← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 10649

الشرح الممتع على زاد المستقنع

ابن عثيمين

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.

стр. 5881

لها، وليس أصلاً، وهذا هو ظاهر كلام الخرقي ﵀ واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وجماعة من الأصحاب، وهذا هو الذي عليه العمل عندنا، فلا يزال الناس من قديم الزمان يحكمون بأن الأصل في الدية الإبل، والدية عندنا الآن تقدَّر بمائة ألف ريال، ولو كانت الفضة أصلاً لكانت دية الإنسان ثلاثة آلاف وثلاثمائة وستين ريال فضة. قوله: «فأيها أحضر من تلزمه لزم الوليَّ قبوله» فـ «أيَّها» بالنصب، مفعول به مقدّم لـ «أحضر»، و «من» فاعل. وقوله: «تلزمه» لم يقل: القاتل؛ لأن الدية قد تكون على العاقلة لا على القاتل، فأتى بقوله: «من تلزمه» ليكون عاماً في القاتل والعاقلة. وقوله: «لزم الوليَّ قبولُه» لم يقل: المجني عليه؛ لأنه قد يكون ميتاً، وقد يكون حياً؛ لأنه سيأتينا في دية الأعضاء أنه لو قطع يديه لزمه دية كاملة؛ ولهذا لو قال المؤلف: «لزم من هي له قبوله» لكان أعم. على كل حال إذا أحضر الجاني مائة من الإبل، فقال الذي له الدية: أنا أريد ألف مثقالٍ ذهباً، نقول له: الأمرُ ليس لك، بل للجاني. وكذلك لو أحضر الجاني ثمانية آلاف، وأربعمائة مثقال فضة، فقال من له الدية: أنا أريدها من الإبل، نقول له: الأمر ليس إليك. ومن هذا الحكم نعرف أنه لوحظ في رفع الدية التخفيف

стр. 5882

على من تلزمه؛ لأن الخيار له، أما إذا قلنا بأن الأصل هو الإبل، فإنه إذا أحضر ما سواها فلا بد من موافقة من هي له، وعلى هذا القول لو أحضر الجاني الدية اثني عشر ألفاً من الفضة، فقال من هي له: أنا أريد إبلاً، فهنا يُلزم الجاني بإحضار الإبل، حتى لو كانت الاثنا عشر تعادل مائة من الإبل، أو أكثر منها، لكن إذا رأى ولي الأمر أن تؤخذ الديات من صنف من هذه الأصناف، وأنه من المصلحة، حتى لا يحصل النزاع، فله ذلك. قوله: «ففي قتل العمد وشبهه خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة» فقوله: «ففي قتل العمد» يجوز أن نقدر المبتدأ محذوفاً تقديره: «الواجب خمس وعشرون». ولنا أن نقول: «ففي قتل العمد» خبر مقدم، و «خمس وعشرون» مبتدأ مؤخر. وعلم من قوله: «ففي قتل العمد وشبهه» أن العمد وشبهه متفقان في أسنان الإبل. وقوله: «خمس وعشرون بنت مخاض» بنت المخاض هي بكرة لها سنة، سميت بذلك؛ لأن أمها تكون ماخضاً في الغالب، أي: حاملاً.

стр. 5883

وقوله: «وخمس وعشرون بنت لبون» أي: بكرة لها سنتان؛ لأن أمها صارت ذات لبن غالباً. وقوله: «وخمس وعشرون حقة» وهي بكرة لها ثلاث سنوات، سميت حقة؛ لأنها استحقت أن يطرقها الفحل. وقوله: «خمس وعشرون جذعة» هي بكرة تم لها أربع سنوات. فلو أن من تلزمه الدية جاء بخمس وعشرين بنت لبون، وخمس وعشرين حقة، وخمس وعشرين جذعة، وخمس وعشرين ثنية. فقال من له الدية: لا أقبل، فهل يلزمه قبولها؟ هذه المسألة سبقت في باب السلم عند قول المؤلف: «فإن جاء بما شرط، أو أجود منه من نوعه ولو قبل محله، ولا ضرر في قبضه لزمه أخذه» وأن المذهب يرون لزوم قبول الصفات دون الأعيان، فإذا جاءه قبل مَحلِّه أو جاءه بأجود، أو أبرأه من الدَّيْن لزمه القبول، وسبق أن الأصح في ذلك التفصيل، فإذا خاف أن هذا الذي أعطاه أجود أن يمنَّ عليه فلا نُلزمه بالقبول، أما إذا كان لا يتضرر المدفوع إليه بهذه الزيادة، لا حالاً ولا مستقبلاً فإنه يجب عليه القبول، ولنا في ذلك أصل وهي قصة عمر ﵁ مع محمد بن مسلمة وجاره حينما امتنع أن يجري الماء من ملكه إلى ملك الآخر، فقال له عمر ﵁: «لأجرينَّه ولو على بطنك» (١).

стр. 5884

وأبو هريرة ﵁ حينما كان أميراً على المدينة قال: «والله لأرمين بها بين أكتافكم» (١) فيمن منع جاره مِن وضع الأخشاب فوق جداره. وَفِي الْخَطَإِ تَجِبُ أَخْمَاساً، ثَمَانُونَ مِنَ الأَْرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَعِشْرُونَ مِنْ بَنِي مَخَاضٍ، ......... قوله: «وفي الخطأ تجب أخماساً، ثمانون من الأربعة المذكورة وعشرون من بني مخاض» «أخماساً» حال. هذه الدية فيها تخفيف؛ لأننا أدخلنا فيها الذكور، والذكور عند الناس أقل رغبة من الإناث، فتكون دية الخطأ عشرين بنت مخاض، وعشرين بنت لبون، وعشرين حقة، وعشرين جذعة، وعشرين بني مخاض، يعني ذكوراً لكل واحد سنة. وهذا التقسيم إذا كان الواجب دية كاملة، أما إذا كان الواجب بعض الدية فهل نعامل هذا البعض معاملة الكل؟ نعم، فمثلاً إذا كانت الموضحة عمداً ففيها خمس من الإبل، واحدة بنت مخاض، والثانية بنت لبون، والثالثة حقة، والرابعة جذعة، والخامسة وسطاً على قدر القيمة. أما إذا كانت الموضحة خطأ فهي أخماس، واحدة بنت مخاض، والثانية بنت لبون، والثالثة حقة، والرابعة جذعة، والخامسة ابن مخاض.

стр. 5885

والدليل على ذلك ما رواه أبو داود عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه ذكر الدية (١) على نحوٍ مما ذكره المؤلف. وهناك سُنَّة أخرى في هذه المسألة، وهي أن الدية تجب أثلاثاً، ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خَلِفَة ـ أي: حاملاً ـ في بطونها أولاد (٢). وكلتاهما صح فيها الحديث، فمن العلماء من أخذ بهذا، ومنهم من أخذ بهذا، والأخير أغلظ من الأول، فإن قيل: أي القولين نسلك؟ فالجواب: يمكن أن نرد ذلك إلى رأي الحاكم الشرعي، فإذا رأى أن يجعلها هكذا فعل، وإذا رأى أن يجعلها هكذا فعل، حسب ما تقتضيه الأحوال، وأما المذهب فإنها متعيِّنة في الأسنان الأربعة، في العمد وشبهه، وفي الخطأ في الأسنان

стр. 5886

الخمسة، وبهذا نعرف أن العمد وشبه العمد من ناحية الدية يشتركان في شيء، ويفترقان في شيء، فيشتركان في تغليظ الدية، فكلاهما الدية فيه مغلظة، ويختلفان في التحميل والتأجيل، فشبه العمد على العاقلة مؤجلاً ثلاث سنوات، والعمد على الجاني حالًّا. ويشترك الخطأ وشبه العمد من ناحية الدية في أنها على العاقلة، ومؤجلة بثلاث سنوات، ويختلفان في التغليظ. والحكمة في هذا الاختلاف، قالوا: لأننا إذا نظرنا إلى القصد في شبه العمد ألحقناه بالعمد، وإذا نظرنا إلى عدم قصد القتل ألحقناه بالخطأ، فروعي فيه الأمران، فبالنظر إلى أنه عمد غلَّظناه، وبالنظر إلى أن القاتل لم يقصد القتل خففناه، وجعلنا الدية على العاقلة مؤجلة ثلاث سنوات. واعلم أن التغليظ خاص بالإبل فقط، أما سائر الأصناف فلا تغلظ، فلا يلزم ـ مثلاً ـ أن يدفع ذهباً عيار أربعة وعشرين، فما دام أنه ذهب فإنه يجزئ بشرط عدم كونه معيباً. وكذلك لا تغليظ في البقر، بل تدفع نصفها مسنَّات، ونصفها أتبعة، وفي الغنم نصفها ثنايا، ونصفها أجذعة، إذا كانت من الضأن، أما إذا كانت من المعز فكلها ثنايا، وليس فيها تغليظ، فلا فرق بين العمد، وشبه العمد، والخطأ، وهذا مما يدل على أن دية الإبل هي الأصل. وهل هناك تغليظ بزمان أو مكان؟

стр. 5887

في ذلك خلاف بين العلماء، فمنهم من يرى أنه لا تغليظ في الزمان، ولا في المكان؛ لأن الأدلة عامة، وليس فيها تفصيل. ومنهم من يرى أن هناك تغليظاً في الزمان، أو المكان، أو الحال، فقالوا: تغلظ إذا كانت في الحَرم، أو كانت في الإحرام، أو كانت في الأشهر الحرم، وهي: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، ومُحَرَّم، فكل صفة تغلظ إلى ثلث الدية، فإذا قتل شخصاً في ذي القعدة غير مُحْرِم، ولم يكن بالحرم فعليه دية وثلث الدية، وإن قتله، وهو مُحْرِم، في مكة، في غير أشهر الحرم، فيلزمه دية وثلثا دية، أي: مائة وستة وستون بعيراً وثلثا بعير، فإذا اجتمعت الثلاثة بأن قتله في الحرم، وهو مُحرِم، وفي الأشهر الحرم فعليه ديتان. وبعضهم قال: لا تغليظ في الإحرام، إنما التغليظ في المقتول إذا كان ذا محرَمٍ منه، فإنه تغلظ عليه الدية. والقول الراجح أنه لا تغليظ، لا في حرم، ولا في إحرام، ولا في الأشهر الحرم؛ لعموم الأدلة وعدم التفصيل، وعلى هذا تكون الدية مائة من الإبل في كل حال، والراجح ـ أيضاً ـ أن الدية مائة من الإبل، وليس الذهب، ولا الفضة، ولا البقر، ولا الغنم أصلاً فيها. وَلَا تُعْتَبرُ الْقِيمَةُ في ذلِكَ، بَلِ السَّلَامَةُ، وَدِيَةُ الْكِتَابِيِّ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، ....... قوله: «ولا تعتبر القيمة في ذلك» المشار إليه ما سبق، يعني لا يُعتبر أن يكون كل واحد من الأصول مثل الآخر؛ لأن ذلك غير ممكن غالباً، فلا يشترط أن تكون قيمة مائة الإبل هي مائتي بقرة، وألفي شاة، واثني عشر ألف فضة، وألف مثقال ذهباً.

стр. 5888

فلو فرض أن الإبل رخصت حتى صارت مائة بعير تساوي خمسمائة مثقال من الذهب، فهل نقول: نرفع دية الإبل إلى مائتين؟ لا. ولو فرض أن ألف مثقال ذهباً لا تساوي إلا خمسين من الإبل، فإننا لا نرفع الذهب إلى ألفي مثقال. قوله: «بل السلامة» أي: المعتبر هو السلامة لا القيمة، ومعنى السلامة، أي: أن تكون سالمة من العيوب، وهل المراد العيوب الشرعية، أو العيوب العرفية؟ الظاهر أن المراد العيوب العرفية؛ لأن الدية حق للآدمي، فإذا كان حقاً لآدمي فإن المعتبر في العيوب ما ينقصها في حق الآدمي، أو لا ينقصها. والفرق بين العيوب الشرعية والعيوب العرفية، أن العيوب الشرعية هي ما لا يقبل معه الشيء عند الله، والعيوب العرفية ما لا يقبل معه عند الخلق. مثال ذلك: إذا كانت الإبل عرجاء عرجاً غير بَيِّن، فهي عند الله غير معيبة، وعند الناس معيبة، وإذا كانت عوراء عوراً غير بيِّن فهي عند الله غير معيبة، وعند الناس معيبة. فالمعتبر هو السلامة من العيوب العرفية، حتى لو كانت شرعاً غير معيبة، وعرفاً معيبة، فلا يلزم الولي أن يقبلها؛ لأنها حق للآدمي، ولهذا لو تنازل من تجب له الدية، وقال: يكفيني أن تعطيني مائة من الإبل، كلها بنت مخاض، فإنه يجوز.

стр. 5889

قوله: «ودية الكتابي نصف دية المسلم» «الكتابي» هو اليهودي والنصراني، وسمي كتابياً؛ لأنهم أهل كتاب، والكتب التي بقيت ينتسب إليها هي التوراة، والإنجيل، فسمي من انتسب إليها كتابياً. وقوله: «ودية الكتابي» يشمل المعاهد، والذمِّي، والمستأمِن، ولا يشمل الحربي؛ لأنه غير معصوم فلا دية له، فهؤلاء ديتهم نصف دية المسلم، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ «قضى بأنّ عقْل أهل الكتاب نصف عقل المسلمين» رواه أحمد (١)، ولو قرأ هذا عامي لقال: سبحان الله عقول الكفار ناقصة عن المسلمين، وهذا من المحاذير التي قالها بعض الناس من اعتماد الإنسان على مجرَّد الكتب؛ لأنه قد يقرأ المكتوب ويفهمه على غير مراده، فيَضل ويُضل، والمراد بالعقل في الحديث الدية، وسميت عقلاً باسم المصدر؛ لأنها من عقلت البعير أعقِلُه عقلاً، فسميت عقلاً لأنه من عادتهم أن دافع الدية يأتي بالإبل إلى بيت من هي له، وينيخها ويعقلها. وفي لفظ آخر للحديث: «عقل الكفار نصف عقل المسلمين» (٢)، وفرقٌ بين قوله: «عقل الكفار» وبين قوله: «عقل

стр. 5890

الكتابي»، لأن «عقل الكفار» عام، و «عقل الكتابي» خاص، فتكون دية الواحد من أهل الكتاب خمسين بعيراً، ومائة بقرة، وألف شاة، وخمسمائة دينار أو مثقال، ستة آلاف درهم. وَدِيَةُ الْمَجُوسِيِّ وَالْوَثَنِيِّ ثَمَانُمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَنِسَاؤُهُمْ عَلَى النِّصْفِ كَالْمُسْلِمِينَ، ......... قوله: «ودية المجوسي والوثني ثمانمائة درهم» المجوسي هو الذي يعبد النار، والوثني هو الذي يعبد الأصنام، وعلى هذا فالمجوس نوع من الوثنيين، لكن خصه المؤلف بالذكر؛ لأن لهم أحكاماً خاصة كأخذ الجزية منهم دون غيرهم من المشركين، على رأي أكثر أهل العلم، والصحيح أن المشركين ولو كانوا غير مجوس تؤخذ منهم الجزية. وقوله: «ثمانمائة درهم» إذا جعلنا كل مائتي درهم ستة وخمسين ريالاً، فتكون ثمانمائة الدرهم مائتين وأربعة وعشرين ريال فضة، فدية المجوسي، والوثني، ومن لا دِين له، والشيوعي ومن أشبههم مائتان وأربعة وعشرون ريال فضة سعودي فقط، وهذا مروي عن عمر وعثمان وابن مسعود ﵃ (١). ولكن هل هذا القول توقيفي أو تقدير؟ قال بعض العلماء: إنه توقيف، وأنه نص في ثمانمائة درهم. وقال آخرون: إنه تقدير، وأنه ورد حديث ـ وإن كان

стр. 5891

ضعيفاً ـ «أن ديتهم ثلثا عشر دية المسلم» (١) وأنه قدِّر بثمانمائة درهم. وذهب بعض العلماء إلى أن دية الكتابي وغيره كدية المسلم، وقال: إن الأحاديث المفرِّقة في صحتها نظر، والآية الكريمة قال الله فيها: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، وقال: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢]، فقال: «دية» في الموضعين، والأصل عدم الفرق حتى يقوم دليل صحيح على ذلك. ولأنَّ كلًّا منهما آدمي، ومن الممكن أن يهدي الله هذا الكافر حتى يكون كالمسلم، وإذا كنا لا نفرِّق بين أَعْبَدِ الناس وأطوعهم لله، وبين أفسق الناس وأفجرهم، فكذلك لا نفرق بين الكافر والمسلم، وهذا يدل على أن الدِّين لا دخل له في الدية ولا يعطي تقويماً فيها، وعلى هذا تكون دية المسلم والكافر ـ أياً كان نوعه ـ سواء. وذهب آخرون إلى قول وسط، وهو أنَّ الكفار كلهم على النصف من دية المسلم، واستدلوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي ﷺ قال: «عقل الكفار نصف عقل المسلمين» (٢) وهذا عام، قالوا: وتخصيص الكتابي ببعض الألفاظ لا يقتضي تخصيص الحكم أو تقييده؛ لأن القاعدة في العام والخاص: «أن

стр. 5892

ذكر بعض أفراد العام بحكم يطابق العام لا يقتضي التخصيص» كما لو قلت: أكرم الطلبة، ثم قلت: أكرم زيداً، وزيد منهم، فهل معنى ذلك أن الكلام الثاني يخصص الأول؟ لا، لكن لو قلت: أكرم الطلبة، ثم قلت: لا تكرم زيداً، وهو منهم، فهنا صار في العموم تخصيص، وهو أننا أخرجنا زيداً من العموم، بخلاف ما لو ذكرناه بحكم يطابق العام فإن ذلك لا يقتضي التخصيص. وأما قول بعضهم في حديث «عقل الكتابي نصف عقل المسلم»: إنه مفهوم لقب، ومفهوم اللقب عند جمهور أهل العلم غير معتبر؛ لأن المفهوم المخصص عندهم هو الذي يتضمن معنى يكون من أجله التخصيص، وأما مجرد اسم زيد، وعمرو، وبكر، أو ثوب، وحجر، أو أسد مما ليس فيه معنى يقتضي التخصيص فإنه يُسمى مفهوم لقب، ولا عبرة به. فجوابنا على هذا: أن مفهوم أهل الكتاب ليس من باب مفهوم اللقب؛ لأن «أهل الكتاب» المفهوم فيه مفهوم وصف؛ لأن معنى أهل الكتاب المنتسبون لليهود والنصارى، وهذا وصف وله معنى. وكما أنه بإجماع المسلمين لا يحل نكاح المرأة الكافرة، سوى التي من أهل الكتاب، فإن كل حكم خصص بأهل الكتاب يجب ألاَّ نعتبره مفهوم لقب، بل نجعله مفهوم وصف، ونحن لا نستدل على جواز نكاح الكافرة اليهودية، أو النصرانية، إلا بقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز للإنسان أن يتزوج مجوسية،

стр. 5893

أو وثنية، أو ملحدة، واعتبروا هذا مفهوم وصف. وعلى كل حال، فالقول الثالث هو أرجح الأقوال عندي، وهو أن دية الكافر على النصف من دية المسلم؛ ووجه ذلك أن نقول: إن أهل الكتاب كفار، وهم في نار جهنم خالدون فيها، فأي فرقٍ بين أن ينتسب إلى اليهودية، أو النصرانية، وهي أديان نسخت بدين الإسلام، وبين أن ينتسب لغير دين؟! لا فرق عند الله، فأهل الكتاب لا يخفف عنهم العذاب يوم القيامة، بل هم بحسب ما كان منهم من العدوان والظلم كغيرهم. وأما الجواب عمَّن استدل بالآية فنقول: إنَّ الأحاديث صحت، وهي أحاديث جياد حسنة جداً، على أن عقل الكافر نصف عقل المسلم. قوله: «ونساؤهم على النصف» فتكون دية المجوسية أربعمائة درهم، يعني مائة واثني عشر ريالاً، فلو قتل إنسان امرأةً شيوعية عمداً فديتها مائة واثنا عشر ريالاً، ولكنه يأثم إن كان عهد، أو ذمة، أو أمان، فإن قتل امرأة لا تصلي عمداً فليس لها دية؛ لأن قتل المرتد ليس فيه دية؛ فهو غير معصوم، ولكن يعاقب القاتل تعزيراً وتأديباً؛ لافتياته على ولي الأمر. قوله: «كالمسلمين» أي: كما أنَّ نساء المسلمين على النصف فهؤلاء مثلهم، فدية المرأة المسلمة على النصف من دية المسلم، وهي خمسون بعيراً، ومائة بقرة، وألف شاة، وخمسمائة دينار، وستة آلاف درهم، إلاَّ فيما دون الثلث فإنها مثل الرجل، أي: أنَّ الجناية التي توجب ثلث الدية تكون هي والرجل سواء،

стр. 5894

وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، والمسألة خلافية. وعلى هذا فإذا قطع الإنسان أصبع امرأة ففيه عَشْرٌ من الإبل، وإن قطع أصبعين ففيه عشرون من الإبل، وإن قطع ثلاثة ففيها ثلاثون من الإبل، وإن قطع أربعة ففيها عشرون من الإبل، سبحان الله! لما عظمت المصيبة قلَّت الدية. فلو أن رجلاً قطع ثلاثة أصابع من امرأة، فقالوا له: عليك ثلاثون بعيراً، ولو قطعت أربعاً لم يكن عليك إلاَّ عشرون فذهب وقطع الإصبع الرابع، فهنا نقول له: سنقطع أصبعك المماثل؛ قصاصاً؛ لأنك قطعت إصبعها عمداً، وتؤخذ منك ثلاثون بعيراً، فهنا حيلته ضَرَّتَهُ، مع ما وقع فيه من الإثم. إذاً المرأة على النصف من دية الرجل، إلاَّ فيما دون الثلث فإنهما يتساويان، وقيل: هما سواء مطلقاً، وقيل: هي على النصف مطلقاً، وهذه المسألة لم أحرِّرها تماماً. وَدِيَةُ قِنٍّ قِيمَتُهُ، وَفِي جِرَاحِهِ مَا نَقَصَهُ بَعْدَ البُرْءِ، وَيَجِبُ فِي الْجَنِينِ ذَكَراً كَانَ أَوْ أُنْثَى عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ غُرَّةٌ، ......... قوله: «ودية قِن قيمته» القن هو العبد المملوك الذي يباع ويشترى، ويُسمَّى رقيقاً، فدية القن قيمته بالغةً ما بلغت، وعلى هذا فتختلف الدية في الأرقاء. فلو أن أحداً قتل رقيقاً شاباً قوياً عالماً صناعياً ماهراً في كل الميادين، فهذا قيمته غالية جداً، بل يكون كدية الحر أو أكثر، ولو قتل قناً كبيراً أعمى العينين أشَل، فهذا ديته قليلة جداً. إذاً فالمعتبر القيمة؛ لأن العبد بمنزلة ما يباع ويشترى ويُقوَّم، والدليل على ذلك ما تضافرت به السنة من بيع الرقيق، فهذه بريرة ﵂ كاتبت أهلها على تسع أواقٍ من

стр. 5895

الفضة، وأقرَّها الرسول ﷺ (١)، وهذا الرجل الذي أعتق غلاماً له عن دُبُر ـ أي: أعتقه بعد حياته ـ وكان عليه دين، فباعه النبي ﷺ في دَيْنِهِ (٢)، والأدلة في هذا كثيرة على أن الرقيق حكمه حكم ما يباع ويشترى، لأنه متموَّل، فهو مال. قوله: «وفي جراحه ما نقصه بعد البرء» أي: في جراح الرقيق ما نقصه بعد البرء، وجراح الحرِّ غالبها مقدَّر، وأما الرقيق فإنه ما نقصه بعد البرء، بمعنى أننا نُقوِّم هذا الرقيق سليماً من الجرح، ثم نقوِّمه بعد البرء معيباً بالجرح، فالفرق بين القيمتين هو الدية. مثال ذلك: رجل جنى على رقيق، فقطع إبهام يده اليسرى وبرئ، فكيف نعرف دية هذه الأصبع؟ نقول: يُقوَّم الرقيق سليماً، ويقوَّم بعد البرء، فإذا كانت قيمته سليماً عشرة آلاف درهم، وقيمته مقطوع الإبهام تسعة آلاف درهم، فتكون دية الإبهام ألف درهم. وما ذكره المؤلف من أنَّ في جراحِه ما نقصه بعد البرء هو الصحيح، والمذهب أن ديته في الجراح، إنْ كان مقدراً من حر فبنسبته من القيمة، وإن كان غير مقدر من حر فبما نقصه بعد البرء، مثاله: عبد قطعت يده اليمنى خطأ، وكان يساوي قبل قطع

стр. 5896

اليد عشرة آلاف ريال، وبعد قطع يده صار يساوي ألفي ريال فقط، فتكون دية يده اليمنى ثمانية آلاف، لكن لو قطعت يده اليسرى لكان يساوي بعد قطعها ستة آلاف، فهنا تكون دية يده اليسرى أربعة آلاف، فتختلف دية يده اليمنى عن دية يده اليسرى. فإن لم ينقصه شيئاً أو زادته حسناً فلا دية. وعدم نقصان قيمته مثل أن يجرحه بموضحة فبرئت ولم يكن لها أثر، ولم تُنقِص قيمته فلا دية عليه، وأما إن زادته حسناً فكأن يكون للعبد إصبع زائدة، فهذه إذا زالت تزيده حسناً وجمالاً. فالمذهب في هذه المسألة يوافق قول المؤلف بشرط ألاَّ يكون فيه مقدَّر من حُرٍّ، فإن كان فيه مقدَّر من حر ففيه نسبته من الدية، ودية القن قيمته. مثاله: اليد فيها مقدر من الحر وهو نصف الدية، فهذا رجل قطع يد قن خطأ، وقيمته عشرة آلاف، ونقص بقطع يده بعد البرء ستة آلاف، فديته على ما مشى عليه المؤلف ستة آلاف، ولكن على المذهب ديته خمسة آلاف؛ لأن اليد فيها في الحر نصف الدية فتكون في العبد نصف القيمة. ولو قطع يده اليسرى ونقص أربعة آلاف فقط، ففيها على ما مشى عليه المؤلف أربعة آلاف، وعلى المذهب خمسة آلاف؛ لأنها نصف الدية، وعلى هذا فقس. مثال آخر: هذا العبد يساوي عشرة آلاف درهم، فقطع أصبعه الإبهام، فنقص ألفي درهم، فدية هذا العبد على ما مشى عليه المؤلف ألفا درهم.

стр. 5897

أما على المذهب فديته ألف درهم فقط؛ لأن الأصبع فيه عُشْر الدية من الحر، فيكون فيه عشر الدية من العبد، وعشر دية العبد عشر قيمته؛ لأن دية العبد قيمته. ولا شك أن ما ذهب إليه المؤلف هو الصواب؛ لأننا ما دُمنا اعتبرنا القيمة في العبد، وجعلناه كسلعة من السِّلع، فإن الجناية على السلع تضمن بنقصها، بقطع النظر عن كونها مقدرة من حر أو غير مقدَّرة. مثال الجرح غير المقدر: أن يجرحه في بطنه ولم يصل إلى الجوف، فهذا فيه حكومة، أو مثلاً جرحه حتى تعطّلت يده بعض الشيء، ولكنَّه لم يفقد الحركة مطلقاً، فهذا أيضاً غير مقدر، فعلى المذهب، وعلى ما مشى عليه المؤلف تكون دية هذه الجناية ما نقص العبد بعد برئه. قوله: «ويجب في الجنين ذكراً كان أو أنثى عُشْر دية أمه غرة» الجنين الحمل ما دام في البطن، فإن سقط ميتاً فهو سِقط، مأخوذ من الاجتنان وهو الاستتار، ومادة الجيم والنون كلها تدل على الاستتار، فالجنَّة هي البستان كثير الأشجار، والجِنَّة من الجن؛ لأنهم مستترون، والجُنَّة بالضم ما يستتر به الإنسان كالترس ونحوه، والجنين فعيل بمعنى مفعول؛ لأنه مستور. فالجنين إذا جَنى الإنسان عليه، أو على أمه وسقط ميتاً فإن ديته غُرة، عشر دية أمه.

стр. 5898

فإن كانت أمه حرة مسلِمة فديتها خمسون من الإبل، وعُشْرُها خمس من الإبل. وإن كانت كتابية فديتها خمس وعشرون من الإبل، وعشرها بعيران ونصف، والنصف يقدَّر بالقيمة. وإن كانت كافرة من غير الكتابين فديتها أربعمائة وعُشْرُها أربعون درهماً. والدليل على ذلك: «قصة المرأتين اللتين اقتتلتا من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فقضى النبي ﷺ بأن دية جنينها غُرَّة» (١)، والغُرَّة هي العبد، أو الأمة التي قيمتها خمس من الإبل. واعتبر العلماء القيمة؛ لأن الغرَّة قد تزيد وقد تنقص، لا سيَّما وأن بعض المحدثين قال: إن قوله: «عبد أو وليدة» شك من الراوي، وأن الغرَّة ليست خاصة بالعبيد، بل كل ما يرغب فيه من المال فهو غرَّة؛ لأن غرَّة الشيء مقدَّمه، كغرَّة الشهر مثلاً، وغرَّة الإنسان لوجهه. وعلى كل حال فالذي جرى عليه الحنابلة ﵏ أن دية الجنين عشر دية أمه، يعني خمساً من الإبل، وهذا ما لم يسقط حياً ثم يموت، فإن سقط حياً ثم مات ففيه دية كاملة، ولكن لو مات في بطنها ثم سقط ففيه عشر دية أمه، غرَّة.

стр. 5899

وَعُشْرُ قِيمَتِهَا إِنْ كَانَ مَمْلُوكاً وَتُقَدَّرُ الحُرَّةُ أَمَةً، وَإِنْ جَنَى رَقِيقٌ خَطَأً أَوْ عَمْداً لَا قَوَدَ فِيهِ، أَوْ فِيهِ قَوَدٌ وَاخْتِيرَ فِيهِ الْمَالُ، أَوْ أَتْلَفَ مَالاً بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ تَعَلَّقَ ذلِكَ بِرَقَبَتِهِ، فَيُخَيَّرُ سَيِّدُهُ بَيْنَ أَنْ يَفْدِيَهُ بِأَرْشِ جِنَايَتِهِ، أَوْ يُسَلِّمَهُ إِلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ فَيَمْلِكَهُ، أَوْ يَبِيعَهُ وَيَدْفَعَ ثَمَنَهُ. قوله: «وعشر قيمتها إن كان مملوكاً» هذا بناء على أن دية القن قيمته، فتكون الدية عُشْر قيمتها إن كان مملوكاً، ويُملك الجنين إذا كانت أمه رقيقة وهو لغير سيدها، فإن كانت أمه رقيقة وهو لسيدها فهو حر. وكذلك لو كانت أمه رقيقة ووطئها حر بشبهة فإنه يكون حراً. وكذلك لو كانت أمه رقيقة، واشتُرط على مالكها أن أولادها أحرار فإنه يكون حراً. وعلى هذا فولد الأمة يكون حراً في ثلاث مسائل: الأولى: إن كان من سيدها. الثانية: إذا كان من وطء شبهة من حر. الثالثة: إذا اشترط أنه حر. وإذا كان الجنين رقيقاً ففيه عشر دية أمه، أي: عشر قيمتها، مثاله: هذه المرأة التي قُتل جنينها تساوي عشرة آلاف ريال، فدية جنينها ألف ريال. وذهب بعض العلماء إلى أن دية جنين الأمة ما نقصها، بمعنى أن تقدَّر حاملاً وحائلاً، وما بين القيمتين فهو دية الجنين. وهذا القول أقرب إلى القياس، كما لو أن أحداً جنى على بهيمة حامل، وأسقطت البهيمة، فإن الشاة مثلاً تقدر حاملاً وحائلاً فما بين القيمتين فهو قيمة الجنين. وهذا القول أقرب إلى كلام المؤلف حيث قال في دية جراح العبد: «ما نقصه بعد البرء». قوله: «وتقدَّر الحرة أمةً» يعني لو فرضنا أن حرة كانت

стр. 5900

حاملاً برقيق، فإنها تقدَّر أمة، ويكون ذلك بأن تحمل الأمة من سيدها، ثم يعتقها ويستثني حملها، فإذا جُني عليها بعد تحريرها، ثم مات الجنين فإنها تقدَّر أمة عند التقويم، ولا حرج في ذلك، ولا يقال: إننا كذبنا مثلاً، ولكن هذا من أجل أن نعرف دية هذا الجنين. قوله: «وإن جنى رقيق خطأ أو عمداً لا قود فيه، أو فيه قود واختير فيه المال، أو أتلف مالاً بغير إذن سيده تعلق ذلك برقبته». هذه أربع مسائل: الأولى: قوله: «وإن جنى رقيق خطأ» إذا جنى الرقيق خطأ، فليس هناك قود وإنما الدية. مثاله: رجل له عبد مملوك، وهذا العبد أراد أن يرمي صيداً فأصاب إنساناً، فالجناية خطأ، فتجب الدية ويتعلق ذلك برقبته، أي: أن موجَب الجناية يتعلق برقبة العبد. الثانية: قوله: «أو عمداً لا قود فيه» مثل أن يقتل هذا الرقيق المسلم كافراً عمداً، فلا قود؛ لأنه أفضل منه في الدين، ومن شروط القصاص أن لا يفضل القاتل المقتول في الدين. الثالثة: قوله: «أو فيه قود واختير فيه المال» يعني أن شروط القصاص تامة، ولكنَّ أولياء المقتول اختاروا المال. الرابعة: قوله: «أو أتلف مالاً بغير إذن سيده» يعني أن هذا

стр. 5901

الرقيق وجد سيارة لشخص وأحرقها، أو وجد كتاباً فأحرقه أو وجد خبزاً فأكله. وقوله: «بغير إذن سيده» فإن أذن سيدهُ، وقال له: أتلف السيارة، أو خذ الخبز من الغير، فهذا له حكم آخر سنذكره إن شاء الله. وقوله: «تعلق ذلك برقبته» أي: يتعلق برقبة العبد، وهل هناك تعلق آخر؟ نعم، وهو أنه يتعلق بذمة سيده، وذلك فيما إذا أتلف مالاً بإذن سيده، فإن الضمان يتعلق بذمة السيد. والفرق بينهما أنه إذا تعلق بذمة السيد طولب به السيد مطلقاً، ولا ينظر للعبد، فلو كان الذي أتلف يساوي مليون درهم والعبد لو بِعْناه لا يساوي إلاَّ ألف درهم فإننا نُطالب السيد؛ لأنه يتعلق بذمته، وحينئذٍ لا ننظر لقيمة العبد إطلاقاً، وإنما نأخذ الضمان من السيد. وأما إذا تعلق برقبته ففيه أحكام ذكرها المؤلف بقوله: «فيخير سيده بين أن يفديه بأرش جنايته، أو يسلمه إلى ولي الجناية فيملِكَه، أو يبيعه ويدفع ثمنه» فيُخير السيد بين هذه الأمور الثلاثة: الأول: قوله: «بين أن يفديه» سماه فداءً؛ لأن الجناية تعلقت برقبته، فكأن السيد إذا دفع موجب الجناية فداه. الثاني: قوله: «أو يسلمه إلى ولي الجناية فيملكه» أي:

стр. 5902

أن السيد يسلم هذا الرقيق إلى ولي الجناية فيملكه. الثالث: قوله: «أو يبيعه ويدفع ثمنه» أي: أن السيد يبيع هذا الرقيق ويسلم ثمنه لولي الجناية، فإذا قُدِّر أن ثمنه لا يبلغ قيمة الجناية، فإننا نقول لولي الجناية: ليس لك إلا هذا، حتى لو كان السيد غنياً؛ لأن هذه الجناية حصلت بغير إذن من السيد؛ فليس مسؤولاً عنها، نعم لو فرض أنَّ هذا السيد يعلم أنَّ هذا العبد شرير، متلف للأموال والأنفس، فهنا قد نقول: إنَّ الضمان يتعلق بذمة السيد، كما قالوا فيمن عنده كلب عقور: إنه يضمن ما تلف به. فأي هذه الأمور الثلاثة يختار السيد؟ الجواب: على حسب الأحوال، إن كان عنده مال والعبد غير رخيص عنده فسيختار الفدية، وإن كان ليس عنده شيء، أو يُحب أن يتخلص من هذا العبد، وولي الجناية ما منه خطر على العبد بإيذاء أو غيره فسوف يسلمه، ويَسْلم منه ومن العناء ببيعه وتسليم الثمن، وإن كان يخشى على العبد من ولي الجناية بإيذاء، أو هتك عرض، أو غير ذلك فإنه سيختار أن يبيعه، ويسلم ثمنه إلى ولي الجناية. فإن مات العبد قبل هذه الأشياء الثلاثة، فما الحكم؟ الجواب: لا شيء لولي الجناية؛ لأنه تعلق برقبته، والسيد بريء منه.

стр. 5903

بَابُ دِيَاتِ الأَعْضَاءِ وَمَنَافِعِهَا مَنْ أَتْلَفَ مَا فِي الإِنْسَانِ مِنْهُ شَيءٌ وَاحِدٌ، كَالأَْنْفِ، وَاللِّسَانِ، وَالذَّكَرِ، فَفِيهِ دِيَةُ النَّفْسِ .... الأعضاء جمع عضو، وهو الجزء المستقل من الإنسان، مثل: اليد، والرجل، والأصبع، والعين، والأنف، وما أشبه ذلك. واعلم أن هاهنا قاعدتين: الأولى: كل عضو أشل فليس فيه دية، بل فيه حكومة، إلا عضوين وهما الأذن والأنف. الثانية: كل من جنى على عضو فأشلَّه فعليه دية ذلك العضو، إلاّ الأنف والأذن؛ لأن الأنف والأذن جمالهما باقٍ ولو شُلاَّ. قوله: «من أتلف ما في الإنسان منه شيء واحد كالأنف، واللسان، والذكر، ففيه دية النفس» «من» شرطية، وجواب الشرط جملة «ففيه دية النفس» ووجب اقترانها بالفاء؛ لأنها جملة اسمية. وقوله: «ففيه دية النفس» أي: فإنَّ عليه دية النفس، إن كانت أنثى فخمسون بعيراً، وإن كان ذكراً فمائة بعير. مسألة: لو أن هذا الرجل الذي أُذهب أنفه أجرى عملية وركَّب أنفاً، ونجحت العملية، فهل تجب الدية؟ ظاهر كلام العلماء أنّ الدية تجب، وقد ذكروا أنَّ من أتلف

стр. 5904

شعراً ثم نبت فإنه تسقط ديته، فهل نقول: إن هذا مثل الشعر لما أعاده بعملية فلا شيء له؟ الجواب: إن أعاد نفس الأنف وبقي فهذا ديته تسقط بلا شك، وأما إذا أعاد أنفاً غيره فهذا محل نظر وتأمل. وقوله: «كالأنف» لو كان الأنف من إنسان أخشم، أي: لا يشم، أو أشل ففيه دية. وقوله: «واللسان» أيضاً فيه دية النفس، إن كان من امرأة ففيه دية امرأة، وإن كان من رجل ففيه دية رجل، مع أنه إذا قطع لسانه سوف يفوِّت عليه منفعتين: منفعة الكلام، ومنفعة الذوق، ولكن لا عبرة بالمنافع إذا كان المتلف عضواً، كما أن الإنسان لو أتلف رَجُلاً سيتلف منافع متعددة. وقوله: «والذكر» أي: فيه دية النفس؛ لأنه ليس في الإنسان منه إلاّ شيء واحد. والدليل قوله ﷺ في حديث: «وفي الذَّكَر الدية، وفي الأنف إذا أُوْعب جَدْعُه الدية، وفي اللسان الدية» (١). وَمَا فِيهِ مِنْهُ شَيْئَانِ، كَالْعَيْنَيْنِ، وَالأُْذُنَيْنِ، وَالشَّفَتَيْنِ، وَاللَّحْيَيْنِ، وَثَدْيَيِ الْمَرْأَةِ، وَثَنْدُؤَتَيِ الرَّجُلِ، وَاليَدَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ، وَالأَلْيَتَيْنِ، وَالأُْنْثَيَيْنِ، وَإِسْكَتَيِ المَرْأَةِ فَفِيهِمَا الدِّيَةُ، وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا، … قوله: «وما فيه منه شيئان، كالعينين، والأذنين، والشفتين، واللحيين» ففيهما الدية، وفي أحدهما نصفها، فما فيه منه شيئان وأتلفا جميعاً ففيهما الدية، وفي أحدهما نصف الدية.

стр. 5905

وقوله: «كالعينين» ففيهما الدية ولو مع ضعف النظر، ولو مع عَمَشٍ، ولو مع حَوَلٍ؛ لأن هذا مثل ما لو أتلف الإنسان المريض، ففيه دية كاملة، فكذلك إذا أتلف هذه العين، ففيها دية كاملة، ولو كانت قاصرة النظر، أو فيها حول، أو ما أشبه ذلك. وأما إذا كانت العينان لا تريان فليس فيهما دية كاملة؛ لأنه ليس فيهما منفعة. وقوله: «والأذنين» أي: فيهما دية النفس، ولو كان لا يسمع بهما. وقوله: «والشفتين» أي: إذا أذهب الشفتين جميعاً ففيهما الدية. وقوله: «واللحيين» وهما العظمان النابت عليهما الأسنان، فإذا أتلفهما ففيهما دية النفس، وفي أحدهما نصف الدية. قوله: «وثديي المرأة» وهذا واضح. قوله: «وثندؤتي الرجل» وهما للرجل بمنزلة الثديين من المرأة. قوله: «واليدين والرجلين» أي: فيهما الدية؛ لأن في الإنسان منهما شيئين، وفي كل واحد منهما النصف. ولا فرق بين أن يقطع اليد من مفصل الكف، أو من مفصل المرفق، أو من مفصل الكتف، فكل هذه تسمى يداً، مع العلم أنه إذا قطع مع مفصل الكف فهو أهون؛ لأنه سينتفع بما بقي من الذراع والعضد، ولكن يقولون: إن الأصل الكف، فإذا قطع

стр. 5906

الكف ففيه نصف الدية، وإذا قطع من المرفق ففيه نصف الدية، وإذا قطع من المنكب ففيه نصف الدية. وقال بعض العلماء: إنه إذا قطع من الكف ففيه نصف الدية، وإذا قطع من المرفق أو المنكب ففيه مع نصف الدية حكومة، وهذا إذا كان القطع واحداً، بمعنى أنه أمسك رجلاً وقطع يده من الكتف ففيه الدية، وأما إذا قطع أولاً من الكف، ثم من المرفق، ثم من الكتف، فكل واحد جناية مستقلة. والحاصل أن هذه المسألة فيها قولان لأهل العلم: الأول: لا فرق بين أن يقطعها من مفصل الكف، أو المرفق، أو الكتف. الثاني: إذا قطعها مما فوق مفصل الكف ففي الزائد حكومة. ولكن القول الأول أصح؛ لأن هذا يكون تابعاً، كما لو قلع اللحيين، مع أن اللحيين يكون عليهما أسنان، ويكون فيهما لِحية، ومع ذلك ما عليه إلاَّ دية اللحيين فقط، فهذا تابع. قوله: «والأليتين» مثنى «ألية» وهي المقعدة التي يقعد عليها الإنسان، فإذا جنى عليهما شخص ففيهما الدية، وفي الواحدة نصف الدية. قوله: «والأنثيين» هما خصيتا الرجل، فإن قطعتا جميعاً ففيهما الدية، وفي إحداهما نصف الدية. قوله: «وإسكتي المرأة ففيهما الدية وفي أحدهما نصفها»

стр. 5907

«إسكتي المرأة» بفتح الهمزة وكسرها، وهما حافتا فرج المرأة، فلو جنى عليهما إنسان وقطعهما ففيهما الدية، وفي إحداهما نصف الدية. وكذلك الكليتان من أخذ إحداهما ففيها نصف الدية، وفي كلتيهما الدية كاملة، جرياً على القاعدة؛ والفقهاء ما تكلموا على هذا العضو؛ لأنه في الباطن، وأرى أنه يجب أن نتكلم عليه؛ لأن الناس أصبحوا يجعلون هذا العضو الباطن كالعضو الظاهر. وَفِي الْمِنْخَرَيْنِ ثُلُثَا الدِّيَةِ، وَفِي الْحَاجِزِ بَيْنَهُمَا ثُلُثُهَا، وَفِي الأَْجْفَانِ الأَْرْبَعَةِ الدِّيَةُ، وَفِي كُلِّ جَفْنٍ رُبْعُهَا، وَفِي أَصَابِعِ اليَدَيْنِ الدِّيَةُ كَأَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ، وَفِي كُلِّ أُصْبَعٍ عُشْرُ الدِّيَةِ، وَفِي كُلِّ أَنْمُلَةٍ ثُلُثُ عُشْرِ الدِّيَةِ، وَالإِْبْهَامُ مَفْصِلَانِ، وَفِي كُلِّ مَفْصِلٍ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ كَدِيَةِ السِّنِّ. قوله: «وفي المنخرين ثلثا الدية وفي الحاجز بينهما ثلثها» المنخران سمِّيا بذلك؛ لأنه يخرج منهما النَّخَر، والحاجز بينهما معلوم، والجميع يُسمَّى مارناً، ومارن الأنف ما لان منه. فالمارن يشتمل على ثلاثة أشياء: المنخرين، والحاجز بينهما. فإذا قطع منخراً فعليه ثلث الدية، ثلاثة وثلاثون بعيراً وثلث بعير، وإن قطع المنخر الثاني فعليه ستة وستون بعيراً وثلثا بعير، وإن قطع الحاجز بينهما فعليه مائة بعير، وإن قطع الحاجز وحده فعليه ثلث الدية. وهذا بناءً على القاعدة السابقة أن ما في الإنسان منه واحد ففيه الدية كاملة، كما جاء في حديث عمرو بن حزم: «وفي اللسان الدية، وفي الذكر الدية، وفي الصلب الدية» (١)، وهذا كله مجمع عليه.

стр. 5908

والعلماء ﵏ استنتجوا من ذلك أن ما في الإنسان منه واحد ففيه دية، وما فيه شيئان ففيه نصف دية، وما فيه ثلاثة ففي الواحد ثلث الدية، وفي الجميع دية كاملة. قوله: «وفي الأجفان الأربعة الدية، وفي كل جفن ربعها» الأجفان هما غطاء العينين، وفي كل عين غطاءان، أحدهما فوق والآخر تحت، ففي كل جفن ربع الدية، وفي الجميع الدية كاملة، وفي الثلاثة ثلاثة أرباع الدية، ولا فرق في الدية بين الأعلى والأسفل. وهذا مما في الإنسان منه أربعة، ولم يذكر المؤلف ما في الإنسان منه خمسة؛ لأن هذه لا تأتي في الأعضاء، وإنما تأتي في المنافع، قالوا: إن المذاقات خمسة: حلاوة، ومرارة، وعذوبة، وملوحة، وحموضة، فإذا جنى على إنسان وأذهب مذاقاته الخمس، فعليه الدية كاملة، وإن أذهب واحدة منها فعليه خمس الدية. قوله: «وفي أصابع اليدين الدية كأصابع الرجلين» يعني كما أن أصابع الرجلين فيهما الدية، فكذلك أصابع اليدين، وإن لم يقطع الكف، وإن لم يقطع القدم؛ لأن هذه أعضاء يوجد في الإنسان منها كذا وكذا، فيكون لكل عضو حصته من الدية. قوله: «وفي كل أصبع عشر الدية» فلو فرض أن أصابع

стр. 5909

يديه، أو رجليه اثنا عشر أصبعاً، فإن الدية لا توزَّع عليها جميعاً؛ لأن الزائد عيب. قوله: «وفي كل أنملة ثلث عشر الدية» يعني أن كل أنملة فيها ثلاث من الإبل وثلث. وكل أصبع من الأصابع فيه ثلاثة أنامل ما عدا الإبهام، ففيه أنملتان. قوله: «والإبهام مفصلان، وفي كل مفصل نصف عشر الدية» إذا كان مفصلان فإن الدية تقسم على الاثنين، فيكون في كل مفصل نصف عشر الدية، يعني خمساً من الإبل. ولا فرق في ذلك بين الأنملة العليا والسفلى، فإذا قطع العليا ففيها خمس من الإبل، وإذا قطع السفلى فالدية عشر من الإبل؛ لأنه إذا قطع السفلى انقطعت العليا. قوله: «كدية السن» يعني كما أن في السن خمساً من الإبل، كما جاء في الحديث: «وفي السن خمس من الإبل» (١). ولا فرق بين السن والضرس، وعلى هذا فدية الأسنان جميعاً مائة وستون بعيراً، فالعلماء يعتبرون دية الأسنان أفراداً. أما إذا كان بجنايات متعددة فكل سن له حكمه، فلو جنى عليه مرة واحدة، وأتلف جميع أسنانه فإن الفقهاء ﵏ يقولون فيه بعدد الأسنان.

стр. 5910

وذهب بعض العلماء إلى أنه إذا كانت بجناية واحدة فهي منفعة واحدة فعليه دية واحدة. ولكن ظاهر الحديث العموم فيؤخذ به، وعلى هذا فإذا جنى عليه حتى ذهبت كل أسنانه، فعليه مائة وستون بعيراً. وهذا الحكم في الإنسان الذي نبتت أسنانه مرةً ثانية، وأما الذي كان في النبات الأول فَيُنْظَر؛ لأن هذه الأسنان ـ وهي ما يسمى بأسنان اللبن ـ إذا سقطت نبتت مرة أخرى، فإذا نبتت سقط موجبها، ولم يجب فيها شيء، لكن إذا كان الإنسان قد أسقط الأسنان الأولى، ثم نبتت الثانية، فإنها إذا أتلفت فعلى الجاني ديتها. * * *

стр. 5911

فَصْلٌ وَفِي كُلِّ حَاسَّةٍ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَهِيَ السَّمْعُ، وَالْبَصَرُ، وَالشَّمُّ، وَالذَّوْقُ وَكَذَا فِي الكَلَامِ وَالْعَقْلِ، وَمَنْفَعَةُ الْمَشْيِ، وَالأَْكْلِ، وَالنِّكَاحِ، وَعَدَمِ استِمْسَاكِ الْبَوْلِ، أَوِ الْغَائِطِ، ......... هذا الفصل يتكلم فيه المؤلف عن المنافع؛ والمنافع هي الحواس. قوله: «وفي كل حاسة دية كاملة، وهي السمع والبصر، والشم، والذوق» المؤلف لم يعد من الحواس إلا أربعاً، والمعروف أن الحواس خمس، فأسقط اللمس. وقوله: «السمع» بمعنى أن يجني عليه حتى يصير لا يسمع، وإن بقيت الأذن، فتجب الدية كاملة، وورد حديث لكنه ضعيف: «في السمع الدية» (١)، فإن نقص السمع فحكومة؛ لأنه لا يمكن تقدير السمع. ولكن لو ادعى المجني عليه زواله، وأنكر الجاني، فإنه يُتَحايل عليه، فيأتيه أحدٌ بغتة، ويطلق عنده أشياء لها صوت مزعج، فإن تحرك، أو التفت فهو يسمع، وإلا فلا. وقوله: «والبصر» إذا جنى على البصر حتى أذهبه ففيه الدية، وسواء كان ذلك عن طريق العين، أو عن طريق الدماغ، فإن أذهب البصر في عين فعليه دية العين، وإن كان في العينين فعليه دية كاملة، فإن أضعف البصر فحكومة. وهذا يقال فيه ما قيل في السمع: فإذا ادعى المجني عليه أنه لا يبصر وأنكر الجاني، فيُتحايل عليه، قال بعضهم: نفتح عينه

стр. 5912

بالشمس فإن أدمعت عينه، أو أغضى فهو يبصر، وإلا فلا. وقال بعضهم: نستغفله، ثم نحذف شيئاً أمام عينه، فإن أحس فهو دليل على أنه يبصر وإلا فلا، والآن الطب الحديث يمكنه تحديد ذلك فنرجع إليه، ولا حاجة لهذه الأشياء. وقوله: «والشم» وأصله في الدماغ، وطريقه الأنف، فإذا جنى عليه حتى أذهب شمه، فعليه دية كاملة، وإذا ادعى المجني عليه أنه قد ذهب شمه وأنكر الجاني، فقال العلماء: يُؤتى له بأخبث رائحة وتوضع عنده، فإن اقشعرَّ منها علمنا أنه يشم، وإلا فلا. وقوله: «والذوق» إذا جنى عليه فأذهب ذوقه ففيه الدية كاملة؛ لأن الذوق نعمة من الله فالإنسان يتلذذ بالطعام، أو الشراب قبل أن ينتفع به من الناحية الجسمية. وإذا ادعى المجني عليه أن ذوقه قد ذهب وأنكر الجاني فإنه يُختبر بالأشياء التي لا يمكن أن يصبر عنها لو كان ذوقه باقياً. فإذا جنى عليه فأذهب حاسة اللمس من يده فصارت لا تحس بالخشن واللين فعليه دية اليد، حتى لو كانت تتحرك، فهناك فرق بين زوال اللمس والشلل، فزوال اللمس في الجلد، والشلل في الأعصاب. وقال بعض العلماء: إن جنى على عضو فأذهب إحساسه فعليه حكومة؛ لأنه فرق بين الشلل واللمس، اللمس يستطيع أن يحرك يده، ويأخذ ويعطي بها، لكنه ما يحس، والشلل لا يحركها فَقَدْ فَقَدَ منفعتها بالكلية.

стр. 5913

وأما إذا جنى عليه فأذهب لمسه من جميع بدنه، وصار جميع بدنه ليس له لمس فعليه الدية كاملة؛ لأنه أفقد البدن نفعاً مستقلاً، بخلاف ما إذا أذهب لمس شيء معين من البدن، فإن فيه حكومة، وهذا ـ والله أعلم ـ هو السر في أن المؤلف لم يذكره، وهو أن فيه هذا الخلاف، وهذا التفصيل. والأقرب عندي أن يقال: إن أذهب لَمْسَه بالكلية من جميع البدن فعليه الدية كاملة، وإلاّ فعليه حكومة، ولا يصح أن يقاس إذهاب اللمس على الشلل، لأن بينهما فرقاً عظيماً. قوله: «وكذا في الكلام» الكلام إذا أذهبه بالكلية حتى صار أخرسَ فعليه دية كاملة، وأمّا إن أذهب بعض الحروف ففيه قسطه من الدية، فتقسم على ثمانية وعشرين حرفاً، فإذا أذهب الراء مثلاً فيجب عليه قسطه من الدية، وإن أذهب حرفين فبقسطهما وهكذا، فإن أذهب أربعة عشر حرفاً فنصف الدية. وأما إذا لم يُذهب الحروف، ولكنه صار يتأتِئُ أو يفأفِئُ، فالواجب حكومة؛ لأن تقدير هذا بالنسبة للدية صعب، ولا يمكن الإحاطة به فعليه حكومة. قوله: «والعقل» أي: إذا جنى عليه حتى أذهب عقله فعليه دية كاملة، وهذا أشد شيء، فإذا ادعى المجني عليه زوال عقله، وأنكر الجاني فإن المجني عليه يُراقَب. وأما إذا فقد الذاكرة فالظاهر أن عليه دية كاملة. فإذا نقص عقله، بأن كان من قبل مِن أذكى الناس، ثم خفَّ ذكاؤه ففيه حكومة.

стр. 5914

قوله: «ومنفعة المشي» أي: لو جني عليه حتى أذهب منفعة مشيه، كأن شُلَّت رجلاه فأصبح لا يمشي، وهذا يقع كثيراً كما لو ضرب صلبه مثلاً، وفصل المخ حتى صار لا يتصل بالأسفل فعليه دية كاملة؛ لأنه أذهب منفعة لا نظير لها في الجسم. قوله: «والأكل» إذا أذهب منفعة الأكل فعليه دية كاملة، وهي ذات شُعَب، فقد يذهب اشتهاؤه الأكل، أو صار يأكل ولكنه لا ينتفع بالأكل، أو صار يأكل ولكنه لا يهضم، فيبقى الطعام في معدته لا ينزل أبداً، ففي هذه الأحوال دية كاملة؛ لأن الأكل ينتفع به في مذاقه، وفي اشتهائه، وفي هضمه، وفي منفعة الجسم به، فإن أفقده أكل بعض المأكولات كمرض السكري مثلاً، فهذا فيه حكومة. قوله: «والنكاح» أي: جني عليه حتى صار لا يشتهي النساء، أو يشتهي ولكنه لا يستطيع الجماع، كأن يصير عنيناً، أو يجامع ولكن لا ينزل، أو ينزل ولكنه لا يلقح، فإذا أفسد واحدة من هذه الأربع ففيه الدية كاملة. قوله: «وعدم استمساك البول» فإذا جنى عليه حتى صار لا يستطيع إمساك البول فعليه دية كاملة؛ لأنه أتلف منه منفعة ليس في جسمه منها إلا شيء واحد. قوله: «أو الغائط» أي: لا يستمسك الغائط، كأن يضربه على صلبه ويرتخي، فلا يستطيع إمساك الغائط، فعليه دية كاملة، وكذلك إذا جنى عليه حتى صار لا يمسك الريح فعليه دية كاملة.

стр. 5915

وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشُّعُورِ الأَرْبَعَةِ الدِّيَةُ، وَهِيَ شَعْرُ الرَّأْسِ، وَاللِّحْيَةِ، وَالْحَاجِبَيْنِ، وَأَهْدَابِ الْعَيْنَيْنِ فَإِنْ عَادَ فَنَبَتَ سَقَطَ مُوجَبُهُ، وَفِي عَيْنِ الأَْعْوَرِ الدِّيَةُ كَامِلَةً، ........ قوله: «وفي كل واحد من الشعور الأربعة الدية، وهي شعر الرأس، واللحية، والحاجبين، وأهداب العينين» فقوله: «شعر الرأس» أي: إذا جنى على شخص جناية حتى أذهب شعر رأسه وصار لا ينبت فإن فيه الدية كاملة؛ لأن شعر الرأس لا شك أنه جمال ووقاية، وفي فقده عيب وقذر عند الناس، ففيه ثلاثة أمور: الجمال، والوقاية، وأن فقده عيب وقذر عند الناس، ولهذا في قصة الثلاثة الذين ابتلوا، كان أحدهم أقرع يقذره الناس (١). وقوله: «واللحية» فإذا جنى عليه جناية حتى صارت لحيته لا تنبت فعليه دية كاملة، حتى لو كان هذا المجني عليه ممن اعتاد حلق لحيته، فظاهر كلام المؤلف أنَّ له الدية؛ وذلك لأنه أذهب شيئاً ليس في الإنسان منه إلا واحد، وأيضاً فيها جمال، فإن جمال الرجل باللحية أمر ظاهر. وقوله: «والحاجبين» وهما العظمان الناتئان فوق العينين، وفي شعرهما الدية كاملة، وفي الواحد نصف الدية، والحاجبان من نعم الله على الإنسان؛ لأنهما يحميان العين من نزول ما يضرها من ناحية الجبهة من عرق أو غيره، وأيضاً يظللانها من أشعة الشمس، ولهما فوائد أكثر من هذا.

стр. 5916

وقوله: «وأهداب العينين» ففيها الدية كاملة، وفي الواحد ربع الدية، ولو جنى عليه حتى أذهب شعر شاربه فما الذي عليه؟ عليه حكومة، والعنفقة فيها حكومة؛ لأنها ليست من اللحية، وأما شعر الإبطين فإنه يُنظر، فإذا قال الأطباء: إن وجود هذا الشعر خير وأن إزالته بالنتف فيه مصلحة للبدن، فإن هذا المجني عليه يعطى حكومة، وإن قالوا: هذا إحسان إليه فلا شيء في إزالته، وشعر العانة كالإبط، فيقال فيه ما قيل في شعر الإبط. وذهب بعض أهل العلم إلى أن هذه الشعور الأربعة لا تجب فيها الدية، وقالوا: إنه لا منفعة منها إلا الجمال، فهي كاليد الشلاء، والعين القائمة، وعلى هذا ففيها حكومة، كما لو جنى عليه فخدش وجهه حتى ذهب جماله ففيه حكومة، وهذا رواية عن الإمام أحمد، ومذهب الشافعي، ومالك ﵏. ولكن المشهور من المذهب أنه يجب فيها الدية، بخلاف الشعور الأخرى فإنه يجب فيها حكومة، والظاهر أن المذهب أصح، لا سيما شعر الرأس واللحية. قوله: «فإن عاد فنبت سقط موجَبه» «موجَبه» بفتح الجيم وهذا متعين؛ لأن موجِب الشيء ما كان سبباً لوجوبه، وموجَب الشيء ما وجب بسببه، فبينهما فرق، ونظير ذلك المقتضي والمقتضى، فمقتضي الشيء ما كان سبباً لوجوده، ومقتضاه ما وجد بسببه. وقوله: «فإن عاد فنبت سقط موجبه» فإن كان هذا الرجل قد

стр. 5917

سلَّم الدية، مثل أن يجني عليه حتى ذهب شعر رأسه، وأعطاه الدية، مائة بعير، ثم بعد ذلك نبت، فإن المجني عليه يردّ الدية على الجاني. فإن مات قبل أن يرجع ثبتت الدية، فإن طالب المجني عليه بالدية، وقال الجاني: انتظر ربما يرجع الشعر، يُرجع إلى أهل الخبرة، فيمهل مدةً يُعلم أن الشعر إن لم يُنبت فيها فليس بنابت. والحاصل أنَّ عندنا حالات: أولاً: إذا نبت الشعر ولو بعد مدة يسقط موجَبه، فإن كان المجني عليه قد قبض الدية فإنه يردها. ثانياً: إذا مات قبل أن ينبت، استقر وجوب الدية. ثالثاً: إذا طالب الجاني بالإمهال، فإنه يرجع إلى أهل الخبرة، فإن قالوا: إن هذه الجناية لا يمكن أن يرجع معها الشعر أبداً ثبت الموجَب، وإن قالوا: يمكن في خلال ستة أشهر، أُنْظِرَ ستة أشهر، حسب ما يقرِّره أهل الخبرة. فإن قلع سنه، وقال الجاني: ننتظر ربما يعود، نقول: إن كان سن اللبن، فإنه يعود، وينتظر، وإن كان غيره فإنه لا ينتظر؛ لأن الأصل عدم نباته. وَإِنْ قَلَعَ الأَْعْوَرُ عَيْنَ الصَّحِيحِ المُمَاثِلَةَ لِعَيْنِهِ الصَّحِيحَةِ عَمْداً فَعَلَيْهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ وَلَا قِصَاصَ. وَفِي قَطْعِ يَدِ الأَْقْطَعِ نِصْفُ الدِّيَةِ كَغَيْرِهِ. قوله: «وفي عين الأعور الدية كاملة» لماذا جعل دية كاملة وهي عين واحدة؛ قالوا: من أجل إذهاب المنفعة؛ لأن الأعور ينظر بالواحدة نَظَره بالثنتين، وإن كان نظره قاصراً؛ لأن الذي ينظر بالثنتين ينظر من كل الجوانب، والذي ينظر بعين واحدة ينظر من جانب واحد.

стр. 5918

فلو أن إنساناً فقع عين أعور حتى فقد بصره فعليه دية كاملة؛ لأنه أفقده منفعة البصر، صحيح أن العين الواحدة ليست فيها إلاَّ نصف الدية، ولكن هذا ليس من أجل أنها عين واحدة، ولكن من أجل أنه أفقده منفعة البصر فوجبت الدية كاملة، وهذا القول هو الصحيح، وإن كان بعض العلماء أخذ بالعموم، وأن في العين الواحدة نصف الدية، وكونه أفقده البصر كله هذا تابع للعين. مسألة: لو أن رجلاً لا يسمع إلا من جانب واحد فجني عليه حتى ذهب السمع كله، فما الواجب؟ المذهب يقولون: عليه نصف الدية، ولكن عند التأمل تجد أنه لا فرق بين هذه المسألة وبين عين الأعور. فإن قالوا: الفرق أن الذي يسمع من أذن واحدة إذا كنت تتكلم بجانبه لا يسمعك، ولهذا إذا أراد أن يسمع منك يلوي عنقه، أو يقول: تعال من الجانب الآخر، وهذا بخلاف الأعور. والجواب: أن نقول: وكذلك الأعور لو يأتي أحد عن يساره، وعينه اليسرى لا تبصر فإنه لا يشعر به، إذاً لا فرق بين المسألتين. واستدل بعض أهل العلم لذلك بأن من نظر من خَصاص البيت فإنها تفقأ عينه بدون إنذار، وقد ثبت عن النبي ﷺ في الصحيحين أن رجلاً اطلع في حجر في باب رسول الله ﷺ ومع رسول الله مِدرىً يحك به رأسه، فلما رآه ﷺ قال: «لو أعلم أنك

стр. 5919

تنتظرني لطعنت به في عينك» (١). وكذلك قال العلماء: إذا تسمَّعَ فلك أن تطعن أُذُنه، وهذه المسألة خلافية؛ لأن النص إنما ورد في العين، ولكن ما دمنا ألحقنا السمع بالبصر في مسألة الذي ينظر من خصاص البيت، فإننا نقول: إذن نلحق السمع في مسألة الدية بالبصر. فالقول بأنه إذا أذهب سمعه من جانب واحد يلزمه دية كاملة لا شك أنه هو القياس والعدل، ولا فرق بينه وبين البصر. قوله: «وإن قلع الأعور عين الصحيح المماثلة لعينه الصحيحة عمداً فعليه دية كاملة ولا قصاص» رجل عنده العين اليمنى سليمة، والعين اليسرى عوراء، فقلع من رجلٍ صحيح العينين عينه اليمنى، فلو قلعنا عين الأعور صار أعمى، مع أن هذا الأعور لما قلع عين الصحيح صار أعور لا أعمى، فلا قصاص على هذا الرجل الأعور، مع أن ظاهر القرآن ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥] القصاص، وإذا تلف بصر هذا الأعور فهو الذي جنى على نفسه وتعمد، فلماذا لم يَتَعمد أن يفقأ عينه اليسرى لأجل أن تبقى عينه؟! قالوا: نعم، الله يقول: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾، والباء تدل على العوض، وعين هذا قيمتها ليست كقيمة عين

стр. 5920

الأعور، فعين الأعور أغلى فهو أفضل منه، وزيادة على كونها عيناً فهي محتفظة بالبصر كله، ولهذا لا يمكن أن تتحقق المماثلة حتى يثبت القصاص. وقال بعضهم: إنه لا قصاص، وعليه نصف الدية، وهؤلاء اعتبروا عين المجني عليه، وقالوا: المجني عليه لم يذهب منه إلاّ نصف البصر فله نصف الدية، فالأقوال إذاً ثلاثة: الأول: القصاص. الثاني: لا قصاص، وعليه الدية كاملة. الثالث: لا قصاص، وعليه نصف الدية اعتباراً بحال المجني عليه، فإنه لم يفت في حقه إلا نصف البصر، فكيف نوجب عليه دية كاملة؟! وحُجّة المذهب أنه مروي عن عمر، وعثمان ﵄ (١)، ولا يعرف لهما مخالف، ولأننا أسقطنا عنه القصاص لمصلحته وأبقينا له حاسة كاملة، فلزمه ديةٌ كاملة. مسألة: إذا قلع الصحيح عين الأعور الصحيحة فعليه الدية كاملة، وإن كان عمداً فعليه القصاص، وهل يُلزَم الجاني مع القصاص بأن يدفع نصف الدية؟ المذهب أنه يلزم بذلك؛ لأنه أفقده حاسة كاملة، وهي البصر. والقول الثاني: أنه لا يلزم بنصف الدية؛ لأنها عين بعين كما قال تعالى، وكون الصحيح تبقى له عين ثانية فهذا ليس من
следующие страницы →