← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 10649

الشرح الممتع على زاد المستقنع

ابن عثيمين

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.

стр. 6266

وقد اشتهر عند العامة أن نوعاً من السعال (الكَحَّة) يُداوى بلبن الأتان، ويقولون: إذا حلّت الضرورة حلت المحرمات. «حلت» الأولى بمعنى نزلت، و «حلت» الثانية بمعنى أُبيحت، ففيه جناس تام، وهذا غير صحيح وليس له أصل، لأمرين: الأول: أن الله لم يجعل شفاءنا فيما حرم علينا. الثاني: أن الضرورة التي تبيح المحرم يشترط لها شرطان: الأول: أن يتعين دفع ضرورته بهذا الشيء لا بغيره. الثاني: أن تندفع ضرورته به. فهل الدواء ينطبق على هذا أو لا؟ الجواب: لا ينطبق، أولاً: لأن الإنسان قد يُشفى بدون تناول الدواء، وهذا شيء كثير، وكم شفينا ـ والحمد لله ـ من أمراض كثيرة بدون أن نتناول دواءً، وغالب الناس مر عليه هذا، إذاً لسنا في ضرورة لتناول الدواء. ثانياً: ربما يكون هناك دواء غير هذا يغني عنه، فلسنا في ضرورة إلى هذا الدواء. وقولنا: «أن تندفع ضرورته به» فهل الدواء تندفع به الضرورة؟ الجواب: قد تندفع وقد لا تندفع، يعني قد يُفيد، وقد لا يفيد، ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن الرسول عليه الصلاة

стр. 6267

والسلام: «الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام» (١)، يعني الموت، فإذا لم يرد الله أن يشفي هذا المريض لم يُشفَ ولو بالدواء. وإذا جاء الأمر بعد النهي فهو للإباحة، وإذا جاء الحل بعد التحريم فإنه يقصد به انتفاء التحريم، ولا ينفي أن يكون الشيء واجباً، فقول المؤلف: «حل له» أي: ارتفع التحريم؛ لأنه في هذه الحال إذا اضطر إلى أكل المحرم لا نقول: هو حلال، إن شئت فَكُل، وإن شئت فلا تأكل، بل يجب أن يأكل؛ لإنقاذ نفسه، وعليه فيكون التعبير هنا بالحل في مقابل التحريم، فلا ينافي الوجوب. المسألة الثانية: لو اضطر إلى شرب ماء محرمٍ هل يشرب؟ الجواب: نعم يشرب، ولو اضطر إلى شرب الخمر فلا يشرب، يقول العلماء: إن الخمر لا يغني من العطش، بل يزيد العطش، ومع ذلك إذا اضطر إليه بحيث تندفع ضرورته بتناوله حل له الخمر، ومثَّلوا لذلك برجل غصَّ بلقمةٍ ولم يكن عنده إلا كأس خمر، فله أن يتناول ما يدفع اللقمة فقط ثم يمسك؛ لأنه هنا تندفع به الضرورة، أما غيرها فلا تندفع به الضرورة. قوله: «ومن اضطر إلى نفع مال الغير مع بقاء عينه لدفع برد، أو استسقاء ماء، ونحوه وجب بذله له مجاناً» الاضطرار إلى مال الغير إما أن يكون إلى عينه، وإما أن يكون إلى نفعه.

стр. 6268

مثال الاضطرار إلى عينه: جاع إنسان وليس عنده إلا خبزٌ لغيره، ومثال الاضطرار إلى نفعه: بَرَدَ الإنسان واضطُر إلى لحاف غيره، فالاضطرار هنا إلى نفعه لا إلى عينه؛ لأن اللحاف سيبقى، والذي يُنتفع به هو التدفئة بهذا اللحاف. والفرق بينه وبين الاضطرار إلى عين المال أنَّ المضطر إلى نفع المال ستبقى عين المال، والمضطر إلى عين المال سوف تفنى عين المال، فبينهما فرق واضح. في المسألة الأولى: إذا اضطر إلى مال الغير، فإن صاحب المال إن كان مضطراً إليه فهو أحق به. مثاله: رجل معه خبزة وهو جائع وصاحبه جائع، وليس معه خبز، فالصاحب محتاج إلى عين مال الغير، لكن الغير ـ أيضاً ـ محتاج إليه، ففي هذه الحال لا يحل للصاحب أن يأخذ مال الغير؛ لأن صاحبه أحق به منه، ولكن هل يجوز لصاحبه أن يؤثره أو لا؟ الجواب: المذهب أن الإيثار في هذه الحال لا يجوز، وقد سبق لنا قاعدة في ذلك، وهي أن الإيثار بالواجب غير جائز، ومن أمثلتها في باب التيمم إذا كان الإنسان ليس معه من الماء إلا ما يكفي لطهارته، ومعه آخر يحتاج إلى ماءٍ فلا يعطيه إياه والثاني يتيمَّم؛ لأن هذا إيثار بالواجب، والإيثار بالواجب حرام. وعلى هذا فإذا كان صاحب الطعام محتاجاً إليه، يعني مضطراً إليه كضرورة الصاحب فإنه لا يجوز أن يؤثر به الصاحب؛ لأن هذا يجب عليه أن ينقذ نفسه، وقد قال النبي عليه الصلاة

стр. 6269

والسلام: «ابدأ بنفسك» (١)، فلا يجوز أن يؤثر غيره؛ لوجوب إنقاذ نفسه من الهلكة قبل إنقاذ غيره، هذا هو المشهور من المذهب. وذهب ابن القيم ﵀ إلى أنه يجوز في هذه الحال أن يؤثر غيره بماله، ولكن المذهب في هذا أصح، وأنه لا يجوز، اللهم إلا إذا اقتضت المصلحة العامة للمسلمين أن يؤثره، فقد نقول: إن هذا لا بأس به، مثل لو كان هذا الصاحب المحتاج رجلاً يُنتفع به في الجهاد في سبيل الله، أو رجلاً عالماً ينفع الناس بعلمه، وصاحب الماء المالك له، أو صاحب الطعام رجل من عامة المسلمين، فهنا قد نقول: إنه في هذه الحال مراعاة للمصلحة العامة له أن يؤثره، وأما مع عدم المصلحة العامة فلا شك أنه يجب على الإنسان أن يختص بهذا الطعام الذي لا يمكن أن ينقذ به نفسه، وصاحبه. وإذا كان طعام الإنسان كثيراً وَوَجَدَ مضطراً إليه فإنه يجب أن يبذله له وجوباً. فالخلاصة: أنه إذا اضطر إلى عين مال الغير، فإن كان الغير مضطراً إليه فهو أحق به، ولا يؤثر غيره به، وإذا كان غير مضطر إليه وجب أن يبذله لهذا المضطر وجوباً، وهل يبذله مجاناً أو بالقيمة؟ الجواب: فيه خلاف بين العلماء، قال بعضهم: يجب أن

стр. 6270

يبذله له مجاناً؛ لأن إطعام الجائع فرض كفاية، والفرض لا يجوز أن يتخذ عليه الإنسان أجراً. وقال آخرون: يجب أن يبذله له، وعلى المنتفع به القيمة؛ لأنه أتلف عين مال الغير فلزمه عوضه، قيمته إن كان متقوماً، ومثله إن كان مثلياً. وهناك تفصيل أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه إن كان مع المضطر العوض وجب بذله، وإن كان فقيراً فليس عليه شيء؛ لأن الفقير من أين يوفي؟! وإطعام الجائع واجب، بخلاف الغني فإن عنده ما يعوض به صاحب المال، وهذا قول وسط وله وجهة من النظر. فإن أبى صاحب المال، أو الطعام أن يعطيه، فهل لهذا المضطر أن يأخذه بالقوة؟ الجواب: نعم، له أن يأخذه بالقوة، وإذا لم يمكن أن يأخذه إلا بالقتال، فهل يقاتل؟ الجواب: قال العلماء: يقاتل، فإن قُتل صاحب المال فهو ظالم، وإن قُتل المضطر فهو شهيد. فإذا قُدِّر أنه عجز، ولم يتمكَّن حتى مات، فهل يضمنه صاحب الطعام؟ الجواب: قال بعض العلماء: يضمنه؛ لأنه تعدَّى بترك القيام بالواجب. وقال آخرون: إنه لا يضمن؛ لأنه لم يمت بسببه، والمشهور

стр. 6271

من مذهب الإمام أحمد أنه يضمنه إذا طلب الطعام ولم يعطه، أما لو مرَّ بشخص مضطر، ولكنه ما طلب فإنه لا يضمنه. وهل مثل ذلك لو شاهدت إنساناً غريقاً بالماء، وهو يشير أنقذني يا رجل، أنقذني، وتركتَه حتى غرق، فهل تضمن أو لا؟ الجواب: المذهب: لا يضمن، والصحيح أنه يضمن لو كان قادراً على إنقاذه، أما لو كان عاجزاً فإنه لا يضمن، وفي هذه الحال أيضاً، لا ينبغي أن تنزل إلى الماء لإنقاذ غريقٍ، إلا إذا كان لديك قوة، وأنت واثق من نفسك؛ لأن عادة الغريق إذا أمسك بالمنقِذ أنه يغرقه، ويجعله تحته حتى يركب عليه، فإذا لم يكن عند الإنسان قوة بدنية، ومعرفة بالسباحة فسوف يغرق. وغالب الناس لا يعرفون هذا الفن، وتأخذهم الشفقة والرحمة، ولكن يجب على الإنسان أن يحكِّم العقل دون العاطفة. وإذا كان رجل في مفازةٍ ومررتُ به، ولكني خشيت منه، فهل يلزمني حمله أو لا؟ الجواب: إذا كان الخوف محققاً لم يلزمك أن تحمله، ولكن يلزمك أن تنقذه، فإذا كان معك فضل ماء، أو فضل طعام، فأعطه وامشِ، أما إذا كان الخوف غير محققٍ فيجب أن تحتاط لنفسك، وتنظر هل معه سلاح، أو ليس معه سلاح، وتركبه بعيداً عنك. هنا حكم الاضطرار إلى عين مال الغير، أمّا الاضطرار إلى نفع مال الغير فيقول المؤلف:

стр. 6272

«ومن اضطر إلى نفع مال الغير مع بقاء عينه لدفع برد» كاللحاف أو النار وما أشبه ذلك. «أو استسقاء ماء» مثل: الدلو والرشاء وما أشبه ذلك. «ونحوه» كما لو اضطر إلى ماعون ليضع فيه الماء، أو ليدفِّئ به ماء، أو ليضع فيه الطعام، أو ما أشبه ذلك. وهل مثل ذلك الاضطرار إلى ركوب السيارة، مثل أن يكون في مفازة، ومرَّ به صاحب سيارة، فهو الآن مضطر إلى الركوب، فهل هذا مثله؟ الجواب: نعم؛ لأن هذا اضطرار إلى نفع هذه السيارة مثلاً، أو البعير، أو الحمار. وقوله: «وجب بذله له مجاناً» أي: بغير عوض. والفرق بين الاضطرار إلى نفع المال وبين الاضطرار إلى عين المال أن الأول ستبقى عين المال والثاني تغنى عين المال؛ لأن المضطر سيقول لصاحب المال: سيبقى لك مالك فلا تمنعني من الانتفاع به؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ *الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ *الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ *وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ *﴾ [الماعون] فمنع الماعون في هذه الحال داخل في الوعيد. وَمَنْ مَرَّ بِثَمَرِ بُسْتَانٍ فِي شَجَرَةٍ، أَوْ مُتَسَاقِطٍ عَنْهُ، وَلَا حَائِطَ عَلَيْهِ، وَلَا نَاظِرَ، فَلَهُ الأَكْلُ مِنْهُ مَجَّاناً مِنْ غَيْرِ حَمْلٍ، ............................ قوله: «ومن مر بثمر بستان» «من» عامة تشمل الذكر والأنثى، والمسلم والذمي، كلَّ مَن مَرَّ، لكن اشترط المؤلف فقال: «في شجرة» كأن مررت بالنخلة، وعليها ثمرها. قوله: «متساقط عنه» كأن يكون سقط في حوض النخلة

стр. 6273

شيء من التمر، بخلاف المجموع، فلو أن صاحب الثمر جمعه، وجعله في البيدر ـ وهو المكان الذي ييبس فيه التمر ـ فليس له هذا الحكم. قوله: «ولا حائط عليه» الحائط معروف، وهو الجدار المحيط بالبستان الذي يمنع من الدخول، إلا من الباب. وقوله: «ولا ناظر فله الأكل منه مجَّاناً» وهو الحارس، فإذا كان عليه حارس وإن لم يكن عليه حائط فلا أكل، فاشترط المؤلف شروطاً: الأول: أن يكون فيه الثمر، أو متساقطاً، لا مجنياً. الثاني: ليس عليه حائط. الثالث: ليس عليه ناظر. فإن كان عليه حائط فإنه لا يأكل منه؛ لأن تحويط صاحبه عليه دليل على أنه لا يرضى أن يأكله أحد، فهو إذاً قرينة على عدم رضا صاحبه بالأكل منه، والإنسان لا يحل ماله إلا بطيب نفس منه. كذلك إذا كان عليه ناظر فهو دليل على أن صاحبه لا يرضى أن يأكل منه أحد؛ لأنه لو رضي أن يأكل منه أحد لم يجعل عليه ناظراً يحرسه، فهو قرينة على أن صاحبه لا يرضى أن يأكل منه أحد. فإذا جعل عليه شبكاً فهل له نفس الحكم، أو أن هذا الشبك عن البهائم؟ الجواب: الظاهر أن الشبك الذي فيه موانع شائكة عن

стр. 6274

البهائم فقط، والشبك الرفيع الطويل المربع، الظاهر أنه عن الجميع. والدليل على هذا أن الرسول ﵊ أذن لمن مر بالحائط أن يأكل منه غير متخذٍ خُبنة (١)، والخبنة هي التي يجعلها الإنسان في طرف ثوبه، أي لا يحمل منه شيئاً، ولهذا قال المؤلف: «من غير حمل». فشروط الأكل ثلاثة، وإن قلنا: شروط الأخذ فهي أربعة. فإذا كنا نتكلم عن الأكل فهذه شروطه، وإذا كنا نتكلم عن الأخذ فنزيد شرطاً رابعاً وهو ألا يحمل، فإن حمل فهو حرام؛ لأن الأصل تحريم أكل المال. ولكن في الحديث شرطاً لم يشر إليه المؤلف، وهو أن الرسول ﵊ أمر من دخل حائطاً أن ينادي صاحبه ثلاثاً، فإذا أجابه استأذنه، وإن لم يجبه أكل (٢)، وهذا شرط لا بد منه؛ لأنه دل عليه الحديث، وما دل عليه الحديث

стр. 6275

وجب اعتباره، وعلى هذا فنزيد شرطاً رابعاً للأكل، وهو أن ينادي ثلاثاً، فإن أجيب استأذن، وإن لم يُجَب أكل. أيضاً اشتراط انتفاء الحائط فيه نظر؛ لأن لفظ الحديث: «من دخل حائطاً» والحائط هو المحوطُ بشيء، وعلى هذا فلا فرق بين الشجر الذي ليس عليه حائط، وبين الشجر الذي عليه حائط. فالذي تبين من السنة أن الشرط هو أن يأكل بدون حمل، وألا يرمي الشجر، بل يأخذ بيده منه، أو ما تساقط في الأرض، وأيضاً يشترط أن ينادي صاحبه ثلاثاً، إن أجابه استأذن، وإن لم يجبه أكل. هذا الذي دل عليه الحديث هو ما ذهب إليه الإمام أحمد ﵀. وذهب الجمهور إلى أن ذلك ليس بجائز، وحملوا الأحاديث على أول الإسلام، أو أول الهجرة، حين كان الناس فقراء محتاجين، وأما مع عدم الحاجة فلا يجوز، ولكن الصحيح أنه عامٌّ. فإذا قلت: هل لهذا القول حظ من النظر بعد أن كان له حظ من الأثر؟ فالجواب: نعم، وهو أن هذا مما جرت العادة في التسامح فيه. وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين كون الإنسان ابن سبيل، أو كان مقيماً، حتى في الحوائط التي في البلاد لا بأس

стр. 6276

إذا مررت أن تأخذ، ولكن جرت العادة عندنا هنا في القصيم أنهم قد يبيعون ثمرة النخل على رجلٍ آخر، فهل يبقى الحكم ثابتاً حتى ولو كان قد اشتراها رجل آخر؟ أو نقول: لما اشتراها مَلَكها، والسُّنة إنما جاءت بالنسبة لصاحب الحائط؟ هذا الثاني هو الأقرب، وأن اشتراء الرجل لها يكون بمنزلة حيازة صاحب الحائط لها، فإذا علمنا أن هذا النخل قد بيع ثمره فإننا لا نأكل منه. ثم شرع المؤلف ﵀ هنا في بيان أحكام الضيافة، وإنما ذكرها المؤلف هنا من باب الاستطراد، لما ذكر ما حُرِّم لحق الله من الحيوانات وغيرها، ثم ذكر ما يتعلق باحترام مال المسلم، ذكر أيضاً الضيافة، فهذا وجه المناسبة من ذكرها هنا. وَتَجِبُ ضِيَافَةُ المُسْلِمِ الْمُجْتَازِ بِهِ فِي الْقُرَى يَوْماً وَلَيْلَةً. قوله: «وتجب ضيافة المسلم» «تجب» هذا بيان حكم الضيافة، والضيافة أن يتلقَّى الإنسان مَن قدم إليه، فيكرمه وينزله بيته، ويقدم له الأكل، وهي من محاسن الدين الإسلامي، وقد سبقنا إليها إبراهيم ﵊، كما قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات:٢٤]، أي: الذين أكرمهم إبراهيم، ولا يمتنع أن يقال: والذين أكرمهم الله بكونهم ملائكة. فحكم الضيافة واجب، وإكرام الضيف ـ أيضاً ـ واجب، وهو أمر زائد على مطلق الضيافة، قال النبي ﵊: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» (١)، أي: من كان يؤمن إيماناً كاملاً فليكرم ضيفه.

стр. 6277

وإكرام الضيف بما جرت به العادة يختلف باختلاف الضيف والمضيف، فأما المضيف فلقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧]، فإذا نزل شخص ضيفاً على رجلٍ غني، فإنه يكرمه بما وسَّع الله عليه، وإذا نزل بإنسان فقير فيكرمه بما قدر عليه، فقد ينزل هذا الرجل على شخص غني، ويكون إكرامه بأن يذبح له ذبيحة، ويدعو مَنْ حوله، وقد ينزل على آخر ويكون إكرامه له أن يقدم له صحناً من التمر؛ لأن الأول عنده مال، وهذا فقير. كذلك باعتبار الضيف، فالضيوف ليسوا على حد سواء، ينزل بك ضيف، صاحب لك، ليس بينك وبينه شيء من التكلف فتكرمه بما يليق به، وينزل عليك ضيف كبير عند الناس في ماله، وفي علمه، أو في سلطانه، فتكرمه بما يليق به، وينزل عليك شخص من سِطَة الناس تكرمه ـ أيضاً ـ بما يليق به. ومن الإكرام ـ أيضاً ـ أن لا تقدِّر عليه قِراه كما فعل إبراهيم ﵊، فإبراهيم ﵇ لما نزل به الملائكة راغ إلى أهله، قال العلماء: انطلق مسرعاً بخفية، حتى لا يقولوا شيئاً؛ لأنه جرت العادة أن الضيف إذا أراد المضيف أن يكرمه قام يحلف: والله لا تفعل كذا، ولا تفعل كذا، فإبراهيم ذهب مسرعاً بخفية، وجاء بعجل حنيذ سمين، وبعض الناس يكرم، ثم إذا قدم الغداء يقول: تفضل، والله ما وجدنا هذا اللحم اليوم إلا الكيلو بعشرة، أو اللحم غالٍ اليوم، لكن أنتم أهل لذلك! وهذا فيه مِنّةٌ.

стр. 6278

أو يقول: والله ما وجدت هذه الشاة إلا بمائتي ريال، وأخذ الذباح لها خمسين ريالاً، وما أشبه ذلك؛ فهذا لا يجوز، ولهذا قال العلماء: يكره تقويم الطعام أمام الضيف؛ لأنه مهما كان الأمر فسوف ينكسر خاطره، ولا يمكن أن يخرج وهو مسرور بهذا العمل. وقوله: «المسلم» خرج به الكافر، وهو عامٌّ للكافر الذمي، والحربي، والمستأمِن، والمُعَاهَد، وهذا هو المشهور من المذهب، حيث اشترطوا أن يكون الضيف مسلماً، ولكن الصحيح أنه يعم المسلم وغير المسلم؛ لقول النبي ﵊: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» (١)، وهذا عامٌّ، ولم يقل: أخاه، فإذا نزل بك الذمي، وجب عليك أن تكرمه بضيافته. قوله: «المجتاز به» يعني الذي مر بك وهو مسافر، وأما المقيم فإنه ليس له حق ضيافة، ولو كان المقيم له حق الضيافة لكان ما أكثر المقيمين الذين يقرعون الأبواب! فلا بد أن يكون مجتازاً، أي: مسافراً ومارّاً، حتى لو كان مسافراً مقيماً يومين، أو ثلاثة، أو أكثر، فلا حق له في ذلك، بل لا بد أن يكون مجتازاً. قوله: «في القرى» دون الأمصار، والقرى البلاد الصغيرة، والأمصار البلاد الكبيرة، قالوا: لأن القرى هي مظنة الحاجة، والأمصار بلاد كبيرة فيها مطاعم وفنادق وأشياء يستغني بها

стр. 6279

الإنسان عن الضيافة، وهذا ـ أيضاً ـ خلاف القول الصحيح؛ لأن الحديث عامّ، وكم من إنسان يأتي إلى الأمصار، وفيها الفنادق، وفيها المطاعم، وفيها كل شيء، لكن يكرهها ويربأ بنفسه أن يذهب إليها، فينزل ضيفاً على صديق، أو على إنسان معروف، فلو نزل بك ضيف ولو في الأمصار فالصحيح الوجوب. قال في الروض: «ولا يجب إنزاله ببيته مع عدم مسجد ونحوه» (١)، والصحيح أنه يجب أن ينزله في بيته ولو وجد مأوى ومساجد مفتوحة لأن هذا من إكرامه؛ لأن الرسول ﵊ أعطانا كلمة جامعة مانعة واضحة، وهي: «فليكرم ضيفه» (٢)، وليس من إكرامه أنه إذا تعشى، أو تغدَّى تقول له: انصرف! إذاً نقول: يجب إكرامه بما جرت به العادة في طعامه، وشرابه، ومنامه، والحديث عامٌّ. ومناسبة ذكر الضيافة في كتاب الأطعمة: أن هذا من باب الاستطراد. لما ذكر ما حرم لحقَّ الله من الحيوانات ثم ذكر ما يتعلق باحترام مال المسلم ذكر أيضاً الضيافة فهذا وجه المناسبة. قوله: «يوماً وليلةً» لقول النبي ﵊: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته»؟ قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: «يوم وليلة»، أو «يومه وليلته»، وبعد

стр. 6280

اليوم والليلة إلى ثلاث صدقة (١)، وما عدا ذلك فقال النبي ﷺ : «ولا يحل له أن يثوي فيحرجه» (٢) «لا يحل له» أي: للضيف، «أن يثوي» أي: يبقى، إذاً الضيف إذا بقي ثلاثة أيام يغادر ولا يبقى، وقد علَّل الرسول ﷺ ذلك فقال: «فيحرجه» فعُلم من هذا التعليل أنه إذا كان لا يحرجه فلا بأس؛ لأنه يوجد بعض الناس لو يبقى عندك أشهراً فأنت مسرور منه، ولا سيما إذا كان ضيفاً على العزاب، فالعزاب يحبون أن ينزل عليهم الضيف؛ لأنه يؤنسهم، وليس هناك نساء يخجلون، ويتعبون من الضيف. فالمهم أن قول الرسول ﷺ : «فيحرجه» يفيد أنه إذا لم يكن فيه إحراج فلا بأس أن يبقى الضيف، ولو فوق ثلاثة أيام. والحاصل: أن الضيافة واجبة بأربعة شروط: الأول: أن يكون الضيف مسلماً. الثاني: أن يكون مسافراً. الثالث: أن يكون في القرى. الرابع: المدة وهي يوم وليلة.

стр. 6281

بَابُ الذَّكَاةِ لَا يُبَاحُ شَيْءٌ مِنَ الْحَيَوَانِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ، إِلاَّ الْجَرَادُ، وَالسَّمَكُ، وَكُلُّ مَا لَا يَعِيشُ إِلاَّ فِي الْمَاءِ، .................. قوله: «الذكاة» يعني الذبح، وأصلها من الذكاء، وهو الحدة والنفوذ، ووجه الارتباط أن الذبح يكون بآلة حادة ونافذة، ومنه الذكاء؛ لأن الذكي يكون حاد الذهن، ونافذ البصيرة. أما في الشرع: فهو إنهار الدم من بهيمة تحل، إما في العنق إن كان مقدوراً عليها، أو في أي محل من بدنه إن كان غير مقدور عليها. والذكاة شرط لحل الحيوان المباح، فكل حيوان مباح فإنه لا يحل إلا بذكاة. وهل يشمل ذلك ما أبيح للضرورة، فلو أن إنساناً اضطُر إلى حمار فهل لا بد لحله من الذكاة؟ الجواب: نعم، فلا نقول: إن هذا في الأصل حرام فيحل سواء ذكيته، أم خنقته، أم أصبته في أي موضع من بدنه، بل نقول: إنه لما أبيح للضرورة صار حكمه حكم ما أحل لغير ضرورة. قوله: «لا يباح شيء من الحيوان» أي: لا يحل. قوله: «المقدور عليه بغير ذكاة» هذا فيه نظر؛ لأننا ذكرنا تعريف الذكاة الشامل للمقدور عليه، والمعجوز عنه، وأن الذكاة إنهار الدم من حيوان مأكول، إما في الرقبة، وإما في

стр. 6282

أي موضع كان من بدنه عند العجز، وحينئذٍ لا نحتاج إلى تقييد ذلك بقولنا: «المقدور عليه»؛ لأن الذكاة تكون حتى في غير المقدور عليه، كما سيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ في كلام المؤلف. فإن قلت: ما الدليل على أنه لا يحل؟ فالدليل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فاشترط الله الذكاة، فإذا اشترط الله الذكاة لحل هذه التي أصابها سبب الموت، فكذلك غيرها من باب أولى؛ لأنا نقول: إذا كانت هذه التي أصيبت بسبب الموت لا تحل إلا بذكاة، فالتي لم تصب من باب أولى؛ لأنه إذا لم يُعفَ عن الذكاة في هذه التي أصيبت بسبب الموت، فألاَّ يعفى عنها فيما سواها من باب أولى، وحينئذٍ لا يحل إلا بذكاة. أما التعليل فهو ما أجمع عليه الأطباء من أن احتقان الدم في الحيوان مضرٌّ جدّاً بالصحة، ويسبب أمراضاً عسيرة البرء، وحينئذٍ نعرف حكمة الشارع في إيجاب الذكاة، ولهذا فالمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، هذه الخمس أصيبت بما يُميتها، يعني ما ماتت حتف أنفها، ومع ذلك لم تحل؛ لاحتقان الدم فيها. قوله: «إلا الجراد» فيحل بدون ذكاة، مع أن الجراد لا يعيش إلا في البر، لكنه يحل بغير ذكاة، لماذا؟ الجواب: أولاً: من حيث الدليل قال النبي ﷺ : «أحلت لنا

стр. 6283

ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالجراد والحوت» (١)، وهذا يروى من حديث ابن عمر موقوفاً عليه، ومرفوعاً بسندٍ ضعيف، لكن حتى لو كان موقوفاً عليه فله حكم الرفع؛ لأن هذه الصيغة من الصحابي يحكم لها بالرفع. ثانياً: من حيث التعليل والحكمة فالجراد ليس فيه دم حتى يحتاج إلى إنهاره؛ ولهذا قال النبي ﷺ : «ما أنهر الدم وذُكر اسم الله عليه فكُلْ» (٢). وقال بعض العلماء: لا بد أن يموت بسبب من الإنسان، ولو مات بدون سببٍ من الإنسان فإنه لا يحل، لكنه قول ضعيف. قوله: «والسمك» السمك يعيش في الماء، وعلى هذا فقوله: «وكل ما لا يعيش إلا في الماء» من باب عطف العامّ على الخاص، فكل شيء لا يعيش إلا في الماء فإنه يحل بدون ذكاة، والدليل من القرآن قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦]. ومن السنة ما في حديث أبي عبيدة الطويل الذين بعثهم النبي ﷺ في سرية، وأعطاهم تمراً، ونفد التمر، وجاعوا، حتى

стр. 6284

قيَّض الله لهم حوتاً كبيراً يسمى العنبر، وجدوه على الساحل، وكان عظيم الجسم، حتى إنه ليجلس النفر في قحف عينه فيسعهم من كبره، وحتى إنهم أخذوا ضلعاً من أضلاعه، ونصبوه، ورحلوا أكبر جمل عندهم فمر من تحت الضلع، فأكلوا، وشبعوا، وأتوا بشيء منه للنبي ﷺ (١). وكذلك ـ أيضاً ـ حديث ابن عمر ﵄: «أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالجراد والحوت» (٢)، فصار في حل السمك والحوت بغير ذكاة دليل من الكتاب، ومن السنة. وهو حلال ولو كان فيه دم، ومعلوم أن السمك الكبير فيه دم. فإن قلت: كيف يحل وفيه دم محتقن، وقد علَّلتَ تحريم الميتة، وشبهها بأن فيها دماً محتقناً ضاراً؟ قلنا: إن الضرر، وانتفاء الضرر، بيد من بيده النفع والضر، وهو الله ، وإذا أباح الله لعباده ميتة فإننا نجزم بأن دمها المحتقن لا يضر، وهذا من حكمة الله ؛ وذلك لأن الحصول على السمك حتى تذكيه أمر متعسِّر، أو متعذِّر، فلذلك كان من حكمة الله ورحمته أنه أباح لعباده هذا السمك بدون ذكاة.

стр. 6285

إذاً كل حيوان مباح يشترط لحلِّه الذكاة، إلا حيوان البحر، والجراد، ولو وجدنا غير الجراد مما أباح الله وليس فيه دم، فحكمه حكم الجراد. ويوجد الآن أشياء تطير في المزارع شبيهة بالجراد، فهذه ـ أيضاً ـ إذا أخذ منها شيء وجمع، وأُكل بعد أن يشوى بالنار، أو يُغلى بالماء صار حلالاً. وَيُشْتَرَطُ لِلذَّكَاةِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ: أَهْلِيَّةُ الْمُذَكِّي، بِأَنْ يَكُونَ عَاقِلاً، مُسْلِماً أَوْ كِتَابِيّاً، وَلَوْ مُرَاهِقاً، أَوِ امْرَأَةً، أَوْ أَقْلَفَ، أَوْ أَعْمَى، ................ قوله: «ويشترط للذكاة أربعة شروط» ظاهر كلام المؤلف الحصر، وأن الشروط أربعة، ولكن سيأتينا ـ إن شاء الله تعالى ـ بعد الكلام عليها أن هناك شروطاً أكثر من أربعة تبلغ إلى عشرة. قوله: «أهلية المذكي» وذلك بأن يجتمع فيه وصفان: العقل، والدين، أما العقل فقال المؤلف: «بأن يكون عاقلاً» والعقل معروف، وهو ما يعقل به الإنسان الأشياء، وضد العاقل مَن لا عقل له، سواء كان مجنوناً، أو مُبَرْسَماً، أو سَكراناً، أو دون التمييز، المهم أنه لا عقل له، ولا تمييز، فهذا لا تصح ذكاته. فلو أن طفلاً دون التمييز أمسك عصفوراً وذبحه فإن هذا العصفور لا يحل؛ لأنه غير عاقل، ولو أن مجنوناً سطا على شاةٍ، وذبحها في رقبتها فإنها لا تحل؛ لأنه ليس له عقل. ولماذا يشترط العقل؟ الجواب: قالوا: لأنه لا بد من قصد التذكية؛ لأن الله

стр. 6286

يقول: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]، والفعل لا بد فيه من قصد، وغير العاقل ليس له قصد. ومن هنا نأخذ شرطاً وهو قصد التذكية، يعني زيادة على العقل نشترط أن يقصد التذكية، فإن لم يقصدها، مثل لو أن إنساناً أمسك بسكينٍ ليقطع حبلاً، وكان الحبل مرتفعاً على رقبة شاةٍ، وهو بقوة اتكائه على الحبل انقطع الحبل بسرعة، ونزلت السكين على رقبة الشاة وقطعتها، فلا تحل؛ لأنه لم يقصد التذكية. مسألة: هل يشترط مع ذلك قصد التذكية للأكل، أو إذا قصد التذكية لغرض غير الأكل حلت الذبيحة؟ الجواب: في هذا قولان لأهل العلم، منهم من قال: يشترط ذلك، وأنه لا بُد أن يقصد الأكل، فإن لم يقصد الأكل لم تحل الذبيحة؛ لأن الذبح إيلام وإتلاف، إيلام للحيوان، وإتلافٌ للمال، وإذا لم يقصد الإنسان الأكل فلا يحل له أن يؤذي الحيوان، ويتلف المال. وفي أي صورة يمكن ألا يقصد الأكل؟ الجواب: مثل إنسان عنده شاة كثيرة الثغاء، وهو يريد أن ينام، وعجز أن ينام منها، فقال: هذه التي آذتني، لأذهبنَّ وأذبحها، فذهب وذبحها لا لقصد الأكل، أو رجل حصل نزاع بينه وبين آخر في شاةٍ فقال: هذه التي أدَّتْ بي إلى هذا النزاع والله لأذبحنَّها، فذبحها لقصد حَلِّ يمينه، وما قصد أكلها، فمن العلماء من قال: إنها لا تحل، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن

стр. 6287

تيمية ﵀، ومنهم من قال: إنها تحل؛ لأنه قَصَد التذكية، وقَصْد التذكية قصد صحيح، سواء قصد الانتفاع بها بالأكل، أو قصد حل يمينه، أو قصد اندفاع ضررها. فتولد من هذا الشرط شرطان: الأول: قصد التذكية. الثاني: هل يشترط قصد الأكل أو لا يشترط؟ على الخلاف الذي سبق ذكره. والظاهر لي من النصوص أنه إذا قصد التذكية فإنها تحل وإن لم يقصد الأكل، على أن لقائل أن يقول: إن عموم قوله: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ مستثنى من قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾، ومعلوم أن التحريم هنا تحريم الأكل، فيكون المعنى إلا ما ذكيتم للأكل، فالمهم أن اختيار شيخ الإسلام ﵀ له قوة من النظر بلا شك، لكن الذي يظهر أن الأخذ بالعموم أرفق بالناس. مسألة: لو أن رجلاً صال عليه جمل، وكان معه سيف، فأراد أن يدافع عن نفسه فقال: بسم الله، وضربه دفاعاً عن النفس؛ حتى أصاب منحره، أو مذبحه، فهل يحل أو لا؟ الجواب: هذا لا يحل؛ لأنه ما قصد التذكية، بل قصد الدفاع عن نفسه، ولهذا لا يهمهم أن يضربه في رقبته، أو في رأسه، أو في ظهره، أما لو قصد التذكية، وقال: ما دام صال عليّ فسأذبحه ذبحاً، وقصد التذكية مع قصد دفع الصول، فهنا ينبني على الخلاف في اشتراط قصد الأكل أو لا.

стр. 6288

قلنا: إن أهلية المذكي تدور على أمرين: العقل والدين، فما هو الدين؟ قال المؤلف: «مسلماً» المسلم هنا من دان بشريعة محمد ﷺ ؛ لأن هذه الشريعة نسخت جميع الأديان، فكلُّ الأديان باطلة ما عدا شريعة محمد ﷺ ، ومَن زعم أن ديناً غير الإسلام قائمٌ اليوم مقبول عند الله فهو كافر مرتد؛ لأنه كذَّب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وهذه الجملة تُفيد الحصر؛ لتعريف طرفيها، وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] فلا فرق بين اليهودي، والنصراني، والشيوعي، والمرتد، وغيرهم في أن دينهم لن يقبل، ولن ينفعهم عند الله. مسألة: هل يمكن أن يُطلق الإسلام على غير المسلمين في حال قيام شرائعهم؟ الجواب: نعم، وهذا في القرآن كثير، قال تعالى عن بلقيس: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤]، والآيات في هذا المعنى كثيرة. قوله: «أو كتابيّاً» أي: يهوديّاً، أو نصرانيّاً، فإن اليهودي والنصراني تحل ذبيحتهما؛ لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]، قال ابن عباس ﵄ في تفسير الآية: طعامهم ذبائحهم (١)،

стр. 6289

وهذا أمر معلوم؛ لأننا لو فسَّرنا الطعام هنا بالخبز، والتمر، وما أشبهه لم يكن فرق بين الكتابيين وغير الكتابيين، فإن غير الكتابيين ـ أيضاً ـ يحل لنا أن نأكل خبزهم، وتمرهم، وما أشبه ذلك، فالمراد بطعامهم ذبائحهم، وإنما أضافه إليهم؛ لأنهم ذبحوه ليَطْعَموه. ومن السنة أن النبي ﷺ كان يأكل ذبائح اليهود، فقد أهدت إليه امرأة شاةً في خيبر فقبلها (١)، ودعاه يهودي إلى خبز شعير، وإهالةٍ سنخة وهي الشحم المتغير المنتن، فقبل (٢)، وأكل ﵊، وثبت ـ أيضاً ـ في الصحيح أن عبد الله بن مغفل ﵁ أخذ جراباً من شحم رُمي به في خيبر، فالتفت فإذا النبي ﷺ وراءه يضحك (٣)، وهذه سنة إقرارية. فإن قلت: أفلا يمكن أن يكون الذابح مسلماً؟ الجواب: نقول: هذا احتمال بعيد، وخلاف الظاهر، ولو كان لا يحل ما قدموه للرسول ﵊ إلا بتذكية مسلم، ولكان الرسول ﵊ يسأل عنه حينئذٍ؛

стр. 6290

لأن الأصل فيما بأيديهم أنهم هم الذين ذبحوه. مسألة: هل نقول: طعام الذين أوتوا الكتاب كل ما اعتقدوه طعاماً، وإن لم يكن على الطريقة الإسلامية؟ الجواب: لا، وهو المشهور عند أهل العلم عامتهم، وذهب بعض العلماء ـ من الأقدمين والمتأخرين ـ إلى أن ما اعتقدوه طعاماً فهو حلال لنا؛ لأن الاختصاص في قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] لولا أنَّ له فائدة لم يكن لذكره فائدة، وهي أن طعامهم يتميَّز عن طعامنا باعتقادهم إياه طعاماً، فإن كانوا مثلاً يعتقدون أن المصعوق بالكهرباء ونحوه يعتبر طعاماً فهو حلٌّ لنا، كما لو أن أحداً من الفقهاء خالفنا في شرط من شروط الذكاة، وذكى الذبيحة على اعتقاده فإنها تكون حلالاً لنا، ولنفرض أن شافعياً ذبح ذبيحة ولم يسم الله؛ فهي حلال لنا وله؛ لأنه اعتقدها حلالاً، أما لو ذبحها من يعتقد التحريم فهي حرام. فالمهم أن بعض العلماء قال: ما اعتقده أهل الكتاب طعاماً فإنه حلال، ولا نحتاج إلى قطع الحلقوم والمريء، ولا إلى التسمية، لكن الصواب الذي عليه جمهور العلماء خلاف ذلك، وأنه لا بد أن يذكى وينهَر الدم فيه، ولا بد أن يسمى الله عليه؛ كما سيأتينا ـ إن شاء الله تعالى ـ في الشروط المستقبلة. وقوله «كتابياً» هل يشترط أن يكون الكتابي أبواه كتابيان؟ الجواب: الصحيح أنه لا يشترط أن يكون أبواه كتابيين، وأن لكل إنسان حكم نفسه، فلو قُدِّر أن الأب شيوعي، أو وثني،

стр. 6291

وأن ابنه اعتنق دين اليهود مثلاً، أو دين النصارى، فإن ذبيحته ـ على القول الراجح ـ حلال؛ لأنه داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]. وقد شكك بعض الناس في عصرنا في حل ذبيحة اليهودي والنصراني، وقال: إنهم الآن لا يدينون بدين اليهود، ولا النصارى، وهذا ليس بصواب، نعم إن قالوا: نحن لا ندين بهذه الأديان، ولا نعتبرها ديناً، فإن ردتهم واضحة، أما إذا قالوا: إنهم يدينون بها، ولكن عندهم شركاً، فإن ذلك لا يمنع، بدليل أن الله ـ تعالى ـ أنزل سورة المائدة، وحكى فيها عن النصارى ما حكى من القول بالتثليث، وكفَّرهم بذلك، فقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، وفي نفس هذه السورة قال سبحانه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، فالقرآن نزل بعد أن غيَّروا وبدَّلوا، بل بعد أن كفروا، ومع ذلك أحل ذبائحهم ونساءهم، وعلى هذا، فما دام هؤلاء يقولون: إنهم يدينون بدين النصارى، أو بدين اليهود فإن لهم حكم اليهود والنصارى، ولو كان عندهم تبديل وتغيير، ما لم يقولوا: إنهم مرتدون. قوله: «ولو مراهقاً» المراهق من قارب البلوغ، فظاهر كلام الماتن أن المميز ـ الذي دون المراهقة ـ لا تحل ذبيحته، ولكن المذهب خلاف ذلك، وأن المميز تحلّ ذبيحته؛ لأنه عاقل يصح منه القَصْد، فتحل ذبيحته. والمميز قيل: مَن بلغ سبع سنين، وقيل: من فهم الخطاب

стр. 6292

وردَّ الجواب، وهذا القول هو الراجح، ولكن الغالب أن ذلك يحصل في تمام سبع سنواتٍ، ومَنْ ميَّز قبل ذلك فإنه يعتبر خارجاً عن الغالب، ومن تأخر تميزه عن ذلك فهو ـ أيضاً ـ خارج عن الغالب، فالغالب أن السبع وما قاربها نزولاً أو علوّاً يكون بها التمييز. قوله: «أو امرأة» أي: فتحل ذبيحتها؛ لعموم قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]، والخطاب يشمل الرجال والنساء. ولأن جارية كانت ترعى غنماً للأنصار بسلع، فأصاب الموت واحدة من الغنم، فأخذت حجراً فذبحتها به، فأجاز النبي ﷺ ذلك (١). وقوله: «أو امرأة» هذا إن كان فيه خلاف فهو خلاف ضعيف، وإلاَّ فإنه رفع للتوهم. وقوله: «أو امرأة» يشمل الطاهرة والحائض، فحتى لو كانت حائضاً فإن ذبيحتها تحل؛ لأن لها أن تذكر الله وتسمي، بل إن منعها من قراءة القرآن في النفس منه شيء؛ لأنه كما قال شيخ الإسلام: ليس في منع الحائض من قراءة القرآن سنة صحيحة صريحة. قوله: «أَوْ أَقْلَفَ» الأقلف هو الذي لم يختن، أي: لم تؤخذ قُلفته، فتحل ذبيحته، وأشار المؤلف إلى ذلك؛ لأن بعض العلماء قال: إن الأقلف لا تصح ذبيحته، ولا تؤكل، لكن هذا ليس

стр. 6293

بصواب، والصواب أن ذبيحته حلال، وأنها لا تكره، ولا علاقة بين القُلفة وبين الذبح. قوله: «أَوْ أَعْمَى» فتصح ذبيحته إذا عرف موضع الذبح، وأصابه. وَلَا تُبَاحُ ذَكَاةُ سَكْرَانَ، وَمَجْنُونٍ، وَوَثَنِيٍّ، وَمَجُوسِيٍّ، وَمُرْتَدٍّ. قوله: «وَلَا تُبَاحُ ذكاة سَكْرَانَ» لأنه غير عاقل، وليس له قصد. قوله: «وَمَجْنُونٍ» فلا تباح ذكاته؛ لفقد العقل. قوله: «وَوَثَنِيٍّ» وهو من يعبد الأوثان، فلا تصح ذكاته؛ لأنه ليس بمسلم ولا كتابي، فالذي يعبد وثناً، أو ملكاً، أو نبياً لا تصح ذكاته، والذي يعبد الله لكن يدعو النبي ﷺ أيضاً لا تصح ذكاته، وكذلك الذي يعبد الله ويدعو ولياً فإنه لا تحل ذبيحته، وهذه المسألة مشكلة؛ لأنه يوجد في بعض البلاد الإسلامية قوم يدعون القبور والأموات، ويستغيثون بهم، حتى وإن كانوا بعيدين عنهم، تجده يدعو الولي، أو النبي، أو يدعو علياً، أو الحسن، أو الحسين، وما أشبه ذلك، وهذا شرك، فمن كان كذلك فإن ذبيحته لا تحل لأنه مشرك ولو كان يعبد الله بالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]، فالشرك لا يغفره الله لا حكماً ولا جزاءً، وبناء على ذلك فإن المشرك لا تصح منه عبادة، ولا يصح منه أي عمل يشترط له الإسلام. قوله: «وَمَجُوسِيٍّ» وهو الذي يعبد النار، وعطفه على الوثني

стр. 6294

من باب عطف الخاص على العام؛ لأنه في الواقع يعبد الوثن لكن وثنه نار، فالمجوس الذين يعبدون النار لا تصح ذبيحتهم، وإنما نص عليه ﵀؛ لأن المجوس تؤخذ منهم الجزية كأهل الكتاب، لكن لا تحل ذبائحهم بإجماع العلماء، إلاَّ أنه يُروى عن أبي ثور أنه أباح ذبائح المجوس قياساً على أخذ الجزية منهم، والصواب أن أخذ الجزية منهم لا لأنهم مجوس، ولكن لأن جميع الكفار إذا بذلوا الجزية وجب الكف عن قتالهم، سواء كانوا من أهل كتاب، أو من المجوس، أو من الوثنيين، أو غيرهم لكن نص على المجوس لئلا يقول قائل إنهم أهل ذمة فتجوز ذبائحهم ولا تجوز مناكحتهم. قوله: «وَمُرْتَدٍّ» أي: عن الإسلام، بأي نوع من أنواع الردَّة، فمن كذَّب خبراً من أخبار الله مع علمه أنه من خبر الله فهو مرتد، لا تحل ذبيحته، ومن جحد وجوب الفرائض الظاهرة المجمع عليها فهو مرتد، لا تحل ذبيحته، ومن سخر بشيء من الدين فهو مرتد، بل من كره ما جاء به النبي ﷺ أو شيء منه فهو مرتد، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ *﴾ [محمد]، ولا يحبط العمل إلاَّ بالردة، قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وتارك الصلاة مرتد فلا تحل ذبيحته، وعلى قول من يقول: إنه لا يكفر تحل ذبيحته، فلو ذبح تارك الصلاة ذبيحة، ودعا إليها رجلين، أحدهما يقول: إن تارك الصلاة لا تحل ذبيحته؛ لأنه مرتد،

стр. 6295

والثاني يقول: تحل ذبيحته؛ لأنه غير مرتد، فهنا يأكلها من لا يكفِّره، ومن كفَّره لا يأكلها، نعم لو أن من يقول بعدم ردته يترك أكلها تعزيراً له وهجراً لما عمل لعله يرتدع، فلو فعل ذلك لكان خيراً. الثَّانِي: الآلَةُ: فَتُبَاحُ الذَّكَاةُ بِكُلِّ مُحَدَّدٍ وَلَوْ مَغْصُوباً مِنْ حَدِيدٍ وَحَجَرٍ وَقَصَبٍ وَغَيْرِهِ، إِلاَّ السِّنَّ والظُّفُرَ. قوله: «الثاني: الآلة» أي: الثاني من شروط حل الذكاة الآلة، فلا بد أن يكون الذبح بآلة، فلا يصح الخنق، ولا التردية ـ أي: أن يرديها من الجبل حتى تموت ـ ولا الحذف بأن يحذفها بشيء حتى تموت، ولا الضرب، فكل هذا لا تحل به الذبيحة، بل لا بد من آلة، ولا بد في هذه الآلة من أن تكون محدَّدة؛ ولهذا قال المؤلف: «فتباح الذكاة بكل محدد» أي: له حد يقطع، أما إذا لم يكن له حد فلا تحل الذكاة به، فلو صعقها بالكهرباء فلا تحل؛ لأنها غير محددة، ولا تنهر الدم، ولا بد من آلة محدَّدة تنهر الدم، أي: تجعله يسيل. قوله: «ولو مغصوباً» «لو» هذه إشارة خلاف؛ لأن بعض العلماء يقول: إن الآلة المغصوبة، أو المحرَّمة لحق الله كالذهب والفضة، لا تحل الذكاة بها؛ لأن ما ترتب على غير المأذون فهو فاسد؛ لقوله ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (١)، فإذا غصب إنسان سكيناً من شخص، أو سرقها ثم ذبح بها فعلى كلام المؤلف تحل الذبيحة، وعلى القول الثاني لا تحل، وحجة

стр. 6296

المؤلف أن التحريم هنا ليس خاصاً بالذبح، فتحريم استعمال المغصوب عام، وعلى هذا فتصح الذكاة بالمغصوب؛ لأن الشرع لم يقل: لا تذكِّ بالمغصوب، حتى نقول: إنه إذا ذكَّى فقد عمل عملاً ليس عليه أمر الشرع، بل الشرع قال: لا تغصب أموال الناس، ولا تستعملها في أي شيء، فالنهي عام، ولمَّا لم يكن النهي خاصاً لم يفسد الذبح. ونظير ذلك، الغِيبة محرمة على الصائم وغير الصائم، فلو أن رجلاً اغتاب الناس وهو صائم لا يفسد صومه؛ لأن النهي عن الغيبة عام في الصيام، وغير الصيام، وإن كان في الصيام قال الرسول ﷺ : «من لم يدع قول الزور، والعمل به، والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (١)، ولا شك أن الغيبة من قول الزور. ولو صلى الإنسان بثوب مغصوب، فالمذهب يقولون: إنها لا تصح، فيحصل تناقض في كلامهم، والقول الثاني: أنها تصح؛ لأن النهي ليس عن الصلاة في الثوب المغصوب، بل عن غصب الثوب واستعماله، فالنهي عام. قوله: «من حديد وحجر» (من) بيان لكل محدد، أي: سواء كان المحدد من حديد، أم حجر. فإذا كان الحجر محدداً ومررت به على الرقبة حتى ينهر الدم أصبحت الذكاة به. قوله: «وقصب» كل قصب يكون محدداً تحل به الذكاة، ولو

стр. 6297

جاء بآلة حدُّها يسير، لكنّه مَغَطَ رقبة الطائر حتى انقطعت بالمغط والذبح، فهنا لا تحل؛ لأنه اجتمع مبيح وحاظر، والنبي ﷺ قال في الصيد: «إن وجدته غريقاً في الماء فلا تأكل، فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك» (١)، وهنا لا ندري هل انقطعت رقبة العصفور بالمغط، أو بالسكِّين؟ قوله: «وغيره» لأن القاعدة هي أن يكون محدداً ينهر الدم، فالخشب المحدد، وكل شيء محدد فإنه تباح التذكية به، وتحل الذبيحة. مسألة: هل تحل الذكاة بالذهب؟ الصحيح أنها تصح مع الإثم؛ لأنه حرام. قوله: «إلاَّ السن والظفر» المراد كل سِنٍّ وظفر، ولو كان محدداً، وعلى هذا فما يفعله الصبيان من قطع رقبة العصفور بأظفارهم، ثم يأكلونه حرام، حتى لو كان الظفر حادّاً، لقوله ﷺ : «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلْ، إلاَّ السن والظفر، أما السن فعظم، وأمَّا الظفر فمُدى الحبشة» (٢) ومُدى: جمع مدية، وهي السكين، والحبشة معروفون. وتعليل النبي ﷺ فيه إشكال بالنسبة لقول المؤلف؛ لأنه ﷺ قال: «أما السن فعظم»، ولم يقل: «أما السِّنُّ فسنٌّ»، ولو قال:

стр. 6298

أما السن فسن، لقلنا: السن هو الذي لا تجوز الذبيحة به، لكنه قال: «أما السن فعظم»، فالعلة أعم من المعلول؛ لأن كل سن عظم، وليس كل عظم سناً. والعلماء مختلفون في هذا، فمنهم من قال: أما السن فعظم مع كونه سِنّاً، فإذا كان عظم وليس بسنٍّ فقد تخلَّف أحد جُزئي العلة وهي السن، فتحل الذبيحة به. وقال بعض العلماء ـ ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن الذكاة لا تصح بجميع العظام؛ لأن الرسول ﷺ قال: «أما السنُّ فعظم» والتعليل بكونه عظماً معقول المعنى؛ لأن العظم إن كان من ميتة فهو نجس، والنجس لا يصح أن يكون آلة للتطهير والتذكية، وإن كان العظم من مذكاة فإن الذبح به تنجيس له، والنبي ﷺ نهى عن الاستنجاء بالعظام؛ لأنه ينجِّسه، والعظام زاد إخواننا من الجن؛ لأن الجن لهم كل عظم ذكر اسم الله عليه، يجدونه أوفر ما يكون لحماً (١)، وعليه يكون تعليل عدم جواز التذكية بالعظم معقول المعنى. وأولئك قالوا: إن العلة مركَّبة من جزئين: السن، والعظم، ولو كان النبي ﷺ يريد العظام جميعاً لقال: «إلاَّ العظم والظفر»، فلمّا لم يقل ذلك علمنا أنه أراد المعنيين. لكن الراجح ما اختاره شيخ الإسلام؛ لأن التعليل واضح، والقاعدة الشرعية أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.

стр. 6299

وقوله ﷺ : «وأما الظفر فمدى الحبشة» فيه إشكال؛ لأننا لو فرضنا أن للحبشة مدى وسكاكين خاصة بهم، لا يستعملها إلاَّ هم، فهل تصح التذكية بها؟ لأن غير الظفر وإن كان حديداً يصنعونه على صفة معيّنة لا يصنعها إلاّ هم، لا يقتضي أن يكون خاصاً بهم؛ لأن الناس يذبحون بالمحدد في كل مكان، لكن الذين جعلوا أظفارهم مدى هم الحبشة؛ ولهذا لا يقصون أظفارهم بل يتركونها تكبر حتى تطول، ويذبحون بها كل ما يمكن ذبحه بها، وبناءً على ذلك نقول: إن النبي ﷺ نهى عن الظفر؛ لأنها مدى الحبشة، لأن فيه مفسدتين: الأولى: أننا لو جعلنا الأظفار آلة للذبح لفاتنا مشروعية القص للأظفار، وفي ذلك مخالفةٌ للفطرة. الثانية: أنه بذلك يشبه سباع الطير، ونحن نهينا أن نتشبَّه بالحيوانات. ويمكن أن نقول أيضاً: إنه يتضمن مشابهة الكفار؛ لأن الحبشة في ذلك الوقت كانوا كفاراً، والتشبه بالكفار محرم وأهل الحبشة لا يظهر أنهم كلهم أهل كتاب وعلى فرض أنهم كلهم أهل كتاب فإن التشبه بأهل الكتاب فيما يختص بهم محرم منهي عنه. وقوله: «الظفر» يشمل ظفر الآدمي، وغيره، والمتصل، والمنفصل، وتقدم الخلاف في العظام. مسألة: ما حكم الذبح بالأسنان التركيبية؟ إن كانت من عظم فعلى الخلاف، وإن كانت من غير العظام فيجوز الذبح بها،

стр. 6300

هذا إذا كانت غير مركبة على الفم، فإن كانت مركبة على الفم فلا يجوز؛ لأنه يتلطخ بالدم النجس، ويكون متشبهاً بالسباع. الثَّالِثُ: قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ، فَإِنْ أَبَانَ الرَّأْسَ بِالذَّبْحِ لَمْ يَحْرَمِ الْمَذْبُوحُ، وَذَكَاةُ مَا عُجِزَ عَنْهُ مِنَ الصَّيْدِ، وَالنَّعَمِ الْمُتَوَحِّشَةِ، وَالْوَاقِعَةِ فِي بِئْرٍ وَنَحْوِهَا، بِجَرْحِهِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ مِنْ بَدَنِهِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ رَأْسُهُ فِي الْمَاءِ وَنَحْوِهِ فَلَا يُبَاحُ. قوله: «الثالث: قطع الحلقوم والمريء» في الرقبة أربعة أشياء: ودجان، وحلقوم، ومريء. «الودجان»: عرقان غليظان يحاذيان الحلقوم والمريء، ويسميان الشرايين. «الحلقوم»: مجرى النفس. «المريء» مجرى الطعام والشراب. والحلقوم قصب مضلَّع، وهذا من حكمة الله ـ تعالى ـ أن جعله قصبة؛ لأن الحلقوم لو كان كالمريء لم يخرج النفس، ولو خرج لكان بمشقة شديدة، لهذا جعله الله قصبة، وجعله سبحانه ذا أضلاع، لأجل سهولة المضغ، وسهولة تنزيل الرأس ورفعه، والله حكيم ورحيم. والحلقوم أعلى من المريء من جهة الجلد، أما من جهة الرقبة فالمريء أعلى. فلا بد من قطع الحلقوم والمريء؛ لأن بقطعهما فقد الحياة، وأما الودجان فظاهر كلام المؤلف أنه لا يشترط قطعهما. والدليل على اشتراط قطع الحلقوم والمريء أن هذا هو الذبح، وهو معروف عند العرب، أن الذابح يأتي على الرقبة فيقطع الحلقوم والمريء، وتعليل آخر أن بذهابهما ذهاب الحياة، فإذا انفتح الحلقوم مات الحيوان، إلا أن يبادر ويعالج فربما يعيش، وكذلك المريء مجرى الطعام والشراب، فإن الطعام مادة

стр. 6301

الحياة كما أن النفس مادة الحياة، فبقطعهما تزول الحياة، فكان قطعهما واجباً. مسألة: هل يشترط إبانتهما؟ لا يشترط، فلو قطع نصف الحلقوم ثم أدخل السكين من تحته، وقطع نصف المريء حلت الذبيحة؛ لأن قطعهما وإبانتهما ليست بشرط، وهو محل خلاف. أما حكم قطع الودجين ـ على ما ذهب إليه فقهاؤنا ـ فهو سنة، وليس بشرط لحل الذبيحة، ولمَّا لم يرد في هذا نص صريح اختلف العلماء في هذه المسألة؛ لأن النص الصريح الصحيح الوارد في هذا المقام هو قوله ﷺ : «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل» (١)، وكذلك ما ورد عنه ﷺ وإن كان في سنده مقال ـ: «النحر في الحلق واللبَّة» (٢)، فالمشهور من المذهب أن الشرط قطع الحلقوم والمريء. وقيل: إن الشرط قطع الودجين، وإن لم يقطع الحلقوم والمريء، واستدلَّ هؤلاء بقوله ﷺ : «ما أنهر الدم» (٣)، ولم يقل: ما قطع النفس، أو قطع الطعام، ولا ريب عند كل عارف أنه لا يكون إنهار الدم إلا بقطع الودجين فقط أما الحلقوم والمرئ فمن كمال الذبح، واستدلوا ـ أيضاً ـ بأن النبي ﷺ : «نهى عن شريطة الشيطان» (٤)، وهي التي تذبح ولا تُفرى أوداجها، وهذا رواه أبو

стр. 6302

داود وفيه ضعف، لكن يشهد له قوله ﷺ : «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل». ومنهم من قال: لا بد من قطع الأربعة جميعاً: الحلقوم، والمريء، والودجان. ومنهم من قال: لا بد من قطع ثلاثة من أربعة: ودج واحد والحلقوم، والمريء، أو الودجين، والمريء، أو الحلقوم. والخلاف في هذا طويل متشعب؛ لأنه ليس هناك نص واضح يدل على الاشتراط، لكن أقرب الأقوال عندي: أن الشرط هو إنهار الدم فقط، وما عدا ذلك فهو مكمل، ولا شك أن الإنسان إذا قطع الأربعة فقد حلت بالإجماع. فإن لم يقطع الودجين، ولا المريء، ولا الحلقوم تكون الذبيحة حراماً بإجماع العلماء؛ لأنه ما حصل المقصود من إنهار الدم. وقد اختلف في حكم الذكاة بالأظفار على قولين فمنهم من قال: جميع الأظفار لا يجوز الذكاة بها، حتى لو كان عند الإنسان ظفر حيوان من جنس المدية؛ أي: السكين وذكى به فلا يصح، لعموم النهي الموارد. ومنهم من قال: المراد بذلك ظفر الإنسان؛ لأن الرسول ﷺ قال: «مدى الحبشة» وكانوا يذكون بأظفارهم والعموم أولى وحتى

стр. 6303

لو كان الظفر منفصلاً فإنه يحرم الذبح به وبعضهم قال. إذا كان ظفر الآدمي منفصلاً فإنه يحل ولكن الواجب العمل بعموم الحديث. مسألة: ومن العلماء من قال إن الخرزة التي في الرقبة لا بد أن تكون تابعة للرأس عند الذبح وهي في طرف الحلقوم. ومنهم من قال لا يشترط وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو الصحيح فإذا قطع من وراء الخرزة فإنه يجزئ. قوله: «فإن أبان الرأس بالذبح لم يحرم المذبوح» وهذا واضح؛ لأنه قطع ما يجب قطعه. قوله: «وذكاة ما عُجِز عنه من الصيد، والنعم المتوحشة، والواقعة في بئر، ونحوها بجرحه في أي موضع كان من بدنه» «ذكاة» مبتدأ، وقوله: «بجرحه»: خبر المبتدأ، يعني ذكاة هذا النوع تكون بجرحه في أي موضع من بدنه. وقوله: «ما عجز عنه من الصيد» أي: فذكاته «بجرحه في أي موضع كان من بدنه» مثل أن يلحق الإنسانُ ظبياً، ويعجز عنه، فيرسل عليه السكين، فتضربه في بطنه حتى يموت، فإنه يحل، مع أن الذبح ليس في الرقبة، لكن الله يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] وأنا لم أستطع أكثر من ذلك. وقوله: «والنعم» وهي: الإبل، والبقر، والغنم.

стр. 6304

وقوله: «المتوحشة» أحياناً تشرد الإبل حتى لا يستطيع الإنسان أن يمسكها، فماذا يصنع بهذه؟ نقول: حكمها حكم الصيد، تحل بجرحها في أي موضع من بدنها، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، ولأنه ندَّ بعيرٌ من إبل القوم، والنبي ﷺ معهم، فرماه رجل بسهمٍ فحبسه، فقال النبي ﵊: «إن لهذه النعم أوابد كأوابد الوحش، فما ندَّ عليكم فاصنعوا به هكذا» (١)، فقوله: «ما ندَّ عليكم» يعني شرد حتى لم تتمكنوا منه «فاصنعوا به هكذا» أي: ارموه بالسهام، ولأن الصيد بإجماع المسلمين يحل في أي موضع أصيب، وهذا مثله، كما أشار إليه النبي ﵊. فهذه ثلاثة أدلة تدل على حكم هذه المسألة من القرآن، والسنة، والقياس الصحيح على ما أجمع عليه العلماء. وقوله: «والواقعة في بئر ونحوها» كأن تقع في مكان سحيق لا يمكن الوصول إليها، كما لو تردَّت من جبل شاهق، فالغالب أننا لا يمكن أن نصل إليها قبل أن تموت، فإننا في هذه الحال نرميها بالسهم في أي موضع من بدنها، وتحل؛ وعلة ذلك العجز عن ذبحها على الوجه المعتاد. فتكون أدلة هذه المسألة هي الأدلة السابقة، إلاَّ أن الأدلة

стр. 6305

السابقة فيما عُجِزَ عنه عَدْواً، وهذه فيما عجز عنه بالنسبة إلينا، إلا أن المؤلف استثنى فقال: «إلا أن يكون رأسه في الماء ونحوه فلا يباح» إن كان رأسه في الماء فإنه لا يحل؛ لأننا لا ندري أمات بالماء أم بالسهم؟ كما قال النبي ﵊ في الصيد: «إن وجدته غريقاً في الماء فلا تأكل، فإنك لا تدري الماء قتله أم سهمك؟» (١)، وهذه العلة تدل على أننا لو تيقنا أن الذي قتله السهم لحلَّ، وكيف أدري؟ الجواب: بأن يكون الماء قليلاً لا يغرقه، أو أراه قد رفع أنفه يتنفس، ويكون السهم قد أصابه في قلبه مثلاً، فهنا نعلم أن الذي قتله السهم دون الماء. وهل يلزم أن ينزل إليه في البئر ويذبحه كالمعتاد؟ والجواب: أنه قد لا يمكنه ذلك فلربما أنه بنزوله يموت الحيوان وحينئذٍ يفوت عليه. وقوله: «ونحوه» مثلاً لو سقط في نار، ورميناه بسهم، فما ندري هل النار التي قتلته أم السهم؟ فإنه لا يحل؛ لأنه اجتمع عندنا مبيح وحاظر، فيُغلَّب جانب الحظر ـ أي: المنع ـ؛ لأننا لا ندري أيهما الذي حصل به الموت. الرَّابِعُ: أَنْ يَقُولَ عِنْدَ الذَّبْحِ: بِاسْمِ اللهِ، لَا يُجْزِيهِ غَيْرُهَا، فَإِنْ تَرَكَهَا سَهْواً أُبِيحَتْ لَا عَمْداً. قوله: «الرابع: أن يقول» الضمير يعود على الذابح.
следующие страницы →