← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 10649

الشرح الممتع على زاد المستقنع

ابن عثيمين

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 5671–5710 · переход к 5676.

стр. 5671

يسألون عن هذا الرضاع، نقول: كم رضع؟ فيقولون: ما ندري، فالجواب: لا تحريم، والولد ليس ولداً لها حتى نتيقن أنه رضع خمس مرات. وقوله: «أو شكت المرضعة» يعني شكت في الرضاع، أو في كماله، والشك هنا ليس من أهل الطفل بل من المرضعة، قالت: أنا ما أدري هل أرضعته أو لا؟ هذه صورة، والصورة الثانية: قالت: نعم أنا أرضعته، لكن لا أدري أرضعته خمساً أم أقل؟ في كلتا الصورتين لا تحريم، يعني لا يكون الولد ولداً لها. وقوله: «ولا بينة» فإن وجدت بينة فالحكم لها، يعني مثلاً شككنا هل رضع هذا الطفل أم لا؟ فجاءنا شاهد فقال: أشهد أن هذا الطفل رضع من هذه المرأة خمس مرات، فيثبت التحريم؛ لأنه وجدت البينة، أو شككنا هل رضع خمساً أو أقل؟ فقال: أشهد أنه رضع خمساً، فيثبت التحريم. ولكن ما هي البينة هنا؟ المشهور عند الحنابلة ﵏ أن البينة امرأة ثقة، سواء شهدت على فعلها أو على فعل غيرها، فإذا وجدت امرأة موثوقة في دينها، وفي حفظها ثبت التحريم، ودليل ذلك: أن رجلاً استفتى النبي ﷺ في زوجته حينما قالت امرأة: إنها أرضعتهما ـ أي: الزوج والزوجة ـ فقال النبي ﷺ : «كيف وقد قيل» (١)؟! بمعنى كيف تبقيها وقد قيل: إنها رضعت معك، وهذا دليل على أن البينة امرأة واحدة ثقة، وأيضاً استدلوا بأن هذا مما لا يطلع عليه إلا النساء غالباً فيكتفى فيه بشهادة امرأة

стр. 5672

واحدة، فإن شهد رجل فمن باب أولى؛ لأن الرجل أثبت شهادة من المرأة، فإذا كانت السنة النبوية أثبتت الرضاع بشهادة امرأة واحدة، فإثباته بشهادة رجل واحد من باب أولى. وقال بعض أهل العلم: يفرق بين أن تكون المرأة شاهدة على فعلها، أو على فعل غيرها، فإن كانت شاهدة على فعلها، قبلت؛ لأنها أمينة على ذلك، ولأن هذا قد يجر إليها ضرراً، فإذا شهدت به على نفسها تقبل، وهذا الذي ورد به الحديث، وإن كانت شاهدة على فعل غيرها لم تقبل، بل لا بد من أربع نساء أو رجل وامرأتين، وجعلوها كالأموال.

стр. 5673

كِتَابُ النَّفَقَاتِ يَلْزَمُ الزَّوْجَ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ قُوتاً، وَكِسْوَةً، وَسُكْنَاهَا بِمَا يَصْلُحُ لِمِثْلِهَا، وَيَعْتَبِرُ الْحَاكِمُ ذلِكَ بِحَالِهِمَا عِنْدَ التَّنَازُعِ، ..................... قوله: «يلزم الزوج نفقة زوجته قوتاً، وكسوةً، وسكناها بما يصلح لمثلها» (١). قوله: «ويعتبر الحاكم ذلك بحالهما عند التنازع» إذا كانت الأمور ليس فيها نزاع فله أن يعطيها ما شاء أو ما شاءت ولا إشكال، لكن لو تنازعا ووصل النزاع إلى الحاكم ـ أي: القاضي ـ فهل يعتبر حال الزوج أو الزوجة؟ قال المؤلف: يعتبر حالهما جميعاً، وحينئذٍ إما أن يكونا غنيين، أو فقيرين، أو متوسطَين، أو الزوج غنياً والزوجة فقيرة، أو العكس، فهذه خمسة أحوال. فإذا كانا غنيين يفرض الحاكم نفقة غني؛ لأن الزوج قادر، وإذا كانا فقيرين فنفقة فقير، وإذا كانا متوسطين فنفقة متوسط، وإذا كان الزوج غنياً وهي فقيرة، أو الزوج فقيراً وهي غنية، ففقهاؤنا يقولون: يلزم نفقة متوسط؛ لأن الحال مركبة من غنى وفقر. القول الثاني: أن المعتبر حال الزوجة، فإذا كانت فقيرة فليس لها إلاّ نفقة فقيرة، ولو كان زوجها من أغنياء العالم.

стр. 5674

مثاله: ـ زوج غني فُطُوره خبز مرقق، وبيض، وسمن، وغير ذلك، وزوجته فقيرة، فلا يعطيها إلا خبزاً يابساً مع الشاي؛ لأنها فقيرة. القول الثالث بالعكس: أن المعتبر حال الزوج، فإذا كان فقيراً، فليس لها إلاّ نفقة فقير، وإذا كان غنياً ألزم بنفقة غني ولو كانت الزوجة فقيرة. هذه ثلاثة أقوال لأهل العلم، وإذا وزنَّاها بالميزان المستقيم قلنا: إن الله يقول: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾، والعلة: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]، وعلى هذا فالصواب أن المعتبر حال الزوج عند النزاع، وهو مذهب الشافعي، فإن كان الزوج غنياً ألزم بنفقة غني، وإن كان فقيراً ألزم بنفقة فقير، ولم يلزم بنفقة غني ولا نفقة متوسط، حتى لو كانت هي غنية. أما الذين قالوا: إن المعتبر حال الزوجة فقالوا: إن رسول الله يقول: «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» (١)، ولكن هذا في الحقيقة عند التأمل لا ينافي الآية؛ لأن المعروف ما أقرَّه الشرع قبل كل شيء، والشرع إنما أوجب ما هو مستطاع ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]. فَيَفْرِضُ لِلْمُوسِرَةِ تَحْتَ المُوسِرِ قَدْرَ كِفَايَتِهَا مِنْ أَرْفَعِ خُبْزِ الْبَلَدِ، وَأُدُمِهِ، وَلَحْماً عَادةَ المُوسِرِينَ بِمَحَلِّهِمَا، وَمَا يَلْبَسُ مِثْلُهَا مِنْ حَرِيرٍ وَغَيْرِهِ، وَلِلنَّوْمِ فِرَاشٌ وَلِحَافٌ وَإِزَارٌ وَمَخَدَّةٌ، وَلِلْجُلُوسِ حَصِيرٌ جَيِّدٌ وَزَلِّيٌّ، ............ قوله: «فيفرض للموسرة تحت الموسر قدر كفايتها من أرفع خبز البلد» وهو عندنا التَّميز.

стр. 5675

قوله: «وأدمه» وأرفع الأدم عندنا لحم الغنم. قوله: «ولحماً عادة الموسرين» يصح الموسِرِين، والموسِرَيْنِ، فإذا كان عادة الموسرين في البلد أنه يأتي باللحم كل يوم فيأتي بها كل يوم، وإن كان كل أسبوع مرة فيأتي بها كل أسبوع مرة، وإذا كان يأتي بلحم إبل فيأتي بلحم إبل، لحم بقر فلحم بقر، لحم غنم فلحم غنم، لحم دجاج فلحم دجاج، حسب الحال. قوله: «بمحلهما» يعني في الزمان وفي النوع، أما في الكسوة فيقول: «وما يلبس مثلها من حرير وغيره» أي: يشتري لها من الثياب الذي يلبس مثلها، من الحرير، وغير الحرير، كالكتان والصوف، وما أشبههما. قوله: «وللنوم فراش ولحاف وإزار ومخدة» فراش من أرفع ما يكون من الأنواع، وكذلك اللحاف والإزار، والمخدَّة ـ وهي الوسادة ـ ولأنها موسرة تحت موسر. قوله: «وللجلوس حصيرٌ جَيد» الحصير فراش من الخوص، وهو الآن ليس بشيء عندنا، حتى الفقراء لا يستعملونه، ولكن لعله في عهد المؤلف كان يستعمل، وهذه الأشياء التي ذكرها أمثلة ولا عبرة بها، بل العبرة بالقاعدة. قوله: «وزَلِّيٌّ» أي: بساط من الزل.

стр. 5676

وَلِلْفَقِيرَةِ تَحْتَ الْفَقِيرِ مِنْ أَدْنَى خُبْزِ الْبَلَدِ، وَأُدُمٍ يُلَائِمُهُ، وَمَا يَلْبَسُ مِثْلُهَا، وَيُجْلَسُ عَلَيْهِ، وَلِلْمُتَوَسِّطَةِ مَعَ المُتَوسِّطِ، وَالْغَنِيَّةِ مَعَ الْفَقِيرِ، وَعَكْسُهَا مَا بَيْنَ ذلِكَ عُرْفاً، وَعَلَيْهِ مَؤُونَةُ نَظَافَةِ زَوْجَتِهِ دُونَ خَادِمِهَا لَا دَوَاءٌ، وَأُجْرَةُ طَبِيبٍ. قوله: «وللفقيرة تحت الفقير من أدنى خبز البلد» أي: ويفرض الحاكم للفقيرة تحت الفقير من أدنى خبز البلد؛ لأن الواجب عليه أدنى شيء، فإن قالت: أريد من الخبز الفلاني، وهو من أرفع خبز البلد، فلا يلزم الزوج. قوله: «وأدم يلائمه» كذلك الأدم الذي يلائمه، وهو أدنى من اللحم، كالخل، والشاي، وما أشبهه. قوله: «وما يلبس مثلها ويجلس عليه» فيرجع في هذا للعرف. قوله: «وللمتوسطة مع المتوسط، والغنية مع الفقير، وعكسها» أي: الفقيرة تحت الغني. قوله: «ما بين ذلك عرفاً» أي: ما بين نفقة الفقير والغني. قوله: «وعليه مؤونة نظافة زوجته» أي: على الزوج كلفة نظافة الزوجة، كالماء، والسدر، والمشط، وأجرة الماشطة، ومنه الدهن والشامبو وما أشبه ذلك، فكل ما فيه نظافة الزوجة يلزم الزوج، والسبب أن هذا من النفقة، والواجب أن ينفق بالمعروف. قوله: «دون خادمها» أي: امرأة تخدمها، وظاهر هذه العبارة

стр. 5677

أنه لا يلزمه خادم لها، وليس الأمر كذلك، بل إن قوله: «دون خادمها» يدل على أن لها خادماً، ولكن المراد دون مؤونة نظافة خادمها، فنظافة الخادم ومؤونته على الزوجة، لا على الزوج، أو إذا كان الخادم له أجرة فمؤونته على نفسه. مثال ذلك: امرأة ممن يُخدم مثلها، نقول للزوج: يجب عليك أن تأتي لها بخادم، فإن قال: هي امرأة شابة تستطيع أن تخدم نفسها، قلنا: لكن لها رزقها وكسوتها بالمعروف، وهذه امرأة ممن يخدم مثلها؛ إمَّا لكبرها، أو لصغرها، أو لشرفها، وإذا كانت المرأة ممن يخدم مثلها لهذه الأسباب الثلاثة فإنه يُلزم الزوج بخادم، ومؤونة نظافة الخادم لا تجب على الزوج، بل على الزوجة أو على الخادم نفسه. وهذه المسألة راجعة إلى العرف، ففي عرفنا بالمملكة الخادم لا يجب لأحد، اللهم إلا في الأزمنة الأخيرة بدأ الناس يأتون بالخدم، أمَّا في الأول فلو كانت من أشرف الناس أو أغنى الناس فلا تحتاج إلى خادم، وهي قد عرفت أنها إنما جاءت لزوجها لتخدمه، لكن إذا تطورت الأحوال فالمسألة راجعة للعرف؛ لأن نصوص الكتاب والسنة أرجعت هذا الأمر إلى العرف. قوله: «لا دواء» أي: أن الدواء لا يلزمه لزوجته، فلو أن زوجته أوجعها رأسها وقالت: أريد أن تأتي بحبوب إسبرين، فرفض الزوج، فلا يلزمه. فإن قيل: قد سبق أنه يلزمه الدهن للرأس، والمشط وما يتعلق بذلك، وهذا أولى.

стр. 5678

يقولون: إن المرض طارئ، وهو خلاف الأصل فلا يلزم به، لكن ما سبق من الدهن، والسدر، والمشط، والماء، فهو أمر معتاد مستمر، فيُلزم به. وهذا التعليل وجيه في الواقع، لكن إذا نظرنا إلى قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، فهل من المعروف أن تكون امرأتك بها صداع، وتطلب حبة أسبرين، وتقول لها: لن آتي بها؟! ليس من المعروف؛ ولهذا لو قيل: إن الدواء يلزمه، إلاّ إذا كان الدواء كثيراً، فهذا قد نقول: إنه لا يلزم به، كأن تحتاج إلى السفر إلى الخارج، فهنا قد تكلفه مشقة كبيرة، أمَّا الشيء اليسير الذي يعتبر الامتناع عنه من ترك المعاشرة بالمعروف، فإنه ينبغي أن يلزم به. قوله: «وأجرة طبيب» أي: لا يلزمه أجرة طبيب؛ لأن الإتيان بالطبيب يحتاج إلى مال كثير، فإن تبرع بأجرة الطبيب والدواء فهو محسن، وأما الإلزام فلا يلزم، والصحيح أنه يلزم بذلك؛ لأنه من المعاشرة بالمعروف، وقد قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩].

стр. 5679

فَصْلٌ وَنَفَقَةُ المُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ، وَكِسْوَتُهَا، وَسُكْنَاهَا، كَالزَّوْجَةِ، وَلَا قَسْمَ لَهَا، ..... قسّم المؤلف المعتدات إلى ثلاثة أقسام: قسم كالزوجة وهي الرجعية، وقسم على ضدها من كل وجه، وهي المتوفى عنها، وقسم فيه تفصيل، وهي البائن بفسخ أو طلاق، فالرجعية كالزوجة لها النفقة، والبائن بموت لا نفقة لها، والبائن بحياة لها النفقة إن كانت حاملاً وإلا فلا، وهذا التقسيم حاصر، لا يخرج عنه شيء. والرجعية هي التي طلقها زوجها في نكاح صحيح، على غير عوض، بعد الدخول أو الخلوة، دون ما يملك من العدد، فشروطها خمسة، يقول المؤلف: «ونفقة المطلقة الرجعية، وكسوتها، وسكناها كالزوجة» أي: أن نفقتها، وكسوتها، وسكناها، كالزوجة، والدليل قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وجه الدلالة من الآية أن الله سمى المطلقين بعولة، والأصل في الإضافة الحقيقة، فإذا قلت ـ مثلاً ـ: هذه دار زيد، فالأصل أن الدار له، إلاّ بدليل على أنها مستأجرة، أو مُعارة، أو غير ذلك، وعليه فالمطلقات الرجعيات في حكم الزوجات. قوله: «ولا قسم لها» أي: أن الزوج إذا كان له زوجات أُخَر، وطلق واحدة منهن طلاقاً رجعياً، فإنه لا يجب لها عليه القسم.

стр. 5680

وهل تفارق غيرها في غير هذه المسألة؟ تقدم لنا أنها تفارق غيرها في مسائل منها: الأولى: أنها لا تستحق من الوقف إذا كان موقوفاً على امرأة غير مزوجة، فإنها إذا طلقت لا نقول: إنها الآن تستحق؛ لأنها غير مزوجة. الثانية: أنها إذا تزوجت من أجنبي فإنها تسقط حضانتها، فإذا طُلِّقت رجعت. وَالْبَائِنُ بِفَسْخٍ، أَوْ طَلَاقٍ لَهَا ذلِكَ إِنْ كَانَتْ حَامِلاً، .................... قوله: «والبائن بفسخ» أنواع الفسوخ كثيرة، منها: أن تفسخ لفوات شرط، مثاله: امرأة شرطت على زوجها ألاّ يتزوج عليها فهذا شرط صحيح، فإذا تزوج عليها فلها الحق أن تفسخ العقد، ولما قيل لعمر ﵁: يا أمير المؤمنين: كيف تفسخ العقد؟ قال: مقاطع الحقوق عند الشروط (١)، أي: ينقطع حقها عند شرطها، فإذا فسخت العقد تكون بائناً، لا يحل لزوجها أن يراجعها، إلا أن يعقد عليها عقداً جديداً. مثال آخر: رجل اشترط لزوجته مهراً مؤجلاً إلى شهر، فمضى الشهر وأعسر الرجل بالمهر، فهل لها الفسخ؟ تقدم أن لها الفسخ، فإذا فسخت تكون بائناً، والحاصل أن كل فرقة بغير طلاق فهي فرقة بينونة.

стр. 5681

ومنها أن تفسخ لعيب الزوج، ومنها أن تفسخ لإعسار في صداق، وله أسباب أخر. قوله: «أو طلاق» البائن بطلاق، كأن يكون بعوض، أو يكون آخر ما يملك من العدد، والفرق بين من طلقت على عوض وبين من طلق آخر العدد، أن من طلقت آخر العدد لا تحل للمُطلِّق إلاّ بعد زوج، ومن طُلقت على عوض تحل له بعقد جديد، وكلتاهما لا يحل لها التزين للزوج، ولا الخلوة به، ولا أن ينظر الزوج إليها، ولا أن يسافر بها. قوله: «لها ذلك إن كانت حاملاً» أي: للبائن بفسخ أو طلاق النفقة إن كانت حاملاً، وإن لم تكن حاملاً فلا شيء لها، والدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، وأما التعليل فلأنها تحمل للمُفارِق جنيناً يجب عليه أن ينفق عليه، ولا طريق إلى الإنفاق على الجنين إلاّ بالإنفاق على أمه، وليس لها كذلك سكنى إلا أن تكون حاملاً، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد. القول الثاني: أنَّ لها النفقة والسكنى بكل حال سواء كانت حاملاً أم حائلاً، وهو مذهب أبي حنيفة. القول الثالث: أنَّ لها السكنى دون النفقة، إلاّ أن تكون حاملاً، وهذا مذهب مالك والشافعي. أما من قال: إن لها النفقة والسكنى بكل حال، فاستدل بعموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، و «النساء» عام إلى أن قال: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ

стр. 5682

مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]. ولكن هذا القول فيه نظر من حيث دلالة الكتاب، ومن حيث معارضته للسنة، وإن كان هذا القول ذهب إليه من ذهب كعمر ﵁. أما من حيث دلالة الكتاب فإن الله قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصَوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يُخْرَجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا *﴾ [الطلاق] فهذه الجملة الأخيرة تمنع دخول البوائن في هذا العموم، ووجه المنع أن الأمر الذي يقول الله فيه: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ هو الرجعة، والبائن ليس لها رجعة. وأما مخالفته للسنَّة فلأن فاطمة بنت قيس ﵂ طلقها زوجها آخر ثلاث تطليقات، وأرسل إليها بشعير فسخطته، وأبت إلاّ أن يكون لها السكنى، فارتفع الأمر إلى الرسول ﵊ فقال: «إنه ليس لها نفقة ولا سكنى» (١)، وفي رواية: «إنما السكنى والنفقة لمن كان لزوجها عليها رجعة» (٢)،

стр. 5683

وهذا واضح جداً، لكنهم أجابوا على هذا بأن الله إنما قال: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ﴾؛ لأنه ربما يطول الحمل فلا ينفق الإنسان إلاّ مقدار ثلاث حيض فقط. لكن هذا الجواب جواب بارد؛ لأن الحامل لا تزال في عدة حتى تضع الحمل، طالت العدة أم قصرت. أما الذين قالوا: إن لها السكنى دون النفقة، إلاّ أن تكون حاملاً، فقالوا: إن الآية ظاهرة في ذلك، فأول الآيات لا شك أنه في الرجعية لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ١، ٢]، وهذا التخيير لا يمكن في البائن. ثم قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا *﴾ [الطلاق] إلى هنا انتهى الكلام على الرجعية، ثم ذكر عدة الحوامل وعدة الآيسات فقال: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق] وهذا

стр. 5684

في البائن، فلها السكنى بكل حال، والنفقةُ إن كانت حاملاً، ولا يدخل فيه الرجعيات هنا؛ لأن الرجعيات ما قال الله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾، بل قال الله: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ بل يبقين في بيوتهن، فإن النهي عن الشيء أمر بضده، فتكون دلالة وجوب السكنى للرجعية من قوله: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ أوضح من قوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ فإن قوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ قد يكون لمن ليست في البيت، فيقال لها: تعالي واسكني، أما الرجعية فهي في البيت. وقالوا: إنما أمر الله بإسكانها في البيت تحصيناً لِمَائِه، ولم يجعل عليه نفقة؛ لأنها بائن منه، فيكون الأمر بالإسكان لا لأنه حق لها، ولكن من أجل تحصين مائه، ولهذا قال العلماء في قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾: «مِنْ» للتبعيض، و «حيث»: ظرف للمكان، يعني أسكنوهن بعض ما سكنتم، أي: عندكم في البيت، ولا تُكَلَّفُونَ أكثر من ذلك، بل من وُسعكم. ودلالة القرآن على هذا القول قوية جداً، لكن يعكر عليه حديث فاطمة بنت قيس ﵂ حيث قال لها النبي ﷺ : «ليس لك نفقة ولا سكنى»، وهذا نص صريح. لكن قد ورد في صحيح البخاري (١) أنها ﵂ كانت في بيتٍ وحشٍ، فأرادت الانتقال عنه خوفاً على نفسها، وفي هذه الحال لا يلزم الزوج بأن يستأجر لها ما تسكنه، فيكون معنى قوله: «ليس لك عليه سكنى»، أي: لا تلزمينه بأن يسكنك

стр. 5685

في بيت غير البيت الأول، وفي هذا جمع بين الآية الكريمة وبين الحديث، وهذا لا شك أنه ـ في نظري ـ أقرب الأقوال، لأنه ظاهر سياق القرآن، وإن كانت المسألة لم تتضح عندي بعد، ولم أجزم فيها برأي، وإن كان ابن القيم ﵀ يلح على أن الآيات كلها في الرجعيات، لكنه بعيد جداً؛ إذ أن الرجعية ينفق عليها سواء كانت حاملاً أو حائلاً، والرجعية لا يقال: أسكنها حيث سكنت بل يقال: لا تخرجها من بيتها، فإن صح هذا التوفيق بين القرآن والسنة فالحمد لله، وهو المتبادِر ـ والعلم عند الله ـ وإن لم يصح فإن القول بأنه لا نفقة لها ولا سكنى إلاّ أن تكون حاملاً أقرب من القول بأن لها النفقة والسكنى بكل حال؛ لأن القول بأن لها النفقة والسكنى بكل حال قول ضعيف جداً، وإن كان قد ذهب إليه من ذهب من أكابر السلف. والعجيب أن أهل التفسير ﵏ يمرون على هذه المسألة ولا يذكرون سوى أقوال المذاهب فقط، أي: لا يأتون بالآية ومناقشاتها، وأحسن من رأيت تكلم عليها هو ابن القيم ﵀ في «الزاد»، لكنه يرجح ما ذهب إليه الإمام أحمد. مسائل: الأولى: هل ينفق الزاني على المزني بها إذا حملت من الزنا؟ الجواب: لا ينفق عليها، وهذا لا يستثنى من القاعدة؛ لأن الحمل لا ينسب إلى هذا الزاني. الثانية: هل تدخل الكسوة في وجوب الإنفاق؟

стр. 5686

الجواب: نعم؛ لعموم قوله: ﴿فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾، ولأنها في الحَرِّ والشتاء ستحتاج إلى الملابس، ولا يمكن أن تعيشَ عارية! الثالثة: إذا أنفق عليها ثم تبين أنها ليست بحامل فما الحكم؟ الجواب: يرجع عليها بالنفقة. وَالنَّفَقَةُ لِلْحَمْل لَا لَهَا مِنْ أَجْلِهِ، وَمَنْ حُبِسَتْ وَلَوْ ظُلْماً، أَو نَشَزَتْ، أَوْ تَطَوَّعَتْ بِلَا إِذْنِهِ بِصَوْمٍ، ............................... قوله: «والنفقة للحمل لا لها من أجله» هذه المسألة فيها خلاف بين الفقهاء، فمنهم من يقول: إن النفقة للحامل من أجل الحمل. ومنهم من يقول: إن النفقة للحمل، لا للحامل من أجله، وهل الخلاف معنوي أو لفظي؟ الخلاف معنوي، ولننظر أي القولين أسعد بالدليل؟ الذين قالوا: إن النفقة للحامل من أجل الحمل قالوا: إن الله يقول: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، ولم يقل: أنفقوا على الحمل وعلى هذا فتكون النفقة للحامل من أجل الحمل. والذين قالوا: إنها للحمل، قالوا: إن ما كان علة للحكم يكون هو محل الحكم، وعلة الحكم ليست كونها مُطَلَّقة أو مفسوخةً، بل علة الحكم أن فيها حملاً، فيكون الحكم تابعاً لعلته؛ ولهذا قال تعالى: ﴿حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ مع أنهن بعد الولادة مباشرة قد يَكُنَّ محبوسات على الحمل للتعب والوجع والإرضاع، ومع ذلك فإذا وضعت الحمل فلا نفقة، فدل هذا على أن النفقة للحمل، لا لها من أجله.

стр. 5687

ويدل على ذلك أيضاً أنها إذا لم تكن حاملاً فليس لها شيء، فالحمل الذي هو سبب الوجوب تكون النفقة له، وهذا القول أرجح، لكنه لما كان لا طريق لنا إلى إيصال النفقة إلى الحمل إلاّ عن طريق تغذيته بالأم، صار الواجب الإنفاق على هذه الأم من أجل الحمل، والقاعدة في ذلك أن كل إنسان ينسب إليه حمل امرأة يجب عليه الإنفاق عليها، سواء كانت زوجة أم غير زوجة، وبناء على ذلك لو وطئ امرأة بشبهة وحملت منه وجب عليه الإنفاق، ولو أنه أعتق أمته بعد أن حملت منه وجب عليه الإنفاق، مع أنه إذا أعتقها زال سبب وجوب النفقة؛ لأنها ليست زوجة ولا مملوكة، لكن من أجل أن الحمل الذي في بطنها له. ويترتب على هذا الخلاف أمور، منها: زكاة الفطر، مثاله: امرأة بائن حامل مر عليها رمضان وجاء العيد فالذي ينفق عليها الزوج، فهل يجب عليه فطرة الحامل؟ ينبني على الخلاف، إذا قلنا: إنَّ النفقة للحمل، لم تجب عليه الفطرة، وإذا قلنا: إن النفقة لها وجبت عليه الفطرة؛ لأن الحمل لا يجب إخراج الفطرة عنه، وإنما يستحب، على خلاف في ذلك، أما إن قلنا: إن النفقة للأم، فالأم حية تأكل وتشرب، فيجب عليه فطرتها. ومنها لو كانت الزوجة ناشزاً وهي حامل فهل لها نفقة؟ ينبني على الخلاف، إن قلنا: النفقة للحمل وجب لها النفقة؛ لأن الحمل ليس بناشز، وإن قلنا: إن النفقة لها، سقطت نفقتها؛ لأنها ناشز.

стр. 5688

قوله: «ومن حبست ولو ظلماً» الحبس إما أن يكون بحق يمكنها الخلاص منه، أو لا، فإن كان بحق، وكانت ظالمة يمكنها أن تتخلص منه، فلا شك أن نفقتها تسقط، كأن تكون مدينة لشخص، وهي غنية وما طالت، فشكاها فحبست بحق، فهذه تسقط نفقتها؛ لأنها لو شاءت لتخلصت. لكن لو حبست ظلماً، كأن تكون اتهمت بشيء ـ مثلاً ـ وهي بريئة، فالمذهب أنها تسقط نفقتها، والصحيح أنها لا تسقط؛ لأن تعذر استمتاعه بها ليس من قبلها، فيكون كما لو تعذر استمتاعه بها لمرض أو نحو ذلك. قوله: «أو نشزت» النشوز لغة من النَّشَز هو الارتفاع، وفي الشرع: معصية الزوجة زوجها فيما يجب عليها، ومن ذلك إذا كانت تأبى إذا دعاها إلى فراشه، أو تأبى إذا منعها من الخروج، أو تأبى إذا ألزمها بالحجاب الشرعي الإسلامي، وهو أن تغطي المرأة جميع بدنها من وجه ورأس وكفين. قوله: «أو تطوعت بلا إذنه بصوم» ولو كان هذا الصوم تابعاً لفريضة كصوم ست من شوال. والصوم مطلق، ومقيد بزمن، ومقيد بفريضة، فالمقيد بفريضة مثل: صيام ست من شوال، والمقيد بزمن كيوم عرفة، ويوم عاشوراء، ويمكن أن نجعل منه صيام ثلاثة أيام من كل شهر، والمطلق بقية الصيام غير المقيد، فالمرأة إذا تطوعت بأي شيء من هذه الأقسام بغير إذن الزوج فإنه ليس لها نفقة.

стр. 5689

وظاهر كلام المؤلف سواء كان في حضور الزوج أم في غيبته، أما إذا كان في حضوره فقد يقال: إن ما ذكره المؤلف وجيه؛ لأنها إذا صامت سوف تمنعه من كمال الاستمتاع، وإذا قدر أنها لا تمنعه؛ لأن له أن يستمتع بها ولا يفسد صومها، فإن ذلك قد يُلحقه حرجاً؛ إذ إنه قد يتحرج من أن يفسد عليها صومها، وإن كان له الحق في أن يفسده. فأقول: إذا كان حاضراً، وتطوعت بالصوم بغير إذنه فإن سقوط نفقتها ظاهر، لكن إذا كان غائباً فإنه لا تسقط النفقة؛ لأنه في هذه الحال لا تفوت عليه مقصوده، فقد يقيد كلام المؤلف بذلك، فيقال: بحضوره، وقد يؤيد هذا التقييد قوله: «بلا إذنه»؛ لأن الغالب أن الزوج إذا كان غائباً ألاّ تستأذنه، اللهم إلا إذناً عاماً إذا أراد أن يسافر قالت له: تسمح لي أن أصوم تطوعاً، فيُمْكِن. والإذن نوعان: الأول: لفظي، بأن يأذن لها لفظاً. الثاني: عرفي، وهو الإقراري بأن يراها تصوم تطوعاً ولا يمنعها، فإن هذا دليل على أنه راضٍ بذلك، وإن كان الأفضل أن تستأذنه بلا شك؛ لأنه قد يرضى مجاملة وخجلاً. أَوْ حَجٍّ، أَوْ أَحْرَمَتْ بِنَذْرِ حَجٍّ أَوْ صَوْمٍ، أَوْ صَامَتْ عَنْ كَفَّارَةٍ أَوْ قَضَاءِ رَمَضَانَ مَعَ سِعَةِ وَقْتِهِ، أَوْ سَافَرَتْ لِحَاجَتِهَا وَلَوْ بإِذْنِهِ سَقَطَتْ، وَلَا نفَقَةَ وَلَا سُكْنَى لِمُتَوفًّى عَنْهَا، وَلَهَا أَخْذُ نَفَقَةِ كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَوَّلِهِ لَا قِيمَتُهَا، ...................... قوله: «أو حج» أي: كذلك إذا أحرمت بحج وهذا أشد من الصوم من عدة أوجه: الأول: أنه يحتاج إلى سفر. الثاني: أنه يلزم فيه الإتمام.

стр. 5690

الثالث: أنه لا يجوز فيه الجماع، ولا مقدماته، بخلاف الصوم، فإن مقدمات الجماع تجوز فيه، فهي إذاً ستمنع زوجها من أشياء كثيرة. فإذا أحرمت بحج تطوع بغير إذنه فإنها تسقط نفقتها، لكن الغالب أن ذلك لا يقع، وأنها لن تسافر إلى مكة بدون إذنه، ولو تطوعت بعمرة فإنه مثله، والقاعدة أن المرأة إذا تلبست بعبادة تمنعه من كمال الاستمتاع فإنها تسقط نفقتها. ولو تطوعت بصلاة بلا إذنه فهل نقول: تسقط نفقتها، أو نقول: إن زمنها قصير؟ ظاهر كلام المؤلف أن الصلاة ليست كالصوم والحج؛ وذلك لقصر وقتها. وعُلم من قوله: «بلا إذنه» أنه لو فعلت ذلك بإذنه، لم تسقط النفقة؛ لأنه أذن لها، وفوّت على نفسه الاستمتاع. قوله: «أو أحرمت بنذر حج» فتسقط نفقتها؛ لأنها هي السبب في إيجاب ذلك عليها. مثاله: امرأة نذرت أن تحج فيلزمها أن توفي بنذرها، فقالت لزوجها: إني نذرت أن أحج هذا العام، فقال: لا تحجي، فحجَّتْ، فليس لها النفقة؛ لأنها هي السبب في وجوب ذلك عليها. فإن أذن لها بالنذر فليس لها النفقة على المذهب، والصحيح أن لها النفقة، فمثلاً قالت: أنا إن شفاني الله من مرضي، أو شفى ولدي من مرضه أحب أن أنذر لله تعالى حجة، فقال: لا مانع، فهنا يجب عليه أن ينفق عليها؛ لأنه أذن لها بالنذر.

стр. 5691

وكل شيء يكون هو السبب في منع نفسه من الاستمتاع فإن هذا لا تسقط به النفقة. وقال بعض العلماء: إذا تطوعت المرأة بالصوم فإنه يجب عليه الإنفاق، وعللوا ذلك بأنه يمكنه أن يُفَطِّرَها. ولكن تقدم لنا أن الراجح أن نفقتها تسقط؛ لأن الزوج قد يتحرج من إفساد صومها إذا صامت، ولأن قوله ﷺ : «لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلاّ بإذنه» (١)، يدل على أنها عاصية في هذا فلا ينبغي أن تقابل بالرخصة. قوله: «أو صوم» «صوم» معطوفة على حج، فيكون المعنى أو أحرمت بنذر صوم، وهنا هل نقدر الفعل على حسب المعطوف عليه، ونقول: أحرمت بنذر صوم، أو نقدِّره بما يناسب؟ نقول: إن كان يصلح أن أقول: أحرمت بالصوم، أي: دخلت في حرماته وبما يحرم به، صح أن نجعلها معطوفة على كلمة (حج)، والعامل واحد، وإن كان لا يصح فإنه لا بد أن نقدر لقوله: «أو صوم» فعلاً مناسباً، كأن نقول: أو شرعت بنذر صوم، ونظير هذا قول الشاعر: علفتها تبناً وماءً بارداً أي: علّف بعيره أو ماشيته تبناً، والتبن يعلَّف، لكن الماء البارد لا يعلف فيكون التقدير: وسقيتها ماءً بارداً.

стр. 5692

قوله: «أو صامت عن كفارة» إذا صامت عن كفارة فإنها تسقط نفقتها؛ لأنها السبب في وجوب الكفارة عليها، وقال بعض أهل العلم: لا تسقط النفقة؛ لأن الكفارة حق واجب لله تعالى، ولا يخلو أحد من الخطأ، فربما تقتل صبيها خطأً فيجب عليها صيام شهرين متتابعين، وربما تحلف على يمين بناء على أنها ستبر بها ثم تحنث، وهذا أمر معتاد ويقع كثيراً، فكيف نقول بسقوط نفقتها؟! فالصواب أنه لا تسقط نفقتها بالكفارة، بخلاف النذر؛ لأن النذر هي التي عقدته، وهو منهي عنه في الأصل. قوله: «أو قضاء رمضان مع سعة وقته» إذا صامت عن قضاء رمضان فلا يخلو من حالين: الأولى: أن يكون الوقت متسعاً. الثانية: أن يكون الوقت ضيقاً، وهذا إذا بقي من شعبان بمقدار ما عليها من رمضان، كأن يكون عليها صيام عشرة أيام من رمضان واليوم هو التاسع عشر من شعبان، ففي هذه الحال إذا صامت لا تسقط نفقتها؛ لأن الوقت مضيق. أما في الوقت الموسع فتسقط نفقتها، فإن بقي من الأيام ضِعف ما عليها من الأيام سقطت نفقتها في جميع أيامها، وإن بقي عليها أقل سقطت نفقتها بمقدار الزائد. مثاله: إذا كان بقي على رمضان خمسة عشر يوماً، وعليها صيام عشرة أيام، وصامت، فهنا يسقط من نفقتها خمسة أيام، وإن كان بقي عشرون يوماً، أو أكثر سقطت النفقة كلها، قالوا: لأنه بإمكانها أن تؤخر إلى أن يضيق الوقت.

стр. 5693

ولكن هذا تعليل عليل للآتي: أولاً: أن قضاء رمضان أمر لا بد منه وكونه موسعاً فهو كالصلاة، فلو أنها قامت تصلي في أول الوقت فلا تسقط نفقتها، ولا نقول: تسقط نفقتها إلا إذا ضاق الوقت، فكذلك الصيام. ثانياً: أن قضاء هذه الأيام لا بد منه، وإذا كان لابد منه فسواء فعلته في أوله أو آخره. ثالثاً: أنَّ الأفضل في مثل هذه العبادة أن تبادر بها، وهذا أريح لها وأشد اطمئناناً لقلبها. فالصواب أنه إذا صامت لقضاء رمضان لا تسقط نفقتها، سواء كان ذلك مع سعة الوقت أو ضيقه، وهذا قول في مذهب الإمام أحمد. وكل ما سبق فيما لو كان بدون إذن الزوج، أما مع إذنه فإنه لا تسقط نفقتها؛ لأنه هو الذي رضي بنقص استمتاعه من زوجته، والحق له. قوله: «أو سافرت لحاجتها ولو بإذنه سقطت» إذا سافرت فلا تخلو من أحوال: الأولى: أن يكون السفر لحاجته هو. الثانية: أن يكون لحاجتها هي. الثالثة: أن يكون لحاجتهما جميعاً. الرابعة: أن يكون لحاجة غيرهما، كحاجة أبيها مثلاً. الخامسة: أن يكون عبثاً، وهذا بعيد، لكن لا يمنعه العقل. فإن سافرت لحاجته فنفقتها باقية؛ لأنها سافرت من أجله

стр. 5694

ومن مصلحته، أما إذا سافرت لحاجتها بغير إذنه سقطت النفقة؛ لأنها منعته من الاستمتاع، فإن قالت الزوجة: أنا لم أمنعه من السفر، إن شاء فليسافر معي، نقول: هو لا يريد السفر، وليس من العادة أن الزوج يتبع زوجته، فإذا سافرت سافر، وإذا أقامت أقام. فإن سافرت لحاجتها بإذنه، كأن تقول له: أريد أن أراجع الطبيب، أو أذهب لأختبر في كلية أخرى في الرياض ـ مثلاً ـ فأذن لها الزوج، فكذلك تسقط نفقتها، وهذا قول ضعيف. والصواب أنه إذا أذن فإن نفقتها باقية؛ لأنه هو الذي وافق. وإذا كان السفر لحاجة غيرهما، كأن تريد السفر مع أمها لتمرضها فإن نفقتها تسقط، فإن أذن الزوج فالصحيح أنها لا تسقط. والمهم أن الاستمتاع حق للزوج، فإذا أسقطه فحقوق الزوجة لا تسقط به؛ لأنه لو شاء لقال: لا، فإذا قال: لا، فحينئذٍ إما أن تطيعه، وإما أن تعصيه، فإن عصته فهي ناشز، ولا نفقة لها، وإن أطاعته بقيت نفقتها. وإن كان السفر لحاجتهما فإنها لا تسقط النفقة؛ لأنه أذن بذلك ولأنه لم تتمحض المصلحة لها. والخلاصة ـ على الأرجح ـ أن الأصل وجوب النفقة بمقتضى العقد، كما قال النبي ﷺ : «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» (١)، وهذا الأصل لا يمكن سقوطه إلا

стр. 5695

بمقتضى دليل شرعي، والدليل الشرعي هو أن يقال: هذه النفقة في مقابل الاستمتاع، فمتى فوتت المرأة الاستمتاع أو كماله على الزوج بدون رضاً منه سقطت نفقتها، ومتى لم تفوته إلاّ بإذنه فإنها لا تسقط؛ لأنه راضٍ بذلك، هذه هي القاعدة التي هي مقتضى الأدلة الشرعية. قوله: «ولا نفقة ولا سكنى لمتوفى عنها» هذا هو القسم الثالث الذي أشرنا إليه في أول الفصل حين قلنا: إن المعتدات ثلاثة أقسام: قسم لها السكنى والنفقة بكل حال وهي الرجعية، وقسم ليس لها نفقة ولا سكنى إلاّ إن كانت حاملاً، وهي البائن في الحياة، وقسم ليس لها نفقة ولا سكنى مطلقاً وهي المتوفى عنها، وهي البائن بالموت. وهل نقول في الميت: «مُتَوَفًّى» اسم مفعول، أو نقول: «مُتَوفٍّ» اسم فاعل؟ الأصل أن يقال: متوفًّى؛ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، وقوله: ﴿قُلْ يَتَوفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١] فالميت متوفًّى، ويمكن أن يقال: متوفٍّ، بمعنى أنه استوفى أجله ورزقه. فالمتوفى عنها زوجها لا نفقة لها، ولا سكنى، ولو كانت حاملاً، أما إذا لم تكن حاملاً فالأمر ظاهر؛ لأنها بانت، وأما إن كانت حاملاً فلا نفقة لها أيضاً. فإن قيل: أي فرق بينها وبين البائن في حال الحياة؟ الجواب: أن البائن في حال الحياة ـ إذا كانت حاملاً ـ أوجبنا الإنفاق على زوجها في ماله، وأمَّا المتوفى عنها زوجها

стр. 5696

فالمال انتقل للورثة فكيف نجعل النفقة في التركة؟! فنقول: لا نفقة لها وإن كانت حاملاً. فإن قيل: ماذا نصنع فيما إذا حملت، وقد قلنا فيما سبق: إن النفقة للحمل، لا لها من أجله؟ يقولون: إن النفقة تجب في حصة هذا الجنين من التركة، فإن لم يكن تركة، كأن يموت أبوه ولا مال له، فإن النفقة تجب على من تلزمه نفقته من الأقارب، كأن يكون له إخوة أغنياء أو أعمام. قوله: «ولها أخذ نفقة كل يوم من أوله» «لها» الضمير يعود على الزوجة، والرجعية، والبائن في الحياة إن كانت حاملاً، فيكون المعنى أن لكل من لها النفقة من هؤلاء الثلاث نفقة كل يوم من أوله، فيأتيها بالفطور، والغداء، والعشاء، من أول اليوم، يعني إذا طلعت الشمس تقول لزوجها: أريد الفطور، والغداء، والعشاء، الآن! لكن هذا قول بعيد من الصواب، بعيد من قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] لأنه ليس من المعروف أن تطلب المرأة الفطور والغداء والعشاء في أول النهار، ولهذا لو قال لها الزوج: سآتي بالفطور والغداء والعشاء في هذا الوقت، لقالت: لا؛ لأنه سيفسد علي، فإن أصرَّ على الإتيان بها أول النهار فعلى المذهب له ذلك، والصواب في هذه المسألة أنه يرجع في ذلك إلى العرف، فهذا الذي دل عليه القرآن والسنة، قال النبي ﷺ : «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» (١).

стр. 5697

قوله: «لا قيمتها» يعني ليس لها قيمة النفقة، فلو قالت الزوجة: أريد القيمة، فثمن الفطور ريال ونصف، والغداء ريالان، والعشاء ريالان، فالجميع خمسة ريالات ونصف أعطنيها، فإنه ليس لها ذلك. وَلَا عَلَيْهَا أَخْذُهَا، فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَيْهِ، أَوْ عَلَى تَأْخِيرِهَا، أَوْ تَعْجِيلِهَا مُدَّةً طَويلَةً أَوْ قَلِيلَةً جَازَ، وَلَها الْكِسْوَةُ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً فِي أَوَّلِهِ، وَإِذَا غَابَ وَلَمْ يُنْفِقْ لَزِمَتْهُ نَفَقَةُ مَا مَضَى، وَإِنْ أَنْفَقَتْ في غَيْبَتِهِ مِنْ مَالِهِ فَبَانَ مَيْتاً غَرَّمَهَا الْوَارِثُ مَا أَنْفَقَتْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ. قوله: «ولا عليها أخذها» يعني لو أتى هو بالدراهم، وقال: أنا مشغول ولا أستطيع أن آتي بالفطور والغداء والعشاء، ولكن خذي الدراهم، فهل يجب عليها أن تأخذ المال؟ لا يجب عليها، بل ما لها إلا الطعام والشراب، وبهذا نعرف أن ما ذكر الله من إطعام المساكين في كفارة الظهار، وكفارة اليمين، وفدية الصوم، أن الواجب الإطعام، وأن الدراهم لا تجزئ. لكن لو جرى العرف بأن الرجل يعطي زوجته قيمة النفقة فهنا لا بأس، لكن المحظور أن يُلزِم الحاكمُ أو القاضي الزوجَ بالقيمة. وقد أنكر ابن القيم هذا إنكاراً عظيماً، وقال: ليس في الكتاب ولا في السنة أن تلزم المرأة الزوج بالقيمة، إلاّ أن صاحب الفروع ﵀ قال: يتوجه الجواز عند الشقاق، أي: عند الشقاق بين الزوجين، أي: فإذا اضطر الحاكم إلى أن يفرض النفقة بالقيمة؛ ليرفع الشقاق والنزاع بينهما فلا بأس؛ لأنه لو فرض النفقة خبزاً، وتمراً، ولحماً، وما أشبه ذلك، فإنه يستمر الشقاق؛ لأنه قد يأتيها بخبز من أحسن الخبز، وتقول: هذا لا أريده، هذا مخبوز منذ يومين، مع أنه لم يخبز إلاّ تلك الساعة، أو يأتيها بالتمر فتقول: أنا لا أريد تمراً مبرداً، أو يأتيها باللحم فتقول: لا أريد هذا اللحم، أنا لا آكل لحم الجمل، أريد لحم

стр. 5698

غنم، أو لحم دجاج، فهنا إذا اضطر الناس إلى أن يفرض الحاكم النفقة من الدراهم فما قاله صاحب الفروع ﵀ متوجِّه؛ لأن فيه فضّاً للنزاع والشقاق، ولهذا قال في «الروض»: «ولا يملك الحاكم فرض غير الواجب ـ كدراهم ـ إلاّ بتراضيهما» (١). قوله: «فإن اتفقا عليه» أي: على أخذ القيمة. قوله: «أو على تأخيرها أو تعجيلها مدة طويلة أو قليلة جاز» لأن الحق لا يعدوهما، فإذا رضيت بما تشاء ووافق فلا حرج، فلو اتفقا على أن يسلمها كل يوم عشرة ريالات بدلاً عن النفقة جاز، أو اتفقا على أنه يسلمها في أول كل شهر ثلاثمائة ريال، أو يسلمها آخر كل شهر ثلاثمائة ريال فإنه جائز ولو أسقطت النفقة عنه جاز؛ لأن الحق لها. قوله: «ولها الكسوة كل عام مرة في أوله» أي: أول العام، فإذا دخلت السنة كساها، لكن ما المراد بأول العام هل هو شهر محرَّم؛ لأنه أول شهر في السنة، أو المراد أولُ عامٍ حصل فيه الزواج ووجوب النفقة؟ الظاهر أن المراد الأخير، لكن لو كان المراد الأول، وقد عقد عليها في نصف السنة فيعطيها في نصف السنة نصف الكسوة، فإذا جاء شهر محرَّم أعطاها كسوة كاملة للعام المقبل، لكن الصحيح الذي يظهر أننا نعتبر العام من حين العقد، كما أننا نعتبر عقد الأجرة فيما لو استأجر إنسانٌ بيتاً لمدة سنة فتبتدئ من العقد، سواء في نصف العام الهجري أو آخره.

стр. 5699

وقوله: «الكسوة» ماذا يعطيها من الكسوة؟ إذا كنَّا في الصيف فيعطيها كسوة الصيف والشتاء، وإذا كنَّا في الشتاء يعطيها كسوة الشتاء والصيف جميعاً، ولها أن تلزمه بهذا، بمعنى أننا لو كنَّا في الصيف فقالت: أنا أريد ثلاثة أثواب للصيف، وعشرة أثواب للشتاء، وأريدها الآن، فإن لها أن تلزمه بذلك. مسألة: لو دخل عام جديد وكسوتها للعام الماضي باقية، فهل تُلزِمه بكسوة جديدة؟ المذهب أنها تُلزِمه؛ لأن المؤلف يقول: «ولها الكسوة في كل عام مرة في أوله» ولم يقل: لها الكسوة إن صارت الأولى خلِقَة ولا تصلح للاستعمال، بل وأبلغ من ذلك يقول الأصحاب ﵏: إن الغطاء والفراش وما أشبه ذلك يجدد لها كل سنة مع الكسوة. ولكن هذا قول ضعيف، والصواب أن نرجع في ذلك إلى ما دل عليه الكتاب والسنة، وهو الإنفاق بالمعروف، وليس هذا من المعروف، فليس من المعروف أن يأتي الإنسان لزوجته بالثياب مع صلاحية الثياب الأولى للاستعمال، والعادة والعرف أنه كلما صارت الثياب لا تصلح للاستعمال جدَّدها الزوج؛ ولهذا لو أن هذه الثياب احترقت قبل أن تتم السنة فعلى المذهب لا يلزم الزوج بشراء كسوة جديدة إلاّ في بداية العام، وعلى القول الراجح يلزمه، اللهم إلاّ إذا كانت الزوجة قد تعدَّت أو فرَّطت، فقد نقول: لا يلزمه، أو كانت امرأة كلَّما ظهرت أثواب جديدة قالت لزوجها: أريد منها فهنا لا يلزمه.

стр. 5700

فالصحيح أن المرجع إلى العرف، وأنه متى كانت المرأة محتاجة إلى الكسوة أو النفقة تبذل لها. إن استغنت بكسوة قديمة أو بغيرها، كأن يكون لها أقارب وأصحاب أعطَوْها كسوة ودخل العام وعندها هذه الكسوة، فلا يلزم الزوج بشراء كسوة جديدة، إلاّ إذا قالت: أنا أريد بيع ما جاءني من الهدايا، وأطالبك بكسوة جديدة، فلها ذلك. قوله: «وَإذا غاب ولم ينفق لزمته نفقة ما مضى» مثاله: رجل قال لزوجته: سأسافر لمدة شهر واحد، وأعطاها نفقة شهر، لكنه بقي في سفره شهرين أو ثلاثة، ثم رجع فلا تسقط النفقة بمضي الزمان، بل يلزمه نفقة ما مضى، فإذا أنفقت على نفسها فإنها ترجع على زوجها بما أنفقت؛ لأنه مطالب بالنفقة، إلاّ إذا أنفقت على نفسها تبرعاً، وقالت: أنا أسامحه فيما مضى، فهو حق لها، ولها أن تسقطه. وهذا بخلاف نفقة الأقارب، فإنه لو غاب عن قريبه ولم ينفق لم يلزمه نفقة ما مضى، وفرقوا بينهما بأن نفقة الأقارب لدفع الحاجة، ونفقة الزوجة من باب المعاوضة، والمعاوضة لا تسقط بمضي الزمان، بخلاف ما كان لدفع الحاجة، فهذا القريب اندفعت حاجته وانتهى. قوله: «وإن أنفقت في غيبته من ماله فبان ميتاً غرَّمها الوارث ما أنفقته بعد موته» مثاله: رجل غاب عن زوجته وتوفي، ولم

стр. 5701

تعلم الزوجة بوفاته، وبقيت بعد موته تنفق من المال، فللوارث أن يضمنها كل ما أنفقته بعد موته. فإذا قالت: أنا لا أدري، والأصل بقاء حياته، قلنا: هذا صحيح، ولكنه لا يوجب سقوط الضمان عنك، وإنما يوجب سقوط الإثم من الإنفاق من مال الورثة بدون إذنهم؛ لأنك لا تعلمين، ولأن هذا حق آدمي، وحقوق الآدميين لا فرق فيها بين الجاهل والعالم إلاّ في الإثم فقط، وأما في الضمان فإنها تضمن.

стр. 5702

فَصْلٌ وَمَنْ تَسَلَّمَ زَوْجَتَهُ، أَوْ بَذَلَتْ نَفْسَهَا، وَمِثْلُهَا يُوطأُ وَجَبَتْ نَفَقَتُهَا، وَلَوْ مَعَ صِغَرِ زَوْجٍ، وَمَرَضِهِ، وَجَبِّهِ، وَعُنَّتِهِ، وَلَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا حَتَّى تَقْبِضَ صَدَاقَهَا الْحَالَّ، فَإِنْ سَلَّمَتْ نَفْسَهَا طَوْعاً، ثُمَّ أَرَادَتِ الْمَنْعَ لَمْ تَمْلِكْهُ، .......................................... قوله: «ومن تسلم زوجته أو بذلت نفسها ومثلها يوطأ وجبت نفقتها» هذا الفصل أراد به المؤلف ﵀ بيان متى تجب النفقة، هل هو بالخطبة أو بالعقد، أو بالدخول، أو بالتسليم؟ أما الخطبة فلا تجب بها النفقة؛ لأنه لم يتم العقد ولا تكون بها زوجته، وأما العقد فتكون به زوجته، ولكن لا تجب به النفقة؛ لأنه لم يستمتع بها، والنفقة تكون في مقابل الاستمتاع بالزوجة. وأما الدخول فإنه لا عبرة به أيضاً؛ لأنه إذا حصل الدخول المسبوق بالتسليم والتمكين فإن العبرة تكون بالتمكين، فإذا تسلمها، أو بذلت نفسها، وقالت: نحن مستعدون متى شئت، فإنه تجب نفقتها، إلاّ أن المؤلف اشترط شرطاً، وهو أن يكون مثلها يوطأ، والتي مثلها يوطأ، قال العلماء: هي التي تم لها تسع سنوات، فما الدليل؟ الحقيقة أنه لا دليل على هذا، لكن العادة تقتضيه، والنبي ﷺ تزوج عائشة ﵂ وهي بنت ست سنين وبنى بها وهي بنت تسع سنين (١)، لكن هذا لا يقتضي تحديد المدة بالتسع، إلاّ أن الغالب أن بنت التسع تتحمل الجماع فلهذا علقوها بالتسع. وقال بعض أهل العلم: التي يوطأ مثلها هي من تتحمل

стр. 5703

الجماع، سواء كان عمرها تسع سنين أو عشراً أو إحدى عشرة؛ لأن النساء يختلفن، فبعض النساء يمكن في ثمان سنوات أن تتحمل الرجل، وبعضهن في عشر سنوات، أو إحدى عشرة سنة، ولا تتحمل الرجل، وعلى هذا فيكون التحديد بالتسع بناءً على الغالب. ونظير ذلك من بعض الوجوه أن كثيراً من أهل العلم قيدوا التمييز بتمام سبع سنوات، مع أن بعض الناس قد يميز لأقل من ذلك، وبعض الناس قد لا يميز لأكثر من ذلك، ولكن الغالب أن التمييز يكون لسبع سنين، ومعلوم أن النوادر والشواذ لا تخرم القواعد، فإذا كان الغالب هو تسع سنين فليكن هو المقيد؛ لأنه الأقرب إلى ضبط الناس وعدم النزاع، فإذا تسلمها ولها تسع سنوات وجب عليه الإنفاق عليها؛ لأنه إذا تسلمها فقد تمكن من الاستمتاع منها غاية التمتع. وقوله: «أو بذلت نفسها» يعني قالت: لا مانع لدينا من الدخول، ولكن الزوج قال: أنا لا أريدها الآن، عندي اختبارات لمدة شهر، وسآخذها بعد هذا الشهر، فمدة هذا الشهر تجب فيه النفقة على الزوج؛ لأن الامتناع من قِبله. قوله: «ولو مع صغر زوج» مثاله: إنسان عمره سبع سنين ـ ومثله لا يطأ ـ تزوج ابنة عشر سنين، فإذا تسلَّمها وجب عليه نفقتها؛ لأن المانع من الاستمتاع من قبل الزوج، أما الزوجة فليس فيها موانع، وهي محل للاستمتاع فلما كان المانع من قِبله أوجبنا عليه النفقة.

стр. 5704

قوله: «ومرضه» أي: بعد أن عقد عليها مرض، ولم يعد في نفسه شيء من أمر الزواج، فإنه تجب عليه النفقة؛ لأن الامتناع من قِبَله. قوله: «وجبِّه» الجب هو قطع الذكر، فإذا كان مقطوع الذكر وجبت عليه النفقة؛ لأن الامتناع من قبله. قوله: «وعنته» والعُنَّة هي عدم القدرة على الجماع، فلا ينتصب ذكره، فتجب عليه النفقة؛ لأن الامتناع من قِبل الزوج. فإذا كانت هي صغيرة لا يوطأ مثلها فلا تجب عليه النفقة؛ لعدم تمكنه من الاستمتاع، ولكننا إذا نظرنا إلى ظاهر الكتاب والسنة وقلنا: إن هذه زوجة، فالقرآن والسنة ليس فيهما تقييد بأنه يوطأ مثلها، نعم المهر قال فيه الرسول ﷺ : «لها المهر بما استحل من فرجها» (١). ثم إن هذا الزوج الذي عقد على هذه الصغيرة دخل على بصيرة، ويعرف أنه لن يستمتع بها، لكنه يريد أن يحجزها حتى لا تتزوج غيره، وهذا كله مبني على أنه يصح تزويج الصغيرة وقد سبق الخلاف في هذه المسألة، لكن على تقدير صحة تزويج الصغيرة في بعض الصور، فإن ظاهر الكتاب والسنة يدل على أنه يجب الإنفاق عليها؛ لأنه دخل على بصيرة وهي زوجة، وموجِب الإنفاق قائم وهو النكاح، إلاّ أن يمنع من ذلك إجماع من أهل العلم، فإن الإجماع يمنع ويخصص العموم.

стр. 5705

قوله: «ولها منع نفسها حتى تقبض صداقها الحالَّ» أي: لها منع نفسها من التسليم حتى تقبض صداقها الحال، أي: غير المؤجل. مثاله: رجل تزوج امرأة على مهر قدره عشرة آلاف ريال، ثم طلب الدخول، فقالت: لا دخول حتى تسلم المهر، فلها ذلك ولا تسقط نفقتها؛ لأن المانع من قبل الزوج؛ إذ لو شاء لأعطاها المهر ودخل. وقوله: «الحال» فإذا كان المهر مؤجلاً ولم يحل فليس لها منع نفسها، وهذا ظاهر؛ لأنها دخلت على أن هذا المهر مؤجل. وتأجيل المهر جائز؛ لأن جميع الحقوق التي للبشر لهم الحق فيها ما لم يمنع منها مانع، كما جاء في الحديث الصحيح الذي صححه كثير من الأئمة: «المسلمون على شروطهم، إلا شرطاً أحلَّ حراماً أو حرَّم حلالاً» (١). قوله: «فإن سلَّمت نفسها طوعاً ثم أرادت المنع لم تملكه» لأن تسليمها نفسها إسقاط لحقها، وإذا كان كذلك فلا يمكن أن تعود وتطالب بحقها. وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين أن يخدعها في ذلك أو لا؛ لأنه قد يخدعها ويقول: أنا سآتي بالمهر ـ إن شاء الله ـ بعد العصر، وبعض النساء قد تغتر بهذا، وتثق بوعده، فتمكنه من

стр. 5706

نفسها، فظاهر كلام المؤلف أنها إذا مكنته ـ حتى لو خدعها ـ أنه لا حق لها، ولكن الصحيح أنه إذا خدعها فلها الحق، وهل الوعد يعتبر خديعة أو يعتبر تساهلاً منها؟ الخديعة المحققة هي أن يقول: أهلاً وسهلاً سأعطيك المهر، ثم يأخذ أوراقاً ويجعلها في ظرف ويعطيه إياها على أنها الفلوس، أو يكتب لها شيكاً على البنك وليس له رصيد، فهذه خديعة واضحة، أما كون وعده إياها يعتبر خديعة فهو عندي محل تردد، لكن النساء يختلفْن، فبعض النساء تكون سليمة القلب جداً جداً، بحيث تتصور كل الأشياء على حقيقة وصدق، فهذه قد نقول: إنها تمكَّن من المنع إذا لم يسلِّمها. وسبق لنا في باب الشروط في النكاح أنها لو شرطت ألاّ يسافر بها ثم خدعها فسافر بها، ثم طالبت بالحق فلها ذلك، لكن الكلام على هل مجرد الوعد إذا أخلفه يعتبر خديعة أو لا؟ هذا هو مناط الحكم، فإن قلنا: إنه خديعة، فإن لها أن ترجع لحقها الأول، وإن قلنا: ليس بخديعة، ولكن هي فرطت، وكان عليها أن تقول: لا يمكن أن أقبل إلاّ إذا أعطيتني حقي، فليس لها ذلك. وَإِذَا أَعْسَرَ بِنَفَقَةِ الْقُوتِ، أَوِ الْكِسْوَةِ، أَوْ بِبَعْضِهَا، أَوِ المَسْكَنِ، فَلَهَا فَسْخُ النِّكَاحِ، فَإِنْ غَابَ وَلَمْ يَدَعْ لَهَا نَفَقَةً، وَتَعَذَّرَ أَخْذُهَا مِنْ مَالِهِ، وَاسْتِدَانَتُهَا عَلَيْهِ، فَلَهَا الفَسْخُ بِإِذْنِ الحَاكِمِ. قوله: «وإذا أعسر بنفقة القوت، أو الكسوة، أو ببعضها، أو المسكن فلها فسخ النكاح» «إذا أعسر» أي: الزوج، فلها الفسخ، وظاهر قول المؤلف: «إذا أعسر» أي: بعد الإنكاح؛ لأنه لم يقل: «وإن كان معسراً»، فظاهره أنه إذا كان موسراً ثم أعسر فإن

стр. 5707

لها أن تفسخ النكاح، قالوا: لأن نفقتها معاوضة لاستمتاعه بها وبقائها عنده، فإذا تعذر العوض فلها أن تمنع المُعوض. مثال ذلك: رجل تزوج امرأة وهو غني، ثم أصيب بجوائح في ماله وافتقر، فللزوجة أن تفسخ النكاح، وتقول: أطعمني أو طلقني. هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، أن لها الفسخ مطلقاً، سواء تزوجته وهو معسر عالمة بإعساره، أو تزوجته وهو معسر جاهلة بإعساره، أو تزوجته وهو موسر ثم أعسر، فالأحوال ثلاثة: الحال الأولى: أن يكون معسراً ولم تعلم بإعساره، فالقول بأن لها فسخ النكاح قول قوي؛ لأنه غرَّها وخدعها وكان عليه حين تزوجها وهو معسر أن يبين لها؛ لتدخل على بصيرة، وهذا أمر واضح، وعلته واضحة، وإذا كان الرسول ﷺ تبرأ ممن غش (١)، فهذا من أغش الغش. الحال الثانية: إذا تزوجها وهو معسر عالمة بعسرته، فلها أن تطالب بالنفقة على المذهب، وتقول: إما أن تطلق وإما أن تنفق؛ وعلة ذلك أن نفقتها تتجدد كل يوم، فإذا أسقطت نفقة غدٍ لم تسقط؛ لأنها لم تملكها بعد، وإسقاط الشيء قبل وجوبه لا عبرة به. الحال الثالثة: تزوجته وهو موسر ثم افتقر بأمر الله لا بيده،

стр. 5708

فلها المطالبة بالنفقة للعلة السابقة، وهي أن الإنفاق عليها في مقابلة الاستمتاع، فإذا تعذر فلها أن تطالب بالفسخ، وهذا هو المشهور من المذهب. واختار ابن القيم ﵀ أنه لا فسخ لها إلاّ في الصورة الأولى، وهي إذا تزوجها معسراً جاهلة بإعساره، وقال: إنها في الصورة الثانية قد دخلت على بصيرة، فهي كما لو تزوجته وبه عيب من بخر، أو برص، أو غير ذلك من العيوب، فإنها لا تملك الفسخ بعد ذلك؛ لأنها رضيت به، وهي هنا رضيت به معيباً بالفقر، فلا تملك الفسخ. وأما إذا كان غنياً ثم افتقر فإنه أيضاً لم يحصل منه جناية ولا عدوان، والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]، وهذا لم يؤتَ شيئاً فلا يكلفه الله. فتعاليل ابن القيم ﵀ قوية جداً، لكن الذين قالوا: إن لها الفسخ استدلوا بآثار، منها ما في الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول»، قال أبو هريرة: المرأة تقول: أنفق عليّ، أطعمني أو طلقني، فقيل لأبي هريرة: سمعت ذلك من النبي ﷺ ؟ قال: لا، قالها أبو هريرة من كيسه (١)، أي: استنبطها من الحديث، قالوا: وهذا قول صحابي، وأيضاً نحن لا

стр. 5709

نكلفه ما لا يستطيع، لكن أيضاً لا نبقي هذه المرأة مع الضرر عليها؛ لأنها محبوسة على زوجها وليس لها ما تقيت به نفسها، ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى قول جيد يجمع بين الحقوق، فقال: ليس لها الفسخ في الحالة الثالثة؛ لأن هذا ليس باختياره، وفي الحال الثانية ليس لها الفسخ؛ لأنها دخلت على بصيرة، ولكن لا يمنعها من التكسب؛ لأنه إذا كان ينفق عليها له الحق أن يمنعها من التكسب، فإذا كان لا ينفق فليرخص لها في التكسب، وهذا قولٌ قوي، وإليه ذهب أبو حنيفة ﵀. وابن القيم ﵀ استدل بأن كثيراً من الصحابة ﵃ يفتقرون ولم يحدث أن أحداً منهم فُسخت زوجته منه، ولكن زميله صاحب «الفروع» قال بعد نقله لكلامه: كذا قال، والعالم إذا نقل كلام أحد من أهل العلم، ثم قال: كذا قال فمعناه أنه لم يرتضه، ووجه عدم ارتضاء صاحب «الفروع» لكلام ابن القيم أنه قد يقال: إن الصحابة ﵃ ما عجزوا عجزاً مطلقاً، بحيث لا يتمكنون من بعض القوت، أو يقال: جواب آخر، من قال: إن الصحابيات الزوجات لم يطالبن بالفسخ؟! ونحن نقول: تملك الفسخ، ولا يجب عليها الفسخ، وبينهما فرق، فيجوز أن نساء الصحابة ﵅ اقتنعن بما حصل، ولم يطالبن بالفسخ. وعلى كل حال فالقول الذي أطمئن إليه أنها لا تملك الفسخ، لكن لا يملك منعها من التكسب، وهذا في غير الصورة الأولى وهي ما إذا تزوجته ولم تعلم بإعساره.

стр. 5710

وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا أعسر الزوج بالنفقة وجب عليها هي ـ أي: الزوجة ـ أن تنفق عليه إذا كان عندها مال، واستدل بعموم قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، والزوجة وارثة، فيجب عليها أن تنفق. ولكن هذا قول ضعيف، وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ﴾، أي: على الوارث مثل ذلك للمرضع. وقوله: «أو مسكن» المراد إذا أعسر عن المسكن مُلكاً أو استئجاراً، فإذا استأجر لها بيتاً فليس لها حق المطالبة ببيت ملك. وقوله: «فلها الفسخ» أي: بإذن الحاكم، ولا بد أن يحكم القاضي بذلك. وسبق لنا أن شيخ الإسلام ﵀ يقول: كل فسخ يتوقف على الحاكم فإنما ذلك عند النزاع، فلو رضيا بالفسخ فيما بينهما فلهما ذلك، وهذا هو الصحيح. قوله: «فإن غاب ولم يدع لها نفقة، وتعذر أخذها من ماله واستدانتها عليه فلها الفسخ بإذن الحاكم» صورة المسألة رجل موسر غاب عن البلد، أو تغيّب في البلد ولا يُدرَى مكانه، ولم يترك لزوجته نفقة، وليس له مال يمكن أن تأخذ منه، ولا يمكن أن تستدين على ذمته، فإن لها الفسخ؛ لأن هذا وإن كان موسراً فهو بمنزلة المعسر؛ لتعذر الإنفاق، بل إنه أشد من المعسر؛ لأن المعسر ليس له حول ولا قوة، وهذا له حول وقوة، فيمكن أن يجعل لها نفقة، أو يوكل من يعطيها النفقة، وما أشبه ذلك.
следующие страницы →