← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 10649

الشرح الممتع على زاد المستقنع

ابن عثيمين

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

١ - قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ *﴾ [المدثر]، فـ «ثياب» مفعول مُقدَّم لـ «طَهِّر»، يعني «طَهِّرْ ثيابك» وهو ظاهر في أنَّ المراد ثياب اللباس. وقال بعض أهل العلم ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ *﴾، أي: عملك طهِّره من الشِّرك (١)؛ لأن العمل لباس كما قال تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]، فيكون المراد تنقيةُ العمل من الشِّرك، ولهذا قال بعدها: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ *﴾ [المدثر]، فنقول: الآية تحتمل هذا وهذا، ولا يمتنع أن تُحمل على المعنيين؛ لأنهما لا يتنافيان، وكلُّ معنيين يحتملهما اللفظ القرآنيُّ أو اللفظ النبويُّ، ولا يتنافيان فإنهما مُرادان باللفظ. ٢ - أن النبيَّ ﷺ أُتِيَ بصبيٍ لم يأكل الطَّعام؛ فأجلسه في حِجْرِه، فَبَالَ الصبيُّ في حِجْرِه، فدعا بماءٍ فأتْبَعَهُ إيَّاه (٢)، وهذا يَدلُّ على أنه لا بُدَّ أن يكون الثَّوبُ طاهراً، ولهذا بادر النبيُّ ﵊ بتطهيره. ٣ - أن النبيَّ ﷺ كان يُصلِّي ذات يوم بأصحابه؛ فخلع نعليه، فخلع الناسُ نعالَهم، فلما سَلَّمَ سألهم: لماذا خلعوا نِعَالهم؟ قالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا، فقال: «إنَّ جبريل أتاني فأخبرني أنَّ فيهما أذى» (٣)، وهذا يدلُّ على وجوب التَّنزُّه مما فيه نجاسة. ٤ - حديث ابن عباس ﵄ أن النبيَّ ﷺ مَرَّ ....

стр. 667

بقبرين يُعذَّبان، فقال: «إنَّ أحدهما كان لا يَسْتَتِرُ من البول» (١)، وفي رواية «يَسْتَنْزِهُ»، وهذا فيه شيءٌ من النَّظَرِ والمُنَاقَشَةِ. ٥ - قوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦]، قالوا: فإذا أمر اللَّهُ تعالى بتطهير المَحَلِّ، وهو منفصل عن المصلِّي، فاللباس الذي هو مُتَّصِلٌ به يكون الأمر بتطهيره من باب أولى. الشَّرطُ الثَّالثُ: أن يكون مباحاً، أي: ليس بمحرَّمٍ، والمحرَّمُ ثلاثة أقسام: محرَّم لعينه، محرَّم لوَصْفِهِ، محرَّمٌ لكسبه. أما المحرم لعينه: فكالحرير للرَّجُل، فهو حرام على الرِّجال، فلو صَلَّى رَجُلٌ بثوب حرير، فصلاتُه باطلة بناءً على هذا الشَّرط؛ لأنه سَتَرَ عَوْرَته بثوبٍ غيرِ مأذونٍ فيه، ومن عمل عملاً ليس عليه أمْرُ الله ورسوله فهو رَدٌّ. وأما المحرَّم لوصفه: فكالثوب الذي فيه إسبال، فهذا رَجُل عليه ثوب مباح من قُطْنٍ، ولكنَّه أنزله إلى أسفلَ من الكعبين، فنقول: إن هذا محرَّم لوَصْفه؛ فلا تصحُّ الصَّلاة فيه؛ لأنه غير مأذونٍ فيه، وهو عاصٍ بِلُبْسه، فيبطل حُكمه شرعاً، ومن عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ. وأما المحرَّم لكسبه: فأن يكون مغصوباً أو مسروقاً، مثل: رَجُلٌ سرقَ ثوبَ إنسانٍ وصَلَّى فيه، فنقول: الصَّلاة هنا غيرُ صحيحة؛ لأنك سترت عورتك بثوبٍ محرَّمٍ عليك، فلا تصحُّ صلاتُك .....

стр. 668

أما الشَّرطان الأولان فواضحان وأدلتهما ظاهرة. وأما الثَّالث؛ فمحلُّ خلافٍ بين العلماء (١)، فمن أهل العلم من يقول: إن السَّتر يحصُل بالثَوب المحرَّم؛ لأن جهة النَّهي والأمر مختلفة؛ لأن المحرَّم في هذا الثوب ليس هو لُبْسُه في الصَّلاة حتى نقول: إنه يُعارض الأمر بلُبْسِه في الصَّلاة. بل المحرَّم لُبْسُ هذا الثوب مطلقاً، وعلى هذا فيكون مورد النهي غير مورد الأمر، يعني: لو قيل لك: لا تلبس الحرير في الصَّلاة، ثم لَبِستَه، فحينئذ لا تصحُّ صلاتُك؛ لأن مورد الأمر والنهي واحد، والأمر اتِّخاذُ اللباس أو الزِّينة، والنَّهي عن لُبْس الحرير في الصَّلاة، لو كان الأمر كذلك لقلنا: إن الصَّلاة لا تصحُّ لتعارض الأمر والنهي. لكن في مسألتنا النَّهي خارجٌ عن الصَّلاة، لا تلبس الحرير مطلقاً، وهذا الرَّجُل لَبِسَه، فهو آثم بلُبْسِه لا شكَّ؛ لكنه ليس على وجهٍ يختصُّ بالصَّلاة حتى نقول: إنه ينافيها. وعلى هذا؛ فإذا صَلَّى بثوبٍ مُحَرَّمٍ فصلاتُه صحيحة؛ لكنه آثمٌ؛ لأنه متلبِّسٌ بثوب محرَّم. الشَّرط الرابع: يُشترط لوجوب السَّتر ألا يضرُّه، فلو كان الثَّوب فيه مسامير، فهل نُلزِمُه بأن يلبس هذا الثَّوب الذي يأكل جلده أو يُدميه؟ الجواب: لا؛ لأن الله تعالى لَمْ يوجب على عباده ما يَشُقُّ عليهم، ثم هو في أثناء صلاته لا يمكن أن يطمئنَّ أبداً. ولو أنَّ إنساناً في جلده حَسَاسية لا يمكن أن تقبل أيَّ

стр. 669

ثوب، ولو لَبِس ثوباً لكان مشغولاً جداً فماذا يصنع؟ فالجواب: أن يُقال: إن الحرير يُخَفِّفُ هذه الحَسَاسية، وأن الإنسان إذا كان في جلده حَساسية ولبس الحرير، فإن الحَساسية تبرد عليه ما دام عليه هذا الثَّوب. وحينئذ نقول: الْبِسْ ثوباً من حرير إذا تمكَّنت، وإذا لم تتمكَّنْ فصلِّ حَسَبَ الحال ..... وَعَوْرَةُ رَجُلٍ، وَأَمَةٍ، وَأُمِّ وَلَدٍ، وَمُعْتَقٍ بَعْضُها مِنَ السُّرَّةِ إِلى الرُّكْبَةِ ........... قوله: «وعورة رَجُلٍ وأَمَةٍ، وأُمِّ وَلَدٍ، ومُعْتَقٍ بعضُها، من السُّرَّة إلى الرُّكبة … »، بدأ المؤلِّف يفصِّل في العورة. فالعورة في الصَّلاة على المشهور من مذهب الحنابلة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: مغلَّظة، ومخفَّفة، ومتوسِّطة. فالمخفَّفة: عورة الذَّكر من سبع إلى عشر سنوات، وهي الفَرْجَان فقط، أي: إذا سَتَرَ قُبُلَهُ ودُبُرَه فقد أجزأه السَّتْرُ، ولو كانت أفخاذهُ بادية. والمغلَّظة: عورة الحُرَّة البالغة؛ فكلُّها عَورة إلا وجهها؛ فإنه ليس عورة في الصَّلاة، وإن كان عورة في النَّظر، ونحن نضطر إلى أن نعبِّرَ بكلمة عورة، ولو كُنَّا في باب ما يجب ستره في الصَّلاة تبعاً للمؤلِّف، ولو صَلَّت في بيتها وليس عندها أحد لَوَجَبَ أن تَسْتُرَ كلَّ شيء إلا وجهها. والمتوسِّطَة: ما سوى ذلك، وحدُّها ما بين السُّرَّة والرُّكبة، فيدخلُ فيها الذَّكر من عشر سنوات فصاعداً، والحُرَّة دون البلوغ، والأَمَةُ ولو بالغة. وقوله: «وعورة رَجُل» إلى أن قال: «من السُّرَّة إلى الرُّكبة».

стр. 670

الرَّجل في الأصل: الذَّكر البالغ، والمُراد هنا: من بلغ عشر سنين فما فوق، وقد ذكر المصنِّفُ ـ أي: في العورة المتوسطة ـ أربعة أصناف: أولاً: الذَّكَر من عشر سنوات فما فوق، فعورته من السُّرَّة إلى الرُّكبة، سواء كان حُرًّا أم عبداً. ثانياً: الأَمَةُ ـ ولو بالغة ـ وهي المملوكة، فعورتها من السُّرَّة إلى الرُّكبة، فلو صلَّت الأَمَةُ مكشوفة البدن ما عدا ما بين السُّرَّة والرُّكبة، فصلاتها صحيحة، لأنَّها سترت ما يجب عليها سَتْرُه في الصَّلاة ..... وأما في باب النَّظر: فقد ذكر الفقهاءُ رحمهم الله تعالى أن عورة الأَمَة أيضاً ما بين السُّرَّة والرُّكبة (١)، ولكن شيخ الإسلام ﵀ في باب النَّظر عارض هذه المسألة (٢)، كما عارضها ابن حزم في باب النَّظر، وفي باب الصَّلاة (٣)، وقال: إن الأمة كالحُرَّة؛ لأن الطَّبيعة واحدة والخِلْقَة واحدة، والرِّقُّ وصف عارض خارج عن حقيقتها وماهيَّتها، ولا دليلَ على التَّفريق بينها وبين الحُرَّة. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إنَّ الإماء في عهد الرسول ﵊، وإن كُنَّ لا يحتجبن كالحرائر؛ لأن الفتنة بهنَّ أقلُّ، فَهُنَّ يُشبهنَ القواعدَ من النِّساء اللاتي لا يرجون

стр. 671

نكاحاً، قال تعالى فيهن: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠]، يقول: وأما الإماء التركيَّات الحِسَان الوجوه، فهذا لا يمكن أبداً أن يَكُنَّ كالإماء في عهد الرسول ﵊، ويجب عليها أن تستر كلَّ بدنها عن النَّظر، في باب النَّظر. وعلَّل ذلك بتعليل جيِّدٍ مقبولٍ، فقال: إن المقصود من الحجاب هو ستر ما يُخاف منه الفِتنة بخلاف الصَّلاة، ولهذا يجب على الإنسان أن يستتر في الصَّلاة، ولو كان خالياً في مكان لا يطَّلع عليه إلا الله. لكن في باب النَّظر إنما يجب التَّستر حيث ينظر الناس. قال: فالعِلَّة في هذا غير العِلَّة في ذاك، فالعِلَّة في النَّظر: خوف الفتنة، ولا فرق في هذا بين النِّساء الحرائر والنِّساء الإماء. وقوله صحيح بلا شكٍّ، وهو الذي يجب المصير إليه. وقوله: «وأُمِّ ولد» هذا هو الثالث، وأُمُّ الولد: هي الأَمَة التي أتت من سيِّدها بولد، وهي رقيقة حتى يموت سيِّدُها، فإذا مات سَيِّدُها عُتقت بموته وحُكمها حكم الأَمَة؛ أي: أن عورتها من السُّرَّة إلى الرُّكبة ..... وقوله: «ومُعْتَقٍ بعضُها» هذا هو الرابع، أي: بعضها حُرٌّ وبعضها رقيقٌ. مثال ذلك: أَمَة بين رَجُلين مملوكةٌ لهما، فإذا أعَتقَ أحدُهما نصيبه عُتِقَ الباقي، وأُخذ من السَّيد المُعْتِق قيمته لمالك النصف، فإذا كان الذي أعتق نصيبه فقيراً فإن المشهور من المذهب أنه لا يُعتق الباقي، وعَلَّلوا ذلك بأنه لو سرى العتقُ إلى الباقي تضرَّر

стр. 672

الشريك بأن خرج من ملكه بدون عِوض (١). وأيضاً: المُعسر؛ لا نُوجب عليه العِتق وهو مُعسر، ولو كان على المُعسر كفَّارة لم نوجبها عليه فكيف نوجب عليه سريان العِتق؟ فهذا الفقير لا يمكن أن يسريَ عليه العِتق؛ لأنه فقير، ولا يُكلِّف الله نفساً إلا وسعها، فتكون الأَمَة مُبَعّضَة. ولو قال قائل: لماذا لا يسري العتقُ ويبقى هذا دَيْناً في ذِمَّتهِ؟. قلنا: في هذا ضرر عليه؛ لأن ذِمَّته تكون مشغولة، وضرر على صاحب النصف؛ لأن عوض نصيبه يبقى مؤخَّراً إلى أجل غير مُسمَّى. ولكن هناك قولاً آخر في المسألة وهو: أن يُستسعى العبد (٢)، فيقال له: اعمل لتحرِّر نفسك، فإذا كان العبدُ لا يستطيع أن يعمل؛ فحينئذ يُتصوَّر أن يكون معتقاً بعضها، فهذه تُعطى حكم الرقيق. فإن قال قائل: لماذا لا تعطونها حكم الحُرَّة تغليباً لجانب الحَظر، واحتياطاً للواجب؟ فالجواب: أن الشرط لم يتحقَّق، فالمسألة هنا ليست لوجود مانع، بل هي لفوات شرط، والشرط هو الحُرِّية الكاملة، وليس هنا حرية كاملة فالشَّرط لم يتمَّ، ولا بُدَّ من استتمام الشُّروط،

стр. 673

ولهذا قال الرسول ﷺ : «إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتُكم عنه فاجتنبوه» (١). وعلى هذا؛ فالمرأة المُعْتق بعضُها كالأَمَة الخالصة ..... وقوله: «من السُّرَّة إلى الرُّكبة»، المعروف أن ابتداء الغاية داخل لا انتهاؤها إذا ذُكِرَ ابتداؤها، مثل أن تقول: لك من الأرض من ههنا إلى ههنا. وعلى هذا تكون السُّرَّة في ظاهر كلام المؤلِّف داخلة في العَوْرَة؛ لأنها ابتداء الغاية فيجبُ سَتْرها، والرُّكبة غير داخلة. وفي المسألة أقوال (٢): أحدها: أن الرُّكبة داخلة في العَوْرة فيجب سَتْرها. القول الثاني: أن السُّرَّة والرُّكبة كلتيهما من العَوْرَة فيجب سترهما. القول الثالث: ـ وهو المشهور من المذهب ـ أن السُّرَّة والرُّكبة لا تدخلان، فلا يجب سترهما، وعلى هذا؛ فالعبارة التي تخرجهما أن يقال: «ما بين السُّرَّة والرُّكبة». وكُلُّ الحُرَّةِ عَوْرةٌ إِلا وَجْهَهَا، ............ قوله: «وكُلُّ الحُرَّةِ عَوْرَة إلا وَجْهَهَا»، فيجب ستر جميع بدنها إلا وجهها، وليس هناك دليلٌ واضحٌ على هذه المسألة، ولهذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى أن الحُرَّة عورة إلا ما يبدو منها في بيتها وهو الوجه والكَفَّان والقدمان. وقال: إن النِّساء في عهد الرَّسول ﵊ كُنَّ في البيوت يلبسن

стр. 674

القُمُص، وليس لكل امرأة ثوبان (١)، ولهذا إذا أصابَ دَمُ الحيضِ الثوبَ غسلته وصَلَّت فيه (٢)، فتكون القدمان والكَفَّان غير عورة في الصَّلاة؛ لا في النَّظر ..... وبناءً على أنه ليس هناك دليلٌ تطمئنُّ إليه النفس في هذه المسألة، فأنا أقلِّد شيخ الإسلام في هذه المسألة، وأقول: إن هذا هو الظَّاهر إنْ لم نجزم به؛ لأن المرأة حتى ولو كان لها ثوب يضرب على الأرض، فإنها إذا سجدت سوف يظهر باطنُ قدميها، وعلى كلام المؤلِّف لا بُدَّ أن يكون الثَّوب ساتراً لباطن القدمين وظاهرهما، وكذلك الكَفَّان، ولا يبقى إلا الوجه، والوجه حَدّه كحَدِّ الوجه في الوُضُوء تماماً، أي: من مُنحنى الجبهة من فوق إلى أسفل اللحية من أسفل، ومن الأُذن إلى الأُذن عرضاً، وعلى هذا فيجب عليها أن تتحفَّظ بالنسبة لشعر الرَّأس ألاَّ يخرج؛ بناءً على أنه ما دام متَّصلاً فله حكم المتَّصل. وقد قال ابن رجب في القاعدة الثانية: إن في المذهب خلافاً في هذا، فمنهم من يقول: إن الشَّعر في حكم المُتَّصل، ومنهم من يقول: إنه في حكم المنفصل (٣). وأما في باب النَّظر، فالمقصود منه سَدُّ ذرائع الفتنة، فيجب عليها ستر الوجه عن غير المحارم، وممن يرى وجوب ستر الوجه شيخ الإسلام، وكذلك يرى وجوب ستر الكفَّين والقدمين للمرأة، بناءً على أن العِلَّة الافتتان، بخلاف الصَّلاة (٢٩٨)، فالمقصود أخذ الزِّينة.

стр. 675

فصار المذهب على أنَّ العورة ثلاثة أقسام: الحُرَّة البالغة كلُّها عورة إلا وجهها (١). والذَّكر من سبع سنين إلى عشر عورته الفَرجان فقط (٢). وما سوى ذلك ما بين السُّرَّة والرُّكبة وقد سَبَقَ بيان ذلك. وعن الإمام أحمد ﵀ رواية أنَّ عورة الرَّجل الفَرجان فقط (٣٠٢). وظاهر النَّقل: أنَّه لا فرق بين الصَّلاة والنَّظر، وأن هذه الرِّواية حتى في الصَّلاة، وأنه يمكن للرَّجل أن يُصلِّي وهو لم يستر إلا السَّوأتين فقط، ولكن شيخ الإسلام ﵀ أَبَى ذلك وقال: أما في الصَّلاة فلا ينبغي أن يكون خلاف في أن الواجب ستر الفخذين (٣). وأمَّا في النَّظر؛ فالنَّظر شيء آخر ..... وهذا الذي ذكره هو القول الرَّاجح المتعيِّن، ولهذا كان الصَّحابة ﵃ إذا كانت عليهم أُزُرٌ قصيرة يعقدونها على مناكبهم حتى لا تنزل (٤)، وهذا يدلُّ على أنهم يَرَون أنَّ الصَّلاة لا بُدَّ فيها من ستر ما بين السُّرَّة والرُّكبة، حتى وإن قلنا إنَّ الفخذ ليس بعورة. وما قاله ﵀ صحيح، ولهذا قال الرسول ﵊: «إنْ كان ضيِّقاً فاتَّزرْ به» (٥)، وقال: «لا يُصلينَّ

стр. 676

أحدكم في الثَّوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء» (١)، فالصَّلاة ليست مبنيَّة لا طرداً ولا عكساً على مسألة النَّظر، ولذلك تجد أن الرَّجل لو خلا بامرأته جاز أن ينظر إلى جميع بدنها، وأن تنظر إلى جميع بدنه، لكن لو صَلَّت بحضرته فقط يجب عليها السَّتر، وكذلك لو صَلَّى هو أيضاً بحضرتها يجب عليه السَّتر. وبناءً على ذلك فنقول: الفَخِذَان في الصَّلاة لا بُدَّ من سترهما؛ لأنَّ هذا أدنى ما يُقال إنه زينة، والله يقول: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] ..... وأما في النَّظر؛ فالمقصود منه سَدُّ ذرائع الفتنة، فالنَّظر إلى ما كان محاذياً للسَّوأتين فله حكمهما، يعني أعلى الفخذ له حكم السوأتين، وما دون ذلك من الفخذ، فإن الذي يظهر من النُّصوص أنه ليس بعورة من حيث النَّظر؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قد حَسَرَ عن فخذه (٢)، وهو ﵊ أشدُّ النَّاس حياءً، لكن بالنسبة للشباب أرى أنه لا بُدَّ أن يستر الشاب فخذه كلَّه وما دون السُّرَّة، خوفاً من الفتنة، ولا تقلْ إنه لا فتنة؛ لأنه لا يفتتن ذَكَر بذَكَرٍ مثله، فهذا القول ليس بصواب، وهو خلاف الواقع، فإن من النَّاس من يفتتن بالشاب، ولو كان ذَكَراً، ومن النَّاس من لا يهتمُّ به، وكأنما ينظر إلى أحد أولاده، فلا يمكن أن يتمتَّع بالنَّظر إليه، ومن النَّاس من حكى الله عنهم أنهم يأتون الرِّجَالَ شهوةً فيذهبون

стр. 677

إلى مَحلِّ القَذَر والأَذَى ـ والعياذ بالله ـ ويَدَعُون ما خلق الله لهم من أزواجهم، ولو كانت من أجمل النساء. وقال شيخ الإسلام: يحرم النَّظر إليه ـ أي: إلى الشَّاب الذي يُخاف من النّظر إليه الفتنة ـ إذا تمتَّع الإنسان بالنَّظر إليه أو تلذَّذ؛ لأن هذا شرٌّ (١)، وكم نظرة أوقعت في قلب صاحبها البلابل، كما قاله الإمام أحمد (٢). وَتُسْتَحبُّ صَلَاتُه فِي ثَوْبَيْنِ .......... قوله: «وتُستَحبُّ صلاتُه في ثَوْبَيْن»، أي: ينبغي للإنسان أن يُصلِّي في ثوبين؛ لأنهما أستر، ومن الثوبين: الإزار والرِّداء ..... والثَّوب الواحد إما أن يكون رداءً سابغاً يلتحف به، وقد ثَبَتَ عن النبيِّ ﵊ أنه صَلَّى ملتحفاً به (٣). وإما أن يكون إزاراً، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال لجابر بن عبد الله ﵄: «إنْ كان ضيِّقاً فاتَّزرْ به» (٤). فالثَّوب الواحد مجزئ، وسواء كان ثوباً سابغاً يلتحف به جميع بدنه أم كان إزاراً، وقد صَلَّى جابرُ بن عبد الله ﵄ في إزار، ورداؤه على المشجب، فذكَّره رَجُلٌ بذلك، فقال: «فعلت هذا ليراه أحمق مثلك» (٥) أي: جاهل، لا سيئ التصرف؛ لأن

стр. 678

الأحمق هو الذي يرتكب الخطأ عن عمد، والمخطئ الذي يرتكبه عن جهل وعدم عمد، ومراد جابر ﵁ بالأحمق: الجاهل؛ لأنه ورَدَ في لفظٍ آخر: «ليراه الجُهَّالُ» (١). والمشجب: ثلاثة أعواد تُقرن رؤوسُهن، ويُفَرَّج ما بين قوائمها وتثبَّت على الأرض، يستعملها الناس لتعليق الأسقية عليها أو غير ذلك (٢). لكن الأفضل أن يُصلِّي في ثوبين؛ لأنه أبلغُ في السَّتر وأحوط، وصَحَّ عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «إذا وَسَّع الله عليكم فَأوسِعُوا، جَمَعَ رَجُلٌ عليه ثيابَهُ، صَلَّى رَجُل في إزارٍ ورداء، في إزارٍ وقميص … » (٣) وذكر أشياء، فدلَّ هذا على أنه إذا كان الإنسان في سَعَة فالثَّوبان أفضل، ويؤيِّد ما ذهب إليه عمر ﵁ أن النبيَّ ﷺ سُئِلَ: أيُصلِّي أحدُنا في الثَّوب الواحد؟ فقال: «أوَلِكُلِّكُم ثَوبان» (٤)؟ وهذا يدلُّ على أن الثَّوب الواحد مجزئ، لكن إذا أوسع الله علينا فلنوسِّع، لأن قوله: «أوَلِكُلِّكُم ثوبان» يدلُّ على أنه ليس لكلِّ أحد من النَّاس ثوبان، ....

стр. 679

بل كثير من النَّاس في عهد الرسول ﷺ على ثوب واحد. وظاهر كلام المؤلِّف: أن سَتْرَ الرَّأس ليس بسُنَّة؛ لأنَّه قال: «صلاته في ثوبين» إزار ورداء، قميص ورداء، وما أشبه ذلك، فظاهره أنه لا يُشرع ستر الرأس، وقد سبق في أثر ابن عمر أنه قال لمولاه نافع: «أتخرجُ إلى النَّاس حاسرَ الرَّأس؟ قال: لا، قال: فالله أحقُّ أن يُستحى منه» (١). وهو يدلُّ على أن الأفضل ستر الرأس، ولكن إذا طبَّقنا هذه المسألة على قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] تبيَّن لنا أن ستر الرأس أفضل في قوم يعتبر ستر الرأس عندهم من أخذ الزِّينة، أما إذا كُنَّا في قوم لا يُعتبر ذلك من أخذ الزينة، فإنَّا لا نقول: إنَّ ستره أفضل، ولا إنَّ كشفه أفضل، وقد ثبت عن النبيِّ ﵊: «أنه كان يُصلِّي في العِمامة» (٢)، والعِمَامة ساترة للرَّأس. وَيَكْفِي سَتْرُ عَوْرَتِه في النَّفْلِ .......... قوله: «ويكفي سَتْرُ عَوْرَته في النَّفل»، أي: عورة الرَّجُل، وهي ما بين السُّرة والرُّكبة، إلا من سبع إلى عشر فهي الفَرْجان،

стр. 680

القُبُل والدُّبُر، فيكفي ستر العورة، أما الزيادة فهو سُنَّة. وقوله: «في النَّفْلِ»، النَّفْل: كلُّ ما عدا الفرض، كالرَّواتب التَّابعة للمكتوبات؛ ورَكعتي الضُّحى وغيرهما. والمُهم: أن صلاة النَّافلة يكفي فيها سَتْرُ العورة. وَمَعَ أَحَدِ عَاتِقيْه في الفَرْضِ ............ أما الفريضة فقد قال المؤلِّف: «ومع أحد عاتقيه في الفرض»، يعني: أنه يجب ستر أحد العاتقين مع العورة في الفرض، وهو ما يأثم بتركه كالصَّلوات الخمس والجُمُعة. وظاهر كلامه: أنه يشمل الفرض بأصل الشَّرع والواجب بالنَّذر، ويشمل فرضَ العين، وفرضَ الكفاية؛ كصلاة الجنازة، وصلاة العيدين على أحد الأقوال (١) ..... والعاتق: هو موضع الرِّداء من الرَّقبة، فالرِّداء يكون ما بين الكَتِف والعُنق، ففي الفريضة لا بُدَّ أن تُضيفَ إلى سترِ العورة ستر أحد العاتقين الأيمن أو الأيسر. والدَّليلُ قولُ النبيِّ ﷺ : «لا يُصلِّينَّ أحدُكُم في الثَّوب الواحد ليس على عاتِقِه منه شيء» (٢)، وفي لفظ: «ليس على عاتِقَيْهِ منه شيء» (٣) بالتثنية، والتثنية لا تُعارض المفرد؛ لأن المفرد مُضاف، والمُضاف يعمُّ. وهذا الدَّليل أعمُّ من المدلول، فالدَّليل: «لا يُصلِّينَّ أحدُكُم» وهذا يشمل الفرضَ والنَّفلَ، فكوننا نستدلُّ بالأعمِّ على الأخصِّ يُعتبر نقصاً في العمل بالنصِّ؛ لأنه إذا دلَّ النصُّ على حُكم عام؛

стр. 681

ثم قَصَرْتَه على بعض أفراده؛ كان ذلك نقصاً في العمل به؛ إذاً إن العام يجبُ العملَ بعمومه إلا بدليل، ولا دليل هنا، فمقتضى الاستدلال بالحديث العموم في الفرض والنَّفْل: «لا يصلِّي أحدُكُم في الثَّوب الواحد ليس على عاتِقَيْهِ منه شيء» (١)، والتفريق بين الفرضِ والنَّفلِ مخالفٌ لظاهرِ الحديث. ثم إن المؤلَّف يقول: «مع أحد عاتقيه»، والحديث يدلُّ على سَتْرِ العَاتقين جميعاً، وما قاله المؤلِّفُ هو المشهور من المذهب. والقول الثاني: أنَّ سَتْرَ العاتقين سُنَّة؛ وليس بواجب؛ لا فرق بين الفرضِ والنَّفلِ (٢)؛ لحديث: «إنْ كان ضيِّقاً فاتَّزِرْ به» (٣)، وهذا القول هو الرَّاجح، وهو مذهب الجمهور (٤)، وكونه لا بُدَّ أن يكون على العاتقين شيء من الثَّوب ليس من أجل أن العاتقين عورة، بل من أجل تمام اللباس وشدِّ الإزار؛ لأنه إذا لم تشدَّه على عاتقيك ربما ينسلخُ ويسقطُ، فيكون ستر العاتقين هنا مراداً لغيره لا مراداً لذاته ............. وَصَلاتُها في دِرْع، وَخِمَارٍ، ومِلْحَفَةٍ، وَيُجْزِئُ سَتْرُ عَوْرَتِها. قوله: «وصلاتها في دِرْعٍ وخِمَارٍ ومِلْحَفَة»، الضمير يعود على المرأة يعني: تُسَنُّ صلاةُ المرأة في دِرْع وخِمار ومِلحفة. والدِرْعُ هو: القميص السابغ الذي يصل إلى القدمين. والخِمَار: ما يُلَفُّ على الرَّأس. والمِلحَفَة: ما يُلَفُّ على الجسم كلِّه كالعَباءة والجلباب وما أشبههما. فيُسَنُّ للمرأة أن تُصلِّي في

стр. 682

هذه الأثواب الثلاثة: دِرْع، وخِمار، ومِلحفة. ولم يذكر السَّراويل، بل اقتصر على هذا؛ لأن هذا هو ما رُويَ عن عُمر وعائشة وأم سلمة ﵃ (١) أن المرأة تُصلِّي في الدِّرع والخِمَار، فلو اقتصرت على الدِّرع والخِمَار أجزأ، لكن لا بُدَّ من ستر اليدين بالقُفَّازين، وستر القدمين إمَّا بالجوارب، وإمَّا بأن يُجعل الدِّرعُ سابغاً بناءً على القول بأنه لا بُدَّ من ستر الكفَّين والقدمين. أمَّا على القول الرَّاجح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) وصاحب «الإنصاف» (٣) فإنه لا يجب ستر الكفَّين والقدمين، وبناءً على ذلك: يكفي إذا كان الدِّرْعُ إلى القدمين وأكمامُه إلى الرُّسغ.

стр. 683

قوله: «ويجزئ سَتْر عورتها»، أي: يجزئ المرأة ستر عورتها، ولو بثوبٍ واحدٍ، فلو تَلَفْلَفَت المرأةُ بثوب يستر رأسها وكفَّيها وقدميها وبقية بدنها، ولا يخرج منه إلا الوجه أجزأ، ولو لفّت نفسها بثوب يخرج منه الكفَّان والقدمان مع الوجه أجزأ على القول الرَّاجحِ. وهنا لم يفرِّق المؤلِّفُ في سَتْر المرأة بين الفَرض والنَّفل؛ لعدم الدَّليل، وفَرَّقَ في ستر عورة الرَّجل بناءً على استدلاله بالحديث (١)، وسبق بيان ذلك (٢)، وأنَّ ظاهر الحديث لا فرق بين الفرض والنَّفل ......... وَمَن انْكَشَفَ بَعْضُ عَوْرتِه وفَحُشَ، ............. قوله: «ومن انْكَشَفَ بعضُ عَوْرَتِهِ وفَحُشَ»، «مَنْ» شرطيَّة «انكَشَفَ» فعل الشَّرط «أعَادَ» جوابه. «انكشف» أي: زال عنه السَّترُ و «بعض العورة» يشمل السَّوأة وغيرها مما قلنا إنه عورة. وقوله: «فَحُشَ»، أي: غَلُظَ وعَظُمَ، ولم يُقيِّده المؤلِّفُ ﵀ بشيء، يعني لم يقلْ: قَدْرَ الدِّرهم، أو قَدْرَ الظُّفْر، أو قَدْرَ جُبِّ الإبرة وما أشبه ذلك، فيُرجعُ إلى العُرف؛ لأن الشيءَ إذا لم يُقيَّد بالشَّرع أُحِيْلَ على العُرف، وعليه قول النَّاظم: وكلُّ ما أَتَى ولم يُحدَّدْ بالشَّرع كالحِرْزِ فبالعرف احدُدْ (٣) وعلى هذا فنقول: «فَحُشَ» أي عُرْفاً، فإذا قال النَّاس: هذا

стр. 684

كبير، كان فاحشاً. وإذا قالوا: هذا يسير، يكون غير فاحش ولا يؤثِّر. ثم إن الفُحْشَ يختلف باختلاف المنكشف، فلو انكشف شيء من أسفل الفخذ مما يلي الرُّكبة على قَدْر الظُّفر، وانكشف على السَّوأتين نفسِهِما على قَدْر الظُّفر لعُدَّ الثاني فاحشاً، والأول غير فاحش. فإذاً؛ اختُلف باعتبار المكان الذي انكشف، وبناءً على ذلك يوجد بعض الناس يكون عليهم «بنطلون»، ثم إذا سجد انكشف بعضُ الظَّهر من أسفل الظَّهر بعيداً عن الدُّبُر، فإذا كان انكشافاً يسيراً في العُرف، كأن يكون كخطِّ الإصبع مثلاً، فهذا يسير لا يضرُّ، أما إذا كان السِّروال قصيراً ثم لمَّا سجد انكشف منه كثيرٌ فهذا فاحش. وظاهر قوله: «ومن انكشف»، أن هذا انكشاف دُونَ عمد، وأنَّه لو تعمَّد لم تصحَّ الصَّلاةُ، سواء كان الانكشافُ يسيراً، أم فاحشاً؛ لأن هناك فرقاً بين الانكشافِ وبين الكشف. وعلى هذا فلو تعمَّد أن يَكشِفَ شيئاً من عورته ولو يسيراً، ولو في زمن يسير، فإن صلاته تبطل، فلو رفع سروالَه ليَحُكَّ ركبته، ورفع حتى ظهر الفَخِذُ ـ وقلنا إن الفخذ عورة ـ بطلت صلاته؛ لأنه تعمَّد الكشف ..... فإن فَحُشَ ولكنه في زمن يسير، بحيث انكشف ثم ستره؛ فظاهر كلام المؤلِّف أن صلاته لا تصحُّ، وهذا ليس بصحيح، بل نقول: إذا انكشف كثير وستره في زمن يسير، فإن صلاته

стр. 685

لا تبطل، ويُتَصَوَّرُ ذلك فيما لو هبَّت ريحٌ، وهو راكع وانكشف الثَّوب، ولكن في الحال أعاده، فظاهر كلام المؤلِّف أن الصَّلاة تبطل، والصَّحيح: أنها لا تبطل؛ لأنه ستره عن قُرْب، ولم يتعمَّد الكشف، وقد قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وخلاصة هذه المسألة: أولاً: إذا كان الانكشاف عَمْداً بطلت الصَّلاة، قليلاً كان أو كثيراً، طال الزَّمنُ أو قَصُرَ. ثانياً: إذا كان غير عَمْدٍ وكان يسيراً، فالصَّلاة لا تبطل. ثالثاً: إذا كان غير عَمْد، وكان فاحشاً لكن الزمن قليل، فظاهر كلام المؤلِّف أنها تبطل، والصَّحيح أنها لا تبطل. رابعاً: إذا انكشف عن غير عَمْد انكشافاً فاحشاً، وطالَ الزَّمن بأن لم يعلم إلا في آخر صَلاتِهِ، أو بعد سلامه، فهذا لا تصحُّ صلاته؛ لأنَّه فاحش والزَّمن طويل. مثاله: إنسانٌ صَلَّى في سروال أو إزار، وبعد صلاته وَجَدَ أن هناك فتحة كبيرة تُحاذي السَّوأة، ولكن لم يعلم بها إلا بعد أن سَلَّم، فنقول: صلاتُه غير صحيحة ويُعِيد؛ لأن ستر العورة شرط من شروط الصَّلاة، والغالب عليه في مثل الحال أنه مفرِّط. أما إذا انشق الثَّوب في أثناء الصَّلاة، وهذا يقع كثيراً، ولا سيَّما في الثِّياب الضيِّقة، ثم بسرعة أمسكه بيده فالصَّلاة صحيحة؛ لأنه وإن كان فاحشاً فالزَّمن قصير، ولم يتعمَّد.

стр. 686

أَوْ صَلَّى في ثَوْب مُحَرَّمٍ عَلَيْه ........ قوله: «أو صَلَّى في ثوب محرَّم عليه»، أي: لم تصحَّ صلاتُهُ؛ لأنه سبقَ أن من شرط السَّاتر أن يكون مباحاً (١)، فإذا صَلَّى في ثوب محرَّم عليه، إما لكَسْبِه، وإما لعَيْنِه، وإما لوصفه، وإمَّا لكون ثمنه المعيَّن حراماً، فصلاته غيرُ صَحيحة ..... مثال المحرَّم لكسبه: أن يكون مغصوباً، أو مسروقاً، أو ما أشبه ذلك. ومثال المحرَّم لعينه: أن يكون حريراً على رَجُل، أو فيه صُور على رَجُل أو امرأة، لأن الثَّوب الذي فيه صُور حرام لُبْسه على الرِّجال والنِّساء. ومثال المحرَّمِ لِوَصْفِهِ: صلاة الرَّجل في ثوب امرأة أو بالعكس. ومثال المحرَّم لكون ثمنه المعيَّن حراماً: لو اشترى بدراهم سرقها ثوباً، ففيه تفصيل: إن وقع العقد على عين الدَّراهم لم تصحَّ الصَّلاة فيه، وإن وقع العقد على غير عين الدَّراهم، أي: في ذمَّة المشتري، فالصَّلاة فيه صحيحة. وهذا من دقَّة الفقهاء ﵏، فإذا جئت لصاحب الثَّوب وقلت: بِعْ عليَّ هذا الثَّوب بهذه الدراهم ـ يَعني المسروقة ـ فَبَاعه، فإنه لا تصحُّ الصَّلاةُ فيه؛ لأن العقد فاسد؛ لوقوعه على عين النقود المحرَّمة المسروقة، لكن لو قلت: بِعْ عليَّ هذا الثوب بعشرة، وبَاعَهُ عليك، وأوفيت الثمن من دراهم مسروقة، فالعقد صحيح مع أن

стр. 687

ثمنه محرَّم؛ لكنها لم تُعيَّن الدراهم في العقد، لأن الثَّمنَ ثبت في الذِّمة، وأوفاه المشتري من الدّراهم المسروقة. والدليل على عدم صحَّة الصَّلاة: أن السَّتر عبادة، والعبادة إذا وقعت على وجه منهيٍّ عنه، فقد وقعت على غير أمر الله وأمر رسوله فتكون مردودة؛ لقوله ﷺ : «من عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ» (١) ..... ولأن السَّتر شرطٌ من شروط الصَّلاة، ولُبْسُ هذا الثوب محرَّم، ولا يمكن أن يَرِدَ وجوبٌ وتحريم على عَيْنٍ واحدة، فهذا الثَّوب المحرَّم يلبسه للصَّلاة على سبيل الوجوب، ويحرم لُبْسُه؛ لأنه محرَّم، فيتصادم عندنا الوجوب والتحريم، وإذا تصادما فإن وجود المحرَّم كعدمه شرعاً، فلا يكون قائماً بالواجب عليه، وحينئذ يكون هذا السَّتر كالعدم؛ لأنه جعل المنهيَّ عنه بدلاً عن المأمور به، فاصطدم الأمر والنهي، فبطل الأمر وصار كأنه لم يأتِ بما أُمِرَ به، وهذا تعليلٌ قويٌّ، ويؤيِّده الحديث الذي يُروى عن الرَّسول ﷺ في الرَّجُلِ المُسبل إزاره أنه أمره بإعادة الصَّلاة (٢)، وهذا يدلُّ على أنه من شرط الثَّوب الذي تُستر به العورة أن يكون مُباحاً. وذهب كثيرٌ من أهل العلم: إلى أن الصَّلاة لا تبطل إذا ستر عورته بثوب محرَّم (٣)؛ لأن السَّترَ حصل به، والجهة منفكَّة؛ لأن تحريم لُبْس الثَّوب ليس من أجل الصَّلاة؛ ولكنه تحريمٌ مطلق،

стр. 688

فلو قال الشَّارع مثلاً: لا تصلِّ في هذا الثَّوب، فَصلَّى فيه، قلنا: إن الصَّلاة باطلة إن صلَّيتَ في هذا الثَّوب؛ لأن الصَّلاة فيه تُناقض نهي الشَّارع عن الصَّلاة فيه، أمَّا والشَّارع لم يَنْهَ عن الصَّلاة في هذا الثوب، وإنما نهى عن لُبْسِ الثَّوب المحرَّم مطلقاً في صلاة أو غيرها، فهذا لا يقتضي بُطلان الصَّلاة؛ لأن الجهة مُنفكَّة، فالأمر بلبْسِ الثَّوب في الصَّلاة من أجل الصَّلاة ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، والنهيُ عن لُبْسِ الثَّوب المحرَّم، لا من أجل الصَّلاة، ولكن من أجل استعمال شيء لا يجوز لك استعماله ..... وهذا القول ـ أعني صحَّة الصّلاة بستر العورة بثوبٍ محرَّم ـ هو الرَّاجح، إلا إذا ثبت الحديث في المُسبل ثوبه بإعادة الصَّلاة، فإن ثبت الحديث تعيَّن القول بموجبه، لكن كثيراً من أهل العلم ضَعَّفه (١)، وقالوا: لا تقوم به حُجَّة، ولا يمكن أن نلزم إنساناً بإعادة صلاته بناءً على حديث ضعيف. ولو صَلَّى في ثوبٍ محرَّم وعليه غيره؟ فظاهر كلام المؤلِّف أن الصَّلاة لا تصحّ؛ لأنه قال: «أو صَلَّى في ثوبٍ محرَّمٍ عليه»، ولم يقل: «ستر بثوب محرَّم عليه»، وعلى هذا؛ فلو صَلَّى في ثوب حرير وتحته ثوب قطن أو صوف، فصلاته غير صحيحة على مُقتضى كلام المؤلِّف، وقيل: إن كان الثَّوب المحرَّم شعاراً والمباح دثاراً فإنها لا تصحُّ، وإن كان العكس صحّت (٢). والشِّعار: الذي يلي الجسد، والدِّثار: الفَوقاني، لأنه إذا

стр. 689

كان شعاراً صار السَّتر به، وإن كان دِثاراً فالسَّتر بالذي تحته، فيُفرَّق بين هذا وهذا، وظاهر كلام المؤلِّف أنه لا فرق. والرَّاجح: ما سبق من أن الصَّلاة في الثَّوب المحرَّم صحيحة. مسألة: إذا سألَنَا سائل قد صَلَّى في ثوب محرَّمٍ، فلا يتوجَّه أمره بالإعادة. وأما إذا سألنا قبل أن يُصلِّي فنقول: يجب عليك أن تخلعه، لا من أجل الصَّلاة فحسب، ولكن لأنه ثوب محرَّم لا يجوز استعمالُه، فهناك فرق بين أن يُمَكَّن الإنسان من أن يستعمل المحرَّم فلا نمكِّنه، وبين أن يَسأل عن أمرٍ قد مضى وانقضى، فلا يُؤمر بالإعادة، لكن على المذهب تجب الإعادة. ويُشترط لبطلان الصَّلاة في الثَّوب المحرَّم أن يكون عالماً ذاكراً، فإن كان جاهلاً أو ناسياً فلا إعادة عليه. مسألة: إذا لم يجد إلا ثوباً محرَّماً فهل يصلِّي فيه؟ ..... الجواب: ننظر، فإن كان محرَّماً لحق العباد كالمغصوب، فإنه لا يصلِّي فيه، فإذا لم يكن عليه إلا ثوب مغصوب نقول: اخلعِ الثَّوبَ وصَلِّ عُرياناً، ولا يجوز أن تُصلِّي بالثَوب؛ لأنه محرَّم لحقِّ العباد؛ إلا إذا كنت مضطراً لدفع البرد فهنا صَلِّ به؛ لأن لُبْسَه حينئذ مباح. وإن كان محرَّماً لحقِّ الله فلا حرج عليه أن يُصلِّي فيه، كالثَّوب الحرير للرَّجُل إذا لم يجد غيره، فإنه يُصلِّي فيه؛ لأن التَّحريم لحقِّ الله يزول عند الضَّرورة، وحينئذ يُصلِّي ولا إعادة عليه، وكذلك لو كان ثوبه فيه صُوَر يُصلِّي فيه إذا لم يجد غيره.

стр. 690

وقال بعض أهل العلم: إذا كان محرَّماً لحقِّ العباد لا بأس أن يُصلِّي فيه؛ لأن هذا استعمال يسير جرت العادةُ والعُرف بالتَّسامح فيه (١). ونحن يَغْلِبُ على ظنِّنا أن صاحب هذا الثوب إذا علم أنك استعملته لعدم وجود غيره فسوف يسمح، هذا هو الغالب إن لم يكن المعلوم. وهذا القول ليس بعيداً من الصَّواب، ولا سيما إذا كنت تعرف أن صاحب هذا الثوب رَجُلٌ كريم جيد، فهنا قد نقول: يتعيَّن عليك أن تُصلِّي فيه؛ لأن مثل هذا يُعلم رضاه. أو نَجِسٍ أَعَادَ ......... قوله: «أو نجسٍ أعاد»، أي: أو صَلَّى في ثوبٍ نجس، والمراد بالثَّوبِ النَّجس ما كان نجساً بعينه كجلد السِّباع أو متنجِّساً بنجاسة لا يُعفى عنها، فإن كانت نجاسة يُعفى عنها فلا حرج عليه أن يُصلِّي فيه، مثل: اليسير من الدم المسفوح. ودليل وجوب الإعادة: ما سبق عند ذكر اشتراط طهارة الثَّوب (٢). وقوله: «أعاد» ظاهره: سواء كان عالماً، أم جاهلاً، أم ذاكراً، أم ناسياً، أم عادماً، أم واجداً. وهذا هو المذهب، فهذه ستُّ صور. وأمثلتها ما يلي: ١ - صَلَّى في ثوبٍ نجسٍ يعلم نجاسته؛ مع القُدرة على تطهيره، فلا تصحُّ صلاتُهُ؛ لأنَّه خالف أمر الله ورسوله، فوجب عليه إعادة الصَّلاة.

стр. 691

٢ - صَلَّى في ثوب نجسٍ جاهلاً النَّجاسة، أو جاهلاً بوجوب تطهيره، ولم يعلم إلا بعد انتهاء الصَّلاة، فيعيد لأنه أخلَّ بشرط في الصَّلاة، والإخلال بالشَّرط لا يُغتفر، قال الرسول ﵊ للرَّجل الذي لا يطمئن: «إنك لم تُصَلِّ» (١)، وقال: «لا يقبلُ اللَّهُ صلاةً بغير طُهور» (٢). ٣ - صَلَّى في ثوب نجس وهو يذكر النَّجاسة؛ فيعيدُ. ٤ - صَلَّى في ثوب نجس، فنسيَ أنه نجس، أو نسي أن يغسلها؛ فيعيد. ٥ - صَلَّى في ثوب نجس، وليس عنده ما يغسلها به، وليس عنده غير هذا الثَّوب؛ فيعيد مع أنه يجب عليه أن يُصلِّي به. ٦ - صَلَّى في ثوبٍ نجسٍ وعنده ثوبٌ طاهر ولم يصلِّ به؛ فيعيد. وقال بعضُ أهل العلم: إنه إذا كان جاهلاً، أو ناسياً، أو عادماً، فلا إعادة عليه (٣)، واستدلُّوا بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فقال الله تعالى: «قد فعلتُ» والآية عامَّة، وتُعتبر من أكبر وأعظم قواعد الإسلام، لأن الذي علَّمنا هذا الدُّعاء هو الله ، وأوجب على نفسه أن يفعل، فقال: «قد فعلت» كما صحَّ في الحديث الذي رواه

стр. 692

مسلم (١). إذاً؛ هذا الرَّجل الذي صَلَّى في ثوبٍ نجسٍ، وهو لا يدري بالنَّجاسة إلا بعد فراغه مخطئ لا خَاطئ، ولو كان يعلم بالنَّجاسة لقُلنا: إنه خاطئ، ولكن هو الآن مخطئ جاهل، فليس عليه إعادة بمقتضى هذه الآية العظيمة التي تُعتبر أساساً في الدِّين الإسلامي. وهناك دليل خاصٌّ بالمسألة، وهو أن الرَّسول ﷺ لما أخبره جبريلُ بأنَّ في نعليه أذى أو قَذَرٌ خلعهما (٢) واستمرَّ في صلاته، ولو كان الثَّوب النَّجس المجهول نجاسته تبطل به الصَّلاة لأعادها من أوَّلها. وأما النسيان: بأن نسيَ أن يكون عليه نجاسة، أو نسيَ أن يغسلها فَصَلَّى بالثوب النَّجس؛ فالصَّحيح أنه لا إعادة عليه. والدليل: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ودليل آخر: ما ثبت عن أبي هريرة ﵁، قال النبيُّ ﷺ : «مَنْ نسيَ وهو صائمٌ فأكلَ أو شربَ فليُتِمَّ صومَه» (٣). والأكل والشّرب في الصِّيام فعل محظور، والصَّلاةُ في ثوب نجس فِعْلٌ محظورٌ أيضاً. فلمَّا سقط حكمه بالنسيان في باب الصِّيام قِيْسَ عليه حُكمه بالنسيان في باب الصَّلاة.

стр. 693

فإن قال قائل: أوجبوا عليه الإعادة لظُهور الفرق بينه وبين الجاهل، لأن الجاهل لم يعلم أصلاً بالنَّجاسة؛ فهو معذور، والنَّاسي مفرِّط، فلم يبادر بالغسل فليس بمعذور؟ وكان من هدي الرَّسول ﵊ أن يُبادر بإزالة النَّجاسة، فالذي بَالَ في المسجد قال: «أريقوا على بولِهِ ذَنُوباً من ماء» (١)، فأمر بالمبادرة، والصبيُّ الذي بَالَ في حِجْرِه دعا بماء فأتبعه إيَّاه (٢)، والإنسان معرَّض للنسيان، ولا سيما إذا كان كثير النسيان، فما هو الجواب؟ الجواب: أننا لم نسقط القضاءَ عن النَّاسي بالقياس على الجاهل حتى يُنْقَض القياس بهذا الفرق، وإنما أسقطناه عن النَّاسي بالدَّليل المستقل وهو قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ثم يقال: إن مبادرة النبيِّ ﷺ بتطهير النَّجاسة ليس على سبيل الوجوب؛ لأن الله تعالى لم يوجب الوُضُوء، وهو آكد من إزالة النجاسة إلا عند القيام إلى الصَّلاة فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦]. فلو أحدث الإنسان قبل الصَّلاة بساعة، لم يجب عليه الوُضُوء، مع أن فيه احتمالاً أن يُصلِّي وينسى أنه أحدث، فإذا كان كذلك لم يكن تأخير التَّطهير تفريطاً، فإذا نسيَ النَّجاسة أو تطهيرها كان معذوراً، وأما العدم بمعنى أن لا يكون عنده ثوب طاهر، ولا يتمكَّن من

стр. 694

تطهير ثوبه فقد ذكرنا أنَّ المذهب أنه يصلِّي به ويُعيد، وهذه المسألة فيها أقوال أشهرها ثلاثة: القول الأول: وجوب الصَّلاة مع الإعادة، وهو المذهب (١). والقول الثاني: أنه يُصلِّي عُرياناً ولا يعيد، وهو قول الشَّافعي (٢) ورواية عن أحمد (٣). والقول الثالث: أنه يُصلِّي به، ولا إعادة، اختاره الشَّيخان: الموفَّق والمجد (٣٥٠)، وهو مذهب مالك (٤). أما الذين قالوا يُصلِّي ويعيد، فعلَّلوا قولهم: بأنَّ سَتْرَ العورة واجب، فيجب أن يصلِّي ويجب أن يُعيد؛ لأنه حامل للنَّجاسة الواقعة بهذا الثَّوب. وأما الذين قالوا: يُصلِّي عُرياناً ولا يُعيد؛ فعلَّلوا ذلك بأن هذا الثَّوب لا يجوز لُبْسُه في الصَّلاة، وكونه مضطراً لِسَتْرِ عورته لا يُبرِّر له أن يلبسه في الصَّلاة وهو نجس، فيجب عليه أن يخلعه ويُصلِّي عُرياناً. وأما الذين قالوا: يُصلِّي به بلا إعادة فقالوا: إن السَّتر واجب، وإنَّ حَمْله للنَّجسِ حينئذ للضَّرورة؛ لأنه ليس عنده ما يُزيلُ به هذه النَّجاسة، وليس عنده ما يكون بدلاً عن هذا الثَّوب، فيكون مضطراً إلى لُبْسِهِ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي

стр. 695

الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وهذا هو القول الرَّاجح. ويلزم على القول الأول: أنه يُصلِّي في ثوب نجسٍ، ويتقرَّب إلى الله وثوبُه ملطَّخ بالنَّجاسة، ثم يُقال: هذه الصَّلاة غير مقبولة، فيجب أن تُعيدها، فأوجبنا عليه صلاتين، صلاةً مردُودة وصلاةً مقبولة، وهذا قول إذا تصوَّره الإنسانُ عرف أنَّه بعيد. ويلزم على القول الثَّاني؛ وهو أن يُصلِّي عُرياناً: ما هو أقبح، فإن صورة الرَّجل العُريان بين يدي الله أقبحُ من أن يكون حاملاً لثوب نجس للضَّرورة، والله تعالى أحقُّ أن يُستحى منه. لا مَنْ حُبِسَ فِي مَحَلٍّ نَجِسٍ، ......... قوله: «لا مَنْ حُبِسَ في مَحَلٍّ نَجِسٍ»، معطوف على قوله: «أعاد»، أي: لا يُعيد من حُبِسَ في مَحَلٍّ نجسٍ، ولم يتمكَّن من الخروج إلى مَحَلٍّ طاهرٍ؛ لأنَّه مُكره على المُكْثِ في هذا المكان، والإكراه حكمه مرفوع عن هذه الأمة، كما قال النبيُّ ﵊: «إن الله تجاوز عن أُمَّتي الخطأ والنسيانَ وما استُكرِهُوا عليه» (١). والفرق بينه وبين مَنْ صَلَّى في ثوبٍ نجس أنَّ مَنْ صَلَّى في ثوبٍ نجسٍ ليس مُكرهاً على الصَّلاة فيه، ولذلك لو أُكره على الصَّلاة في ثوبٍ نجس، فإنه يُصلِّي فيه ولا إعادة. ولكن كيف يُصلِّي من حُبِسَ في مَحَلٍّ نَجِسٍ؟ الجواب: إن كانت النَّجاسة يابسة صَلَّى كالعادة، وإن كانت

стр. 696

رطبة صَلَّى قائماً ويركع ويرفع من الرُّكوع، ويجلس على قدميه عند السُّجود، ويومئ بالسُّجود، ولا يضع على الأرض شيئاً من أعضائه؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، لأنَّه إذا كانت رَطْبَة يجب أن يتوقَّاها بقَدْرِ الإمكان، وأقلُّ ما يمكن أن يباشر النَّجاسة أن يجلس على القدمين، ولا يقعد مفترشاً ولا متورِّكاً، لأنه لو قَعَد لتلوَّث ساقُه وثوبُه وركبتُه، والواجب أن يُقلِّلَ من مباشرة النَّجاسة. وَمَنْ وَجَدَ كِفَايةَ عَوْرَتِه سَتَرَهَا، وَإِلاَّ فَالفَرْجَينِ، فإِنْ لَمْ يَكْفِهِما فَالدُّبُر. قوله: «ومَنْ وَجَدَ كِفَاية عورته سَتَرَهَا»، «مَنْ» شرطية، وفعل الشرط «وَجَدَ»، وجوابه «سَتَرَها»، أي: وجوباً، أي: من وَجَدَ كفاية العورة وجب عليه سَتْرها، والعورة سبق بيانُها (١)، فإذا وجد كفاية العورة وجب عليه أن يسترَها؛ لما سبق من كون سترها من شروط الصَّلاة (٢). قوله: «وإلا فالفَرْجَين»، «إلا» هذه مركَّبة، من «إنْ» و «لا» النَّافية لكنها أُدغمت «إنْ» بـ «لا» لوجود شرط الإدغام. وفعل الشرط محذوف، والتقدير: وإلا يجد فالفَرْجَين، أي: فليستر الفَرْجين، فإذا قُدِّرَ أن شخصاً تَعرَّض له قُطَّاع طريق وسلبوا رَحْله وثيابه، ولم يُبقوا معه إلا منديلاً فقط، والمنديل لا يمكن أن يستر به عورته، نقول: استرْ الفَرْجَين، يعني: القُبُل والدُّبُر. قوله: «فإن لم يكفِهِما فالدُّبُر»، أي: إن لم يكفِ الموجود الفَرْجَين سَتَرَ الدُّبُر، لأن القُبُل إذا ضَمَّ فخذيه عليه ستره، والدُّبُر

стр. 697

إذا سجد انفرجَ وبانَ، فيكون سترُ الدُّبُر أولى من ستر القُبُل، والواجب أنْ يخفَّفَ الأمرُ بقَدْر الإمكان، وظاهر كلام المؤلِّف أن ستر الدُّبُر هنا مقدَّم وجوباً، لكن قال في «الإنصاف» (١): «الخلافُ إنما هو في الأولويَّة». وعن أحمد رواية ثانية: أنَّه يستر القُبُل، وهو أولى؛ لأنه أفحش من الدُّبُر، ولهذا جاز استدبار الكعبة حال قضاء الحاجة في البُنْيَان دون استقبالها. وَإِنْ أُعِيْرَ سُتْرَةً لَزِمَه قَبُولُها. قوله: «وإن أُعِيْرَ سُتْرَةً لَزِمَه قَبُولُها»، «إنْ» شرطية، وفعل الشرط «أُعيرَ»، و «لَزِمَ» جواب الشَّرط. والعَارِيَّةُ: إباحة نفع عين تبقى بعد الاستيفاء. وقوله: «إن أُعِيرَ» لم يذكر المؤلِّفُ الفاعلَ؛ ليشمل أيَّ إنسان يُعيرُه سواء كان هذا المعير من أقاربه، أم من الأباعد من المسلمين، أم من الكُفَّار. وتعليل ذلك: أنه قَدِرَ على ستر عورته بلا ضرر ولا مِنَّةٍ، لأن المِنَّةَ في مثل هذا الأمر مِنَّةٌ يسيرة، كلُّ أحد يتحمَّلُها، فالنَّاسُ كُلُّهم يستعير بعضُهم من بعض، وكُلُّ النَّاس يُعير بعضهم بعضاً. لكن لو أن هذه الإعارة يريد المُعير منها أن تكون ذريعة لنيل مأرب له باطل، فهنا لا يلزمه القَبول؛ لأنه يخشى إذا لم يفعل ما يريد؛ أن يجعل ذلك سُلَّماً للمِنَّةِ عليه وإيذائه أمام النَّاس، لكن الكلام على إعارة سالمة من محظور فيلزمه القَبُول.

стр. 698

وظاهرُ كلام المؤلِّف: أنه لو أُعطيها هِبَة لم يلزمه قَبولها؛ لقوله: «وإن أُعِيرَ». وظاهرُ كلامه أيضاً: أنَّه لا يلزمه الاستعارة، أما الهِبَة فلا يلزمه قَبولها، لأن في ذلك مِنَّة عظيمة، فقد يساوي الثوب قيمةً كبيرة، فيكون في ذلك مِنَّة لا يستطيع الإنسان أن يتحمَّلَها، فلا يلزمه قَبول الهبة، وأما الاستعارة فلا تلزمه؛ لأن في طلب العارية إذلالاً للشَّخص، وهذا عادم لما يكون به الواجب، وهو السَّتر، ولا واجب مع العجز، فلا يلزمه أن يستعير؛ مع أنهم ذكروا في باب التيمّم: أنه لو وُهِبَ لعادم الماء ماء لزمه قَبوله (١)، ولكنهم يفرِّقون: بأن الماء لا تكون به المِنَّة كالمِنَّة بالثياب (٢)، فالماء المِنَّة فيه قليلة، بخلاف الثِّياب، ولكن يقال: قد يكون الماء في موضع العدم أغلى من الثياب، فتكون المنَّة فيه كبيرة، فنقول: حتى لو كان في موضع العدم، فإن الإنسان الذي يعطي الماء في موضع العدم يشعر بأنه هو الرَّابح؛ لأنه أنقذ معصوماً بخلاف الثِّياب. وعَلى كُلٍّ؛ فالقول الرَّاجح في هذه المسألة: أنه يلزمه تحصيل السُّترة بكل وسيلة ليس عليه فيها ضرر ولا مِنَّة، سواء ببيع أم باستعارة، أم بقَبول هِبَة، أم ما أشبه ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وهذا الإنسان مأمور بستر عورته، فيجب عليه بقَدْرِ الاستطاعة أن يأتي بهذا الواجب.

стр. 699

والمسألة يختلف النَّاس فيها، قد يكون طلبك من شخص ثوباً لتستر به عورتك بمنزلة المِنَّة عليه لا مِنْهُ، فقد يفرح أن تأتيَ إليه، وتقول: أنا في حاجة إلى سَتْر عورتي في صلاتي، فهذا ليس في إعطائه مِنَّة، ولا في الاستعارة منه مِنَّة، وبعض النَّاس لا يعيرك ولو أعارك لوجدت في ذلك غضاضة عليك لكونه مَنَّاناً. والصَّواب: أن نأخذَ بقاعدةٍ عامَّة، وهي أنه يجب على المصلِّي تحصيل السُّترة بكلِّ طريقة ليس فيها ضرر عليه ولا غَضَاضة، وهذه القاعدة قد يخرج منها ما ذكره المؤلِّف، وقد يدخل فيها ما أخرجه. وَيُصَلِّي العَارِي قَاعِداً بِالإِيْماءِ اسْتحبَاباً فِيْهِما، ........ قوله: «ويُصلِّي العاري قاعداً بالإيماء»، أي: إذا كان إنسانٌ عارٍ ليس عنده ثوب، فإنه يُصلِّي قاعداً، ولو كان قادراً على القيام؛ لأنه أستر لعورته؛ لأن القاعد يمكن أن ينضمَّ، فيكون ما ينكشف من عورته أقلَّ. قوله: «استحباباً فيهما»، أي: أننا نستحبُّ له ذلك وهو القُعود والإيماء استحباباً لا على وجه الوجوب، وعلى هذا فلو صَلَّى قائماً وركع وسَجَد صَحَّت صلاتُه. وظاهر كلام المؤلِّف: أن هذا الحكم ثابتٌ، سواء كان حوله أحدٌ أم لم يكن حوله أحد؛ لإطلاق كلامه، فإن كان حولَه أحد فما قاله المؤلِّف وجيه؛ أنه يُصلِّي قاعداً بالإيماء؛ لأن الإنسان يستحي أن يقوم أمام النَّاس فتبدو عورته، وإذا سَجَدَ انفرج دُبُره، لكن إذا لم يكن عنده أحد لا يستحي منه فكلامه فيه

стр. 700

نظر. وما ذكره المؤلِّف هو المذهب (١). والقول الثاني: لا يجوز أن يُصلِّي قاعداً، بل يجب أن يُصلِّي قائماً مطلقاً ويركع ويسجد (٢)؛ لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فأوجب الله تعالى القيام، والسَّترُ هنا ساقطٌ عنه لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. فإذا كان القيام واجباً بالدليل الذي ذكرت، والسَّتر واجباً أيضاً بدليله؛ فإنه يقوم لوجود مقتضى القيام، ويُصلِّي عَارياً لسقوط وجوب السَّتر لكونه عاجزاً. وقال بعض أهل العلم: في هذا تفصيل؛ فإن كان حولَه أحدٌ صَلَّى قاعداً، وإن لم يكن حوله أحد، أو كان في ظُلْمَة، أو حوله شخص لا يُبْصِرُ، أو شخص لا يستحي من انكشاف عورته عنده كالزوجة فإنه يُصلِّي قائماً ويركع ويسجد؛ لأنه لا عُذْرَ له (٣٥٩). وهذا القول أقرب الأقوال إلى الحقِّ؛ لأنه يجمع بين حَقِّ الله وحَقِّ النَّفْسِ، فإن حقَّ الله إذا لم يكن حوله أحد يراه أن يُصلِّي قائماً؛ لأنه قادر، وحقُّ النَّفْسِ إذا كان حوله أحد أن يصلِّي قاعداً؛ لأنه يخجل من القيام ويشُقُّ عليه نفسيًّا. ويكُونُ إِمَامُهُم وَسَطَهُم .............. قوله: «ويكون إمَامُهُم وَسَطَهُم»، «إمَامُهُم» أي: إمام العُراة «وَسَطَهم»، أي: بينهم، أي: لا يتقدَّم؛ لأنه أستر له، وعلى هذا؛ فإذا كان عشرة كلُّهم عُراة، تعرَّض لهم قُطَّاع الطَّريق، وأخذوا ثيابَهم، وحانَ وقتُ الصَّلاة؛ صَلُّوا جماعة صفًّا واحداً،

стр. 701

والإمام بينهم، ولو طال الصفُّ، ويصلُّون على المذهب قُعوداً استحباباً؛ ويُومِئُون بالرُّكوع والسُّجود استحباباً أيضاً (١). وقال بعض أهل العلم: بل يتقدَّم الإمام؛ لأن السُّنَّة أن يكون الإمام أمامَهم (٣٦٠)، وتأخُّره لا يفيد شيئاً يُذكر، والإنسان إذا شاركه غيرُه في عيبه خَفَّ عليه، فهو إذا تقدَّم لا يرى في نفسه غَضَاضة، أو حياء، أو خجلاً؛ لأن جميع مَنْ معه على هذ الوجه، ولا ينبغي أن نُفَوِّت موقف الإمام وانفراده في المكان المشروع؛ لأن الإمام مَتْبُوع، فينبغي أن يتميَّز عن أتباعه الذين هم المأمومون، وهذا القول أقربُ إلى الصَّواب. ويُستثنى من كلام المؤلِّف: ما إذا كانوا في ظُلمة، أو لا يبصرون، فإن إمامهم يتقدَّم عليهم كالعادة؛ لأن المحذور معدوم. وَيُصَلِّي كُلُّ نوعٍ وَحْدَه، فَإِنْ شَقَّ صَلَّى الرِّجَالُ واسْتَدْبَرهُم النِّسَاءُ، ثم عَكسُوا ........... قوله: «ويُصلِّي كلُّ نوعٍ وحده»، أي: إذا اجتمع رجالٌ ونساءٌ عُراة، صَلَّى الرِّجَال وحدهم، والنِّساء وحدهنَّ، فلا يُصلُّون جميعاً؛ لأن النِّساء لا يمكن أن يقفن في صَفِّ الرِّجال، فلا بُدَّ لهُنَّ من صَفٍّ مؤخَّر، فإذا صففن وراء الرِّجال صِرْنَ يَرَيْن عورات الرِّجال، فلا تُصلِّي النِّساء مع الرِّجال، بل يُصلِّي الرِّجال في مكان، والنساء في مكان؛ ولا يُصلون جماعة. قوله: «فإن شقَّ»، أي: شقَّ صلاةُ كلِّ نوع وحده بحيث لا يوجد مكان آخر «صَلَّى الرِّجال واستدبرهم النِّساء ثم عكسوا»،

стр. 702

ومعنى تستدبرهم النساء تلقِّيهم ظُهُورُهن، فتكون ظُهُور النِّساء إلى القِبْلة، لئلا يَرَيْن عورات الرِّجَال، ثم بعد ذلك تُصلِّي النِّسَاء. ويستدبرهنَّ الرِّجال، فتكون ظُهُور الرِّجال نحو القِبْلة لئلا يروا عورات النِّساء. فإن قيل: إذا كان المكان ضيِّقاً ولم يتَّسعْ لكونهم صَفاً واحداً فهل يصفُّون صَفَّين أو ينتظر بعضهم حتى يُصلِّي من يتَّسع له الصفُّ؟. فالجواب: فيه قولان لأهل العلم (١)، فبعضهم قال: ينتظر من لا يتَّسع له الصف حتى يُصلِّي من يتَّسع له ثم يُصلِّي، ومنهم من قال: بل يُصلُّون جماعة واحدة، فإذا كان الإنسان يخشى على نفسه الانشغال برؤية هؤلاء فإنه يُغمض عينيه، وإن كان لا يَخشى، ولا يهتمُّ إلا بصلاتِه، وسينظر إلى موضع سجوده، وموضِع إشارته في الجلوس فلا حاجة أن يُغمض عينيه. فَإِنْ وَجَدَ سُتْرةً قَرِيبَةً فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ سَتَرَ وَبَنى وإِلاَّ ابْتَدَأَ. قوله: «فإن وجد سُتْرة قريبة في أثناء الصَّلاة سَتَر وَبَنَى وإلا ابتدأ»، إنْ وجد الذي يُصلِّي عُرياناً في أثناء الصَّلاة سُتْرة، فإن كانت قريبة، أي: لم يطل الفصل؛ أخذها وستر وبَنَى على صلاته، وإن كانت بعيدة فإنَّه يقطع صلاته ويبتدئ الصَّلاة من جديد. مثال القريبة: جاء إليه رَجُلٌ وهو يُصلِّي عُرياناً وقال: خُذْ استُرْ نفسك. فهنا نقول: يأخذها ويستتر ويبني على ما مضى من صلاته. ومثال البعيدة: أنْ يتذكَّر ثوباً في رَحْلِهِ بعيداً عنه، فنقول له: اقطعْ صلاتك، واستترْ، واستأنف الصلاة.

стр. 703

مسألةٌ يُلغز بها: يقولون: امرأة بطلت صلاتُها بكلام إنسان (١)! فكيف ذلك؟ وجواب هذه: أَمَةٌ تُصلِّي ساترة كلَّ بدنها إلا رأسها وساقيها مثلاً، فقال لها سيِّدُها: أنت حُرَّة، فصارت حُرَّة يجب عليها أن تستر جميع بدنها إلا الوجه، ولم تجد شيئاً تستر به؛ فتبتدئ الصَّلاة من جديد، فإن كان سيدُها ذكياً وفقيهاً فجاء بالسُّترة معه وقال: أنت حُرَّة، ثم وضع على رأسها وعلى بقية المنكشف منها سُتْرة؛ بَنَت على ما سَبَقَ من صلاتها؛ لأنها سترت عورتها عن قُرب. مكروهات الصلاة وَيُكْرَه في الصَّلاةِ السَّدْلُ، ........... قوله: «ويُكره في الصَّلاة السَّدْلُ»، الكراهة عند الفقهاء: هي النَّهي عن الشيء من غير إلزام بالتَّرك، والمكروه: ما نهي عنه من غير إلزام بالتَّرك. أما في لُغة القرآن والسُّنَّة وغالب كلام السَّلف: فالمكروه هو المحرَّم. قال تعالى في سورة الإسراء: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا *﴾ [الإسراء]، ومعلومٌ أن المشار إليه ما سبق من المنهيات وفيها الشِّرك والكبائر وسمَّاها الله تعالى: «مكروهاً»؛ لأنه مُبْغَضٌ عند الله ، ولهذا قال أصحاب الإمام أحمد: إذا قال الإمام أحمد: «أكره كذا»، يعني أنه محرَّم (٢). وحكمُه عند الفقهاء: أنه يُثاب تاركه امتثالاً، ولا يُعاقب فاعله، ويجوز عند الحاجة وإن لم يضطر إليه، أما المحرَّم فلا يجوز إلا عند الضّرُورة.

стр. 704

والسَّدلُ: أن يَطّرَح الرِّداءَ على كتفيه، ولا يردَّ طرفَه على الآخر. وقال بعضهم: السَّدْلُ: أن يضع الرِّداء على رأسه ولا يجعل أطرافه على يمينه وشماله (١). وقال بعضهم: السَّدْلُ: أن يُرسل ثوبه حتى يكون تحت الكعبين (٢)، وعلى هذا فيكون بمعنى الإسبال. والمعروف عند فقهائنا هو: أن يطرح الثَّوب على الكتفين، ولا يردَّ طرفه على كتفه الآخر (٣٦٥)، ولكن إذا كان هذا الثَّوب مما يلبس عادة هكذا، فلا بأس به، ولهذا قال شيخ الإسلام: إنَّ طَرْح القَبَاءَ على الكتفين من غير إدخال الكمَّين لا يدخل في السَّدْلِ (٣). والقَبَاء يُشبه ما يُسمَّى عندنا «الكوت» أو «الجُبَّةَ». واشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ وَتَغْطِيَةُ وَجْهِهِ، قوله: «واشتمال الصَّمَّاء»، هنا أُضيف الشيءُ إلى نوعه، أي: اشتمال لُبْسة الصَّمَّاء، أي: أن يلتحف بالثوب ولا يجعل ليديه مخرجاً؛ لأن هذا يمنع من كمال الإتيان بمشروعات الصَّلاة، ولأنه لو قُدِّر أنَّ شيئاً صَالَ عليه فإنَّه لا يتمكَّن من المبادرة بردِّه، ولا سيِّمَا إذا كان هذا الثَّوب قميصاً، فهو أشدُّ، أي: بأن يلبس القميص، ولا يدخل يديه في كُمَّيْه، فهذا اشتمال أصمّ، وأصمّ من الصمَّاء؛ لأن الرِّداء مع الحركة القويّة قد ينفتح، وهذا لا ينفتح. وقال بعض العلماء: إن اشتمال الصمَّاء أن يضطبع بثوب ليس عليه غيره وهو المذهب (٤)، أي: أن يكون عليه ثوب واسع ثم يضطبع فيه.

стр. 705

أما إذا كان عليه ثوب آخر فلا كراهة؛ لأنه لُبْسة المُحْرِم (١)، وفَعَلَها النبيُّ ﷺ (٢). والاضطباع: أن يُخرج كتفه الأيمن، ويجعل طرفي الرِّداء على الكتف الأيسر. ووجه الكراهة هنا: أن فيه عُرضَةً أن يسقطَ فتنكشف العورة، فإنْ خِيْفَ من انكشاف العورة حقيقة كان حراماً. وقيل هو: أن يجعل الرِّداء على رأسه ثم يسدل طرفيه إلى رجليه (٣). فهذه ثلاث صفات لاشتمال الصمَّاء، وكلُّ هذه الصِّفات إذا تأمَّلتها وجدت أنها تُخَالف قول الله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، فإن أخذ الزِّينة على هذا الوجه فيه شيء من التقصير؛ لأن أخذ الزِّينة كاملة أن يلبسها على ما يعتاد النَّاس لُبْسها بحيث تكون ساترة، وتكون
следующие страницы →