← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 10649

الشرح الممتع على زاد المستقنع

ابن عثيمين

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.

стр. 5741

فمثلاً هذا العبد الذي اكتسب خمسة ريالات في آخر النهار، وقال السيد: أعطنيها، هي لي، فرفض المملوك، فالمذهب أن المملوك لا يملك ذلك، وأن للسيد أخذها. والقول الصحيح أنه يملك ذلك، وأن ما كسبه زائداً على القدر المتفق عليه فهو له، ولا يرد على ذلك أن العبد لا يملك؛ لأن ملكه لسيده، فإذا وافق سيده على أن يكون ما ملكه له فإن الحق له وقد أسقطه، لكن لو شاء السيد فيما بعد وأبطل المخارجة فهل يجوز؟ نعم؛ لأنها عقد جائز، وليست عقداً لازماً والعبد مملوك. قوله: «ويريحه وقت القائلة» القائلة التي تكون في منتصف النهار قبل الظهر، ولكن الظاهر أن مرادهم في الأيام الطويلة دون أيام الشتاء؛ لأن أيام الشتاء قصيرة، والراحة قد حصلت بنوم الليل، ثم ليس هناك تعب ولا مشقة، لكن في أيام الصيف تكون الحاجة ماسة إلى إراحته في وقت القائلة حتى وإن لم يشق عليه، فمثلاً لو كان يتمكن من الشغل في وقت القائلة بدون أن يشق عليه كثيراً فإنه يجب أن يريحه. قوله: «والنوم» هل المراد نوم الليل أو النهار وقد قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [الروم: ٢٣]؟ لكن سبق أن عماد النوم الليل بلا شك، فيريحه وقت النوم. قوله: «والصلاة» أي: يريحه أيضاً وقت الصلاة، أي: المفروضة؛ لأن التطوع الحق للسيد، فإن قال: أنا سأصلي التراويح ـ قيام رمضان ـ فللسيد منعه وأمره بأن يشتغل.

стр. 5742

قوله: «ويركبه في السفر عقبة» الناس فيما مضى مراكبهم إبل، وحمير، وبغال، وخيل، وهذه الأشياء المركوبة قد لا تحتمل أن يركبها اثنان، فيجب عليه أن يركبه عقبة، والعُقبة أن يتعاقب معه فيركب السيد قليلاً، والعبد قليلاً. وظاهر كلام المؤلف سواء كان ذلك يشق على الرقيق أو لا يشق، ولكننا إذا نظرنا إلى الحديث السابق: «ولا يكلفه من العمل ما لا يطيق» (١)، قلنا: إذا كان هذا الرقيق نشيطاً لا يهمه أن يمشي فإنه لا يلزمه أن يعقبه، ولكنه على سبيل الأفضل والتواضع. قوله: «وإن طلب نكاحاً زوَّجه أو باعه» إذا طلب العبد نكاحاً وجب عليه أن يزوجه؛ لأن تزويجه من الإنفاق، أو يبيعه على من يغلب على ظنه أنه يزوجه، أما أن يبيعه على شخص لا يزوجه أو قد يكون أقسى من صاحبه الأول، فهذا لا فائدة في بيعه. قوله: «وإن طلبته أمة وطئها أو زوَّجها أو باعها» إذا طلبت الأمة الزواج فإنه يتخلص من الواجب عليه في إعفافها بواحد من أمور ثلاثة: إما بأن يطأها، أو يزوجها، أو يبيعها. وقوله: «أو باعها» ليس على إطلاقه، بل لا بد أن يبيعها على من يمكنه أن يعفها إما بوطئها أو بكونه صاحب تقوى، فعلم أنه إذا لم يقدر على وطئها فإنه لن يتركها هملاً، أما أن يبيعها على من لا يقوم بالواجب فهذا لا يجوز؛ لأنه لا فرق بين أن تبقى عنده مهجورة، أو تباع على رجل يهجرها.

стр. 5743

فَصْلٌ هذا الفصل في نفقة البهائم، والبهائم جمع بهيمة، وهي تقال مطلقة ومقيدة، فيقال: بهائم، ويقال: بهيمة الأنعام، فإذا قيدت ببهيمة الأنعام فتكون من الأصناف الأربعة التي ذكرها الله في سورة الأنعام، فقال سبحانه: ﴿وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ *ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٢، ١٤٣] الآية، ثم قال سبحانه: ﴿وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، فبهيمة الأنعام عند الإضافة يراد به هذه الأصناف الأربعة. وأما إذا أطلقت الأنعام فالمراد بها كل الدواب، وسميت بذلك من البُهم؛ لأن هذه البهائم لا تستطيع أن تعبِّر عما في نفسها، فإذا جاعت أو عطشت لا تتكلم، وتقول: أريد ماءً أو علفاً، بل غاية ما عندها أن تمد صوتها، لكن هل لها لغة معروفة فيما بينها؟ نعم، كل البهائم ـ بإذن الله ـ لها لغة معروفة فيما بينها من جنسها، ولهذا قال داود وسليمان ﵉: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل: ١٦]، وسبب وجوب النفقة على البهائم هو الملك. وَعَلَيْهِ عَلَفُ بَهَائِمِهِ، وَسَقْيُهَا، وَمَا يُصْلِحُهَا، وَأَنْ لَا يُحَمِّلَهَا مَا تَعْجَزُ عَنْهُ وَلَا يَحْلِبُ مِنْ لَبَنِهَا مَا يضُرُّ وَلَدَهَا، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ نَفَقَتِهَا أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهَا، أَوْ إِجَارَتِهَا، أَوْ ذَبْحِهَا، إِنْ أُكِلَتْ. قوله: «وعليه علف بهائمه، وسقيها، وما يصلحها» أي: يجب عليه العلف والسقي وما يصلحها، ودليله قوله ﷺ : «كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت» (١)، وأخبر ﷺ : «أن امرأة دخلت النار

стр. 5744

في هرة حبستها حتى ماتت، لا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض» (١). وقوله: «وما يصلحها» أي: ما يقيها الضرر، فيلزمه أن يجعلها تحت سقف يقيها من الحر أو البرد، إذا كانت تتأثر بالحر أو البرد، فإذا كانت لا تتأثر فإنه لا يلزمه. وقوله: «ما يصلحها» يشمل أيضاً ما إذا كان فيها جرح أو شيء يؤلمها، ويمكنه أن يعالجها فإنه يلزمه، ومن ثم احتاج الناس إلى البياطرة؛ لأنه لا يمكن أن يدعها تتألم وهو يمكن أن يزيل ألمها، فإن حاجتها إلى إزالة ما يؤلمها قد تكون أشد من حاجتها إلى الأكل والشرب. قوله: «وأن لا يحملها ما تعجز عنه» أي: وعليه أيضاً ألاَّ يحملها ما تعجز عنه؛ لأنه إذا حملها ما تعجز عنه شق عليها ذلك، ولكن كيف نعلم أن ذلك يشق عليها أو تعجز عنه؟ نعلم ذلك من حال البهيمة، فالضأن لا يمكن أن يحمل ما تحمله البقرة، والبقر لا يحمل ما تحمله الإبل، والضعيف منها لا يحمل ما يحمله القوي، وهذا شيء يعرف بظاهر الحال، فيجب عليه أن يرحمها. وقوله: «ما تعجز عنه» لم يقل: «وألا يحملها ما لم تجرِ العادة بتحميلها إياه»، وعلى هذا فيجوز أن يحمّلها ما لم تجر العادة تحميلها إياه، مثل أن يستعمل البقر في الحمل، ويستعمل الإبل في الحرث، والمعز في ركوب الأطفال، فهذا لا بأس به إذا لم يشق عليها.

стр. 5745

فإن قلت: كيف تقول ذلك، وقد ثبت عنه ﷺ : «أن رجلاً كان يسوق بقرة وهو راكبها، فالتفتت إليه وقالت: إنا لم نخلق لهذا» (١)؟ فإن هذا يدل على أنه لا يجوز أن تستعمل فيما لم تجرِ العادة به. والجواب أن يقال: إن قوله تعالى: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ *﴾ [النحل]، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾، فهذا كله يدل على أنه يجوز لنا أن ننتفع بها بجميع وجوه الانتفاع، ويُحمل ما جاء في هذا الحديث على أن هذه البقرة قد شق عليها الركوب فلما شق عليها وليس من العادة قالت ذلك. وقال بعض العلماء: إنه لا تستعمل هذه البهائم إلاّ فيما خلقت له، فيما جرت العادة باستعمالها فيه. مسألة: هل يجوز أن نجري تجارب على هذه الحيوانات في عقاقير أو غيرها من الأدوية؟ نعم؛ لأنها خلقت لنا، فإذا كان هذا من مصلحتنا، ونحن لم نقصد التعذيب، فإنه لا بأس به، ولهذا فنحن نعذبها أكبر تعذيب، وذلك بذبحها لنأكلها، ومصلحة الأمة بمعرفة ما ينتج عن هذه العقاقير وما أشبه ذلك أكثر من مصلحة الأكل، ولكن يجب في هذه الحال أن يستعمل أقرب وسيلة لإراحتها. قوله: «ولا يحلب من لبنها ما يضر ولدها» معنى «يضر» أي: ينقص تغذيته حتى لا يتغذى. وقوله: «ولا يحلب» هذه جملة تحتمل الكراهة وتحتمل

стр. 5746

التحريم، ولكن إذا نظرنا إلى المعنى قلنا: إنها على سبيل التحريم، لقوله ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» (١)، ولحديث المرأة التي عذبت في هِرَّة، لا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض (٢)، ومن الأفضل ما يفعله كثير من الناس، أن يبدأ أولاً بإرضاع الولد، ثم يأخذ اللبن حتى يجعل لنفسه ما فضل عن حاجة ولدها. قوله: «فإن عجز عن نفقتها أجبر على بيعها أو إجارتها أو ذبحها إن أكلت» أي: لكونه فقيراً عجز عن نفقتها، فإنه لا يمكن أن نبقي هذه البهيمة عنده تتعذب، بل يجبر على أحد هذه الأمور، والذي يتولى إجباره هو الحاكم أو القاضي، وفي عُرْفِنا الآن القاضي لا يملك إلاّ إصدار الحكم، والذي يلزم به الأمين. وقوله: «على بيعها» بشرط أن يبيعها على شخص، يغلب على ظنه أنه يقوم بالواجب من النفقة، أما إذا باعها على شخص أفقر منه فإن الأمر لا يزول بهذا البيع، أو باعها على شخص معروف بإيذاء البهائم وعدم الإنفاق عليها، فإن هذا البيع لا فائدة منه. وقوله: «أو إجارتها» لأن الأجير ربما ينفق عليها، أما إذا قال الأجير: لا نفقة عليَّ، وسأعطيك الأجرة، وهذا يأخذ الأجرة ولا ينفق، فإن الإجارة لا فائدة منها، وعلى هذا فإن القاضي يتدخل، ويخصم من الأجرة مقدار ما يحصل به الواجب. وقوله: «أو ذبحها إن أكلت» يعني إذا كان يمكن أكلها فإنه

стр. 5747

يذبحها وجوباً، فلا يقتلها قتلاً؛ لأنه إذا قتلها لم ينتفع بها، فإذا ذبحها ذبحاً شرعياً انتُفع بها، ومعلوم أنه إذا أمكن الحفاظ على ماليتها فإنه واجب. مسألة: إذا أصاب البهيمة عيب لا يمكن زواله، ولا يمكن الانتفاع بها، فهل نقول: إنه يبقيها ونجبره على أن ينفق عليها ويضيع هذا المال بدون فائدة، أو نقول في هذه الحال: يجوز أن يتلفها؛ لأنه إذا جاز إتلافها لأكلها وهو من الكماليات في الغالب، فإتلافها لدفع ضرر الإنفاق عليها من باب أولى، ونحن إذا أبقيناها ونحن ننفق عليها فهو إضاعة للمال؟ مثل لو أحييت هذه الناقة بكسور في قوائمها الأربعة، فهل يمكن أن تجبر؟ الغالب أنه لا يمكن. فنقول في هذه الحال: يذبحها وجوباً إذا كان سيضيع ماله، وهي ستؤكل فلن تضيع ماليتها، فإن كان لا ينتفع بها لكونها مريضة أو هزيلة فإنه يذبحها ويرميها، وتسييب البهائم عند اليأس من الانتفاع بها جائز، كما في حديث جابر حين أعيى جمله فأراد أن يسيِّبه ويدعه (١)، فإذا قدِّر أن حماراً انكسر، وهم يقولون: إن كسر الحمار لا يجبر، فهنا له أن يقتله، ولكن بأسهل طريقة تريح الحمار، وأسهل شيء كما يقول محمد رشيد رضا ﵀ هو الصعق الكهربي.

стр. 5748

بَابُ الحَضَانَةِ تَجِبُ لِحِفْظِ صَغِيرٍ، وَمَعْتُوهٍ، وَمَجْنُونٍ، وَالأَحَقُّ بِهَا أُمٌّ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا الْقُرْبَى فَالْقُرْبَى، ثُمَّ أَبٌ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ كَذلِكَ، ثُمَّ جَدٌّ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ كَذلِكَ، ................ قوله: «الحضانة» مأخوذة من الحضن، وهو ما بين اليدين من الصدر، وإنما سميت حضانة لأن الحاضن احتضن المحضون، وضمه إليه، ليقوم بما يجب. وهي شرعاً: حفظ الطفل ونحوه عما يضره، والقيام بمصالحه. قوله: «تجب لحفظ صغير» فحكم الحضانة أنها واجبة، والصغير هنا هو من لم يبلغ. قوله: «ومعتوه» وهو مختل العقل اختلالاً لا يصل إلى حد الجنون. قوله: «ومجنون» وهو مسلوب العقل بالكلية. فالمعتوه في درجة بين العاقل والمجنون، فالحضانة تجب لهؤلاء الثلاثة، وإنما تجب لأن النبي ﷺ أمرنا بأمر أبنائنا بالصلاة لسبع سنين، وضربهم عليها لعشر (١)، وما ذلك إلا لتقويمهم، وإصلاحهم، وتعويدهم على طاعة الله، وإذا كنا مأمورين بذلك فإنا مأمورون بما لا يتم إلا به، والقاعدة

стр. 5749

المعروفة: «أن ما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب»، ولأن تركهم إضاعة لهم، وإلقاء بهم إلى التهلكة، وإذا كان يجب على الإنسان أن يحفظ ماله فوجوب حفظ أولاده من باب أولى. قوله: «والأحق بها أم» لقوله ﷺ للأم التي نازعت زوجها في حضانة ولدها: «أنت أحق به ما لم تنكحي» (١)، فهذا دليل على أن الأم أحق من الأب. قوله: «ثم أمهاتها القربى فالقربى» فأمهات الأم مقدمات على الأب، وعلى أمهات الأب، فلو تنازعت جدة لأم مع الأب في حضانة الولد فإن هذه الجدة تقدم على الأب؛ لأنها مدلية بالأم، والأم أحق من الأب، فصارت هي أحق من الأب أيضاً، وإن كانت من حيث الدرجة أبعد. قوله: «ثم أب» فإن لم يكن هناك أم، ولا أمهات للأم، انتقلت الحضانة إلى الأب، لقوله ﷺ : «أنتِ أحق به» أي: منه، فيدل على أن درجته بعدها، ولأن الأب هو أصل النسب فكان أولى من غيره. قوله: «ثم أمهاته كذلك» يعني القربى فالقربى، فإذا اجتمع عندنا أم أب، وأم أم أم، فتقدم أم أم الأم؛ لأنها أدلت بالأم.

стр. 5750

مثال آخر: أم الأب وأم أم الأب فالأَوْلى أم الأب؛ لأنها أقرب. قوله: «ثم جد ثم أمهاته كذلك» هذا كسابقه. ثُمَّ أُخْتٌ لأَبَوَيْنِ ثُمَّ لأَمٍّ، ثُمَّ لأَبٍ، ثُمَّ خَالَةٌ لأَِبَوَيْنِ، ثُمَّ لأُِمٍّ، ثُمَّ لأَِبٍ، ثُمَّ عَمَّاتٌ كَذلِكَ، ثُمَّ خَالَاتُ أُمِّهِ، ثُمَّ خَالَاتُ أَبِيهِ، ثُمَّ عَمَّاتُ أَبِيهِ، ثُمَّ بَنَاتُ إِخْوَتِهِ وَأَخَوَاتِهِ، ثُمَّ بَنَاتُ أَعْمَامِهِ وَعَمَّاتِهِ، ثُمَّ بَنَاتُ أَعْمَامِ أَبِيهِ، وَبَنَاتُ عَمَّاتِ أَبِيهِ، ثُمَّ لِبَاقِي الْعَصَبَةِ، الأَقْرَبَ فَالأَقْرَبَ، فَإِنْ كَانَتْ أُنْثَى فَ مِنْ مَحَارِمِهَا، ثُمَّ لِذَوِي أَرْحَامِهِ، ثُمَّ لِحَاكِمٍ، وَإِنِ اِمْتَنَعَ مَنْ لَهُ الْحَضَانَةُ، ................ قوله: «ثم أخت لأبوين، ثم لأم، ثم لأب» انتقلت الحضانة إلى الحواشي، فتقدم الإناث على الذكور، فإذا كان عندنا أخت لأم وأخت لأب، فتقدم الأخت لأم؛ لأن جهة الأمومة في الحضانة مقدمة على جهة الأبوة؛ لأن الحضانة مبنية على الرقَّة والشفقة والرحمة. قوله: «ثم خالة لأبوين، ثم لأم، ثم لأب، ثم عمات كذلك» الخالة مقدمة على العمة؛ لأن النبي ﷺ قال: «الخالة بمنزلة الأم» (١)، فهذا يدل على أنها تقدم على العمة؛ لأن الأم مقدمة على الأب، فمن كان بمنزلة الأم فهو مقدم على من كان بمنزلة الأب. قوله: «ثم خالات أمه، ثم خالات أبيه، ثم عمات أبيه» أي: دون عمات أمه، فخالات أمه مقدمات على خالات أبيه؛ لأن الأم في باب الحضانة مقدمة على الأب. قوله: «ثم بنات إخوته وأخواته، ثم بنات أعمامه وعماته، ثم

стр. 5751

بنات أعمام أبيه، وبنات عمات أبيه، ثم لباقي العصبة الأقرب فالأقرب» فبنات الأخت مقدمات على الإخوة. وقوله: «ثم لباقي العصبة» والأخوة من العصبة «الأقرب فالأقرب» فيقدم الإخوة ثم بنوهم ثم الأعمام ثم بنوهم وهكذا. قوله: «فإن كانت أنثى فمن محارمها» إذا كانت المحضونة أنثى، وتم لها سبع سنين، فلا بد أن يكون الحاضن لها من محارمها، فإن لم يكن من محارمها فلا حق له في الحضانة، كابن العم وابن الخال وما أشبه ذلك. وهذا الترتيب الذي ذكره المؤلف ليس مبنياً على أصل من الدليل، ولا من التعليل، وفيه شيء من التناقض، والنفس لا تطمئن إليه، ولهذا اختلف العلماء في الترتيب في الحضانة على أقوال متعددة، ولكنها كلها ليس لها أصل يعتمد عليه، لذلك ذهب شيخ الإسلام ﵀: إلى تقديم الأقرب مطلقاً، سواء كان الأب، أو الأم، أو من جهة الأب، أو من جهة الأم، فإن تساويا قدمت الأنثى، فإن كانا ذكرين أو أنثيين فإنه يقرع بينهما في جهة واحدة، وإلاّ تقدم جهة الأبوة، وقد جُمِع هذا الضابط، في بيتين، هما: وقدم الأقرب ثم الأنثى … وإن يكون ذكراً أو أنثى فأقرعن في جهة وقدمِ … أبوة إن لجهات تنتمي (وقدم الأقرب ثم الأنثى) أي: إذا كانا في درجة واحدة تقدم الأنثى (وإن يكون ذكراً أو أنثى) أي يكون الحاضنون كلهم

стр. 5752

ذكوراً أو كلهم إناثاً (فأقرعن في جهة) إن كانا في جهة واحدة فالقرعة، وإن كانا في جهتين (وقدم أبوة إن لجهات تنتمي) هذا الضابط هو الذي رجحه ابن القيم ﵀، وقال: إنه أقرب الضوابط، فعلى هذا أم وجد تقدم الأم؛ لأنها أقرب، أب وجدةٌ (أم أم) فيقدم الأب؛ لأنه أقرب، أم وأب تقدم الأم؛ لأنهما تساويا في القرب فتقدم الأنثى، جد وجدة تقدم الجدة، الخال والخالة تقدم الخالة، وعلى هذا فقس، جدة من جهة الأم وجدة من جهة الأب، فتقدم الجدة من جهة الأب على قاعدة شيخ الإسلام ﵀، خلافاً لما مشى عليه المؤلف. والحضانة هنا حق للحاضن لا حق عليه، وعلى هذا فإذا أراد أن يتخلى عنها لمن دونه جاز له ذلك. قوله: «ثم لذوي أرحامه ثم لحاكم» فإذا لم نجد أحداً من الأقارب انتقلت إلى الحاكم. قوله: «وإن امتنع من له الحضانة» إذا قلنا: إن الحضانة حق للحاضن، كما يفيده قوله: «من له الحضانة» ولم يقل: من عليه، فإذا امتنع فإنها تنتقل إلى من بعده، فإن لم يُرِدْها من بعده انتقلت إلى من بعده، وهكذا إلى أن تصل إلى الحاكم، ولكن ابن القيم ﵀ أبى هذه الصورة، وقال: إنها حق للحاضن وحق عليه، فإن نازعه منازع فيها فهي له، وإن لم ينازعه منازع فهي عليه، فنقول للأول: أنت الذي تلزم بالحضانة إذا لم ينازعك أحد؛ لأننا لو قلنا: إذا امتنعت انتقلت لمن بعدك، وإذا امتنع فلمن بعده، وإذا امتنع فلمن بعده إلى أن تصل إلى الحاكم

стр. 5753

ضاعت حقوقه، وصار تحت الرعاية العامة، والواجب أن يكون تحت الرعاية الخاصة. أَوْ كَانَ غَيْرَ أَهْلٍ انْتَقَلَتْ إِلَى مَنْ بَعْدَهُ، وَلَا حَضَانَةَ لِمَنْ فِيهِ رِقٌّ، وَلَا لِفَاسِقٍ، وَلَا لِكَافِرٍ وَلَا لِمُزَوَّجَةٍ بِأَجْنَبِيٍّ مِنْ مَحْضُونٍ مِنْ حِينِ عَقْدٍ، فَإِنْ زَالَ الْمَانِعُ رَجَعَ إِلى حَقِّهِ، وَإِنْ أَرَادَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ سَفَراً طَوِيلاً إِلَى بَلَدٍ بَعِيدٍ لِيَسْكُنَهُ، وَهُوَ وطَريقُهُ آمِنَانِ فَحَضَانَتُهُ لأَِبِيهِ، وَإِنْ بَعُدَ السَّفَرُ لِحَاجَةٍ، أَ وْ قَرُبَ لَهَا، أَوْ للسُّكْنَى فَلأُِمِّهِ. قوله: «أو كان غير أهل انتقلت إلى من بعده» أي: إذا كان الحاضن غير أهل، والأهل أن يكون مسلماً، عدلاً، مَحْرماً لمن بلغت سبعاً، فإذا لم يكن مسلماً فإنه لا حضانة؛ لأنه لا يمكن أن يتولى تربية المسلم رجل كافر، كذلك إذا كان فاسقاً معروفاً بالفسق والمجون، فإنها تنتقل إلى من بعده، وإذا كان عدلاً، لكنه مهمل، لا يحسن الرعاية والولاية، فإنها تنقل إلى من بعده؛ لأنه غير أهل، وإذا لم يكن مَحرماً لمن بلغت سبعاً فإنه لا حضانة له. قوله: «ولا حضانة لمن فيه رق» الرقيق ليس أهلاً للحضانة، فيشترط في الحاضن أن يكون حراً؛ وعللوا ذلك بأن الرقيق يحتاج إلى ولاية؛ لأنه مملوك فكيف يكون ولياً على غيره؟! ولأنه لو حضن أولاده أو أولاد أخيه أو ما أشبه ذلك لانشغل بالحضانة عن مصالح سيده، ولتضرر سيده بذلك، وإذا كانت المرأة إذا تزوجت سقطت حضانتها لئلا تنشغل عن الزوج، فكذلك الرقيق لا حضانة له. وقال بعض أهل العلم: إن له الحضانة إذا وافق السيد، واستدل لذلك بأن النبي ﷺ «نهى أن يفرق بين الوالدة وولدها» (١)،

стр. 5754

وقال: إن هذا فيه دليل على أن لها الحضانة، ولهذا نهي أن يفرق بينها وبين أولادها، فيبقوا عندها في حجرها وفي رعايتها. قوله: «ولا لفاسق» نأخذ منه اشتراط عدالة الحاضن، فإن كان فاسقاً فلا حضانة له، وظاهر كلام الفقهاء سواء كان الفسق من جهة الاعتقاد، أو الأقوال، أو الأفعال، وفي هذا نظر ظاهر. والصواب أن يقال: إن كان فسقه يؤدي إلى عدم قيامه بالحضانة فإنه يشترط أن يكون عدلاً، وإن كان لا يؤدي إلى ذلك فإنه ليس بشرط، فإذا كان هذا الرجل الذي له حق الحضانة يحلق لحيته، فحلق اللحية فسوق، لكنه على أولاده، أو أولاد أخيه، أو قريبه من أشد الناس حرصاً على رعايتهم، وتربيتهم، فهل نسلب هذا الرجل حقه؟ لا، أما إن كان فسقه يؤدي إلى الإخلال بالحضانة، كما لو كان فسقه من جهة الأخلاق، والآداب، فهذا نشترط أن يكون عدلاً، لكنه شرط على المذهب. قوله: «ولا لكافر» لا حضانة لكافر على مسلم، فإذا كانت الأم كافرة والأب مسلماً وبينهما طفل، وتفارقا، وطلبت الأم أن يكون تحت حضانتها فإننا لا نمكنها من ذلك لأنها كافرة، ويخشى على الطفل من أن تدعوه إلى الكفر، كما قال ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوِّدَانه، أو ينصِّرانه، أو يمجِّسانه» (١)، فالكافر لا حضانة له على مسلم.

стр. 5755

وهل للكافر الحضانة على الكافر؟ نعم، ولهذا لم يكن الناس في عهده ﷺ ولا في عهد من بعده يأخذون أولاد الكفار الصغار، ويقولون: أنتم ليس لكم حضانة عليهم، فالكافر له حضانة على ابنه الكافر، أو بنته الكافرة، ولكن على ابنه المسلم لا. فالشروط هي: الحرية، والعدالة، الإسلام إذا كان المحضون مسلماً، والبلوغ فيشترط أن يكون الحاضن بالغاً، فإذا كان شخص عمره أربع عشرة سنة، وله إخوة صغار، فليس له حق الحضانة؛ لأن غير البالغ يحتاج إلى ولي. الشرط الخامس: أن يكون عاقلاً، فالمجنون لا ولاية له؛ لأنه يحتاج إلى ولاية. الشرط السادس: أن يكون مَحْرَماً لمن بلغت سبعاً. الشرط السابع: أن يكون قادراً على القيام بواجب الحضانة، فإن كان غير قادر، كرجل عاجز ليس له شخصية، ولا يمكن أن يربي أحداً، فإنه لا يصح كونه حاضناً. الشرط الثامن: أن يكون قائماً بواجب الحضانة؛ لأن بعض الناس عنده القدرة على الحضانة، لكنه مهمل لا يبالي، سواء صلح هذا المحضون أم لم يصلح. قوله: «ولا لمزوجة بأجنبي من محضون» أي: لا حضانة لمزوجة بأجنبي من محضون، وهو من ليس قريباً له، وهذا ليس بشرط لكنه وجود مانع. مثاله: امرأة طلقها زوجها وكان له منها طفل، فهنا الأم أحق بالحضانة ما لم تتزوج، فإذا تزوجت الأم بزوج أجنبي من

стр. 5756

المحضون سقطت حضانتها لقوله ﷺ : «أنت أحق به ما لم تَنكحي» (١)، أما إذا كان الزوج من أقارب المحضون فإن حضانة الأم لا تسقط. والدليل على أن التزوج بغير الأجنبي لا يسقط الحضانة قصة ابنة حمزة ﵄ حينما خرجت مع النبي ﷺ تنادي: يا عم يا عم، فأخذها علي بن أبي طالب ﵁ وأعطاها فاطمة، فقال لها: دونك ابنة عمك، فنازعه في ذلك جعفر بن أبي طالب، ونازعهما زيد بن حارثة فقال علي: إنها ابنة عمي وأنا أحق بها، وقال جعفر: إنها ابنة عمي، وخالتها تحتي، وقال زيد: إنها ابنة أخي، لأنه ﷺ آخى بينه وبين حمزة بن عبد المطلب، فقضى بها رسول الله ﷺ لخالتها، وقال: «الخالة بمنزلة الأم» فأخرجها عن كل الثلاثة، ولكن رسول الله ﷺ لحسن خلقه طيَّب نفس كل واحد منهم، فقال لعلي بن أبي طالب: «أنت مني وأنا منك»، وقال لجعفر: «أشبهت خَلْقِي وخُلُقِي»، وقال لزيد: «أنت أخونا ومولانا» (٢). وهذا لا يعارض قوله ﷺ : «أنت أحق به ما لم تنكحي» (٣)؛ لأن الجمع ممكن فيحمل حديث ابنة حمزة على أن الزوج ليس أجنبياً من المحضون، لأنه ابن عمها، وأما حديث: «أنت أحق به ما لم تنكحي»، فهذا إذا كان الزوج أجنبياً من المحضون، وبهذا تجتمع الأدلة، وما أكثر ما تتأيم المرأة لأجل طفل واحدـ فلا تتزوج

стр. 5757

خوفاً من أن يأخذه الأب، وهذا في الحقيقة من نقص عقل المرأة؛ لأن الذي ينبغي لها أن تتزوج، والذي أتى بالولد الأول يأتي بأولاد آخرين، وربما يلقي الله في قلبها من محبتهم أكثر من الطفل الثاني، وربما أن الأب لا يطالب بالولد، وربما يوجد من يتوسط بينهما. ثم إن أهل العلم ﵏ اختلفوا في علة كون النكاح مسقطاً لحضانة الأم، فقال بعض العلماء: لما في ذلك من المنة على الطفل المحضون، إذا عاش تحت حضن هذا الزوج الجديد، وكل إنسان لا يرضى أن يكون ابنه تحت رجل أجنبي. وقال آخرون: بل العلة في ذلك الحفاظ على حق الزوج الجديد، وبناءً على هذا التعليل الأخير لو أن الزوج الجديد وافق على أن يبقى الطفل محضوناً مع أمه لم يسقط حقها، ولكن ما ذكره فقهاؤنا ﵏ وهو أقرب التعليلات ـ أن العلة كون هذا الزوج الجديد أجنبياً من المحضون، وإذا كان أجنبياً ربما لا يرحمه ولا يبالي به ضاع أم استقام. قوله: «من حين عقد» أي: بمجرد عقد الزواج يسقط حق الأم، وإن لم يحصل دخول، حتى لو اشترط على الزوج الثاني أن لا دخول إلا بعد تمام الحضانة، فإن حقها يسقط؛ لأن العبرة بالعقد، ولو قيل: إن العبرة بالدخول، وأنها لو اشترطت على زوجها الجديد عدم الدخول حتى تنتهي الحضانة فلو قيل: إنه في هذه الحال لم تسقط الحضانة لم يكن بعيداً؛ لأن الزوج الجديد لا سلطة له على الزوجة في هذه الحال، ولا يملك تسلمها، ولا يملك أن تنشغل به عن ابنها.

стр. 5758

قوله: «فإن زال المانع رجع إلى حقه» فالرقيق إذا صار حراً عاد حقه، والكافر إذا أسلم عاد حقه، والفاسق إذا صار عدلاً عاد حقه، والمرأة المزوَّجة إذا طلّقت يعود حقها، والمذهب أنه يعود حقها والغريب أنهم يقولون: يعود حقها، ولو كان الطلاق رجعياً، مع أن الرجعية في حكم الزوجات، فأي فرق بين امرأة عُقد نكاحها واشترطت على الزوج ألاَّ يدخل عليها إلاّ بعد انتهاء مدة الحضانة، وبين امرأة طلقها زوجها طلاقاً رجعياً؟! فالمرأة إذا اشترطت على زوجها عدم الدخول حتى تنتهي مدة الحضانة، فالقول بأن حقها لا يسقط قول قوي جداً؛ لأن الحكم يدور مع علته. قوله: «وإن أراد أحد أبويه سفراً طويلاً إلى بلد بعيد ليسكنه وهو وطريقه آمنان فحضانته لأبيه» السفر الطويل عندهم هو الذي يبلغ مسافة قصر، وهي على المذهب محددة بستة عشر فرسخاً، أي: بأربعة بُرَد، وهي واحد وثمانون كيلو، وثلاثمائة وبضعة عشر متراً. وقوله: «سفراً طويلاً» ظاهره الإطلاق، ولكن يجب أن يقيد فيقال: لغير قصد الإضرار بالآخر؛ لأنه قد يسافر لأخذ الولد من الآخر إضراراً به، لا لمصلحة الطفل، فيقيد ذلك بغير الإضرار، كما قيده شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله.

стр. 5759

وقوله: «إلى بلد بعيد» وهو عندهم الذي يبلغ مسافة القصر، احترازاً مما دون ذلك، فيقول المؤلف: الحضانة لأبيه إذا كان لبلد بعيد ليسكنه وهو وطريقه آمنان. مثال ذلك: كان الزوج والزوجة في مكة فطلقها، وكان بينهما طفل فالحضانة للأم، فإن أراد الأب أن يضر بالأم، فسافر إلى المدينة ليسكنها من أجل أن يأخذ الطفل فنقول: لا حق له متى علمنا أن الرجل إنما سافر من أجل الإضرار بالأم، أما إذا علمنا أنه أراد أن يتحول من مكة إلى المدينة لغير غرض الإضرار فإن الحضانة تكون في هذه الحال للأب ويسقط حق الأم، وهذا من المسقطات؛ وعلة ذلك أن بقاءه بعيداً عن أبيه يؤدي إلى ضياعه؛ لأن الأم قد لا تقوم بواجب التأديب، فالأب أحق به حتى ولو كان رضيعاً فيأخذه، ويستأجر له من يرضعه، لكن كما سبق بثلاثة شروط: الأول: أن يكون سفره بعيداً. الثاني: أن يكون سفره للسكنى، لا لحاجة تعرض، ثم يرجع. الثالث: أن يكون البلد وطريقه آمنين، فإن كان مخوفاً فلا يجوز المخاطرة بالطفل. والشرط الرابع على ما اختاره شيخ الإسلام ﵀ ألاّ يقصد بسفره الإضرار بالأم، فإن قصد الإضرار فلا حق له في الحضانة، لقوله ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» (١)، وقوله ﷺ : «من

стр. 5760

ضار ضارَّ الله به» (١)، ولا يمكن أن نوافق هذا الإنسان على إرادته السيئة. فإن كانت الأم هي التي ستسافر فالحضانة هنا للأب من باب أولى. لكن الصحيح في هذه المسألة: أننا إذا علمنا أن الولد بحاجة إلى الأم، أو أن الوالد سيضر بالولد، فإنه بلا ريب الأم أحق بالحضانة من الأب؛ لأن وجود الطفل مع أمه، يرضع من لبنها أنفع له من الرضاعة من لبن غيرها، والحضانة يُنظر فيها إلى ما هو أصلح للطفل. قوله: «وإن بعد السفر لحاجة» فالحضانة لأمه على كلام المؤلف، والمذهب أنها للمقيم منهما، والأقرب أنها للأم. قوله: «أو قَرُب لها» أي: كان السفر قريباً دون مسافة القصر لحاجة، فالحضانة هنا للأم؛ لأن السفر القريب في حكم الحاضر، فكأنه لم يحصل سفر، ومعلوم أن الأم أحق بالحضانة من الأب، سواء كانت هي المسافرة أو هي المقيمة؛ لأن هذا السفر لا يعد سفراً تثبت له أحكام السفر من القصر، والجمع، وغير ذلك، فيكون هذا المسافر كالمقيم، وتبقى المسألة على ما هي عليه من تقديم الأم بالحضانة.

стр. 5761

قوله: «أو للسكنى فلأمه» يعني إن قَرُب السفر وكان للسكنى، فالحضانة هنا للأم؛ والتعليل ما سبق من أن البلد القريب في حكم الحاضر، فيبقى الأمر على ما كان عليه. فالخلاصة: أولاً: أن يكون السفر بعيداً للسكنى، فالحضانة للأب بالشروط السابقة. ثانياً: أن يكون السفر قريباً للسكنى، فالحضانة للأم. ثالثاً: أن يكون السفر بعيداً للحاجة، فالحضانة ـ على كلام المؤلف ـ للأم، وعلى المذهب أنها للمقيم منهما. رابعاً: أن يكون قريباً لحاجة، فالحضانة للأم على كلام المؤلف، والمذهب أنها للمقيم منهما، والأقرب في هذه المسألة أنها للأم. واعلم أن هذه المسائل يجب فيها مراعاة المحضون قبل كل شيء، فإذا كان لو ذهب مع أحدهما، أو بقي مع أحدهما، كان عليه ضرر في دينه، أو دنياه، فإنه لا يُقر في يد من لا يصونه ولا يصلحه؛ لأن الغرض الأساسي من الحضانة هو حماية الطفل عما يضره، والقيام بمصالحه.

стр. 5762

فصل وَإِذَا بَلَغَ الْغُلَامُ سَبْعَ سِنِينَ عَاقِلاً خُيِّر بَيْنَ أَبَوَيْهِ، فَكَانَ مَعَ مَنِ اخْتَارَ مِنْهُمَا، وَلَا يُقَرُّ بِيَدِ مَنْ لَا يَصُونُهُ وَيُصْلِحُهُ، وَأَبُو الأُنْثَى أَحَقُّ بِهَا بَعْدَ السَّبْعِ، وَيَكُونُ الذَّكَرُ بَعْدَ رُشْدِهِ حَيْثُ شَاءَ، وَالأُنْثَى عِنْدَ أَبِيهَا حَتَّى يَتَسَلَّمَهَا زَوْجُهَا. قوله: «وإذا بلغ الغلام سبع سنين عاقلاً خيِّر بين أبويه فكان مع من اختار منهما» المحضون قبل سبع سنين عند الأم، سواء كان ذكراً أم أنثى، وقال بعض العلماء: إن التخيير يكون بعد خمس سنين، وبعضهم قال: بعد تسع سنين، لكن الظاهر أنه بعد سبع سنين؛ لأن التمييز غالباً يكون في هذا السن، وهو قول وسط، أما بعد سبع سنين فيختلف الحكم، فإذا كان غلاماً عاقلاً فإنه يخيَّر، فإن لم يكن عاقلاً، فإنه مع أمه، فالبالغ العاقل يخيَّر، كما قضى بذلك عمر وعلي ﵄ (١)، وروى سعيدٌ والشافعي أن النبي ﷺ «خيَّر غلاماً بين أبيه وأمه» (٢)، فإذا اختار أُمَّه، وقال: أريد أمي: لأنها تتركني ألعب كما أشاء، أمّا أبي فيجبرني على الدراسة، فهنا نجعل الحضانة لأبيه؛ لأنه لا يقر بيد من لا يصونه ويحفظه، وكذلك العكس لو كان اختار أباه؛ لأنه لا يهتم به، وأمه ترعى مصالحه وتحفظه القرآن، فإنه يُرَد إلى أمه.

стр. 5763

فإن لم يختر واحداً منهما، وقال: أنا أحب الجميع أبي وأمي، فهنا يقرع بينهما؛ لأنه لا سبيل إلى تعيين أحدهما إلا بذلك. مسألة: وإن اختار الأم فإنه يكون عندها ليلاً، وعند أبيه نهاراً؛ من أجل أن يؤدبه، وإن اختار أباه فإنه يكون عنده ليلاً ونهاراً، ولكنه لا يمنع الأم من زيارته، ولا يحل له. ولو اختار أمه ثم رجع، واختار أباه، فإنه يرجع إلى حضانة أبيه، وكذلك العكس. قوله: «ولا يقر» أي: المحضون. قوله: «بيد من لا يصونه ويصلحه» ولو اختاره، ولو كان هو أحق به من الآخر؛ لأن المقصود من الحضانة هو حماية الطفل عما يضره، والقيام بمصالحه، وهذا المقصود يفوت إذا بقي عند شخص لا يصونه عن المفاسد، ولا يصلحه بالتربية الطيبة. قوله: «وأبو الأنثى أحق بها بعد السبع» فالأنثى لا تخيَّر بعد سبع سنين، بل أبوها أحق بها، لكن بشرط ألاّ يهملها فإن أخذها وتركها عند ضرة أمِّها، لا تقوم بمصالحها، بل تهملها، وتفضل أولادها، وتوبِّخها دائماً، وتضيق صدرها، فإنه في هذه الحال لا يمكَّن من الحضانة. وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم ﵏ على عدة أقوال: فمنهم من يرى أن الطفلة تخير كما يخيَّر الطِّفل، وقالوا: ورود ذلك في الذكر لا يمنع من الأنثى؛ لأن العلة واحدة، وهي

стр. 5764

رغبة الطفل هل يكون عند الأُم أَو الأب؟ والذكورة والأنوثة لا تؤثر في الحكم. ومنهم من قال: تخيَّر بين أبيها وأمها إلى التسع، ثم بعد ذلك يأخذها أبوها. ومنهم من قال: تبقى عند أمها حتى يتسلمها زوجها. ومنهم من قال: تبقى عند أمها حتى يكون لها خمس عشرة سنة. والراجح عندي أنها تبقى عند أمها حتى يتسلمها زوجها؛ لأن الأم أشفق بكثير من غيرها حتى من الأب، لأنه سيخرج ويقوم بمصالحه وكسبه، وتبقى هذه البنت في البيت، ولا نجد أحداً أشد شفقة وأشد حناناً من الأم، حتى جدتها أم أبيها ليست كأمها، إلاّ إذا خشينا عليها الضرر في بقائها عند أمها، كما لو كانت أمها تهملها، أو كان البلد مخوفاً يُخشى أن يسطو أحدٌ عليها وعلى أمها، ففي هذه الحال يتعين أن تكون عند الأب، ولا بد مع هذا أن يكون أبوها قائماً بما يجب. قوله: «ويكون الذكر بعد رشده حيث شاء» الذكر من سبع سنين حتى الرشد يكون عند من اختار، وبعد الرشد فإنه يملك نفسه فلا سيطرة لأحد عليه، لا أبوه ولا غيره، لكن مع ذلك إذا خيف عليه من الفساد يجب أن تُجعل الرعاية لأبيه، والذي يجعلها للأب هو الحاكم الشرعي، لكن الأصل أن الأب لا يلزمه بالبقاء عنده إن كان بالغاً رشيداً. قوله: «والأنثى عند أبيها حتى يتسلمها زوجها» وهذا على المذهب من تمام سبع سنين.

стр. 5765

والخلاصة على المذهب أنه قبل سبع سنين تكون الحضانة للأم للذكر والأنثى، وبعد سبع سنين يخيَّر الذكر، وتنتقل الأنثى إلى أبيها، وبعد الرشد يكون الذكر حيث شاء، وتكون الأنثى عند أبيها حتى يتسلمها زوجها. وقبل هذا يجب أن نعرف أن أهم شيء هو رعاية مصالح المحضون، وأما من كان أحق لكنه يهمل ويضيع المحضون فإنها تسقط حضانته؛ لأن من شروط الحاضن أن يكون قادراً على القيام بواجب الحضانة، وقائماً بواجب الحضانة، فإن لم يكن كذلك فإنه لا حق له. انتهى المجلد الثالث عشر ـ بفضل الله تعالى وتوفيقه ـ ويليه المجلد الرابع عشر ـ بمشيئة الله تعالى ـ وأوله كتاب الجنايات والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

стр. 5766

الشرح الممتع على زاد المستقنع لفضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين غفر الله له ولوالديه وللمسلمين المجلد الرابع عشر دار ابن الجوزي طبع بإشراف مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ

стр. 5767

كِتَابُ الجِنَايَاتِ قوله ـ رحمه الله تعالى ـ: «الجنايات» جمع جناية، وهي لغة: التعدي على البدن، أو المال، أو العرض. واصطلاحاً: التعدي على البدن بما يوجب قصاصاً، أو مالاً، فهي أخص من معناها لغة، فمن اغتابك فهو جانٍ لغة، ومن أخذ مالك فهو جانٍ لغة؛ فالتعدي على العرض أو المال لا يدخل في الجناية في هذا الباب، فالجناية اصطلاحاً إنما هي التعدي على البدن خاصة بما يوجب قصاصاً فيما إذا كان عمداً، أو مالاً فيما إذا كان خطأ. وقد قسم العلماء الجناية إلى ثلاثة أضرب: عمد، وشبه عمد، وخطأ. وفي القرآن الكريم قسمها الله إلى قسمين: عمد، وخطأ، لكن جاءت السنَّة بإثبات شبه العمد، في قصة المرأتين من هذيل اللتين اقتتلتا، فضربت إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتها وما في بطنها، فقضى النبي ﷺ بأن دية جنينها غرة، عبد أو وليدة، وأن ديتها على العاقلة (١). فهذا القتل ليس عمداً ولا خطأً، ولكنه وسط بينهما؛ لأنك إن نظرت إلى تعمد الفعل ألحقته بالعمد، وإن نظرت إلى أن الجناية لا

стр. 5768

تقتل ألحقته بالخطأ، فجعله العلماء مرتبة بين مرتبتين، وسمَّوْه شبه العمد (١)، قال في الروض: «روي ذلك عن عمر وعلي ﵄» (٢)، أي: كون الجناية تنقسم إلى ثلاثة أقسام. وَهِيَ عَمْدٌ يَخْتَصُّ الْقَوَدُ بِهِ بِشَرْطِ القَصْدِ، وَشِبْهُ عَمْدٍ، ............ قوله: «وهي عمد يختص القود به» القود: القصاص، وسُمي بذلك؛ لأنه يقاد القاتل برُمَّته إلى أولياء المقتول بحبل ويقتل، والمعنى أنه لا قصاص إلا في العمد، أما الخطأ وشبه العمد فلا قصاص فيهما، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، وهذا وإن كان مكتوباً على أهل التوراة، لكنَّه شرعٌ لنا، بدليل قوله ﷺ لأنس بن النضر ﵁ حينما كسرت الربيِّعُ بنت النضر ﵂ ثنيَّةَ امرأة من الأنصار، فطالبوا بالقصاص، فقال ﷺ : «كتاب الله القصاص» (٣)،

стр. 5769

ومعلوم أن القصاص في السن إنما جاء بما شرع في التوراة، لكن النبي ﷺ جعل ذلك شريعةً لنا. والعمد فيه ثلاثة حقوق: الأول: حق الله، وهذا يسقط بالتوبة. الثاني: حق أولياء المقتول، ويسقط بتسليم نفسه لهم. الثالث: حق المقتول، وهذا لا يسقط؛ لأن المقتول قد قُتل وذهب، ولكن هل يؤخذ من حسنات القاتل، أو أن الله تعالى بفضله يتحمَّل عنه؟ الصواب: أن الله بفضله يتحمل عنه إذا علم صدق توبة هذا القاتل. وقوله: «يختص القود به» أي: العمد، ويختص أيضاً بأنه لا كفارة فيه؛ لأنه أعظم من أن تكفره الكفارة. قوله: «بشرط القصد» أي: قصد الجناية، وقصد المجني عليه، فلا بُد من القصدين، فلو لم يقصد الجناية، بأن حرك سلاحاً معه فثار السلاح وقتله، فهنا ليس بعمد؛ لأنه لم يقصد الجناية، ولو أنه قصد الرمي على شاخص فإذا هو إنسان، فهذا ليس بعمد؛ لأنه لم يقصد شخصاً يعلمه معصوماً فقتله. قوله: «وشبه عمد» هذا النوع الثاني من أنواع الجناية، فهو ليس عمداً محضاً، ولا خطأً محضاً، لكنه بينهما؛ وذلك لأن الجاني قصد الجناية لكن بشيء لا يقتل غالباً، فشبه العمد أن يقصد جناية لا تقتل غالباً، مثل ما لو ضرب إنساناً بالمهفَّة (١)

стр. 5770

فمات، فهذا ليس بعمد محض؛ لأن الجناية لا تقتل، وليس بخطأ؛ لأنه قصد الجناية. وَخَطَأٌ، فَالْعَمْدُ أَنْ يَقْصِدَ مَنْ يَعْلَمُهُ آدَمِيّاً مَعْصُوماً فَيَقْتُلَهُ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مَوْتُهُ بِهِ، ..... قوله: «وخطأ» هذا النوع الثالث، وهو ألاّ يقصد الجناية، أو يقصد الجناية لكن لا يقصد المجني عليه، مثل أن تنقلب الأم على ابنها وهي نائمة فتقتله، أو يرى صيداً فيرميه فيصيب آدمياً. قوله: «فالعمد أن يقصد من يعلمه آدمياً معصوماً فيقتله بما يغلب على الظن موته به» هذا تعريف العمد. وأفادنا المؤلف بقوله: «أن يقصد» أنه لا بد أن يكون للقاتل قصد، فأما الصغير والمجنون فإن عمدهما خطأ؛ لأنه ليس لهما قصد صحيح، أما المجنون فظاهر، وأمَّا الصغير فهو وإن كان له قصد، لكنه قصد لا يكلف به. وقوله: «من يعلمه آدمياً معصوماً» فإن قصد من يظنه غير آدمي، أو من يظنه آدمياً غير معصوم، فقتل معصوماً فليس بعمد؛ لأنه لم يقصد الجناية على معصوم، مثل أن يرى شاخصاً من بعيد فظن أنه جذع نخلة فرماه، فهذا ليس بعمد؛ لأنه لم يقصد الآدمي. مثال ثانٍ: رأى إنساناً وهو في أرض حرب، فظن أنه حربي فرماه فقتله، فإذا هو غير حربي، فهذا ليس بعمد؛ لأنه لم ينوِ قتل المعصوم.

стр. 5771

مثال ثالث: لو رمى شخصاً يظن أنه هو المرتد ردَّة لا تقبل معها التوبة، كردَّة من سب الله ـ على المشهور من المذهب ـ لكن تبين أنه غيرُه، فهذا ليس بعمد. مثال رابع: لو رمى شخصاً يظنه الزاني المحصن، والزاني المحصن غير معصوم؛ لأنه يرجم حتى يموت، فتبين أنه ليس هو الزاني المحصن، فهذا ليس بعمد. ويلاحظ أنَّ هذا إذا وافق أولياء المقتول على ذلك، أما لو قالوا: إنّك قصدتَه، فقال: لم أقصده، فالقول قول أولياء المقتول؛ لأن القصد نية خفية، والشرع لا يحكم إلا بالظاهر، والظاهر أنه قصد، ودعواه أنه لم يقصد، أو أنه ظنه غير آدمي دعوى غير مقبولة منه؛ لأننا لو قبلنا ما ادعاه لكان كل من قتل نفساً بغير حق يقول: أنا لم أقصد، أوْ لم أظنه آدمياً معصوماً، أو ما أشبه ذلك. وقوله: «فيقتله» فلو قصد الجناية بما يقتل غالباً لكن المجني عليه سَلِم، بأن ضَرَبه بالفأس على رأسه يريد قتله حتى انفلق، لكنه عُولج حتى برئ فهذا ليس بقتل عمد؛ لأنه لا بد أن يقتله. وقوله: «بما يغلب على الظن موته به» هذا أهم، أي: أن تكون الجناية بما يغلب على الظن أنها تقتل، مثل أن يضربه بالساطور على رأسه، وقال: أنا ما ظننت أنه يموت! فهذا لا يقبل؛ لأن هذا يغلب على الظن أنه يموت به. ولو ضربه بالمهفة، وقُدِّر أنه نائم ففزع ومات، فليس بعمد؛ لأن المهفة لا يغلب على الظن أن يموت بها، فانتبه للشروط التي

стр. 5772

هي الضابط في قتل العمد؛ لأجل أن تنزل عليها الصور التي ذكرها المؤلف؛ لأن من الصور التي ذكرها المؤلف صوراً لا تنطبق على هذه القاعدة، فينظر فيها، ثم ذكر المؤلف تسع صور فقال: «مثل أن يجرحه بما له مَوْرٌ في البدن» هذه الصورة الأولى «أن يجرحه» الفاعل هو القاتل أو الجاني، والمفعول به هو المجني عليه، أي مثل أن يجرح الجاني المجني عليه. مِثْلُ أَنْ يَجْرَحَهُ بِمَا لَهُ مَوْرٌ فِي الْبَدَنِ، أَوْ يَضْرِبَهُ بِحَجَرٍ كَبِيرٍ وَنَحْوِهِ، ......... وقوله: «بما له مور»، فسَّره في الروض (١) فقال: أي: «نفوذ في البدن» مثل لو بطَّه برأس الدبوس فهذا له مور في البدن، وهو عند المؤلف عمد؛ لكنه على القاعدة لا ينطبق على العمد؛ لأن القاعدة: «أن يقتله بما يغلب على الظن موته به» وهذا لا يغلب على الظن موته به، اللهم إلاّ إذا بطَّه في مقتل، كما لو بطَّه في الفؤاد، أو في الوريد، أو ما أشبه ذلك، أما لو بطَّه في مكان متطرف من البدن، فليس هذا بعمد في الواقع، وما أكثر الجروح التي تصيب الرِّجل، من مسمار، أو زجاجة، أو نحو ذلك، ولا يقول الناس: إن هذا يقتل. فلو قال قائل: هو لا يقتل، ولكنه تعفن وفسد شيئاً فشيئاً، حتى قضى عليه، فماذا نقول؟ نقول: العبرة بالأصل، وهنا ما مات من الجرح نفسه، ولكنه مات من التسمم وفساد الجرح، فإن جَرَحَهُ بما له مور في البدن، فقيل له: داوِ الجرح؛ حتى لا ينزل الدم، فقال المجني عليه: لا، بل سأدعه ينزل حتى يُقتل الرجل،

стр. 5773

فالمذهب أن هذا عمد من الجاني، ويقولون: «وإن لم يداوِ مجروحٌ جرحه»، فإن قال الجاني: أنا سأداويك على نفقتي الخاصة، فقال المجني عليه: لا، بل دعه يثعب دماً حتى تُقتل، فهنا يرون أنه عمد، لكن الحقيقة أن هذا سفه من المجني عليه؛ لأن هناك أشياء نعلم أنها إذا عولجت برئت، فأنت الذي جنيت على نفسك، فهذا لا نُمكِّنه من أن يُبقي جرحه يثعب دماً حتى يموت. الصورة الثانية: قوله: «أو يضربه بحجر كبير ونحوه» مثل ما لو ضربه بمطرقة كبيرة، وقال: أنا لا أدري أنها تقتل، فنقول: هذا غير صحيح، بل هذا مما يقتل غالباً فيُقْتل به، حتى لو ضربه بها في غير مقتل، ولهذا صرح في الروض (١) فقال: «ولو في غير مقتل» فمات فإنه عمد يُقتل به. وأفادنا المؤلف بقوله: «أو يضربه بحجر كبير» أنه لو ضربه بحجر صغير فهو شبه عمد، إلا إذا قتله بحجر صغير في مقتل، مثل إن ضربه على الكِلى، أو على الكبد، أو ما أشبه ذلك مما يكون سبباً للقتل، فهنا يكون ذلك عمداً. ومعرفة كون الحجر يقتل أو لا يقتل يرجع في ذلك إلى العرف، فمتى قالوا: إن هذا الحجر يقتل لو ضرب به الإنسان ولو في غير مقتل، فيكون القتل بهذا الحجر عمداً. مسألة: لو قتله بسوط من كهرباء؟ فيُنظر إن كان من طاقة

стр. 5774

كبيرة تقتل غالباً فهو عمد، وإن كان من طاقة صغيرة لا تقتل غالباً فليست بعمد، والطاقة الصغيرة مثل مائة وعشرة، والطاقة الكبيرة مثل مائتين وعشرين، أو ثلاثمائة ونحوه. أَوْ يُلْقِيَ عَلَيْهِ حَائِطاً، أَوْ يُلْقِيَهُ مِنْ شَاهِقٍ، أَوْ فِي نَارٍ، أَوْ مَاءٍ يُغْرِقُهُ وَلَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهُمَا، أَوْ يَخْنِقَهُ أَوْ يَحْبِسَهُ وَيَمْنَعَ عَنْهُ الطَّعَامَ أَوْ الشَّرَابَ فَيَمُوتَ مِنْ ذلِكَ فِي مُدَّةٍ يَمُوتُ فِيهَا غَالِباً، ..................... قوله: «أو يلقي عليه حائطاً» بأن قال له: اجلس تحت هذا الجدار واستظل به، فجاء وجلس، وذهب الآخر من وراء الجدار وألقاه عليه، فيكون هذا عمداً؛ لأنه يقتل غالباً. ولو ألقى عليه سقفاً، فيُنظر فيه، فإن كان سقفاً مما يقتل غالباً فإنه عمد، وإن كان مما لا يقتل غالباً فليس بعمد. قوله: «أو يلقيه من شاهق» أي: مرتفع، كأن يصعد شخصٌ وآخرُ على منارة، ثم يقول له: تعال وانظر إلى الأرض، أقريبة هي أم بعيدة؟ فلما نظر الآخر دفعه وألقاه إلى الأرض، فهذا عمد، فإن قال: أنا لا أدري أنه سيموت، قلنا: إنَّ هذا مما يقتل غالباً، فإن رماه من مكان أبعد فإنه عمدٌ من باب أولى، مع أنهم يقولون: إن الهر إذا سقط من مكان قريب مات، ولو سقط من مكان بعيد لم يمت، لكن الآدمي بخلاف الهر. قال في الروض (١): «الثالث من الصور أن يلقيه بجُحر أسد أو نحوه»، جحر الأسد هو مكانه الذي يأوي إليه، فلو أن إنساناً ألقى شخصاً في جحر أسد فأكله، فإنه يكون عمداً. فإن قال الذي ألقاه في الجحر: أليس إذا اجتمع متسبِّب ومباشر فالضمان على المباشر؟ فالجواب نعم، ولكن إذا تعذر

стр. 5775

إحالة الضمان على المباشر فيكون على المتسبب، وهنا يتعذر إحالة الضمان على المباشر، وهو الأسد فيكون الضمان على المتسبب. قال في الروض (١): «أو مكتوفاً بحضرته»، أي: بحضرة الأسد، ومعنى مكتوفاً ـ أي: مربوطة يداه إلى كتفيه ـ فإنه في هذه الحال يكون عمداً، وقد ذكروا قصة جحدر بن مالك حين أخذه الحجاج بن يوسف الثقفي في جناية ـ زعم أنها جناية ـ فقال له: لن أقتلك، ولكن سآتي بأسد وأحبسه عن الطعام خمسة عشر يوماً، وسأعطيك سيفاً، وأقيد يدك الأخرى، فأجاع الأسد لمدة خمسة عشر يوماً، ثم أطلقه وأطلق جحدر بن مالك، فانقضّ الأسد على جحدر من شدة الجوع، لكن جحدر رفع السيف أثناء انقضاض الأسد، فوضعه في نحره ومات الأسد ولم يمت جحدر، ذكر هذا في حواشي مغني اللبيب، والقصة طويلة، والشاهد أنه إذا ألقاه مكتوفاً بحضرة الأسد فهو عمد. لكن لو فعل مثل قصة جحدر، فهل يكون عمداً مع أنه أعطاه السيف؟ في الحقيقة لولا أنه كان قوياً، وشجاعاً، وقوي البدن أيضاً، لما قدر على الأسد الذي قد جُوِّع لمدة خمسة عشر يوماً، ثم أطلق. الرابعة: قوله: «أو في نار أو ماء يغرقه ولا يمكنه التخلص منهما» فإن ألقي في نارٍ أو ماءٍ ويمكنه التخلص منهما فهدر، وليس بعمد.

стр. 5776

الخامسة: قوله: «أو يخنقه» أي: يكتم نفسه، سواء بحبل، أو بتثبيت مادة تكتم النفس، أو ما أشبه ذلك. فالخنق يعتبر عمداً، والغريب أنه قال في الروض (١): «أو يعصر خصيتيه» فهل هذا من الخنق؟ نعم. ولو وضع يده على فمه دون أنفه فليس بخنق؛ لأنه يمكنه التنفس، وكذلك لو وضع يده على أنفه دون فمه فليس بخنق، لكن لو وضع يده على أنفه وفمه فهذا خنق. السادسة: قوله: «أو يحبسه ويمنع عنه الطعام أو الشراب فيموت من ذلك في مدة يموت فيها غالباً» فإذا حبسه ولم يعطه ماءً ولا طعاماً، حتى مات في مدة يموت فيها غالباً، فهذا عمد، ولهذا قال النبي ﷺ : «دخلت النار امرأة في هرة حبستها حتى ماتت لا هي أطعمتها ولا هي سقتها … » (٢) فهذا من صور العمد. والمدة التي يموت فيها غالباً تختلف في الحر والبرد، فيرجع في ذلك إلى أهل الخبرة، فإذا قالوا: إن بقاء الإنسان في هذا المكان، وفي هذا الزمان، يعتبر مدة يموت في مثلها غالباً قلنا: إنه عمد. فإذا حبسه ومنعه عن الطعام والشراب في مدة يموت فيها غالباً، فهذا من صور العمد؛ لأن الإنسان إذا حبس عن الطعام

стр. 5777

والشراب فإنه يموت، وقال بعض أهل العلم: «ومثله لو حبسه في الشمس في أيام الصيف حتى مات، أو حبسه في ليالي البرد في أيام الشتاء فمات، وهذا صحيح، وهذه الصورة وإن كانوا لم يقولوها لكننا ننزلها على الضابط. قال في الروض (١): «بشرط تعذر الطلب عليه وإلاّ فهدر» أي: بشرط أن يتعذر الطلب على المحبوس، فإن كان لا يتعذر عليه الطلب، بحيث لو طلب الطعام أو الشراب لوجده، فليس بعمد وهدر، كما قلنا فيما لو ألقاه في نارٍ أو ماءٍ يغرقه ويمكنه التخلص. أَوْ يَقْتُلَهُ بِسِحْرٍ، أوْ بِسُمٍّ، أَوْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ بَيِّنةٌ بِمَا يُوجبُ قَتْلَهُ، ثُمَّ رَجَعُوا، وَقَالُوا: عَمَدْنَا قَتْلَهُ، وَنَحْوَ ذلِكَ، وَشِبْهُ الْعَمْدِ أَنْ يَقْصِدَ جِنَايَةً لَا تَقْتُلُ غَالِباً وَلَمْ يَجْرَحْهُ بِهَا، كَمَنْ ضَرَبَهُ فِي غَيْرِ مَقْتلٍ بِسَوْطٍ، أَوْ عَصَا صَغِيرَةٍ، ................ السابعة: قوله: «أو يقتله بسحر» والسحر عبارة عن عزائم، وعقد، ورقى، وأدوية، يتوصل بها إلى ضرر المسحور في بدنه، أو عقله. فإذا وضع رجل السحر لشخص حتى أثَّر فيه ومات، فإن هذا يكون قتلاً عمداً؛ لأن السحر يقتل مثله غالباً، ولكن تقدم لنا أن الساحر يجب أن يقتل حداً، فهذا الساحر وجب قتله لسببين: الأول: قتله لحقِّ الله إذا لم نقل بكفره، الثاني: قتله لحق أولياء المقتول، فهنا تعارض عندنا حقان حق أولياء المقتول، وحق الله ، فأيهما يقدم؟ الجواب: يقدم حق أولياء المقتول، فإذا قال أولياء المقتول: ما دام أن الرجل سيقتل فنحن نريد الدية فلهم ذلك،

стр. 5778

وإن قالوا: نريد أن نقتله ونشفي صدورنا منه فلهم ذلك. وعلى هذا فنقول لأولياء المقتول بالسحر: إن شئتم أعطيناكم هذا الساحر فاقتلوه أنتم قصاصاً، وإن شئتم قَتَلَه وليُّ الأمر حداً، ولكم الدية. فإن سحره حتى ذهب بعقله فهنا عليه الدية، كما سيأتي ـ إن شاء الله ـ في دية المنافع. الثامنة: قوله: «أو بِسُمٍّ» أي: أو يقتله بسُمٍّ، وذلك بأن يضع له السُّم في ماء، أو في طعام ويسقيه إياه وهو لا يعلم، فإن علم أن فيه سُمّاً وأكله، أو شربه، فهو هدر، لكن إن كان لا يعلم فيكون الذي وضع له السم قاتلاً عمداً. فإن قتله بزجاج وضعه داخل الطعام فإنه عمد؛ لأنه يقتل غالباً، حتى أن بعض الناس إذا لم يقتل الهرة بالسم قتلها بالزجاج؛ لأنه أحياناً إذا وُضع له السم وأكله تقيأه وسلم منه، لكن إن وضع له الزجاج، فإن تقيأه لم يسلم، وإن ابتلعه لم يَسْلم. التاسعة: قوله: «أو شهدت عليه بينة بما يوجب قتله» لم يقل: بما يبيح قتله، وبينهما فرق. قوله: «ثم رجعوا وقالوا: عمدنا قتله» فإذا شهدوا بما يوجب قتله، كأن شهدوا بأنه زنا وهو محصن ـ وزِنا المحصن يوجب الرجم ـ فحَكَم القاضي بشهادتهم، ورُجم هذا المشهود عليه، ثم رجعوا وقالوا: نحن راجعون عن شهادتنا، ومتعمدون لقتله، فهنا يكون قتله عمداً.

стр. 5779

وأما لو شهدوا بما يبيح قتله ولا يوجبه فإنه ليس بعمد؛ لأنه يمكنه التخلص من ذلك، مثل أن يشهدوا عليه بردة تقبل فيها التوبة؛ لأنه من الممكن أن المشهود عليه يتخلص بالعودة إلى الإسلام. مثال آخر: شهدوا عليه بأنه جحد فريضة الصلاة، فهذه ردة تبيح القتل ولا توجبه، فمن الجائز أن يقول الرجل: أنا تبت إلى الله، وأُقر إقراراً من قلبي بأن الصلوات الخمس واجبة، فهنا يرتفع القتل عنه. قوله: «ونحو ذلك» الإشارة في «ذلك» إلى ما سبق، أي: ونحو هذه الصور، فالمسألة ليست محصورة، والواجب أن نرجع إلى الضابط، ونقول في العمد: «هو أن يقصد من يعلمه آدمياً معصوماً فيقتله بما يغلب على الظن موته به». قوله: «وشبه العمد أن يقصد جناية لا تقتل غالباً» فالعمد وشبه العمد يشتركان في القتل، لكنهما يختلفان في أن العمد تقتل الجناية فيه غالباً، وشبه العمد لا تقتل غالباً، لكن اشترط المؤلف شرطاً فقال: «ولم يجرحه بها» وقيده بهذا القيد؛ لأنه إن جرحه بها ولو كانت لا تقتل غالباً صار عمداً، مثاله: قول المؤلف: «كمن ضربه في غير مقتل بسوط، أو عصا صغيرة» فإن

стр. 5780

ضربه في غير مقتل، كأن ضربه في طرف، أو على رأسه بسوط، أو عصا صغيرة، فنقول: هذا ليس بعمد بل شبه عمد، ودليله قصة المرأتين من هذيل اللتين اقتتلتا، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فقضى النبي ﷺ : «أن دية المرأة على العاقلة، وقضى بدية الجنين غرة عبد أو أمة» (١) قال أهل العلم: هذا الحديث هو الأصل في إثبات شبه العمد؛ لأن الجناية متعمدة، لكن الآلة التي حصل بها القتل لا تقتل غالباً. أَوْ لَكَزَهُ، وَنَحْوَهُ (٢)، وَالخَطَأُ أَنْ يَفْعَلَ مَا لَهُ فِعْلُهُ، مِثْلُ أَنْ يَرْمِيَ مَا يَظُنُّهُ صَيْداً، أَوْ غَرَضاً، أَوْ شَخْصاً، فَيُصِيبَ آدميّاً لَمْ يَقْصِدْهُ، وَعَمْدُ الْصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ. قوله: «أو لكزه» إذا لكزه في مقتل فإنه عمد؛ لأنه يقتل غالباً، وموسى ﵇ وكز القبطي فمات، قال تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]، وكان موسى ﵇ رجلاً شديداً قوياً، لمّا رأى الإسرائيلي يقاتل القبطي، وكزه فقضى عليه، ومات، ولهذا قال: ﴿رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [القصص: ٣٣]. والفرق بين العمد وشبه العمد: أولاً: يشتركان في قصد الجناية، ويختلفان في الآلة التي حصلت الجناية بها. ثانياً: العمد فيه قصاص، وشبه العمد ليس فيه قصاص. ثالثاً: دية العمد على القاتل، ودية شبه العمد على العاقلة. رابعاً: العمد ليس فيه كفارة، وشبه العمد فيه كفارة.
следующие страницы →