نقول: سبق أن المسألة بحسب المحلوف عليه، إن كان خيراً فالأفضل أن يفعل، وهنا في الغالب أنه خير؛ لأنه نذر، لكن مع ذلك لئلا نلزمه نقول: أنت مخير بين فعلك، وكفارة اليمين.
الثَّالِثُ نَذْرُ الْمُبَاحِ كَلُبْسِ ثَوْبِهِ، وَرُكُوبِ دَابَّتِهِ فَحُكْمُهُ كَالثَّانِي، وَإِنْ نَذَرَ مَكْرُوهاً مِنْ طَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ اسْتُحِبَّ أَنْ يُكَفِّرَ وَلَا يَفْعَلُهُ، ..........
قوله: «الثالث نذر المباح، كلبس ثوبه وركوب دابته فحكمه كالثاني» أي: يخير بين فعله وكفارة اليمين، مثاله: قال رجل: لله علي نذر أن ألبس هذا الثوب، نقول له: أنت بالخيار، إن شئت البس الثوب، وإن شئت فكفر كفارة يمين.
ومن هذا النوع ما يفعله بعض الناس يقول: إذا نجحت فللَّه علي نذر أن أذبح شاة، فهل يلزمه أن يذبح الشاة، أو نقول: يخيَّر بين ذبحها وكفارة اليمين؟
في ذلك تفصيل، إذا كان قصد بذبح الشاة التصدق بها شكراً لله على النعمة فهذا طاعة، ويجب عليه أن يوفي به، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وإذا قصد بذلك إظهار الفرح، ودعوة إخوانه وأصدقائه فهو يخير بين فعله وكفارة اليمين؛ لأن هذا من باب المباح وليس من باب الطاعة، أما لو قال: إن نجحت فللَّه علي نذر أن أصوم ثلاثة أيام، فهذا طاعة؛ لأن الصوم قربة، لكن ذبح الشاة، وأكل لحمها، والعزيمة عليها، هذا من قسم المباح.
وقوله: «وركوب دابته» كذلك، قال: لله علي نذر أن أركب هذا البعير، أو أن أركب هذه السيارة، نقول: هذا نذر مباح، إن شئت فاركب، وإن شئت فلا تركب، وعليك كفارة يمين.
стр. 6442
والقاعدة أنه إذا نذر شيئاً مباحاً، فعلاً له أو تركاً له، فهو يخير بين أن يوفي بنذره، أو يكفر كفارة يمين.
قوله: «وإن نذر مكروهاً من طلاق أو غيره استحب أن يكفر ولا يفعله» الأصل في الطلاق الكراهة، ولكنه قد يستحب، وقد يجب، وقد يحرم، وقد يباح، فتجري فيه الأحكام الخمسة، لكن الأصل فيه الكراهة، فإذا نذر إنسان أن يطلق زوجته، قال: لله علي نذر أن أطلق هذه الزوجة، نقول له: الأفضل أن تكفر كفارة يمين ولا تطلق.
وقوله: «أو غيره» أي: غير الطلاق، مثل لو قال: لله علي نذر أن آكل بصلاً، وأكل البصل مكروه، فنقول: الأفضل ألا تأكل وتكفِّر.
ولو قال: لله عليَّ نذر أن آكل ثوماً، فمثله.
الرَّابِعُ نَذْرُ الْمَعْصِيَةِ كَشُرْبِ خَمْرٍ، وَصَوْمِ يَوْمِ الْحَيْضِ، وَالنَّحْرِ، فَلَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهِ وَيُكَفِّرُ.
قوله: «الرابع نذر المعصية» أن ينذر معصية لله ، مثل المؤلف لذلك بقوله:
«كشرب خمر» نذر إنسان أن يشرب الخمر ـ نعوذ بالله ـ فهذا نذر معصية، فجاء ليشرب الخمر فقلنا له: اتق الله! فهذا حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة (١)، قال: إني نذرت، نقول له: قال النبي ﷺ : «من نذر أن يعصي الله
стр. 6443
فلا يعصه» (١)، إذاً لا يجوز الوفاء به.
ولو قال: لله علي نذر أن أضرب فلاناً، بدون سبب، نقول: كَفِّرْ، ولا تفعل، فإن قال له فلان: اضربني، فيصير مباحاً، ويكون أسقط حقه، لكن في الأصل هو من نذر المعصية.
ولو نذر رجل أن يتعامل بالربا، قلنا: حرام عليه، وعليه كفارة يمين، حرام عليه؛ لقول النبي ﷺ : «من نذر أن يعصي الله فلا يعصه»، وعليه كفارة يمين؛ لقوله ﷺ : «لا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين» (٢).
قوله: «وصوم يوم الحيض» كامرأة قالت: لله علي نذر أن أصوم أول يوم من الحيض، نقول: هذا حرام؛ لأن الحائض يحرم عليها الصوم بإجماع المسلمين، استناداً إلى قول الرسول ﵊: «أليس إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصم» (٣)، فهذه المرأة لا يمكن أن تصوم يوم الحيض.
стр. 6444
قوله: «والنحر» قال: لله عليَّ نذر أن أصوم يوم النحر، نقول: هذا حرام ومعصية، وهل هناك عبارة أعم من قول المؤلف: «يوم النحر»؟
الجواب: نعم، يوم العيدين؛ لأن يوم الفطر كيوم النحر، وهناك ـ أيضاً ـ أيام أخرى يحرم صومها، وهي أيام التشريق، المهم إذا نذر صوم يوم يحرم صومه، فهذا نذر معصية لا يجوز الوفاء به.
ولو نذر أن لا يكلم عمه فهذا نذر معصية يحرم الوفاء به.
قوله: «فلا يجوز الوفاء به» لقول النبي ﷺ : «من نذر أن يعصي الله فلا يعصه» (١)؛ ولأنه لو جاز أن يوفي بهذا النذر لكان كل من أراد أن يفعل معصية نذرها، وهذا يؤدي إلى انتهاك حرمات الله.
قوله: «ويكفِّر» أي: يكفر كفارة يمين؛ لقول النبي ﷺ : «لا نذر في معصية الله، وكفارته كفارة يمين» (٢)، وهذا الحديث احتج به الإمام أحمد ﵀، وإسحاق بن راهويه، وصحَّحه الطحاوي، خلافاً لقول النووي ﵀: إنه ضعيف باتفاق المحدثين، لكن الإمام أحمد احتج به، واحتجاجه به يدل على صحته عنده، وكذلك صححه الطحاوي، وهو من الأئمة الذين يعتبر تصحيحهم، وعلى هذا فالحديث صحيح ويحتج به.
стр. 6445
لكن جمهور أهل العلم قالوا: إن نذر المعصية لا كفارة فيه، ويحرم الوفاء به، واحتجوا بحديث عائشة ﵂ الذي أشرنا إليه آنفاً، وهو قول الرسول ﵊: «من نذر أن يعصي الله فلا يعصه»، ولكن نقول: إنه ما دام قد ورد حديث فيه زيادة وهو صحيح، فإنه يجب الأخذ بهذه الزيادة، وهي كفارة اليمين.
والمعنى يقتضي ذلك؛ لأن هذا الرجل نذر ولم يفعل، ونحن نقول: نذره انعقد؛ لأنه ألزم نفسه به، ولا يمكن أن يوفي به؛ لأنه معصية، وحينئذ يكون نذر نذراً لم يوفِه فعليه الكفارة، كما لو حلف أن يفعل معصيةً، فإننا نقول له: لا تفعلها، وعليك كفارة يمين، فما ذهب إليه الإمام أحمد ﵀ وإن كان من مفرداته أقرب إلى الصواب؛ أنه لا يفعل المعصية، وعليه كفارة يمين.
فلو نذر صيام يوم يحرم صومه، فهل يقضي ذلك اليوم ويكفر لفوات محله، أو لا يقضي؟ ظاهر الحديث أنه لا يقضي وأن عليه الكفارة فقط، فلو قال: والله لأصومن يوم العيد، وقلنا: لا يجوز أن تصوم، فهل يلزمه أن يصوم يوماً بدله مع الكفارة، كما هو المذهب، أو لا يلزمه؟ ظاهر النص أنه لا يلزمه؛ لأن أصل التعيين كان محرماً ومعصية.
والفقهاء ﵏ يفرقون فيقولون: إذا كان المنع لمعنى يتعلق بالفاعل فإنه لا قضاء، وإن كان لمعنى يتعلق بالزمان أو المكان فإن عليه القضاء.
стр. 6446
فلو نذرت امرأة أن تصوم يوم الحيض فنقول: لا تصوم، وعليها كفارة يمين، وهل تقضي؟ لا تقضي؛ لأنه لمعنى يتعلق بالفاعل فلا قضاء عليها.
أما لو نذرت أن تصوم يوم العيد فإنها لا تصوم لا لمعنى فيها، ولكن لمعنى يتعلق بالزمان.
المكان أيضاً، لو نذر إنسان أن يصلي في المقبرة، قلنا: لا تصلِّ؛ لأن هذا حرام، ولكن هل تقضي أو لا تقضي؟ فيه الخلاف، فعلى المذهب تقضي وعليك كفارة يمين؛ لأن هذا المعنى يتعلق بالمكان.
والراجح أنه لا يقضي، سواء تعلق بالزمان، أو المكان، أو الفاعل، وعليه كفارة يمين؛ لأن الأصل أن هذا النذر لم ينعقد.
الْخَامِسُ نَذْرُ التَّبَرُّرِ مُطْلَقاً أَوْ مُعَلَّقاً، كَفِعْلِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَنَحْوِهِ، كَقَوْلِهِ: إِنْ شَفَى اللهُ مَرِيضِي أَوْ سَلَّمَ مَالِيَ الْغَائِبَ، فَلِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا، فَوُجِدَ الشَّرْطُ لَزِمَهُ الوَفاءُ بِهِ، إِلاَّ إِذَا نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمَالِهِ كُلِّهِ، أَوْ بِمُسَمَّى مِنْهُ يَزِيدُ عَلَى ثُلُثِ الْكُلِّ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ قَدْرُ الثُّلْثِ.
قوله: «الخامس نذر التبرر مطلقاً أو معلقاً» التبرر فعل البر، كالتطوع فعل الطاعة، والتنسك فعل النسك، فنذر التبرر هو بمعنى قولنا: نذر الطاعة؛ لأن الطاعة بر.
قوله: «كفعل الصلاة والصيام والحج ونحوه» مثل: الصدقة، والعمرة، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، ونحوها، فنذر الطاعة يجب الوفاء به؛ لقول النبي ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه» (١).
وظاهر كلام المؤلف أنه يشمل الواجب وغير الواجب،
стр. 6447
فالصلاة منها فرض ومنها تطوع، فإذا قال: لله علي نذر أن أصلي الظهر، صارت واجبة عليه من وجهين: الواجب بأصل الشرع، والواجب بالنذر، ولو قال: لله علي نذر أن أؤدي زكاة مالي، كذلك، صار واجباً عليه من وجهين الشرع، والنذر، فإذا لم يزكِّ وجب عليه كفارة يمين مع الإثم، ولو لم ينذر لم يجب عليه كفارة اليمين، لكنه يأثم بترك الزكاة، هذا هو فائدة قولنا: إن النذر يتعلق بالواجب. وليس هذا تحصيل حاصل ولكن بالنسبة للصلاة يمكن أن يقال إنها لا ترد علينا لانه لو تركها كفر.
فالمهم أن نذر الواجب صحيح.
وقوله: «مطلقاً» المطلق مثل قوله: لله علي نذر أن أصلي ركعتين، أو: لله علي نذر أن أقرأ جزءاً من القرآن.
وقوله: «أو معلقاً» مَثَّلَ له المؤلف بقوله:
«كقوله: إن شفى الله مريضي» أي: إن شفى الله مريضي فللَّه عليَّ نذر أن أتصدق بمائة ريال، فمتى شفي وجبت عليه، وإن مات لم يجب عليه شيء، وإن بقي مريضاً كذلك لم يجب عليه شيء، وإن شُفي بعد موت الناذر فليس عليه شيء؛ لأن الشرط لم يوجد في حياته، والأصل براءة الذمة.
لكن لو شفي، والناذر في حال جنون ـ نسأل الله العافية ـ فهل يلزمه شيء أو لا يلزمه؟ عندنا سبب وشرط، سبب وجوب الصدقة بهذه الدراهم وهو النذر، وشرط الوجوب وهو الشفاء، فسبب الوجوب وُجد من الإنسان في حال هو فيها مكلف، وشرط الوجوب وُجد في حال هو فيها غير مكلف، لكنه أهل للضمان،
стр. 6448
فالظاهر أنه يلزم وليه أن يتصدق بها عنه، كالزكاة تماماً، فإن الزكاة تجب على المجنون وتجب على الصغير.
ولو قال: لو شفى الله مريضي فللَّه علي نذر أن أصوم، ثم شُفي المريض في حال جنون الناذر، هذا هو محل الإشكال في الحقيقة.
فهذه تحتاج إلى نظر، فهل نقول: إن هذا الرجل لما أوجب على نفسه الصوم في حال عقله وجب أن يقضى عنه، أو يقال: إنه وجب عليه في حال ليس من أهل الصوم، بخلاف المال فإن المجنون تجب عليه الأموال إذا وجدت شروط الوجوب، كالزكاة، وضمان الأموال التي يتلفها، وما أشبهها؟
مسائل:
الأولى: هل الوفاء بالنذر على الفور؟ وهل حديث لا تدر في معصية يدل مفهومه على جواز النذر مع أنه قد صح النهي عنه؟
إذا كان مقروناً بشرط فهو على الفور، من حين يوجد الشرط يجب الوفاء به، وإذا كان مطلقاً ففيه خلاف، والصحيح وجوب الوفاء به فوراً.
والحديث يدل على انعقاده أو أن المعنى لا نذر يوفى.
الثانية: هل هناك فرق بين اليمين وبين النذر؟
نعم، بينهما فرق، لو نذر أن يصلي ركعتين وجب عليه أن يصلي ركعتين، ولو حلف أن يصلي ركعتين لم يجب عليه، واستحب أن يفعل.
стр. 6449
الثالثة: إذا عجز عن نذر الطاعة فإن كان له بدل فعل بدله، وإن لم يكن له بدل فإنه يبقى معلقاً في ذمته حتى يشفيه الله، فإن لم يكن يرجى زوال العجز فينظر فيه، إذا كان ـ مثلاً ـ صياماً يُكفر عنه، كالواجب بأصل الشرع، وإن كان صلاة فالعجز عنها فيما يظهر لا يتصور؛ لأنه يصلي على حسب حاله.
الرابعة: لو علق النذر بالمشيئة فقال: لله علي نذر أن أفعل كذا إن شاء الله.
ففي النذر الذي حكمه حكم اليمين ليس عليه حنث، وإذا كان فعلَ طاعة، نظرنا إذا كان قصده التعليق فلا شيء عليه، وإذا كان قصده التحقيق أو التبرك وجب عليه أن يفعل، حسب نيته.
فائدة: إذا قال صاحب الفروع: (على الأصح) يعني أن المسألة التي يتكلم عليها فيها روايتان عن الإمام أحمد، أصحهما هي التي قال فيها: (على الأصح). ويعني أصحهما في المذهب وليس أصحتهما عن الإمام أحمد.
وإذا قال: (في الأصح) يعني الوجهين عن أئمة أصحاب الإمام أحمد.
الخامسة: إذا نذر الإنسان نذراً معيناً بيوم أو بشهر، ثم جن قبل أن يصل إلى ذلك اليوم، يعني صادف ذلك اليوم أنه مجنون، فلا قضاء عليه بالنسبة للعبادات البدنية، وأما بالنسبة للعبادات المالية، كأن يقول: إن قدم زيد فللَّه علي نذر أن أتصدق بكذا، فقدم وهو مجنون، ذكرنا فيما سبق أنه تلزمه الصدقة؛ لأن
стр. 6450
الواجب هنا في المال، فهو كالزكاة، تجب على المجنون، ولا تجب عليه الصلاة ولا الصيام.
أما لو مات الناذر قبل أن يوجد الشرط فليس عليه شيء لا عبادة مالية ولا بدنية يعني لا صدقة ولا صوم ولا يقضى عنه شيء.
السادسة: فلما آتاهم من فضله أخلفوا الأمرين كليهما الصدقة والصلاة فقوله: ﴿بَخِلُوا بِهِ﴾ هذا ضد الصدقة، وقوله: ﴿بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [التوبة: ٧٦] هذا ضد الصلاة ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ *﴾ نعوذ بالله إلى الموت ﴿يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٧] يقال: إن هذه الآية نزلت في رجل من الصحابة يقال له ثعلبة بن حاطب لكن هذا ليس بصواب بل هو باطل وضعيف وقد كتب في هذا طالب من الجامعة الإسلامية رسالة علمية بَيَّنَ فيها أن هذا كذب وأن هذا الصحابي لم يقع منه هذا الأمر.
قوله: «أو سلَّم ماليَ الغائب فللَّه عليَّ كذا» أو يقول: إن نجحت فللَّه عليّ نذر كذا.
قوله: «فوجد الشرط لزمه الوفاء به» والدليل قول النبي ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه» (١)، وهذا يشمل الطاعة سواء كانت معلقة بشرط، أو مطلقة.
قوله: «إلا إذا نذر الصدقةَ بماله كله، أو بمسمَّى منه يزيد على
стр. 6451
ثلث الكل، فإنه يجزئه قدر الثلث» استثنى المؤلف من قوله: «لزمه الوفاء به» إذا نذر الصدقة بماله كله فإنه يجزئه قدر الثلث، مثل أن يقول: إن شفى الله مريضي فللَّه عليّ نذر أن أتصدق بجميع مالي، وهذا نذر تبرر معلق، أو يقول: لله عليّ نذر أن أتصدق بجميع مالي، وهذا نذر تبرر مطلق، فيجزئه قدر الثلث، واستدل الأصحاب ﵏ لهذا بحديث كعب بن مالك ﵁، وحديث أبي لبابة بن عبد المنذر ﵁.
أما كعب بن مالك فتخلف عن غزوة تبوك بدون عذر، ولما رجع النبي ﷺ من تبوك جاء المنافقون يعتذرون إلى النبي ﷺ ، فكان يعذرهم ويستغفر لهم ويكل سرائرهم إلى الله، ويفرحون بهذا؛ لأنهم أهل ظاهر، فيفرحون بالظاهر، ويقولون: يكفينا استغفار النبي ﷺ لنا، وما علموا أن الله قال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]ـ والعياذ بالله ـ أما كعب بن مالك، ﵁ وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع ﵃ فصدقوا، وقالوا: ما لنا عذر، وكعب بن مالك ﵁ تكلم بين يدي النبي ﷺ بكلام فصيح عجيب؛ لأنه أشب القوم وأجلدهم، وقال: إني أوتيت جدلاً، يعني أقدر أن أخاصم، وأعرف أن أتخلص، ولكن لا يمكن أن أتقدم إليك بعذر اليوم فتعذرني، ثم يفضحني الله ـ تعالى ـ غداً ـ الله أكبر ـ انظر الإيمان واليقين، المنافقون قال الله فيهم: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا
стр. 6452
عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ *﴾ [التوبة]، أما هذا فلإيمانه أعطى الصدق، وقال: ما لي عذر، وما ملكت راحلتين قط في غزوة كهذه، ولكن أخذه التسويف، لما خرج الناس أول يوم، قال: أنتظر غداً ألحقهم، في اليوم الثاني قال: غداً ألحقهم، حتى ذهب الوقت، فهجره النبي ﵊ وصار لا يكلمه، حتى أنه يقول: آتي وأسلم على النبي ﵊، وأقول: أَحَرَّكَ شفتيه بردِّ السلام أم لا؟ مع حسن خلق النبي ﵊، لكن لكل مقام مقال، ومع ذلك كان الرسول ﵊ يلاحظه، إذا كبَّر للصلاة لاحظه النبي ﵊ ونظر إليه، فإذا أقبل عليه كعب أعرض؛ لأن الرسول ﵊ كان يراعي أصحابه خير رعاية، بقي على هذه الحال يخرج إلى السوق يكلم الناس وما يكلمونه، حتى أبو قتادة ابن عم كعب بن مالك وأحب الناس إليه، دخل عليه في بستانه وسلم عليه، فلم يرد عليه¬ السلام، فقال له: أنشدك الله، أتعلم أني أحب الله ورسوله ﷺ يريد أن يتكلم، فلما ناشده الله لم يكلمه، ولكن قال: الله أعلم، وهذه كلمة تصلح خطاباً، وغير خطاب، فلما مضى عليهم أربعون ليلة أرسل النبي ﷺ إليهم أن يفارقوا زوجاتهم، فيتركونهن يذهبن لأهلهن، فقال كعب ـ لما جاءه رسول رسول الله ﷺ وقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك ـ قال: هل أطلقها أم أعتزلها؟ فلو قال: طلقها، لطلَّقَها، لكن قال: بل تعتزلها، فذهبت المرأة إلى أهلها، وبقوا خمسين
стр. 6453
ليلة، والناس هاجرون لهم، ولا يتكلمون معهم، وفي أثناء هذه المدة جاء خطاب من ملك غسان إلى كعب بن مالك ـ فتنة عظيمة ـ قال له: إنه بلغنا أن صاحبك قد جفاك، وطلب حضوره إليه حتى يكرمه ويعزه، فلما قرأ الكتاب لم يحتفظ به، بل مباشرة جعله في التنور وأوقد به؛ لئلا تخدعه نفسه فيستجيب، فنزلت توبتهم من الله في ليلة من الليالي وبعد خمسين ليلة، جاء الفرج من الله الله أكبر ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ *﴾ [التوبة: ١١٨].
فلما أصبح النبي ﷺ أخبر الناس بتوبة الله عليهم ـ الله أكبر ـ وكان كعب لا يصلي مع الجماعة؛ لأنه مهجور، فذهب رجل من المسلمين إلى سلع ـ جبل في المدينة معروف ـ ونادى بأعلى صوته: أبشر يا كعب بخيرِ يومٍ مَرَّ عليك منذ ولدتك أمك! أبشر بتوبة الله عليك! وذهب رجل على فرس يبشره، وانظر إلى الصحابة ﵃ كيف فرحهم بتوبة الله تعالى على إخوانهم، وعلى أصحابهم، لكن كان صاحب الصوت أسرع، فصارت البشارة لصاحب الصوت، فأعطاه كعب بن مالك حلته، فلما جاء إلى النبي ﷺ ودخل المسجد قام إليه طلحة بن عبد الله ﵁ يهنئه بتوبة الله عليه، قال: فكنت لا أنساها لطلحة أن كان أول الصحابة يهنئه ﵃، أما النبي ﵊ فإنه لما رآه كعب وجد وجهه يتهلل، كأنه
стр. 6454
قطعة قمر فرحاً بنعمة الله بتوبته على هؤلاء الثلاثة؛ لأن النبي ﷺ لا شك أنه أشفق الناس على أمته وأصحابه، وأشدهم حباً للخير لهم، فكانت هذه القضية مما نزل فيها قرآن يتلى إلى يوم القيامة، وانظر المحنة تعقبها المنحة! كل محنة من الله إذا صبرت عليها فأبشر بعقباها منحة، فبعد هذا قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ *﴾ [التوبة]، فجعلهم أسوة لغيرهم في الصدق، ولما تاب الله عليهم، قال كعب: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة، فقال: «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك» متفق عليه (١)، وعند أبي داود (٢) «أنه يجزئه الثلث»، وقد سمى النبي ﷺ الثلث كثيراً، فقال لسعد بن أبي وقاص ﵁: «الثلث والثلث كثير» (٣).
وكذلك أيضاً: أبو لبابة بن عبد المنذر ﵁ قال: إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة لله ورسوله ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : «يجزئك منه الثلث» (٤) وقصة أبي لبابة ذكرها
стр. 6455
بعض الناس في قصة تخلفه عن غزوة تبوك، وليس هذا بصحيح، والصحيح أنها كانت في قصة إشارته لحلفائه بني قريظة حين استشاروه: هل ينزلون على حكم النبي ﵊؟ فأشار إلى حلقه، يعني أنه الذبح، فعرف ﵁ أن في ذلك خيانة، فربط نفسه بسارية المسجد، وقال: لا أطلقها حتى يحلها رسول الله ﷺ بعد أن يتوب الله عليه، فتاب الله عليه، وحلها الرسول ﷺ لما عرف صدق توبته، ثم قال: إن من توبتي أن أنخلع من مالي، فقال له النبي ﷺ : «يجزئك الثلث»، ففي هذا دليل على أنه إذا نذر الصدقة بماله فإنه يجزئه الثلث.
وذهب بعض العلماء إلى أنه يجب عليه أن يتصدق بجميع ماله؛ لأن الصدقة بجميع المال لمن علم من نفسه التوكل جائزة، بل هي سنة فعلها أبو بكر ﵁ (١)، فتدخل في عموم قوله ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه» (٢)، وأجابوا عن حديث كعب بن مالك وأبي لبابة ﵄ بأنه ليس فيهما التصريح بالنذر، بل قد يكون ذلك من باب شكر النعمة، وهي توبة الله عليهما، وليس فيه أن كلاًّ منهما قال: إن لله عليَّ نذراً، بل قال: إن من توبتي ـ أي: من شكر توبتي ـ أن أفعل كذا وكذا، فهو من
стр. 6456
باب نية الخير شكراً لله ، وفرق بين من يلتزم بالنذر، وبين من يريد بدون التزام.
والحقيقة أن هذه المناقشة قوية، بمعنى أنه ليس في الحديثين دلالة صريحة على أنهما نذرا لله بذلك، فلا شك أن الإنسان إذا أوفى بنذره وتصدق بجميع ماله مع حسن ظنه بربه، وصدق اعتماده عليه، وأن له جهات يُمكن أن يقوم بواجب كفايته وكفاية عائلته، لا شك أن صدقته بجميع ماله أبرأ لذمته وأحوط، وأما الاقتصار على الثلث مطلقاً ففي النفس منه شيء.
وقوله: «أو بمسمى منه يزيد على ثلث الكل» (مسمى منه) يعني مُعَيَّناً من ماله يزيد على ثلث الكل.
وقوله: «فإنه يجزئه قدر الثلث» يعني ثلث الكل، مثال ذلك قال: لله عليَّ نذر أن أتصدق بهذه السيارة، فنظرنا ما عنده من المال فإذا السيارة تساوي عشرين ألفاً، وعنده عشرة آلاف فقط، فيجزئه ثلث الكل وهو عشرة آلاف، وتبقى السيارة له، أو نقول: بعها ثم تصدق بنصف قيمتها، ولا يلزمه أن يبيعها؛ لأنه لو باعها سوف يأخذ نصف القيمة، لكن إذا باعها فهو أحسن من جهة؛ لأنه أخرجها لله وطابت نفسه بها، فكونها لا تدخل ملكه أحسن.
وقوله: «أو بمسمى منه يزيد على ثلث الكل فإنه يجزئه قدر الثلث» هذا أحد القولين في مذهب الإمام أحمد، ولكن المذهب المشهور عند المتأخرين أنه يلزمه أن يتصدق بالمسمى، وإن زاد على الثلث، ففي مثالنا هذا يلزمه أن يتصدق بالسيارة كلها، ويقولون: إن الفرق بينه وبين الكل، أن الكل عبارة عن كل
стр. 6457
المال، وليس ذلك بالأمر المشروع؛ بخلاف الصدقة بشيء معين فإنه مشروع ولو كان أكثر من الثلث، فالمسألة فيها ثلاثة أشياء:
أولاً: أن ينذر الصدقة بجميع ماله، فمذهب الحنابلة يجزئه الثلث، وقول أكثر أهل العلم أنه لا بد أن يتصدق بماله كله.
ثانياً: أن ينذر الصدقة بشيء معين يزيد على الثلث، فالمذهب يلزمه أن يتصدق به ولو زاد على الثلث، والذي مشى عليه المؤلف أنه لا يلزمه أكثر من الثلث.
ثالثاً: أن ينذر الصدقة بشيء من ماله مشاع، مثل أن يقول: ثلث مالي، نصف مالي، وما أشبه ذلك، فيتعين ما قاله على ظاهر المذهب، وعلى كلام المؤلف لا يلزمه أكثر من الثلث.
وهل إذا تصدق بالثلث عليه كفارة؟
ليس عليه كفارة؛ لأنه يقول: «يجزئه»، وما دام يجزئه فقد أوفى بنذره فلا كفارة عليه.
وَفِيمَا عَدَاهَا يَلْزَمُهُ الْمُسَمَّى، وَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ لَزِمَهُ التَّتَابُعُ، وَإِنْ نَذَرَ أَيَّاماً مَعْدُودَةً لَمْ يَلْزمْهُ إِلاَّ بِشَرْطٍ أَوْ نِيَّةٍ.
قوله: «وفيما عداها يلزمه المسمى» أي: في ما عدا المسألة المذكورة، وهي إذا نذر الصدقة بماله كله، أو بمسمى منه يزيد على الثلث، فإنه يلزمه المسمى؛ أي: المعين ولو كثر، فلو فرضنا أن رجلاً عنده مليون ريال، وقال: لله عليّ نذر أن أتصدق بثلاث مائة ألف، فهل يلزمه أو لا؟
يلزمه؛ لأنه أقل من الثلث، ودليله عموم قول النبي ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه» (١).
стр. 6458
قوله: «ومن نذر صوم شهر لزمه التتابع» يعني لزمه أن يصوم متتابعاً، ونذر صوم الشهر على قسمين:
الأول: أن ينذر شهراً بعينه، كربيع الأول ـ مثلاً ـ فهذا يلزمه التتابع؛ لضرورة التعيين فما يمكن أن يصومه إلا متتابعاً.
الثاني: أن ينذر شهراً مطلقاً، فيقول: لله علي نذر أن أصوم شهراً، فالمؤلف يرى أنه يلزمه التتابع، وهو المذهب، وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يلزمه التتابع، وهذه المسألة فيما إذا لم يكن له نية، أما إن كان له نية فعلى ما نوى، أو يكون له شرط، فعلى ما شرط، يعني لو قال: أنا من نيتي أن أصوم شهراً متتابعاً، قلنا: يلزمك التتابع، أو صرح بالشرط فقال: لله علي نذر أن أصوم شهراً متتابعاً، فيلزمه التتابع.
والصحيح في القسم الثاني أنه لا يلزمه التتابع، ودليل ذلك أنه لو كان الشهر عند الإطلاق يستلزم التتابع لكان اشتراط التتابع في قوله تعالى: ﴿شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ لغواً لا حاجة إليه، فلما اشترط الله التتابع في الشهرين علمنا بأن الشهر عند الإطلاق لا يستلزم التتابع، وهذا هو الصحيح، فإذا نذر قال: إن شفى الله مريضي فلله علي نذر أن أصوم شهراً، وشفى الله مريضه، فإننا نقول له: صم شهراً، فإذا سألنا: هل أتابع الصوم؟ قلنا: لا يلزمك إلا إن كنت نويت أو اشترطت.
وقوله: «لزمه التتابع» هل يلزمه أن يصوم ثلاثين يوماً، أو لا يلزمه إلا تسعة وعشرون يوماً؟ نقول: إن ابتدأ الصوم من أول يوم من الشهر لم يلزمه إلا الشهر، سواء كان تسعة وعشرين يوماً
стр. 6459
أم ثلاثين يوماً؛ لقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فسماه الله شهراً مع أنه قد يكون تسعة وعشرين، وقد يكون ثلاثين يوماً، وإن ابتدأه من أثنائه، مثل أن يبتدئ الصوم في الخامس عشر، فقيل: يلزمه ثلاثون يوماً؛ لتعذر البناء على الشهر، وقيل: بل يلزمه ما كان عليه الشهر ولا يلزمه ثلاثون يوماً، وعلى هذا القول فإذا ابتدأ الصوم في اليوم الخامس عشر من هذا الشهر انتهى في اليوم الرابع عشر من الشهر الذي يليه، فإذا فرضنا أن هذا الشهر الذي ابتدأ فيه الصوم كان ناقصاً فإنه يصوم تسعة وعشرين يوماً، وهذا القول هو الصحيح، أنه لا يلزمه إلا شهر هلالي، سواء ابتدأ من أثناء الشهر، أو من أول الشهر.
وإذا قلنا بلزوم التتابع، يعني في الحال التي يلزمه التتابع إذا قطع التتابع، بأن أفطر يوماً من الشهر، فهل يستأنف أو يتم؟
الجواب: فيه تفصيل، إن كان لعذر لم يستأنف وبنى على ما مضى، مثل رجل شرع في الصوم فصام عشرة أيام ثم مرض مرضاً يبيح له الفطر، فأفطر خمسة أيام، فيكمل على العشرة الأولى؛ لأنه أفطر لعذر، وكذلك لو سافر بعد أن صام عشرة أيام وأفطر في السفر، ثم عاد من السفر، فإنه يبني على ما مضى؛ لأن السفر عذر يبيح الفطر حتى في الصيام الواجب بأصل الشرع، وهو رمضان، فإن سافر ليفطر، نقول: يحرم عليك أن تفطر؛ لأنه يلزمك التتابع، ولا تتابع مع الفطر؛ فإذا أفطر يلزمه الاستئناف؛ لأنه أفطر لعذر لا يبيح الفطر.
стр. 6460
في مثل هذه الحال، لو أن أحداً استفتاك: هل يلزمك الاستفصال؟ أو تقول: ابنِ؟ أو تقول: استأنف؟
هنا يجب على المفتي الاستفصال؛ لأنه لا يتم الحكم إلا بمعرفة الحال، كما لو سألك سائل فقال: هلك هالك عن بنت، وأخ، وعم شقيق، فالبنت ما يحتاج أن نستفصل عنها، والأخ نستفصل، نقول: هل هو لأم أو لغير أم؟ والعم معروف أنه شقيق؛ لأنه إذا قال: الأخ لأم، قلنا: ليس له شيء، والذي أسقطه البنتُ، الفرعُ الوارثُ، والباقي للعم؛ لأنه عاصب وهو «أولى رجل ذكر»، وإن قال: إن الأخ شقيق، أو لأب، قلنا: المال الباقي للأخ، والعم يسقط.
ولو سألني سائل قال: هلك هالك عن ابن وأب، فما يحتاج أن أستفصل: هل الابن رقيق، أو حر، أو قاتل، أو غير قاتل؟
إذن نأخذ من هذا قاعدة: أنه لا يلزمني السؤال عن وجود المانع، لكن يلزمني السؤال عن تحقق الشرط؛ لأن المانع الأصل عدمه، والشرط الأصل عدمه، ولهذا أتحقق من وجوده، وهذه مسألة في الحقيقة يحتاج إليها طالب العلم عند الفتوى، فنقول: السؤال عن وجود المانع ليس بواجب، والسؤال عن وجود الشرط واجب؛ لأن الأصل فيهما العدم.
قوله: «وإن نذر أياماً معدودة لم يلزمه» أي: التتابع «إلا بشرط أو نية» الدليل على أنه يلزمه إذا اشترط قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وإن لم يتضح
стр. 6461
لك ذلك، فقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء: ٣٤]، وهذا شيء عاهدت الله عليه أن يكون متتابعاً، فتابعه.
فإذا قال قائل: لماذا لا تجوِّزون لي التفريق؛ لأنه أسهل؟ ومن الذي قال لكم: إن التتابع من البر حتى تلزموني به؟
فالجواب: لو راعيت أيها الناذرُ الأسهلَ لم تنذر أصلاً، أنت الذي ألزمت به نفسك، وأما التتابع فإنه من البر؛ لأن الله تعالى اشترطه في الكفارة، ولولا أنه محبوب إلى الله ما اشترطه، ثم على فرض أنه ليس من البر فأنت نذرت لله عبادة موصوفة بصفة غير محرمة، فتكون الصفة تابعة للموصوف، فإذا نذرت شهرين متتابعين، والتتابع غير محرم، وصوم الشهرين مشروع بالنذر فالتتابع مشروع، فيلزمك الوفاء به على ما شرطت.
والدليل على أنه يلزمه التتابع إذا كان بنية الحديث الأصل الذي يعتبر عمدة وعماداً لكل الأعمال الصالحة، وهو قول الرسول ﵊: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (١).
стр. 6462
صفحة فارغة
стр. 6463
كِتَابُ القَضَاءِ
قوله: «القضاء» في اللغة إحكام الشيء والفراغ منه، ويطلق بمعنى التقدير، فإذا كان أمراً شرعياً فالقضاء بمعنى الإحكام، وإذا كان أمراً مُقدراً فإما أن يراد به التقدير الأزلي، أو الفراغ من الشيء، فقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]، أي: فرغ منهن، وقوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [الإسراء: ٤] أي: قدرناه في الأزل، وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، أي: شرع شرعاً محكماً، فرضاً على العباد.
أما في الشرع فالقضاء يتضمن ثلاثة أمور: تبيين الحكم الشرعي، والإلزام به، وفصل الحكومات أو الخصومات.
فقولنا: «تبيين الحكم الشرعي» جنس يدخل فيه الفتيا؛ لأن المفتي يبين الحكم الشرعي، ولهذا لو قلت: القضاء شرعاً تبيين الحكم الشرعي، ما صح الحد والتعريف؛ لأنه غير مانع فيدخل في المُعرَّف ما ليس منه كالفتيا، فإن المفتي يبين الحكم الشرعي.
وقولنا: «الإلزام به وفصل الخصومات» يخرج به الفتيا، فإن المفتي لا يُلزم، وهل يفصل الحكومات أو لا؟ لا يفصلها، لكن لو أن المفتي حُكِّمَ ـ أي: تحاكم إليه اثنان ـ وقالا: رضيناك حكماً بيننا، وحكم بينهما صار حكمه كحكم القاضي ملزماً،
стр. 6464
ولكنه إذا لم يُحكَّم، ولم ينصب من قبل ولي الأمر، فإنه مُبيِّن لا ملزم، هذا هو الفرق بين المفتي والقاضي.
وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ يَلْزَمُ الإِمَامَ أَنْ يَنْصِبَ فِي كُلِّ إِقْلِيمٍ قَاضِياً، .......
قوله: «وهو فرض كفاية» أما كونه
فرضاً فلأن الله أمر به، فقال: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [ص: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]، فأمرنا إذا حكمنا أن نحكم بالعدل، وأمر نبيه داود ﵊ أن يحكم بين الناس، وهذا يدل على أنه فرض، وأما كونه فرض كفاية فلأن المقصود به الفعل دون الفاعل، وقد بيناه في نظم القواعد (١)، وأنه إذا كان المقصود الفعل فهو فرض كفاية، وإن كان المقصود الفاعل فهو فرض عين، أو سنة كفاية وسنة عين، حسب الأمر، فالقضاء فرض كفاية؛ لأن المقصود إيجاد قاضٍ يحكم بين الناس، وليس المقصود أن كل واحد من الناس يكون قاضياً، فالمقصود به الفعل، أي: أن يوجد الحكم بين الناس، بقطع النظر عن عين الفاعل.
قوله: «يلزم الإمام» انتقل المؤلف إلى من يوجه إليه هذا الفرض، فيوجه إلى طائفتين: إلى الإمام، وإلى المأمور، يعني إلى الإمام الذي هو الآمر، وإلى المأمور الذي هو المُولَّى، فإذا قال الإمام لشخص: كن قاضياً في هذا البلد، صار القضاء في حق هذا الشخص فرض عين كما سيأتي.
стр. 6465
وقوله: «يلزم الإمام» فمن الإمام؟
الإمام ولي الأمر، يعني السلطان الأعلى في الدولة، والآن الدول تختلف، بعضها السلطان الأعلى في الدولة يُسمى ملكاً، وبعضها يسمى رئيساً، وبعضها أميراً، وبعضها سلطاناً، وبعضها شيخاً، فالمهم المعاني، فإذا كان هذا هو السلطة العليا في الدولة فهو الإمام.
وقوله: «يلزم الإمام» لأن الإمام في الحقيقة خليفة رسول الله ﷺ ، واختلف العلماء، هل يجوز أن أقول: خليفة الله أو لا يجوز؟
فقال بعض العلماء: يجوز أن تقول: خليفة الله، لكنه من باب إضافة الشيء إلى فاعله، بمعنى مخلوف الله، يعني أن الله استخلفك في الأرض، وجعلك خليفةً، وليس المعنى أن الله ـ تعالى ـ وكَّلك على عباده؛ لأنه عاجز عن تدبيرهم، كلا، لكن المعنى أن الله جعلك خليفة في الأرض، تخلفه في عباده، بمعنى أن تقيم شرعه فيهم، وقد قال الله تعالى لداود ﵇: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [ص: ٢٦].
وقال الشاعر يخاطب عمر بن عبد العزيز ﵀:
خليفة الله ثم اللَّه يحفظه
واللَّه يصحبك الرحمن في سفر
إنّا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا
من الخليفة ما نرجو من المطرِ
فقال: خليفة الله، وأقره ـ حسب الرواية ـ وما أنكره.
وقال بعض العلماء: لا يجوز؛ لأن خليفة الإنسان لا يكون إلا عند غيبة الإنسان المُخلِّف، ولهذا قال موسى لهارون ـ عليهما
стр. 6466
الصلاة والسلام ـ: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ [الأعراف: ١٤٢]؛ لأنه ﵊ غاب لميقات ربه.
ولكن الصحيح الأول، وأنه يجوز أن نقول: خليفة الله، لأن الله استخلفه في عباده ليقوم بعدله، ولا يعني ذلك أن الله تعالى ليس بحاضر، فالله فوق عرشه، ويعلم كل شيء، وفرق بين استخلاف موسى لهارون ﵉، وبين استخلاف الله ـ تعالى ـ هذا الخليفة في الأرض.
والذين يقولون: لا يجوز، يقولون: إنك تقول: خليفة رسول الله ﷺ ؛ لأنك خلفت رسول الله ﷺ في أمته علماً، وعملاً، ودعوة، وسياسة، يعني أن الخليفة يجب أن يكون خالفاً لرسول الله ﷺ في هذه الأمور الأربعة، العلم، والعمل، والدعوة، والسياسة، فمسؤولية الخليفة ليست هينة.
فالعلم بمعنى أن يكون عالماً بالشريعة، ولهذا كان الخلفاء في عهد السلف الصالح هم العلماء، فإن عجز فإنه يجب أن يكون له بطانة ذات علم بشريعة الله، ويجب أن تكون هذه البطانة عالمةً بأحوال العصر، وأن يكون لها قدرة على تطبيق الحوادث العصرية على الأصول الشرعية؛ لأن بعض الناس عالم، لكن لا يعلم أحوال الناس ومتطلبات العصر، فتجده يريد أن يفرض ما يعلمه دون النظر إلى الواقع، وهذا خطأ، بل الواجب على العالم أن يكون مع علمه مربياً، بمعنى أنه ينظر إلى الواقع ليطبقه على الأصول الشرعية، ولسنا نقول: ينظر إلى الواقع ليلوي أعناق الأصول الشرعية إليه، بل ليحمل الواقع على الأصول الشرعية،
стр. 6467
والحمد لله، فإن الدين الإسلامي لا يمكن أن تحدث أي حادثة إلى يوم القيامة إلا وفيها حَلٌّ في الدين الإسلامي، علمه من علمه، وجهله من جهله، لكن الذي يفوتنا إما القصور وإما التقصير، أما أن توجد حادثة إلى يوم القيامة لا يوجد لها حل في الشريعة! فهذا مستحيل؛ لأن الله جعل هذا الدين باقياً إلى قيام الساعة، فلا بد أن يكون فيه حلول لمشاكل العالم، وإلا ما صح أن يكون ديناً، أو شريعة إلى يوم القيامة.
وأما أن يخلف النبي ﷺ في العمل، يعني أن يكون قدوة صالحة في عمله، وعباداته، ومعاملاته، وأخلاقه، وسلوكه؛ ليكون أسوة؛ لأن اسمه خليفة وإمام، خليفة لمن سبقه، وإمام لمن لحقه.
وأما الدعوة فأن يكون إماماً في الدعوة إلى الإسلام، فيكاتب زعماء الكَفرة، يدعوهم إلى الإسلام، كما كان النبي ﷺ يكاتبهم يدعوهم إلى الإسلام.
فإنه كاتب الملوك والزعماء والأمراء في عهده، كتب إلى المقوقس في مصر، وإلى هرقل في الشام، وإلى كسرى في العراق (١)، وإلى غيرهم، وهذا من وظائف الإمام، فإن لم يباشره بنفسه فليجعل من يباشره وينوب عنه، بأن يكوِّن لجنةً من أهل العلم يتولون هذا الأمر، ويكون لديهم العلم بالشرع والواقع، وسعة الأفق، وحسن الأسلوب، وعرض الدين
стр. 6468
الإسلامي على الوجه الأكمل، الذي يجعل القلوب تميل إليه؛ لأنه دين الفطرة.
كذلك ـ أيضاً ـ مما يتصل بالدعوة حماية الإسلام، بالدفاع عنه بكل ما يستطيع، أولاً: بمنع ما ينقص الإسلام أو ينقضه، وذلك بمنع الحرب التي تقام بين حين وآخر، إن صح أن أقول: بين حين وآخر؛ لأن الصواب أن الحرب قائمة بين الإسلام والكفر منذ بدأ الإسلام.
والحرب التي حورب بها الإسلام تنقسم إلى قسمين: حرب مادية بالسلاح والعتاد، وهذا لا أعتقد أن أحداً من المسلمين يتقاعس عنه، بل لو رأوا العدو يأتي الأرض ينقصها من أطرافها، لقاموا إليه وعرفوا عداوته، وهذا واجب على الإمام والخليفة أن يكوِّن جيشاً قادراً على دفاع العدو بقدر المستطاع؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠].
وهناك حرب بسلاح أخفى وأنكى وأشد، وهي الحرب في الفكر والعقيدة والأخلاق، في الفكر يغزون المسلمين بأفكار هدامة يأخذونها، إما من ملحدين، وإما من منافقين.
في العقيدة ـ أيضاً ـ هناك عقائد تنتمي إلى الإسلام غير الأفكار التي ترد من الملاحدة والزنادقة، عقائد منحرفة كما ذكرها شيخ الإسلام في العقيدة الواسطية في الأصول الخمسة التي كان أهل السنة وسطاً فيها بين طوائف هذه الأمة، فلا بد أن تحارب هذه العقائد الفاسدة.
الحرب بالأخلاق هذا ـ أيضاً ـ صعب؛ لأن النفوس ميالة
стр. 6469
إلى ما تدعو إليه هذه الفئة، التي تسلِّط شررها ـ ولا أقول: أضواءها ـ على أهل المروءة والأخلاق العالية؛ لتهدم مروءتهم وأخلاقهم، ويتمثل هذا في وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة، ولذلك تجد أعداء المسلمين يغزون المسلمين بمثل هذا، تأمَّل صحفهم، تأمَّل إذاعاتهم، وتأمَّل ـ أيضاً ـ ما ينشرونه بين المسلمين من المجلات التي فيها أزياء، لا أقول: إنها جديدة على أزيائنا، واستعمالها مخالف لعاداتنا، ولكني أقول: إنها أحياناً تخالف اللباس الشرعي، فيجب أن يحمى الإسلام من هذه الأشياء.
هناك ـ أيضاً ـ شيء آخر يغزون المسلمين به وهو الاكتساب، بحيث يغرون الناس على الميسر والربا وغير ذلك، بطرق كثيرة، فيدخل في حماية الدين الإسلامي أن نبين هذا القسم الثاني، الذي هو حرب الفكر والعقيدة والأخلاق والمعاملات، وذلك بأن نبين فساد هذه الأشياء؛ لأن بيان فسادها كسر لهذه الأسلحة، ثم نأتي بما هو أحسن منها فيما جاء به الإسلام؛ لأن كوننا نهاجم هذه الأسلحة بدون ذكر البديل خطأ؛ لأن الناس يقولون: أين البديل؟ ولهذا جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية ما يرشد إلى هذه الطريق، وهي أنك إذا أبطلت منكراً فاذكر ما يحل محله من المعروف، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾، هذا منكر، والبديل: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة: ١٠٤]، وقال النبي ﷺ لمن جاءه بالتمر الجيد الذي كان يأخذ الصاع منه بالصاعين، والصاعين بالثلاثة ـ
стр. 6470
قال: «لا تفعل»، وفي رواية: «عينُ الربا» (١) رده، ثم أرشده قال: بع التمر الجمع ـ أي: الرديء ـ بالدراهم، ثم اشتر «بالدراهم جنيباً» (٢) ـ يعني تمراً طيباً ـ فهكذا ينبغي للداعية إذا سد على الناس باب الشر أن يفتح بدله من أبواب الخير، حتى لا يقع الناس في حيرة.
كذلك ـ أيضاً ـ مما يتصل بالدعوة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، هذا من وظيفة الإمام، والمعروف كل ما أمر به الشرع، والمنكر كل ما نهى عنه الشرع، هذا هو الضابط، وسمي الأول معروفاً؛ لأن الشرع عرفه وأقره، والثاني منكراً؛ لأن الشرع أنكره، فإن لم يقم بذلك بنفسه وكله إلى من به الكفاية، فيكون نائباً عنه في ذلك، ولا يمكن أبداً أن تقوم الأمة الإسلامية، أو تتحد إلا بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ *﴾ ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٤، ١٠٥].
стр. 6471
فأشار بقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾، بعد قوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَةٌ﴾، إلى أنه إذا لم يكن ذلك تَفرَّق الناس، وهذا واضح، فإذا لم يكن أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، كل واحد يسلك سبيلاً، حينئذ تتفرق الأمة، ولا يجمع الأمة إلا شريعة ربها ، وذلك لا يكون إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولا بد أولاً: أن تكون الأمة أو الطائفة التي يقيمها الإمام للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لها علم بأن هذا معروف وهذا منكر، وتعلم ذلك عن طريق الشرع.
ثانياً: أن يكون لديها علم بأن هذا الرجل ترك المعروف أو فعل المنكر، فإن لم تعلم فإنه لا يجوز أن تنكر لا أمراً ولا نهياً، فلو أنك رأيت رجلاً يمشي مع امرأة في السوق فقلت له: ألا تخاف الله؟ تمشي مع الحريم بالسوق! فهذا لا يسوغ ولا يجوز! اسأله أولاً: من هذه المرأة؟ ما علاقتك بها؟ فإذا قال: هذه أختي، هذه أمي، هذه بنتي، كُفْ وانتهِ، اللهم إلا أن يكون هناك قرائن قوية تخالف ما ادعاه، فهذا شيء آخر، ولهذا كان الرسول ﵊ لا ينكر الشيء إلا بعد أن يعلم أنه منكر، ولما دخل رجل والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة جلس، فهل قال له: قم صلِّ ركعتين؟ لا، بل قال: «أصليت؟» لأن فيه احتمالاً أنه صلى، والرسول ﷺ ما رآه، فلما قال: لا، قال: «قم فصلِّ ركعتين» (١).
стр. 6472
ولو خرجت من المسجد ووجدت شخصاً يمشي في السوق، هل تقول له: تعالَ، أنت ما تخاف الله، الناس يصلون بالمسجد، وأنت تمشي بالأسواق! هذا خطأ، بل تقول: أصليت يا أخي؟ فإذا قال: ما صليت! جئت الآن من العمل، تقول: يا أخي الصلاة مهمة، وتنصحه بلطف.
ثالثاً: لا بد أن يكون عند الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر حكمة، بأن يدفع الأشر بالشر، والشر بالخير؛ لأن دفع الأشر بالشر أهون، يعني ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما، وهذه قاعدة عند أهل العلم، مثل لو رأى رجلاً يشرب الدخان فنهاه عنه، فترك شرب الدخان وذهب يشرب خمراً، فهذا لو تُرك يشرب الدخان لكان أفضل من أن يشرب الخمر، فإذا علمت أنني إذا نهيته عن الدخان راح ليشرب الخمر، أتركُه يشرب الدخان، وإذا انتهى قلت له: هذا يا أخي حرام، ولا يجوز، ولعل الله أن يهديه، ولهذا يذكر أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لما دخل التتار الشام مرّ هو وصاحب له بقومٍ يشربون الخمر من التتار، ولم ينههم شيخ الإسلام، فقال له صاحبه في ذلك، فقال له: لو نهيناهم عن هذا تركوا الخمر، وراحوا يهتكون أعراض المسلمين؛ لأنهم قوم مفسدون، فدعهم يلهون بخمرهم التي هي عليهم ولا يتعدون، فانظر كيف الحكمة؟ فاستعمال الحكمة أمر ضروري للإنسان الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر.
رابعاً: استعمال الرفق، وهو ـ أيضاً ـ كمال للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، ومرّ رجل يهودي على النبي ﷺ
стр. 6473
وعنده عائشة ﵂، فقال: السام عليك يا محمد! فقالت عائشة ﵂ غيرةً لله ورسوله ﷺ : عليك السام واللعنة! فقال الرسول ﵊: «إن الله رفيقٌ يحب الرفق» (١)، وقال: «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم» (٢)، فإن كانوا قالوا: السلام فهو عليهم، وإن كانوا قالوا: السام فهو عليهم، هذا هو العدل، وقال: «إن الله رفيق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف» (٣)، الله أكبر! غيرتنا تأبى إلا أن نعنف ونستعمل العنف، ونظن أن هذا هو الذي يحل المشكلة! ولكن الأعلم منا والأنصح محمداً رسول الله ﷺ يقول ـ وهو صادق بار ـ: «إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف».
ويذكر أن رجلاً مر على صاحب نخل وأذَّن المغرب، والعامل يغني على إبله؛ لأن الإبل تطرب للغناء فوقف عليه وقال: أما تستحي؟ كيف لا تصلي؟ فغضب العامل وشتمه، وقال له: لن أصلي، وصلاتي لي! فجاءه أحد العلماء ـ جزاه الله خيراً وغفر له ـ وكلمه بكلام لين هادئ، وقال: الصلاة خير من هذا
стр. 6474
العمل، وأنت تصلي ـ إن شاء الله ـ وترجع إلى عملك، فقال له العامل: جزاك الله خيراً، أنت الوجه المبارك، فترك عمله وراح وصلى، فهذا شاهد واقعي يصدق ذلك، وإن كان قول الرسول صدقاً بلا تصديق؛ لأنه الصادق المصدوق، لكن الواقع يزيدك إيماناً بأن الرفق خير من العنف، لكن ـ الله يعفو عنا ـ فالحقيقة أننا أحياناً تأخذنا الغيرة، ونعجز أن نملك أنفسنا، فنعنف ونغضب وتتوتر أعصابنا، ولكن الأولى لنا أن نهدأ وننظر.
قال النبي ﷺ : «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه» (١) مثال ذلك: رجل مر بصاحب عود يعزف به، فأول ما يجب عليه أن يكسره، فليغيره بيده، إذا لم يستطع فبلسانه، بمعنى أن يتكلم عند من يمكنه أن يكسره، فإن لم يستطع فبقلبه، يكرهه، وينكره، ولا يصاحبُ صاحبَه، وهذه المسألة تخفى على كثير من الناس، يظنون أنك إذا كرهت المنكر بقلبك فاجلس مع أهله! وهذا خطأ؛ لأن الله يقول: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَئُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾، ثم قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا﴾ يعني إن قعدتم ﴿مَثَلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] فالمُنكِر بالقلب ما يقعد، وهل يُعقل أن إنساناً يكره شيئاً ويجلس عند من يفعله؟! ما يعقل أبداً.
هذه ثلاثة أمور: دعوة، وأمر، وتغيير، تشتبه على بعض
стр. 6475
طلبة العلم، يظنون أنها واحدة ولكنها مختلفة، فالدعوة عرض وترغيب وترهيب، والأمر توجيه الأمر أي: طلب الفعل، أو الكف على وجه الاستعلاء، والتغيير مباشرة إزالة المنكر باليد، فبينها فرق يجب على طالب العلم أن يعرفه؛ حتى لا تختلط عليه الأشياء.
وعلى الإمام أن يكون قائماً بالسياسة، وهي سلوك كل ما يصلح به الخلق، وهي إما داخلية، وإما خارجية.
أما الداخلية فأن يسوس رعيته بالعدل واجتناب الجَوْرِ، والعمل بالقرائن والبيِّنات وغير ذلك، فمثلاً لا يفرق بين القريب والبعيد، والغني والفقير، والشريف والوضيع، وما أشبه ذلك، إلا إذا اقتضت المصلحة أن يعفو ـ مثلاً ـ عن رجل له شرف وجاه، وهذا في غير الحدود، وأن يقيم التعزير على آخر مجرم يعتدي على الناس دائماً، ولا ينفع فيه أن يمن عليه بالعفو، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] والسياسة انقسم الخلفاء فيها إلى ثلاثة أقسام:
قسم أخذ بسياسة الجور، وكان كلما قرأ أن هذا مما يصلح الناس عمل به ولو خالف الشرع، مثل أئمة الجور الذين يعتدون على الناس بالضرب والحبس في أمور بسيطة، لا يجيز الشرع أن يعزر فيها بهذا التعزير.
وقسم ثانٍ: أهمل السياسة نهائياً، ولم يعملوا بقرائن الأحوال، ولا عملوا بالمصالح العامة التي راعاها الشرع، فالأولون أفرطوا، وهؤلاء فرّطوا.
стр. 6476
وقسم ثالث: أخذ بالسياسة، وهي رعاية المصالح التي لا تخالف الشرع، مع أننا نقول: لا يمكن لأي شيء يسمى مصالح أن يخالف الشرع، بل كل ما خالف الشرع فهو مفسدة، لكننا نقول ذلك من حيث يتراءى للناظر أن هذا مصلحة، ويخفى عليه أنها داخلة في الشرع.
فالسياسة الداخلية يجب على الإمام أو الخليفة أن ينظر إلى ما فيه المصلحة فيتبعه.
أما السياسة الخارجية فهي معاملة غير المسلمين، وله معهم مقامات أربعة: عهد، وأمان، وذمة، وحرب.
أولاً: الحربيون وأمرهم ظاهر، يجب عليه أن يقاتلهم حتى يكون الدين لله ، بأن يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ولا فرق في ذلك على القول الراجح بين أهل الكتاب وغيرهم، فأما قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩]، فإن هذا لا يمنع أن يتعدى الحكم إلى غيرهم، لا سيما أنه قد ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر (١)، وثبت في صحيح مسلم (٢) أن
стр. 6477
الرسول ﷺ كان إذا أمّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه بمن معه من المسلمين خيراً، وذكر الحديث، وفيه أنه إذا لقي عدوه دعاه إلى الإسلام، فإن أبى أخذ منه الجزية، فإن أبى قاتله، وهذا عام، بل قال ﷺ : «إذا لقيت عدوك من المشركين»، وهذا هو الصحيح أن الجزية تؤخذ من كل كافر، فصار الحربيون ما لنا معهم إلا حالان: القتال، أو الاستسلام للجزية، إلا إذا أسلموا.
ثانياً: المعاهدون، وهم الذين نعقد بيننا وبينهم عهداً أن لا يعتدوا علينا، ولا نعتدي عليهم، وأن لا يعينوا علينا ولا نعين عليهم، وهؤلاء لا يخلو أمرهم من ثلاث حالات:
الأولى: أن يستقيموا على العهد وينفذوه تماماً، وفي هذه الحال يجب علينا أن نستقيم لهم؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُّمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧]، والوفاء بعهدهم لا شك أنه من محاسن الإسلام.
الثانية: أن يخونوا وينقضوا العهد، وفي هذه الحال يكونون حربيين، يعني ينتقض عهدهم، ودليل ذلك ما جرى لقريش حين عاهدهم النبي ﷺ في الحديبية، ومن جملة شروط العهد أن لا يعينوا عليه وعلى حلفائه أحداً، فنقضوا العهد بأن أعانوا حلفاءهم على حلفاء النبي ﷺ (١).
الثالثة: أن لا ينقضوا العهد، ولكننا لا نأمنهم، ونخاف
стр. 6478
منهم نقض العهد، فهؤلاء نعاملهم معاملة وسطاً، بأن ننبذ إليهم عهدهم، فنقول: ليس بيننا وبينكم عهد، والعهد الذي بيننا وبينكم مفسوخ منبوذ، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ *﴾ [الأنفال: ٥٨].
ثالثاً: أهل الذمة، وهم الذين عقدنا لهم الذمة التي تتضمن حمايتهم وإعطاءهم حقوقهم الشرعية على أن يبذلوا لنا الجزية، وهي شيء يجعله الإمام على كل واحد منهم، وتفصيلها معروف في كتب الفقه، فهؤلاء يجب علينا نحوهم أن نعطيهم كل الحق الذي يقتضيه عقد الذمة.
رابعاً: المستأمنون الذين طلبوا الأمان على أنفسهم وعلى أموالهم لمدة معينة، فهؤلاء دون المعاهدين، ودون أهل الذمة، وفوق الحربيين، ولهذا يصح الأمان حتى من غير الإمام؛ لقول النبي ﵊: «قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ» (١)، فيمكن لأي واحد من الناس أن يدخل أحداً من الكفار إلى بلاد الإسلام بأمان، وما دام مُؤمِّناً له فإنه لا يجوز لأحد أن يعتدي عليه، ودليل هذا قوله ﵎: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦].
والمهم أن الإمام يقوم بهذه الأمور الأربعة: العلم، والعمل، والدعوة، والسياسة.
стр. 6479
ويكون نصب الإمام بواحد من أمور ثلاثة، إما أن يعهد به الخليفة السابق، وإما أن يجتمع عليه أهل الحلِّ والعقد، وإما أن يأخذ ذلك بالقوة والقهر.
مثال الأول: عهد أبي بكر ﵁ إلى عمر ﵁ بالخلافة (١)، فإذا قال قائل: من خلّف أبا بكر ﵁؟
نقول: خلّف أبا بكر رسولُ الله ﷺ ، ولكن يشكل على هذا أن يقول قائل: أين النص من الرسول ﵊؟ وهل قال لأبي بكر: أنت خليفتي على أمتي بهذا اللفظ؟ لا، لكن قال بعضهم: خلّفه بالإشارة، يعني فعل أفعالاً تشير إلى أنه الخليفة من بعده، وقال آخرون: بل ثبتت خلافته بإجماع أهل الحل والعقد؛ لأن الصحابة ﵃ أجمعوا على ذلك.
والصحيح أن خلافته ثبتت بالنص إما صريحاً، وإما إيماء وإشارة.
أولاً: خلّف النبي ﷺ أبا بكر إماماً للناس في مرض موته في الصلاة، حتى أنه لما دعوا عمر ﵁ غضب، وقال: «إنكن صواحبات يوسف»، يعني زوجاته اللاتي دعون عمر، ثم أمر أن يدعى أبو بكر، فجاء فخلّفه على أمته في الصلاة (٢).
стр. 6480
ثانياً: خلّفه على الناس أميراً في الحج في السنة التاسعة من الهجرة (١)؛ لأن النبي ﷺ لم يحج، وهذه إمامة أكبر من الإمامة الأولى وأوسع؛ لأنها إمامة لجميع المسلمين، كل من حج، ومعلوم أن الذين حجوا أكثر من الذين يصلون في مسجد النبي ﷺ ، وهذه إشارة إلى أنه الخليفة من بعده.
ثالثاً: قال في مرض موته: «لا يبقين في المسجد باب إلا سُدَّ، إلا باب أبي بكر» (٢)، إشارةً إلى أنه الخليفة من بعده؛ ليكون بيته قريباً من المسجد الذي هو مثابة الناس.
رابعاً: أن امرأة أتته في حاجة لها فقال: «إيتيني في العام المقبل»، فقالت: إن لم أجدك، قال: «إيتي أبا بكر» (٣)، وهذا كالنص الصريح على أنه الخليفة من بعده.
خامساً: أنه قال ﷺ : «يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» (٤)