وهذا ممكن، ولكنه في نظر من قال: إن الكفارة لا تتبعض يقول: هذا غير ممكن؛ لأن حقيقة الأمر أن كل واحد منهما أعتق نصف رقبة فقط، وكل واحد منهما قاتِل بالمشاركة.
فالمذهب: أنه إذا شارك ولو في جزء واحد من مائة جزء فعليه كفارة، ولهذا لو اجتمع مائة على قتل شخص فعليهم مائة كفارة، على كل واحد كفارة.
وهناك وجه آخر لأصحاب الإمام أحمد ﵀ أنهم يشتركون في الكفارة.
وهذا القول في الحقيقة بالنسبة للعتق قد يقال: إنه ممكن، ولكن بالنسبة للصيام فغير ممكن؛ لأنه إذا صام شهراً، والآخر شهراً، لم يكن كل واحد منهما صام شهرين كفارة القتل.
وأما العتق فقد يقول قائل: إن مبناه على التحرير، ويعتمد على المال أكثر، بخلاف الصوم فهو عبادة بدنية محضة.
وعلى كل حال الاحتياط هو المذهب في هذه المسألة، وأنه يلزم كل واحد كفارة، ولو كثر المشتركون.
والكفارة عتق رقبة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، ودليلها قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا *﴾ [النساء:٩٢].
стр. 5952
ذكر الله في الآية ثلاثة أصناف: مؤمن، ومعاهَد، ومِنْ قوم عدو لنا وهو مؤمن، فالمؤمن قال الله فيه: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾، فيجب فيه أمران: تحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلمة إلى أهله.
والثاني: مؤمن من قوم عدوٍّ لنا، فيه الكفارة دون الدية.
لكن مَنْ هذا الرجل الذي مِنْ قوم عدو لنا، وهو مؤمن؟
قال بعض العلماء صورة ذلك: أن يقف رجُل من المؤمنين في صف الكفار فنقتله، ففي هذه الحال لا تجب له دية؛ لأنه هو الذي فرَّط في نفسه، ولكن علينا الكفارة.
وقال بعض العلماء: صورته أن يكون الرجل مؤمناً، لكن ورثته كفار، وهذا هو الصحيح وهو المتعين، فهو رجل مؤمن وورثته كفار أعداء لنا، فهذا يجب فيه الكفارة؛ لأنه مؤمن، ولا تجب الدية؛ لأننا إذا دفعناها لأهله صاروا يستعينون بها على قتال المسلمين، فلا ندفعها إليهم.
والثالث: من ذكره الله في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ أي: إذا كان المقتول كافراً معَاهَداً، ففيه الدية والكفارة، وهذا موجودٌ في عهدنا، فهؤلاء العمال الكفار لو أن أحداً قتل أحدهم خطأ، وجب فيه الدية والكفارة.
مسألة: هل في قتل العمد كفارة؟
قال بعض العلماء: في العمد كفارة؛ لأنه إذا وجبت الكفارة في الخطأ فالعمد من باب أولى؛ لأن العمد أشد إثماً،
стр. 5953
فإذا أوجب الله الكفارة في الخطأ، فهو إشارة وإيماءٌ إلى وجوب الكفارة في العمد.
وقال بعض العلماء: إنه لا كفارة في العمد، واستدلوا بأن الله تعالى شرط لوجوب الكفارة أن يكون خطأ فقال: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً﴾ ثم أتى بعد ذلك بقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] فلم يجعل له شيئاً يقيه من النار.
وقالوا أيضاً: إن العمد أعظم جرماً من أن تدخله الكفارة، وليس فيه إلا هذا الوعيد الشديد، وهذا القول أصح.
стр. 5954
بَابُ الْقَسَامَةِ
وَهِيَ أَيْمَانٌ مُكَرَّرَةٌ فِي دَعْوَى قَتْلِ مَعْصُومٍ. مِنْ شَرْطِهَا اللَّوْثُ، ....
قوله: «القسامة»: مأخوذة من القسم وهو اليمين.
وأصل القسامة أن عبد الله بن سهل بن زيد الأنصاري ﵁ خرج هو ومُحَيِّصة بن مسعود بن زيد الأنصاري ﵁ في جماعة إلى خيبر بعد أن فتحت، يمتارون ـ أي: يشترون ـ التمر، فتفرقوا وكلٌّ ذهب إلى حائط ونخل، فوجد محيصةُ عبدَ الله بن سهل يتشحَّط في دمه قتيلاً، فقال لليهود: قتلتم صاحبنا، فقالوا: ما قتلناه، فرفع الأمر إلى النبي ﷺ فقال: أتحلفون خمسين يميناً وتستحقون دم صاحبكم؟
وفي رواية: تحلفون على رجل منهم أنه قتله، فقالوا: يا رسول الله كيف نحلف ونحن لم نر ولم نشهد؟! فأخبرهم أن اليهود يحلفون خمسين يميناً، فقالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فوداه النبي ﷺ من عنده (١)، وهذا دليل على أنهم لو حلفوا لملكوا قتله.
وقد كانت القسامة معروفة في الجاهلية، فأقرها النبي ﷺ على ما كانت عليه في الجاهلية (٢)، وهذا دليل على أن
стр. 5955
المعاملات التي عند الكفار إذا كانت موافقة للشرع فإنه يؤخذ بها، كما أن المضاربة في الأموال كانت معروفة في الجاهلية وأقرها الإسلام.
قوله: «وهي أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم» صفة القسامة أن يدعي قومٌ أن مورِّثَهم قتله فلان، ويحلفون على أنه هو القاتل، ويكررون الأيمان، فإذا فعلوا ذلك وتمت شروط القسامة أُعطي المدَّعَى عليه لهؤلاء يقتلونه، فليس فيها بيِّنة، وإنما فيها هذه الأيمان فقط.
ويظهر تعريفها بالمثال:
ادعى ورثة زيد على شخص بأنه هو الذي قتل مورثهم، فقال الشخص: لم أقتله، وقالوا: بل أنت القاتل، ثم تحاكموا إلى القاضي، فقال لهم: أتحلفون على هذا أنّه قتل مُورِّثكم؟ قالوا: نعم، نحلف، فإذا حلفوا خمسين يميناً على هذا الرجل أنه قاتل مورثهم، أُخذ وقتل.
والقسامة في الحقيقة فيها مخالفة لغيرها من الدعاوِي من وجوه ثلاثة:
الأول: قبول قول المدَّعِي فيها وجعل اليمين في جانبه.
الثاني: تكرار الأيمان فيها.
الثالث: حَلِفُ المدَّعِي على شيء لم يره، ومع ذلك فإنها حكم شرعي.
أما الوجه الأول وهو أنه أخذ فيه بقول المُدَّعِي وجعل اليمين في جانبه، فإنها لم تخالف الأصول عند التأمل؛ لأنّك
стр. 5956
إذا تأملت الأصول وجدت أن اليمين إنما تشرع في الجانب الأقوى، يعني في جانب أقوى المتداعيين، فليست دائماً في جانب المدَّعَى عليه، فأحياناً تكون في جانب المدَّعَى عليه، وأحياناً تكون في جانب المدَّعِي، فينظر للأقوى من الجانبين وتشرع في حقه، بدليل أن أهل العلم قالوا: لو تنازع الرجل والمرأة في أواني البيت، فقالت المرأة: هذه لي، وقال الرجل: هذه لي، فالذي يصلح للرجل يكون له بيمينه، فمثلاً دلة القهوة لو قال الرجل: هي لي، وقالت المرأة: هي لي، فإنه يقبل قول الرجل «المدعي» حتى لو كانت الدلّة في يد المرأة، فنقول للرجل: احلف أنها لك وخذها؛ لأن جانبه أقوى.
مثال آخر: لو أنّ رجلاً ذا وقارٍ وهيئة، وعليه مشلح، وثوب، وغترة، وبيده مسحاة عاملٍ، وإلى جانبه عامل رافع ثوبه متحزِّم، وعليه ثوب غير نظيف، ويظهر من مظهره أنه عامل، ويقول: المسحاة لي، فقال الآخر: بل لي وهي بيدي، فهنا المدعي هو العامل، لكن في هذه الحال نغلب جانب العامل، فنقول له: احلف أنها لك وخذها.
مثال ثالث: لو كان رجلان ببلدٍ من عادتهم أن يستروا رؤوسهم بالشماغ، فوجدنا رجلاً حاسر الرأس ليس عليه شماغ، ورجلاً آخر عليه شماغ، وبيده شماغ، والرجل الحاسر يقول لهذا الذي بيده الشماغ: أعطني شماغي، هذا لي، والرجل الثاني يقول: هذا بيدي فهو لي، وأنت مدعٍ، فهنا الرجل المدعي الذي ليس عليه شيء أقوى جانباً، فنقول له: احلف وخذه.
стр. 5957
فتبين أن القسامة ليست شاذة عن أصول الدعاوي؛ لأن في الدعاوي ما يشهد لها، والقسامة فيها قرائن ترجح جانب المدعين، وهو اللَّوْث، أي: العداوة الظاهرة، كما سيأتي في كلام المؤلف.
وأما الوجه الثاني من المخالفة: وهو تكرار الأيمان، وغيرُها من الدعاوي يمين واحد تكفي، فالقسامة إنما تكرر فيها الأيمان لعظم شأن الدماء، حيث إذا أقدم هؤلاء على اليمين وحلفوا خمسين يميناً أُعطوا الرجل وقتلوه، وهذا أبلغ ما يكون من الخطر؛ فمن أجل ذلك كررت بخمسين يميناً.
وأما كونها خمسين يميناً، ولم تجعل عشرة مثلاً، فهذا ليس إلينا، كما أن هذا لا يرِد على أن صلاة الظهر أربع ركعات، ولم تجعل ثماني ركعات مثلاً.
وأما الوجه الثالث: وهو حلف الإنسان على شيء لم يره، فنقول: للإنسان أن يحلف على شيء لم يره اعتماداً على القرائن، وغلبة الظن، والدليل على هذا أن النبي ﷺ أقرَّ الرجل الذي جامع زوجته في نهار رمضان، حين قال: «والله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر مني» (١)، فأقره النبي ﷺ لأن عنده غلبة ظن، ولم يقل له: لا تحلف، فإنك لا تدري.
وقوله: «في دعوى» فُهِمَ منه أن الذي يحلف هو المدعِي؛
стр. 5958
لأنه لم يقل: في رفع دعوى، ولا قال: في قتل، بل قال: في دعوى، ولذلك كانت في جانب المدعي.
وقوله: «في دعوى قتل» أفادنا المؤلف أن القسامة لا تكون في دعوى جَرح، ولا في دعوى مال، وإنما تكون في دعوى قتل فقط، فالمال وما دون القتل ليس فيه قسامة كالجروح والأعضاء وما أشبه ذلك.
فلو أن رجلاً ادعى على عدوِّه أنه قَطَعَ يدَه، والعداوة بينهما ظاهرة بيِّنة، فإنَّنا لا نجري القسامة في ذلك؛ لأن القسامة إنما جاءت في القتل، وأما الأعضاء، والأطراف، والجروح فليس فيها قسامة، ولكننا نقول لهذا المدعي: هل لك بيِّنة؟ أو يُقر المدًّعَى عليه، أو يحلف، وينتهي الأمر.
والدليل على امتناع القسامة في دعوى الأعضاء والجروح تعليل، وهو أن القسامة إنما وردت في دعوى القتل، وهي خارجة عن الأصول والقياس، وما خرج عن الأصول والقياس فلا يقاس عليه، وإنما يقتصر فيه على ما ورد؛ لأنه لا مدخل للعقل فيه، وهذا هو المذهب.
وقال بعض أهل العلم: بل تجرى القسامة في دعوى قطع الأعضاء، والجروح، وعللوا ذلك بأنه لمَّا جرت القسامة في القتل، وهو أعظم من قطع العضو أو الجرح، كان جريانها فيما دون ذلك من باب أولى.
وليست القسامة خارجة عن الأصول، بل الأصول تشهد لها؛ لأننا لو لم نعمل بالقسامة لضاعت الدماء، وهتكت
стр. 5959
النفوس، فالأصول تشهد لها؛ لأن لدينا لَوْثاً، وهو القرينة الظاهرة التي تؤيِّد دعوى المدَّعِي، فلا فرق إذاً بين النفس وما دونها.
وقوله: «معصوم» علم منه أن دعوى قتل غير المعصوم لا تُسمع أصلاً، فلو أن أحداً من الكفار الحربيين ادعى أن مورِّثه الحربي قتله المسلمون فلا تسمع الدعوى؛ لأنه وإن ثبت أنهم قاتِلوه فلا شيء عليهم؛ لأنه حربي غير معصوم.
وكذلك لو كان مباح الدم لردَّتِه، أو مباح الدم لزناه وهو محصَن، أو لوجوب قتله في حد قطع الطريق مثلاً، فإن هذا غير معصوم، فلا تسمع الدعوى في قتله؛ لأنه وإن ثبت القتل فهو غير مضمون، فيكون تشكيل الدعوى وسماعها من باب اللغو الذي لا فائدة فيه.
قوله: «من شرطها اللوث» كلمة «من شرطها» قد تشكل على الطالب، فهل المعنى أن اللوث بعض شرط؛ لأن «من» للتبعيض؟
والجواب على هذا: أن «شرط» مفرد مضاف فيفيد العموم، فكأنه قال: من شروطها.
وَهُوَ العَدَاوَةُ الظَّاهِرَةُ، كَالْقَبَائِلِ الَّتِي يَطْلُبُ بَعْضُهَا بَعْضاً بِالثَّأْرِ، فَمَنِ ادُّعِيَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ مِنْ غَيْرِ لَوْثٍ حَلَفَ يَمِيناً وَاحِدَةً وَبَرِئَ، ....
وقوله: «اللوث» مصدر لاث يلوث، وبينه المؤلف بقوله:
«وهو العداوة الظاهرة» أي: بين القاتل والمقتول، سواء كانت بين القبائل، أو بين الأفراد، ولكن لا بد أن تكون العداوة ظاهرة؛ بخلاف العداوة الخفية فهذه لا تكون لوثاً، ثم ضرب لذلك مثلاً فقال:
стр. 5960
«كالقبائل التي يطلب بعضها بعضاً بالثأر» أي: إذا وُجد قتيل من قبيلة عند قبيلة أخرى معادية لها، فإن هذا يسمى لوثاً.
وقال بعض العلماء: إن اللوث كل ما يغلب على الظن القتل به، أي: بسببه، فكل شيء يَغْلُب على الظن وقوع القتل به فإنه من اللوث، سواء ما كان بين القبائل، أو لو وجدنا قتيلاً وعنده رجل بيده سيف مُلطّخ بالدم، فهذا قرينة ظاهرة على أنه هو القاتل، مع احتمال أنه غيره.
وكذلك لو كان القتيل فيه رمق، وقال: إن قاتله فلان فإنه قرينة تدل على أنه هو القاتل فيؤخذ بذلك، وتجرى القسامة بهذه الصورة؛ لأن لدينا ما يغلب على الظنّ أنه قتله.
ومن الغرائب أن بعض العلماء استدل على هذه الصورة بقصة البقرة، ولكن ليس في القصة دليل، والاستدلال بها بعيد؛ لأن قصة البقرة لما ضربوا القتيل ببعضها، قام وقال: الذي قتلني فلان، فإذا وُجِد آية على هذا النحو لا تجرى فيها القسامة، ولهذا ما أجري فيها قسامة.
وعلى كل حال الرأي الذي يقول: إن اللَّوْث كل ما يَغْلُب على الظن القتل بسببه هو الصحيح، وهو اختيار شيخ الإسلام ﵀؛ لأن علة القسامة معلومة، وهي غلبة الظن بوقوع القتل، وما دام أنه قد ثبتت غلبة الظن بالقتل فإنه يؤخذ بها.
وأولياء المقتول هل يجوز لهم أن يحلفوا، وهم لم يشهدوا ولم يروا؟
стр. 5961
الجواب: إذا غلب على ظنهم ذلك فلهم أن يشهدوا، ولكن يجب عليهم التثبت حتى لا يقعوا في اليمين الغموس؛ لأن اليمين الغموس هي التي يحلف الإنسان وهو فاجر فيها؛ يقتطع بها مال امرئ مسلم، فكيف بمن يقتطع بها نفس امرئ مسلم؟! ولذلك على أولياء المقتول أن يتثبتوا غاية التثبت، حتى إذا كانت القرينة عندهم مثل الشمس حلفوا.
قوله: «فمن ادعي عليه القتلُ من غير لوث حلف يميناً واحدة وبرئ» كسائر الدعاوي، مثاله: رجل ادعى أن فلاناً قتل مورِّثه، وليس هناك لوث، فقال المدعى عليه: ما قتلت، فنقول للمدعي: هل لك بينة؟ فإن قال: نعم، قلنا: أحضرها، وعملنا بما تقتضيه البينة، وإن قال: لا، قلنا للمدعى عليه: احلف مرة واحدة، والله ما قتلت هذا الرجل، ثم يبرأ، فإن أبى المدَّعَى عليه أن يحلف فهل يُحكم عليه، أو لا يُحكم؟
الجواب: إن كان موجَب الجناية المال قُضي عليه بالنكول، وإن كان موجَب الجناية قصاصاً لم يُقْضَ عليه بالنكول.
فإذا قال: إنه قتله عمداً، فالجناية عمداً توجب القصاص، وقال المدعى عليه: لم أقتله، قلنا له: احلف، قال: لا أحلف فنقول: لا نقضي عليك بشيء؛ لأن الجناية توجب القصاص، والقصاص لا يقضى فيه بالنكول؛ لأننا لو قضينا فيه بالنكول لقتلنا هذا الناكل؛ لأن معنى القضاء عليه بالنكول أننا نأخذ منه المدَّعَى به، فهنا لو قضينا عليه بالنكول لقتلناه، والنفس محترمة عظيمة لا
стр. 5962
وَيُبْدَأُ بِأَيْمَانِ الرِّجَالِ مِنْ وَرَثَةِ الدَّمِ، فَيَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِيناً، فَإِنْ نَكَلَ الْوَرَثَةُ، أَوْ كَانُوا نِسَاءً حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِيناً وَبَرِئَ.
يمكن أن تقتل بالنكول، لا سيما أن بعض الناس قد تأخذه العزة بالإثم، فيقول: لا أحلف، إما أن يأتي ببينة وإلا لن أحلف، ويكون صادقاً في نفي الدعوى، فلو قتلناه لاقترفنا جرماً عظيماً، ولكن هل نخلي سبيله ونتركه؟ الفقهاء يقولون: يُخلى سبيله، ولكن الصحيح أننا نلزمه بالدية؛ لأن الدية مال، وأَمَّا أن يذهب هكذا فالمسألة خطيرة.
وأما إذا كانت الجناية لا توجب القصاص، وإنما توجب المال فإنه إذا نكل حكمنا عليه بالنكول.
مثال ذلك: رجل ادعى أن صاحب السيارة هو الذي دعس مورِّثه، وهذا في الغالب خطأ، فقال صاحب السيارة: الذي دعسه شخص آخر، وليس أنا، فنقول لصاحب السيارة: احلف؛ لأن المدَّعِي ليس عنده بينة، فقال: لا أحلف؛ فنقول له: نقضي عليك بالنكول، فنُلزمك بالدية؛ لأن الدعوى هنا توجب مالاً، فإذا كانت توجب مالاً فإن المال يُقضى فيه بالنكول.
قوله: «ويُبدأ بأيمان الرجال من ورثة الدم فيحلفون خمسين يميناً» هل المعتبر عدد الأيمان أو عدد الحالفين؟ يعني هل نلزم أولياء المقتول بأن يحلف منهم خمسون رجلاً، أو أن المقصود خمسون يميناً ولو من رجل واحد؟
المؤلف يرى ـ وهو المذهب ـ أن المقصود خمسون يميناً، ولو من رجلٍ واحدٍ، فإذا كان لا يرث المقتول إلا هذا الرجل، فيحلف خمسين يميناً ويستحق.
стр. 5963
وقوله: «ويبدأ بأيمان الرجال» هذه العبارة موهمة جداً؛ لأن ظاهرها أن الرجال والنساء يحلفون، لكن يبدأ بأيمان الرجال، والأمر ليس كذلك، فالنساء لا مدخل لهن في القسامة، وينفي هذا الوهم قوله: «فيحلفون خمسين يميناً» والضمير ضمير ذكور.
فمثلاً: إذا كان الميت المقتول يرثه ابنان وبنت، فمسألتهم من خمسة، عليها عشرة أيمان، وعليهما أربعون، فهل نقول: يحلف كل ابن خمساً وعشرين يميناً، أو يحلف كل ابن عشرين يميناً؟
الجواب: الأول، ولهذا قال: «فيحلفون» أي: الذكور، وأما النساء فلا مدخل لهن.
ولو كان المقتول له ابن وعشر بنات، فيحلف الابن فقط خمسين يميناً، لأن الرسول ﷺ قال: «يحلف خمسون رجلاً منكم» (١).
وإذا كان المقتول له ثلاثة أبناء فيحلف كل منهم ست عشرة يميناً ويجبر الكسر إذ لا يمكن تبعُّض اليمين، وعلى هذا فيكون مجموع أيمانهم إحدى وخمسين يميناً، ولا حرج.
فإن قال قائل: لماذا لا تحلِّفون اثنين منهم بالقرعة؟
فالجواب: أن الأيمان لا تدخلها القرعة، فلا مناص من جبر الكسر.
стр. 5964
هذا ما ذهب إليه المؤلف وهو المذهب، أن الأيمان الخمسين توزَّع على الذكور من الورثة، وأنه لو لم يكن إلا واحد حلف الخمسين كلها.
والقول الثاني في المسألة: إنه لا بد من خمسين رجلاً، يحلف كل واحد يميناً واحدة؛ لقول الرسول ﷺ : «يحلف خمسون رجلاً منكم» ولم يقل: تحلفون خمسين يميناً؛ ولأن هذا أحوط وأبلغ، لأن هؤلاء الجماعة، أو القبيلة إذا علموا أنه لا بد أن يحلف خمسون منهم، قد ينصح بعضهم بعضاً، ويقول: اتق الله ولا تؤثمنا مثلاً، وحينئذٍ يكون فيه فائدة ومصلحة.
وهذا القول أقرب إلى ظاهر الأدلة، أنه لا بد من حَلِف خمسين رجلاً.
ولكن كيف يكون حلف هؤلاء الرجال؟ نقول: ننظُر للأقرب فالأقرب، فيبدأ بالورثة، ثم بمن يكون وارثاً بعدهم، ثم بمن يكون وارثاً بعد الآخرين، الأول فالأول.
فمثلاً لو كان عندنا أبناء، وأب، وإخوة، وبنو إخوة، وأعمام، وكانت الخمسون يميناً تكمل بأبناء الإخوة، فهنا لا نحلِّف الأعمام.
قوله: «فإن نكل الورثة أو كانوا نساءً حلف المدعى عليه خمسين يميناً وبرئ» أي: قال الورثة: لا نحلف على شيء لم نره، فتوجه اليمين إلى المدّعى عليه، كما في الحديث، ويقال: احلف خمسين يميناً.
стр. 5965
فإذا قال الورثة: نحن لا نرضى بأيمان من ادعينا عليه؛ لأن الذي يتجرأ على القتل يتجرأ على اليمين، ولا يبالي.
نقول: إنه في هذه الحال تؤدَّى ديته من بيت المال، كما فعل الرسول ﷺ لمَّا قال أولياء المقتول: لا نرضى بأيمان اليهود، وهم كفار، فوداه النبي ﷺ من عنده (١)، فإن حلف المدعى عليه ورضي المدعون فإنه يبرأ.
وقوله: «حلف المدعى عليه» هل المدعى عليه هنا عام يشمل الواحد، والمتعدد؟ نعم، هو كذلك، لكنه عام أريد به الخاص؛ لأن القسامة لا تصح إلا على واحد، فلا يمكن أن ندعي على اثنين، ونقول: هذان قتلا مورثنا؛ لأن لفظ الحديث: «على رجل منهم» فالقسامة لا تجرى إلا إذا كان المدعى عليه واحداً.
والعجيب أن بعض أهل العلم قالوا: لا تجرى القسامة إلا إذا كان المدعى عليه أكثر من واحد، عكس هذه المسألة، قالوا: لأن القسامة بين القبائل، فإذا ادعى على واحد، قلنا: لا قسامة كسائر الدعاوى.
ولو قال قائل: نجعلها كغيرها من الدعاوِي، بمعنى إن ادعى على واحد أجرينا عليه القسامة، وإن ادعى على اثنين فأكثر أجرينا عليهم القسامة؛ لأنه من الممكن أن يدعي المدعون أن شخصين قتلاه مع التواطؤ.
стр. 5966
وقوله: «أو كانوا نساءً» أي: فإن كان الورثة نساء، كأن يهلك هالك عن بنت وأخت شقيقة، وادعيا أن مورثهما قتله فلان، فلا تجرى القسامة؛ لأنه لا مدخل للنساء في القسامة، حتى لو ادعى العصبة الآخرون، وقالوا: إذا كنتم لا تقبلون دعوى النساء فنحن ندعي، كما لو ادعى عم البنت وأخو الأخت فلا يقبل؛ لأنه لا يرث.
وهذه المسأله تحتاج إلى تحرير؛ لأن في قصة عبد الله بن سهل ﵁ لما جاء أخوه وابنا عمه حويصة ومحيِّصة، قال الرسول ﷺ : «كبِّرْ» فبدأ حويصة بالكلام، وهذا يدل على أن العصبة لهم حق؛ لأن الرسول ﷺ خاطبهم، وقال: «تحلفون» (١)، والحاصل أن هذه المسألة تحتاج إلى تحرير؛ لأنه ربما تكون البنت والأخت الشقيقة لا مدخل لهما في القسامة، لكن العار يلحق هؤلاء بين الناس، فيقال: قُتِلَ صاحبكم، ولا أخذتم بالثأر.
فهذا شيء لو تُرك لحصل فيه مفسدة عظيمة، فيمكن أن يقتلوا بهذا الواحد عشرة، لا سيما إذا كانت هذه القبيلة أقوى من تلك.
стр. 5967
كِتَابُ الْحُدُودِ
قوله: «الحدود» جمع حد، وهو في اللغة المنع، ويطلق على معانٍ كثيرة، ففي كتاب الله تطلق الحدود على المحرمات، وعلى الواجبات، في المحرمات، يقول الله ـ تعالى ـ: ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]، وفي الواجبات: ﴿فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] لما ذكر الله ما يحرم على الصائم قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾، ولما ذكر ما يجب في المطلقات قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾.
ويطلق الحد على المراسيم التي تفصل بين جارين، فيقال: هذه حدود الأرض.
ويطلق الحد على ما يحصل به التعريف، وهذا الموجود عند المناطقة، وعرفوا الحد بأنه الوصف المحيط بموصوفه المميزُ له عن غيره، قال السَّفَّاريني:
الحد وهو أصلُ كلِّ عِلْمِ
وصفٌ محيطٌ كاشفٌ فافتهِمِ
«وصف محيط» يعني بموصوفه، «كاشف» يعني مميزاً له عن غيره.
هذا الحد عند أهل المنطق، فلا بد أن يكون جامعاً مانعاً.
مثال ذلك: لو قلت: ما هي الطهارة؟ فقلت: الطهارة هي استعمال الماء في الأعضاء الأربعة، فهذا لا يحيط بالموصوف؛ لأنه يبقى عندنا الغسل والتيمم، فليس بحدٍّ.
ولو قلت: إن الطهارة أن يطهر الإنسان ثوبه، ويغسل وجهه بعد النوم، وما أشبه ذلك، صار غير صحيح؛ لأنه أدخل غير المحدود، فلا بد أن يكون الحد جامعاً مانعاً، فإن لم يكن جامعاً مانعاً فليس بحد.
стр. 5968
ولو قلت في تعريف حد الواجب: هو ما أمر به.
فهذا غير مانع، والسبب أنه يدخل فيه غيره، فيدخل فيه المستحب، فهنا ما ميزه عن غيره.
ولو قلت: إن الواجب ما صدَّره الله تعالى بقوله: يجب عليك، لكان كذلك غير صحيح؛ لأنه ما أحاط بالموصوف؛ لأن الواجب يجب، ولو بغير هذه الصيغة.
ويطلق الحد ـ وهو المراد هنا ـ على العقوبة المقدرة شرعاً في معصية؛ لتمنع من الوقوع في مثلها، وتكفر ذنب صاحبها.
وهذا القيد الأخير ليس بلازم، ولكن أتينا به حتى تتبين الحكمة من العقوبة، فإن المقصود منها ليس مجرد العقوبة فقط، بل لها حكمة، وهي المنع من الوقوع في مثلها، سواء من الفاعل، أو من غيره، والثاني تكفير ذنب صاحبها.
مثال ذلك: رجل زنا، فيجب أن نجلده مائة جلدة، فهذا الجلد عقوبة مقدرة من الله .
والحكمة في ذلك:
أولاً: الردع لأجل ألا يفعلها هو، أو غيره مرة ثانية.
ثانياً: التطهير والكفارة، فإن الإنسان إذا فعل ذنباً وحُدَّ عليه كفر الله عنه، فلا يجمع الله عليه بين عقوبة الدنيا والآخرة.
стр. 5969
فخرج بقولنا: «العقوبة المقدرة» العقوبة غير المقدرة، مثل قوله ﵊: «واضربوهم عليها لعشر» (١)، فهنا ما حدد، إذاً هذا الضرب ليس بحد، لكنه تعزير.
وقولنا: «المقدرة شرعاً»: خرج به العقوبة التي يقدرها القاضي، فإن قال القاضي: حكمت على فلان بأن يجلد خمسين جلدة، فليس هذا حداً؛ لأن قائلها هو القاضي.
وقولنا: «في معصية»: هذا بيان للواقع، أن هذه العقوبات تكون على معاصٍ، وليس هناك عقوبة من الشرع على غير معصية، فليس هناك عقوبة على ترك واجب أو ترك مباح، لكن ترك الواجب لا شك أنه يتضمن فعل المحرم، إلا أنه ليس فيه عقوبة، إلا إذا كانت ردة ففيه القتل، لكن القتل بالردة والقتل بالقصاص ليسا من الحدود، خلافاً للمتأخرين الذين يجعلون القتل بالردة والقتل بالقصاص من الحدود، وهذا غلط بلا شك؛ لأن الحد لا بد من تنفيذه، والقصاص يسقط بالعفو، والردة القتل فيها يسقط بالرجوع إلى الإسلام، لكن الزاني ـ مثلاً ـ لو زنى، وثبت عليه الزنا فلا يمكن أن يسقط، حتى لو تاب إذا كانت الجريمة قد ثبتت ببينة فإنه لو تاب ما يقبل، بل لا بد أن يقام عليه الحد.
وهل الحد واجب تنفيذه أو لا؟ يقول المؤلف:
لَا يَجِبُ الْحَدُّ إِلاَّ عَلَى بَالِغٍ، ..................................
«لا يجب الحد إلا على بالغ» وليت المؤلف قال: «يجب الحدّ على كل بالغ» لأن الإثبات أحسن من النفي؛ لأنه إذا قال:
стр. 5970
لا يجب الحد إلا على كذا، كأن الأصل عدم وجوب الحد، لكن لو قال: «يجب الحد على كل بالغ عاقل ملتزم عالم بالتحريم» صار أبلغ؛ لأن الحد إقامته واجبة بالكتاب، وبالسنة، والإجماع.
قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾، والأمر للوجوب ﴿نَكَالاً مِنَ اللَّهِ﴾ حتى لا يجترئ أحد على السرقة بعد ذلك ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ختمها بالعزة حتى يكون له السلطان ﴿حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨] حتى لا يقال: إن هذا سفه، لماذا تقطع يده من أجل ربع دينار؟! ولو قطعها جانٍ لكانت الدية خمسمائة دينار؟ قلنا: نعم، إذا سرقت قطعت في ربع دينار، وإن قُطعت في جناية سُلِّمت خمسمائة دينار، حماية للأموال في قطعها بربع دينار، وحمايةً للنفوس في وجوب خمسمائة دينار في قطعها.
وقال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأَفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] فإياك أن تقول: هذا شيخ كبير، نجلده مائة جلدة!! وهذا إن لم يتزوج، وأما إذا تزوج فالحجارة، فلا تقل: أرحمُهُ، بل قل: لا أرحمُهُ؛ لأن من هو أرحم مني أمر بجلده، ونهاني أن أرأف به، فقال: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأَفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النور: ٢].
فإذا قال: اجلدوه في بيته حتى لا يطلع عليه أحد، قلنا: قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، والذي شرع هذه الحدود الله، وهو أرحم من الخلق جميعاً، فهو أرحم من الوالدة بولدها؛ لأن في إقامة الحدود مصالح عظيمة لا تحصى، ففيها ردع وتطهير.
стр. 5971
يقول بعض الملحدين والزنادقة: إننا لو قطعنا يد السارق لأصبح نصف الشعب مقطوعاً، نقول: لو قطع واحد لارتدع الآلاف، ولَمَا كان هناك سرقة، لكن ابن آدم ـ لقصور نظره ـ ينظر إلى الحاضر، ولا ينظر إلى المستقبل.
وقال تعالى في قطاع الطريق: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [المائدة: ٣٣] «إنما» أداة حصر، يعني ما جزاؤهم إلا هذا.
وقال عمر ﵁ وهو يخطب الناس على منبر الرسول الله ﵊: «وإني أخشى إن طال بالناس زمان أن يقولوا: لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله» (١)، وما أنكر عليه الناس أبداً بل أقروه؛ لأنها فريضة من فرائض الله يجب أن تنفذ.
ولو أن إنساناً كريماً، وشريفاً، وطيباً، ومن عائلة طيبة، سوَّلت له نفسه أن يسرق ربع دينار، وثبت عليه ذلك، فالواجب أن يقام عليه الحد، فيقام الحد على الشريف، وعلى الوضيع، وعلى الغني، والفقير، والذكر، والأنثى، والحر، والعبد، لا فرق؛ لأن الله لم يفرق، فما دام سرق فهذا جزاؤه؛ بل لو قال قائل: إن سرقة هذا الشريف لولا أن الله حدَّ حداً، لقلنا: تقطع يده ورجله؛ لأنه شريف، فتدنُّسُهُ بالسرقة أعظم من
стр. 5972
تدنُّس الوضيع، ولهذا فَزِنا الأشيمط واستكبار الفقير أشد من زنا الشاب، واستكبار الغني، فهذا الرجل الشريف كيف يسرق، أو كيف يزني؟!
وقوله: «لا يجب الحد إلا على بالغ» لا يجب الحد إلا بشروط:
أولاً: يجب أن يكون بالغاً، فلا يجب الحد على من دون البلوغ، والبلوغ يحصل بواحد من أمور ثلاثة: إما بإنزال المني، وإما بإنبات العانة، وإما بتمام خمس عشرة سنة، وقد سبق لنا أدلة ذلك في باب الحجر.
فإذا بلغ الإنسان فإنه ينظر في بقية الشروط حتى يقام عليه الحد، وأما من دون البلوغ فلا حد عليه، ولو زنا أو سرق لحديث: «رفع القلم عن ثلاثة .. » (١) والتعليل؛ لأنه ليس أهلاً للعقوبة لعدم صحة القصد التام منه؛ لأنه ناقص في التصور، وناقص في التصرف، ولهذا منع الله من إتيانهم أموالهم حتى لا يضيعوها، ولكن لا يعني ذلك أن الصغير لا يُعزَّر، بل يعزر، والتعزير غير الحد، ولهذا قال ﷺ : «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر» (٢) فأمر بضربهم قبل البلوغ، فالتعزير شيء وإقامة الحد شيء آخر، وعلى هذا فلو أن صغيراً فعل الفاحشة فلا نقول: هذا صغير، لا يجب عليه الحد، اتركوه، بل لا بد أن يعزر بما يردعه وأمثالَه عن هذه الفِعلة، وكذلك ـ أيضاً ـ لو سرق فإنه لا يُترك، بل لو أفسد شيئاً دون ذلك فإنه لا يُترك بدون تعزير.
стр. 5973
عَاقِلٍ، مُلْتَزِمٍ، عَالِمٍ بالتَّحْرِيمِ، فَيُقِيمُهُ الإِْمَامُ أَوْ نَائِبُهُ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ، .....
ثانياً: قوله: «عاقل» وضده المجنون، فالمجنون لا يجب عليه الحد؛ لحديث: «رفع القلم عن ثلاثة … » (١)، ولأنه ليس له قصد تام يعرف به ما ينفعه ويضره، فيُقْدِم أو يحجم، وهل يعزَّر؟
الجواب: لا يعزر؛ لأنه لو عزر ما انتفع، لكن لا نتركه يفسد أموال الناس، ويحرق الدكاكين، بل لا بد أن يمنع ولو بالحبس، إما عند وليه، وإما في الحبس العام، فالمهم أنه لا يترك والفساد؛ لأن الله يقول: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: ٦٤]، ويقول: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥]، فالذي لا يحبه الله لا يجوز لنا أن نمكن منه أبداً.
فكل فساد للدين أو للدنيا فإنه يجب على ولاة الأمور، ومن قدر من غير ولاة الأمور أن يمنع منه؛ لأن الله لا يحبه، فإذا كان لا يحبه الله فكيف نمكن منه؟!
ثالثاً: قوله: «ملتزم» يعني ملتزماً لأحكام الإسلام، سواء كان مسلماً أم كافراً، والملتزم هو المسلم والذمي فقط، وهو غير المعصوم، فالمعصوم تقدم أنهم أربعة أصناف: المسلم، والذمي، والمعاهَد، والمستأمِن، أما الملتزم فصنفان فقط، وهما المسلم والذمي؛ لأن الذمي ملتزم بأحكام الإسلام، لكنه لا يقام عليه الحد إلا فيما يعتقد تحريمه، أما ما يعتقد حله فلا يقام عليه الحد، ولو كان حراماً عند المسلمين، ولهذا لا نقيم عليهم الحد في شرب الخمر، ونقيم عليهم الحد في الزنا؛ لأن الزنا محرم
стр. 5974
بكل شريعة، فليس في الشرائع شيء يبيح الزنا أبداً، وعلى هذا فإذا زنا الذمي بامرأة مثله ليست من المسلمين، يهودية، أو نصرانية، فإننا نقيم عليه الحد؛ لأن الحد فيه علتان: المنع من الوقوع في مثلها، والتكفير، فإذا كان هذا ليس أهلاً للتكفير، فهناك العلة الثانية وهي المنع، ولهذا أقام النبي ﷺ الحد على اليهوديين اللذين زنيا (١)؛ لأنهم يعتقدون تحريمه.
لكن لو فرض أن هذا الذنب محرم عندهم، موجب للحد في الإسلام، غير موجب للحد في شريعتهم، فهل نقيم عليهم الحد بمقتضى الإسلام، أو لا؟
الجواب: لا نقيم عليهم الحد بمقتضى الإسلام، كما لا نقيم عليهم الحد بمقتضى الإسلام فيما يعتقدون حلّه، فإذا كانت شريعتهم لا توجب الحد في مثل هذه المعصية، فإننا لا نقيمه عليهم، لكن نعزرهم؛ لأن التعزير واجب في كل معصية ليس فيها حد ولا كفارة.
رابعاً: قوله: «عالمٍ بالتحريم» خرج به الجاهل بالتحريم، فهذا لا حد عليه، ولكن كيف نعلم أنه جاهل، أو عالم بالتحريم؟ لأننا إذا قلنا: يشترط أن يكون عالماً بالتحريم، صار كل واحد من الناس يقول: إنه ليس عالماً بالتحريم، ويقول: ما علمت أن السرقة حرام، وما علمت أن الزنا حرام، فهنا يُنْظَر، إن كان قد
стр. 5975
عاش في بلاد الإسلام، فإن دعواه الجهل بالأمور الظاهرة لا تقبل، ولا تسمع منه، وأما إذا كان حديث عهد بالإسلام، أو كان ناشئاً في بادية بعيدة، لا يعرف شيئاً عن أحوال المسلمين، فإننا نقبل منه دعوى الجهل، فإذا كان مثله يجهله قبلنا دعواه بالجهل، ورفعنا عنه الحد، فإن شككنا في هذا الأمر، هل هو ممن يجهل مثل ذلك، أو لا؟ فالأصل عدم العلم، فلا نقيم عليه الحد؛ لأنه لا بد أن يتحقق الشرط، وهو أن يكون عالماً بالتحريم.
وهل يشترط أن يكون عالماً بالعقوبة؟
لا يشترط أن يكون عالماً بالعقوبة، فلو قال الرجل المحصن الذي زنا: إنه لو علم أن حده الرجم ما زنا أبداً، لكنه ظن أن المسألة جلد فقط، وهو يصبر على الجلد فإننا نرجمه؛ لأنه لا يشترط العلم بالعقوبة، فإذا كان عالماً بالتحريم فمعنى ذلك أنه رضي بأن ينتهك حرمات الله، والله قد أوجب العقوبة على هذا الفاعل لهذه المعصية، ولا عذر له.
وإذا ثبت الحد، فمَنِ المخاطب بإقامته؟ وهل لكل إنسان أن يقيمه؟ قال المؤلف:
«فيقيمه الإمام أو نائبه».
وعلم من قوله: «فيقيمه» أنه لا بد من النية، فلو غضب الإمام على شخص في مسألة غير الفاحشة، مثلاً سمعه يسب الإمام، فقال: هذا الرجل يسبني، اجلدوه مائة جلدة، فلما انتهوا منه، قال لهم: إنه قد زنا وتكون الجلدات هذه عن زناه، فلا ينفع؛ لأنه لا بد من نية، ولهذا قال: «فيقيمه» والإقامة لا بد أن يكون لها نية.
стр. 5976
ومن الآداب أن ينوي الإمام بإقامة الحد أموراً ثلاثة:
أولاً: الامتثال لأمر الله في إقامة الحدود؛ لأن هذا مما أوجب اللهُ على العباد، ولا ينوي بذلك التشفي أو الانتصار.
ثانياً: ينوي دفع الفساد؛ لأن هذه المعاصي لا شك أنها فساد، والله تعالى ما أمر بإقامة الحدود على فاعلها إلا لدفع فسادهم وفساد غيرهم المنتظر، إذا لم يُقَم عليهم الحد.
ثالثاً: إصلاح الخلق، ومن بين الخلق الذين يصلحهم، هذا المجرم الذي يقيم عليه الحد، فينوي إصلاحه، وأن الله ـ تعالى ـ يغفر له ما سلف.
فهذه الأمور الثلاثة يجب على ولي الأمر أن تكون منه على بالٍ، لكن بعض الولاة يريد بذلك الانتقام فقط.
وهل تسري هذه الآداب الثلاثة على المعلم؟
الجواب: نعم، ينوي بذلك دفع الفساد بلا شك، وإصلاح هذا الطالب وغيره أيضاً، لكن هل هذه إقامة لفريضة الله؟ قد نقول: إنه من هذا، وإن كنا لا نتجاسر أن نقول: يصل إلى حد الفريضة، لكن نقول: إنه مما يشرع، فصار من المشروع أن ندفع الفساد بكل وسيلة.
وقوله: «الإمام» الإمام في كل موضع بحسبه، فعندما نتكلم عن الجنايات والحدود وما أشبهها، يكون المراد بالإمام من له السلطة العليا في الدولة، وعندما نتكلم في باب الجماعة نقول: المراد بالإمام في الصلاة إمام المسجد ونحو ذلك، فالإمام
стр. 5977
هنا من له السلطة العليا في الدولة، المدبر لشؤونها.
وقوله: «أو نائبه» نائب الإمام هو القاضي، الوزير، الأمير، هذا يرجع إلى العرف في هذه الأمور، فمثلاً إذا كان من عادة الإمام أن يقيم عنه الأمراءَ في تنفيذ الحدود صار نائب الإمام الأمير، وإذا كان الذي يقيمها شيوخ القبائل صار من ينوب عنه شيخ القبيلة، وإذا كان ينوب عنه القضاة صار الذي ينوب عنه القاضي وهكذا، فالمهم أن هذا يرجع إلى العرف والنظام الخاص، وهذا يختلف في كل مكان بحسبه.
قوله: «في غير مسجد» يشمل كل مكان إلا المسجد، فيجوز أن يقيمه في البيت على ظاهر كلام المؤلف، لكن بشرط أن يشهده طائفة من المؤمنين، ويجوز في مكان العمل، كما لو كانوا في دائرة وأقام الحد عليه في الدائرة، لكن لا بد أن يشهده طائفة من المؤمنين، ولكن الأفضل والأولى أن يكون في مكان عام، بمعنى أنه يأتي إليه كل أحد، كالسوق، ومجالس الناس، وما أشبه هذا.
ولهذا فإن ماعز بن مالك ﵁ قال الرسول ﷺ : «اذهبوا به فارجموه» فرجمه الناس علناً ظاهراً (١)، وكان شارب الخمر يؤتى به، والناس يضربونه باليد، والجريد، والنعل، وبالرداء (٢)، فيكون ظاهراً؛ لأننا ما دمنا نقول: إنَّ المراد رَدْعٌ
стр. 5978
لهذا وغيره، فإنه إذا كان في دائرته، أو مدرسته، أو ما أشبه ذلك، فيقل هذا بالنسبة لغيره، ولكن كلام المؤلف يدل على الجواز، لكن في المسجد لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ قال للأعرابي الذي بال في المسجد: «إنما بنيت المساجد لذكر الله تعالى، وقراءة القرآن، والصلاة» (١)، فالمساجد مبنية للذكر، والطاعة، وليست لإقامة الحدود، وأيضاً لأنه إذا أقيم عليه الحد في المسجد فربما يحصل منه أذى، مثل أن يرتاع ثم يحدث، وأيضاً ربما يحصل منه صراخ وكلام لا ينبغي ولا يليق بالمسجد؛ فلهذا يمتنع إقامة الحد في المسجد بالدليل والتعليل.
وإذا أردنا أن نقيم الحد فكيف نقيمه، وبم نقيمه؟
وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ فِي الْحَدِّ قَائِماً بِسَوْطٍ لَا جَدِيدٍ وَلَا خَلَقٍ، وَلَا يُمَدُّ، وَلَا يُرْبَطُ، وَلَا يُجَرَّدُ، بَلْ يَكُونُ عَلَيْهِ قَمِيصٌ، أَوْ قَمِيصَانِ، ...........
قال المؤلف: «ويضرب الرجل في الحد قائماً» أي: لا قاعداً ولا مضطجعاً، بل يضرب وهو قائم، ولكن لا بد أن يضرب هو، لا ثوبه، أما لو دفع ثوبُه الضربَ، فهذا ليس بضرب ولا ينفع، بل لا بد أن يقام ويضرب.
قوله: «بسوط» لا بمطرقة، والسوط هو خيزرانة أو عصا أو ما أشبه ذلك، ولا يكون بشيء قاسٍ كالحديد.
قوله: «لا جديد ولا خَلَق» الجديد يكون صلباً، والخلَقَ القديم يكون هشاً، ربما ينكسر، وربما يتفتت ولا يقع منه ضرب، وإنما يكون سوطاً بين سوطين، لا جديد ولا خلق.
стр. 5979
قوله: «ولا يُمد» أي: عندما نضرب الرجل لا نمده على الأرض؛ لأننا إذا مددناه على الأرض فإن الضربة تكون ضربتين، وقع السوط، ثم الأرض أيضاً تصطدم به.
قوله: «ولا يربط» العلة نفس الشيء؛ لأنك إذا ربطته على عمود أو على خشبة فإن الضربة ستكون ضربتين.
وأيضاً ذكروا أثراً عن ابن مسعود ﵁ قال: «ليس في ديننا مد ولا قيد ولا تجريد» (١).
قوله: «ولا يجرد» يعني لا تخلع ثيابه، ولا إزاره، ولا رداؤه، بل تبقى عليه ثيابه، إلا إذا جعل فيها ما يمنع الضرب، فيجب أن يجرد مما يمنعه، فلو جعل عليه فروة، أو جلداً، أو بلاستيك، أو ما أشبه ذلك فإننا لا نمكنه.
وقد قُدمت جارية لعلي بن أبي طالب ﵁ لتضرب في الحد فأمر بتجريدها، فإذا عليها درع من حديد؛ حتى لا يؤثر عليها، فإذا علمنا أن عليه شيئاً مانعاً وجب علينا إزالته، ولا يجوز أن نحابي أحداً في ذلك.
قوله: «بل يكون عليه قميص أو قميصان» «أو» للتنويع، يعني اللباس الذي عليه إن كان قميصاً أو قميصين يترك، فإن كان عليه ثلاثة فالظاهر أننا نخلع الثالث، فإن كان هناك برد ننظر إن كانت
стр. 5980
الثلاثة خفيفة لا تمنع الضرب فإننا نتركها، والمهم أن يصل ألم الضرب إلى بدنه.
وَلَا يُبَالَغُ بِضَرْبِهِ بِحَيْثُ يَشُقُّ الْجِلْدَ، وَيُفَرَّقُ الضَّرْبُ عَلَى بَدَنِهِ، وَيُتَّقى الرَّأْسُ وَالْوَجْهُ وَالْفَرْجُ وَالْمَقَاتِلُ، .................
قوله: «ولا يبالغ بضربه بحيث يَشُقُّ الجِلد» المبالغة نوعان:
الأول: مبالغة تشق الجلد وهذا حرام؛ لأنه ليس المقصود من ذلك أن يجرح الرجل، ويمزق جلده، إنما المقصود أن يذوق ألم الجلد حتى يتأدب.
الثاني: المبالغة على وجه لا يشق الجلد فلا بأس به، بل سيأتينا ـ إن شاء الله تعالى ـ أنه هو الواجب.
قوله: «ويفرق الضرب على بدنه» هذا ـ أيضاً ـ من آداب إقامة الحد، أن يُفرِّقَ الضرب على جسده؛ لأمرين:
أولاً: أنه إذا كان في مكان واحد اختص الألم بهذا المكان، وبقيت بقية المواضع غير متألمة.
ثانياً: أنه إذا كان الضرب على موضع واحد تألم هذا المكان شديداً، وربما يفسد الدم فيه، وربما يتجرح في المستقبل، فلهذا نقول: فرّق الضرب على الظهر، على الأكتاف، على الأفخاذ، على الساقين، على القدمين، حسب ما يوافق، وأما أن يكون في موضع واحد، فإن هذا خلاف الآداب في إقامة الحد، لكن هناك مواضع لا يجوز أن يقام فيها الحد، قال:
«ويُتقى الرأسُ والوجْهُ والفَرْجُ والمقَاتِلُ» هذه أربعة أشياء، ويُتقى بمعنى يجتنب، فيجتنب الوجه؛ لأن النبي ﷺ نهى عن
стр. 5981
ضرب الوجه (١)، ونهى عن تقبيح الوجه (٢)؛ لأن الله تعالى خلق آدم على صورته، وإذا كان الله خلقه على صورته التي اعتنى بها، وأتمها وأحسنها، فإن ضربها يوجب أن تنخدش، وأن تتغير مع أن الله تعالى جعل أجمل ما في الإنسان وجهه، ولهذا خلقه على الصورة التي اختارها وأرادها من بين سائر الجسد فلا تُقبح، فلا يقال: قبح الله وجهك.
ويُتقى ـ أيضاً ـ الرأس، يعني ما يضرب الرأس في الجَلْد؛ وذلك لأن الرأس ألمه شديد، حيث إنه ليس عليه لحم يقي الضرب، وحينئذٍ يصل الضرب إلى العظم، فيتألم، وربما يتأخر برؤه.
ويُتقى ـ أيضاً ـ الفرج أي: ذكر الرجل، وفرج المرأة؛ لأن ذلك يضرُّ به، وربما يَقتل الرجل إذا وقع الضرب على الخصيتين، فقد يموت الإنسان.
ويتقي ـ أيضاً ـ المقاتِل، مثل الكبد، أو على موضع القلب، أو على موضع الكليتين، فتتقى هذه المواضع؛ لأنه ليس المقصود من ذلك إتلاف الذي أقيم عليه الحد.
ولكن إذا كان الضرب تعزيراً ليس حداً فلا حرج أن يضرب
стр. 5982
الإنسان على رأسه، كما لو أن إنساناً مثلاً صفع ابنه على رأسه، وقد روي عن عمر ﵁ أنه ضرب رجلاً على رأسه حتى أدماه (١)، فهذا يدل على أن الضرب على الرأس في غير الحد لا بأس به، أما في الحد فإن جلده شديد ومُضِرٌّ.
فالذي يتقى في الضرب أربعة أشياء: الوجه، والرأس، والفرج، والمقاتل، أما الوجه ففيه دليل وفيه تعليل، والبقية فيها تعليلات.
وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِيهِ إِلاَّ أَنَّهَا تُضْرَبُ جَالِسَةً، وَتُشَدُّ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، وَتُمْسَكُ يَدَاهَا لِئَلاَّ تَنْكَشِفَ، ........
قوله: «والمرأة كالرجل فيه» يعني المرأة في إقامة الحد كالرجل؛ لأن الأصل أن ما ثبت للرجال ثبت للنساء، وما ثبت للنساء ثبت للرجال إلا بدليل، سواء في العبادات، أو في العقوبات، أو في المعاملات، أو في العادات.
فإذا دل الدليل على أن هذا خاص بالرجل تخصص به، وإذا دل على أنه خاص بالمرأة تخصصت به، وإلا فالأصل التساوي، وعلى هذا فتضرب كما يضرب الرجل بسوط لا جديد ولا خَلَق، ولا يضرب رأسها، ولا وجهها، ولا فرجها، ولا مقاتلها، ولا يبالغ بضربها بحيث يشق الجلد، إلا أنها تخالفه في مسألة، وهي قوله:
«إلاَّ أَنَّهَا تُضْرَبُ جَالِسَةً وتُشدُّ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا وتُمْسَكُ يَدَاهَا لئلا تنكشف» ثلاثة أمور:
стр. 5983
أولاً: تضرب جالسة؛ لأن ذلك أستر لها.
ثانياً: تشد عليها ثيابها أي: تربط؛ لأنه ربما مع الضرب تضطرب، وتتحرك، وتنحل ثيابها.
ثالثاً: تمسك يداها حتى لا تنكشف؛ لأنها ربما تفرج ثيابها بيديها فتنكشف.
فهذا هو الذي يفرق فيها بينها وبين الرجل؛ لأن الحاجة داعية له، وإلا فالأصل أنها كالرجل.
أما ما يفعله بعض الولاة فيما سبق، كانوا إذا جلدوا الرجل مدوه على الأرض، وأتوا له بجريد النخل ليس أطراف النخيل، بل الجريد القريب من أصل العسيب، ثم يضربونه ضرباً شديداً حتى يغمى عليه في بعض الأحيان، أما المرأة فيضعونها في عِدْل، وهو كيس من الصوف يجعل فيه العيش، ويسمى عِدْلاً؛ لأنه يعادل به على البعير؛ لأنه لا يحمل إلا كيسين، أحدهما على اليمين، والآخر على اليسار، فتبقى هكذا المرأة مُخَيَّشَة بهذا الصوف والصوف حار، ثم يضربونها ـ والعياذ بالله ـ بما تهيأ نسأل الله العافية، هذا لا شك أنه حرام، وأنه من ظلم الولاة، ولا يجوز أن يفعل ذلك، على أن الغالب أن ما يحصل من هذه الأمور إنما يكون على سبيل التعزير؛ لأنه لا يثبت عليهم الزنا ثبوتاً شرعياً بأربعة شهود، أو بإقرار تام، ومع هذا يفعلون بها ذلك، ويقولون: إن هذا أبلغ في النِّكَاية والنَّكال، وما كان أبلغ فإنه يجب أن يتَّبع، وهذا تعزير وليس بحد، ولكن نقول: يجب أن نلاحظ النكال والنكاية، ونلاحظ معهما الرحمة، أما هذا
стр. 5984
الأمر الذي يؤدي أحياناً إلى الموت والهلاك، فهذا لا يجوز.
وَأَشَدُّ الْجَلْدِ جَلْدُ الزِّنَا، ثُمَّ الْقَذْفُ، ثُمَّ الشُّرْبُ، ثُمَّ التَّعْزِيرُ، وَمَنْ مَاتَ فِي حَدٍّ فَالْحَقُّ قَتَلَهُ، وَلَا يُحْفَرُ لِلْمَرْجُومِ فِي الزِّنَا.
قوله: «وَأَشَدُّ الجَلْدِ جَلْدُ الزِّنا» «أشد» يعني أقوى، فالشدة هنا قوة الضرب، فأشده جلد الزنا؛ والدليل قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأَفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] وهذا يدل على أننا نشتد في ذلك، ولأنه أكثر عدداً، وإذا كان الشارع قد راعى كثرة العدد، فإن الصفة تتبع العدد، فلولا أنه يجب أن يكون أقوى في الصفة ما كان أكثر عدداً.
قوله: «ثُمَّ القَذْفُ» القذف هو الرمي بزنا أو لواط، فإذا رمى محصناً بزنا أو لواط فهذا هو القذف، فيقال لهذا القاذف: إما أن تأتي ببينة، وإما أن يقر المقذوف، وإما أن تجلد الحد ثمانين جلدة، وإما أن تُسقط ذلك بالملاعنة إذا كانت المقذوفة هي الزوجة، فالقذف أشد مما بعده؛ لأن جلده أكثر؛ إذ إن القاذف يجلد ثمانين جلدة، يعني مائة إلا عشرين، فهو الذي يلي جلد الزنا في الكمية، فينبغي أن يكون تالياً له في الكيفية.
قوله: «ثُمَّ الشُّرْبُ» يعني شرب المسكر، وكل مسكر فهو خمر من أي نوع كان؛ لأن النبي ﷺ قال: «كل مسكر خمر وكل خمر حرام» (١)، وعلى هذا فنقول: الذي يلي جلدَ القذف جلدُ شرب المسكر، وسيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ ذكر الخلاف، هل جلد شارب المسكر حدٌّ أو تعزيرٌ؟
стр. 5985
قوله: «ثُمَّ التَّعْزِيرُ» يعني ثم جلد التعزير، وكم جلد التعزير؟
المذهب أنه لا يزاد على عشر جلدات إلا في مسائل يأتي ذكرها ـ إن شاء الله تعالى ـ في باب التعزير، وعلى هذا فيكون التعزير من عشر جلدات فأقل، يعني لو وجدنا رجلاً قد سهر مع امرأة طول الليل، وهو يقبلها ويضمها، ويجامعها فيما دون الفرج، مستمتعاً معها غاية التمتع، إلا أنه لم يجامعها، وعثرنا عليهما في الصباح، وأقرَّا بذلك، فنجلدهما عشر جلدات، ومن أهون الجلد!! لكن سيأتينا أن هذا القول ضعيف جداً، ولا تقوم مصالح الناس، ولا تدرأ المفاسد بمثل هذا القول أبداً.
إذاً شدة الجلد مرتبة على كثرته؛ لأن الكيفية تابعة للكمية، فأشد الجلد جلد الزنا، ثم القذف، ثم الشرب، ثم التعزير.
قوله: «وَمَنْ مَاتَ فِي حَدٍّ فَالحَقُّ قَتَلَهُ» «من» شرطية، وجواب الشرط «فالحق قتله» وهذه العبارة عبارة أثرية، بمعنى أنها قيلت من زمان سابق، واتبع الناس فيها الأول، والمعنى أنه قُتل بحق، ومن قُتِل بحق فليس بمضمون.
وقد سبق لنا في الجنايات قاعدة مفيدة في هذا الباب، وهي ما ترتب على المأذون فليس بمضمون.
وقوله: «من مات في حد» «في» للظرفية، فلا بد أن يكون ذلك في نفس الحد، فلو زاد الإنسان على الحد كمية أو كيفية فإنه يكون ضامناً، فلو جلد بسوط صلب قوي جديد، لكن لم يتجاوز العدد ومات المجلود فيضمن؛ لأنه ليس في إطار الحد بل تجاوز، وكذلك لو جلده مائة جلدةٍ وجلدةً يضمن؛ لأنه زاد،
стр. 5986
وكذلك لو تجاوز في شدة الضرب حتى مات فإنه يضمن؛ لأنه تجاوز المأذون، وما ترتب على غير مأذون فهو مضمون.
فإذا قال قائل: إذا جلده مائة وواحدة، فلم يمت من الواحدة، لكن مات من الجميع لا شك، فهل توزع الدية على عدد الضربات، أو يضمنه كاملاً؟
نقول: بل يضمنه كاملاً؛ لأنه تعدى، وجائزٌ أنه لولا هذه الواحدة لم يمت، وعليه فنقول: إنه يضمن إذا زاد في العدد، وكذلك لو ضربه في الوجه، أو في الرأس، أو في الفرج ونحوه من المواضع التي لا يجوز الجلد فيها.
وما حد قوة الضرب؟
الجواب: لا يمكن ضبطها في الواقع، لكنها في القدر الذي يتحمله المجلود، ولهذا لو فُرض أنه لا يتحمل لضعف بدنه، أو مرضه الذي لا يرجى برؤه فإنه يضرب بسوط مناسب، حتى أنه ربما نقول: اضربه بعثكول النخل، أي: اجمع شماريخ على عدد الجلدات واضربه بها، فالجلد إذاً على حسب تحمل المجلود، ولا يمكن ضبطه؛ لأن هذا شيء بالصفة، والصفة صعب ضبطها؛ لأنها لا ترى.
قوله: «ولا يحفر للمرجوم في الزنا» يعني لا يحفر لمن رجم في الزنا، ونائب الفاعل هو الجار والمجرور؛ لأنه ليس عندنا مفعول به ينوب عن الفاعل، ولهذا قال ابن مالك:
وَقَابلٌ مِنْ ظرفٍ أَوْ مِنْ مَصْدَرِ … أَوْ حَرْفِ جَرٍّ بِنِيَابَةٍ حَرِي
وَلَا يَنُوبُ بَعْضُ هذِي إِنْ وُجِدْ … فِي اللَّفْظِ مَفْعُولٌ بِه وَقَدْ يَرِدْ
стр. 5987
وقوله: «ولا يحفر للمرجوم في الزنا» هذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، أنه لا يسن الحفر له، وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم على حسب اختلاف الروايات فيها، فالروايات الواردة عن النبي ﵊ مختلفة، فمنها ما يدل دلالة صريحة على أنه لا يُحفر للمرجوم حيث ذُكر نفي الحفر، ومنها ما يدل على أنه يُحفر له، ومنها ما هو محتمل، لم يذكر فيه هذا ولا هذا، ومن ثَمَّ اختلف العلماء.
فالذين قالوا: لا يحفر، قالوا: لأن النبي ﷺ لم يحفر للمرأة التي زنا بها أجير زوجها، بل قال لأنيس: «واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها» (١) ولم يأمره بالحفر لها، وعدم الأمر في وقت الحاجة يدل على عدم الوجوب؛ لأن الحاجة داعية إلى ذكره لو كان واجباً، فلم يقل: اغد إليها فإن اعترفت فاحفر لها وارجمها، ولأنه ﷺ لم يحفر لليهوديين اللذين زنيا، حيث زنا رجل يهودي بامرأة يهودية، ثم ارتفعوا إلى النبي ﷺ ليحكم بينهما، وكان الحد الرجمَ في التوراة، لكن لما كثر الزنا في أشرافهم، قالوا: لا يمكن أن نرجم أشرافنا، إذاً ماذا نصنع؟ قالوا: نسوِّد وجوههما، ونطوف بهما على القبائل، أو ما أشبه ذلك مما يؤدي إلى الخزي والعار، فلما قدم النبي ﷺ المدينة ووقع الزنا من رجل منهم وامرأة، قالوا: اذهبوا إلى هذا الرجل ـ يعنون النبي ﷺ لعلكم تجدون عنده شيئاً، فأمر
стр. 5988
النبي ﷺ برجمهما، وقال: إن هذا هو حكم التوراة، قالوا: لا نجد ذلك في التوراة قال: فأتوا بالتوراة فإذا هي موجودة واضحة، فأمر بهما فرُجما، قال الراوي: فرأيت الرجل يقيها الحجارة منكباً عليها (١)، وهذا دليل على أنه لم يُحفر لهما.
أما حديث ماعز ﵁ فاختلفت الروايات فيه في مسلم نفسه، ففي بعضها: «أنه لم يحفر له» (٢) نصاً صريحاً، وفي بعضها: «أنه حفر له» (٣)، وجمع بعض العلماء بينهما، بأن نفي الحفر، يعني لم يحفر له حفرة عميقة، وإثباته أنه حفر له حفرة يتمكن من أن يهرب منها؛ لأنه هرب، ولكن بعض ألفاظ الصحيح تدل بصراحة على أنه ما حفر له إطلاقاً.
فيأتي الترجيح بين المثبت والنافي، فإذا تساوى الحديثان في الصحة فإننا نقدم المثبت؛ لأن معه زيادة علم، والظاهر لي أن هذا يرجع إلى رأي الإمام، إن رأى أن المصلحة تقتضي أن يحفر حفر، وإلا ترك، أما أقوال أهل العلم فهي كالتالي:
أولاً: لا يحفر مطلقاً، وهذا هو المذهب.
ثانياً: يحفر مطلقاً، وهذا قول مقابل له.
ثالثاً: يحفر للمرأة، ولا يحفر للرجل.
رابعاً: يحفر له إن ثبت ببينة، ولا يحفر له إن ثبت بإقرار؛
стр. 5989
لأجل أن يمكّن من الهرب، بخلاف البينة فإنه لا يُمَكَّن.
ولكن الذي يظهر لي أن الأمر راجع إلى اجتهاد الحاكم، فإن رأى من المصلحة الحفر حفر وإلا فلا.
ثم على القول بالحفر فإننا نحفر له ولا ندفنه؛ لأنه لو دفناه قد لا يموت، لكنه ما يتحرك أبداً، ويتعب فهو إذا بقي ربما ـ مثلاً ـ يلتفت إلى جهة، ويتحرك بعض الشيء ليهون عليه الأمر.
فالخلاصة أن الشروط العامة هي: البلوغ، والعقل، والالتزام، والعلم بالتحريم، فهذه شروط في كل حد، وهناك شروط أخرى تذكر في كل باب على حدة.
стр. 5990
بَابُ حَدِّ الزِّنَا
إِذَا زَنَا الْمُحْصَنُ رُجِمَ حَتَّى يَمُوتَ، .....................
قوله: «باب حد الزنا» يعني باب عقوبته، والزنا فعل الفاحشة في قبل أو دبر، والفاحشة كل جماع محرم؛ لأن الجماع المحرم فاحشة مستفحشة في جميع العقول، فما من أحد من بني آدم إلا ويستفحش عقلُه هذا الفعل المنكر، إلا من سلب الله عقله، ومسخ طبيعته، فإنه قد يستسيغ هذا المنكر، كالجُعَل يستسيغ رائحة العذرة، ولكنه في رائحة الورد قد يموت، قال ابن وردي ﵀:
إن ريح الورد مؤذٍ في الجُعَل.
فالورد الذي هو من أحسن ما يكون إذا شمَّه الجُعَل يكرهه، لكن شمه للعذرة قوي جداً.
قوله: «إذَا زَنَا المُحْصَنُ رُجِمَ حَتَّى يَمُوتَ» «زنا» فعل الشرط، «ورُجم» جواب الشرط، أي: رجم بالحجارة، ويجب أن تكون الحجارة لا كبيرة تقتله فوراً، ولا صغيرة لا يتألم ولا يتأذى بها، بل تكون كالبيضة أو أقل، وقد علمنا أنه يُتقى الرأس، والوجه، والفرج، والمقاتل، فيضرب بالحجارة إلى أن يموت، فما هو الدليل على هذه القتلة التي قد يستبشعها بعض الناس؟
الدليل من كتاب الله، وسنة ورسول الله ﷺ ، وعمل الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين.