح باطل أو ملك يمين الإحداد، والعلة أنهما ليستا زوجتين متوفى عنهما. إذاً التي يجب عليها الإحداد كل امرأة متوفى عنها زوجها في نكاح صحيح، فإن اختل شرط لم يجب الإحداد. تنبيه: المؤلف ﵀ ما بين الإحداد على غير الزوج، والإحداد على غير الزوج لا يجوز إلا في ثلاثة أيام فأقل، فهو جائز وليس بواجب، ولا ينبغي أيضاً، لكن رخص فيه الشرع؛ لأن النفس بطبيعتها مع شدة الصدمة لا شك أنه يتغير مزاج الإنسان، ولا يحب الانطلاق في الملاذ وفي الملابس وفي غيره، فيجوز أن يحد في خلال ثلاثة أيام فقط، فلو مات أبو المرأة حرم عليها أن تحد فوق ثلاثة أيام، ولو مات زوجها وجب عليها أن تحد مدة العدة. وَالإِحْدَادُ: اجْتِنَابُ مَا يَدْعُو إِلى جِمَاعِهَا وَيُرَغِّبُ فِي النَّظرِ إِلَيْهَا، ........ قوله: «والإحداد: اجتناب ما يدعو إلى جماعها ويرغب في النظر إليها» هذا تعريف الإحداد شرعاً، وسبق بيان الإحداد لغة.

стр. 5620

فقوله: «ما» هذه اسم موصول، والأسماء الموصولة من قبيل المبهم، فيحتاج إلى بيان، والبيان قوله: «من الزينة والطيب» فهذا تفسير وبيان لكلمة «ما» أي: والذي يدعو إلى جماعها الزينة والطيب … إلخ. الزِّينَةِ، وَالطِّيبِ، وَالتَّحْسِينِ، وَالْحِنَّاءِ، وَمَا صُبِغَ لِلزِّينَةِ، وَحُلِيٍّ، وَكُحْلٍ أَسْوَدَ، لَا تُوتِيَا وَنَحْوِهَا وَلَا نِقَابٍ، وَأَبْيَضَ، وَلَوْ كَانَ حَسَناً. فقوله: «من الزينة» أي: الثياب التي يتزين بها، فإن قيل: هذا الثوب ثوب بذلة ـ يعني ثوب عادة ـ لم يجب اجتنابه، سواء كان فيه تشجير أو تلوين أو لم يكن فيه، وإذا قيل: هذا ثوب زينة، يعني أن المرأة تعتبر متزينة، فهذا يجب اجتنابه، هذه هي القاعدة. إذاً كل ثياب تتزين بها المرأة عادة فإنه يجب عليها اجتنابها، سواء كانت الثياب شاملة لجميع الجسم، كالدرع، والملحفة، والعباءة، وما أشبهها أو مختصة ببعضه، كالسراويل، والصداري التي على الصدر فقط، فكل ما يعد تجملاً من الثياب فإنه يجب اجتنابه، هذه واحدة. الثانية: قوله: «والطيب» فالطيب بجميع أنواعه، سواء كان دهناً أو بخوراً، فإنه يجب عليها أن تتجنبه كالريحان، والورد، والعود، أما الصابون المُمسَّك والشامبو فلا يدخل في ذلك؛ لأنه لا يتخذ للتطيب، إنما هو لنكهته ورائحته، أما إذا ادهنت بالشامبو أو غسلت بالصابون وظهرت الرائحة بحيث لا تمر من عند الرجال إلا يشمون رائحتها، فهنا نمنعها لأجل الفتنة، وأما شم الطيب فلا يضر؛ لأن هذا ما يلصق ببدنها ولا يعلق بها، فلو أرادت أن تشتري طيباً وشمته فلا حرج عليها.

стр. 5621

واستثنى الشارع إذا طهرت من الحيض فإنه لا بأس أن تتبخر، فتتبع أثر الحيض بشيء من القسط أو الأظفار (١)، وهما نوعان من الطيب يتبخر بهما، وهما دون العود المعروف، يعني أقل رائحة لأجل طرد ما يحصل من نتن بعد أثر الحيض. الثالثة: قوله: «والتحسين» يعني التجميل بالحناء، أو بالورد، أو بالحمرة، أو بالكحل، أو بغير ذلك، كل ما فيه التحسين لبدنها فإنها ممنوعة منه، وعلامة ذلك أن يقال: إذا رئيت المرأة قيل: هذه المرأة متجملة، حتى لو كان التحسين في أظافرها كالتي يسمونها المناكير، فما تتجمل بها. قوله: «والحناء» هذا تابع للتحسين. قوله: «وما صبغ للزينة» تابع للزينة، يعني ما صبغ للزينة من الثياب، واحترز المؤلف في قوله: «ما صبغ للزينة» بما صبغ لتوقي الوسخ، مثل الكحلي، والأحمر، والأصفر، وما أشبهها، فهذا لا بأس به، ولهذا قيده المؤلف بـ «ما صبغ للزينة». الرابعة: قوله: «وحلي» وهو معطوف على قوله: «من الزينة» يعني ومن الحلي، سواء كان في الأذنين، أو في الرأس، أو في الرقبة، أو في اليد، أو في الرجل، أو على الصدر، فالساعة ـ مثلاً ـ تمنع منها؛ لأن المرأة تتحلى بها، وعليه فإذا احتاجت إلى الساعة تجعلها في الجيب، أو كان في الأسنان فإنه لا يجوز أن تلبسه، فلو أرادت أن تتجمل بوضع سِنٍّ من الذهب، فلا يجوز.

стр. 5622

فإذا كان الحلي عليها حين موت الزوج هل تزيله أو نقول: إن الاستدامة أقوى من الابتداء؟ نقول: تخلعه، وكذلك السن إذا كان يمكن خلعه، ولكن الغالب أنه ما يمكن خلعه، فإنها لا تخلعه لكن تحرص على أن لا يبين. فإن كان الحلي من غير الذهب والفضة، كما لو كان من الزمرد، أو اللؤلؤ، أو الماس فإنه مثل الذهب والفضة، بل قد يكون أعظم. قوله: «وكحل أسود» الكحل ممكن أن يلحق بالتحسين، فالكحل الأسود لا يجوز أن تستعمله لا في الليل ولا في النهار. وقال بعض أهل العلم: تستعمله ليلاً عند الحاجة، وتمسحه في النهار. والصحيح أنه لا يجوز مطلقاً؛ لأن الرسول ﵊ استؤذن في ذلك، فقالوا له: أنكحلها؟ قال: «لا»، فقيل له ذلك ثلاث مرات، ولكنه أبى ﵊ (١)، فدل هذا على أنه لا يجوز مطلقاً. وغير الكحل مثل القطرة والدواء وما أشبهه، فهذا ليس فيه زينة، ولهذا قال المؤلف: «لا توتيا» ويسمى عندنا في اللغة العامية التوت بدون ياء،

стр. 5623

وهو معدن معروف تكحل به العين عن الرمد وغير الرمد، يخلط بدواء العين، وكان الناس في الأول قبل أن يظهر الطب الحديث يستعملونه، فهذا لا بأس به؛ لأنه ليس له لون، فما فيه إلا الاستشفاء فقط، وكذلك القطرات التي تقطر في العين فإنها جائزة؛ حتى لو فرض أنها وسَّعت العين، وأزالت حمرتها فلا بأس؛ لأن هذا لا يحصل به التحسين الذي يحصل بالكحل. قوله: «ونحوها» أي: مما لا يظهر له لون كالصَّبِر، وهو معروف أنه تُداوى به العين، لكن بمقياس معلوم، وهنا يجب التحرز من زيادته؛ لأنه إذا زاد ربما يعمي العين. قوله: «ولا نقاب» أي: ما يحرم عليها النقاب؛ لأن النقاب ليس زينة، وإنما هو لباس عادي، كالقفازين. ونص المؤلف على نفيه؛ لأن بعض أهل العلم ﵏ يقولون: إنها لا تنتقب، قياساً على المحرمة، وهذا القياس ليس بصحيح؛ لأنه ليس هناك علة جامعة بينهما، ولذلك يحرم على المحرمة ما لا يحرم على المحادة، ويحرم على المحادة ما لا يحرم على المحرمة، فالمرأة المحرمة لها أن تتحلى، ولها أن تكتحل، ولها أن تلبس ثياباً جميلة، إذا لم يكن أَمامَ الرجال، وما أشبه ذلك، والمحادة ليس لها ذلك، كما أن المحادة يجوز لها أن تقص أظفارها، وأن تتنظف، وأن تقص الشعر المأمور بإزالته، وما أشبه ذلك، والمحرمة لا تفعل ذلك، فالمهم أن هذا قياس مع الفارق العظيم. أما البرقع فإنه ليس مثل النقاب؛ لأن البرقع يعتبر من

стр. 5624

التجمل؛ لأنه أجمل من النقاب، فالنقاب هو الغطاء، يُنْقَب للعين فقط، لكن البرقع يزخرف ويحسن ويوشى بالتلوين، فهو من باب الجمال. قوله: «وأبيض» أي: لا يجب عليها اجتناب الأبيض. قوله: «ولو كان حسناً» «لو» إشارة خلاف، فإن بعض أهل العلم يقول: إذا كان الأبيض حسناً فإنه يجب اجتنابه، والمذهب يقولون: الأبيض لا يجب اجتنابه، ولو كان حسناً، فلو لبست إبريسم أبيض من أحسن ما يكون من أنواع الإبريسم، يكسر العين بجماله، فعلى المذهب يجوز، قالوا: لأن بياضه بأصل طبيعته فلم يدخل عليه شيء يزينه. فنقول لهم: ليس التكحل في العينين كالكَحَلِ، إذا كان حسناً بطبيعته فهو أحسن من الذي حُسِّنَ بما أضيف إليه، فالصواب بلا شك أن الأبيض لا يجوز للمحادة لبسه إذا عُد للزينة، وهو الموافق لقاعدة المذهب السابقة في قولهم: «من الزينة» أما إذا كان من غير الزينة فلا بأس. مسألة: هذه الأشياء المحرمة كالثياب الجميلة مثلاً لو لبستها، ولبست عليها ثياباً غير جميلة، فهل يحرم لأنها لبست ما كان محظوراً، أو لا يحرم اعتباراً بما يظهر منها؟ الظاهر أن الأول أحوط، صحيح أن هذه الأنواع من الألبسة ما حرمت لذاتها، بل لأنها زينة تدعو إلى جماعها، والمرأة لو لبست شيئاً جميلاً تحت ثيابها، وخرجت للناس بثياب غير جميلة لا تلفت النظر، لكن نقول: الذي ينبغي اجتنابها، حتى

стр. 5625

ولو كانت تحت الثياب غير الجميلة، وإلا لقائل أن يقول: هذه الثياب ليست محرمة بذاتها، بدليل أنه قد يكون الثوب هذا في زمن من الأزمان ثوب زينة، وفي زمن آخر ثوب بِذلة، يعني إذا كان الناس فقراء تكون ثيابهم الجميلة ثيابَ المتوسطين في أناس أغنى منهم، وكذلك المتوسطون تكون ثيابهم الجميلة بالنسبة للأغنياء والأثرياء ليست ثياب جمال، فبناء على ذلك ما دام أن هذا الثوب لا يحرم على المحادة لذاته، نقول: إنها إذا لبست فوقه ما يستره فإنه لا يحرم عليها، ولكني أقول: إن الأحوط أن تُمنع من ذلك مطلقاً؛ لأنه ربما ينكشف الثوب الأعلى ويتبين الأسفل، وربما يأتي أحد يقتدي بها ولا يدري، فهذا هو الأولى. فإن قلت: ما الحكمة من هذا التضييق على المرأة في عدة الوفاة؟ قلنا: الحكمة في ذلك هو احترام حق الزوج وعدته، وأنها لا ترغب الأزواج، وتبتعد عن كل شيء يدعو إلى خطبتها؛ حتى لا يطمع أحد في نكاحها وتتعلق بها نفسه في هذه المدة، وليس ذلك بواجب في عدة الحياة؛ لأن زوجها حي، ولو أراد أحد أن يعتدي عليها في عدته ويخطبها لدافع عنها. تنبيه: اعتاد بعض النساء أن يلبسن الأسود، وأن لا يخرجن إلى فناء البيت، وأن لا يصعدن السطح، ولا يشاهدن القمر ليلة البدر، ولا تكلِّمُ أحداً من الرجال، ولا تتكلم بالهاتف، وإذا قُرع الباب لا تكلم الذي عند الباب، وأشياء ما أنزل الله بها من سلطان، فكل هذه خرافة، ليس لها أصل.

стр. 5626

فَصْلٌ وَتَجِبُ عِدَّةُ الْوَفَاةِ فِي الْمَنْزِلِ حَيْثُ وَجَبَتْ، فَإِنْ تَحَوَّلَتْ خَوْفاً، أَوْ قَهْراً، أَوْ بِحَقٍّ، انْتَقَلَتْ حَيْثُ شَاءَتْ، وَلَهَا الْخُرُوجُ لِحَاجَتِهَا نَهَاراً لَا لَيْلاً، وَإِنْ ترَكَتِ الإِحْدَادَ أَثِمَتْ، وَتَمَّتْ عِدَّتُهَا بِمُضِيِّ زَمَانِهَا. قوله: «وتجب عدة الوفاة في المنزل حيث وجبت» هذا ـ أيضاً ـ مما يتعلق بالمرأة المحادة، وهو الأمر الخامس مما يلزمها وهو لزوم المنزل. وقوله: «حيث وجبت» «حيث» ظرف مكان متعلق بمحذوف، حال من المنزل، أي: في المنزل الذي هي نازلة فيه، حيث وجبت العدة. أو نقول: إنها بدل من قوله: «المنزل» يعني وتجب عدة الوفاة حيث وجبت العدة وهذا أقرب، المهم أنه إذا وجبت عدة الوفاة وهي في منزل وجب عليها أن تعتد فيه، فما تخرج منه. وتجب عدة الوفاة بموت الزوج، فإذا مات زوجها وهي ساكنة في بيت تكمّل العدة في هذا البيت. وقوله: «في المنزل حيث وجبت» إذا مات وهي في منزل أهلها، لكن ذهبت إليهم لزيارة لا للسكنى فإنها ترجع إلى بيت زوجها، كذلك لو كان زوجها في المستشفى ومات وهي عنده في المستشفى، فإنها لا تعتد في المستشفى؛ لأنه ليس منزلاً لها، إنما تعتد في المنزل الذي هو سكناها، وكذلك لو مات وهي عند جيرانها مثلاً لزيارة لهم فإنها ترجع إلى بيت الزوج. فإن مات زوجها وقد سافرت معه، فهل تبقى في البلد الذي كانت فيه أو ترجع إلى بلده الأصلي؟ قال العلماء: إن كانت لم تتجاوز مسافة القصر عادت إلى منزلها الأصلي، وإن تجاوزت القصر خيرت بين أن تبقى في البلد الذي سافرت إليه، أو ترجع إلى بلدها الأصلي.

стр. 5627

قوله: «فإن تحولت خوفاً أو قهراً أو بحق انتقلت حيث شاءت» فقوله: «خوفاً» يعني ما أمكنها أن تبقى في المنزل، فتحولت عنه خوفاً على نفسها من أن يسطو عليها أحد لفعل الفاحشة مثلاً، أو لكونها امرأة عندها شيء من الوحشة ـ وهذا يكون، فقد تكون صغيرة تتوحش ـ أو خوفاً على مالها فلها أن تنتقل. وقوله: «أو قهراً» مثال ذلك: امرأة ساكنة في بيت زوجها، فقيل لها: البيت سيهدم لمصلحة الشارع، فهذا قهر، فتخرج وتسكن حيث شاءت، ولو فرض أنها حُوِّلت قهراً إلى بلد، بأن قالت الدولة: بيتكم سيهدم، ولكن خذوا هذا البيت بدله، فهل يلزمها أن تتحول إلى البيت الجديد؟ في ظني أنه يجب أن تنتقل إلى هذا البيت فهذا ليس كالأول؛ لأن هذا جعل بدلاً عن هذا، فهذه لو قيل: إنه يجب أن تتحول إليه، لكان له وجه. وقوله: «أو بحق» مثال ذلك: البيت مستأجر لمدة سنة، تمت السنة في أثناء العدة، وقد مضى منها شهران، وبقي شهران وعشرة أيام، قال صاحب البيت: الإجارة تمت، اخرجوا عن البيت، فهنا تحولت بحق؛ وذلك لأن الوجوب يتعلق بعين المكان، وقد تعذر سكناه، فتعتد حيث شاءت. قوله: «انتقلت حيث شاءت» وقال بعض العلماء: تنتقل إلى أقرب مكان آمن من بيتها، ولكن الصحيح المذهب في هذا أنها تنتقل حيث شاءت، فمثلاً لزوجها بيتان، بيت هي ساكنته، وبيت آخر ساكنته زوجة أخرى، والزوجة الأولى تخاف على نفسها، فهل نقول: يجب أن تنتقل إلى البيت القريب، أو لها أن تنتقل عند أهلها ولو كانوا بعيدين؟ نقول: لها أن تنتقل إلى بيت أهلها ولو كانوا

стр. 5628

بعيدين؛ لأنه لما تعذر المكان الأصلي سقط الوجوب، والوجوب معلق بنفس البيت الذي مات وهي ساكنة فيه، فلما تعذر ولم يمكن سكناه قلنا: تعتد حيث شاءت، مثل ما لو أن أحداً قطعت يده من المرفق، فإذا أراد أن يتوضأ لا نقول له: اغسل العضد بدلاً عن المرفق؛ لأن مكان الوجوب زال، ومثل ما لو أن أحداً أصلع ليس له شعر اعتمر أو حج، والحج والعمرة يجب فيهما الحلق أو التقصير، فما نقول له: احلق؛ لأنه ما له شعر، وليس عليه أن يُمر الموسى على رأسه، كما قاله بعض العلماء؛ فإن هذا عبث، وهذا القول مثل ما قالوا: إن الأخرس في الصلاة يحرك شفتيه ولسانه، وهذا عبث، والحاصل أن الصحيح المذهب في هذه المسألة. قوله: «ولها الخروج لحاجتها نهاراً لا ليلاً» الانتقال من المنزل لا يجوز، لكن الخروج مع البقاء في المنزل، هل يجوز أو لا؟ نقول: هذا لا يخلو من ثلاث حالات: إما أن يكون لضرورة، أو لحاجة، أو لغير ضرورة ولا حاجة. الحال الأولى: إذا كان لغير ضرورة ولا حاجة، فإنه لا يجوز، مثل لو قالت: أريد أن أخرج للنزهة، أو للعمرة، فإنه لا يجوز؛ لأنه ليس لحاجة ولا لضرورة. الحال الثانية: أن يكون الخروج من البيت للضرورة، فهذا جائز ليلاً ونهاراً، مثلاً حصل مطر، وخشيت على نفسها أن يسقط البيت فإنها تخرج للضرورة، لكن إذا وقف المطر وصُلِّح البيت ترجع، ومثل ذلك لو شبت نار في البيت. الحال الثالثة: أن يكون لحاجة، مثل لو ذهبت تشتري مثلاً عصيراً؛ أو تشتري شاياً، ومنها أن تكون مدرِّسة فتخرج للتدريس

стр. 5629

في النهار، ومنها أن تكون دارسة فتخرج للدراسة في النهار لا في الليل، ومنها أنها إذا ضاق صدرها فإنها تخرج إلى جارتها في البيت لتستأنس بها في النهار فقط؛ لأن أزمة ضيق الصدر قد تتطور إلى مرض نفسي، ومنها أن تخرج لتزور أباها المريض، فهي حاجة من جهة الأب، ومن جهتها هي، أما هي فستكون قلقة؛ حيث لم ترَ بعينها حال أبيها، وأما أبوها فإن قلب الوالد يحن إلى ولده، فنقول: لا بأس أن تخرج لتعود أباها إذا مرض، أو أمها، أو أحداً من أقاربها، فلها أن تخرج نهاراً لا ليلاً؛ ووجه التفريق بين الليل والنهار أن الناس في النهار في الخارج والأمن عليها أكثر، وبالليل الناس مختفون والخوف عليها أشد. قوله: «وإن تركت الإحداد أثمت» يعني إن تركت ما يلزمها من الإحداد، مثل أن تتطيب، أو تتحسن، أو تلبس الحلي، أو الزينة، فإنها تأثم؛ لأنها تركت الواجب. وقوله: «أثمت» أي: استحقت ذلك، ولا يلزم أن يصيبها الإثم كتعبير بعضهم الواجب ما أثيب فاعله وعوقب تاركه، يريدون بذلك أنه استحق أن يعاقب، ولكن ليس بلازم؛ لجواز أن يعفو الله عنه؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. وهل لهذا الإثم من دواء؟ نعم دواؤه التوبة إلى الله ، أن تندم على ما مضى، وأن تعزم على أن لا تعود في المستقبل. قوله: «وتمت عدتها بمضي زمانها» لأن الإحداد ليس بشرط لها، وإنما هو واجب، ولهذا لو أنها تركت الإحداد فإنها تنتهي العدة إذا مضى زمانها.

стр. 5630

باب الإستبراء مَنْ مَلَكَ أَمةً يُوطَأُ مِثْلُهَا مِنْ صَغِيرٍ، وَذَكَرٍ، وَضِدِّهِمَا حَرُمَ عَلِيْهِ وَطْؤُهَا ومقَدِّمَاتُهُ قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا، وَاسْتِبْرَاءُ الْحَامِلِ بِوَضْعِهَا، وَمَنْ تَحِيضُ بِحَيْضةٍ، وَالآيِسَةُ وَالصَّغيرَةُ بِمُضِيِّ شَهْرٍ. قوله: «الاستبراء» هذه الكلمة فيها حروف زوائد، وحروف أصول، الحروف الزوائد الألف، والسين، والتاء، والأصول الباء، والراء، والهمزة، مأخوذ من البراءة، يعني التخلي من الشيء، ومنه قولهم: برئ من دينه، يعني تخلى منه ولم يبقَ عليه شيء. وأما شرعاً فإنه: تربص يقصد منه العلم ببراءة رحم ملك يمين، هكذا قالوا، والصواب أن يقال: تربص يقصد منه العلم ببراءة الرحم، وليس ببراءة رحم ملك اليمين فقط؛ لأن الاستبراء قد يكون في غير المملوكة، وقد سبق أن من وطئت بشبهة ـ على القول الراجح ـ فإن عدتها استبراء، والمزني بها استبراء، والموطوءة بعقد باطل استبراء، وهكذا. وقولنا: «العلم» ليس أمراً لازماً أنها إذا حاضت فإنها بريئة الرحم؛ لأن الحامل قد تحيض، ولكنه هنا لما تعذر العلم عمل بالظاهر؛ إذ إن الظاهر أن الحامل لا تحيض، فيكون الحيض هنا علامة ظاهرة، لا علامةً يقينية أو برهاناً قاطعاً، ومن القواعد المقررة في الشرع: أنه إذا تعذر اليقين عمل بغلبة الظن، فهنا ما يمكن أن نتيقن أن رحمها خالٍ إلا بشق بطنها، وشق البطن أمر صعب؛ لأنها ربما تموت، لكن يكتفى بغلبة الظن، بالظاهر. وقولنا: إنه ما يمكن العلم ببراءة رحمها إلا بشق البطن،

стр. 5631

هذا بناء على ما سبق، وإلا فالآن توفرت الأسباب والوسائل التي يعلم بها براءة الرحم بدون شق البطن. أيضاً في بعض الأحوال يجب على الزوج أن يستبرئ زوجته وإن لم توطأ، كرجل مات أبوه وتزوجت أمه بعد أبيه بزوج، فأولادها من هذا الزوج يكونون بالنسبة له إخوة له من الأم، فهذا الأخ مات وله أخ شقيق، والأخ الذي تحمل به هذه المرأة، ففي هذه الحال نقول لزوجها: يجب عليك أن تستبرئها، فلا تجامعها حتى تحيض؛ لأجل أن نعرف هل كان الحمل موجوداً حين موت أخيه فيرث منه، أو ليس موجوداً فلا يرث، وهنا لا نعلم إلا إذا امتنع الرجل عن الجماع؛ لأنه لو جامع لاحتمل أن يعلق الولد من جماعه الذي بعد موت أخيه، وحينئذٍ يكون عندنا إشكال، ففي مثل هذه الحال يجب الاستبراء مع أنه ليس في ملك يمين، ولا في وطء شبهة، ولا في زنا، لكن لأجل الوصول إلى معرفة هل يرث هذا الحمل، أو لا يرث؟ قوله: «من ملك أمة يوطأ مثلها» وهي التي تم لها تسع سنين. وقوله: «من ملك» «من» شرطية تعم جميع أنواع الملك، سواء ملكها بشراء، أو بهبة، أو باسترقاق في حرب، أو غير ذلك. قوله: «من صغير وذكر وضدهما حرم عليه وطؤها» الجار والمجرور متعلق بـ «ملك»؛ لأن الكلام في المالك، فهو الذي

стр. 5632

يحرم عليه الوطء، ومعلوم أنه لو كان أنثى ما نقول: يحرم عليك الوطء، فيكون قوله: «من صغير» متعلقاً بقوله: «ملك» يعني ملكها من صغير، بأن اشتراها منه، كرجل اشترى أمة يوطأ مثلها من صغير لم يبلغ، فيجب على المشتري أن يستبرئها، مع أن الصغير هنا ما يطأ مثله. والقول الثاني: أنه لا يجب الاستبراء في هذه الحال؛ لأن الاستبراء طلب براءة الرحم من الولد، وهنا لا يمكن أن تلد، حتى لو وطئها هذا الصغير، فإن قيل: ألا يمكن أن يكون أحد زنى بها؟ فالجواب: بلى، لكن الأصل عدم ذلك. وقوله: «وذكر» معروف. وقوله: «وضدهما» ضد الصغير الكبير، وضد الذكر الأنثى، يعني إذا ملكها من صغير أو كبير، من ذكر أو أنثى. وقوله: «حرم عليه وطؤها» أي حرم على المالك وطؤها. قوله: «ومقدماته» أي: مقدمات الوطء، كالتقبيل، واللمس، والجماع دون الفرج، وما أشبه ذلك؛ سداً للذريعة؛ لأنه ربما لا يملك نفسه أن يجامع، وسيأتي أن الصحيح خلاف ذلك. قوله: «قبل استبرائها» ويأتي ـ إن شاء الله ـ بماذا يكون الاستبراء، والدليل قول النبي ﵊: «لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره» (١)، يعني

стр. 5633

أن الإنسان ما يجوز له أن يسقي ماءه من كانت مشغولةً، أو يمكن أن تكون مشغولة بماء غيره، ولهذا يحرم على الإنسان أن يطأ المعتدة، ولو تزوجها لم يصح. كذلك ـ أيضاً ـ في غزوة أوطاس نهى النبي ﵊ أن توطأ حامل حتى تضع، ولا ذات حيض حتى تحيض بحيضة (١)، وتأمل الدليل هل هو أخص من الحكم الذي ذكره المؤلف أو أعم؟ الدليل ذُكِرَ فيه الوطء فقط والمؤلف قال: «ومقدماته» فصار الدليل أخص من المدلول، ومعلوم أنه لا يمكن أن يستدل بالأخص على الأعم، فالدليل دل على تحريم الوطء، فأين الدليل على تحريم مقدماته من اللمس وغيره؟! فحينئذٍ نقول: الاستدلال بهذا الحديث على الحكم صحيح من وجه، غير صحيح من وجه، صحيح من جهة تحريم الوطء، غير صحيح من جهة تحريم مقدماته، وهذه قاعدة نافعة للمُناظِر، أنه إذا استدل خصمه بشيء يكون أخص من المدلول، فإن له الحق في رفضه بالنسبة لما هو أعم، ولكن ليس له الحق أن يرفض ما دل عليه الدليل. إذاً يبقى النظر في قول المؤلف: «ومقدماته» هل هو صحيح ولا سيما باعتبار استدلاله بالحديث؟ الجواب: غير صحيح، فالحديث لا يدل على تحريم مقدمات الوطء، إذاً يجوز أن يفعل

стр. 5634

مقدمات الوطء من التقبيل وشبهه كما سبق؛ لأن عندنا عموماً يخالف هذا الحكم، وهو قوله تعالى: ﴿إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون ٦]، فنقول: الأصل في ملك اليمين أن يجوز لك أن تتمتع فيها بما شئت، وحُرِّم الوطء لدلالة الحديث عليه، فيبقى ما عداه داخلاً في المباح. فإن قلت: ألا يمكن أن نقيس ذلك على الجماع في الإحرام، حيث حرم على المُحْرِم أن يجامع، وحرم عليه مقدمات الجماع؟ نقول: لا نقيس؛ لأن مقدمات الجماع في الإحرام محرمة لذاتها، بدليل أن المحرم لا يجوز أن يُعقد له النكاح، ولا أن يخطب، ففرق بين هذا وهذا، فلا يصح القياس، ولو أردنا القياس لقلنا: نقيس على الحائض أولى، وأجلى، وأبين، والحائض يجوز للإنسان أن يستمتع بها فيما دون الفرج. نعم لو فرض أن الرجل ضعيف العزيمة، ويخشى على نفسه خشية محققة لو أنه أتى بمقدمات الجماع أن يجامعها فحينئذٍ يمنع، ويكون لكل مسألة حكمها. مسألة: إذا ملك أمة من امرأة فهل يجب الاستبراء؟ على كلام المؤلف يجب، ولكن القول الصحيح ـ الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه لا يجب الاستبراء، قال: لأن المرأة ما تطؤها. فإن قيل: يحتمل أن أحداً اعتدى عليها ووطئها عند سيدتها.

стр. 5635

قلنا: الأصل عدم ذلك، ولو قلنا بهذا الاحتمال لقلنا: لا يمكن أن تطأ زوجتك ولا أمتك؛ لأن فيه احتمالاً أن أحداً اعتدى عليها، وهي عندك! وهذا لا يقول به أحد، وعلى هذا، فالقول الراجح في هذه المسألة أنه لو ملكها من امرأة فإنه لا يجب الاستبراء. ولو ملكها من رجل ولكنها بكر، وبكارتها لا زالت موجودة فهل يجب عليه الاستبراء؟ على كلام المؤلف يجب الاستبراء؛ لأنه قال: «من ملك أمة يوطأ مثلها» ولم يقل: من ملك أمة ثيباً، إذن لو ملك أمة بكراً وجب عليه الاستبراء، مع أن البكر لم توطأ؛ إذ لو وطئت لزالت البكارة، وقال شيخ الإسلام: إنه لا يجب الاستبراء فيما إذا كانت بكراً؛ لأن العلة التي وجب الاستبراء لها غير موجودة. ولو ملك أمة من رجل صدوق أمين، قال له: إنه لم يطأ، فعلى المذهب يجب الاستبراء، وعند شيخ الإسلام لا يجب الاستبراء؛ لأن هذا الرجل أخبره أنه لم يجامعها، وكذلك لو أخبره بأنه استبرأها قبل بيعها، فالمذهب يجب الاستبراء وإن كان ذاك قد استبرأها، وعند الشيخ إذا وثق به فإنه لا يجب. لكن رأي الشيخ في المسألة الأخيرة ليس كرأيه فيما إذا كانت بكراً، أو إذا ملكها من امرأة؛ لأن قوله فيما إذا ملكها بكراً أو من امرأة لا شك أنه هو الصواب، أما هذه فقد يقول قائل: إنه وإن أخبره أنه قد استبرأها، أو أنه لم يجامعها، فقد يكون متهماً في ذلك؛ من أجل أن يرغب في شرائها؛ لأنه إذا قلنا: إنها لا تحتاج إلى استبراء، أرغب مما إذا قلنا: تحتاج إلى استبراء؛ لأنه يستمتع بها من حين يشتريها، لا سيما على المذهب إذا قلنا: لا يحل الوطء ولا المقدمات، أما إذا قلنا

стр. 5636

بأنه لا يحتاج إلى استبراء فسيمكث إلى أن يستبرئها. قوله: «واستبراء الحامل بوضعها» أي: إذا وضعت فقد استبرأت وهذا صحيح، ولو وضعت بعد الشراء بساعة، فإن بقي في بطنها ثلاث سنين ينتظر حتى تضع. قوله: «ومن تحيض» أي: فاستبراؤها «بحيضة» لأن هذه ليست عدة، وإنما الغرض العلم ببراءة الرحم، فإذا حاضت مرة واحدة حلت، فإذا كانت قد ارتفع حيضها ولم تدرِ سببه تنتظر عشرة أشهر، تسعة أشهر للحمل وشهراً للاستبراء. قوله: «والآيسة والصغيرة بمضي شهر» أي: الآيسة والصغيرة تستبرأ بمضي شهر.

стр. 5637

كِتَابُ الرَّضَاعِ قوله: «الرضاع» الرضاع لغة: مص الثدي لاستخراج اللبن منه. أما في الشرع فهو أعم من هذا، فهو إيصال اللبن إلى الطفل، سواء عن طريق الثدي أو عن طريق الأنبوب، أو عن طريق الإناء العادي، المهم هو وصول اللبن إلى الطفل بأي وسيلة، وهذا من النوادر أن يكون المعنى الشرعي أعم من المعنى اللغوي؛ لأن العادة أن المعنى اللغوي أعم من المعنى الشرعي، ولكن أحياناً يكون المعنى الشرعي أوسع من المعنى اللغوي، فالإيمان ـ مثلاً ـ في اللغة التصديق، لكن في الشرع يشمل التصديق، والقول، والعمل. والرضاع من رحمة الله وحكمته، فالطفل في بطن أمه يتغذى بالدم عن طريق السُّرة، ثم إذا انفصل فإنه لا يستطيع أن يأكل ولا يشرب، فجعل الله له وعاءين معلقين في صدر الأم، واختار الله أن يكون في الصدر؛ لأن ذلك أقرب إلى القلب، ولأنه أقرب إلى كون الأم تحتضن الولد، وترق له وتحن عليه، ثم جعل الله هذا الوعاء وعاء لا يجتمع فيه اللبن كما يجتمع في القارورة، لكنه يجتمع بين عصب ولحم وشحم متفرقاً؛ ليكون أسهل للأم مما لو كان يرتج كما لو كان في قارورة، ثم من رحمة الله أنه جعله يخرج من

стр. 5638

هذه الحلمة، وليس في شق واحد، بل مخرقة عدة خروق؛ لأجل ألاَّ ينزل بسرعة فيشرق الطفل فيموت، وبهذا كله تتبين حكمة الله ، وأنه لا ينبغي العدول عن هذه الحكمة العظيمة بإسقائه لبناً أجنبياً كما يفعل بعض الناس، مع أن الأطباء متفقون على أن لبن الأم خير للطفل من أي لبن آخر، وهذا هو الذي يليق بحكمة الله ـ تعالى ـ الكونية والشرعية، ولهذا ينبغي للمرأة ألا تدع إرضاع ولدها لمدة سنتين، كما قال الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فالرضاع يشارك النسب في بعض الأمور، ويفارقه في أكثر الأمور، ومما يشارك النسب فيه ما ذكره المؤلف بقوله: يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ. «يَحْرُمُ من الرَّضَاعِ ما يَحْرمُ من النسب» هذه الجملة هي لفظ الحديث الوارد عن النبي ﷺ ، فهي إذاً مسألة بدليلها، يعني أن ما حرمه النسب وهو القرابة يحرمه الرضاع، فلننظر بالحد والعد، بالعد اقرأ الآية الكريمة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣] هذه سبع، فيحرم على الإنسان من الرضاع ما يحرم من النسب، يحرم عليه أمه من الرضاع، وبنته من الرضاع، وأخته من الرضاع، وعمته من الرضاع، وخالته من الرضاع، وبنت أخته من الرضاع، وبنت أخيه من الرضاع، كما في الآية تماماً، وعلى هذا فلا تتعب نفسك، فإذا سألك سائل عن مسألة فيها رضاع، فانظر العلاقة بين الراضع ومن أرضعته، هل هي الأمومة، البنوة، الأخوة، العمومة؛ الخؤولة؟ لأن الحديث محكم والآية محكمة.

стр. 5639

أما الحد، فلدينا ثلاثة: أُمٌّ مُرْضِعَةٌ، وصاحب اللبن وهو زوجها أو سيدها، وراضع، كل واحد من الثلاثة له أصول، وفروع، وحواشٍ، فالمرضعة أصولها آباؤها وأمهاتها وإن علوا، وفروعها أبناؤها وبناتها وإن نزلوا، وحواشيها إخوانها وأعمامها وأخوالها، وصاحب اللبن كذلك له أصول، وفروع، وحواشٍ، والراضع كذلك له أصول، وفروع، وحواشٍ، فالرضاع لا يؤثر في حواشي وأصول الراضع، وإنما الذي يتعلق به حكم الرضاع الراضع وفروعه فقط، وبالنسبة للمرضعة يتعلق الرضاع بأصولها، وفروعها، وحواشيها، وبالنسبة لصاحب اللبن يتعلق بأصوله، وفروعه، وحواشيه، فهذا تقسيم حاصر يسهل على الإنسان أن يعرف تأثير الرضاع. أضرب لهذا مثلاً: زيد رضع من هند، ولها زوج اسمه خالد، فأمهات هند يؤثر فيهن الرضاع، وبنات هند يؤثر فيهن الرضاع، وأخوات هند، وعماتها، وخالاتها يؤثر فيهن الرضاع كذلك، وصاحب اللبن ـ خالد ـ يؤثر الرضاع في أمهاته؛ لأنهن أصوله، ويؤثر في بناته؛ لأنهن فروعه، ويؤثر في إخوانه؛ لأنهم حواشيه، بقي الراضع وهو زيد، فيؤثر الرضاع في ذريته، ولا يؤثر في أصوله ولا حواشيه؛ ولذلك يجوز لأخي الراضع أن يتزوج من أرضعت أخاه؛ لأن الرضاع لا يؤثر في حواشي الراضع، ويجوز لأبي الراضع أن يتزوج من أرضعت ابنه؛ لأن الرضاع لا يؤثر في أصول الراضع، ولا يجوز لابن الراضع أن يتزوج أخت الراضع من المرأة التي أرضعته؛ لأنه من فروع الراضع، وفروع الراضع يؤثر فيهم الرضاع.

стр. 5640

مثال ذلك: رضيع رضع من امرأة اسمها هند مع ابنتها عائشة، لكن هنداً لها بنات من قبل، فإنهن يكن أخواتٍ له؛ لأنهن من فروع المرضعة التي هي هند، ويكون أخاً للبنات اللاتي بعده؛ لأنهن من فروع المرضعة. مثال ثانٍ: رجل رضع من امرأة لها ابن اسمه علي، ولعلي بنت، فهل يجوز للراضع أن يتزوج بنت علي؟ لا يجوز؛ لأنها من فروع المرضعة، والرضاع يؤثر بالنسبة للمرضعة في أصولها، وفروعها، وحواشيها. مثال ثالث: رجل رضع من امرأة زيد، وكان لزيد امرأة أخرى لها بنات، فلا يجوز أن يتزوجهن؛ لأنهن من فروع صاحب اللبن. مسألة: هل يحرم من الرضاع ما يحرم بالصهر؟ اختلف في ذلك أهل العلم، فذهب الأئمة الأربعة وجمهور أهل العلم إلى أنه يحرم من الرضاع ما يحرم بالصهر، وعلى هذا فأم زوجتك من الرضاع حرام عليك، كأم زوجتك من النسب؛ لأن أم زوجتك من النسب حرام بالنص والإجماع، كما قال الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ وبنت زوجتك من الرضاع، كأن يكون لك زوجة قد أرضعت بنتاً من زوج سابق، فعلى رأي الجمهور تحرم عليك تلك البنت؛ لأنها بنت زوجتك من الرضاع، فهي كبنت زوجتك من النسب، ولو كان لزوج المرأة أب من الرضاع يحرم عليها ـ على رأي الجمهور ـ كأبي زوجها من النسب، ولو كان لزوجها ابن من الرضاع ـ أي: لم يرضع منها، لكن رضع من زوجة أخرى ـ فهو
следующие страницы →