Полный текст (1 095 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
والحزور بالتشديد والتخفيف: المراهق وقد سئل رسول الله ﷺ عنها فقال: هي حلال» .
وروى أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم وابن حبان، عن محمد بن صفوان، «أنه صاد أرنبين فذبحهما بمروتين وأتى النبي ﷺ ، فأمره بأكلهما» . وهو في معجم ابن قانع، عن محمد ابن صفوان أو صفوان بن محمد.
واحتج ابن أبي ليلى ومن وافقه بما روى الترمذي عن حبان بن جزء، عن أخيه خزيمة ﵁ قال: «قلت يا رسول الله ما تقول في الأرنب؟ قال ﷺ : لا آكله ولا أحرمه، قال: فقلت: ولم يا رسول الله؟ قال: إني أحسب أنها تدمي. قال: فقلت: يا رسول الله ما تقول في الضبع؟ قال رسول الله ﷺ : ومن يأكل الضبيع» ؟
قال الترمذي: إسناده ليس بالقوي. ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة وذكر فيه الثعلب والضب أيضا وفي بعض الروايات: «وسألته عن الذئب فقال: لا يأكل الذئب أحد فيه خير» . «١» وليس في شيء من الأحاديث وإن ضعفت ما يدل على تحريم الأرنب وغاية ما في هذين الخبرين استقذارها مع جواز أكلها.
الأمثال:
قالت العرب: «أقطف من «٢» أرنب» «وأطعم أخاك من كلية الأرنب» . وهو كقولهم «٣» «أطعم أخاك من عقنقل الضب» . يضربان للمواساة. ومن أمثالهم المشهورة في ذلك قولهم «٤» : «في بيته يؤتى الحكم» . وهو مما زعمته العرب على ألسنة البهائم. قالوا: إن الأرنب التقطت تمرة فاختلسها الثعلب فأكلها فانطلقا يختصمان إلى الضب فقالت الأرنب: يا أبا حسل قال: سميعا دعوت، قالت: أتيناك لنختصم إليك، قال: عادلا حكيما، قالت فأخرج إلينا، قال في «بيته يؤتى الحكم» قالت: إني وجدت تمرة، قال: حلوة فكليها، قالت: فاختلسها الثعلب، قال لنفسه: بغى الخير، قالت: فلطمته، قال: بحقك أخذت، قالت: فلطمني، قال «٥» «حر انتصر لنفسه» قالت: فاقض بيننا، قال: قد قضيت. فذهبت أقواله كلها أمثالا.
ومثل هذا أن عدي «٦» بن أرطاة أتى شريحا»
القاضي في مجلس حكمه فقال له: أين أنت؟
قال: بينك وبين الحائط، قال فاسمع مني. قال: للاستماع جلست، قال: إني تزوّجت امرأة،
стр. 37
قال: بالرفاه والبنين، قال: وشرط أهلها أن لا أخرجها من بيتهم، قال: أوف لهم بالشرط، قال:
فأنا أريد الخروج، قال: في حفظ الله، قال: فاقض بيننا، قال: قد فعلت. قال فعلى من حكمت؟ قال: على ابن أمك. قال بشهادة من؟ قال: بشهادة ابن أخت خالك.
وشريح هذا هو ابن الحارث بن قيس الكندي استقضاه عمر رضي الله تعالى عنه على الكوفة، وأقام قاضيا بها خمسا وسبعين سنة، لم يبطل إلا ثلاث سنين، امتنع فيها من القضاء، وذلك أيام فتنة ابن الزبير ﵄، فاستعفى الحجاج من القضاء فأعفاه، فلم يقض بين اثنين حتى مات رحمة الله عليه.
وكان شريح من سادات التابعين وأعلامهم، وكان من أعلم الناس بالقضاء، وكان أحد السادات الطلس، وهم أربعة: عبد الله بن الزبير «١» ، وقيس «٢» بن سعد بن عبادة، والأحنف بن «٣» قيس، الذي يضرب بحلمه المثل، ورابعهم شريح هذا والله أعلم.
والأطلس الذي لا شعر بوجهه وروي أن شريحا مرض له ولد، فجزع عليه جزعا شديدا فلما مات لم يجزع. فقيل له في ذلك فقال: إنما كان جزعي رحمة له وإشفاقا عليه، فلما وقع القضاء رضيت بالتسليم. قاله «٤» ابن خلكان وغيره.
قال الإمام أبو الفرج بن الجوزي «٥» رحمه الله تعالى: كتب زياد بن أبيه إلى معاوية:
يا أمير المؤمنين قد ضبطت لك العراق بشمالي وفرغت يميني لطاعتك فولّني الحجاز.
فبلغ ذلك عبد الله بن عمر ﵄، وهو بمكة، فقال: اللهم اشغل عنا يمين زياد بما شئت فأصابه الطاعون في يمينه فأجمع رأي الأطباء على قطعها، فاستشار شريحا فيما رآه الأطباء، فأشار عليه بعدم القطع، وقال له: لك رزق مقسوم، وأجل معلوم، وإني أكره، إن كانت لك مدة، أن تعيش في الدنيا بلا يمين، وإن كان قد دنا أجلك أن تلقى الله مقطوع اليد، فإذا سألك لم قطعتها؟ قلت: فرارا من قضائك وبغضا في لقائك. قال: فمات زياد من يومه. فلام الناس شريحا على منعه من القطع لبغضهم له، فقال: إنه استشارني، ولولا أن المستشار مؤتمن، لوددت أنه قطع يوما يده ويوما رجله وسائر أعضائه يوما يوما. اهـ.
وفي هذا المعنى قال أبو الفتح البستي من قصيدة طويلة:
стр. 38
لا تستشر غير ندب حازم فطن ... قد استوت منه أسرار وإعلان
فللتدابير فرسان إذا ركضوا ... فيها أبروا كما للحرب فرسان
وسيأتي، إن شاء الله تعالى، ذكر هذه القصيدة في باب الثاء المثلثة في الثعبان، وفي تاريخ ابن خلكان في ترجمة شريح، أنه سئل عن الحجاج أكان مؤمنا؟ قال: نعم بالطاغوت، كافرا بالله تعالى. توفي شريح سنة تسع وسبعين وقيل ثمانين من الهجرة، وهو ابن مائة وعشرين سنة رحمه الله تعالى.
الخواص:
قال الجاحظ «١» : كانت العرب في الجاهلية تقول: من علق عليه كعب أرنب، لم تصبه عين ولا سحر وذلك لأن الجن تهرب منها لمكان حيضها وإذا شوي الأرنب البري وأكل دماغه، نفع من الارتعاش العارض من المرض، وإذا شرب من دماغه، وزن حبتين في أوقيتين من لبن البقر، لم يشب شاربه أبدا. ومن أعجب ما في أنفحته أنك إذا طليت بها داء السرطان رأيت العجب. وإذا شربت المرأة أنفحة الأرنب الذكر ولدت ذكرا، وإذا شربت أنفحة الأنثى ولدت أنثى. وإذا علق زبله على المرأة لم تحمل ما دام عليها. قال أبقراط: لحم الأرنب حار يابس، يغسل البطن ويدر البول، وأجوده صيد الكلاب. وهو ينفع من بهظة السمن، لكنه يحدث أرقا ويولد السوداء، والأبازير الرطبة تدفع ضرره، ويوافق أصحاب الأمزجة الباردة، ودماغه يؤكل مشويا بالفلفل ينفع من الرعشة، وإنما صار يابسا لرعيه الغياض لأن كل ما يرعى الغياض فهو أيبس مما يرعى في البيوت. اهـ.
وإن سقي إنسان من دماغ الأرنب دانقا مدافا، بعد أن يلقى عليه وزن حبتي كافور، لم يلقه أحد إلا أحبه ولم تنظر إليه امرأة إلا شغفت به وطلبت معاشرته. ودم الأرنب إذا شربت منه المرأة لم تحبل أبدا، وإذا طلي به البهق والكلف أزالهما. ودماغه إذا أكلت منه المرأة، وتحملت منه، وباشرها زوجها، فإنها تحبل بإذن الله تعالى. وإذا مزج به مواضع أسنان الصبي، أسرع نباتها ودم الأرنب إذا اكتحل به منع من نبات الشعر في العين قاله القزويني في عجائب المخلوقات.
وقال مهرارس: مرارة الأرنب إذا عجنت بسمن، وديفت بلبن المرأة، واكتحل به أزال البياض من العين، وأبرأ القروح وإذا طلي بدمها البهق الأسود أزاله ولحم الأرنب إذا أطعم من يبول في فراشه نفعه إذا أدامه. وقال أرسطو: إذا شربت أنفحة الأرنب بالخل نفعت من سم الأفاعي.
وإذا شرب منها قدر باقلاة أذهب حمى الربع المتناهية. وإذا شرب منها وزن درهم أسقط الأجنة وسهل الولادة، وإن خلطت أنفحة الأرنب بخطمي، ووضعت على النصل، أخرجته وتخرج الشوكة من البدن، بإذن الله تعالى بسهولة. وزبل الأرنب إذا بخر به في الحمام، وقع الضراط على من شمه ولم يتمالك أسفله. وإذا طلي به القوابي والنمش أذهبهما. وخصية الأرنب تبرىء من السم القاتل إذا طلي موضع اللسعة بها، وشحمه إذا وضع تحت وسادة امرأة، تكلمت في نومها بفعلها.
وضرس الأرنب إذا علق على من يشتكي ضرسه سكن وجعه.
стр. 39
التعبير:
الأرنب في المنام امرأة حسناء، لكنها غير آلفة، فإن ذبحها فإنها زوجة ليست بباقية. وممن رأى أنه يأكل لحم أرنب مطبوخا فإنه يأتيه رزق من حيث لا يحتسب، ومن صار أرنبا أو أهديت إليه أو ابتاعها، حصل له رزق أو تزوج إن كان عزبا، أو رزق ولدا أو ظفر بغريم.
الأرنب البحري:
قال القزويني «١» : هو حيوان رأسه كرأس الأرنب، وبدنه كبدن السمك. وقال الرئيس ابن سينا «٢» : إنه حيوان صغير صدفي وهو من ذوات السموم إذا شرب منه قتل.
الحكم:
يحرم أكله لسميته، ويستثنى هذا من قولهم: ما أكل شبهه في البر، أكل شبهه في البحر، لأنه ليس يشبهه في الشكل، وإنما هو موافق له في الإسم.
الأروية
: بضم الهمزة وإسكان الراء وكسر الواو وتشديد الياء: الأنثى من الوعول.
والجمع أراوي وبها سميت المرأة، وهي أفعولة في الأصل إلا أنهم قلبوا الواو الثانية ياء وأدغموها في التي بعدها وكسروا الأولى لتسلم الياء، وثلاث أراوي على أفاعيل. فإذا كثرت فهي الأروي بفتح الهمزة على أفعل بغير قياس وقيل الأروي غنم الجبل. وفي الحديث «أنه ﷺ ، أهدي له أروي وهو محرم» ، وفيه أن عبد الله بن عمر ﵄، لما كان يوم أحد قال: كنت أتوقل كما تتوقل الأروية فانتهيت إلى رسول الله ﷺ ، وهو في نفر من أصحابه، وهو يوحى إليه: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ
«٣» وفي جامع الترمذي في الإيمان، عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه عن جده ﵁، أن النبي ﷺ قال: «إن الدين ليأرز إلى المدينة، كما تأرز الحية إلى حجرها، وليعقلن الدين من الحجاز معقل الأروية من رأس الجبل، إن الدين بدأ غريبا ويرجع غريبا، فطوبى للغرباء، الذي يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي «٤» » . قوله: «ليعقلن أي ليمتنعن كما تمتنع الأروية من رؤوس الجبال.
وفي تفسير ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة ﵁، أنه قال: «طرح يونس بن متى ﵇ بالعراء، فأنبت الله تعالى عليه اليقطينة، وهيأله أروية وحشية ترعى في البرية، وتأتيه فتنفشخ عليه، فترويه من لبنها كل بكرة وعشية، حتى نبت لحمه» . وقال ابن عطية أنعشه الله تعالى في ظل اليقطينة، بأروية تراوحه وتغاديه، وقيل: بل كان يتغذى من اليقطينة ويجد منها ألوان الطعام، وأنواع شهواته وهذا من لطف الله تعالى به ونعمته عليه وإحسانه إليه وحكى ابن الجوزي عن الحسن في قوله تعالى: وفديناه بذبح عظيم أنه ذكر من الأروي، أهبط عليه من ثبير. وفي حديث عوف أنه سمع رجلا تكلم فأسقط، فقال: «جمع بين الأروى والنعام» . يريد أنه
стр. 40
جمع بين كلمتين متناقضتين لأن الأروى تسكن شعف الجبال، والنعام يسكن في السهولة من الأرض، وفي طبعها الحنوّ على أولادها، فإذا صيد منها شيء تبعته، ورضيت أن تكون معه في الشرك وفي طبعه البر بأبويه وذلك أنه يختلف إليهما بما يأكلانه، فإن عجزا عن الأكل مضغ لهما وأطعمهما ويقال: إن في قرنيه ثقبين يتنفس منهما فمتى سدا هلك سريعا.
وحكمها:
الحل كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الوعل.
الأمثال:
قالوا «١» : «إنما فلان كبارح الأروى» . وذلك أن مأواها الجبال، فلا يكاد الناس يرونها سانحة ولا بارحة إلا في الدهر مرة، يضرب لمن يرى منه الاحسان في بعض الأحايين.
وقالو: «تكلم فلان فجمع بين الأروى والنعام» ، كما تقدم. وقالوا: «ما يجمع بين الأروى والنعام» ، يضرب في الشيئين المختلفين جدا أي كيف يتألف الخير والشر.
تنبيه:
روى مسلم أن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، ﵃، خاصمته أروى بنت أويس إلى مروان بن الحكم وهو والي المدينة في أرض في الحيرة، وقالت: إنه قد أخذ حقي واقتطع قطعة من أرضي. فقال سعيد ﵁: كيف أظلمها وقد سمعت رسول الله ﷺ «٢» يقول: «من اقتطع شبرا من أرض ظلما، طوقه يوم القيامة من سبع أرضين» .
ثم ترك لها الأرض. وقال: دعوها وإياها اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها واجعل قبرها في بئرها.
فعميت أروى، وجاء سيل فأظهر حدود أرضها. ثم لما أعمى الله تعالى أروى، فكانت تلتمس الجدران، وتقول أصابتني دعوة سعيد «٣» بن زيد. فبينما هي تمشي إذ وقعت في البئر فماتت.
وروي أنها سألت سعيدا أن يدعو لها، فقال: لا أرد على الله شيئا اعطانيه قال: وكان أهل المدينة إذا دعا بعضهم على بعض، يقولون: أعماه الله كما أعمى أروى، يريدونها. ثم صار أهل الجهل يقولون أعماه الله كما أعمى الأروى يريدون الأروى التي بالجبل يظنونها شديدة العمى والصواب الأوّل.
الخواص:
إذا أخذ قرنه وظلفه وخلطا في دهن، ومسح به الساعي الذي يمشي كثيرا بدنه وساقيه أزال عنه ضرر التعب حتى كأنه لم يمش شيئا.
الأساريع
: بفتح الهمزة، دود أحمر يكون في البقل ينسلخ فيصير فراشا قال ابن مالك قال ابن السكيت: والأصل يسروع بالفتح إلا أنه ليس في الكلام يفعول. وقال قوم: الأساريع دود
стр. 41
حمر الرؤوس، بيض الأجساد، تكون في الرمل يشبه بها أصابع النساء. اهـ.
وبعض الناس يقول: الأساريع شحمة الأرض. والصواب أنها غيرها، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في باب الشين المعجمة. قال في الكفاية الأساريع دود تكون في الرمل بيض طوال، يشبه بها أصابع النساء. ويقال لها بنات النقا، وذكر في أدب الكاتب نحوه وقال الأساريع دود في الرمل بيض ملس يشبه بها أصابع النساء واحدها أسروع. وذكر ابن مالك في شرحه المنتظم الموجز فيما يهمز وما لا يهمز، أن اليسروع والأسروع دود يكون في البقل ينسلخ فيصير فراشا، قال: وهذا قول ابن السكيت. وقال غيره: الأساريع واليساريع دود حمر الرؤوس، بيض الأجساد، تكون في الرمل يشبه بها أصابع النساء. اهـ. وما ذكره عن ابن السكيت ليس كذلك، فقد ذكر ابن السكيت في إصلاح المنطق أنها تكون في الرمل تنسلخ فتصير فراشة ولعله تصحف عليه الرمل بالبقل.
الحكم:
يحرم أكلها لأنها من الحشرات.
الخواص:
إذا سحق هذا الدود وضع على العصب المقطوع نفعه من ساعته منفعة عظيمة.
وقال الرازي «١» في الحاوي: إذا غسلت الأساريع، وجففت وسحقت ناعما، ونقعت في دهن السمسم، وطلي بها الذكر فإنه يغلظ.
التعبير:
اليسروع في المنام يعبر برجل لص يسرق قليلا قليلا، ويتزيا بالورع، ولا يخفى حاله ونفاقه، قال أهل التعبير: وهو دود أخضر يكون في المقاثي والكروم.
الأسفع:
الصقر، والصقور كلها سفع. والسفعة بالضم سواد مشرب بحمرة وهي في الوجه سواد في خدي المرأة. وفي الصحيح «٢» : «فقامت امرأة سفعاء الخدين» . ويقال للحمامة سفعاء لما في عنقها من السفعة.
الاسقنقور:
قال ابن بختيشوع «٣» : إنه التمساح البري: لحمه حار في الدرجة الثانية. إذا ملح وشرب منه مثقال زاد في الباه، وهيج الشهوة، وسخن الكلى الباردة، ونفع من وجعها. وقال ابن زهر: هي دابة بمصر شكلها كالوزغة على عظم خلقته إذا علقت عينه على من يفزع بالليل أبرأته إذا لم يكن من خلط. وقال أرسطاطاليس، في كتاب الحيوان الكبير: إن شربه يهيج الباه، ويزيد في الإنعاظ في سائر البلاد إلا بمصر. وهو أنفس ما يهدى منها الملوك الهند، فإنهم يذبحونه بسكين من الذهب، ويحشونه من ملح مصر، ويحملونه كذلك إلى أرضهم فإذا وضعوا مثقالا من ذلك الملح على بيض أو لحم وأكل نفع في ذلك نفعا بليغا. وسيأتي إن شاء الله تعالى في التمساح
стр. 42
أنه يبيض في البر فما وقع من ذلك في الماء صار تمساحا، وما بقي في البر صار اسقنقورا. وسيأتي إن شاء الله في باب السين المهملة حكمه وحكم السقنقور الهندي.
الأسود السالخ:
هو نوع من الأفعوان شديد السواد، سمي بذلك لأنه يسلخ جلده كل عام، يقال أسود سالخ، ولا يقال للأنثى سالخة. وأسودان سالخ، ولا تثنى الصفة في قول الأصمعي وأبي زيد وحكى ابن زيد تثنيتها والأول أعرف. وأساود سالخة وسوالخ قاله ابن سيده.
روى أبو داود والنسائي والحاكم وصححه عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما «١» قال: «كان رسول الله ﷺ إذا سافر فأقبل الليل، قال: يا أرض، ربي وربك الله، أعوذ بالله من شرك، وشر ما فيك، وشر ما خلق فيك، وشر ما يدب عليك، أعوذ بالله من أسد وأسود، ومن الحيّة والعقرب، ومن ساكن البلد ومن والد وما ولد» . ساكن البلد الجن، وقيل الوالد وما ولد إبليس والشياطين.
وفي الصحيحين «٢» : «أن النبي ﷺ أمر بقتل الأسودين في الصلاة الحية والعقرب» . وأنشد ابن هشام في كتاب التيجان:
ما بال عينك لا تنام كأنما ... كحلت أماقيها بسم الأسود
حنقا على سبطين حلا يثربا ... أولى لهم بعقاب يوم أسود
وللإمام الشافعي ﵁ من أبيات:
والشاعر المنطيق أسود سالخ ... والشّعر منه لعابه ومجاجه «٣»
وعداوة الشعراء داء معضل ... ولقد يهون على الكريم علاجه
روى «٤» البيهقي في الشعب عن عبد الحميد بن محمود، قال: كنت عند ابن عباس ﵄، فأتاه رجل فقال: أقبلنا حجاجا حتى إذا كنا في الصفاح توفي صاحب لنا، فحفرنا له فإذا أسود سالخ قد أخذ اللحد كله قال: فحفرنا له قبرا آخر فإذا أسود سالخ قد أخذ اللحد كله قال: فحفرنا له ثالثا فإذا أسود سالخ قد أخذ اللحد كله، قال: فتركناه وأتيناك نسألك ماذا تأمرنا به؟ قال: ذاك عمله الذي كان يعمله، اذهبوا فادفنوه في بعضها فوالله لو حفرتم له الأرض كلها لوجدتم ذلك قال: فألقيناه في قبر منها. فلما قضينا سفرنا أتينا امرأته فسألناها عنه، فقالت:
كان يبيع الطعام، فيأخذ قوت أهله كل يوم، ثم يخلط فيه مثله من قصب الشعير، ثم يبيعه فعذب بذلك.
стр. 43
وروى الطبراني في معجمه الأوسط، والبيهقي أيضا في كتاب الدعوات الكبير، من حديث عكرمة، عن ابن عباس ﵄، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أراد الحاجة أبعد، فذهب يوما فقعد تحت شجرة فنزع خفيه، قال: ولبس أحدهما فجاء طائر فأخذ الخف الآخر فحلق به في السماء فانسل منه أسود سالخ فقال «١» ﷺ : «هذه كرامة أكرمني الله بها، اللهم إني أعوذ بك من شر من يمشي على بطنه، ومن شر من يمشي على رجلين، ومن شر من يمشي على أربع» وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الغين المعجمة في الغراب حديث نظير هذا وهو صحيح الإسناد.
وروى أحمد في كتاب الزهد، عن سالم بن أبي الجعد قال: كان رجل من قوم صالح ﵇ قد آذاهم فقالوا: يا نبي الله ادع الله عليه، فقال: اذهبوا فقد كفيتموه. قال: وكان يخرج كل يوم يحتطب، قال: فخرج يوما ومعه رغيفان فأكل أحدهما، وتصدق بالآخر، قال:
فاحتطب ثم جاء بحطبه سالما يصيبه شيء. فجاؤوا إلى صالح ﵇، وقالوا: قد جاء بحطبه سالما لم يصبه شيء. فدعاه صالح وقال: أي شيء صنعت اليوم؟ قال: خرجت ومعي قرصان فتصدقت بأحدهما وأكلت الآخر، فقال صالح: حل حطبك، فحل فإذا فيه أسود سالخ مثل الجذع، عاض على جزل من الحطب، فقال: بهذا دفع عنك يعني بالصدقة. وسيأتي إن شاء الله تعالى نظير هذا في الذئب في باب الذال المعجمة.
وروى الطبراني في معجمه الكبير، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ : «أن نفرا مروا على عيسى بن مريم ﵇ فقال عيسى بن مريم: يموت أحد هؤلاء اليوم إن شاء الله تعالى، فمضوا ثم رجعوا عليه بالعشي ومعهم حزم الحطب، فقال: ضعوا، وقال للذي قال إنه يموت اليوم حل حطبك فحله، فإذا فيه حية سوداء. فقال: ما عملت اليوم؟ قال: ما عملت شيئا. قال: انظر ما عملت، قال: ما عملت شيئا إلا أنه كان معي في يدي فلقة من خبز مر بي مسكين فسألني فأعطيته بعضها فقال: بها دفع عنك» .
الأصرمان:
الذئب والغراب. قال ابن السكيت: لأنهما انصرما من الناس، أي انقطعا والأصرمان الليل والنهار، لأن كل واحد منهما ينصرم من الآخر.
روى أحمد بإسناد صحيح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول: حدثوني عن رجل دخل الجنة ولم يصل قط؟ فإذا لم يعرفه الناس سألوه من هو؟ فيقول أصيرم بن عبد الأشهل.
قال عامر بن ثابت بن قيس فقلت لمحمود بن لبيد كيف كان شأن الأصيرم؟ قال: كان يأبى الإسلام على قومه فلما كان يوم أحد، وخرج رسول الله ﷺ إلى أحد بدا له الإسلام فأسلم، وأخذ سيفه وقاتل حتى قتل فذكروه لرسول الله ﷺ فقال: «إنه لمن أهل الجنة» ﵁.
الأصلة:
بفتح الهمزة والصاد واللام، حية كبيرة الرأس قصيرة الجسم، تثب على الفارس
стр. 44
فتقتله. قاله ابن الأنباري. وقيل حية خبيثة لها رجل واحدة تقوم عليها ثم تدور ثم تثب والجمع أصل. وأنشد الأصمعي رحمه الله تعالى:
يا رب إن كان يزيد قد أكل ... لحم الصديق عللا بعد نهل
فاقدر له أصلة من الأصل ... كيساء كالقرصة أو خف الجمل
وقال الجاحظ: الأعراب تقول: إنها لا تمر بشيء إلا احترق وكأنها سميت بذلك لاستهلاكها واستئصالها وفي الحديث «١» في صفة الدجال «كأن رأسه أصلة» . وقيل: وجه الأصلة كوجه الإنسان وهو عظيم جدا. ويقال إنها تصير كذلك إذا مر عليها ألف سنة من العمر ومن خواصها أنها تقتل بالنظر إليها وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الحاء المهملة ذكر شيء من ذلك.
الأطلس:
الذئب الذي في لونه غبرة إلى السواد وكل ما كان على لونه فهو أطلس. قال الكميت «٢» يمدح محمد بن سليمان الهاشمي «٣» :
تلقى الأمان على حياض محمد ... ثولاء مخرفة وذئب أطلس
لا ذي تخاف ولا لهذا جرأة ... تهدي الرعية ما استقام الريس
استشهد به الجوهري على أن الرئيس يقال فيه ريس مثل قيّم.
الأطوم:
كالأنوق السلحفاة البحرية قاله الجوهري وقيل هي سمكة غليظة الجلد تشبه جلد البعير يتخذ منه الخفاف للجمالين. وقيل الأطوم القنفذ وقيل البقرة قيل إنما سميت بذلك على التشبيه بالسمكة لغلظ جلدها قاله ابن سيده.
الأطيش:
طائر قاله ابن سيده، والطيش خفة العقل. قال إمامنا الشافعي رحمه الله تعالى:
ما رأيت أفقه من أشهب لولا طيش فيه. وأشهب المذكور هو ابن عبد العزيز بن داود الفقيه المالكي المصري، ولد في السنة التي ولد فيها الشافعي وهي سنة خمسين ومائة وتوفي بعد الشافعي بثمانية عشر يوما قال ابن عبد الحكم: سمعت أشهب يدعو على الشافعي بالموت فذكر ذلك للشافعي فقال «٤» :
تمنى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيه بأوحد
فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى ... تهيأ لأخرى مثلها فكأن قد
قال: فمات الشافعي، فاشترى أشهب من تركته عبدا فاشتريته من تركته بعد ثلاثين يوما.
وفي مصابيح الظلم قال ابن عبد الحكم: لما حملت أم الشافعي به، رأت كأن المشتري خرج من فرجها، حتى انقض بمصر ووقع في كل بلدة منه شظية، فأوله أصحاب الرؤيا أنه يخرج منها عالم
стр. 45
يختص علمه بأهل مصر، ثم يتفرق في سائر البلدان. واتفق العلماء قاطبة على ثقته وورعه وأمانته وزهده، وهو أول من تكلم في أصول الفقه وهو الذي استنبطه، وكان يؤتى بالرطب، فيقول مخاطبا له: ما أطيبك وأحلاك والعلم أطيب منك وأحلى، ولا يناله. واشترى جارية، فلما كان الليل أقبل على الدرس، والجارية تنتظر اجتماعه معها، فلم يلتفت إليها، فصارت إلى النخاس وقالت: حبستموني مع مجنون، فبلغ ذلك الشافعي فقال: المجنون من عرف قدر العلم وضيعه أو توانى فيه حتى فاته. وكان الشافعي جوادا كريما مفضالا، لا يبقي على شيء ولا يدخر شيئا وكان شجاعا، ومناقبة أكثر من أن تحصى. ولد بغزة في سنة خمسين ومائة كما تقدم، وقيل إنها التي توفي فيها أبو حنيفة. وفي تهذيب الأسماء واللغات، قيل توفي سنة إحدى وخمسين وقيل في سنة ثلاث وخمسين. وقال غيره: توفي في اليوم الذي ولد فيه الشافعي لا في السنة. وقيل: ولد الشافعي بعسقلان، وقيل باليمن. قال ابن خلكان: والأصح الأول. وحمل من غزة إلى مكة وهو ابن ست سنين، ووصل إلى مصر سنة تسع وتسعين ومائة وقيل سنة إحدى ومائتين، وأقام بها إلى أن مات سنة أربع ومائتين وقبره بقرافة مصر مشهور وعاش أربعا وخمسين سنة رحمة الله عليه ورضوانه.
الأغثر:
طائر ملتبس الريش طويل العنق وهو من طير الماء قاله ابن سيده.
الأفال والأفائل:
صغار الإبل من بنات المخاض ونحوها، واحدهما أفيل والأنثى أفيلة، وسيأتي ذكره إن تكون أقوى الناس فتوكل على الله وإن أردت أن يوسع الله عليك الرزق طموما كالمطر فلازم الدوام على الطهارة الكاملة وإن أردت أن تكون آمنا من سخط الله فلا تغضب على أحد من خلق الله وإن أردت أن يستجاب دعاؤك فاجتنب الحرام وأكل الربا وأكل السحت وإن أردت أن لا يفضحك الله على رؤوس الخلائق فاحفظ فرجك ولسانك وإن أردت أن يستر الله تعالى عليك عيبك فاستر على عيوب الناس فإن الله تعالى ستار ويحب من عباده الستارين وإن أردت أن تمحي خطاياك فأكثر من الاستغفار والخشوع والخضوع والحسنات في الخلوات وإن أردت الحسنات العظام فعليك بحسن الخلق والتواضع والصبر على البلية وإن أردت السلامة من السيئات العظام فاجتنب سوء الخلق والشح المطاع وإن أردت أن يسكن عنك غضب الجبار فعليك بإخفاء الصدقة وصلة الرحم وإن أردت أن يقضي الله عنك الدين فقل ما قاله النبي ﷺ للأعرابي حين سأله وقال ﵊ له لو كان عليك مثل الجبال دينا أداه الله عنك قل اللهم اكفني بحلالك عن حرامك واغنني بفضلك عمن سواك وفي الحديث لو كان على أحدكم جبل من ذهب دينا فدعا بذلك لقضاه الله عنه وهو اللهم فارج الكرب اللهم كاشف الهم اللهم مجيب دعوة المضطرين رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما أسألك أن ترحمني فارحمني رحمة تغنيني بها عمن سواك وإن أردت أن تنجو إذا وقعت في هلكة فالزم ما في الحديث إذا وقعت في ورطة فقل بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فإن الله تعالى يصرف عنك ما شاء من أنواع البلاء والورطة بفتح الواو وإسكان الراء الهلاك وإن أردت أن تأمن من قوم خفت شرهم فقل ما ورد في الحديث اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم ومنه اللهم اكفناهم بما شئت إنك على كل شيء قدير وإن أردت أن تأمن إن خفت من سلطان فقل ما ورد في
стр. 46
الحديث لا إله إلا الله الحليم الكريم رب السموات السبع ورب العرش العظيم لا إله إلا أنت عز جارك وجل ثناؤك لا إله إلا أنت ويستحب أن يقول ما تقدم اللهم إنا نجعلك في نحورهم إلى آخره وفي الحديث إذا أتيت سلطانا مهابا تخاف أن يسطو عليك فقل الله أكبر الله أكبر الله أعز من خلقه جميعا الله أعز مما أخاف واحذر والحمد لله رب العالمين وإن أردت ثبات القلب على الدين فقد أسند مرفوعا أنه كان من دعائه ﷺ اللهم ثبت قلبي على دينك وفي رواية يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك.
فائدة:
مجربة لمن دخل على سلطان يخاف شره فليقرأ الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم وإن أردت كثرة الخير والرزق فداوم على قراءة ألم نشرح وسورة الكافرون وإن أردت الستر من الناس فداوم على قول اللهم استرني بسترك الجميل الذي سترت به نفسك فلا عين تراك وإن أردت عدم الجوع والعطش فداوم على قراءة لإيلاف قريش إيلافهم وقد جرب ذلك مرارا وصح وإن خفت على تجارتك أو مالك فاكتب سورة الشعراء وعلقها في موضع تجارتك يكثر فيه البيع والشراء ومن كتب سورة القصص وعلقها على من يخاف عليه التلف فإنها أمان له من ذلك وهو سر لطيف مجرب.
فائدة:
عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال سمعت رسول الله ﷺ يقول من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يتول قبض روحه إلا الله تعالى وعن أبي نعيم قال سمعت معروفا الكرخي يقول لما اجتمعت اليهود على قتل عيسى ﵇ اهبط الله تعالى جبريل ﵇ مكتوبا في باطن جناحه اللهم إني أعوذ باسمك الأحد الأعز وأدعوك اللهم باسمك الكبير المتعال الذي ملأ الأركان كلها إن تكشف عني ضر ما أمسيت وأصبحت فيه فقال ذلك عيسى فأوحى الله إلى جبريل ﵇ إن ارفع عبدي إلي.
فائدة:
مما جرب للصداع فصح ما روي عن الإمام الشافعي ﵁ أنه قال وجد في بعض دور بني أمية درج من فضة وعليه قفل من ذهب مكتوب على ظهره شفاء من كل داء وفي داخله مكتوب هذه الكلمات بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله وبالله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم:
ولأن يعادي عاقلا خير له ... من أن يكون له صديق أحمق
فاربأ بنفسك أن تصادق أحمقا ... إنّ الصديق على الصديق مصدق
وزن الكلام إذا نطقت فإنما ... يبدي عقول ذوي العقول المنطق
ومن الرجال إذا استوت أخلاقهم ... من يستشار إذا استشير فيطرق
حتى يحل بكل واد قلبه ... فيرى ويعرف ما يقول فينطق
لا ألفينّك ثاويا في غربة ... إن الغريب بكل سهم يرشق
ما الناس إلّا عاملان فعامل ... قد مات من عطش وآخر يغرق
والناس في طلب المعاش وإنما ... بالجد يرزق منهم من يرزق
стр. 47
لو يرزقون الناس حسب عقولهم ... ألقيت أكثر من ترى يتصدق
لكنه فضل المليك عليهم ... هذا عليه موسع ومضيق
وإذا الجنازة والعروس تلاقيا ... ورأيت دمع نوائح يترقرق
سكت الذي تبع العروس مبهتا ... ورأيت من تبع الجنازة ينطق
وإذا امرؤ لسعته أفعى مرة ... تركته حين يجر حبل يفرق
بقي الذين إذا يقولوا يكذبوا ... ومضى الذين إذا يقولوا يصدقوا
ومن محاسن شعره قوله «١» :
ما يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه
والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يوارى في ثرى رمسه «٢»
إذا ارعوى عاد إلى جهله ... كذا الضنى عاد إلى نكسه
وإنّ من أدبته في الصبا ... كالعود يسقى الماء في غرسه
حتى تراه مورقا ناضرا ... بعد الذي أبصرت من يبسه
قوله: والشيخ لا يترك أخلاقه، البيت والذي يليه، هما كانا سبب قتله وذلك أنّ المهدي اتهمه بالزندقة وأمر بإحضاره، فلما خاطبه أعجبه كلامه، فخلى عنه، فلما ولّى رده، وقال له:
ألست القائل والشيخ لا يترك أخلاقه؟ البيتين المتقدمين، قال: بلى يا أمير المؤمنين. قال: فأنت لا تترك أخلاقك، فأمر به فقتل وصلب على الجسر، وذلك سنة سبع وتسعين ومائة ومن محاسن شعره أيضا قوله «٣» :
إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
وهو كقول ابن دريد:
من لم يقف عند انتهاء قدره ... تقاصرت عنه فسيحات الخطا
وصالح هذا هو صاحب الفلسفة قتله المهدي على الزندقة. كان يعظ ويقص بالبصرة وحديثه يسير، وليس بثقة. قيل: إنه رؤي في المنام، فقال إني وردت على رب لا تخفى عليه خافية، فاستقبلني برحمته وقال: قد علمت لراءتك مما قذفت به.
وقد أحسن بعض الشعراء في وصف القنديل حيث قال مشبها:
وقنديل كأنّ الضوء منه ... محيا من هويت إذا تجلّى
أشار إلى الدجا بلسان أفعى ... فشمر ذيله فرقا وولّى
والأفعوان هو الشجاع الأسود يواثب الإنسان وكنيته أبو حيان وأبو يحيى لأنه يعيش ألف سنة وما أحسن قول بعضهم:
стр. 48
صرمت حبالك بعد وصلك زينب ... والدهر فيه تغير وتقلّب
نشرت ذوائبها التي تزهو بها ... سودا ورأسك كالثّغامة أشيب «١»
واستنفرت لّما رأتك وطالما ... كانت تحن إلى لقاك وترغب
وكذاك وصل الغانيات فإنه ... آل ببلقعة وبرق خلّب «٢»
فدع الصبا فلقد عداك زمانه ... وازهد فعمرك مر منه الأطيب
ذهب الشباب فما له من عودة ... وأتى المشيب فأين منه المهرب
دع عنك ما قد كان في زمن الصبا ... واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب
واذكر مناقشة الحساب فإنه ... لا بد يحصي ما جنيت ويكتب
لم ينسه الملكان حين نسيته ... بل أثبتاه وأنت لاه تلعب
والروح فيك وديعة أودعتها ... ستردها بالرغم منك وتسلب
وغرور دنياك التي تسعى لها ... دار حقيقتها متاع يذهب
والليل فاعلم والنهار كلاهما ... أنفاسنا فيها تعد وتحسب
وجميع ما خلفته وجمعته ... حقا يقينا بعد موتك ينهب
تبا لدار لا يدوم نعيمها ... ومشيدها عما قليل يخرب
فاسمع هديت نصيحة أولاكها ... برّ نصوح للأمور مجرب
صحب الزمان وأهله مستبصرا ... ورأى الأمور بما تؤوب وتعقب
لا تأمن الدهر الخؤون فإنه ... ما زال قدما للرجال يؤدب
وعواقب الأيام في غصاتها ... مضض يذل له الأعز الأنجب
فعليك تقوى الله فالزمها تفز ... إن التقي هو البهي الأهيب
واعمل بطاعته تنل منه الرضا ... إن المطيع له لديه مقرب
واقنع ففي بعض القناعة راحة ... واليأس مما فات فهو المطلب
فإذا طمعت كسيت ثوب مذلة ... فلقد كسي ثوب المذلة أشعب
وتوق من غدر النساء خيانة ... فجميعهن مكايد لك تنصب
لا تأمن الأنثى حياتك إنها ... كالأفعوان يراع منه الأنيب «٣»
لا تأمن الأنثى زمانك كله ... يوما ولو حلفت يمينا تكذب
تغري بلين حديثها وكلامها ... وإذا سطت فهي الصقيل الأشطب «٤»
وابدأ عدوّك بالتحية ولتكن ... منه زمانك خائفا تترقب
واحذره إن لاقيته متبسما ... فالليث يبدو نابه إذ يغضب
стр. 49
إن العدوّ وإن تقادم عهده ... فالحقد باق في الصدور مغيب
وإذا الصديق لقيته متملقا ... فهو العدو وحقه يتجنب
لا خير في ود امرىء متملق ... حلو اللسان وقلبه يتلهب
يلقاك يحلف أنه بك واثق ... وإذا توارى عنك فهو العقرب
يعطيك من طرف اللسان حلاوة ... ويروغ منك كما يروغ الثعلب
وصل الكرام وإن رموك بجفوة ... فالصفح عنهم بالتجاوز أصوب
واختر قرينك واصطفيه تفاخرا ... إن القرين إلى المقارن ينسب
إن الغني من الرجال مكرم ... وتراه يرجى ما لديه ويرهب
ويبش بالترحيب عند قدومه ... ويقام عند سلامه ويقرب
والفقر شين للرجال فإنه ... حقا يهون به الشريف الأنسب «١»
واخفض جناحك للأقارب كلهم ... بتذلل واسمح لهم إن أذنبوا
ودع الكذوب فلا يكن لك صاحبا ... إن الكذوب يشين حرا يصحب
وزن الكلام إذا نطقت ولا تكن ... ثرثارة في كل ناد تخطب
واحفظ لسانك واحترز من لفظه ... فالمرء يسلم باللبان ويعطب «٢»
والسر فاكتمه ولا تنطق به ... إن الزجاجة كسرها لا يشعب
وكذاك سر المرء إن لم يطوه ... نشرته ألسنة تزيد وتكذب
لا تحرصن فالحرص ليس بزائد ... في الرزق بل يشقي الحريص ويتعب
ويظل ملهوفا يروم تحيلا ... والرزق ليس بحيلة يستجلب
كم عاجز في الناس يأتي رزقه ... رغدا ويحرم كيس ويخيب
وارع الأمانة والخيانة فاجتنب ... واعدل ولا تظلم يطب لك مكسب
وإذا أصابك نكبة فاصبر لها ... من ذا رأيت مسلما لا ينكب
وإذا رميت من الزمان بريبة ... أو نالك الأمر الأشق الأصعب
فاضرع لربك إنه أدنى لمن ... يدعوه من حبل الوريد وأقرب
كن ما استطعت عن الأنام بمعزل ... إن الكثير من الورى لا يصحب
واحذر مصاحبة اللئيم فإنه ... يعدي كما يعدي الصحيح الأجرب
واحذر من المظلوم سهما صائبا ... واعلم بأن دعاءه لا يحجب
وإذا رأيت الرزق عز ببلدة ... وخشيت فيها أن يضيق المذهب
فارحل فأرض الله واسعة الفضا ... طولا وعرضا شرقها والمغرب
فلقد نصحتك إن قبلت نصيحتي ... فالنصح أغلى ما يباع ويوهب
تتمة: ذكر الإمام أبو الفرج بن الجوزي، في الأذكياء، وغيره، قال: لما حضرت نزار بن
стр. 50
معد «١» الوفاة، قسم ماله بين بنيه، وهم أربعة: مضر وربيعة وأياد وأنمار، وقال يا بني هذه القبة وهي من أدم حمراء وما أشبهها من المال المضر، وهذا الخباء الأسود وما أشبهه من المال لربيعة، وهذه الخادم وما أشبهها من المال لإياد، وهذه البدرة «٢» والمجلس لأنمار يجلس فيه. ثم قال لهم:
إن أشكل عليكم الأمر في ذلك واختلفتم في القسمة، فعليكم بالأفعى بن الأفعى الجرهمي. وإنه لما مات نزار توجهوا إلى الأفعى، وكان ملك نجران فبينما هم يسيرون إذ رأى مضر كلا قد رعي، فقال: إن البعير الذي رعى هذا أعور، فقال ربيعة: وهو أزور، وقال أياد: وهو أبتر، وقال أنمار:
وهو شرود فلم يسيروا إلا قليلا حتى لقيهم رجل، فسألهم عن البعير، فقال مضر: أهو أعور؟
قال: نعم، قال ربيعة: أهو أزور؟ قال نعم. قال إياد: أهو أبتر: قال: نعم. قال أنمار: أهو شرود؟ قال: نعم، هذه صفة بعيري دلوني عليه فحلفوا له أنهم ما رأوه، فلزمهم وقال: كيف أصدقكم وأنتم تصفون بعيري بصفته؟! ثم سار معهم، حتى قدموا نجران ونزلوا بالأفعى الجرهمي. فنادى الشيخ صاحب البعير: هؤلاء أصابوا بعيري فإنهم وصفوا لي صفته، ثم قالوا: لم نره أيها الملك، فقال الأفعى: كيف وصفتموه ولم تروه؟ فقال مضر: رأيته رعى جانبا وترك جانبا، فعلمت أنه أعور. وقال ربيعة: رأيت إحدى يديه ثابتة الأثر، فعرفت أنه أفسدها بشدة وطئه لازوراره. وقال إياد: رأيت بعره مجتمعا، فعلمت أنه أبتر، ولو كان ذيالا لمصع به. وقال أنمار:
رأيته رعى الملتف نبته، ثم جاوزه إلى مكان آخر أرق منه، فعلمت أنه شرود. فقال الأفعى للشيخ: ليسوا بأصحاب بعيرك، فاطلبه. ثم سألهم من هم؟ فأخبروه، فرحب بهم. ثم قال أتحتاجون إلي وأنتم كما أرى؟ فدعا لهم بطعام وشراب فأكلوا وشربوا، فقال مضر: لم أر كاليوم خمرا أجود لولا أنها على مقبرة. وقال ربيعة: لم أر كاليوم لحما أجود لولا أنه ربي بلبن كلبة! وقال إياد: لم أر كاليوم رجلا أثرى منه لولا أنه ليس بابن أبيه الذي يدعى إليه! وقال أنمار لم أر كاليوم خبزا أجود لولا أن التي عجنته حائض! وكان الأفعى قد وكل بهم من يستمع كلامهم، فأعلمه بما سمع منهم فطلب صاحب شرابه، وقال له: الخمرة التي جئت بها ما قصتها؟ قال هي من كرمة غرستها على قبر أبيك، لم يكن عندنا شراب أطيب من شرابها. وقال للراعي اللحم ما أمره؟ قال: من لحم شاة أرضعناها بلبن كلبة، ولم يكن في الغنم أسمن منها فدخل داره، وسأل الأمة التي عجنت العجين؟ فأخبرته أنها حائض. ثم أتى أمه وسأل منها عن أبيه؟ فأخبرته أنها كانت تحت ملك لا يولد له، فكرهت أن يذهب الملك، فأمكنت رجلا نزل بهم من نفسها فوطئها، فأتت به. فعجب من أمرهم، ودس عليهم من سألهم عما قالوا؟ فقال مضر: إنما علمت أنها من كرمة غرست على قبر، لأن الخمر إذا شربت أزالت الهم، وهذه بخلاف ذلك، لأنا لما شربناها دخل علينا الغم. وقال ربيعة: إنما علمت أن اللحم لحم شاة رضعت من لبن كلبة، لأن لحم الضأن وسائر اللحوم، شحمها فوق اللحم إلا الكلاب، فإنها عكس ذلك، فرأيته موافقا له فعلمت أنه لحم شاة رضعت من كلبة،
стр. 51
فاكتسب اللحم منها هذه الخاصية. وقال إياد: إنما علمت أن الملك ليس بابن أبيه الذي يدعى إليه لأنه صنع لنا طعاما ولم يأكل معنا، فعرفت ذلك من طباعه، لأن أباه لم يكن كذلك وقال أنمار: إنما علمت أن الخبز عجنته حائض، لأن الخبز إذا فت انتفش في الطعام، وهو بخلاف ذلك فعلمت أنه عجين حائض.
فأخبر الرجل الأفعى بذلك، فقال: ما هؤلاء إلا شياطين، ثم أتاهم فقال لهم: قصوا قصتكم، فقصوا عليه ما أوصاهم به أبوهم، وما كان من اختلافهم. فقال: ما أشبه القبة الحمراء من مال فهو ملضر، فصارت له الدنانير والإبل وهي حمر فسميت مضر الحمراء. ثم قال وما أشبه الخباء الأسود من دابة ومال، فهو لربيعة فصارت له الخيل وهي دهم فسميت ربيعة الفرس. ثم قال: وما أشبه الخادم، وكانت شمطاء، من مال، فهو لإياد، فصارت له الماشية البلق «١» من الخيل وغيرها وقضى لأنمار بالدراهم والأرض. فساروا من عنده على ذلك.
وسيأتي، إن شاء الله تعالى، في باب الكاف في الكلام على الكلب، ما نقله السهيلي من أن ربيعة ومضر كانا مؤمنين.
وفي وفيات الأعيان في ترجمة ابن التلميذ «٢» شيخ النصارى والأطباء، أنه كان بينه وبين أوحد الزمان «٣» هبة الله الحكيم المشهور تنافس، وكان يهوديا فأسلم في آخر عمره، وأصابه الجذام، فعالج نفسه بتسليط الأفاعي على جسده بعد أن جوّعها، فبالغت في نهشه، فبرىء من الجذام وعمي فعمل «٤» فيه ابن التلميذ شعرا:
لنا صديق يهودي حماقته ... إذا تكلم تبدو فيه من فيه
يتيه والكلب أعلى منه منزلة ... كأنه بعد لم يخرج من التيه
وكان ابن التلميذ متواضعا وأوحد الزمان متكبرا، فعمل فيهما البديع «٥» الاسطرلابي شعرا:
أبو الحسن الطبيب ومقتفيه ... أبو البركات في طرفي نقيض
فهذا بالتواضع في الثريا ... وهذا بالتكبر في الحضيض
وقد ألغز أبو الحسن بن التلميذ في الميزان وأجاد «٦» :
стр. 52
ما واحد مختلف الأسماء ... يعدل في الأرض وفي السماء
يحكم بالقسط بلا رياء ... أعمى يرى الإرشاد كل راء
أخرس لا من علة وداء ... يغني عن التصريح بالإيماء
يجيب إن ناداه ذو امتراء ... بالرفع والخفض عن النداء
يفصح إن علق في الهواء
وقوله مختلف الأسماء يعني ميزان الشمس للأسطرلاب، وسائر آلات الرصد، وهو معنى قوله يعدل في الأرض وفي السماء.
وميزان الكلام النحو، وميزان الشعر العروض، وميزان المعاني المنطق، وهذه الميزان وغير ذلك. والأسطرلاب بفتح الهمزة وإسكان السين وضم الطاء ومعناه ميزان الشمس. لأن أسطر اسم للميزان، ولاب اسم للشمس بلسان اليونان، وأول من وضعه بطليموس بفتح الباء واللام وإسكان الطاء والياء وضم الميم وله في وضعه قصة عجيبة، تركناها لطولها.
وكان ابن التلميذ قد جمع أنواعا من العلوم، حتى كان يتعجب من أمره كيف حرم الإسلام، مع كمال فهمه وغزارة عقله وعلمه، وهذا سر قوله تعالى: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ
«١» نسأل الله الوفاة على التوحيد آمين. توفي ابن التلميذ في صفر سنة ستين وخمسمائة.
الخواص:
دمها يكتحل به يجلو البصر، وقلبها يجفف ويشد على الإنسان، فلا يؤثر فيه السحر وإذا علق ضرس الأفعى الأيسر، على من يشتكي ضرسه، نفعه وإن علق على فخذ امرأة لم تحبل ما دام عليها. وقال القزويني، وابن زهر، وابن بختيشوع: إن قلب الأفعى، إذا علق على من به حمى الربع أبرأه. وشحمها ينفع من لسع سائر الهوام دلكا. وإن نتف الشعر من مكان، وطلي ذلك المكان بشحمها، منعه من النبات وإذا أمسك إنسان نوشادرا في فمه، حتى يذوب ثم بصق في فم الحية والأفعى ماتا من وقتهما. وسلخ الأفعى إذا طبخ بالخل، وتمضمض به نفع من وجع الأسنان والأضراس. وإذا سحق بالتراب، واكتحل به نفع من ظلمة البصر. وشحمها ينفع البواسير وبياض العين طلاء وكحلا. ومرارتها سم ساعة. وقال أبقراط: من أكل لحم الأفعى، أمن من الأمراض الصعبة.
حكي: عن عمرو بن يحيى العلوي أنه قال: كنا في طريق مكة فأصاب رجلا منا استسقاء، فاتفق أن العرب سرقوا قطارا منا فيه ذلك الرجل العليل، فلما رجعنا إلى الكوفة، وجدناه معافى، فسألناه عن حاله فقال: إن الأعراب لما انتهوا بي إلى مساكنهم، وهي على فراسخ، طرحوني في أواخر بيوتهم، فكنت أتمنى الموت، إلى أن رأيتهم يوما قد أخرجوا أفاعي اصطادوها، فقطعوا رؤوسها وأذنابها وشووها فقلت في نفسي: هؤلاء اعتادوا أكلها فلا تضرهم فلعلي إن أنا أكلت منها مت واسترحت، فاستطعمتهم فرمى إلي رجل منهم واحدة، فأكلتها فنمت نوما ثقيلا ثم استيقظت وقد عرقت عرقا شديدا واندفعت طبيعتي أكثر من مائة مرة، فلما أصبحت، وجدت
стр. 53
بطني قد ضمر فطلبت منهم مأكولا فأكلت، وأقمت عندهم إلى أن وثقت من نفسي بالشفاء ثم أخذت الطريق مع بعضهم وأتيت الكوفة.
الأقهبان:
الفيل والجاموس قال رؤبة «١» يصف نفسه بالشدة:
ليث يدق الأسد الهموسا ... والأقهبين الفيل والجاموسا «٢»
الأملول:
دويبة فتكون في الرمل تشبه القطاة قاله ابن سيده.
الإنس:
البشر الواحد انسي وأنسي أيضا بالتحريك، والجمع أناسي، وإن شئت جعلته إنسانا، ثم جمعته على أناسي فتكون الياء عوضا عن النون. قال «٣» تعالى: وَأَناسِيَّ كَثِيراً
وكذلك الأناسية مثل الصيارفة والصياقلة، ويقال للمرأة أيضا إنسان ولا يقال إنسانة والعامة تقوله قال الجوهري وأنشدوا على ذلك:
إنسانة فتانة ... بدر الدجى منها خجل
إذا زنت عيني بها ... فبالدموع تغتسل
الإنسان:
نوع العالم، والجمع: الناس. قال الجوهري وتقدير إنسان على فعلان، وإنما زيد في تصغيره ياء. وقيل أنيسيان كما زيد في تصغير رجل، فقيل: رويجل. وقال قوم: أصله إنسيان على وزن افعلان، فحذفت الياء تخفيفا لكثرة ما يجري على الألسنة، وإذا صغروها ردوها لأن التصغير لا يكبر واستدلوا عليه بقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إنه إنما سمي إنسانا لأنه عهد إليه فنسي والأناس لغة في الناس، وهو الأصل فخفف، قال «٤» تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
، وهو اعتداله، وتسوية أعضائه، لأنه خلق كل شيء منكبا على وجهه، وخلقه سويا وله لسان ذلق، ينطق به ويد وأصابع يقبض بها، مزينا بالعقل مؤدبا بالأمر، مهذبا بالتمييز، يتناول مأكوله ومشروبه بيده.
وروى الطبراني في معجمه الأوسط، بإسناد صحيح، عن أبي مزينة الدارمي، وكانت له صحبة، قال: كان الرجلان من أصحاب النبي ﷺ ، إذا التقيا لم يفترقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ
«٥» .
فائدة:
قال ابن عطية: من الدليل على أن القرآن غير مخلوق، أن الله تعالى ذكر القرآن في كتابه العزيز في أربعة وخمسين موضعا، ما فيها موضع صرح فيه بلفظ الخلق، ولا أشار إليه، وذكر الإنسان على الثلث من ذلك في ثمانية عشر موضعا، كلها نصّت على خلقه، وقد افترق ذكرهما على هذا النحو، في قوله «٦» تعالى: الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ
. قال القاضي
стр. 54
أبو بكر بن العربي المالكي الإمام العلامة: ليس لله تعالى خلق أحسن من الإنسان، فإن الله تعالى خلقه حيا عالما قادرا متكلما سميعا بصيرا مدبرا حكيما، وهذه صفات الرب جل وعلا وعنها وقع البيان بقوله ﷺ : «إن الله تعالى خلق آدم على صورته يعني «١» على صفاته، التي قدمنا ذكرها.
قلت: وهنا مجال رحب لأصحاب الكلام في أصول الدين أضربنا عنه، إذ ليس هو من غرضنا في هذا الكتاب.
وروى أبو بكر المتقدم ذكره، بإسناده أن موسى بن عيسى «٢» الهاشمي، كان يحب زوجته حبا شديدا فقال لها يوما: أنت طالق ثلاثا، إن لم تكوني أحسن من القمر، فاحتجبت عنه، وقالت: طلقت. فبات بليلة عظيمة، فلما أصبح أتى المنصور وأخبره بذلك، فاستحضر الفقهاء، وسألهم عن ذلك؟ فأجاب كل منهم بالطلاق، إلا واحدا منهم، فقال: لا تطلق لقوله تعالى «٣» :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
. فقال المنصور: الأمر كما ذكرت، ثم أرسل إلى زوجته بذلك. وهذا الجواب ينقل عن الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه، وعندي في قوله: موسى بن عيسى نظر، والذي أظنه أنه عيسى بن موسى فإنه كان ولي عهد المنصور، ثم خلعه من ولاية العهد لولده المهدي، وقد تقدم أن الشافعي رضي الله تعالى عنه، ولد في سنة خمسين ومائة، والمنصور كانت وفاته على ما ذكره ابن خلكان وغيره في سنة ثمان وخمسين ومائة، فكيف يتصور أن يكون الشافعي المفتي في هذه الواقعة؟ فليتأمل ذلك.
قلت: وقد أذكرتني هذه الحكاية، ما ذكره الزمخشري، عند قوله «٤» تعالى: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ
أن عمران بن حطان «٥» الخارجي كان شديد السواد، وكانت امرأته من أجمل النساء، فأطالت نظرها في وجهه يوما وقالت: الحمد لله فقال: ما لك؟ فقالت: حمدت الله تعالى على أني وإياك في الجنة. قال: كيف؟ قالت: لأنك رزقت مثلي فشكرت، ورزقت مثلك فصبرت وقد وعد الله عباده الصابرين والشاكرين الجنة. وذكر «٦» ابن الجوزي في الأذكياء وغيره أن عمران بن حطان هذا كان أحد الخوارج، وهو القائل يمدح عبد الرحمن بن ملجم لعنهما الله على قتل علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه:
يا ضربة من تقى ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره يوما فأحسبه ... أوفى البرية عند الله ميزانا
стр. 55
أكرم بقوم بطون الأرض أقبرهم ... لم يخلطوا دينهم بغيا وعدوانا
فبلغت القاضي أبا الطيب الطبري «١» هذه الأبيات فقال مجيبا له:
إني لأبرأ مما أنت قائله ... في ابن ملجم الملعون بهتانا
إني لأذكره يوما فألعنه ... دينا وألعن عمران بن حطانا
عليك ثم عليه الدهر متصلا ... لعائن الله إسرارا وإعلانا
فأنتم من كلاب النار جاء لنا ... نص الشريعة برها وتبيانا «٢»
أشار أبو الطيب إلى قوله ﷺ «الخوارج كلاب «٣» النار» .
عجيبة:
رأيت في ذيل تاريخ بغداد لابن النجار، في ترجمة علي بن نصر الفقيه ابن أحمد المالكي، والد القاضي عبد الوهاب، وكان ثقة عدلا قال: زوجت أيام عضد الدولة ابن بويه، بعض غلمانه الأتراك صبية في جوارنا، وكان لها ولوالدتها أنس بدارنا، وكانت من الموصوفات بالستر والعفاف، ومضى على ذلك سنتان فحضر إلي الغلام التركي، وقال: يا سيدي هذه المرأة التي زوجتني بها قد ولدت مني إبنا، ولا أشكو شيئا من أمرها، ولا أنكره، غير أنها ما أرتني ولدي منذ ولدته وكلما طالبتها به دافعتني عنه، وأريد أن تستدعيها وتسألها عن ذلك، قال: فاستدعيت والدتها فحضرت وخاطبتها من وراء الستر، على ما قاله زوج ابنتها فأسرّت إلي وقالت: يا سيدي صدق فيما حكاه، وإنما دافعناه عن هذا لأنا قد بلينا ببلية قبيحة، وذلك أن زوجته ولدت منه ولدا أبلق من رأسه إلى سرته أبيض، وبقية بدنه أسود! قال فسمع التركي قولها أبلق فصاح ابني ابني! وهكذا كان جدي ببلاد الترك وقد رضيت ففرحت المرأة بقوله وانصرفت وأظهرت له الولد.
وافتتح ابن بختيشوع ومعناه عبد المسيح كتابه في الحيوان، بالإنسان وقال: إنه أعدل الحيوان مزاجا، وأكمله أفعالا وألطفه حسا، وأنفذه رأيا، فهو كالملك الملط القاهر لسائر الخليقة، والآمر لها، وذلك بما وهبه الله تعالى له من العقل، الذي به يتميز على كل الحيوان البهيمي، فهو بالحقيقة ملك العالم ولذلك سماه قوم من الأقدمين العالم الأصغر.
فائدة:
نقل الشيخ شهاب الدين أحمد البوني ﵀ في كتابه المسمى بسر الأسرار عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، أنه قال: من كانت له حاجة فليصم الأربعاء والخميس والجمعة، فإذا كان يوم الجمعة تطهر وراح إلى الجمعة وقال: اللهم إني أسألك باسمك بسم الله الرحمن الرحيم، الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة، هو الرحمن الرحيم، وأسألك باسمك بسم الله الرحمن الرحيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم الذي ملأت عظمته السموات والأرض، وأسألك باسمك بسم الله الرحمن الرحيم الذي لا إله إلا هو عنت له
стр. 56
الوجوه، وخشعت له الأبصار، ووجلت القلوب من خشيته، أن تصلي على محمد وعلى آل محمد وأن تعطيني مسألتي وتقضي حاجتي وتسميها برحمتك، يا أرحم الراحمين. وهو سر لطيف مجرب.
وقال: من كتب: محمد رسول الله، أحمد رسول الله خمسا وثلاثين مرة يوم الجمعة، بعد صلاة الجمعة، على طهارة كاملة وحملها معه، رزقه الله تعالى القوة على الطاعة، ومعونة على البركة، وكفاه همزات الشياطين. وإن هو استدام النظر إلى تلك البطاقة كل يوم عند طلوع الشمس، وهو يصلي على محمد ﷺ ، كثرت رؤيته للنبي ﷺ . وهو سر لطيف مجرب.
وروى الإمام أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه، أنه رأى رب العزة في المنام تسعا وتسعين مرة، فقال: إن رأيته تمام المائة لأسألنه، فرآه تمام المائة فسأله وقال: يا رب بماذا ينجو العباد يوم القيامة؟ فقال له: من قال كل يوم، بكرة وعشيا، ثلاث مرات سبحان الأبدي الأبد، سبحان الواحد الأحد، سبحان الفرد الصمد، سبحان من رفع السماء بغير عمد، سبحان من بسط الأرض على ماء جمد، سبحانه لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، سبحانه لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.
وقال الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه، من قال كل يوم، بين صلاة الفجر والصبح، أربعين مرة يا حي يا قيوم، يا بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا ألله لا إله إلا أنت، أسألك أن تحيي قلبي بنور معرفتك، يا أرحم الراحمين. أحيا الله قلبه يوم تموت القلوب.
فائدة أخرى
: في كتاب البستان عن ابن عمر ﵄، أنه قال: قال رسول الله ﷺ :
«من أحب أن يحفظ الله عليه الإيمان، حتى يلقاه يوم القيامة، فليصل كلّ ليلة بعد سنّة المغرب، قيل أن يتكلم، ركعتين يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة، وقل أعوذ برب الفلق مرة وقل أعوذ برب الناس مرة، ويسلم منهما، فإن الله تعالى يحفظ عليه الإيمان، حتى يوافي ربه يوم القيامة» .
قال الراوي وهذه فائدة عظيمة غنيمة.
وذكر النسفي هذا الحديث بسند طويل وزاد فيه: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ «١»
قبل الإخلاص، ويسبح خمس عشرة مرة بعد السلام، ويقول عقب التسبيح: اللهم أنت العالم ما أردت بهاتين الركعتين، اللهم اجعلهما لي ذخرا يوم لقائك، اللهم احفظ بهما ديني، في حياتي وعند مماتي، وبعد وفاتي، آمنه الله سلب الإيمان. وهذه فائدة عظيمة من أعظم المهمات. وسئل بعض الحكماء وذوي الفصاحة من العلماء، أي الخصال من الإنسان خير؟ قال: الدين قال: فإذا كانت اثنتين؟ قال: الدين والمال. قال فإذا كانت ثلاثا؟ قال: الدين والمال والحياء. قال: فإذا كانت أربعا؟ قال: الدين والمال والحياء وحسن الخلق. قال: فإذا كانت خمسا؟ قال: الدين والمال والحياء وحسن الخلق والسخاء. فمن اجتمع فيه هذه الخصال الخمس فهو تقي نقي لله ولي، ومن
стр. 57
الشيطان بري وقال: المؤمن شريف ظريف، لطيف لا لعان ولا نمام، ولا مغتاب ولا قتات، ولا حسود ولا حقود، ولا بخيل ولا مختال، يطلب من الخيرات أعلاها، ومن الأخلاق أسناها، إن سلك مع أهل الآخرة، كان أورعهم، غضيض الطرف سخي الكف، لا يرد سائلا ولا يبخل بنائل، متواصل الأحزان، مترادف الإحسان، يزن كلامه ويحرس لسانه، ويحسن عمله، ويكثر في الحق أمله، متأسف على ما فاته من تضييع أوقاته، كأنه ناظر إلى ربّه مراقب لما خلق له لا يرد الحق على عدوّه، ويبطل الباطل من صديقه، كثير المعونة قليل المؤونة، يعطف على أخيه عند عسرته لما مضى من قديم صحبته فهذه صفات المؤمنين، الخالصين الموحدين لرب العالمين.
وكان رجل من عباد الله الصالحين الموحدين يصحب إبراهيم «١» بن أدهم رضي الله تعالى عنه، فقال له: علمني اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى فقال: قل هذه الكلمات صباحا ومساء فإنه ما دعا بهن خائف، إلا أمن ولا سائل إلا أعطاه الله مسألته وهي هذه الكلمات: يا من له وجه لا يبلى ونور لا يطفى، واسم لا ينسى، وباب لا يغلق، وستر لا يهتك، وملك لا يفنى، أسألك وأتوسل إليك بجاه محمد ﷺ أن تقضي حاجتي وتعطيني مسألتي.
وقال بعض العلماء: اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى هو لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الأحد، اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، الحنّان المنّان، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم.
وسئل الإمام النووي رحمه الله تعالى، عن اسم الله الأعظم ما هو، وفي أي سورة هو؟
فأجاب رضي الله تعالى عنه: فيه أحاديث كثيرة ففي سنن ابن ماجه، وغيره عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: «في ثلاث سور في البقرة وآل عمران وطه» . قال بعض الأئمة المتقدمين: هو الحي القيوم، لأنه في البقرة، في آية الكرسي، وفي أول آل عمران، وفي طه في قوله «٢» تعالى: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ
. وهذا استنباط حسن والله أعلم.
وقد ثبت في صحيح مسلم ﵁ عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ «٣» قال: «لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل» قيل: يا رسول الله ما الاستعجال؟ قال: «يقول قد دعوت فلم يستجب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء» .
فائدة: فيمن يستجاب دعاؤهم قطعا: المضطر، والمظلوم مطلقا، ولو كان فاجرا أو كافرا، أو الوالد على ولده، والإمام العادل، والرجل الصالح، والولد البار بوالديه، والمسافر حتى يرجع، والصائم حتى يفطر، والمسلم للمسلم ما لم يدع بظلم، أو قطيعة رحم، أو يقل دعوت فلم أجب.
ومن الفوائد المجربة:
العظيمة البركة، الكثيرة الخير، لقضاء الحوائج، وتفريج الهم والغم، وهي من الأسرار المخزونة المكنونة، كما قاله شيخنا اليافعي: أن تقرأ بعد صلاة العشاء،
стр. 58
على طهارة كاملة، في جلسة واحدة، اسمه تعالى «لطيف» ست عشرة ألف مرة وستمائة مرة وإحدى وأربعين مرة، والحذر ثم الحذر من الزيادة والنقص فإنه يبطل السر. والحيلة في معرفة ضبط ذلك أن تأخذ سبحة عدتها ١٢٩ فتقرأ الاسم عليها ١٢٩، فيحصل المقصود، وهذه أقرب الطرق المستقيمة لمعرفتها فإن عدة حروفه أربعة وهي ل ط ي ف جملتها ١٢٩ فاضربها في مثلها، فتكون جملتها ستة عشر ألفا وستمائة وإحدى وأربعين وتسمي حاجتك فإنها تقضى إن شاء الله تعالى لا محالة وفي كل مائة وتسع وعشرين مرة تقول: لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، وهذه للدعاء على الظالم ومنها لجلب الخير والرزق والبركة، تقول عقب كل صلاة مائة ثم تقول: الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز. ومنها لدفع كيد الظلمة لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير. والدعاء بعد تمام قراءة الاسم المبارك:
اللهم وسع علي رزقي، اللهم عطف علي خلقك كما صنت وجهي عن السجود لغيرك، فصنه عن ذل السؤال لغيرك، برحمتك يا أرحم الراحمين.
قال سيدنا الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمه الله تعالى: كن متمسكا بهذه الصفات الحميدة تفز بسعادة الدارين، لا تتخذ من الكافرين وليا ولا من المؤمنين عدوا، وارتحل بزادك من التقوى في الدنيا، وعد نفسك من الموتى، واشهد لله بالوحدانية ولرسوله بالرسالة، وحسبك عمل صالح وإن قل، وقل آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله، وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فمن كان متمسكا بهذه الصفات الحميدة، ضمن الله له أربعة في الدنيا:
الصدق في القول والإخلاص في العمل والرزق كالمطر والوقاية من الشر وأربعة في الآخرة المغفرة العظمى، والقربة الزلفى، ودخول جنة المأوى، واللحوق بالدرجة العليا.
وإن أردت الصدق في القول، فداوم على قراءة إنا أنزلناه في ليلة القدر، وإن أردت الرزق كالمطر، فداوم على قراءة قل أعوذ برب الفلق، وإن أردت السلامة من شر الناس فداوم على قراءة قل أعوذ برب الناس، وإن أردت جلب الخير والرزق والبركة، فداوم على قراءة بسم الله الرحمن الرحيم الملك الحق المبين هو نعم المولى ونعم النصير، وقراءة سورة الواقعة وسورة يس فإنه يأتيك الرزق كالمطر وإن أردت أن يجعل الله لك من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ويرزقك من حيث لا تحتسب، فالزم الاستغفار وإن أردت أن تأمن مما يروعك ويفزعك، فقل: أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه، وعقابه، ومن شر عباده، ومن همزات الشياطين وإن يحضرون.
وإن أردت أن تعرف أي وقت تفتح فيه أبواب السماء، ويستجاب الدعاء فاشهد وقت نداء المنادي فأجبه ففي الحديث «١» «من نزل به كرب أو شدة فليجب المنادي» ، والمنادي هو المؤذن. وإن أردت أن تسلم من أمر يكربك، فقل: توكلت على الحي الذي لا يموت أبدا، والحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، وكبره تكبيرا. ففي الحديث «٢»
стр. 59
«مما كربني أمر إلا تمثل لي جبريل، فقال يا محمد قل توكلت على الحي الذي لا يموت أبدا وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، وكبّره تكبيرا» .
وإن أردت أن تنجو من هم أو غم أو خوف يصيبك، فقل: اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضائك، أسألك بكل اسم سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا، من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي فيذهب عنك همك وغمك وحزنك. وإن أردت أن يداويك الله من تسعة وتسعين داء، أيسرها اللمم، فقل ما ورد في الحديث «١» : «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» فإنها دواء مما ذكر. وإن أردت أن تؤجر بما يصيبك من مصيبة، فقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم عندك احتسبت مصيبتي فأجرني فيها وأبدلني خيرا منها. ومنه: حسبنا الله ونعم الوكيل، توكلنا على الله، وعلى الله توكلنا. وإن أردت أن يذهب همّك، ويقضى دينك، فقل، إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدّين، وقهر الرجال. وإن أردت أن توفق للخشوع، فاترك فضول النظر. وإن أردت أن توفق للحكمة، فاترك فضول الكلام. وإن أردت أن توفق لحلاوة العبادة، فاترك فضول الطعام، وعليك بالصوم، وقيام الليل والتهجد فيه. وإن أردت أن توفق للهيبة فاترك المزح والضحك، فإنهما يسقطان الهيبة.
وإن أردت أن توفق للمحبة، فاترك فضول الرغبة في الدنيا. وإن أردت أن توفق لإصلاح عيب نفسك، فاترك التجسس عن عيوب الناس، فإن التجسس من شعب النفاق، كما أن حسن الظن من شعب الإيمان. وإن أردت أن توفق للخشية فاترك التوهم في كيفية ذات الله تعالى تسلم من الشك والنفاق. وأن أردت أن توفق للسلامة من كل سوء، فاترك الظن السيء بكل الناس. وإن أردت العزلة، فاترك الاعتقاد في الناس وتوكل على الله وإن أردت أن لا يموت قلبك، فقل كل يوم أربعين مرة: يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت. وإن أردت أن ترى النبي ﷺ يوم القيامة، يوم الحسرة والندامة، فأكثر من قراءة: إذا الشمس كورت، وإذا السماء انفطرت، وإذا السماء انشقت. وإن أردت أن ينور وجهك، فداوم على قيام الليل. وإن أردت السلامة من عطش يوم القيامة، فلازم الصوم. وإن أردت أن تسلم من عذاب القبر، فاحترز من النجاسات، واترك أكل المحرمات، وارفض الشهوات. وإن أردت أن تكون غنيا فلازم القناعة وإن أردت أن تكون خير الناس، فكن نافعا للناس. وإن أردت أن تكون أعبد الناس، فكن متمسكا بقوله «٢» ﷺ : «من يأخذ عني هذه الكلمات فيعمل بهن، أو يعلّم من يعمل بهن؟ قال أبو هريرة: قلت أنا يا رسول الله فأخذ بيدي، وعد خمسا، قال: اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك، تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا، وأحب لناس ما تحب لنفسك تكن مسلما، ولا تكثر الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب» .
стр. 60
وإن أردت أن تكون من المحسنين الخالصين، فاعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. وإن أردت أن يكمل إيمانك، فحسن خلقك. وإن أردت أن يحبك الله فاقض حوائج إخوانك المسلمين. ففي الحديث «إذا أحب الله عبدا صير حوائج الناس إليه» . وإن أردت أن تكون من المطيعين، فأد ما فرض الله عليك، وإن أردت أن تلقى الله تعالى نقيا من الذنوب، فاغتسل من الجنابة، ولازم غسل الجمعة، تلق الله تعالى يوم القيامة، وما عليك من ذنب. وإن أردت أن تحشر يوم القيامة في النور الهادي، وتسلم من الظلمات، لا تظلم أحدا من خلق الله تعالى. وإن أردت أن تقل ذنوبك، فالزم دوام الاستغفار. وإن أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله. وإن أردت أن يوسع الله عليك الرزق طموما كالمطر، فلازم الدوام على الطهارة الكاملة. وإن أردت أن تكون آمنا من سخط الله، فلا تغضب على أحد من خلق الله. وإن أردت أن يستجاب دعاؤك، فاجتنب الحرام، وأكل الربا، وأكل السحت. وإن أردت أن لا يفضحك الله على رؤوس الخلائق، فاحفظ فرجك ولسانك. وإن أردت أن يستر الله تعالى عليك عيبك، فاستر على عيوب الناس فإن الله تعالى ستار ويحب من عباده الستارين. وإن أردت أن تمحي خطاياك، فأكثر من الاستغفار، والخشوع، والخضوع، والحسنات في الخلوات. وإن أردت الحسنات العظام، فعليك بحسن الخلق، والتواضع، والصبر على البلية. وإن أردت السلامة من السيئات العظام، فاجتنب سوء الخلق والشح المطاع. وإن أردت أن يسكن عنك غضب الجبار، فعليك بإخفاء الصدقة، وصلة الرحم. وإن أردت أن يقضي الله عنك الدين، فقل ما قاله النبي ﷺ للأعرابي حين سأله، وقال «١» ﵊ له: «لو كان عليك مثل الجبال دينا، أداه الله عنك، قل اللهم اكفني بحلالك عن حرامك واغنني بفضلك عمن سواك» . وفي الحديث: «لو كان على أحدكم جبل من ذهب دينا فدعا بذلك لقضاه الله عنه وهو اللهم فارج الكرب اللهم كاشف الهم اللهم مجيب دعوة المضطرين رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، أسألك أن ترحمني رحمة تغنيني بها عمن سواك» . وإن أردت أن تنجو إذا وقعت في هلكة فالزم ما في الحديث «٢» ، إذا وقعت في ورطة فقل «بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» . فإن الله تعالى يصرف عنك ما شاء من أنواع البلاء والورطة. بفتح الواو وإسكان الراء الهلاك. وإن أردت أن تأمن من قوم خفت شرهم فقل ما ورد في الحديث «٣» : «اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم» . ومنه اللهم اكفناهم بما شئت إنك على كل شيء قدير.
وإن أردت أن تأمن، إن خفت من سلطان، فقل ما ورد في الحديث «٤» : «لا إله إلا الله الحليم الكريم رب السموات السبع ورب العرش العظيم لا إله إلا أنت عزّ جارك وجل ثناؤك لا إله إلا أنت» ويستحب أن يقول ما تقدم اللهم إنا نجعلك في نحورهم إلى آخره. وفي الحديث: «إذا
стр. 61
أتيت سلطانا مهابا تخاف أن يسطو عليك، فقل الله أكبر الله أكبر الله أعز من خلقه جميعا الله أعز مما أخاف واحذر، والحمد لله رب العالمين» . وإن أردت ثبات القلب على الدين، فقد أسند مرفوعا أنه كان من دعائه «١» ﷺ : «اللهم ثبت قلبي على دينك» وفي رواية «٢» : «يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك» .
فائدة:
مجربة لمن دخل على سلطان يخاف شره، فليقرأ: الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ «٣»
الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ
«٤» . وإن أردت كثرة الخير والرزق، فداوم على قراءة ألم نشرح وسورة الكافرون.
وإن أردت الستر من الناس فداوم على قول اللهم استرني بسترك الجميل، الذي سترت به نفسك، فلا عين تراك. وإن أردت عدم الجوع والعطش، فداوم على قراءة لإيلاف قريش إيلافهم، وقد جرب ذلك مرارا وصح. وإن خفت على تجارتك أو مالك فاكتب سورة الشعراء وعلقها في موضع تجارتك يكثر فيه البيع والشراء. ومن كتب سورة القصص، وعلقها على من يخاف عليه التلف، فإنها أمان له من ذلك وهو سر لطيف مجرب.
فائدة:
عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يتول قبض روحه إلا الله تعالى» . وعن أبي نعيم قال:
سمعت معروفا الكرخي يقول لما «اجتمعت اليهود على قتل عيسى ﵇، اهبط الله تعالى جبريل ﵇ مكتوبا في باطن جناحه اللهم إني أعوذ باسمك الأحد الأعز وأدعوك اللهم باسمك الكبير المتعال، الذي ملأ الأركان كلها أن تكشف عني ضر ما أمسيت وأصبحت فيه.
فقال ذلك عيسى فأوحى الله إلى جبريل ﵇ أن ارفع عبدي إلي» .
فائدة:
مما جرب للصداع فصح ما روي عن الإمام الشافعي ﵁ أنه قال: وجد في بعض دور بني أمية درج من فضة وعليه قفل من ذهب، مكتوب على ظهره: شفاء من كل داء، وفي داخله مكتوب هذه الكلمات: بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله وبالله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم اسكن أيها الوجع سكنتك بالذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤوف رحيم بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله وبالله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم اسكن أيها الوجع سكنتك بالذي يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا قال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه: فما احتجت معه إلى طبيب قط بإذن الله تعالى فإنه هو الشافي.
ومما جرب للصداع أيضا أن يكتب على ورقة بيضاء، وتلصق على المحل الذي فيه
стр. 62
الصداع، فإنه يزول بإذن الله تعالى وهو صحيح مجرب دم ٥ م ل ٥. ووجد أيضا في ذخائر بني أمية ترس مربع من ذهب، وعليه أزرار من الزمرد الأخضر مملوء بالمسك والكافور والعنبر الخام، وكان من جعله على رأسه، أزال عنه الصداع البتة في الوقت والساعة ففتقوا الترس فوجدوا في باطن أزراره بطاقة مكتوبا فيها: بسم الله الرحمن الرحيم: ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ
«١» بسم الله الرحمن الرحيم: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ، وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً
«٢» ، بسم الله الرحمن الرحيم: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي، فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ «٣»
بسم الله الرحمن الرحيم: أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً «٤»
. بسم الله الرحمن الرحيم: وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ «٥»
..
ومما جرب للصداع أيضا أن تكتب هذه الأحرف على لوح خشب أو مكان طاهر، وتدق في الحرف الأول مسمارا وتقرأ ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا، وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم، وتدق دقا خفيفا فإن سكن الصداع فبالغ، عليه بالدق إلى قرصه، وإن لم يسكن فانقل المسمار من حرف إلى حرف إلى أن يسكن الصداع فلا بد أن يسكن في حرف منها كما جرب ذلك مرارا وهي هذه اح اك ك ح ع ح ام ح والسواد موضع وضع المسمار ويجمعهما قولك:
إني حملت إليك كل كريمة ... حوراء عن حظ المتيم ما حنت
فأوائل الكلمات منها مقصدي ... لصداع رأس يا فتى قد جربت
ثم قال أي ابن بختيشوع: ومما ذكر من الخواص، وشهدت به التجربة، ما قاله الحكيم جالينوس: إذا أخذت شعر ابن آدم وأحرقته، وخلطته بماء الورد، ووضعته المرأة على رأسها، عند الطلق تسهل عليها الولادة. وإن طليت البرص والبهق بمني ابن آدم أبرأه. وإذا حططته في البيت، اجتمعت عليه البراغيث. وبصاق ابن آدم سم الحيات فإنك إن بصقت في فم الحية ثلاث مرات تموت من ساعتها. وإذا أوقدت سراجا من دهن ابن آدم، في ليلة ذات رياح، سكنت الرياح. وشعر المرأة بطوله، إذا طرح في ماء البحر بحيث لا يخرج منه، صار حية مائية. وإذا اكتحل الإنسان بلبن النساء مع سكر طبرزذ ينفع لبياض العين. والطفل الأزرق العينين إذا رضع من لبن الجارية الحبشية أربعين يوما اسودت عيناه. وإذا أخذت بول الصبي وخلط برماد حطب الكرم، وحط على القرحة نفعها. وإذا علقت المرأة عليها سن الطفل الذي وقع في أول سنة لا تحبل. قال جالينوس «٦» ويحيى «٧» بن ماويشه: مرارة ابن آدم سم قاتل، ومن اكتحل بمرارة
стр. 63
ابن آدم نفعته من بياض العين. وقال ابن ماويشه: سرة الطفل أول ما تقطع إذا علقتها المرأة على يدها، وبها ألم سكن. وإذا أخذ عظم ابن آدم وأحرق وسحق وخلط معه صبر ونفخ في الأنف الذي فيه البسور أبرأه بإذن الله تعالى. وإذا أخذت الحيات التي تخرج من بطن ابن آدم وجففت وسحقت ناعما، واكتحل بها من في عينه بياض ذهب. وإذا أخذ رجيع ابن آدم يابسا وسحق ونخل وعجن بالخل وعسل النحل وطلي به على الأكلة برئت بإذن الله تعالى. وكذلك إذا طليت به الخوانيق التي في الحلق برئت وشعر ابن آدم إذا علق على من يشتكي الشقيقة سكنت. وإذا بل الشعر بالخل ووضع على عضة الكلب برئت. ودم ابن آدم إذا أخذ وعجن بدقيق الحلبة وبماء السذاب وطلي به كل قرحة تتكون في البدن برئت لوقتها البتة لا سيما التي تكون في الساقين، والقروح الرطبة التي يسيل منها الدم والقيح. وإذا أخذ دم الحيض من جارية بكر أو ثيب، وخلط معه خمر عتيق واكتحل به من في عينه بياض أبرأه. وخرقة الحيض إذا علقت على مؤخر السفينة، لا يدخلها ريح ولا زوبعة. وإذا أصاب المرأة وجع السرة، تأخذ خرقة الحيض، فتحرقها حتى تصير رمادا، ثم تأخذ من ذلك الرماد جزءا ومن الكزبرة جزءا ويدق الجميع بماء فاتر ويطلى به ما حول السرة تبرأ بإذن الله تعالى. وكذلك إذا أصابها عند النفاس، فإنه يسكن بذلك بإذن الله تعالى. ورجيع الطفل عند الولادة يجفف ويسحق ويكتحل به من في عينه بياض فإنه يذهب بإذن الله تعالى. وإذا أخذت قلفة الصبيان، وهي طهارتهم، وجففت وسحقت وخلط معها شيء من المسك وماء الورد وسقي من ذلك صاحب البرص والجذام، وقف عنه بإذن الله تعالى. وإذا أحرقت وسحقت وسقيت لمن غلب عليه البرص ذهب عنه بإذن الله تعالى. ويؤخذ من رجيع ابن آدم مقدار حمصة ويسحق ويذاب بماء فاتر ويسقى لصاحب القولنج يبرأ بإذن الله تعالى. وإذا سحق وديف بالخل كان أبلغ وإذا أخذ رجيع ابن آدم، أول ما يخرج وهو حار ويخلط بخمر عتيق، ويسقى للدابة المريضة تبرأ بإذن الله تعالى. وإذا غسلت وسخ رجلي ابن آدم ويديه بالماء، وأسقيته لمن شئت فإنه يحبك محبة شديدة، ولا يكاد يطيق فراقك، وهو سر عجيب مجرب. ومثله إذا أردت أن يحبك إنسان حبا شديدا فاغسل جيب قميصك واسقه ماءه، وهو لا يعلم، فإنه يحبك حبا شديدا. وإن أردت أن تجمع الحمام في البرج فخذ رأس ابن آدم، وهو ميت قد مضى عليه من السنين مدة، وادفنه في ذلك البرج، فإن الحمام يعمره ويجتمع إليه من كل مكان حتى يضيق به. وإذا أصاب إنسانا اللقوة والفالج يسعط بلبن جارية سوداء أو حبشية، مع شيء من دهن الزنبق فإنه يبرأ بإذن الله تعالى. ومقدار السعوط منه وزن قيراط للرجل الكامل، وللطفل والصبي وزن حبة، ويخلط معه في بعض الأوقات أنزروت أبيض، ويقطر في العين المحمرة تبرأ.
وإذا أخذ الكاشم ودق ناعما وديف ببول صبي لم يبلغ الحلم وسقي للدابة المغولة برئت بإذن الله تعالى وإذا أردت أن لا يقرب المرأة أحدا غيرك، فخذ ما تستخرجه من شعرها من تسريح أو غيره، واحرقه حتى يصير رمادا، ثم اجعل منه على رأس احليلك عند الجماع معها، فلا أحد يجامعها بعد ذلك مثلك، ولا تقبل أحدا غيرك، وهو سر عجيب مجرب، ويؤخذ من مني الرجل جزء ومن الزئبق جزء ويخلط الجميع ويسعط منه صاحب اللقوة ثلاثة أيام متوالية يبرأ بإذن الله تعالى. وإذا أخذ رجيع إنسان، وأحرق وسحق ناعما وخلط معه ملح اندراني وشيء من حزنبل
стр. 64
وخلط الجميع ونفخ في عين الدابة التي فيها البياض برئت، وإذا أخذ بول صبي قبل أن يبلغ الحلم، وجعل في وعاء وترك على النار حتى حمي وغمست صوفة في ذلك البول، وطلي به على العين التي بها ورم أو حمرة برئت. وإذا أخذ مني ابن آدم وهو حار وطلي به البرص غير لونه بقدرة الله تعالى. وإذا أخذ شيء من أبوال، وجعل في قدر نحاس، وطبخ حتى انعقد، ثم جفف وخلط معه ملح الطعام وسحق وعجن بماء الزعفران، وجعل في بودقة وأوقد عليه حتى يدور كما تدور الفضة، فاجعله سبيكة وحكه على المسن بالماء والمسك، وكحل به العين التي غلب عليها البياض، تبرأ بإذن الله تعالى البتة وهو سر لطيف مجرب وكان الحكماء المتقدمون يسمونه الجوهر النفيس ويؤخذ لبن جارية سوداء فيذاب فيه شيء من الزعفران وشيء من لعاب السفرجل ويقطر في العين التي بها الوجع والضربان والنقطة، فإنها تبرأ بإذن الله تعالى. وإذا أردت أن تكون نهود الجارية قائمة لا تنكسر، فخذ دم حيض الجارية من أول حيضها، واطل به رؤوس النهدين، فإنهما لا ينكسران ولا يزالان قائمين، وهذا سر عجيب مجرب. وإذا أخذ دم الحيض وهو حار طري ولطخ به العين يزول ما بها من الحمرة والنقطة والورم. وإن أردت أن تسمن المرأة فخذ شحم وزة أنثى، يدق ويخلط معه بورق وكمون كرماني ودقيق الحلبة يمزج الجميع، ويجعل مثل البنادق، ويبلغ ذلك لدجاجة سوداء سبعة أيام متوالية، ثم تذبح وتصلق «١» ، فكل من أكل من تلك الدجاجة، أو من مرقتها يسمن، حتى يكاد يغلب عليه الشحم، من ذكر كان أو أنثى.
وإن أردت أبلغ من ذلك، فخذ مرارة آدمي وخذ ما تيسر من القمح، وضع تلك المرارة عليه، مع قليل من الماء واصبر على القمح حتى ينتفخ، وبلعه لدجاجة سوداء وافعل ما تقدم ذكره فمن أكل من تلك الدجاجة، رأى العجب العجاب من السمن والشحم حتى لا يستطيع القيام، ذكرا كان أو أنثى، وهو سر لطيف مجرب. وإذا أردت أن تقطع لبن المرأة، فخذ حلبة واسحقها واعجنها بالماء، واطل بها ثدي المرأة ينقطع اللبن البتة بإذن الله تعالى. وإذا أردت أن يدر اللبن، فخذ حنظلة ودقها واعجنها بالزيت، وخذ صوفة زرقاء ولفها على عود واغمسها في الزيت والحنظلة، واطل بها رأس الثدي يدر اللبن بقدرة الله تعالى. وكلاهما صحيح مجرب. ومتى صور صورة صبي حسن الوجه، ونصب قبالة المرأة بحيث تراه وقت الجماع خرج الولد يشبه تلك الصورة في أكثر الأعضاء البتة. قال: وضرس الميت إذا علق على من به وجع الضرس، سكن وجعه. وإذا أخذ ضرس إنسان، وعظم جناح الهدهد الأيمن، وجعلا تحت رأس النائم لم يزل كذلك حتى يؤخذا من تحت رأسه. وبصاق الإنسان ينفع من لدغ الهوام والقوباء والثآليل إذا طلي عليها قبل أن يأكل الإنسان شيئا. ولبن النساء إذا شرب مع عسل، فتت الحصا من المثانة.
وبول الإنسان إذا وضع على عضة الكلب الكلب نفعها نفعا بينا. وقال قوم: إن المكلوب، إذا شرب من دم إنسان شريف، برىء من ساعته وأنشدوا على ذلك قول الشاعر:
أحلامكم لسقام الجهل شافية ... كما دماؤكم تبري من الكلب
وقلامة ظفر الإنسان، إذا أحرقت وسقيت لإنسان آخر، أحبه ذلك الإنسان حبا شديدا.
стр. 65
وشرب بول الإنسان ينفع من لسع جميع ذوات السموم، وإن طلي به بعد أن يغلى، رجل صاحب النقرس سكن الوجع والضربان، وينفع من جميع القروح الحادثة في أصابع القدم والقروح التي فيها دود خصوصا البول العتيق. وينفع من عضة الإنسان والقرد وجميع الحيوان السمي وإذا بال رجل على الجرح حين يجرح قطع الدم لساعته وأبرأه. وهو صحيح مجرب. وعرق الإنسان إذا أخذ منه وعجن بغبار الرحا، ووضع على الثدي الوارم نفعه وينفع من جمود اللبن في الضرع والثدي، وتعقده بعد الولادة ومني الإنسان إذا أخذ وهو يابس ومعه سذاب «١» مدقوق، وذر على الأكلة أبرأها البتة وإن عجن بعسل وطلي به الحلق من خارج نفع الخناق. وإذا أخذ نجو صبي حين يولد وو جفف وسحق وكحل به بياض العين نفع، وينفع من الغشاوة نفعا جيدا. وإذا أخذ من نجو إنسان قدر حمصة وديف «٢» بخل خمر وسقي لصاحب القولنج وعسر البول نفعهما. وهو إذا كان حارا نفع الفرس الحمراء، وينفع من عضة الإنسان من ساعته ولعاب الصائم إذا قطر في الأذن أخرج الدود منها. وإن خلط مع الرازوند ووضع على البواسير أبرأها. وسرة الصبي عندما تقطع إذا أخذ منها شيء، ووضع تحت فص خاتم، فإنه ينفع لابسه من القولنج. وقال ابن زهر: سن الصبي الذكر أول ولد من المرأة إن جعل تحت فص خاتم ذهب أو فضة بحيث يكون فصه منه لم يصب من لبسه من الرجال القولنج البتة. وإن بخرت المرأة بشعر إنسان، نفعها من جميع أوجاع الرحم وإذا طلت المرأة بدنها بدم النفاس من أول ولدها منعها الحبل ما عاشت وإن جعل سن الصبي، أول ما يسقط، قبل أن يصل الأرض تحت فص خاتم وعلق على امرأة منعها الحبل. وعرق النساء يطلى به الجرب يبرأ وبول الصبي الذي لم يبلع عشرين سنة إذا شربه صاحب البرص برىء. وبول الإنسان مع رماد الكرم يوضع على موضع نزف الدم يقف.
ورماد العيشوم ورماد الشونيز «٣» مع الزيت العتيق ينبت اللحية. ودم الحيض إذا طلي به عضة الكب الكلب تبرأ. وكذلك البهق والبرص. وقال القزويني في عجائب المخلوقات: إذا رعف الإنسان فليكتب اسمه بدمه على خرقة وتجعل نصب عينيه فإنه ينقطع رعافه ونطفة الإنسان إذا طلي بها البهق والبرص والقوباء أبرأتها، وإذا خلط بها زهر الغبيراء وجفف واسقاه إنسان لامرأة عشقته.
ودم البكارة حين افتضاضها، إذا طلي به الثدي لا يكبر.
قاعدة:
قال الأطباء: إذا أردت أن تعلم هل المرأة عقيم أم لا؟ فمرها أن تتحمل بثومة في قطنة وتمكث سبع ساعات فإن فاح من فمها رائحة الثوم فعالجها بالأدوية، فإنها تحمل بإذن الله تعالى. وإلا فلا قال الرازي: وهي مجربة لذلك والله أعلم.
التعبير:
الإنسان في المنام كل شخص يعرف فهو ذاك بعينه، ذكرا كان أو أنثى، أو سميه أو نظيره. والشاب المجهول عدوّ. والشيخ جد وسعادة، وربما عبر بالصديق فمن رأى شيخا ضعيفا أو صغير الصورة، فذاك نقص في جد الإنسان وسعده. والكهل إذا لم ينق البياض أقوى لجد الإنسان وسعده. والصبي هم إذا كان طفلا يحمل لقوله «٤» تعالى: فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ.
стр. 66
والبالغ قوة وبشارة لقوله «١» تعالى: يا بُشْرى هذا غُلامٌ
والصبي الحسن الصورة، إذا دخل مدينة محاصرة، أو كان بها طاعون أو قحط، فرج عنهم وكذلك إذا نزل من السماء أو خرج من الأرض فهو بشارة لكل ذي هم. ويعبر أيضا بملك من الملائكة، مثال ذلك أن يرى المريض أو يرى له كأن صبيا أمرد أخذه أو ضرب عنقه، فإنه ملك الموت والشاب الأشقر عدو شحيح.
والشاب التركي عدو لا أمان له. والشاب الضعيف عدو ضعيف. والشاب الأسمر عدو غني والشاب الأبيض عدو دين.
والمرأة في المنام دنيا، والمجهولة أقوى من المعروفة، وحسنها أحسن شيء، وقبحها أقبح شيء. والزانية زيادة في الخير والصلاح، لقول «٢» النبي ﷺ : «عرضت على الدنيا ليلة أسري بي في صورة امرأة حاسرة الذراعين، فقال لها: طلقتك ثلاثا» . أراد بها الدنيا. والمرأة السوداء تعبر بليلة مظلمة، والبيضاء بالنهار فمن رأى امرأة سوداء غابت عنه، وظهرت له امرأة بيضاء، فإن ذلك دليل الصباح وزوال الظلام. والمرأة التي تكون للسلطان أو هي سلطانة فإنه تعبر بملك ظالم معجب. أو تكون بمنزلة العروس لأهله ومال حرام لغير ذلك. والشابة إذا رأتها المرأة فهي عدو لها، إذا كانت مجهولة. والعجوز المجهولة لها جد وتعبر المرأة بالسنة فإن كانت سمينة فهي خصب، وإن كانت هزيلة فهي جدب. وإنما شبهت المرأة بالسنة لأنها كالأرض. قال «٣» الله تعالى: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ
ولأنها ذات نتاج وكذلك الأرض. والمرأة المتنقبة عسر لمن رآها. والمكشوفة الوجه دنيا ليس فيها تعب. والنساء زينة الدنيا، فمن أقبلن عليه، أقبلت عليه الدنيا، ومن أدبرن عنه أدبرت عنه الدنيا. والإنسان القبيح الصورة أمر مكروه، والأسود سوء والخصي المجهول يعبر بملك من الملائكة لانتزاع الشهوة منه. فمن رأى أنه خصي أو كأنه خصي ناله ذل وخضوع. وقالت النصارى: من رأى نفسه خصيا، نال منزلة في العبادة وعفة الفرج. ومن رأى بيده رأس إنسان فإنه ينال ألف دينار أو ألف درهم أو مائة درهم والرؤوس المقطعة في المنام رؤساء الناس، فمن أخذ شيئا من لحمها أو شعرها، نال مالا من قوم رؤساء. ومن رأى رأسه كبيرا حسنا نال رئاسة. ومن قطع رأسه، وكان مملوكا عتق. أو مهموما فرج الله همه. أو مريضا شفي. فإن كان ممن يخدم فارق خدمه. ومن رأى رأسه يرضخ بحجر، فإنه قد نام عن صلاة العشاء. ومن رأى رأسه رأس كلب أو فرس أو جمل أو حمار أو بغل أو غير ذلك من البهائم التي تنالها مشقة التعب والعمل نال تعبا، لأن هذه الحيوانات خلقت للكلف والتعب. وإن رأى رأسه رأس طير، كثر سفره. ومن رأى رأسه بيده، وكان له رأس آخر، فإن ذلك يدل على تدبير الأمور الرديئة وإصلاحها وأكل الرأس من الحيوان مال، لم يكن يرجوه، وطول حياة إذا كان غير نيء. والرأس يعبر بالرئيس، والسيد والأب. ويعبر أيضا برأس
стр. 67
الممال فما رؤي فيه من زيادة أو نقص أو وجع، فهو عائد إلى ما ذكرناه، ومن رأى رأسه تحوّل رأس أسد، فإنه ينال ملكا إن كان من أهله أو رياسة أو ولاية أو وجاهة. ومن رأى أنه يأكل لحم إنسان فإنه يغتابه. ومن أكل لحم نفسه فإنه يغتاب. وقيل: أكل اللحم النيء خسارة في المال.
واللحوم في الرؤيا أموال إذا كانت مطبوخة ناضجة، وإذا أكلت المرأة لحم امرأة فإنها تساحقها.
وإن أكلت لحم نفسها فإنها تزني. وأكل لحم البقر الهزيل مرض. وانسب كل لحم إلى حيوانه فلحم الحية مال من عدو فإن كان نيئا فهو غيبة. ولحم السبع مال من سلطان. وكذلك لحوم السباع الضواري وجوارح الطير ولحم الخنزير مال حرام والله تعالى أعلم.
إنسان الماء:
يشبه الإنسان، إلا أن له ذنبا. قال القزويني: وقد جاء شخص بواحد منها في زماننا، مقدر كما ذكرنا. وقيل: إن في بحر الشأم، في بعض الأوقات من شكله، شكل إنسان وله لحية بيضاء، يسمونه شيخ البحر، فإذا رآه الناس استبشروا بالخصب. وحكي أن بعض المملوك، حمل إليه إنسان ماء، فأراد الملك أن يعرف حاله فزوجه امرأة، فأتاه منها ولد يفهم كلام أبويه، فقال للولد: ما يقول أبوك؟ قال: يقول أذناب الحيوان كلها في أسفلها، فما بال هؤلاء أذنابهم في وجوههم؟ وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الباء الموحدة في بنات الماء قريب من هذا.
الكم: سئل الليث «١» بن سعد ﵁ عن أكله فقال: لا يؤكل على شيء من الحالات والله تعالى أعلم.
الأنقد:
بالنون الساكنة وفتح القاف وبالدال المهملة القنفذ.
الأمثال:
يقال: «بات فلان بليل انقد» ، «٢» لأنه لا ينام الليل كله. وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب القاف في القنفذ. قال الميداني: أنقد معرفة لا تدخله الألف واللام، يضرب لمن سهر ليله أجمع. قال: وقيل الأنقد الذي يشتكي سنه من النقد، وهو فساد في الأضراس يحركها وصاحبه لا ينام.
فائدة:
ومما جرب لوجع الضرس أن يكتب ويحمل قوله تعالى: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ
«٣» محوصه سمه ولها، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، جهكر طكفوم طسم طس طسم حم حم حم حم حم حم حم. أسكن أيها الوجع بالذي سكن له ما في الليل والنهار، وهو السميع العليم، اليقس تقس قسا مسقس أن البهر بهر هرا وراب.
ويكتب لوجع الضرس أيضا، على جدار هذه الأحرف وهي ح ب ر ص لا وع م لا وتأمر الموجوع أن يضع اصبعه على الضرس الضارب ويكون ذلك في حال ضربانه، وتضع مسمارا على
стр. 68
أول حرف من الحروف المتقدمة، وتدق عليه دقا خفيفا، وأنت تقرأ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً
وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ «١»
في حالتي الدق والكتابة، فإذا علق رأس المسمار يسيرا سله هل سكن الوجع فإن قال نعم فبلغ المسمار بالدق إلى قرصه وإن قال لا، فانقل المسمار إلى الحرف الثاني وافعل ما تقدم ذكره، ولا تزال تنقله حرفا حرفا إلى آخر الحروف ففي أي حرف سكن الوجع، فبلغ المسمار فيه بالدق إلى قرصه فإنه لا بد أن يسكن في حرف منها كما جرب مرارا وما دام المسمار مدقوقا، دام الوجع ساكنا، فإذا قلع المسمار عاد الوجع والنقط الحمر في الحروف موضع وضع المسمار وهو سر عجيب مجرب صحيح. وقد نظم ذلك بعض الفضلاء في أبيات وهي:
وللضرس فاكتب في الجدار مفرقا ... بما جمعه حبر صلاء وعملا
ومره على الموجوع يجعل اصبعا ... وضع أنت مسمارا على الحرف أولا
ودق خفيفا ثم سله ترى به ... سكونا نعم إن قال بلغه موصلا
وإن قال لا فانقله ثاني حروفه ... وفي كل حرف مثل ما قلت فافعلا
وفي سورة الفرقان تقرأ ساكنا ... كذا آية الإنعام فاتل مرتّلا
وتترك ذا المسمار في الحيط مثبتا ... مدى الدهر فالأسقام تذهب والبلا
فخذها أخي كنزا لديك مجربا ... ذخيرة أهل الفضل من خيرة الملا
وقد أحسن الأمير أسامة بن منقذ «٢» حيث قال «٣» ملغزا في ضرسه وقد قلعه:
وصاحب لا أمل الدهر صحبته ... يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد
لم ألقه مذ تصاحبنا فمذ وقعت ... عيني عليه افترقنا فرقة الأبد «٤»
وله «٥» أيضا في الصبر:
اصبر إذا ناب خطب وانتظر فرجا ... يأتي به الله بعد الريب والياس
إن اصطبار ابنة العنقود إذ حبست ... في ظلمة القار أداها إلى الكاس
وله أيضا فيه:
من يرزق الصبر نال بغيته ... ولا حظته السعود في الفلك
إن اصطبار الزجاج حين بدا ... للسبك أدناه من فم الملك «٦»
стр. 69
الإنكليس:
بفتح الهمزة واللام وكسرهما معا سمك شبيه بالحيات، رديء الغذاء وهو الذي يسمى الجري الآتي في باب الجيم إن شاء الله تعالى، ويسمى المارماهي، وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الصاد، في لفظ الصيد، فإن البخاري ذكره في صحيحه. وفي حديث علي رضي الله تعالى عنه أنه بعث عمار إلى السوق فقال: لا تأكلوا الأنكليس من السمك، وإنما كرهه لما تقدم، لا لأنه حرام. وفيه لغتان الأنكليس والأنقليس بفتح الهمزة واللام ومنهم من يكسرهما. قال الزمخشري: وقيل إنه الشلق. وقال ابن سيده: هو على هيئة السمك صغير له رجلان عند ذنبه كرجلي الضفدع، ولا يد له يكون في أنهار البصرة وليس لفظه عربيا.
الأنن:
بضم الهمزة وبالنونين طائر يضرب إلى السواد وله طوق كطوق الدبسي أحمر الرجلين والمنقار مثل الحمامة إلا أنه أسود وصوته أنين أوه أوه حكاه في المحكم.
الأنيس:
وتسميه الرماة الأنيسة طائر حاد البصر، يشبه صوته صوت الجمل، ومأواه قرب الأنهار والأماكن الكثيرة المياه، الملتفة الأشجار، وله لون حسن وتدبير في معاشه. قال ارسطو: إنه يتولد من الشرقراق «١» والغراب، وذلك بين في لونه. وهو طائر يحب الأنس ويقبل الأدب والتربية وفي صفيره وقرقرته أعاجيب: وذلك أنه ربما أفصح بالأصوات كالقمري، وربما ابهم كحمحمة الفرس. وغذاؤه الفاكهة واللحم وغير ذلك ويألف الغياض.
الحكم:
يحمل أكله لأنه من الطيبات، وينبغي أن يخرج فيه وجه بالحرمة لأكله اللحم ولسبب تولده من الغراب والشرقراق.
الأنوق:
على فعول الرخمة أو طائر أسود له شيء كالعرف أو أصلع الرأس أصفر المنقار قيل: إن في أخلاقها أربع خصال: تحضن بيضها، وتحمي فرخها، وتألف ولدها، ولا تمكن من نفسها غير زوجها.
وفي المثل: «أعز من بيض الأنوق «٢» » و «أبعد «٣» من بيض الأنوق» . فلا يكاد يظفر به، لأن أوكارها في رؤوس الجبال والأماكن الصعبة وهي تحمق مع ذلك قال الشاعر:
وذات اسمين والألوان شتى ... وتحمق وهي كيسة الحويل «٤»
وقال غيره:
وكنت إذا استودعت سرا كتمته ... كبيض أنوق لا ينال لها وكر
وقال رجل لمعاوية: زوجني هندا، يعني أمه، فقال: إنها قعدت عن الولد فلا حاجة لها إلى الزواج. قال فولى ناحية كذا. فأنشد معاوية رضي الله تعالى عنه:
طلب الأبلق العقوق فلما ... أعجزته أراد بيض الأنوق «٥»
стр. 70
ومعناه أنه طلب ما لا يكون، فلما لم يجده، طلب ما يطمع في الوصول إليه، وهو مع ذلك بعيد. كذا قاله جماعة ممن تكلم على الأمثال. وهو غلط لأن أم معاوية ماتت في المحرم سنة أربع عشرة. في اليوم الذي مات فيه أبو قحافة والد أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما والصواب الذي في نهاية ابن الأثير وغيرها أن رجلا قال لمعاوية رضي الله تعالى عنه: افرض لي قال: نعم قال:
ولولدي: قال: لا، قال: ولعشيرتي، قال: لا. ثم تمثل معاوية رضي الله تعالى عنه بقول الشاعر طلب الأبلق العقوق إلى آخره. والعقوق الخامل من الفوق والأبلق من صفات الذكور، والذكر لا يحمل. فكأنه قال طلب الذكر الحامل وبيض الأنوق، مثل يضرب للذي يطلب المحال الممتنع.
وقال السهيلي في أوائل الروض: الأنوق الأنثى من الرخم يقال في المثل أراد بيض الأنوق إذا طلب ما لا يوجد لأنها تبيض حيث لا يدرك بيضها في شواهق الجبال. وهذا قول المبرد «١» في الكامل ولم يوافق عليه. فقد قال الخليل «٢» : الأنوق الذكر نت الرخم. وهذا أشبه بالمعنى لأن الذكر لا يبيض، فمن أراد بيض الأنوق فقد أراد المحال، كمن أراد الأبلق العقوق. وقال القالي في الأمالي: الأنوق يقع على الذكر والأنثى من الرخم.
وحكم الأنوق يأتي إن شاء الله تعالى في باب الراء في الرخمة.
تتمة:
السهيلي اسمه عبد الرحمن بن محمد السهيلي الخثعمي الإمام المشهور قال أبو الخطاب «٣» بن دحية: أنشدني السهيلي أبياتا وقال ما سأل الله تعالى بها أحد حاجة إلا قضاها، وفي رواية إلا أعطاه الله إياها وكذلك من استعمل إنشادها وهي «٤» :
يا من يرى ما في الضمير ويسمع ... أنت المعدّ لكل ما يتوقع
يا من يرجى للشدائد كلها ... يا من إليه المشتكى والمفزع
يا من خزائن رزقه في قول كن ... امنن فإن الخير عندك أجمع
ما لي سوى فقري إليك وسيلة ... فبالافتقار إليك فقري أدفع
ما لي سوى قرعي لبابك حيلة ... فلئن رددت فأي باب أقرع
ومن الذي أدعو وأهتف باسمه ... إن كان فضلك عن فقيرك يمنع
حاشا لجودك أن تقنط عاصيا ... فالفضل أجزل والمواهب أوسع
وكان السهيلي مكفوف البصر توفي سنة إحدى وثمانين وخمسمائة رحمه الله تعالى والله الموفق للصواب.
الإوز:
بكسر الهمزة وفتح الواو البط واحدته إوزة وجمعوا بالواو والنون فقالوا: اوزون.
وقد أجاد في وصفها أبو نواس «٥» حيث قال:
стр. 71
كأنما يصفرن من ملاعق ... صرصرة لأقلام في المهارق «١»
وأبو نواس شاعر ماهر، وهو من شعراء الدولة العباسية وله أخبار عجيبة، ونكت غريبة، وخمريات أبدع فيها، واسمه الحسن بن هانىء بن عبد الأول. قال ابن خلكان في ترجمة أبي نواس قال المأمون: لو وصفت الدنيا نفسها لما وصفت بمثل قول «٢» أبي نواس:
ألا كلّ حي هالك وابن هالك ... وذو نسب في الهالكين عريق
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق
قال «٣» ومن أحسن ما أتى به من المغاني وأغربها ويدل على حسن ظنه بالله تعالى قوله:
تكثر ما استطعت من الخطايا ... فإنك بالغ ربا غفورا
ستبصر إن وردت عليه عفوا ... وتلقى سيدا ملكا كبيرا
تعض ندامة كفيك مما ... تركت مخافة النار الشرورا
قال محمد بن نافع: رأيت أبا نواس في المنام بعد موته فقلت: يا أبا نواس، فقال: لات حين كنية، فقلت: الحسن بن هانىء قال: نعم، قلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بأبيات قلتها في علتي قبل موتي وهي تحت الوسادة، قال: فأتيت أهله فقلت: هل قال أخي شعرا قبل موته؟ قالوا: لا نعلم، إلا إنه دعا بدواة وقرطاس وكتب شيئا لا ندري ما هو قال: فدخلت ورفعت وسادته فإذا أنا برقعة مكتوب فيها «٤» :
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة ... فلقد علمت بأن عفوك أعظم
إن كان لا يرجوك إلا محسن ... فمن الذي يدعو ويرجو المجرم «٥»
أدعوك رب كما أمرت تضرعا ... فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم
ما لي إليك وسيلة إلا الرجا ... وجميل عفوك ثم إني مسلم
قال: وسئل أبو نواس عن نسبه فقال: أغناني أدبي عن نسبي. وتوفي سنة أربع وتسعين ومائة.
والأوز يحب السباحة، وفرخه يخرج من البيضة فيسبح في الحال، وإذا حضنت الأنثى قام الذكر يحرسها لا يفارقها طرفة عين، وتخرج أفراخها في أواخر الشهر. روى الإمام أحمد في المناقب، عن الحسين بن كثير، عن أبيه وكان قد أدرك عليا رضي الله تعالى عنه، قال: خرج علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، إلى صلاة الفجر فإذا إوز يصحن في وجهه، فطردوهن فقال: دعوهن، فإنهن نوائح، فضربه ابن ملجم، فقلت: يا أمير المؤمنين خل بيننا وبين مراد فلا
стр. 72
تقوم لهم ثاغية ولا راغية أبدا، فقال: لا ولكن احبسوا الرجل، فإن أنا مت فاقتلوه، وإن أعش فالجروح قصاص. انتهى.
وسبب ذلك، على ما ذكره ابن خلكان وغيره، أنه اجتمع قوم من الخوارج فتذاكروا أصحاب النهروان، وترحموا عليهم، وقالوا ما نصنع بالبقاء بعدهم؟ فتحالف عبد الرحمن بن ملجم، والبرك بن عبد الله، وعمرو بن بكر التميمي على أن يأتي كل واحد منهم واحدا من علي ومعاوية وعمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهم، فقال ابن ملجم وهو أشقى الآخرين: أنا أكفيكم علي بن أبي طالب، وقال البرك: وأنا أكفيكم معاوية، وقال ابن بكر: وأنا أكفيكم عمرو بن العاص. ثم سموا سيوفهم وتواعدوا لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان. فدخل ابن ملجم الكوفة فرأى امرأة حسناء، يقال لها قطام، كان علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قد قتل أباها وأخاها يوم النهروان، فخطبها فقالت لا أتزوجك حتى أشترط، قال: وما شرطك؟ قالت:
ثلاثة آلاف وعبد ووصيفة وقتل علي فقال لها: وكيف لي بقتل علي؟ فقالت: تروم ذلك غيلة فإن سلمت أرحت الناس من شره، وأقمت مع أهلك، وإن أصبت خرجت إلى الجنة ونعيم لا يزول فأنعم لها، وقال: ما جئت إلا لقتله. ثم أقبل ابن ملجم حتى جلس مقابل السدة التي يخرج منها علي رضي الله تعالى عنه: فزت ورب الكعبة، شأنكم بالرجل فخذوه، فحمل ابن ملجم علي رضي الله تعالى عنه: فزت ورب الكعبة، شأنكم بالرجل فخذوه، فحمل ابن ملجم على الناس بسيفه، فأفرجوا له، وتلقاه المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بقطيفة فرمى بها عليه واحتمله، فضرب به الأرض وجلس على صدره. قالوا: وأقام علي ﵁ يومين ومات. وقتل الحسن بن علي عبد الرحمن بن ملجم، فاجتمع الناس وأحرقوا جثته.
وأما البرك فإنه ضرب معاوية ﵁، فأصاب أوراكه، وكان معاوية عظيم الأوراك، فقطع منه عرق النكاح، فلم يولد له بعد ذلك. فلما أخذ قال: الأمان والبشارة، فقد قتل علي في هذه الليلة، فاستبقاه حتى جاءه الخبر بذلك، فقطع معاوية يده ورجله وأطلقه. فرحل إلى البصرة، وأقام بها حتى بلغ زياد ابن أبيه أنه ولد له، فقال: أيولد له وأمير المؤمنين لا يولد له؟
فقتله قالوا: وأمر معاوية ﵁ باتخاذ المقصورة من ذلك الوقت، وأما ابن بكر فإنه رصد عمرو ابن العاص رضي الله تعالى عنه، فاشتكى عمرو بطنه، فلم يخرج للصلاة، فصلى بالناس رجل من بني سهم يقال له خارجة فضربه ابن بكر فقتله فأخذ ابن بكر فلما أدخل على عمرو رضي الله تعالى عنه، ورآهم يخاطبونه بالإمارة قال: أو ما قتلت عمرا قال له: لا وإنما قتلت خارجة. قال:
أردت عمرا وأراد الله خارجة. فقتله عمرو رضي الله تعالى عنه وقيل: إن عليا ﵁، كان إذا رأى ابن ملجم يتمثل ببيت عمرو «١» بن معد يكرب بن قيس بن مكشوح المرادي وهو قوله «٢» :
стр. 73
أريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد
فقيل لعلي رضي الله تعالى عنه: كأنك عرفته وعرفت ما يريد أفلا تقتله؟ قال: كيف أقتل قاتلي؟ ولما انتهى إلى عائشة رضي الله تعالى عنها قتل علي رضي الله تعالى عنه قالت «١» :
فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر
وعلي رضي الله تعالى عنه، أول إمام خفي قبره. قيل: إن عليا ﵁ أوصى أن يخفى قبره لعمله أن الأمر يصير إلى بني أمية فلم يأمن أن يمثلوا بقبره. وقد اختلف في قبره فقيل: في زاوية الجامع بالكوفة وقيل في قصر الإمارة بها، وقيل بالبقيع وهو بعيد، وقيل: إنه بالنجف في المشهد الذي يزار اليوم وسيأتي إن شاء الله تعالى ما ذكره ابن خلكان في ذلك في باب الفاء في لفظ الفهد والله الموفق.
فائدة أجنبية:
ولما كان الحديث ذا شجون، وإفادة العلم تحقق للطالبين ما يرجون، وتجدد لهم ما ينسى الخليع أيام المجون، أحببت أن أذكر ههنا فائدة غريبة ذكرها المؤرخون، وهو أن كل سادس قائم بأمر الأمة مخلوع، وها أنا أذكر ما ذكروه، وأزيد عليه قدرا يسيرا من سيرة كل واحد منهم، وأيامه وسبب موته ومدة خلافته وعمره، لتكمل بذلك الفائدة، وتحل الجدوى والعائدة.
قال المؤرخون: إن أول قائم بأمر الأمة النبي ﷺ ، بعثه الله تعالى على فترة من الرسل، رحمة للعالمين، فبلغ الرسالة وجاهد في الله حق جهاده، ونصح الأمة وعبد ربه حتى أتاه اليقين، فهو أفضل الخلق وأشرف الرسل، نبي الرحمة وإمام المتقين، وحامل لواء الحمد وصاحب الشفاعة، والمقام المحمود، والحوض المورود. آدم فمن دونه يوم القيامة تحت لوائه، فهو خير الأنبياء، وأمته خير الأمم، وأصحابه أفضل الناس بعد الأنبياء، وملته أشرف الملل له المعجزات الباهرة، والخلق العظيم والعقل الكامل الجسيم، والنسب الأشرف والجمال المطلق، والكرم الأوفر والشجاعة التامة، والحلم الزائد، والعلم النافع، والعمل الأرفع والخوف الأكمل، والتقوى الباهرة، فهو أفصح الخلق وأكملهم في كل صفات الكمال وأبعد الخلق عن الدناآت والنقائص وفيه قال الشاعر:
لم يخلق الرحمن مثل محمد ... أبدا وعلمي أنه لا يخلق
قالت عائشة ﵂: كان النبي ﷺ ، إذا كان في بيته في مهنة أهله، أي في خدمتهم، وكان يفلي ثوبه ويرقعه، ويخصف نعله ويخدم نفسه، ويعلق ناضحه، ويقم البيت أي يكنسه، ويعقل البعير ويأكل مع الخادم، ويعجن معها، ويحمل بضاعته من السوق، وكان ﵊ متواصل الأحزان، دائم الفكر، ليست له راحة. وقد قال علي رضي الله تعالى عنه: سألت رسول الله ﷺ عن سنته، فقال: «المعرفة رأس مالي والحب أساسي والشوق
стр. 74
مركبي، وذكر الله أنيسي والحزن رفيقي، والعلم سلاحي، والصبر ردائي، والرضا غنيمتي، والفقر فخري، والزهد حرفتي، واليقين قوتي والصدق شفيعي، والطاعة حسبي، والجهاد خلقي وقرة عيني في الصلاة.
وأما حلمه ﷺ ، وجوده وشجاعته، وحياؤه وحسن عشرته، وشفقته ورأفته، ورحمته وبره، وعدله ووقاره، وصبره وهيبته، وثقته وبقية خصاله الحميدة، التي لا تكاد تحصر فكثيرة جدا فقد صنف العلماء رضي الله تعالى عنهم في سيرته وأيامه، ومبعثه وغزواته، وأخلاقه ومعجزاته، ومحاسنه وشمائله، كتبا جمة، ولو أردنا ذكر قدر يسير منها لجاء في مجلدات كثيرة، ولسنا بصدد ذلك في هذا الكتاب، قالوا: وكانت وفاته ﷺ بعد أن أكمل الله تعالى لنا ديننا وأتم علينا نعمته في وسط يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول سنة أحدى عشرة، وله ﷺ ثلاث وستون سنة وتولى غسله علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، ودفن ﷺ في حجرته التي بناها لأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها.
خلافة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه
ثم قام بالأمر بعده ﷺ ، خليفته على الصلاة أيام مرضه، وابن عمه الأعلى ونسيبه وصهره ومؤنسه في الغار، ووزيره وصديقه الأكبر، وخير الخلق بعده أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. بويع له بالخلافة في اليوم الذي توفي فيه رسول الله ﷺ بسقيفة بني ساعدة، ولذلك قصة تركناها لطولها واشتهارها، فقام بالأمر أتم قيام، وفتح في دولته اليسيرة اليمامة وأطراف العراق وبعض مدن الشام. وكان ﵁ كبير الشأن زاهدا خاشعا، إماما حليما، وقورا شجاعا، صابرا رؤوفا، عديم النظير في الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
ولما مات النبي ﷺ ارتدت العرب، ومنعت الزكاة، فلما استخلف الصديق جمع الصحابة رضي الله تعالى عنهم وشاورهم في القتال، فاختلفوا عليه وقال له عمر رضي الله تعالى عنه كيف نقاتل الناس وقد قال «١» رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله؟ فمن قالها فقد عصم مني دمه وماله إلا بحقه وحسابه على الله ؟ فقال الصديق ﵁:
«والله لأقتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها «٢» » . قال عمر ﵁: «فو الله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق» . «٣» وفي رواية قال عمر ﵁: فقلت تألف الناس وارفق بهم فقال لي: «أجبار في الجاهلية وخوار في الإسلام يا عمر؟ إنه قد انقطع الوحي وتم الدين أينقص وأنا حي» . ثم خرج لقتالهم.
وذكر جماعة من المؤرخين وغيرهم أن رسول الله ﷺ ، كان قد وجه أسامة بن زيد رضي الله عنهما
стр. 75
في سبعمائة بطل إلى الشام فلما نزل بذي خشب، قبض رسول الله ﷺ ، وارتدت العرب فاجتمعت الصحابة ﵃ وقالوا للصديق ﵁: رد هؤلاء أي أسامة ومن معه، فقال: والله الذي لا إله إلا هو، لو جرت الكلاب بأرجل أزواج النبي ﷺ ، ما رددت جيشا جهزه رسول الله ﷺ ، ولا حللت عقد لواء عقده رسول الله ﷺ ، وفي رواية لو علمت أن السباع تجر برجلي إن لم أرده ما رددتته. وأمر أسامة «١» ﵁ أن يمضي لوجهه وقال له: إن رأيت أن تأذن لعمر ﵁ بالمقام عندي أستأنس به وأستعين برأيه، فقال له أسامة ﵁: قد فعلت. وسار أسامة رضي الله تعالى عنه، فجعل لا يمر بقبيلة تريد الارتداد، إلا قالوا: لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هذا الجيش من عندهم، فلقوا الروم فقاتلوهم وهزموهم ورجعوا سالمين.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: خرج أبي يوم الردة شاهرا سيفه، راكبا راحلته، فجاء علي رضي الله تعالى عنه حتى أخذ بزمام راحلته، وقال: أقول لك ما قال لك رسول الله ﷺ يوم أحد: «شم سيفك لا تفجعنا بنفسك فو الله لئن أصبنا بك، لا يكون للإسلام بعدك نظام أبدا» ومعنى شم اغمد. وقال ابن قتيبة: ارتدت العرب إلا القليل منهم فجاهدهم الصديق حتى استقاموا وفتح اليمامة وقتل مسيلمة الكذاب بها والأسود العنسي الكذاب بصنعاء. وبعث الجيوش إلى الشأم والعراق وقال أبو رجاء العطاردي: دخلت المدينة فرأيت الناس مجتمعين ورأيت رجلا يقبل رأس رجل ويقول: أنا فداؤك، والله لولا أنت لهلكنا. فقلت: من المقبل والمقبل؟ فقالوا:
عمر يقبل رأس أبي بكر رضي الله تعالى عنهما، من أجل قتال أهل الردة. وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: لما قبض رسول الله ﷺ ارتدت العرب، واشرأب «٢» النفاق، ونزل بأبي ما لو نزل على الجبال الراسيات لهاضها، وقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: والله الذي لا إله إلا هو لو لم يستخلف أبو بكر رضي الله تعالى عنه، ما عبد الله تعالى. ثم قال الثانية ثم قال الثالثة. قالوا:
وكان من اللين والتواضع على جانب عظيم. ولما مرض ترك التطبيب تسليما لأمر الله تعالى فعاده الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وقالوا ألا ندعو لك طبيبا ينظر إليك؟ فقال: نظر إلي قالوا وما قال لك؟ قال: قال لي إني فعال لما أريد.
توفي ﵁ ليلة الثلاثاء بين المغرب والعشاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وله ﵁ ثلاث وستون سنة وكان سبب موته كمدا لحقه على رسول الله ﷺ ما زال يذيبه. والكمد الحزن المكتوم ودفن في حجرة عائشة أم المؤمنين مع سيدنا رسول الله ﷺ وكانت خلافته ﵁ سنتين وثلاثة أشهر وثمانية أيام.
следующие страницы →