Полный текст (834 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
كِتَابُ الدَّعْوَى الْمُدَّعِي مَنْ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْخُصُومَةِ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يُجْبَرُ.
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[كِتَابُ الدَّعْوَى]
الدَّعْوَى مُشْتَقَّةٌ مِنَ الدُّعَاءِ وَهُوَ الطَّلَبُ.
وَفِي الشَّرْعِ: قَوْلٌ يَطْلُبُ بِهِ الْإِنْسَانُ إِثْبَاتَ حَقٍّ عَلَى الْغَيْرِ لِنَفْيِهِ، وَالْبَيِّنَةُ مِنَ الْبَيَانِ، وَهُوَ الْكَشْفُ وَالْإِظْهَارُ؛ وَالْبَيِّنَةُ فِي الشَّرْعِ تُظْهِرُ صِدْقَ الْمُدَّعِي وَتَكْشِفُ الْحَقَّ. وَالْأَصْلُ فِي الْبَابِ قَوْلُهُ ﷺ «لَوْ تُرِكَ النَّاسُ وَدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، لَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ "؛ وَفِي رِوَايَةٍ: " وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» ، وَيُرْوَى «أَنَّ حَضْرَمِيًّا وَكِنْدِيًّا اخْتَصَمَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شَيْءٍ، فَقَالَ لِلْمُدَّعِي: " أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ " قَالَ: لَا، فَقَالَ: " لَكَ يَمِينُهُ لَيْسَ غَيْرُ ذَلِكَ» . فَنَبْدَأُ بِمَعْرِفَةِ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ إِذْ هُوَ الْأَصْلُ فِي الْبَابِ وَنَبْنِي عَلَيْهِ عَامَّةَ مَسَائِلِهِ.
قَالَ: (الْمُدَّعِي مَنْ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْخُصُومَةِ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يُجْبَرُ) ، وَقِيلَ الْمُدَّعِي مَنْ يُضِيفُ إِلَى نَفْسِهِ مَا لَيْسَ بِثَابِتٍ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِمَا هُوَ ثَابِتٌ بِظَاهِرِ الْيَدِ، فَلَوِ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ دَيْنًا فَادَّعَى الْوَفَاءَ أَوِ الْبَرَاءَةَ صَارَ مُدَّعِيًا لِدَعْوَاهُ مَا لَيْسَ بِثَابِتٍ، وَهُوَ فَرَاغُ ذِمَّتِهِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى الشَّغْلِ، وَقِيلَ الْمُدَّعِي مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ إِلَّا بِحُجَّةٍ كَالْخَارِجِ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يَسْتَحِقُّ بِقَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ كَذِي الْيَدِ؛ وَقِيلَ الْمُدَّعِي مَنْ يُضِيفُ مَا عِنْدَ غَيْرِهِ إِلَى نَفْسِهِ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ: مَا يُضِيفُ مَا عِنْدَهُ إِلَى نَفْسِهِ، وَجَمِيعُ الْعِبَارَاتِ مُتَقَارِبَةٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُحَقَّقَ ذَلِكَ وَيُعْرَفَ بِالْمَعْنَى لَا بِالصُّورَةِ، فَإِنَّ الْمُودِعَ إِذَا ادَّعَى إِيصَالَ الْوَدِيعَةِ فَإِنَّهُ مُدَّعٍ صُورَةً مُنْكِرٌ مَعْنًى حَتَّى لَوْ تَرَكَ لَا يُتْرَكُ، وَالْفَقِيهُ إِذَا أَمْعَنَ النَّظَرَ وَأَنْعَمَ الْفِكْرَ ظَهَرَ لَهُ ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، وَلَا يَصِحُّ الدَّعْوَى إِلَّا فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ عَلَى خَصْمٍ حَاضِرٍ.
اعْلَمْ أَنَّ الدَّعْوَى إِذَا صَحَّتْ عِنْدَ الْقَاضِي أَوْجَبَتْ عَلَى الْخَصْمِ الْحُضُورَ إِلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨] ، ذَمَّهُمْ عَلَى تَرْكِ الْحُضُورِ وَهُوَ الْإِعْرَاضُ عَنِ الْإِجَابَةِ. وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁: «أَنَّ امْرَأَةَ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَسْتَعْدِي عَلَى زَوْجِهَا، فَأَعْدَاهَا، فَقَالَتْ: أَبَى أَنْ يَجِيءَ، فَأَعْطَاهَا هُدْبَةً مِنْ ثَوْبِهِ فَجَاءَتْ بِهِ» وَلِأَنَّ الْحُكَّامَ يُحْضِرُونَ النَّاسَ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، فَإِذَا حَضَرَ وَادَّعَى عَلَيْهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْجَوَابُ بِلَا أَوْ بِنِعَمٍ حَتَّى لَوْ سَكَتَ كَانَ إِنْكَارًا فَيَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ
стр. 282
وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى بِشَيْءٍ مَعْلُومِ الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ، فَإِنْ كَانَ دَيْنًا ذَكَرَ أَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ عَيْنًا كُلِّفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِحْضَارُهَا، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَاضِرَةً ذَكَرَ قِيمَتَهَا، وَإِنْ كَانَ عَقَارًا ذَكَرَ حُدُودَهُ الْأَرْبَعَةَ، وَأَسْمَاءَ أَصْحَابِهَا وَنَسَبَهُمْ إِلَى الْجَدِّ، وَذَكَرَ الْمَحَلَّةَ وَالْبَلَدَ، ثُمَّ يَذْكُرُ أَنَّهُ فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَأَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِهِ، وَإِذَا صَحَّتِ الدَّعْوَى سَأَلَ الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنِ اعْتَرَفَ أَوْ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً قَضَى عَلَيْهِ، وَإِلَّا يُسْتَحْلَفُ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنِ الْمُدَّعِي إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَخْرَسَ
[شروط الدعوى وحكمها]
قَالَ: (وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى بِشَيْءٍ مَعْلُومِ الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ) لِأَنَّ الدَّعْوَى لِلْإِلْزَامِ، وَالْقَضَاءُ بِالْمَجْهُولِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَكَذَلِكَ الشَّهَادَةُ بِالْمَجْهُولِ لَا تُقْبَلُ.
(فَإِنْ كَانَ دَيْنًا ذَكَرَ أَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِهِ) لِأَنَّ فَائِدَةَ الدَّعْوَى إِجْبَارُ الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى إِيفَاءِ حَقِّ الْمُدَّعِي، وَلَيْسَ لِلْقَاضِي ذَلِكَ إِلَّا إِذَا طَالَبَهُ بِهِ فَامْتَنَعَ، وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْوَصْفِ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ.
(وَإِنْ كَانَ عَيْنًا كَلَّفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِحْضَارَهَا) لِيُشِيرَ إِلَيْهَا بِالدَّعْوَى وَالشُّهُودِ عِنْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، وَالْمُنْكِرُ عِنْدَ الْيَمِينِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي التَّعْرِيفِ.
(فَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَاضِرَةً ذَكَرَ قِيمَتَهَا) لِأَنَّهُ إِذَا تَعَذَّرَ مُشَاهَدَةُ الْعَيْنِ فَالْقِيمَةُ تَقُومُ مَقَامَهَا كَمَا فِي الِاسْتِهْلَاكِ، إِذْ هِيَ الْمَقْصُودُ غَالِبًا، وَيَذْكُرُ فِي الْقِيمَةِ شَيْئًا مُعَيَّنًا فِي قَدْرِهِ وَوَصْفِهِ وَجِنْسِهِ نَفْيًا لِلْجَهَالَةِ لِمَا بَيَّنَّا، وَإِنْ كَانَ حَيَوَانًا يَذْكُرُ الذُّكُورَةَ أَوِ الْأُنُوثَةَ.
(وَإِنْ كَانَ عَقَارًا ذَكَرَ حُدُودَهُ الْأَرْبَعَةَ وَأَسْمَاءَ أَصْحَابِهَا وَنَسَبَهُمْ إِلَى الْجَدِّ وَذَكَرَ الْمَحَلَّةَ وَالْبَلَدَ) لِأَنَّ الْعَقَارَ لَا يُمْكِنُ إِحْضَارُهُ فَتَعَذَّرَ تَعْرِيفُهُ بِالْإِشَارَةِ فَيُعَرَّفُ بِالْحُدُودِ وَيَبْدَأُ بِذِكْرِ الْبَلْدَةِ لِأَنَّهُ أَعَمُّ ثُمَّ بِالْمَحَلَّةِ الَّتِي فِيهَا الْعَقَارُ ثُمَّ يُبَيِّنُ الْحُدُودَ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ يَقَعُ بِذَلِكَ، وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ أَصْحَابِهَا وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ وَأَجْدَادِهِمْ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي التَّعْرِيفِ، وَفِي ذِكْرِ الْجَدِّ خِلَافُ أَبِي يُوسُفَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ مَشْهُورًا لَا يُحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِ النَّسَبِ لِوُجُودِ التَّعْرِيفِ بِدُونِهِ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الشُّهُودِ ذِكْرُ الْحُدُودِ كَمَا مَرَّ.
قَالَ: (ثُمَّ يَذْكُرُ أَنَّهُ فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَأَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِهِ) لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ لَا يَكُونُ خَصْمًا وَالْحَقُّ لَهُ فَلَا يُسْتَوْفَى إِلَّا بِطَلَبِهِ؛ وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ فِي يَدِهِ رَهْنًا أَوْ مَحْبُوسًا بِالثَّمَنِ، فَإِذَا طَالَبَهُ زَالَ الِاحْتِمَالُ، وَلَا يَثْبُتُ كَوْنُهُ فِي يَدِهِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ عِلْمِ الْقَاضِي، وَلَا يَثْبُتُ بِتَصَادُقِهِمَا نَفْيًا لِتُهْمَةِ الْمُوَاضَعَةِ لِجَوَازِ أَنَّهُ فِي يَدِ غَيْرِهِ بِخِلَافِ الْمَنْقُولِ، لِأَنَّ الْيَدَ فِيهِ مُشَاهَدَةٌ.
قَالَ: (وَإِذَا صَحَّتِ الدَّعْوَى سَأَلَ الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) لِيَنْكَشِفَ وَجْهُ الْحُكْمِ وَلِوُجُوبِ الْجَوَابِ عَلَيْهِ، (فَإِنِ اعْتَرَفَ أَوْ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً قَضَى عَلَيْهِ) ؛ أَمَّا الِاعْتِرَافُ فَلِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِيهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤] أَيْ شَاهِدٌ، وَأَمَّا الْبَيِّنَةُ فَلِأَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْبَيَانِ وَهُوَ الْإِظْهَارُ، فَهِيَ تُظْهِرُ الْحَقَّ وَتَكْشِفُ صِدْقَ الدَّعْوَى فَيَقْضِي بِهَا، وَعَلَى هَذَا إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ: (وَإِلَّا يُسْتَحْلَفُ) لِقَوْلِهِ
стр. 283
فَإِنْ حَلَفَ انْقَطَعَتِ الْخُصُومَةُ إِلَّا أَنْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ، وَإِنْ نَكَلَ يَقْضِي عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، فَإِنْ قَضَى أَوَّلَ مَا نَكَلَ جَازَ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ ثَلَاثًا، وَيَثْبُتُ النُّكُولُ بِقَوْلِهِ لَا أَحْلِفُ، وَبِالسُّكُوتِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِهِ خَرَسٌ أَوْ طَرَشٌ، وَلَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي (ف) ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
﵊: «أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: " فَلَكَ يَمِينُهُ» ، وَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِ الْمُدَّعِي وَاسْتِحْلَافِهِ؛ لِأَنَّهَا حَقُّهُ بِالْإِضَافَةِ إِلَيْهِ.
(فَإِنْ حَلَفَ انْقَطَعَتِ الْخُصُومَةُ) لِقَوْلِهِ ﵊: «لَيْسَ لَكَ غَيْرُ ذَلِكَ» فِيمَا رَوَيْنَا مِنَ الْحَدِيثِ.
قَالَ: (إِلَّا أَنْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ) فَتُقْبَلُ، قَالَ ﵊: «الْيَمِينُ الْفَاجِرَةُ أَحَقُّ أَنْ تُرَدَّ مِنَ الْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ» ، وَلِأَنَّ طَلَبَ الْيَمِينِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْبَيِّنَةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا غَائِبَةٌ أَوْ حَاضِرَةٌ فِي الْبَلَدِ وَلَمْ يَحْضُرْهَا؛ وَلِأَنَّ الْيَمِينَ بَدَلٌ عَنِ الْبَيِّنَةِ، وَإِذَا قُدِرَ عَلَى الْأَصْلِ بَطَلَ حُكْمُ الْخُلْفِ.
قَالَ: (وَإِنْ نَكَلَ يَقْضِي عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ) لِأَنَّ النُّكُولَ اعْتِرَافٌ وَإِلَّا يَحْلِفُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ وَقَطْعًا لِلْخُصُومَةِ، فَكَانَ نُكُولُهُ إِقْرَارًا أَوْ بَدَلًا فَيُقْضَى بِهِ.
(فَإِنْ قَضَى عَلَيْهِ أَوَّلُ مَا نَكَلَ جَازَ) لِأَنَّهُ حُجَّةٌ كَالْإِقْرَارِ.
(وَالْأَوْلَى أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ ثَلَاثًا) وَيُخْبِرُهُ أَنَّ مِنْ مَذْهَبِهِ الْقَضَاءَ بِالنُّكُولِ؛ لِأَنَّهُ فَصْلٌ مُجْتَهَدٌ فِيهِ، فَرُبَّمَا يَخْفَى عَلَيْهِ حُكْمُهُ، فَإِذَا عَرَضَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا وَأَبَى قَضَى عَلَيْهِ، هَكَذَا فَعَلَهُ أَبُو يُوسُفَ مَعَ وَكِيلِ الْخَلِيفَةِ وَأَلْزَمَهُ بِالْمَالِ، وَإِنْ قَالَ بَعْدَ النُّكُولِ: أَنَا أَحْلِفُ إِنْ كَانَ قَبْلَ الْقَضَاءِ حَلَّفَهُ لِكَوْنِهِ مُخْتَلَفًا فِيهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَضَاءِ لَمْ يُحَلِّفْهُ؛ لِأَنَّ النُّكُولَ بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ، وَلَوْ أَقَرَّ ثُمَّ قَالَ أَحْلِفُ لَا يُسْمَعُ مِنْهُ كَذَا هَذَا.
(وَيَثْبُتُ النُّكُولُ بِقَوْلِهِ لَا أَحْلِفُ) لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِيهِ.
(وَبِالسُّكُوتِ) لِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ عَلَيْهِ وَإِلَّا يَحْلِفُ.
(إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِهِ خَرَسٌ أَوْ طَرَشٌ) فَيُعْذَرُ.
قَالَ: (وَلَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي) لِقَوْلِهِ ﵊: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» جَعَلَ جِنْسَ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ وَذَلِكَ يَنْفِي رَدَّهَا عَلَى الْمُدَّعِي، وَلِأَنَّهُ قَسْمٌ وَالْقِسْمَةُ تُنَافِي الشَّرِكَةَ، فَلَا يَكُونُ لِلْمُدَّعِي يَمِينٌ، وَيَلْزَمُ مِنْ هَذَا عَدَمُ جَوَازِ الْقَضَاءِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ؛ لِأَنَّ مَا رَوَيْنَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ لِلْمُدَّعِي يَمِينٌ مُعْتَبَرَةٌ، فَيَبْقَى الْقَضَاءُ بِشَاهِدٍ فَرْدٍ، وَأَنَّهُ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَكَذَا قَوْلُهُ ﵊ فِي حَدِيثِ الْحَضْرَمِيِّ: «أَلَكَ بَيِّنَةٌ "؟ قَالَ: لَا، قَالَ: " لَكَ يَمِينُهُ لَيْسَ لَكَ غَيْرُ ذَلِكَ» يَنْفِي الْجَوَازَ أَيْضًا لِأَنَّهُ غَيْرُ الْمُشَارِ إِلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ. وَمَا رُوِيَ: «أَنَّهُ ﵊ قَضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ» فَمَرْدُودٌ لِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَوْجَبَ الْحَقَّ لِلْمُدَّعِي بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، وَنَقَلَهُ عِنْدَ عَدَمِهِمَا إِلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، فَالنَّقْلُ إِلَى غَيْرِهِ خِلَافُ الْكِتَابِ، أَوْ نَقُولُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ خِلَافُ الْكِتَابِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ وَرَدَ فِي حَادِثَةٍ عَامَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ بَيْنَ السَّلَفِ، فَلَوْ كَانَ ثَابِتًا لَارْتَفَعَ الْخِلَافُ، فَلَمَّا لَمْ يَرْتَفِعْ دَلَّ عَلَى عَدَمِ ثُبُوتِهِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ خَبَرُ آحَادٍ،
стр. 284
وَإِنْ قَالَ: لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ فِي الْمِصْرِ وَطَلَبَ يَمِينَ خَصْمِهِ لَمْ يُسْتَحْلَفْ (سم ف) وَيَأْخُذُ مِنْهُ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَإِنْ كَانَ غَرِيبًا يُلَازِمُهُ مِقْدَارَ مَجْلِسِ الْقَاضِي، وَلَا يُسْتَحْلَفُ فِي النِّكَاحِ (سم) ، وَالرَّجْعَةِ وَالْفَيْءِ فِي الْإِيلَاءِ وَالرِّقِّ وَالِاسْتِيلَادِ وَالنَّسَبِ وَالْوَلَاءِ وَالْحُدُودِ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَقَوْلُهُ ﵊: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» مَشْهُورٌ قَرِيبٌ مِنَ التَّوَاتُرِ فَلَا يُعَارِضُهُ؛ لِأَنَّ خَبَرَ الْآحَادِ إِذَا وَرَدَ مُعَارِضًا لِلْخَبَرِ الْمَشْهُورِ يُرَدُّ.
الرَّابِعُ: رَدَّهُ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ كَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَغَيْرِهِ.
الْخَامِسُ: مَا رُوِيَ عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: الْقَضَاءُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ بِدْعَةٌ، وَأَوَّلُ مَنْ قَضَى بِهِ مُعَاوِيَةُ.
قَالَ: (وَإِنْ قَالَ: لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ فِي الْمِصْرِ وَطَلَبَ يَمِينَ خَصْمِهِ لَمْ يُسْتَحْلَفْ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يُسْتَحْلَفُ، لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقُّهُ فَلَا يَبْطُلُ إِلَّا بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ لَا بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَاعْتِرَافُهُ بِالْبَيِّنَةِ لَا يَكُونُ اعْتِرَافًا بِسُقُوطِ الْيَمِينِ، وَلَهُ قَوْلُهُ ﵊: «أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَلَكَ يَمِينُهُ» ؛ رَتَّبَ الْيَمِينَ عَلَى عَدَمِ الْبَيِّنَةِ فَلَا يَجِبُ مَعَ وُجُودِهَا؛ وَلِأَنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَامَتِ الْبَيِّنَةُ سَقَطَتِ الْيَمِينُ، حَتَّى لَوْ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: أَنَا أَحْلِفُ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَإِذَا كَانَتِ الْيَمِينُ لَا يَثْبُتُ حُكْمُهَا مَعَ الْبَيِّنَةِ، فَإِذَا اعْتَرَفَ بِالْبَيِّنَةِ وَأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِقَامَتِهَا فَقَدِ اعْتَرَفَ أَنَّهُ لَا يَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
قَالَ: (وَيَأْخُذُ مِنْهُ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) وَيُجِيبُهُ الْقَاضِي إِلَى ذَلِكَ اسْتِحْسَانًا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ يَغِيبُ قَبْلَ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، وَكَذَا لَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ قَبْلَ الْقَضَاءِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ يَغِيبُ قَبْلَ الْقَضَاءِ فَيَتَعَذَّرُ الْقَضَاءُ فَيَكْفُلُهُ مُدَّةَ إِحْضَارِ الشُّهُودِ عَلَى مَا يُرْوَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى عِنْدَ الْقَاضِي يُعَدِّيهِ إِحْيَاءً لِلْحُقُوقِ كَذَا هَذَا، وَيَكْتَفِي بِالْكَفِيلِ أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا لِيَحْصُلَ التَّوَثُّقُ، وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مَلِيًّا أَوْ تَاجِرًا، فَإِنِ امْتَنَعَ أَنْ يُعْطِيَهُ كَفِيلًا أَمَرَهُ الْقَاضِي بِالْمُلَازَمَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي أَدَبِ الْقَاضِي.
(وَإِنْ كَانَ غَرِيبًا يُلَازِمُهُ مِقْدَارَ مَجْلِسِ الْقَاضِي) لِأَنَّ مُلَازَمَتَهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ تَضُرُّهُ وَتَمْنَعُهُ مِنْ سَفَرِهِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ، بِخِلَافِ الْمُقِيمِ إِذْ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا إِذَا كَانَ حَقًّا لَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ؛ أَمَّا الْحُدُودُ وَالْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ فَلَا يَأْخُذُ مِنْهُ كَفِيلًا، وَقَالَا: يَأْخُذُ مِنْهُ كَفِيلًا فِي حَدِّ الْقَذْفِ وَفِي السَّرِقَةِ إِنِ ادَّعَى الْمَالَ.
قَالَ: (وَلَا يُسْتَحْلَفُ فِي النِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ وَالْفَيْءِ فِي الْإِيلَاءِ وَالرِّقِّ وَالِاسْتِيلَادِ وَالنَّسَبِ وَالْوَلَاءِ وَالْحُدُودِ) ، وَقَالَا: يُسْتَحْلَفُ فِيهَا إِلَّا الْحُدُودَ وَاللَّعَانَ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ النُّكُولَ بَذْلٌ عِنْدَهُ، وَالْبَذْلُ لَا يَجْرِي فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إِقْرَارٌ عِنْدَهُمَا، وَالْإِقْرَارُ يَجْرِي فِيهَا. لَهُمَا أَنَّ النَّاكِلَ مُمْتَنِعٌ عَنِ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ ظَاهِرًا، فَيَصِيرُ مُعْتَرِفًا بِالْمُدَّعَى دَلَالَةً، إِلَّا أَنَّهُ إِقْرَارٌ فِيهِ شُبْهَةٌ، وَالْحُدُودُ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، وَاللِّعَانُ فِي مَعْنَى الْحُدُودِ.
وَلَهُ أَنَّا
стр. 285
وَيُسْتَحْلَفُ فِي الْقِصَاصِ، فَإِنْ نَكَلَ اقْتُصَّ مِنْهُ (سم) فِي الْأَطْرَافِ، وَفِي النُّفُوسِ يُحْبَسُ حَتَّى يَحْلِفَ (سم) أَوْ يُقِرَّ، وَإِنِ ادَّعَتْ عَلَيْهِ طَلَاقًا قَبْلَ الدُّخُولِ اسْتُحْلِفَ، فَإِنْ نَكَلَ قُضِيَ عَلَيْهِ بِنِصْفِ الْمَهْرِ وَالْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى لَا غَيْرُ، وَتُغَلَّظُ بِأَوْصَافِهِ إِنْ شَاءَ الْقَاضِي،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لَوِ اعْتَبَرْنَاهُ إِقْرَارًا يَكُونُ كَاذِبًا فِي إِنْكَارِهِ وَالْكَذِبُ حَرَامٌ، وَلَوْ جَعَلْنَاهُ بَذْلًا وَإِبَاحَةً لَا يَكُونُ كَاذِبًا فَيُجْعَلُ بَاذِلًا صِيَانَةً لَهُ عَنِ الْحَرَامِ، وَالْمَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِحْلَافِ الْقَضَاءُ بِالنُّكُولِ، فَكُلُّ مَوْضِعٍ لَا يُقْضَى فِيهِ بِالنُّكُولِ لَا يُسْتَحْلَفُ، وَيُسْتَحْلَفُ فِي السَّرِقَةِ إِنِ ادَّعَى الْمَالَ فَيُحَلِّفُهُ بِاللَّهِ مَا لَهُ عَلَيْهِ هَذَا الْمَالُ وَلَا شَيْءٌ مِنْهُ، فَإِنْ نَكَلَ ضَمَّنَهُ الْمَالَ لِثُبُوتِهِ مَعَ الشُّبْهَةِ، وَلَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبْهَةِ، وَدَعْوَى الِاسْتِيلَادِ أَنْ تَدَّعِيَ الْأَمَةُ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدِ سَيِّدِهَا، وَهَذَا ابْنُهَا مِنْهُ وَالْمَوْلَى يُنْكِرُ، أَمَّا لَوِ ادَّعَى الْمَوْلَى لَا يَلْتَفِتُ إِلَى إِنْكَارِهَا؛ لَأَنَّ الِاسْتِيلَادَ وَالنَّسَبَ يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ.
وَاخْتَارَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا لِعُمُومِ الْبَلْوَى، ثُمَّ عِنْدَهُمَا كُلُّ نَسَبٍ يَثْبُتُ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى الْمَالِ كَالْبُنُوَّةِ وَالزَّوْجِيَّةِ وَالْمَمْلُوكِيَّةِ يُسْتَحْلَفُ عَلَيْهِ، وَكُلُّ نَسَبٍ لَوْ أَقَرَّ بِهِ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِدَعْوَى الْمَالِ كَالْأَخِ وَالْعَمِّ لَا يُسْتَحْلَفُ إِلَّا إِذَا ادَّعَى بِسَبَبِهِ مَالًا أَوْ حَقًّا كَدَعْوَى الْإِرْثِ وَعَدَمِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ وَنَحْوِهِ.
قَالَ: (وَيُسْتَحْلَفُ فِي الْقِصَاصِ) بِالْإِجْمَاعِ.
(فَإِنْ نَكَلَ اقْتُصَّ مِنْهُ فِي الْأَطْرَافِ، وَفِي النُّفُوسِ يُحْبَسُ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يُقِرَّ) ، وَقَالَا: يَلْزَمُهُ الْأَرْشُ فِيهِمَا، لِأَنَّ النُّكُولَ إِقْرَارٌ فِيهِ شُبْهَةُ الْعَدَمِ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ الْقِصَاصُ، فَيَجِبُ الْمَالُ سِيَّمَا إِذَا ادَّعَى الْوَلِيُّ الْعَمْدَ وَالْآخَرُ الْخَطَأَ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْأَطْرَافَ تَجْرِي مَجْرَى الْأَمْوَالِ فَيَجْرِي فِيهَا الْبَذْلُ حَتَّى لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ اقْطَعْ يَدِي فَقَطَعَهَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهَذَا دَلِيلُ الْبَذْلِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُبَاحُ لَهُ الْقَطْعُ، لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لَهُ فِيهِ، وَالْبَذْلُ هَنَا مُفِيدٌ لِانْقِطَاعِ الْخُصُومَةِ، وَلَا كَذَلِكَ النَّفْسُ فَلَا يَجْرِي فِيهَا الْبَذْلُ، وَإِذَا امْتَنَعَ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ وَالْيَمِينُ مُسْتَحَقَّةٌ عَلَيْهِ يُحْبَسُ بِهَا كَمَا فِي الْقَسَامَةِ.
قَالَ: (وَإِنِ ادَّعَتْ عَلَيْهِ طَلَاقًا قَبْلَ الدُّخُولِ اسْتُحْلِفَ) لِأَنَّهُ دَعْوَى مَالٍ.
(فَإِنْ نَكَلَ قُضِيَ عَلَيْهِ بِنِصْفِ الْمَهْرِ) لِمَا مَرَّ، وَكَذَا إِذَا ادَّعَتِ الصَّدَاقَ فِي النِّكَاحِ يُسْتَحْلَفُ؛ لِأَنَّهَا دَعْوَى مَالٍ، وَيَثْبُتُ الْمَالُ بِالنُّكُولِ دُونَ النِّكَاحِ وَقَدْ مَرَّ.
(وَالْيَمِينُ بِاللَّهِ تَعَالَى لَا غَيْرُ) قَالَ ﵊: «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَذَرَ» .
(وَتُغَلَّظُ بِأَوْصَافِهِ إِنْ شَاءَ الْقَاضِي) ، وَقِيلَ يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْحَالِفِ وَصَلَاحِهِ وَخَوْفِهِ وَقِلَّةِ مُبَالَاتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقِيلَ يَخْتَلِفُ بِكَثْرَةِ الْمَالِ وَقِلَّتِهِ، وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَعِظَ الْحَالِفَ قَبْلَ الْحَلِفِ، وَيُعَظِّمَ عِنْدَهُ حُرْمَةَ الْيَمِينِ، وَيَتْلُوَ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [آل عمران: ٧٧] الْآيَةَ، وَيَذْكُرُ لَهُ قَوْلُهُ - صَلَّى لِلَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ»
стр. 286
وَيُحْتَاطُ مِنَ التَّكْرَارِ، وَلَا تُغَلَّظُ بِزَمَانٍ وَلَا مَكَانٍ، وَيُسْتَحْلَفُ الْيَهُودِيُّ بِاللَّهِ الَذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، وَالنَّصْرَانِيُّ بِاللَّهِ الَذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى، وَالْمَجُوسِيُّ بِاللَّهِ الَذِي خَلَقَ النَّارَ، وَالْوَثَنِيُّ بِاللَّهِ، وَلَا يُحَلَّفُونَ فِي بُيُوتِ عِبَادَاتِهِمْ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَتَغْلِيظُ الْيَمِينِ أَنْ يَقُولَ: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الطَّالِبِ الْغَالِبِ، الْمُدْرِكِ الْمُهْلِكِ، الَّذِي يَعْلَمُ مِنَ السِّرَّ مَا يَعْلَمُ مِنَ الْعَلَانِيَةِ، الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ، وَيَزِيدُ عَلَيْهِ مَا يَشَاءُ وَيُنْقِصُ.
(وَيَحْتَاطُ مِنَ التَّكْرَارِ) بِإِدْخَالِ الْحُرُوفِ الْعَاطِفَةِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ، فَإِنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ.
(وَلَا تُغَلَّظُ بِزَمَانٍ وَلَا مَكَانٍ) لِأَنَّ تَعْظِيمَ الْمُقْسَمِ بِهِ حَاصِلٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ وَهُوَ الْمَقْصُودُ، وَلَا يُسْتَحْلَفُ بِالطَّلَاقِ وَلَا بِالْعَتَاقِ لِلْحَدِيثِ. وَقِيلَ يَحْلِفُ فِي زَمَانِنَا لِقِلَّةِ مُبَالَاةِ النَّاسِ بِالْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ وَكَثْرَةِ إِقْدَامِهِمْ عَلَى ذَلِكَ، وَكَرَاهَتِهِمُ الْيَمِينَ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ امْتِنَاعُهُمْ عَنِ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ وَجُحُودِ الْحَقِّ، وَذَلِكَ فِيمَا يُعَظِّمُونَهُ أَكْثَرُ.
قَالَ: (وَيُسْتَحْلَفُ الْيَهُودِيُّ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، وَالنَّصْرَانِيُّ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى، وَالْمَجُوسِيُّ بِاللَّهِ الَّذِي خَلَقَ النَّارَ) ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ: «أَنَّهُ ﷺ حَلَّفَ ابْنَ صُورِيَّا الْيَهُودِيَّ عَلَى حُكْمِ الزِّنَا فِي التَّوْرَاةِ فَقَالَ لَهُ: " أُنْشِدُكَ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى» ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الْيَهُودِيِّ فَالنَّصْرَانِيُّ مِثْلُهُ فِي الْإِنْجِيلِ، وَالْمَجُوسِيُّ فِي النَّارِ، لِأَنَّ النَّصْرَانِيَّ يُعَظِّمُ الْإِنْجِيلَ، وَالْمَجُوسِيَّ يُعَظِّمُ النَّارَ كَتَعْظِيمِ الْيَهُودِيِّ التَّوْرَاةَ، فَيُحَلِّفُهُمْ بِمَا يَكُونُ أَعْظَمُ فِي صُدُورِهِمْ، وَالْمَذْكُورُ فِي الْمَجُوسِيِّ قَوْلُ مُحَمَّدٍ. أَمَّا عِنْدَهُمَا يَحْلِفُ بِاللَّهِ لَا غَيْرُ؛ لِأَنَّ التَّغْلِيظَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَجُوزُ، وَلِأَنَّ ذِكْرَ النَّارِ مَعَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى تَعْظِيمٌ لَهَا، وَلَا يَجُوزُ، إِلَّا أَنَّ الْيَهُودِيَّ وَالنَّصْرَانِيَّ وَرَدَ فِيهِمَا نَصٌّ خَاصٌّ، وَلِأَنَّ كُتُبَ اللَّهِ تَعَالَى مُعَظَّمَةٌ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ أَحَدٌ إِلَّا بِاللَّهِ خَالِصًا.
(وَ) يَحْلِفُ. (الْوَثَنِيُّ بِاللَّهِ) لِأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ اللَّهَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] وَلَا يُسْتَحْلَفُ بِاللَّهِ الَّذِي خَلَقَ الْوَثَنَ وَالصَّنَمَ لِمَا مَرَّ، وَلَوِ اقْتَصَرَ فِي الْكُلِّ عَلَى قَوْلِهِ بِاللَّهِ فَهُوَ كَافٍ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لِلتَّأْكِيدِ كَمَا قُلْنَا فِي الْمُسْلِمِ، وَإِنَّمَا يُغَلَّظُ لِيَكُونَ أَعْظَمَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَلَا يَتَجَاسَرُونَ عَلَى الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ.
قَالَ: (وَلَا يُحَلَّفُونَ فِي بُيُوتِ عِبَادَاتِهِمْ) لِأَنَّ الْغَرَضَ الْيَمِينُ بِاللَّهِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِتَعْظِيمِهَا وَلَا يَجُوزُ؛ وَلِأَنَّ الْمُسْلِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ دُخُولِهَا. وَيُسْتَحْلَفُ الْأَخْرَسُ فَيَقُولُ لَهُ الْقَاضِي: عَلَيْكَ عَهْدُ اللَّهِ إِنْ كَانَ لِهَذَا عَلَيْكَ هَذَا الْحَقُّ، وَيُشِيرُ الْأَخْرَسُ بِرَأْسِهِ: أَيْ نَعَمْ.
ثُمَّ الِاسْتِحْلَافُ عَلَى نَوْعَيْنِ: عَلَى الْعُقُودِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْأَفْعَالِ الْحِسِّيَّةِ؛ فَالْعُقُودُ الشَّرْعِيَّةُ:
стр. 287
فَيُحَلِّفُهُ فِي الْبَيْعِ بِاللَّهِ مَا بَيْنَكُمَا بَيْعٌ قَائِمٌ فِيمَا ذُكِرَ، وَفِي النِّكَاحِ مَا بَيْنَكُمَا نِكَاحٌ قَائِمٌ فِي الْحَالِ، وَفِي الطَّلَاقِ مَا هِيَ بَائِنٌ مِنْكَ السَّاعَةَ، وَفِي الْوَدِيعَةِ مَا لَهُ هَذَا الَذِي ادَّعَاهُ فِي يَدِكَ وَدِيَعَةٌ وَلَا شَيْءَ مِنْهُ، وَلَا لَهُ قِبَلَكَ حَقٌّ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
يُحَلِّفُهُ الْقَاضِي عَلَى الْحَاصِلِ بِاللَّهِ مَا لَهُ قِبَلَكَ مَا ادَّعَى مِنَ الْحَقِّ، وَلَا يُحَلِّفُهُ عَلَى السَّبَبِ وَهُوَ الْعَقْدُ، لِأَنَّ الْعَقْدَ رُبَّمَا انْفَسَخَ بِالتَّفَاسُخِ أَوْ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ مُوجِبِهِ بِالْإِبْرَاءِ وَالْإِيفَاءِ فَيَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إِنْ حَلَفَ كَذَبَ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، وَلَا كَذَلِكَ إِذَا حَلَّفَهُ عَلَى الْحَاصِلِ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ مُحِقًّا أَمْكَنَهُ الْحَلِفُ فَلَا يَتَضَرَّرُ، وَقِيلَ إِنْ أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ السَّبَبَ حَلَفَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَنْكَرَ الْحُكْمَ حَلَفَ عَلَى الْحَاصِلِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ تَرْكُ النَّظَرِ لِلْمُدَّعِي بِأَنْ يَدَّعِيَ الشُّفْعَةَ بِالْجِوَارِ أَوْ نَفَقَةِ الْمَبْتُوتَةِ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا يَرَاهَا، فَحِينَئِذٍ يُحَلِّفُهُ عَلَى السَّبَبِ، لِأَنَّهُ إِذَا حَلَفَ عَلَى الْحَاصِلِ فَهُوَ يَعْتَقِدُ صِدْقَ يَمِينِهِ بِنَاءً عَلَى اعْتِقَادِهِ فَيَبْطُلُ حَقُّ الْمُدَّعِي، فَيُحَلِّفُهُ بِاللَّهِ مَا اشْتَرَيْتُ هَذِهِ الدَّارَ الَّتِي سَمَّاهَا بِكَذَا، وَفِي الْمَبْتُوتَةِ بِاللَّهِ مَا هِيَ مُعْتَدَّةٌ مِنْكَ، وَمِثْلُهُ إِذَا ادَّعَتِ الْفُرْقَةَ بِمُضِيِّ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ يُحَلِّفُهُ بِاللَّهِ مَا آلَى مِنْهَا فِي وَقْتِ كَذَا وَلَا يُحَلِّفُهُ بِاللَّهِ مَا هِيَ بَائِنٌ مِنْكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَى ذَلِكَ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُحَلِّفُهُ عَلَى الْعَقْدِ إِلَّا إِذَا ذَكَرَ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَا فَيُحَلِّفُهُ عَلَى الْحَاصِلِ. وَالْأَفْعَالُ الْحِسِّيَّةُ نَوْعَانِ: أَحَدُهَا يُسْتَحْلَفُ عَلَى الْحَاصِلِ أَيْضًا كَالْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ. وَالثَّانِي يُحَلِّفُهُ عَلَى السَّبَبِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ فِي أَثْنَاءِ الْمَسَائِلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(فَيُحَلِّفُهُ فِي الْبَيْعِ بِاللَّهِ مَا بَيْنَكُمَا بَيْعٌ قَائِمٌ فِيمَا ذَكَرَ، وَفِي النِّكَاحِ مَا بَيْنَكُمَا نِكَاحٌ قَائِمٌ فِي الْحَالِ) لِأَنَّهُ قَدْ يُطَلِّقُهَا أَوْ يُخَالِعُهَا بَعْدَ الْعَقْدِ.
(وَفِي الطَّلَاقِ مَا هِيَ بَائِنٌ مِنْكَ السَّاعَةَ، وَفِي الْوَدِيعَةِ مَا لَهُ هَذَا الَّذِي ادَّعَاهُ فِي يَدِكَ وَدِيعَةً وَلَا شَيْءَ مِنْهُ، وَلَا لَهُ قِبَلَكَ حَقٌّ) لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَدْ بَرِئَ مِنْ بَعْضِهَا أَوِ اسْتَهْلَكَهَا، وَفِي الْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ إِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ قَائِمَةً بِاللَّهِ مَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْكَ رَدُّهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَغْصِبُهُ ثُمَّ يُمَلِّكُهُ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ هَالِكَةً يُسْتَحْلَفُ عَلَى قِيمَتِهَا، وَقِيلَ يَحْلِفُ عَلَى الثَّوْبِ وَالْقِيمَةِ جَمِيعًا.
وَالنَّوْعُ الثَّانِي مِنَ الْأَفْعَالِ الْحِسِّيَّةِ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَى غَيْرِهِ أَنَّهُ وَضَعَ عَلَى حَائِطِهِ خَشَبَةً، أَوْ بَنَى عَلَيْهِ، أَوْ أَجْرَى مِيزَابًا عَلَى سَطْحِهِ أَوْ فِي دَارِهِ، أَوْ رَمَى تُرَابًا فِي أَرْضِهِ، أَوْ شَقَّ فِي أَرْضِهِ نَهْرًا، فَإِنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى السَّبَبِ بِاللَّهِ مَا فَعَلْتُ كَذَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا تَرْتَفِعُ، وَمِثْلُهُ إِذَا ادَّعَى الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ عَلَى مَوْلَاهُ الْعِتْقَ يَحْلِفُ عَلَى السَّيْبِ لِأَنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ، وَفِي الْأَمَةِ وَالْعَبْدِ الْكَافِرِ يُحَلِّفُهُ عَلَى الْحَاصِلُ، لِأَنَّ الرِّقَّ يَتَكَرَّرُ عَلَى الْأَمَةِ بِالرِّدَّةِ وَاللَّحَاقِ، وَعَلَى الْعَبْدِ الْكَافِرِ بِنَقْضِ الْعَهْدِ وَاللَّحَاقِ وَلَا كَذَلِكَ الْمُسْلِمُ، وَيُحَلِّفُهُ فِي الدَّيْنِ بِاللَّهِ مَا لَهُ عَلَيْكَ مِنَ الدَّيْنِ وَالْقَرْضِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أَدَّى الْبَعْضَ
стр. 288
وَإِذَا قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هَذَا الشَّيْءُ أَوْدَعَنِيهِ فُلَانٌ الْغَائِبُ، أَوْ رَهَنَهُ عِنْدِي، أَوْ غَصَبْتُهُ مِنْهُ أَوْ أَعَارَنِي أَوْ آجَرَنِي وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً فَلَا خُصُومَةَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُحْتَالًا، وَإِذَا قَالَ الشُّهُودُ أَوْدَعَهُ رَجُلٌ لَا نَعْرِفُهُ لَمْ تَنْدَفِعِ الْخُصُومَةُ.
فَصْلٌ
بَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَوْلَى مِنْ بَيِّنَةِ ذِي الْيَدِ عَلَى مُطْلَقِ الْمِلْكِ ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ فَلَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ عَلَى الْجَمِيعِ، وَمَنِ افْتَدَى يَمِينَهُ مِنْ خَصْمِهِ بِمَالٍ صَالَحَهُ عَلَيْهِ جَازَ وَسَقَطَ حَقُّهُ فِي الِاسْتِحْلَافِ أَصْلًا. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ افْتَدَى يَمِينَهُ وَقَالَ: أَخَافُ أَنْ يُصِيبَ النَّاسَ بَلَاءٌ فَيَقُولُونَ هَذَا بِيَمِينِ عُثْمَانَ.
قَالَ: (وَإِذَا قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هَذَا الشَّيْءُ أَوْدَعَنِيهِ فُلَانٌ الْغَائِبُ أَوْ رَهَنَهُ عِنْدِي أَوْ غَصَبْتُهُ مِنْهُ أَوْ أَعَارَنِي أَوْ آجَرَنِي وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً فَلَا خُصُومَةَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُحْتَالًا) وَلَا بُدَّ مِنْ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى دَعْوَاهُ لِدَفْعِ الْخُصُومَةِ؛ لِأَنَّ بِالنَّظَرِ إِلَى كَوْنِهِ فِي يَدِهِ هُوَ خَصْمٌ ثُمَّ هُوَ بِإِقْرَارِهِ يُرِيدُ دَفْعَ الْخُصُومَةِ عَنْهُ فَلَا تُقْبَلُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ. وَقَوْلُهُ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُحْتَالًا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ فَإِنَّهُ قَالَ: إِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعْرُوفًا بِالصَّلَاحِ فَالْجَوَابُ كَمَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْحِيَلِ لَا يَنْدَفِعُ؛ لِأَنَّ الْمُحْتَالَ قَدْ يَدْفَعُ مَالَهُ إِلَى غَيْرِهِ، ثُمَّ ذَلِكَ الْغَيْرُ يُودِعُهُ إِيَّاهُ، وَيُسَافِرُ احْتِيَالًا لِدَفْعِ الْحَقِّ، فَإِذَا عَرَفَهُ الْقَاضِي بِذَلِكَ لَا يَقْبَلُهُ.
(وَإِذَا قَالَ الشُّهُودُ أَوْدَعَهُ رَجُلٌ لَا نَعْرِفُهُ لَمْ تَنْدَفِعِ الْخُصُومَةُ) لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ الْمُدَّعِي وَلَوْ قَالُوا نَعْرِفُهُ بِوَجْهِهِ وَلَا نَعْرِفُ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ انْدَفَعَتْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا تَنْدَفِعُ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالْمَجْهُولِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ لَا يُمْكِنُهُ اتِّبَاعُهُ فَيَتَضَرَّرُ، وَصَارَ كَالْفَصْلِ الْأَوَّلِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْيَدَ تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ وَتُوجِبُ الْخُصُومَةَ، فَإِنْ أَثْبَتَ بِالْبَيِّنَةِ كَوْنَهُ مُودَعًا انْدَفَعَتِ الْخُصُومَةُ عَنْهُ، إِلَّا أَنَّهُمْ إِذَا لَمْ يَعْرِفُوهُ بِوَجْهِهِ احْتَمَلَ أَنَّهُ الْمُدَّعِي فَلَا تَنْدَفِعُ، وَإِذَا عَرَفُوهُ بِوَجْهِهِ ثَبَتَ أَنَّهُ مُودَعٌ مِنْ غَيْرِ الْمُدَّعِي فَانْدَفَعَتِ الْخُصُومَةُ، كَمَا إِذَا عَايَنَ الْقَاضِي أَنَّهُ أَوْدَعَهُ غَيْرُ الْمُدَّعِي، إِذِ الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ كَمُعَايَنَةِ الْقَاضِي، فَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي أُودِعُهَا ثُمَّ أُوهَبُهَا مِنْكَ وَنَكَرَ يَسْتَحْلِفُهُ الْقَاضِي أَنَّهُ مَا وَهَبَهَا مِنْهُ وَلَا بَاعَهَا لَهُ، فَإِنْ نَكَلَ صَارَ خَصْمًا، وَلَوِ ادَّعَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ آخَرَ فَهُوَ خَصْمُهُ لِأَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّ يَدَهُ يَدُ مِلْكٍ فَكَانَ خَصْمًا، وَلَوْ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ نِصْفُ الدَّارِ لِي وَنِصْفُهَا وَدِيعَةُ فُلَانٍ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ انْدَفَعَتِ الْخُصُومَةُ فِي الْكُلِّ لِتَعَذُّرِ التَّمْيِيزِ.
[فصل بَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَوْلَى مِنْ بَيِّنَةِ ذِي الْيَدِ عَلَى مُطْلَقِ الْمِلْكِ]
ِ) لِأَنَّهَا أَكْثَرُ إِثْبَاتًا لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الْمِلْكَ
стр. 289
وَإِنْ أَقَامَ الْخَارِجُ الْبَيِّنَةَ عَلَى مِلْكٍ مُؤَرَّخٍ، وَذُو الْيَدِ عَلَى مِلْكٍ أَسْبَقَ مِنْهُ تَأْرِيخًا فَذُو الْيَدِ أَوْلَى، وَلَوْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ عَلَى النِّتَاجِ أَوْ عَلَى نَسْجِ ثَوْبٍ لَا يَتَكَرَّرُ نَسْجُهُ فَبَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ أَوْلَى، وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ الْبَيِّنَةَ عَلَى الشِّرَاءِ مِنَ الْآخَرِ وَلَا تَارِيخَ لَهُمَا تَهَاتَرَتَا، إِنِ ادَّعَيَا نِكَاحَ امْرَأَةٍ، وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ لَمْ يُقْضَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِلْخَارِجِ وَبَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ لَا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ ثَابِتٌ لَهُ بِالْيَدِ، وَإِذَا كَانَتْ أَكْثَرَ إِثْبَاتًا كَانَتْ أَقْوَى.
قَالَ: (وَإِنْ أَقَامَ الْخَارِجُ الْبَيِّنَةَ عَلَى مِلْكٍ مُؤَرَّخٍ، وَذُو الْيَدِ عَلَى مِلْكٍ أَسْبَقَ مِنْهُ تَأْرِيخًا فَذُو الْيَدِ أَوْلَى) لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ تُثْبِتُ الْمِلْكَ لَهُ وَقْتَ التَّأْرِيخِ، وَالْخَارِجُ لَا يَدَّعِيهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَإِذَا ثَبَتَ الْمِلْكُ لَهُ ذَلِكَ الْوَقْتَ فَلَا يَثْبُتُ بَعْدَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ إِلَّا بِالتَّلَقِّي مِنْهُ؛ إِذِ الْأَصْلُ فِي الثَّابِتِ دَوَامُهُ، وَكَذَا لَوْ كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمَا وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
(وَلَوْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ عَلَى النِّتَاجِ أَوْ عَلَى نَسْجِ ثَوْبٍ لَا يَتَكَرَّرُ نَسْجُهُ فَبَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ أَوْلَى) لِأَنَّ مَا قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْيَدُ فَتَعَارَضَتَا فَتَرَجَّحَتْ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ بِالْيَدِ، وَكَذَا كُلُّ سَبَبٍ لَا يَتَكَرَّرُ كَغَزْلِ الْقُطْنِ وَعَمَلِ الْجُبْنِ وَاللُّبَدِ وَجَزِّ الصُّوفِ وَحَلْبِ اللَّبَنِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى النِّتَاجُ، وَإِنْ كَانَ يَتَكَرَّرُ كَالْبِنَاءِ وَزَرْعِ الْحُبُوبِ وَنَسْجِ الْخَزِّ وَنَحْوِهِ فَبَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَوْلَى كَمَا فِي الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ، وَإِنْ أَشْكَلَ قَضَى لِلْخَارِجِ، وَإِنْ تَنَازَعَا فِي دَابَّةٍ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ عَلَى النِّتَاجِ وَأَرَّخَا سِنَّ الدَّابَّةِ فَهُوَ أَوْلَى، وَإِنْ أُشْكِلَ فَهِيَ بَيْنَهُمَا لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ، وَإِنْ خَالَفَ سِنَّ الدَّابَّةِ التَّارِيخَيْنِ تَهَاتَرَتَا وَتُرِكَتْ فِي يَدِ مَنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ.
قَالَ: (وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ الْبَيِّنَةَ عَلَى الشِّرَاءِ مِنَ الْآخَرِ وَلَا تَارِيخَ لَهُمَا تَهَاتَرَتَا) . قَالَ مُحَمَّدٌ: يَقْضِي لِلْخَارِجِ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِالْبَيِّنَتَيْنِ بِأَنْ بَاعَهُ الْخَارِجُ وَقَبَضَ ثُمَّ بَاعَهُ ذُو الْيَدِ وَلَمْ يَقْبِضْ، وَلَا يَنْعَكِسْ لِعَدَمِ جَوَازِ الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَإِنْ كَانَ عَقَارًا عِنْدَهُ، وَالْعَمَلُ بِالْبَيِّنَتَيْنِ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ مِنَ الدَّلَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ، وَإِنْ ذَكَرَتِ الْبَيِّنَتَانِ الْقَبْضَ عُمِلَ بِهِمَا وَيَكُونُ لِذِي الْيَدِ، وَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ بَاعَ مِنَ الْخَارِجِ وَقَبَضَهَا الْخَارِجُ، ثُمَّ بَاعَهَا مِنْ ذِي الْيَدِ وَقَبَضَهَا ذُو الْيَدِ عَمَلًا بِالْبَيِّنَتَيْنِ.
وَلَهُمَا أَنَّ شِرَاءَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْآخَرِ اعْتِرَافٌ بِكَوْنِ الْمِلْكِ لَهُ، فَكَأَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ قَامَتَا عَلَى الِاعْتِرَافَيْنِ وَإِنَّهُ مُوجِبٌ لِلتَّهَاتُرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ بَائِعًا وَمُشْتَرِيًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا دَلَالَةَ عَلَى السَّبْقِ وَلَا تَرْجِيحَ فَيَتَعَذَّرُ الْقَضَاءُ أَصْلًا، ثُمَّ هَذَا شَيْءٌ بَنَاهُ عَلَى أَصْلِهِ، فَإِنَّ عِنْدَهُمَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعَقَارِ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْخَارِجُ اشْتَرَاهُ أَوَّلًا ثُمَّ بَاعَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ لِذِي الْيَدِ فَيَكُونُ لِذِي الْيَدِ، وَمَعَ الِاحْتِمَالِ لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ وَإِنْ وَقَّتَا، فَإِنْ كَانَ الْخَارِجُ أَوَّلًا قَضَى بِهِمَا وَيَكُونُ لِذِي الْيَدِ، وَإِنْ كَانَ ذُو الْيَدِ أَوَّلًا قَضَى بِهِمَا أَيْضًا وَالْمِلْكُ لِلْخَارِجِ بِالْإِجْمَاعِ.
قَالَ: (وَإِنِ ادَّعَيَا نِكَاحَ امْرَأَةٍ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ لَمْ يَقْضِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا) لِتَعَذُّرِ الِاشْتِرَاكِ فِي النِّكَاحِ
стр. 290
وَإِنْ وَقَّتَا فَهِيَ لِلْأَوَّلِ، وَإِنِ ادَّعَيَا عَيْنًا فِي يَدِ ثَالِثٍ وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ قُضِيَ بِهَا بَيْنَهُمَا، وَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الشِّرَاءَ مِنْ صَاحِبِ الْيَدِ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَإِنْ شَاءَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَخَذَ نِصْفَ الْعَبْدِ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، فَإِنْ تَرَكَ أَحَدُهُمَا فَلَيْسَ لِلْآخَرِ أَخْذُ جَمِيعِهِ، وَإِنْ وَقَّتَا فَهُوَ لِلْأَوَّلِ، وَإِنْ وَقَّتَ أَحَدُهُمَا أَوْ كَانَ مَعَهُ قَبْضٌ فَهُوَ أَوْلَى، وَإِنِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا شِرَاءً وَالْآخَرُ هِبَةً وَقَبْضًا أَوْ صَدَقَةً وَقَبْضًا وَلَا تَارِيخَ لَهُمَا فَالشِّرَاءُ أَوْلَى، وَإِنِ ادَّعَى الشِّرَاءَ وَادَّعَتْ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا عَلَيْهِ فَهُمَا سَوَاءٌ، وَإِنْ أَقَامَ الْخَارِجَانِ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمِلْكِ وَالتَّارِيخِ، أَوْ عَلَى الشِّرَاءِ مِنْ وَاحِدٍ أَوْ مِنِ اثْنَيْنِ فَأَوَّلُهُمَا أَوْلَى، وَإِنْ أَرَّخَ أَحَدُهُمَا فَهُوَ لَهُ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَيَرْجِعُ إِلَى تَصْدِيقِهَا، فَمَنْ صَدَّقَتْهُ كَانَ زَوْجَهَا، لِأَنَّ النِّكَاحَ يُثْبُتُ بِتَصَادُقِ الزَّوْجَيْنِ.
(وَإِنْ وَقَّتَا فَهِيَ لِلْأَوَّلِ) مِنْهُمَا لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي وَقْتٍ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ فَتَرَجَّحَتْ عَلَى الثَّانِيَةِ.
قَالَ: (وَإِنِ ادَّعَيَا عَيْنًا فِي يَدِ ثَالِثٍ وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ قَضَى بِهَا بَيْنَهُمَا) لِاسْتِوَائِهِمَا فِي السَّبَبِ.
(وَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الشِّرَاءَ مِنْ صَاحِبِ الْيَدِ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ، فَإِنْ شَاءَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَخَذَ نِصْفَ الْعَبْدِ) بِنِصْفِ الثَّمَنِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي السَّبَبِ.
(وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ) لِوُجُودِ الْعَيْبِ بِالشَّرِكَةِ.
(فَإِنْ تَرَكَ أَحَدُهُمَا فَلَيْسَ لِلْآخَرِ أَخْذُ جَمِيعِهِ) لِأَنَّ بَيْعَ الْكُلِّ انْفَسَخَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي بِالنِّصْفِ حَتَّى لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ الْقَضَاءِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْفَسِخْ بَيْعُهُ فِي الْكُلِّ.
(وَإِنْ وَقَّتَا فَهُوَ لِلْأَوَّلِ) لِمَا بَيَّنَّا.
(وَإِنْ وَقَّتَ أَحَدُهُمَا أَوْ كَانَ مَعَهُ قَبْضٌ فَهُوَ أَوْلَى) أَمَّا الْوَقْتُ فَلِأَنَّهُ ثَبَتَ مِلْكُهُ فِيهِ وَوَقَعَ الشَّكُّ فِي مِلْكِ الْآخَرِ فِيهِ فَلَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ، وَأَمَّا الْقَبْضُ فَلِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الْإِثْبَاتِ فَلَا تُنْقَضُ الْيَدُ الثَّانِيَةُ بِالشَّكِّ، وَلِأَنَّ الْقَبْضَ دَلِيلُ تَقَدُّمِ شِرَائِهِ فَكَانَ أَوْلَى.
قَالَ: (وَإِنِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا شِرَاءً، وَالْآخَرُ هِبَةً وَقَبْضًا، أَوْ صَدَقَةً وَقَبْضًا وَلَا تَارِيخَ لَهُمَا فَالشِّرَاءُ أَوْلَى) لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ، وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ تَفْتَقِرُ إِلَى الْقَبْضِ فَكَانَ أَسْرَعَ ثُبُوتًا فَكَانَ أَوْلَى، وَإِنِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا بَيْعًا وَالْآخَرُ رَهْنًا فَالْبَيْعُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يُثْبِتُ الْمِلْكَ حَقِيقَةً فِي الْحَالِ، وَالرَّهْنُ إِنَّمَا يُثْبِتُهُ عِنْدَ الْهَلَاكِ تَقْدِيرًا، وَكَذَا الْهِبَةُ بِعِوَضٍ أَوْلَى مِنَ الرَّهْنِ لِمَا بَيَّنَّا.
(وَإِنِ ادَّعَى الشِّرَاءَ وَادَّعَتْ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا عَلَيْهِ فَهُمَا سَوَاءٌ) عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُمَا عَقْدَا مُعَاوَضَةٍ يَثْبُتُ الْمِلْكُ فِيهَا بِنَفْسِ الْعَقْدِ، ثُمَّ تَرْجِعُ عَلَى الزَّوْجِ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: الشِّرَاءُ أَوْلَى، وَعَلَى الزَّوْجِ الْقِيمَةُ عَمَلًا بِالْبَيِّنَتَيْنِ بِتَقْدِيمِ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ التَّزْوِيجَ عَلَى مِلْكِ الْغَيْرِ جَائِزٌ، ثُمَّ تُرَدُّ الْقِيمَةُ عِنْدَ تَعَذُّرِ التَّسْلِيمِ.
قَالَ: (وَإِنْ أَقَامَ الْخَارِجَانِ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمِلْكِ وَالتَّارِيخِ، أَوْ عَلَى الشِّرَاءِ مِنْ وَاحِدٍ أَوْ مِنَ اثْنَيْنِ) غَيْرِ ذِي الْيَدِ. (فَأَوَّلُهُمَا أَوْلَى، وَإِنْ أَرَّخَ أَحَدُهُمَا فَهُوَ لَهُ) وَقَدْ مَرَّ.
стр. 291
وَإِنْ تَنَازَعَا فِي دَابَّةٍ أَحَدُهُمَا رَاكِبُهَا أَوْ لَهُ عَلَيْهَا حِمْلٌ فَهُوَ أَوْلَى (ف) وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ رَاكِبًا فِي السَّرْجِ وَالْآخَرُ رَدِيفُهُ أَوْ لَابِسَ الْقَمِيصِ وَالْآخَرُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وَبَيِّنَةُ النِّتَاجِ وَالنَّسْجِ أَوْلَى مِنْ بَيِّنَةِ مُطْلَقِ الْمِلْكِ، وَالْبَيِّنَةُ بِشَاهِدَيْنِ وَثَلَاثَةٍ (ف) وَأَكْثَرَ سَوَاءٌ.
فَصْلٌ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ أَوِ الْمَبِيعِ فَأَيُّهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَهُوَ أَوْلَى، وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْمُثْبِتَةُ لِلزِّيَادَةِ أَوْلَى،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
قَالَ: (وَإِنْ تَنَازَعَا فِي دَابَّةٍ أَحَدُهُمَا رَاكِبُهَا أَوْ لَهُ عَلَيْهَا حِمْلٌ فَهُوَ أَوْلَى) لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ أَظْهَرُ وَأَدَلُّ عَلَى الْمِلْكِ.
(وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ رَاكِبًا فِي السَّرْجِ وَالْآخَرُ رَدِيفُهُ، أَوْ لَابِسَ الْقَمِيصِ وَالْآخَرُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ) لِمَا ذَكَرْنَا، وَلَوْ كَانَا رَاكِبَيْنِ فِي السَّرْجِ فَهِيَ بَيْنَهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا.
سَفِينَةٌ فِيهَا رَاكِبٌ، وَالْآخَرُ مُتَمَسِّكٌ بِسُكَّانِهَا وَآخَرُ يُجَدِّفُ فِيهَا، وَآخَرُ يَمُدُّهَا، فَهِيَ بَيْنَهُمْ إِلَّا الْمَدَّادَ لَا شَيْءَ لَهُ.
عَبْدٌ لِرَجُلٍ مُوسِرٍ عَلَى عُنُقِهِ بَدْرَةٌ فِيهَا عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ فِي دَارِ رَجُلٍ مُعْسِرٍ لَا شَيْءَ لَهُ، فَادَّعَيَا الْبَدْرَةَ، قَالَ مُحَمَّدٌ: هِيَ لِلْمُوسِرِ بِشَهَادَةِ الظَّاهِرِ.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ: قِطَارُ إِبِلٍ عَلَى الْبَعِيرِ الْأَوَّلِ رَاكِبٌ، وَعَلَى الْوَسَطِ رَاكِبٌ، وَعَلَى آَخِرِهَا رَاكِبٌ، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْقِطَارَ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ الْبَعِيرُ الَّذِي هُوَ رَاكِبُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ وَتَصَرُّفِهِ، وَمَا بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالْأَوْسَطِ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ قَائِدٌ وَالْقِيَادَةُ تَصَرُّفٌ، وَمَا بَيْنَ الْأَوْسَطِ وَالْأَخِيرِ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالْأَوْسَطِ نِصْفَانِ؛ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي التَّصَرُّفِ، وَلَيْسَ لِلْأَخِيرِ إِلَّا مَا رَكِبَهُ.
(وَبَيِّنَةُ النِّتَاجِ وَالنَّسْجِ) أَوْلَى مِنْ بَيِّنَةِ مُطْلَقِ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ أَوَّلِيَّةَ الْمِلْكِ فَلَا تَثْبُتُ لِغَيْرِهِ إِلَّا بِالتَّلَقِّي مِنْهُ.
قَالَ: (وَالْبَيِّنَةُ بِشَاهِدَيْنِ وَبِثَلَاثٍ وَأَكْثَرَ سَوَاءٌ) لِأَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ الْكُلَّ سَوَاءً فِي إِثْبَاتِ الْحَقِّ وَإِلْزَامِ الْقَاضِي الْحُكْمَ عِنْدَ الِانْفِرَادِ فَيَسْتَوِيَانِ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ، وَكَذَا إِذَا كَانَتْ إِحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ أَعْدَلَ، لِأَنَّ الشَّرْطَ أَصْلُ الْعَدَالَةِ وَقَدِ اسْتَوَيَا فِيهِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِمَا زَادَ لِأَنَّهُ لَا ضَابِطَ لَهُ.
[فصل اخْتِلَافُ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي في الثمن أو المبيع]
فَصْلٌ (اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ أَوِ الْمَبِيعِ فَأَيُّهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَهُوَ أَوْلَى) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعٍ، وَقَدْ تَرَجَّحَتْ دَعْوَاهُ بِالْبَيِّنَةِ.
(وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْمُثْبِتَةُ لِلزِّيَادَةِ أَوْلَى) لِأَنَّ الْبَيِّنَاتِ لِلْإِثْبَاتِ، فَمَهْمَا
стр. 292
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ يُقَالُ لِلْبَائِعِ: إِمَّا أَنْ تُسَلِّمَ مَا ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي مِنَ الْمَبِيعِ وَإِلَّا فَسَخْنَا الْبَيْعَ؛ وَيُقَالُ لِلْمُشْتَرِي: إِمَّا أَنْ تُسَلِّمَ مَا ادَّعَاهُ الْبَائِعُ مِنَ الثَّمَنِ وَإِلَّا فَسَخْنَا الْبَيْعَ، فَإِنْ لَمْ يَتَرَاضَيَا يَتَحَالَفَانِ وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ وَيُبْدَأُ بِيَمِينِ الْبَائِعِ وَلَوْ كَانَ الْبَيْعُ مُقَايَضَةً بَدَأَ بِأَيِّهِمَا شَاءَ؛ وَمَنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ لَزِمَهُ دَعْوَى صَاحِبِهِ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
كَانَتْ أَكْثَرَ إِثْبَاتًا كَانَتْ أَقْوَى فَتَتَرَجَّحُ عَلَى الْأُخْرَى، وَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي الثَّمَنِ وَالْبَيْعِ جَمِيعًا فَبَيِّنَةُ الْبَائِعِ فِي الثَّمَنِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ إِثْبَاتًا، وَبَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ إِثْبَاتًا.
(فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ يُقَالُ لِلْبَائِعِ: إِمَّا أَنْ تُسَلِّمَ مَا ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي مِنَ الْمَبِيعِ وَإِلَّا فَسَخْنَا الْبَيْعَ؛ وَيُقَالُ لِلْمُشْتَرِي: إِمَّا أَنْ تُسَلِّمَ مَا ادَّعَاهُ الْبَائِعُ مِنَ الثَّمَنِ وَإِلَّا فَسَخْنَا الْبَيْعَ) لِأَنَّهُمَا قَدْ لَا يَخْتَارَانِ الْفَسْخَ، فَإِذَا عَلِمَا بِذَلِكَ تَرَاضَيَا، فَتَرْتَفِعُ الْمُنَازَعَةُ وَهُوَ الْمَقْصُودُ.
(فَإِنْ لَمْ يَتَرَاضَيَا يَتَحَالَفَانِ وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ) وَيُحَلِّفُ الْحَاكِمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى دَعْوَى صَاحِبِهِ. قَالَ ﵊: «إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا» فَيَحْلِفُ الْبَائِعُ بِاللَّهِ مَا بَاعَهُ بِأَلْفٍ كَمَا يَدَّعِيهِ الْمُشْتَرِي، وَيَحْلِفُ الْمُشْتَرِي بِاللَّهِ مَا اشْتَرَاهُ بِأَلْفَيْنِ كَمَا ادَّعَاهُ الْبَائِعُ، فَإِذَا تَحَالَفَا قَالَ لَهُمَا الْقَاضِي: مَا تُرِيدَانِ؟ فَإِنْ لَمْ يَطْلُبَا الْفَسْخَ تَرَكَهُمَا حَتَّى يَصْطَلِحَا عَلَى شَيْءٍ، وَإِنْ طَلَبَا الْفَسْخَ أَوْ أَحَدُهُمَا فَسَخَ، لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَتَعَيَّنِ الثَّمَنُ وَلَا الْمَبِيعُ صَارَ مَجْهُولًا فَيُفْسَخُ قَطْعًا لِلْمُنَازَعَةِ، وَلَا يَنْفَسِخُ بِنَفْسِ التَّحَالُفِ حَتَّى يَتَفَاسَخَا أَوْ يَفْسَخَ الْقَاضِي.
قَالَ: (وَيُبْدَأُ بِيَمِينِ الْبَائِعِ) فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. قَالَ ﵊: «إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فَالْقَوْلُ مَا قَالَهُ الْبَائِعُ» ، وَأَقَلُّ فَائِدَتِهِ تَقْدِيمُ قَوْلِهِ. وَقَوْلُهُ الْآخَرُ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يُبْدَأُ بِيَمِينِ الْمُشْتَرِي، لِأَنَّ الْبَائِعَ يُطَالِبُهُ بِتَسْلِيمِ الثَّمَنِ أَوَّلًا وَهُوَ يُنْكِرُ، وَهُوَ لَا يُطَالِبُ الْبَائِعَ بِتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ لِلْحَالِ.
قَالَ: (وَلَوْ كَانَ الْبَيْعُ مُقَايَضَةً) أَوْ صَرْفًا. (بَدَأَ بِأَيِّهِمَا شَاءَ) لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْإِنْكَارِ؛ وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ وَالْمَبِيعِ جَمِيعًا يُبْدَأُ بِيَمِينِ مَنْ بَدَأَ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الْإِنْكَارِ فَيَتَرَجَّحُ بِالْبِدَايَةِ وَإِنِ ادَّعَيَا مَعًا يَبْدَأُ الْقَاضِي بِأَيِّهِمَا شَاءَ، وَإِنْ شَاءَ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا؛ وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي جِنْسِ الْعَقْدِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا بَيْعٌ، وَقَالَ الْآخَرُ هِبَةٌ، أَوْ فِي جِنْسِ الثَّمَنِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا دَرَاهِمَ، وَالْآخَرُ دَنَانِيرَ يَتَحَالَفَانِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْمُخْتَارُ؛ لِأَنَّ وَصْفَ الثَّمَنِ وَجِنْسَهُ بِمَنْزِلَةِ الْقَدْرِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ دَيْنٌ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ بِجِنْسِهِ وَوَصْفِهِ، وَلَا وُجُودَ لَهُ بِدُونِهِمَا، وَلَا كَذَلِكَ الْأَجَلُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِوَصْفٍ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ يَبْقَى بَعْدَ مُضِيِّهِ، وَقَالَا: لَا يَتَحَالَفَانِ؛ لِأَنَّ نَصَّ التَّحَالُفِ وَرَدَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَيُقْتَصَرُ عَلَى مَوْرِدِهِ وَهُوَ الِاخْتِلَافُ فِي الْمَبِيعِ أَوِ الثَّمَنِ، وَجَوَابُهُ مَا مَرَّ.
قَالَ: (وَمَنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ لَزِمَهُ دَعْوَى صَاحِبِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْقَضَاءِ بِالنُّكُولِ.
قَالَ
стр. 293
وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْأَجَلِ أَوْ شَرْطِ الْخِيَارِ، أَوِ اسْتِيفَاءِ بَعْضِ الثَّمَنِ لَمْ يَتَحَالَفَا، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ، وَإِنِ اخْتَلَفَا بَعْدَ هَلَاكِ الْمَبِيعِ لَمْ يَتَحَالَفَا، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي، وَإِنِ اخْتَلَفَا بَعْدَ هَلَاكِ بَعْضِ الْمَبِيعِ لَمْ يَتَحَالَفَا إِلَّا أَنْ يَرْضَى الْبَائِعُ بِتَرْكِ حِصَّةِ الْهَالِكِ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
: (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْأَجَلِ أَوْ شَرْطِ الْخِيَارِ، أَوِ اسْتِيفَاءِ بَعْضِ الثَّمَنِ لَمْ يَتَحَالَفَا) لِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ فِي غَيْرِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَخْتَلُّ بِعَدَمِهِ، بِخِلَافِ الِاخْتِلَافِ فِي الْقَدْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا بَقَاءَ لِلْعَقْدِ بِدُونِهِ.
(وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ) لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الشَّرْطَ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ.
قَالَ: (وَإِنِ اخْتَلَفَا بَعْدَ هَلَاكِ الْمَبِيعِ لَمْ يَتَحَالَفَا) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
(وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَتَحَالَفَانِ وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ عَلَى قِيمَةِ الْهَالِكِ، وَعَلَى هَذَا إِذَا خَرَجَ الْمَبِيعُ عَنْ مِلْكِ الْمُشْتَرِي أَوْ صَارَ بِحَالٍ يَمْنَعُ الْفَسْخَ بِأَنِ ازْدَادَ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً أَوْ مُنْفَصِلَةً. لِمُحَمَّدٍ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي عَقْدًا غَيْرَ مَا يَدَّعِيهِ الْآخَرُ وَصَاحِبُهُ يُنْكِرُ فَيَتَحَالَفَانِ كَمَا إِذَا كَانَتْ قَائِمَةً؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ بِمَنْزِلَةِ الْعَيْنِ عِنْدَ عَدَمِهَا. وَلَهُمَا أَنَّ الْيَمِينَ حُجَّةُ الْمُنْكِرِ حَقِيقَةً بِالنَّصِّ وَالْبَائِعُ لَيْسَ بِمُنْكِرٍ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَيْسَ بِمُدَّعٍ؛ لِأَنَّ السِّلْعَةَ سُلِّمَتْ لَهُ مِلْكًا وَيَدًا، وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْبَائِعُ مُنْكِرًا لَا يَمِينَ عَلَيْهِ، وَالشَّرْعُ وَرَدَ بِهِ حَالَ قِيَامِ الْعَيْنِ لِفَائِدَةِ الْفَسْخِ، وَلَا فَسْخَ بَعْدَهَا لِعَدَمِ بَقَاءِ الْعَقْدِ، وَأَيُّهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ قَضَى بِهَا، وَإِنْ أَقَامَا فَبَيِّنَةُ الْبَائِعِ، وَإِنْ مَاتَا أَوْ أَحَدُهُمَا وَاخْتَلَفَتِ الْوَرَثَةُ فَلَا تَحَالُفَ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مُتَبَايِعَيْنِ فَلَا يَتَنَاوَلُهُمَا النَّصُّ.
قَالَ: (وَإِنِ اخْتَلَفَا بَعْدَ هَلَاكِ بَعْضِ الْمَبِيعِ لَمْ يَتَحَالَفَا إِلَّا أَنْ يَرْضَى الْبَائِعُ بِتَرْكِ حِصَّةِ الْهَالِكِ) ؛ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَتَحَالَفَانِ فِي الْحَيِّ وَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ فِيهِ، وَالْقَوْلُ فِي قِيمَةِ الْهَالِكِ قَوْلُ الْمُشْتَرِي. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَتَحَالَفَانِ عَلَيْهِمَا وَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ فِي الْحَيِّ وَقِيمَةُ الْهَالِكِ وَعَلَى هَذَا إِذَا انْتَقَصَ أَوْ جَنَى عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي أَوْ بَاعَ الْمُشْتَرِي أَحَدَ الْعَبْدَيْنِ. لِمُحَمَّدٍ أَنَّ هَلَاكَ السِّلْعَةِ لَا يَمْنَعُ التَّحَالُفَ عِنْدَهُ لِمَا مَرَّ، فَهَلَاكُ الْبَعْضِ أَوْلَى. وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْمَبِيعَ إِذَا كَانَ قَائِمًا يَتَحَالَفَانِ، وَإِنْ كَانَ هَالِكًا لَا يَتَحَالَفَانِ، فَإِذَا هَلَكَ نِصْفُهُ وَبَقِيَ نِصْفُهُ يُعْطَى كُلُّ نِصْفٍ حُكْمَهُ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ النَّصَّ وَرَدَ حَالَ قِيَامِ السِّلْعَةِ، بِخِلَافِ الْقِيَاسِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا رَضِيَ بِتَرْكِ حِصَّةِ الْهَالِكِ يَصِيرُ الْهَالِكُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ وَكَأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَرِدْ إِلَّا عَلَى الْبَاقِي؛ وَمِنَ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: يَأْخُذُ مِنْ ثَمَنِ الْهَالِكِ مَا أَقَرَّ بِهِ الْمُشْتَرِي دُونَ الزِّيَادَةِ. وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ قَوْلَ أَبِي يُوسُفٍ مَعَ قَوْلِهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، فَيَحْلِفُ الْمُشْتَرِي بِاللَّهِ مَا اشْتَرَيْتُهُمَا بِأَلْفَيْنِ، فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ، وَإِنْ حَلَفَ يَحْلِفُ الْبَائِعُ مَا بِعْتُهُمَا بِأَلْفٍ، فَإِنْ حَلَفَ يَفْسُدُ الْعَقْدُ فِي الْقَائِمِ وَيَرُدُّ الْمُشْتَرِي حِصَّةَ الْهَالِكِ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ، وَيُقَسِّمُ الثَّمَنَ عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِمَا يَوْمَ الْقَبْضِ؛ وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْهَالِكِ يَوْمَ الْقَبْضِ فَالْقَوْلُ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ زِيَادَةَ السُّقُوطِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمَا
стр. 294
وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْإِجَارَةِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ شَيْءٍ مِنَ الْمَنْفَعَةِ فِي الْبَدَلِ أَوْ فِي الْمُبْدَلِ يَتَحَالَفَانِ وَيَتَرَادَّانِ؛ وَإِنِ اخْتَلَفَا بَعْدَ اسْتِيفَاءِ جَمِيعِ الْمَنْفَعَةِ لَمْ يَتَحَالَفَا وَالْقَوْلُ لِلْمُسْتَأْجِرِ؛ وَإِنِ اخْتَلَفَا بَعْدَ اسْتِيفَاءِ بَعْضِ الْمَنَافِعِ يَتَحَالَفَانِ، وَيُفْسَخُ الْعَقْدُ فِيمَا بَقِيَ، وَالْقَوْلُ فِيمَا مَضَى قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ؛ وَإِنِ اخْتَلَفَا بَعْدَ الْإِقَالَةِ تَحَالَفَا وَعَادَ الْبَيْعُ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْمَهْرِ فَأَيُّهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ قُبِلَتْ، وَإِنْ أَقَامَا فَبَيِّنَةُ الْمَرْأَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
عَلَى الثَّمَنِ، وَأَيُّهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ قُبِلَتْ، وَإِنْ أَقَامَا فَبَيِّنَةُ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ إِثْبَاتًا؛ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الزِّيَادَةَ فِي قِيمَةِ الْهَالِكِ.
قَالَ: (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْإِجَارَةِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ شَيْءٍ مِنَ الْمَنْفَعَةِ فِي الْبَدَلِ أَوْ فِي الْمُبْدَلِ يَتَحَالَفَانِ وَيَتَرَادَّانِ) لِأَنَّ الْإِجَارَةَ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ نَظِيرُ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْأُجْرَةِ بُدِئَ بِيَمِينِ الْمُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْمَنْفَعَةِ بُدِئَ بِيَمِينِ الْمُؤَجِّرِ، وَأَيُّهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ قُبِلَتْ؛ وَإِنْ أَقَامَا فَبَيِّنَةُ الْمُسْتَأْجِرِ إِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي الْمَنْفَعَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْأَجْرِ فَبَيِّنَةُ الْآجِرِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمَا قَضَى بِالْبَيِّنَتَيْنِ، كَمَا إِذَا قَالَ أَحَدُهُمَا شَهْرًا بِعَشَرَةٍ، وَالْآخَرُ شَهْرَيْنِ بِخَمْسَةٍ يَقْضِي بِشَهْرَيْنِ بِعَشْرٍ.
(وَإِنِ اخْتَلَفَا بَعْدَ اسْتِيفَاءِ جَمِيعِ الْمَنْفَعَةِ لَمْ يَتَحَالَفَا) بِالْإِجْمَاعِ.
(وَالْقَوْلُ لِلْمُسْتَأْجِرِ) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَهَذَا عَلَى قَوْلِهِمَا ظَاهِرٌ. وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَهُوَ إِنَّمَا يُفْسَخُ فِي الْهَالِكِ فَيَرُدُّ الْقِيمَةَ، وَالْهَالِكُ هُنَا لَا قِيمَةَ لَهُ عَلَى تَقْدِيرِ الْفَسْخِ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ لَا تَتَقَوَّمُ بِنَفْسِهَا بَلْ بِالْعَقْدِ، فَلَوْ تَحَالَفَا وَفُسِخَ الْعَقْدُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا عَقْدَ فَيَرْجِعُ عَلَى مَوْضُوعِهِ بِالنَّقْضِ.
(وَإِنِ اخْتَلَفَا بَعْدَ اسْتِيفَاءِ بَعْضِ الْمَنَافِعِ يَتَحَالَفَانِ، وَيُفْسَخُ الْعَقْدُ فِيهِ بَقِيَ وَالْقَوْلُ فِيهِ مَضَى قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ) ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ عِنْدَنَا تَنْعَقِدُ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَمَا مَضَى صَارَ كَالْهَالِكِ وَمَا بَقِيَ لَمْ يَنْعَقِدْ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ جُمْلَةً وَاحِدَةً.
قَالَ: (وَإِنِ اخْتَلَفَا بَعْدَ الْإِقَالَةِ تَحَالَفَا وَعَادَ الْبَيْعُ) وَمَعْنَاهُ: اخْتَلَفَا قَبْلَ الْقَبْضِ؛ أَمَّا إِذَا قَبَضَ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ بَعْدَ الْإِقَالَةِ ثُمَّ اخْتَلَفَا لَمْ يَتَحَالَفَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْإِقَالَةَ بَيْعٌ لَا إِشْكَالَ إِنَّمَا الْإِشْكَالُ عَلَى أَنَّهَا فَسْخٌ، إِلَّا أَنَّا نَقُولُ إِنَّمَا أَثْبَتْنَا التَّحَالُفَ فِيهَا قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يُوَافِقُهُ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَدَّعِي زِيَادَةَ الثَّمَنِ، وَالْمُشْتَرِي يُنْكِرُهُ، وَالْمُشْتَرِي يَدَّعِي وُجُوبَ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ بِمَا نَقَدَ وَالْبَائِعُ يُنْكِرُهُ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْكِرٌ فَيَحْلِفُ، فَكَانَ التَّحَالُفُ عَلَى مُقْتَضَى الْقِيَاسِ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَأَثْبَتْنَا التَّحَالُفَ قَبْلَ الْقَبْضِ بِالْقِيَاسِ لَا بِالنَّصِّ وَلَا كَذَلِكَ بَعْدَ الْقَبْضِ، فَإِنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ يُسَلِّمُ لِلْمُشْتَرِي، فَلَا يَدَّعِي شَيْئًا فَلَا يَكُونُ الْبَائِعُ مُنْكِرًا.
قَالَ: (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْمَهْرِ فَأَيُّهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ قُبِلَتْ، وَإِنْ أَقَامَا فَبَيِّنَةُ الْمَرْأَةِ) لِأَنَّهَا أَكْثَرُ إِثْبَاتًا.
(فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ
стр. 295
تَحَالَفَا فَأَيُّهُمَا نَكَلَ قُضِيَ عَلَيْهِ، وَإِذَا تَحَالَفَا يُحَكَّمُ مَهْرُ الْمِثْلِ، فَإِنْ كَانَ مِثْلَ مَا قَالَتْ أَوْ أَكْثَرَ قُضِيَ بِقَوْلِهَا، وَإِنْ كَانَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ أَقَلَّ قُضِيَ بِقَوْلِهِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِمَّا قَالَتْ وَأَكْثَرَ مِمَّا قَالَ قُضِيَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ؛ وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ فَمَا يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ فَلِلْمَرْأَةِ، وَمَا يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ فَلِلرَّجُلِ وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا وَاخْتَلَفَتْ وَرَثَتُهُ مَعَ الْآخَرِ، فَمَا يَصْلُحُ لَهُمَا فَلِلْبَاقِي،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
تَحَالَفَا، فَأَيُّهُمَا نَكَلَ قَضَى عَلَيْهِ وَإِذَا تَحَالَفَا) لَا يُفْسَخُ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ أَثَرَ التَّحَالُفِ فِي انْعِدَامِ التَّسْمِيَةِ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ النِّكَاحِ بِدَلِيلِ صِحَّتِهِ بِدُونِ التَّسْمِيَةِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ عَلَى مَا عُرِفَ. لَكِنْ
(يُحَكَّمُ مَهْرُ الْمِثْلِ، فَإِنْ كَانَ مِثْلَ مَا قَالَتْ أَوْ أَكْثَرَ قَضَى بِقَوْلِهَا) لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهَا.
(وَإِنْ كَانَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ أَقَلَّ قَضَى بِقَوْلِهِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِمَّا قَالَتْ وَأَكْثَرَ مِمَّا قَالَ قَضَى بِمَهْرِ الْمِثْلِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَثْبُتِ الزِّيَادَةُ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ نَظَرًا إِلَى يَمِينِهِ، وَلَا الْحَطِيطَةَ مِنْهُ نَظَرًا إِلَى يَمِينِهَا، فَإِذَا سَقَطَتِ التَّسْمِيَةُ بِالتَّحَالُفِ اعْتُبِرَ مَهْرُ الْمِثْلِ كَمَا إِذَا لَمْ تُوجَدِ التَّسْمِيَةُ حَقِيقَةً، وَيُبْدَأُ بِيَمِينِ الزَّوْجِ كَمَا فِي الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا ثُمَّ اخْتَلَفَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي نِصْفِ الْمَهْرِ؛ وَذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ بِحُكْمِ مُتْعَةِ مِثْلِهَا وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِهِمَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ قَبْلَ الطَّلَاقِ وَبَعْدَهُ، إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ يُكَذِّبُهُ الظَّاهِرُ، وَهُوَ مَا لَا يَصِحُّ مَهْرًا لَهَا، وَقِيلَ مَا دُونُ الْعَشَرَةِ، وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ. وَلَهُمَا أَنَّ الظَّاهِرَ يَشْهَدُ لِمَنْ يَشْهَدُ لَهُ مَهْرُ الْمِثْلِ نَظَرًا إِلَى الْمُعْتَادِ وَإِلَى إِنْكَارِ الْأَوْلِيَاءِ وَتَعْبِيرِهِمْ بِدُونِ ذَلِكَ، وَالْقَوْلُ فِي الدَّعْوَى قَوْلُ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ فَيُصَارُ إِلَيْهِ.
قَالَ: (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ فَمَا يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ) كَالْمِقْنَعَةِ وَالدُّولَابِ وَأَشْبَاهِهِ. (فَلِلْمَرْأَةِ) بِشَهَادَةِ الظَّاهِرِ.
(وَمَا يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ) كَالْعِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ وَنَحْوِهِ. (فَلِلرَّجُلِ) وَمَا يَصْلُحُ لَهُمَا كَالْأَوَانِي وَالْبُسُطِ وَنَحْوِهَا فَلِلرَّجُلِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ وَالْبَيْتَ فِي يَدِ الرَّجُلِ، فَكَانَتِ الْيَدُ شَاهِدَةً بِالْمِلْكِ، لِأَنَّ الْمِلْكَ بِالْيَدِ لَا أَنَّهُ عَارَضَهُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ وَهُوَ مَا يَخْتَصُّ بِهَا.
(وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا وَاخْتَلَفَتْ وَرَثَتُهُ مَعَ الْآخَرِ فَمَا يَصْلُحُ لَهُمَا فَلِلْبَاقِي) ؛ لِأَنَّ الْيَدَ لِلْحَيِّ لَا لِلْمَيِّتِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: مَا يَصْلُحُ لَهُمَا لِوَرَثَةِ الزَّوْجِ بَعْدَ مَوْتِهِ لِقِيَامِهِمْ مَقَامَهُ، وَسَوَاءٌ اخْتَلَفَا حَالَةَ قِيَامِ النِّكَاحِ أَوْ بَعْدَ الْفُرْقَةِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَدْفَعُ إِلَى الْمَرْأَةِ مَا يُجَهِّزُ بِهِ مِثْلَهَا وَالْبَاقِي لِلزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا تَأْتِي بِالْجِهَازِ وَهَذَا أَقْوَى مِنْ ظَاهِرِ الزَّوْجِ فَيُبْطِلُهُ، وَمَا وَرَاءَهُ لَا يُعَارِضُ يَدَ الزَّوْجِ فَيَكُونُ لَهُ، وَالطَّلَاقُ وَالْمَوْتُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الْوَرَثَةَ تَقُومُ مَقَامَهُ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مَمْلُوكًا فَالْكُلُّ لِلْحُرِّ حَالَةَ الْحَيَاةِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ أَقْوَى، وَلِلْحَيِّ بَعْدَ الْمَوْتِ؛
стр. 296
وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْكِتَابَةِ لَمْ يَتَحَالَفَا.
فَصْلٌ
وَلَوْ بَاعَ جَارِيَةً فَوَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَادَّعَاهُ فَهُوَ ابْنُهُ وَهِيَ أُمُّ وَلَدِهِ، وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ وَيُرَدُّ الثَّمَنُ (سم) ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لِأَنَّهُ لَا مُعَارِضَ لِيَدِهِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: الْمَأْذُونُ وَالْمُكَاتَبُ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ؛ لِأَنَّ لَهُمَا يَدًا فِي الْخُصُومَاتِ وَغَيْرِهَا.
قَالَ: (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْكِتَابَةِ لَمْ يَتَحَالَفَا) ، وَقَالَا: يَتَحَالَفَانِ وَتُفْسَخُ الْكِتَابَةُ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، وَالْمَوْلَى يَدَّعِي بَدَلًا زَائِدًا وَالْمُكَاتِبُ يُنْكِرُ، وَالْمُكَاتِبُ يَدَّعِي اسْتِحْقَاقَ الْعَبْدِ عِنْدَ أَدَاءِ مَا يَدَّعِيهِ مِنَ الْقَدْرِ وَالْمَوْلَى يُنْكِرُهُ فَيَتَحَالَفَانِ كَالْبَيْعِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْبَدَلَ مُقَابَلٌ فِي الْحَالِ بِفَكِّ الْحَجْرِ وَهُوَ سَالِمٌ لِلْعَبْدِ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ مُقَابِلًا لِلْعِتْقِ عِنْدَ الْأَدَاءِ، فَكَانَ اخْتِلَافًا فِي قَدْرِ الْبَدَلِ لَا غَيْرُ، فَلَا يَتَحَالَفَانِ، وَيَكُونُ الْقَوْلُ لِلْمُكَاتَبِ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ.
[فصل بَاعَ جَارِيَةً فَوَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَادَّعَاهُ]
فَصْلٌ فِي دَعْوَى النَّسَبِ
اعْلَمْ أَنَّ الدَّعْوَى ثَلَاثَةٌ: دَعْوَةُ اسْتِيلَادٍ، وَدَعْوَةُ تَحْرِيرٍ وَهِيَ دَعْوَةُ الْمِلْكِ وَدَعْوَةُ شُبْهَةِ الْمِلْكِ؛ فَالْأُولَى أَنْ يَدَّعِيَ نَسَبَ وَلَدٍ عُلِّقَ فِي مِلْكِهِ يَقِينًا كَمَا إِذَا جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلِّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَيَصِحُّ فِي الْمِلْكِ وَغَيْرِ الْمِلْكِ كَمَا إِذَا بَاعَهُ، وَيَسْتَنِدُ إِلَى وَقْتِ الْعُلُوقِ احْتِيَالًا لِثُبُوتِ النَّسَبِ تَصْحِيحًا لِدَعْوَاهُ، وَيُوجِبُ فَسْخَ مَا جَرَى مِنَ الْعُقُودِ كَبَيْعِهِ أُمَّ الْوَلَدِ إِنْ كَانَ الْوَلَدُ مَحَلًّا لِلنَّسَبِ، وَيُجْعَلُ مُعْتَرِفًا بِالْوَطْءِ مِنْ وَقْتِ الْعُلُوقِ، وَأُمُومِيَّةُ الْوَلَدِ لَا تَتْبَعُ النَّسَبَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ ثُبُوتُ النَّسَبِ لَا أَمُوَمِيَّةُ الْوَلَدِ وَهُوَ تَبَعٌ لَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا تُضَافُ إِلَيْهِ فَيُقَالُ أُمُّ وَلَدِهِ، وَتَسْتَفِيدُ الْعِتْقَ مِنْ جِهَتِهِ، قَالَ ﵊: «أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا» وَلِهَذَا ثَبَتَتْ لَهُ حَقِيقَةُ الْحُرِّيَّةِ وَلَهَا حَقُّ الْحُرِّيَّةِ.
وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَدَّعِيَ نَسَبَ وَلَدٍ عَلَقَ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ فَيَصِحُّ فِي الْمِلْكِ خَاصَّةً، وَلَا يَجِبُ فَسْخُ الْعَقْدِ وَيُعْتَقُ إِنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا فَلَا.
وَالثَّالِثَةُ أَنْ يَدَّعِيَ وَلَدَ جَارِيَةِ وَلَدِهِ، فَيَصِحُّ بِنَاءً عَلَى وِلَايَتِهِ عَلَى وَلَدِهِ مِنْ وَقْتِ الْعُلُوقِ إِلَى وَقْتِ الدَّعْوَى، شَرْطُ صِحَّةِ هَذِهِ الدَّعْوَى قِيَامُ وِلَايَةِ تَمَلُّكِ الْجَارِيَةِ مِنْ وَقْتِ الْعُلُوقِ إِلَى وَقْتِ الدَّعْوَةِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُهَا بِالِاسْتِيلَادِ مُقْتَضًى لِلْوَطْءِ السَّابِقِ، ثُمَّ الْأُولَى أَوْلَى لِأَنَّهَا تَسْتَنِدُ إِلَى وَقْتِ الْعُلُوقِ، وَالثَّانِيَةُ تَقْتَصِرُ عَلَى الْحَالِ، وَالثَّانِيَةُ أَوْلَى مِنَ الثَّالِثَةِ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيرَ مَتَى صَحَّ مِنَ الِابْنِ بَطَلَتْ وِلَايَةُ الْأَبِ لِلتَّمْلِيكِ لِفَوَاتِ الشَّرْطِ.
جِئْنَا إِلَى مَسَائِلِ الْكِتَابِ.
١ -
قَالَ: (وَلَوْ بَاعَ جَارِيَةً فَوَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَادَّعَاهُ فَهُوَ ابْنُهُ وَهِيَ أُمُّ وَلَدِهِ، وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ وَيُرَدُّ الثَّمَنُ) وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَالْقِيَاسُ أَنَّ دَعْوَاهُ
стр. 297
وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَةُ الْمُشْتَرِي مَعَهُ، فَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ ثُمَّ ادَّعَاهُ لَا يَثْبُتُ الِاسْتِيلَادُ فِيهَا، فَإِنْ مَاتَتِ الْأُمُّ ثُمَّ ادَّعَاهُ يَثْبُتُ نَسَبُهُ، وَيُرَدُّ كُلُّ الثَّمَنِ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ مَا بَيْنَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ إِلَى سَنَتَيْنِ، فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي ثَبَتَ النَّسَبُ وَفُسِخَ الْبَيْعُ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ لَا تَصِحُّ دَعْوَةُ الْبَائِعِ، وَلَا يُفْسَخُ الْبَيْعُ، وَلَا يُعْتَقُ الْوَلَدُ، وَلَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
بَاطِلَةٌ لِوُجُودِ التَّنَاقُضِ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ دَلِيلُ عُبُودِيَّةِ الْوَلَدِ. وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْعُلُوقَ حَصَلَ فِي مِلْكِهِ يَقِينًا، وَالظَّاهِرُ عَدَمُ الزِّنَا فَيَكُونُ مِنْهُ، وَمَبْنَى الْعُلُوقِ عَلَى الْخَفَاءِ فَلَا تَنَاقُضَ فَصَحَّتْ دَعَوَاهُ، فَيَسْتَنِدُ إِلَى وَقْتِ الْعُلُوقِ وَيَفْسَخُ الْبَيْعَ لِمَا بَيَّنَّا وَيَرُدُّ الثَّمَنَ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى فَسْخِ الْبَيْعِ.
(وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى الْمُشْتَرِي مَعَهُ) لِسَبْقِهَا؛ لِأَنَّهَا تَسْتَنِدُ إِلَى وَقْتِ الْعُلُوقِ وَلَا كَذَلِكَ دَعْوَى الْمُشْتَرِي.
قَالَتْ: (فَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ ثُمَّ ادَّعَاهُ) يَعْنِي الْبَائِعَ. لَا يَثْبُتُ الِاسْتِيلَادُ فِيهَا، فَإِنْ مَاتَتِ الْأُمُّ ثُمَّ ادَّعَاهُ يَثْبُتُ نَسَبُهُ) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ أُمُومِيَّةَ الْوَلَدِ تَبَعٌ لِلنَّسَبِ.
قَالَ: (وَيَرُدُّ كُلَّ الثَّمَنِ) وَقَالَا: يَرُدُّ حِصَّةَ الْوَلَدِ خَاصَّةً بِنَاءً عَلَى أَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ غَيْرُ مُتَقَوَّمَةٍ فِي الْعَقْدِ وَالْغَصْبِ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا مُتَقَوَّمَةٌ فَيَضْمَنُهَا، وَكَذَا لَوِ ادَّعَاهُ بَعْدَ مَا أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي لَا يَصِحُّ وَبَعْدَ إِعْتَاقِهَا يَصِحُّ؛ لَأَنَّ الِامْتِنَاعَ فِي الْأُمِّ لَا يُوجِبُ الِامْتِنَاعَ فِي الْوَلَدِ كَوَلَدِ الْمَغْرُورِ الْمُسْتَوْلَدِ بِالنِّكَاحِ، وَلَا كَذَلِكَ بِالْعَكْسِ؛ وَإِذَا صَحَّتِ الدَّعْوَةُ بَعْدَ إِعْتَاقِهَا ثَبَتَ النَّسَبُ وَفُسِخَ الْعَقْدُ وَرُدَّ الثَّمَنُ عَلَى مَا مَرَّ، وَإِنَّمَا كَانَ إِعْتَاقُ الْوَلَدِ مَانِعًا؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ كَحَقِّ اسْتِلْحَاقِ النَّسَبِ فَاسْتَوَيَا؛ وَلِأَنَّ الثَّابِتَ مِنَ الْمُشْتَرِي حَقِيقَةُ الْإِعْتَاقِ، وَالثَّابِتَ لِلْبَائِعِ حَقُّ الدَّعْوَةِ فِي الْوَلَدِ وَفِي الْأُمِّ حَقُّ الْحُرِّيَّةِ فَلَا يُعَارِضُ الْحَقِيقَةَ، فَعَلَى هَذَا لَوِ ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي أَوَّلًا لَا يَصِحُّ دَعْوَى الْبَائِعِ بَعْدَهُ؛ لَأَنَّ دَعْوَى الْمُشْتَرِي دَعْوَى تَحْرِيرٍ فَصَارَ كَمَا إِذَا أَعْتَقَهُ، وَالتَّدْبِيرُ كَالْعِتْقِ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ.
قَالَ: (وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ مَا بَيْنَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ إِلَى سَنَتَيْنِ فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُشْتَرِيَ ثَبَتَ النَّسَبُ وَفُسِخَ الْبَيْعُ وَإِلَّا فَلَا) لِاحْتِمَالِ الْعُلُوقِ فِي مِلْكِهِ فَلَمْ يُوجَدِ الْيَقِينُ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى تَصْدِيقِ الْمُشْتَرِي، فَإِذَا صَدَّقَهُ ثَبَتَ النَّسَبُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا فَيَثْبُتُ بِتَصَادُقِهِمَا إِذَا أَمْكَنَ، وَالْوَلَدُ حُرٌّ وَالْجَارِيَةُ أُمُّ وَلَدٍ كَمَا مَرَّ، وَإِذَا ادَّعَيَاهُ فَدَعْوَةُ الْمُشْتَرِي أَوْلَى لِقِيَامِ مِلْكِهِ وَاحْتِمَالِ الْعُلُوقِ فِيهِ.
قَالَ: (وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ لَا تَصِحُّ دَعْوَةُ الْبَائِعِ) لِلتَّيَقُّنِ بِعَدَمِ الْعُلُوقِ فِي مِلْكِهِ، لَكِنْ إِذَا صَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي ثَبَتَ النَّسَبُ، وَيُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِيلَادِ بِالنِّكَاحِ لِتَصَادُقِهِمَا حَمْلًا لِأَمْرِهِ عَلَى الصَّلَاةِ.
(وَلَا يُفْسَخُ الْبَيْعُ وَلَا يُعْتَقُ الْوَلَدُ وَلَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ) وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ، وَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ مُدَّةُ الْوِلَادَةِ بَعْدَ الْبَيْعِ لَا تَصِحُّ دَعْوَةُ الْبَائِعِ إِلَّا بِتَصْدِيقِ الْمُشْتَرِي لِوُقُوعِ الشَّكِّ فِي وَقْتِ الْعُلُوقِ وَتَصِحُّ دَعْوَةُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ فَسْخَ الْبَيْعِ، وَلَا حُجَّةَ لِلْبَائِعِ، وَإِنِ ادَّعَيَاهُ لَا تَصِحُّ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا لِلشَّكِّ، وَالْمُسْلِمُ
стр. 298
وَمَنِ ادَّعَى نَسَبَ أَحَدِ التَّوْأَمَيْنِ ثَبَتَ نَسَبُهُمَا مِنْهُ.
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَالذِّمِّيُّ وَالْحَرْبِيُّ وَالْمُكَاتَبُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَإِنِ ادَّعَى الْبَائِعُ قَبْلَ الْوِلَادَةِ فَهُوَ مَوْقُوفٌ، فَإِنْ وُلِدَ حَيًّا صَحَّتْ وَإِلَّا فَلَا، وَلَوِ اشْتَرَاهَا حُبْلَى ثُمَّ بَاعَهَا لَا تَصِحُّ دَعْوَاهُ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فَالْقَوْلُ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَمَكِّنُ مِنْ وَطْئِهَا؛ وَإِنْ حَبِلَتْ أَمَةٌ فِي مِلْكِ رَجُلٍ فَبَاعَهَا وَتَدَاوَلَتْهَا الْأَيْدِي ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى الْأَوَّلِ فَوَلَدَتْ فِي يَدِهِ وَادَّعَاهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ وَبَطَلَتِ الْبُيُوعُ كُلُّهَا وَتَرَاجَعُوا الْأَثْمَانَ لِمَا بَيَّنَّا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَصْلُ الْحَمْلِ عِنْدَهُ لَمْ تَبْطُلِ الْعُقُودُ.
قَالَ: (وَمَنِ ادَّعَى نَسَبَ أَحَدِ التَّوْأَمَيْنِ ثَبَتَ نَسَبُهُمَا مِنْهُ) لِأَنَّهُمَا خُلِقَا مِنْ مَاءٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِوَلَدَيْنِ وُلِدَا لَيْسَ بَيْنَهُمَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَاسْتَحَالَ انِعِلَاقُ الثَّانِي مِنْ مَاءٍ آخَرَ، فَإِذَا ثَبَتَ نَسَبُ أَحَدِهِمَا ثَبَتَ نَسَبُ الْآخَرِ، وَيَبْطُلُ مَا جَرَى فِيهِ مِنَ الْعُقُودِ مِنْ بَيْعٍ وَعِتْقٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
١ -
فَصْلٌ
كُلُّ قَوْلَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ صَدَرَا مِنَ الْمُدَّعِي عِنْدَ الْحَاكِمِ إِنْ أَمْكَنَ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا قُبِلَتِ الدَّعْوَى صِيَانَةً لِكَلَامِهِ عَنِ اللَّغْوِ نَظَرًا إِلَى عَقْلِهِ وَدِينِهِ، وَإِنْ تَعَذَّرَ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا لَمْ تُقْبَلْ، كَمَا إِذَا صَدَرَ مِنَ الشُّهُودِ، وَكُلُّ مَا أَثَّرَ فِي قَدْحِ الشَّهَادَةِ أَثَّرَ فِي مَنْعِ اسْتِمَاعِ الدَّعْوَى. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا قَالَ الْمُدَّعِي لَيْسَ لِي بَيِّنَةٌ عَلَى دَعْوَى هَذَا الْحَقِّ ثُمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ لَمْ تُقْبَلْ؛ لِأَنَّهُ أَكْذَبَ بَيِّنَتَهُ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنَّهُ نَسِيَهَا وَلَوْ قَالَ: لَيْسَ لِي عَلَى فُلَانٍ شَهَادَةٌ ثُمَّ شَهِدَ لَهُ لَمْ تُقْبَلْ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِاحْتِمَالِ النِّسْيَانِ أَيْضًا. وَرَوَى ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ: إِذَا قَالَ لَا شَهَادَةَ لِفُلَانٍ عِنْدِي فِي حَقٍّ بِعَيْنِهِ ثُمَّ جَاءَ وَشَهِدَ لَهُ قُبِلَتْ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ نَسِيتُ، وَلَوْ قَالَ: لَا أَعْلَمُ لِي حَقًّا، أَوْ لَا أَعْلَمُ لِي حُجَّةً ثُمَّ ادَّعَى حَقًّا أَوْ جَاءَ بِحُجَّةٍ قُبِلَتْ، وَلَوْ قَالَ: لَيْسَ لِي حَقٌّ لَا تُقْبَلُ، وَلَوْ قَالَ: لَيْسَ لِي حُجَّةٌ قُبِلَتْ لِاحْتِمَالِ الْخَفَاءِ فِي الْبَيِّنَةِ دُونَ الْحَقِّ.
وَرَوَى ابْنُ سَمَاعَةٍ عَنْ مُحَمَّدٍ: لَوْ قَالَ هَذِهِ الدَّارُ لَيْسَتْ لِي ثُمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ قَضَى لَهُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ بِذَلِكَ حَقًّا لِأَحَدٍ فَكَانَ سَاقِطًا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُلَاعِنَ إِذَا ادَّعَى نَسَبَ الْوَلَدِ صَحَّ لِمَا أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتِ النَّسَبُ مِنْ غَيْرِهِ بِاللَّعَانِ؟ وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ: لَوْ قَالَ لَا حَقَّ لِي بِالرَّيِّ فِي دَارٍ وَلَا أَرْضٍ ثُمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ فِي يَدِ إِنْسَانٍ بِالرَّيِّ قُبِلَتْ، وَلَوْ عَيَّنَ فَقَالَ: لَا حَقَّ لِي بِالرَّيِّ فِي رُسْتَاقَ كَذَا فِي يَدِ فُلَانٍ، ثُمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ لَمْ تُقْبَلْ إِلَّا أَنْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْهُ بَعْدَ الْإِقْرَارِ، وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: ادْفَعْ إِلَيَّ هَذِهِ الدَّارَ أَسْكُنُهَا، أَوْ هَذَا الثَّوْبَ أَلْبَسُهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَأَبَى ثُمَّ ادَّعَى السَّائِلُ ذَلِكَ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّمَا طَلَبَتُهَا بِطَرِيقِ الْمِلْكِ لَا بِالْعَارِيَةِ.
وَفِي الْفَتَاوَى: بَاعَ عَقَارًا وَابْنُهُ أَوْ زَوْجَتُهُ حَاضِرَانِ وَتَصَرَّفَ الْمُشْتَرِي فِيهِ ثُمَّ ادَّعَى الِابْنُ أَنَّهُ مِلْكُهُ وَلَمْ يَكُنْ لِأَبِيهِ اتَّفَقَ مَشَايِخُنَا أَنَّهُ
стр. 299
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لَا تُسْمَعُ مِثْلُ هَذِهِ الدَّعْوَى وَهُوَ تَلْبِيسٌ مَحْضٌ، وَحُضُورُهُ عِنْدَ الْبَيْعِ وَتَرْكُ الْمُنَازَعَةِ إِقْرَارٌ مِنْهُ أَنَّهُ مِلْكُ الْبَائِعِ، وَجُعِلَ سُكُوتُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَالْإِيضَاحِ بِالْإِقْرَارِ قَطْعًا لِلْأَطْمَاعِ الْفَاسِدَةِ لِأَهْلِ الْعَصْرِ فِي الْإِضْرَارِ بِالنَّاسِ، وَلَوْ بَاعَ ضَيْعَةً ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهَا كَانَتْ وَقْفًا عَلَيْهِ لَا تُسْمَعَ لِلتَّنَاقُضِ؛ لِأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى الْبَيْعِ إِقْرَارٌ بِالْمِلْكِ، وَلَيْسَ لَهُ تَحْلِيفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ، قِيلَ: تُقْبَلُ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْوَقْفِ تُقْبَلُ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى وَيُنْقَضُ الْبَيْعُ، وَقِيلَ: لَا تُقْبَلُ هَاهُنَا؛ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ فَسَادَ الْبَيْعِ وَحَقًّا لِنَفْسِهِ فَلَا تُسْمَعْ لِلتَّنَاقُضِ، وَلَوْ رَدَّ الْجَارِيَةَ بِعَيْبٍ فَأَنْكَرَ الْبَائِعُ الْبَيْعَ فَأَقَامَ الْمُشْتَرِي الْبَيِّنَةَ عَلَى الشِّرَاءِ وَأَقَامَ الْبَائِعُ أَنَّهُ قَدْ بَرَأَ إِلَيْهِ مِنَ الْعَيْبِ لَمْ تُقْبَلْ؛ لِأَنَّ جُحُودَهُ الْبَيْعَ إِنْكَارٌ لِلْبَرَاءَةِ فَيَكُونُ مُكَذِّبًا شُهُودَهُ، وَلَوْ أَنْكَرَ النِّكَاحَ ثُمَّ ادَّعَاهُ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَفِي الْبَيْعِ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ انْفَسَخَ بِالْإِنْكَارِ، وَالنِّكَاحُ لَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوِ ادَّعَى تَزْوِيجًا عَلَى أَلْفٍ فَأَنْكَرَتْ فَأَقَامَتِ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَلْفَيْنِ قُبِلَتْ، وَلَا يَكُونُ إِنْكَارُهَا تَكْذِيبًا لِلشُّهُودِ؟ وَفِي الْبَيْعِ لَا تُقْبَلُ وَيَكُونُ تَكْذِيبًا لِلشُّهُودِ.
[كِتَابُ الْإِقْرَارِ]
وَهُوَ فِي الْأَصْلِ: التَّسْكِينُ وَالْإِثْبَاتُ، وَالْقَرَارُ: السُّكُونُ وَالثَّبَاتُ، يُقَالُ: قَرَّ فُلَانٌ بِالْمَنْزِلِ إِذَا سَكَنَ وَثَبَتَ، وَقَرَّرْتُ عِنْدَهُ كَذَا: أَيْ أَثْبَتُّهُ عِنْدَهُ، وَقَرَارُ الْوَادِي: مُطْمَئَنُّهُ الَّذِي يَثْبُتُ فِيهِ الْمَاءُ، وَيُقَالُ: اسْتَمَرَّ الْأَمْرُ عَلَى كَذَا: أَيْ ثَبَتَ عَلَيْهِ، وَسُمِّيَتْ أَيَّامُ مِنَى أَيَّامَ الْقَرِّ لِأَنَّهُمْ يَثْبُتُونَ بِهَا وَيَسْكُنُونَ عَنْ سَفَرِهِمْ وَحَرَكَتِهِمْ هَذِهِ الْأَيَّامَ، وَمِنْهُ الدُّعَاءُ: أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ إِذَا أَعْطَاهُ مَا يَكْفِيهِ فَسَكَنَتْ نَفْسُهُ وَلَا تَطْمَحُ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ.
وَفِي الشَّرْعِ: اعْتِرَافٌ صَادِرٌ مِنَ الْمُقِرِّ يَظْهَرُ بِهِ حَقٌّ ثَابِتٌ فَيَسْكُنُ قَلْبَ الْمُقَرِّ لَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَهُوَ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ، دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَضَرْبٌ مِنَ الْمَعْقُولِ.
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] وَالشَّهَادَةُ عَلَى النَّفْسِ إِقْرَارٌ، فَلَوْلَا أَنَّ الْإِقْرَارَ حُجَّةٌ لَمَا أُمِرَ بِهِ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَأَنَّهُ إِقْرَارٌ عَلَى نَفْسِهِ. وَالسُّنَّةُ قَوْلُهُ ﵊: «وَاغْدُ أَنْتَ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» ، وَرَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَاعَزًّا وَالْغَامِدِيَّةَ بِالْإِقْرَارِ، وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ؛ وَلِأَنَّهُ خَبَرٌ صَدَرَ عَنْ صِدْقٍ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ، إِذِ الْمَالُ مَحْبُوبٌ
стр. 300
وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الْمُقِرِّ إِذَا كَانَ عَاقِلًا بَالِغًا إِذَا أَقَرَّ لِمَعْلُومٍ، وَسَوَاءٌ أَقَرَّ بِمَعْلُومٍ أَوْ مَجْهُولٍ وَيُبَيِّنُ الْمَجْهُولَ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
طَبْعًا فَلَا يُكَذَّبُ فِي الْإِقْرَارِ بِهِ لِغَيْرِهِ وَهُوَ حَجَّةٌ مُظْهِرَةٌ لِلْحَقِّ مُلْزِمَةٌ لِلْحَالِ، حَتَّى لَوْ أَقَرَّ بَدَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَزِمَ الْمَالُ وَبَطَلَ الْخِيَارُ وَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ فِي الْخِيَارِ لِأَنَّ الْخِيَارَ لِلْفَسْخِ، وَهُوَ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ؛ لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ وَالْفَسْخُ يُرَدُّ عَلَى الْعُقُودِ؛ وَلِأَنَّ حُكْمَهُ ظُهُورُ الْحَقِّ وَهُوَ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ، وَشَرْطُهُ كَوْنُ الْمُقَرِّ بِهِ مِمَّا يَجِبُ تَسْلِيمُهُ إِلَى الْمُقَرِّ لَهُ حَتَّى لَوْ أَقَرَّ بِكَفِّ تُرَابٍ أَوْ حَبَّةِ حِنْطَةٍ لَا يَصِحُّ، وَحُكْمُهُ ظُهُورُ الْمُقَرِّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنْ كَائِنٍ سَابِقٍ حَتَّى لَوْ أَقَرَّ لِغَيْرِهِ بِمَالٍ وَالْمُقَرُّ لَهُ يَعْلَمُ كَذِبَهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهُ عَلَى كُرْهٍ مِنْهُ إِلَّا أَنْ يُعْطِيَهُ بِطِيبَةِ نَفْسٍ مِنْهُ. فَحِينَئِذٍ يَكُونُ تَمْلِيكًا مُبْتَدَأً كَالْهِبَةِ.
قَالَ: (وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الْمُقِرِّ إِذَا كَانَ عَاقِلًا بَالِغًا) ، وَيَصِحُّ إِقْرَارُ الْعَبْدِ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ عَلَى مَا مَرَّ فِي الْحَجْرِ.
قَالَ: (إِذَا أَقَرَّ لِمَعْلُومٍ) لِأَنَّ فَائِدَةَ الْإِقْرَارِ ثُبُوتُ الْمِلْكِ لِلْمُقَرِّ لَهُ، وَلَا يُمْكِنُ إِثْبَاتُهُ لِمَجْهُولٍ.
قَالَ: (وَسَوَاءٌ أَقَرَّ بِمَعْلُومٍ أَوْ مَجْهُولٍ وَيُبَيِّنُ الْمَجْهُولَ) أَمَّا الْمَعْلُومُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْمَجْهُولُ فَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ عَلَيْهِ حَقٌّ وَلَا يَدْرِي كَمِّيَّتَهُ كَغَرَامَةِ مُتْلَفٍ لَا يَدْرِي كَمْ قِيمَتُهُ أَوْ أَرْشِ جِرَاحَةٍ أَوْ بَاقِي دَيْنٍ أَوْ مُعَامَلَةٍ أَوْ كَانَ يَعْلَمُهُ ثُمَّ أُنْسِيَ، وَالْجَهَالَةُ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنْ ثُبُوتِ الْحَقِّ، وَالْبَيَانُ عَلَيْهِ، كَمَا إِذَا أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ فَيُبَيِّنُهُ، إِمَّا بِنَفْسِهِ أَوْ بِالْجَبْرِ مِنَ الْقَاضِي إِيصَالًا لِلْحَقِّ إِلَى الْمُسْتَحِقِّ، بِخِلَافِ جَهَالَةِ الْمُقَرِّ لَهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَبِخِلَافِ الشُّهُودِ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ بِهِمْ إِلَى أَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَالْمُقِرُّ لَهُ حَاجَةٌ لِخَلَاصِ ذِمَّتِهِ، وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ تُبْتَنَى عَلَى الدَّعْوَى، وَالدَّعْوَى بِالْمَجْهُولِ لَا تُقْبَلُ؛ وَلِأَنَّهَا لَا تُوجِبُ الْحَقَّ إِلَّا بِانْضِمَامِ الْقَضَاءِ إِلَيْهَا، وَالْقَضَاءُ بِالْمَجْهُولِ غَيْرُ مُمْكِنٍ وَالْإِقْرَارُ مُوجِبٌ بِنَفْسِهِ، وَلِهَذَا لَا يَعْمَلُ الرُّجُوعَ فِيهِ وَيَعْمَلُ فِي الشَّهَادَةِ قَبْلَ الْقَضَاءِ بِهَا.
стр. 301
فَإِنْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ أَوْ حَقٌّ لَزِمَهُ أَنْ يُبَيِّنَ مَا لَهُ قِيمَةٌ، فَإِنْ كَذَّبَهُ الْمُقَرُّ لَهُ فِيمَا بَيَّنَ فَالْقَوْلُ لِلْمُقِرِّ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ أَقَرَّ بِمَالٍ لَمْ يُصَدَّقْ فِي أَقَلَّ مِنْ دِرْهَمٍ، وَإِنْ قَالَ: مَالٌ عَظِيمٌ فَهُوَ نِصَابٌ مِنَ الْجِنْسِ الَذِي ذَكَرَ، وَقِيمَةُ النِّصَابِ فِي غَيْرِ مَالِ الزَّكَاةِ، وَإِنْ قَالَ: أَمْوَالٌ عِظَامٌ فَثَلَاثَةُ نُصُبٍ، وَإِنْ قَالَ: دَرَاهِمُ فَثَلَاثَةٌ، وَإِنْ قَالَ: كَثِيرَةٌ فَعَشَرَةٌ، وَلَوْ قَالَ: كَذَا دِرْهَمًا فَدِرْهَمٌ، وَكَذَا كَذَا أَحَدَ عَشَرَ، وَلَوْ ثَلَّثَ فَكَذَلِكَ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
قَالَ: (فَإِنْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ أَوْ حَقٌّ لَزِمَهُ أَنْ يُبَيِّنَ مَا لَهُ قِيمَةٌ) لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِالْوُجُوبِ فِي ذِمَّتِهِ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْوُجُوبِ وَمَا لَا قِيمَةَ لَهُ لَا يَجِبُ فِيهَا.
(فَإِنْ كَذَّبَهُ الْمُقَرُّ لَهُ فِيمَا بَيَّنَ فَالْقَوْلُ لِلْمُقِرِّ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ.
قَالَ: (وَإِنْ أَقَرَّ بِمَالٍ لَمْ يُصَدَّقْ فِي أَقَلَّ مِنْ دِرْهَمٍ) لِأَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ لَا يُعَدُّ مَالًا عُرْفًا.
(وَإِنْ قَالَ مَالٌ عَظِيمٌ فَهُوَ نِصَابٌ مِنَ الْجِنْسِ الَّذِي ذَكَرَ) مَعْنَاهُ إِنْ ذَكَرَ الدَّرَاهِمَ فَمِائَتَا دِرْهَمٍ، وَمِنَ الذَّهَبِ عِشْرُونَ مِثْقَالًا، وَمِنَ الْغَنَمِ أَرْبَعُونَ شَاةً، وَمِنَ الْبَقَرِ ثَلَاثُونَ بَقَرَةً، وَمِنَ الْإِبِلِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ؛ لِأَنَّهُ أَدْنَى نِصَابٍ يَجِبُ فِيهِ مِنْ جِنْسِهِ، وَفِي الْحِنْطَةِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُقَدَّرُ بِالنِّصَابِ عِنْدَهُمَا، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى بَيَانِ الْمُقِرِّ.
(وَقِيمَةُ النِّصَابِ فِي غَيْرِ مَالِ الزَّكَاةِ) لِأَنَّ النِّصَابَ عَظِيمٌ؛ لِأَنَّ مَالِكَهُ غَنِيٌّ، وَالْغَنِيُّ مُعَظَّمٌ عِنْدَ النَّاسِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّهَا عَظِيمَةٌ حَتَّى يُسْتَبَاحَ بِهَا الْفَرْجُ وَقَطْعُ الْيَدِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
(وَإِنْ قَالَ أَمْوَالٌ عِظَامٌ فَثَلَاثَةُ نُصُبٍ) مِنَ النَّوْعِ الَّذِي سَمَّاهُ لِأَنَّهُ جَمْعٌ عَظِيمٌ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ.
(وَإِنْ قَالَ دَرَاهِمُ فَثَلَاثَةٌ) لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْجَمْعِ فَهِيَ مُتَيَقَّنَةٌ.
(وَإِنْ قَالَ كَثِيرَةٌ فَعَشَرَةٌ) ، وَقَالَا: مِائَتَانِ؛ لِأَنَّ الْكَثِيرَ مَا يَصِيرُ بِهِ مُكْثِرًا وَذَلِكَ بِالنِّصَابِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْعَشَرَةَ أَقْصَى مَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الْجَمْعِ بِهَذَا اللَّفْظِ فَيَكُونُ هُوَ الْأَكْثَرَ فَيَنْصَرِفُ إِلَيْهِ، وَفِي الدَّنَانِيرِ عِنْدَهُمَا نِصَابٌ عِشْرُونَ مِثْقَالًا، وَعِنْدَهُ عَشَرَةٌ أَيْضًا لِمَا مَرَّ، وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّقْدِيرَاتِ لَوْ زَادَ فِيهَا قُبِلَ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِمَا أَجْمَلَ، وَيَلْزَمُهُ مِنَ الدَّرَاهِمِ الْمُعْتَادَةِ بِالْوَزْنِ الْمُعْتَادِ فِي الْبَلَدِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ أَوْزَانٌ مُخْتَلِفَةٌ أَوْ نُقُودٌ وَجَبَ أَقَلُّهَا لِلتَّيَقُّنِ، وَلَوْ قَالَ عَلَيَّ ثِيَابٌ كَثِيرَةٌ أَوْ وَصَائِفُ كَثِيرَةٌ يَلْزَمُهُ عِنْدَهُ عَشَرَةٌ وَعِنْدَهُمَا مَا يَبْلُغُ قِيمَتُهُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ لِمَا مَرَّ.
(وَلَوْ قَالَ كَذَا دِرْهَمًا فَدِرْهَمٌ) لِأَنَّهُ فَسَّرَ مَا أَبْهَمَ، وَقِيلَ يَلْزَمُهُ عِشْرُونَ وَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّ كَذَا يُذْكَرُ لِلْعَدَدِ عُرْفًا، وَأَقَلُّ عَدَدٍ غَيْرُ مُرَكَّبٍ يُذْكَرُ بَعْدَهُ الدِّرْهَمُ بِالنَّصْبِ عِشْرُونَ.
(وَكَذَا كَذَا أَحَدَ عَشَرَ) دِرْهَمًا لِأَنَّهُ ذَكَرَ عَدَدَيْنِ مُبْهَمَيْنِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا حَرْفُ الْعَطْفِ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ فِي الْمُفَسَّرِ أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا.
(وَلَوْ ثُلْثٌ) بِغَيْرِ وَاوٍ. (فَكَذَلِكَ) لِأَنَّهُ لَا نَظِيرَ لَهُ سِوَاهُ.
стр. 302
وَلَوْ قَالَ: كَذَا وَكَذَا فَأَحَدٌ وَعِشْرُونَ، وَلَوْ ثَلَّثَ بِالْوَاوِ تُزَادُ مِائَةٌ، وَلَوْ رَبَّعَ تُزَادُ أَلْفٌ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ، وَلَوْ قَالَ: مِائَةٌ وَدِرْهَمٌ فَالْكُلُّ دَرَاهِمُ، وَكَذَا كُلُّ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ، وَلَوْ قَالَ: مِائَةٌ وَثَوْبٌ يَلْزَمُهُ ثَوْبٌ وَاحِدٌ وَتَفْسِيرُ الْمِائَةِ إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مِائَةٌ وَثَوْبَانِ، وَلَوْ قَالَ: مِائَةٌ وَثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ فَالْكُلُّ ثِيَابٌ (ف) ، وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَوْ قِبَلِي فَهُوَ دَيْنٌ وَعِنْدِي وَمَعِي وَفِي بَيْتِي أَمَانَةٌ، وَلَوْ قَالَ لَهُ آخَرُ: لِي عَلَيْكَ أَلْفٌ فَقَالَ: اتَّزِنْهَا أَوِ انْتَقِدْهَا أَوْ أَجِّلْنِي بِهَا أَوْ قَضَيْتُكَهَا أَوْ أَجَّلْتُكَ بِهَا فَهُوَ إِقْرَارٌ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
(وَلَوْ قَالَ كَذَا وَكَذَا فَأَحَدٌ وَعِشْرُونَ) لِأَنَّهُ نَظِيرُهُ مِنَ الْمُفَسَّرِ.
(وَلَوْ ثَلَّثَ بِالْوَاوِ تُزَادُ مِائَةٌ، وَلَوْ رَبَّعَ تُزَادُ أَلْفٌ) اعْتِبَارًا بِالنَّظِيرِ مِنَ الْمُفَسَّرِ.
(وَكَذَلِكَ كُلُّ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ) وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا ذُكِرَ الدِّرْهَمُ بِالنَّصْبِ، وَإِنْ ذَكَرَهُ بِالْخَفْضِ بِأَنْ قَالَ: كَذَا دِرْهَمٍ عَنْ مُحَمَّدٍ مِائَةُ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ عَدَدٍ يُذْكَرُ الدِّرْهَمُ عَقِيبَهُ بِالْخَفْضِ مِائَةٌ، فَإِنْ قَالَ: كَذَا كَذَا دِرْهَمٍ يَلْزَمُهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ وَلَوْ قَالَ: كَذَا كَذَا دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا فَعَلَيْهِ أَحَدَ عَشَرَ مِنْهُمَا بِالسَّوِيَّةِ عَمَلًا بِالشَّرِكَةِ، وَلَوْ قَالَ: عَشَرَةٌ وَنَيِّفٌ فَالْبَيَانُ فِي النَّيِّفِ إِلَيْهِ، وَيُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ فِي أَقَلِّ مِنْ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ مُطْلَقِ الزِّيَادَةِ، يُقَالُ: نَيَّفَ عَلَى الشَّيْئَيْنِ إِذَا زَادَ عَلَيْهِمَا؛ وَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ بِضْعَةٌ وَعِشْرُونَ فَالْبِضْعُ ثَلَاثَةُ فَصَاعِدًا.
(وَلَوْ قَالَ: مِائَةٌ وَدِرْهَمٌ فَالْكُلُّ دَرَاهِمُ، وَكَذَا كُلُّ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ، وَلَوْ قَالَ: مِائَةٌ وَثَوْبٌ يَلْزَمُهُ ثَوْبٌ وَاحِدٌ وَتَفْسِيرُ الْمِائَةِ إِلَيْهِ) وَهُوَ الْقِيَاسُ فِي الدِّرْهَمِ، لِأَنَّ الْمِائَةَ مُبْهَمَةٌ، وَالدِّرْهَمَ لَا يَصْلُحُ تَفْسِيرًا؛ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَيْهَا وَالتَّفْسِيرُ لَا يُذْكَرُ بِحَرْفِ الْعَطْفِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ وَهُوَ الْفَرْقُ أَنَّهُمْ اسْتَثْقَلُوا عِنْدَ كَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَالْوُجُوبِ التَّكْرَارَ فِي كُلِّ عَدَدٍ، وَاكْتَفَوْا بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً عَقِيبَ الْعَدَدَيْنِ، وَذَلِكَ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ. أَمَّا الثِّيَابُ وَمَا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ، فَهِيَ عَلَى الْأَصْلِ لِأَنَّهُ لَا يَكْثُرُ وُجُوبُهَا.
(وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مِائَةٌ وَثَوْبَانِ) لِمَا بَيَّنَّا.
(وَلَوْ قَالَ: مِائَةٌ وَثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ فَالْكُلُّ ثِيَابٌ) لِأَنَّهُ ذَكَرَ عَقِيبَ الْعَدَدَيْنِ مَا يَصْلُحُ تَفْسِيرًا لَهُمَا وَهُوَ الثِّيَابُ لِأَنَّهُ ذَكَرَهَا بِغَيْرِ عَاطِفٍ، فَانْصَرَفَ إِلَيْهِمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْحَاجَةِ إِلَى التَّفْسِيرِ، وَكَذَلِكَ الْإِقْرَارُ بِالْغَصْبِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الصُّوَرِ.
قَالَ: (وَإِنْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَوْ قِبَلِي فَهُوَ دَيْنٌ) لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ لِلْإِيجَابِ عُرْفًا، وَالذِّمَّةُ مَحَلُّ الْإِيجَابِ فَيَكُونُ دَيْنًا، إِلَّا أَنْ يُبَيِّنَ مَوْصُولًا أَنَّهَا وَدِيعَةٌ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ مَجَازًا فَلَا يُصَدَّقُ إِلَّا بِالْبَيَانِ مَوْصُولًا.
(وَ) لَوْ قَالَ: (عِنْدِي وَمَعِي وَفِي بَيْتِي) فَهُوَ (أَمَانَةٌ) لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْأَمَانَاتِ؛ لِأَنَّهُ إِقْرَارٌ بِكَوْنِهِ فِي يَدِهِ، وَالْأَمَانَةُ أَدْنَى مِنَ الضَّمَانِ فَيَثْبُتُ، وَكَذَا فِي كِيسِي أَوْ صُنْدُوقِي وَأَشْبَاهِهِ.
(وَلَوْ قَالَ لَهُ آخَرُ: لِي عَلَيْكَ أَلْفٌ، فَقَالَ: اتَّزِنْهَا أَوِ انْتَقِدْهَا أَوْ أَجِّلْنِي بِهَا أَوْ قَضَيْتُكَهَا أَوْ أَجَّلْتُكَ بِهَا فَهُوَ إِقْرَارٌ) وَلَوْ تَصَادَقَا عَلَى
стр. 303
وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ هَاءَ الْكِنَايَةِ لَا يَكُونُ إِقْرَارًا، وَمَنْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ وَادَّعَى الْمُقَرُّ لَهُ أَنَّهُ حَالٌّ اسْتُحْلِفَ (ف) عَلَى الْأَجَلِ، وَمَنْ أَقَرَّ بِخَاتَمٍ لَزِمَهُ الْحَلْقَةُ وَالْفَصُّ، وَبِسَيْفٍ النَّصْلُ وَالْجَفْنُ وَالْحَمَائِلُ، وَمَنْ أَقَرَّ بِثَوْبٍ فِي مِنْدِيلٍ لَزِمَاهُ، وَمَنْ أَقَرَّ بِخَمْسَةٍ فِي خَمْسَةٍ لَزِمَهُ خَمْسَةٌ وَإِنْ أَرَادَ الضَّرْبَ، وَلَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ مِنْ دِرْهَمٍ إِلَى عَشَرَةٍ، أَوْ مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ إِلَى عَشَرَةٍ لَزِمَهُ تِسْعَةٌ (سم ف) ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
أَنَّهُ قَالَهُ عَلَى وَجْهِ السُّخْرِيَةِ لَا يَلْزَمُهُ، وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ نَعَمْ أَوْ خُذْهَا أَوْ لَمْ تَحِلَّ بَعْدُ أَوْ غَدًا، أَوْ وَكَّلَ مَنْ يَقْبِضُهَا، أَوْ أَجِّلْ بِهَا غَرِيمَكَ، أَوْ لَيْسَتْ مُيَسَّرَةً الْيَوْمَ، أَوْ مَا أَكْثَرَ مَا تَتَقَاضَانِيهَا فِيهَا، أَوْ غَمَمْتَنِي بِهَا، أَوْ حَتَّى يَقْدُمَ غُلَامِي أَوْ أَبْرَأْتَنِي مِنْهَا.
(وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ هَاءَ الْكِنَايَةِ لَا يَكُونُ إِقْرَارًا) ، وَالْأَصْلُ أَنَّ الْجَوَابَ يَنْتَظِمُ إِعَادَةَ الْخِطَابِ لِيُفِيدَ الْكَلَامَ، فَكُلُّ مَا يَصْلُحُ جَوَابًا وَلَا يَصْلُحُ ابْتِدَاءً يُجْعَلُ جَوَابًا، وَمَا يَصْلُحُ لِلِابْتِدَاءِ لَا لِلْبِنَاءِ أَوْ يَصْلُحُ لَهُمَا فَإِنَّهُ يُجْعَلُ ابْتِدَاءً لِوُقُوعِ الشَّكِّ فِي كَوْنِهِ جَوَابًا، وَلَا يُجْعَلُ جَوَابًا لِئَلَّا يَلْزَمَهُ الْمَالُ بِالشَّكِّ، فَإِنْ ذَكَرَ هَاءَ الْكِنَايَةِ يَصْلُحُ جَوَابًا لَا ابْتِدَاءً، فَيَكُونُ مُنْتَظِمًا لِلسُّؤَالِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: اتَّزِنِ الْأَلِفَ الَّتِي ادَّعَيْتَهَا أَوْ قَضَيْتُكَ الْأَلْفَ الَّتِي لَكَ، وَطَلَبُ التَّأْجِيلِ لَا يَكُونُ إِلَّا لِوَاجِبٍ، وَكَذَلِكَ الْقَضَاءُ، وَإِذَا لَمْ يَذْكُرْ هَاءَ الْكِنَايَةِ لَا يَصْلُحُ جَوَابًا، أَوْ يَصْلُحُ جَوَابًا وَابْتِدَاءً فَلَا يُجْعَلُ جَوَابًا فَلَا يَكُونُ إِقْرَارًا.
قَالَ: (وَمَنْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ وَادَّعَى الْمُقَرُّ لَهُ أَنَّهُ حَالٌّ اسْتُحْلِفَ عَلَى الْأَجَلِ) لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِالْمَالِ ثَمَّ ادَّعَى حَقًّا وَهُوَ التَّأْجِيلُ، وَالْمُقَرُّ لَهُ يُنْكِرُ فَيَحْلِفُ لِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُنْكِرِ.
قَالَ: (وَمَنْ أَقَرَّ بِخَاتَمٍ لَزِمَهُ الْحَلْقَةُ وَالْفَصُّ) لِأَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُهُمَا عُرْفًا.
(وَ) إِنْ أَقَرَّ (بِسَيْفٍ) لَزِمَهُ (النَّصْلُ وَالْجَفْنُ وَالْحَمَائِلُ) لِمَا قُلْنَا.
قَالَ: (وَمَنْ أَقَرَّ بِثَوْبٍ فِي مِنْدِيلٍ) أَوْ فِي ثَوْبٍ. (لَزِمَاهُ) مَعْنَاهُ أَقَرَّ بِالْغَصْبِ، لِأَنَّ الثَّوْبَ يُلَفُّ فِي مِنْدِيلٍ وَفِي ثَوْبٍ آخَرَ، فَكَانَ ذَلِكَ ظَرْفًا لَهُ.
وَلَوْ قَالَ: ثَوْبِي فِي عَشَرَةِ أَثْوَابٍ لَزِمَهُ أَحَدَ عَشَرَ ثَوْبًا عِنْدَ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ النَّفِيسَ مِنَ الثِّيَابِ يُلَفُّ فِي عَشَرَةٍ وَأَكْثَرَ، وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ يُحْمَلُ عَلَى الظَّرْفِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَلْزَمُهُ إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَادٍ وَإِنْ كَانَ نَادِرًا، وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ فَلَا يَجِبُ، وَيُحْمَلُ عَلَى مَعْنًى بَيِّنٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر: ٢٩] .
قَالَ: (وَمَنْ أَقَرَّ بِخَمْسَةٍ فِي خَمْسَةٍ لَزِمَهُ خَمْسَةٌ، وَإِنْ أَرَادَ الضَّرْبَ) لِأَنَّ الضَّرْبَ لَا يُكْثِرُ الْمَالَ الْمَضْرُوبَ وَإِنَّمَا يُكْثِرُ الْأَجْزَاءَ، وَتَكْثِيرُ أَجْزَاءِ الدِّرْهَمِ تُوجِبُ تَعَدُّدَهُ. وَعِنْدَ زُفَرَ يَجِبُ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ لِعُرْفِ الْحِسَابِ.
(وَلَوْ قَالَ لَهُ: عَلَيَّ مِنْ دِرْهَمٍ إِلَى عَشَرَةٍ، أَوْ مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ إِلَى عَشَرَةٍ لَزِمَهُ تِسْعَةٌ) ، وَقَالَا: يَلْزَمُهُ عَشَرَةٌ. وَقَالَ زُفَرُ: ثَمَانِيَةٌ يُسْقِطُ الْغَايَتَانِ وَيَبْقَى مَا بَيْنَهُمَا وَهُوَ الْقِيَاسُ، كَقَوْلِهِ لَهُ: مِنْ هَذَا الْحَائِطِ إِلَى هَذَا الْحَائِطِ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الْحَائِطَيْنِ. وَلَهُمَا وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ أَنَّ مِثْلَ
стр. 304
وَيَجُوزُ الْإِقْرَارُ بِالْحَمْلِ، وَلَهُ إِذَا بَيَّنَ سَبَبًا صَالِحًا (ف) لِلْمِلْكِ.
فَصْلٌ
إِذَا اسْتَثْنَى بَعْضَ مَا أَقَرَّ بِهِ مُتَّصِلًا صَحَّ وَلَزِمَهُ الْبَاقِي،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
هَذَا الْكَلَامِ يُرَادُ بِهِ الْكُلُّ كَمَا يَقُولُ لِغَيْرِهِ: خُذْ مِنْ دَرَاهِمِي مِنْ دِرْهَمٍ إِلَى عَشَرَةٍ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَشَرَةً وَتَدْخُلَ الْغَايَتَانِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ يُذْكَرُ لِإِرَادَةِ الْأَقَلِّ مِنَ الْأَكْثَرِ وَالْأَكْثَرِ مِنَ الْأَقَلِّ. قَالَ ﵊: «أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ» وَالْمُرَادُ فَوْقَ السِّتِّينَ وَدُونَ السَّبْعِينَ، وَكَذَلِكَ فِي الْعُرْفِ تَقُولُ: عُمْرِي مِنْ سِتِّينَ إِلَى سَبْعِينَ، وَيُرِيدُونَ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ سِتِّينَ وَأَقَلَّ مِنْ سَبْعِينَ، وَالْجَمِيعُ إِنَّمَا يُرَادُ فِيمَا طَرِيقُهُ التَّكَرُّمُ وَالسَّمَاحَةُ إِظْهَارًا لَهُمَا كَمَا ذَكَرَاهُ مِنَ النَّظِيرِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ دُخُولِ الْغَايَةِ الْأُولَى لِيُبْتَنَى الْحُكْمُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا ثُبُوتُهَا يَصِيرُ مَا بَعْدَهَا غَايَةٌ فِي الِابْتِدَاءِ فَتَنْتَفِي أَيْضًا، فَاحْتَجْنَا إِلَى ثُبُوتِ الْغَايَةِ ابْتِدَاءً وَلَا حَاجَةَ إِلَى الْأَخِيرَةِ، بِخِلَافِ نَظِيرِ زُفَرَ؛ لِأَنَّ الْحَائِطَ غَايَةٌ مَوْجُودَةٌ قَبْلَ الْإِقْرَارِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى غَيْرِهِ.
قَالَ: (وَيَجُوزُ الْإِقْرَارُ بِالْحَمْلِ، وَلَهُ إِذَا بَيَّنَ سَبَبًا صَالِحًا لِلْمِلْكِ) أَمَّا الْإِقْرَارُ بِهِ فَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنَّهُ أَوْصَى بِهِ آخَرُ، وَالْإِقْرَارُ مُظْهِرٌ لَهُ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ تَصْحِيحًا لِإِقْرَارِهِ. وَأَمَّا لَهُ، أَمَّا إِذَا ذَكَرَ سَبَبًا صَالِحًا كَالْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ صَحَّ الْإِقْرَارُ لِصَلَاحِيَةِ السَّبَبِ، وَإِنْ ذَكَرَ سَبَبًا غَيْرَ صَالِحٍ كَالْبَيْعِ مِنْهُ وَالْقَرْضِ وَالْإِجَارَةِ وَنَحْوِهَا لَا يَصِحُّ لِلِاسْتِحَالَةِ، وَإِنْ سَكَتَ قَالَ مُحَمَّدٌ: يَصِحُّ وَيُحْمَلُ عَلَى الْأَسْبَابِ الصَّالِحَةِ تَصْحِيحًا لِإِقْرَارِهِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْإِقْرَارِ يَنْصَرِفُ إِلَى الْوَاجِبِ بِالْمُعَامَلَاتِ عَادَةً فَلَا يَصِحُّ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَمِ. وَإِذَا صَحَّ الْإِقْرَارُ، فَإِنْ وُلِدَ فِي مُدَّةٍ يُعْلَمُ وُجُودُهُ وَقْتَ الْإِقْرَارِ لَزِمَ، وَلَوْ جَاءَتْ بِوَلَدَيْنِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ وُلِدَ مَيِّتًا فَالْمَالُ لِمُوَرِّثِهِ وَمَنْ أَوْصَى لَهُ وَيَكُونُ بَيْنَ وَرَثَتِهِمَا، لِأَنَّ الْمَالَ إِنَّمَا يَنْتَقِلُ إِلَى الْجَنِينِ بَعْدَ الْوِلَادَةِ، وَلَمْ يَنْتَقِلْ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ فَبَقِيَ عَلَى مِلْكِ الْمُوَرِّثِ وَالْمُوصِي فَيُورَثُ عَنْهُمَا.
[فصل الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْإِقْرَارِ]
فَصْلٌ
(إِذَا اسْتَثْنَى بَعْضَ مَا أَقَرَّ بِهِ مُتَّصِلًا صَحَّ وَلَزِمَهُ الْبَاقِي) ، وَالْأَصْلُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ تَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثُّنْيَا وَالِاسْتِثْنَاءُ صَحِيحٌ، وَيَجُوزُ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ كَمَا يَجُوزُ اسْتِثْنَاءُ الْأَقَلِّ، وَبِكُلِّهِ وَرَدَ النَّصُّ. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] الْمَعْنَى: لَبِثَ فِيهِمْ تِسْعَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً؛ فَهَذَا اسْتِثْنَاءُ الْأَقَلِّ مِنَ الْأَكْثَرِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] وَهَذَا اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ أَكْثَرُ الْعِبَادِ
стр. 305
وَاسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ بَاطِلٌ. وَإِنْ قَالَ مُتَّصِلًا بِإِقْرَارِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ بَطَلَ إِقْرَارُهُ، وَكَذَلِكَ إِنْ عَلَّقَهُ بِمَشِيئَةِ مَنْ لَا تُعْرَفُ مَشِيئَتُهُ كَالْجِنِّ وَالْمَلَائِكَةِ، وَمَنْ أَقَرَّ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ إِلَّا دِينَارًا، أَوْ إِلَّا قَفِيزَ حِنْطَةٍ لَزِمَهُ الْمِائَةُ إِلَّا قِيمَةَ الدِّينَارِ (م ز) أَوِ الْقَفِيزِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ (م) أَوْ يُعَدُّ (ز) ، وَلَوِ اسْتَثْنَى ثَوْبًا أَوْ شَاةً أَوْ دَارًا لَا يَصِحُّ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَلَا بُدَّ مِنَ الِاتِّصَالِ، قَالَ ﵊: «مَنْ حَلَفَ وَقَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مُتَّصِلًا بِيَمِينِهِ فَلَا حَنْثَ عَلَيْهِ» ، شَرْطُ الِاتِّصَالِ فِي الْمَشِيئَةِ وَأَنَّهَا اسْتِثْنَاءٌ؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ لُزُومُ الْإِقْرَارِ لِمَا بَيَّنَّا، إِلَّا أَنَّ الْقَدْرَ الْمُسْتَثْنَى يَبْطُلُ بِالِاتِّصَالِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِآخِرِهِ، فَإِذَا انْقَطَعَ الْكَلَامُ فَقَدْ تَمَّ، وَلَا يُعْتَبَرُ الِاسْتِثْنَاءُ بَعْدَهُ، وَيَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْبَعْضِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، كَقَوْلِهِ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إِلَّا دِرْهَمًا، فَيَلْزَمُهُ تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ؛ وَلَوْ قَالَ: إِلَّا تِسْعَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ يَلْزَمُهُ خَمْسُونَ، وَعَلَى هَذَا.
(وَاسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ بَاطِلٌ) لِأَنَّهُ رُجُوعٌ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثُّنْيَا وَلَا بَاقِيَ فَلَا يَكُونُ اسْتِثْنَاءً، وَالرُّجُوعُ عَنِ الْإِقْرَارِ لَا يَصِحُّ، وَلَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ يَا فُلَانُ إِلَّا عَشَرَةً صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ؛ لِأَنَّ النِّدَاءَ لِتَنْبِيهِ الْمُخَاطَبِ وَأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ لِتَأْكِيدِ ذَلِكَ فَلَا يَكُونُ فَاصِلًا، وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَاشْهَدُوا عَلَيَّ بِذَلِكَ إِلَّا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ؛ لِأَنَّ الْإِشْهَادَ يَكُونُ بَعْدَ تَمَامِ الْإِقْرَارِ فَكَانَ الْإِشْهَادُ بَعْدَ التَّمَامِ.
قَالَ: (وَإِنْ قَالَ مُتَّصِلًا بِإِقْرَارِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ بَطَلَ إِقْرَارُهُ) لِمَا رَوَيْنَا.
(وَكَذَلِكَ إِنْ عَلَّقَهُ بِمَشِيئَةِ مَنْ لَا تُعْرَفُ مَشِيئَتُهُ كَالْجِنِّ وَالْمَلَائِكَةِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَمِ فَلَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ، وَإِنْ قَالَ: إِنْ شَاءَ فُلَانٌ فَشَاءَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ مَشِيئَةَ فُلَانٍ لَا تُوجِبُ الْمِلْكَ، وَكَذَلِكَ إِنْ جَاءَ الْمَطَرُ أَوْ هَبَّتِ الرِّيحُ أَوْ كَانَ كَذَا لِمَا بَيَّنَّا.
قَالَ: (وَمَنْ أَقَرَّ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ إِلَّا دِينَارًا، أَوْ إِلَّا قَفِيزَ حِنْطَةٍ لَزِمَهُ الْمِائَةُ إِلَّا قِيمَةَ الدِّينَارِ أَوِ الْقَفِيزِ، وَكَذَلِكَ كَلُّ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ أَوْ يُعَدُّ، وَلَوِ اسْتَثْنَى ثَوْبًا أَوْ شَاةً أَوْ دَارًا لَا يَصِحُّ) ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَصِحُّ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْإِيجَابِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ تَحْتَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَلَا يَكُونُ اسْتِثْنَاءً. وَلَهُمَا أَنَّ مَا يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ كُلَّهُ كَجِنْسٍ وَاحِدٍ نَظَرًا إِلَى الْمَقْصُودِ وَهُوَ الثَّمَنِيَّةُ الَّتِي يُتَوَسَّلُ بِهَا إِلَى الْأَعْيَانِ؛ أَمَّا الثَّوْبُ وَأَخَوَاتُهُ لَيْسَ بِثَمَنٍ أَصْلًا حَتَّى لَا يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الثَّوْبُ نَصًّا لَا قِيَاسًا، فَمَا يَكُونُ ثَمَنًا يَصْلُحُ مُقَدَّرًا لِلدِّرْهَمِ فَيَصِيرُ بِقَدْرِهِ مُسْتَثْنًى، وَمَا لَا فَلَا، فَيَبْقَى الْمُسْتَثْنَى مَجْهُولًا فَلَا يَصِحُّ.
وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إِلَّا شَيْئًا لَزِمَهُ نِصْفُ الْأَلْفِ وَزِيَادَةٌ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ فِي الْمُقَرِّ بِهِ غَيْرُ مَانِعَةٍ، فَفِي الْمُسْتَثْنَى أَوْلَى، إِلَّا أَنَّ قَوْلَهُ شَيْءٌ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْقَلِيلِ عُرْفًا فَيَكُونُ أَقَلَّ مِنَ الْبَاقِي؛ وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ إِلَّا قَلِيلًا، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: عَلَيْهِ أَحَدٌ وَخَمْسُونَ؛
стр. 306
وَلَوْ قَالَ: غَصَبْتُهُ مِنْ زَيْدٍ لَا بَلْ مِنْ عَمْرٍو فَهُوَ لِزَيْدٍ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِعَمْرٍو (ف) ، وَمَنْ أَقَرَّ بِشَيْئَيْنِ فَاسْتَثْنَى أَحَدَهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا وَبَعْضَ الْآخَرِ فَالِاسْتِثْنَاءُ بَاطِلٌ (سم) وَإِنِ اسْتَثْنَى بَعْضَ أَحَدِهِمَا أَوْ بَعْضَ كَلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَحَّ، وَيُصْرَفُ إِلَى جِنْسِهِ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَلَوْ قَالَ: عَشَرَةٌ إِلَّا بَعْضَهَا فَعَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنَ النِّصْفِ، وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إِلَّا عَشَرَةَ دَنَانِيرَ إِلَّا قِيرَاطًا، لَزِمَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ إِلَّا عَشَرَةَ دَنَانِيرَ إِلَّا قِيرَاطًا؛ لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْعَشَرَةِ دَنَانِيرَ صَحِيحٌ، وَاسْتِثْنَاءُ الْقِيرَاطِ مِنَ الْعَشَرَةِ صَحِيحٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ صَحِيحٌ وَيَلْحَقُ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِلا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٥٩] ﴿إِلا امْرَأَتَهُ﴾ [الحجر: ٦٠] اسْتَثْنَى آلَ لُوطٍ مِنَ الْهَالِكِينَ، ثُمَّ اسْتَثْنَى امْرَأَتَهُ مِنَ النَّاجِينَ، فَكَانَتْ مِنَ الْهَالِكِينَ.
قَالَ: (وَلَوْ قَالَ: غَصَبْتُهُ مِنْ زَيْدٍ لَا بَلْ مِنْ عَمْرٍو فَهُوَ لِزَيْدٍ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِعَمْرٍو) لِأَنَّ قَوْلَهُ مِنْ زَيْدٍ إِقْرَارٌ لَهُ، ثُمَّ قَوْلُهُ لَا رُجُوعٌ عَنْهُ لَا يُقْبَلُ، وَقَوْلُهُ بَلْ مِنْ عَمْرٍو إِقْرَارٌ مِنْهُ لِعَمْرٍو، وَقَدِ اسْتَهْلَكَهُ بِالْإِقْرَارِ لِزَيْدٍ فَيَجِبُ قِيمَتُهُ لِعَمْرٍو؛ وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ لَا بَلْ أَلْفَانِ يَلْزَمُهُ أَلْفَانِ اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ يَلْزَمُهُ ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ، وَلَوْ قَالَ: غَصَبْتُهُ عَبْدًا أَسْوَدَ لَا بَلْ أَبْيَضَ لَزِمَهُ عَبْدٌ أَبْيَضُ، وَلَوْ قَالَ غَصَبْتُهُ ثَوْبًا هَرَوِيًّا لَا بَلْ مَرْوِيًّا لَزِمَاهُ، وَكَذَا: لَهُ عَلَيَّ كُرُّ حِنْطَةٍ لَا بَلْ كُرُّ شَعِيرٍ لَزِمَاهُ؛ وَلَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ لَا بَلْ لِفُلَانٍ لَزِمَهُ الْمَالَانِ؛ وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ لَا بَلْ خَمْسُمِائَةٍ لَزِمَهُ الْأَلْفُ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ " لَا بَلْ " مَتَى تَخَلَّلَتْ بَيْنَ الْمَالَيْنِ مِنْ جِنْسَيْنِ لَزِمَاهُ، وَكَذَلِكَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ إِذَا كَانَ الْمُقَرُّ لَهُ اثْنَيْنِ، وَإِذَا كَانَ وَاحِدًا وَالْجِنْسُ وَاحِدٌ لَزِمَ أَكْثَرُ الْمَالَيْنِ، لِأَنَّ لَا بَلْ لِاسْتِدْرَاكِ الْغَلَطِ، وَالْغَلَطُ إِنَّمَا يَقَعُ غَالِبًا فِي جِنْسٍ وَاحِدٍ، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا كَانَ لِرَجُلَيْنِ كَانَ رُجُوعًا عَنِ الْأَوَّلِ فَلَا يُقْبَلُ، وَيَثْبُتُ لِلثَّانِي بِإِقْرَارِهِ الثَّانِي، وَإِذَا كَانَ الْإِقْرَارُ الثَّانِي أَكْثَرَ صَحَّ الِاسْتِدْرَاكُ وَيُصَدِّقُهُ الْمُقَرُّ لَهُ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ كَانَ مُتَّهَمًا فِي الِاسْتِدْرَاكِ وَالْمُقَرُّ لَهُ لَا يُصَدِّقُهُ فَيَلْزَمُهُ الْأَكْثَرُ؛ وَجْهُ قَوْلِ زُفَرَ أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَلْفٍ فَيَلْزَمُهُ، وَقَوْلُهُ لَا رُجُوعَ فَلَا يُصَدَّقُ فِيهِ، ثُمَّ أَقَرَّ بِأَلْفَيْنِ فَصَحَّ الْإِقْرَارُ وَصَارَ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً لَا بَلْ ثِنْتَيْنِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْإِقْرَارَ إِخْبَارٌ يَجْرِي فِيهِ الْغَلَطُ فَيَجْرِي فِيهِ الِاسْتِدْرَاكُ، فَيَلْزَمُهُ الْأَكْثَرُ وَالطَّلَاقُ إِنْشَاءٌ، وَلَا يَمْلِكُ إِبْطَالَ مَا أَنْشَأَ فَافْتَرَقَا.
قَالَ: (وَمَنْ أَقَرَّ بِشَيْئَيْنِ فَاسْتَثْنَى أَحَدَهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا وَبَعْضَ الْآخَرِ فَالِاسْتِثْنَاءُ بَاطِلٌ، وَإِنِ اسْتَثْنَى بَعْضَ أَحَدِهِمَا أَوْ بَعْضَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَحَّ وَيُصْرَفُ إِلَى جِنْسِهِ) .
وَصُورَتُهُ إِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ كُرُّ حِنْطَةٍ وَكُرُّ شَعِيرٍ إِلَّا كُرَّ حِنْطَةٍ، أَوْ قَالَ: إِلَّا كُرَّ حِنْطَةٍ وَقَفِيزَ شَعِيرٍ فَهَذَا بَاطِلٌ، وَقَالَا: يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْقَفِيزِ، وَهُوَ نَظِيرُ اخْتِلَافِهِمْ فِي قَوْلِهِ: أَنْتَ حُرٌّ وَحُرٌّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَثَلَاثًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَإِنَّهُ يَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ عِنْدَهُ، وَيَقَعُ
стр. 307
وَاسْتِثْنَاءُ الْبِنَاءِ مِنَ الدَّارِ بَاطِلٌ؛ وَلَوْ قَالَ: بِنَاؤُهَا لِي وَالْعَرْصَةُ لِفُلَانٍ فَكَمَا قَالَ؛ وَلَوْ قَالَ لَهُ: عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ لَمْ أَقْبِضْهُ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ لَزِمَهُ الْأَلْفُ (سم) وَإِنْ عَيَّنَ
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ، وَعِنْدَهُمَا الِاسْتِثْنَاءُ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ كَلَامٌ مُتَّصِلٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: إِلَّا كُرَّ حِنْطَةٍ اسْتِثْنَاءٌ صَحِيحٌ لَفْظًا إِلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مُفِيدٍ، وَإِذَا كَانَ كَلَامًا مُتَّصِلًا كَانَ اسْتِثْنَاءُ الْقَفِيزِ مُتَّصِلًا فَيَصِحُّ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْكُرِّ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ فَكَانَ لَغْوًا وَكَانَ قَاطِعًا لِلْكَلَامِ الْأَوَّلِ فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعًا، وَهَكَذَا قَوْلُهُ وَثَلَاثَةٌ وَحُرٌّ لَغْوٌ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ؛ وَلَوْ قَالَ: إِلَّا قَفِيزَ حِنْطَةٍ، أَوْ إِلَّا قَفِيزَ شَعِيرٍ صَحَّ فِي الِاسْتِثْنَاءِ لِعَدَمِ تَخَلُّلِ الْقَاطِعِ؛ وَكَذَا لَوْ قَالَ: إِلَّا قَفِيزَ حِنْطَةٍ وَقَفِيزَ شَعِيرٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ إِلَّا قَفِيزَ حِنْطَةٍ اسْتِثْنَاءٌ صَحِيحٌ مُفِيدٌ فَلَا يَكُونُ قَاطِعًا، فَيَصِحُّ الْعَطْفُ عَلَيْهِ فَيَلْزَمُهُ كُرُّ حِنْطَةٍ وَكُرُّ شَعِيرٍ إِلَّا قَفِيزَ حِنْطَةٍ وَقَفِيزَ شَعِيرٍ.
قَالَ: (وَاسْتِثْنَاءُ الْبِنَاءِ مِنَ الدَّارِ بَاطِلٌ) مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: هَذِهِ الدَّارُ لِفُلَانٍ إِلَّا بِنَاءَهَا، أَوْ قَالَ: وَبِنَاؤُهَا لِي؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ دَاخِلٌ فِي هَذَا الْإِقْرَارِ مَعْنًى؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ تَبَعٌ لِلْأَرْضِ وَالِاسْتِثْنَاءَ تَصَرُّفٌ فِي الْمَلْفُوظِ، وَعَلَى هَذَا النَّخْلُ وَالشَّجَرُ مَعَ الْبُسْتَانِ وَالظِّهَارَةُ وَالْبِطَانَةُ مِنَ الْجُبَّةِ، وَالْفَصُّ مِنَ الْخَاتَمِ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ، وَلَا قِوَامَ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِدُونِ مَا اسْتَثْنَاهُ فَيَكُونُ بَاطِلًا؛ وَلَوْ قَالَ: إِلَّا ثُلُثَهَا أَوْ إِلَّا بَيْتًا مِنْهَا صَحَّ؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِيهِ لَفْظًا.
(وَلَوْ قَالَ: بِنَاؤُهَا لِي وَالْعَرْصَةُ لِفُلَانٍ، فَكَمَا قَالَ) لِأَنَّ الْعَرْصَةَ اسْمٌ لِلْبُقْعَةِ دُونَ الْبِنَاءِ، وَلَوْ أَقَرَّ لَهُ بِحَائِطٍ لَزِمَهُ بِأَرْضِهِ؛ لِأَنَّ الْحَائِطَ اسْمٌ لِلْمَبْنَى وَلَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الْأَرْضِ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَقَرَّ لَهُ بِأُسْطُوَانَةٍ مِنْ آجُرٍّ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ خَشَبٍ لَا يَلْزَمُهُ الْأَرْضُ؛ لِأَنَّ الْخَشَبَةَ تُسَمَّى أُسْطُوَانَةً قَبْلَ الْبِنَاءِ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ رَفْعُهَا بِغَيْرِ ضَرَرٍ رَفَعَهَا وَإِلَّا ضَمَنَ قِيمَتَهَا لِلْمُقِرِّ لَهُ كَمَا فِي غَصْبِ السَّاجَةِ؛ وَلَوْ أَقَرَّ بِثَمَرَةِ نَخْلٍ لَا تَدْخُلُ النَّخْلَةُ؛ وَلَوْ أَقَرَّ بِنَخْلَةٍ أَوْ شَجَرَةٍ يَلْزَمُهُ مَوْضِعُهَا مِنَ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى شَجَرَةً وَنَخْلًا إِلَّا وَهُوَ ثَابِتٌ وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ، وَلَا يَلْزَمُ الطَّرِيقُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَاتِ الْمِلْكِ.
قَالَ: (وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ لَمْ أَقْبِضْهُ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ لَزِمَهُ الْأَلْفُ) وَصَلَ أَمْ فَصَلَ، وَلَا يُصَدَّقُ فِي قَوْلِهِ: مَا قَبَضْتُهُ؛ لِأَنَّ عَلَيَّ لِلْإِلْزَامِ، وَقَوْلُهُ: لَمْ أَقْبِضْهُ يُنَافِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ إِلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ وَهُوَ غَيْرُ عَيْنٍ، فَأَيُّ عَبْدٍ أُحْضِرُهُ يَقُولُ: الْمَبِيعُ غَيْرُهُ، فَعُلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ لَمْ أَقْبِضْهُ جُحُودًا بَعْدَ الْإِقْرَارِ فَلَا يُقْبَلُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِنْ صَدَّقَهُ فِي أَنَّهُ ثَمَنٌ صُدِّقَ وَصَلَ أَمْ فَصَلَ، وَإِنْ كَذَّبَهُ وَقَالَ: لِي عَلَيْكَ أَلْفٌ مِنْ قَرْضٍ أَوْ غَصْبٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ إِنْ وَصَلَ صُدِّقَ وَإِلَّا فَلَا، وَوَجْهُهُ أَنَّهُمَا إِذَا تَصَادَقَا عَلَى الْجِهَةِ فَقَدْ تَصَادَقَا عَلَى أَنَّ الْمُقَرَّ بِهِ ثَمَنٌ فَلَا يَلْزَمُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَالْمُقِرُّ يُنْكِرُ الْقَبْضَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَصَلَ أَمْ فَصَلَ، وَمَتَى كَذَّبَهُ كَانَ تَغْيِيرًا لِإِقْرَارِهِ، فَإِنْ وَصَلَ صُدِّقَ وَإِلَّا فَلَا.
قَالَ: (وَإِنْ عَيَّنَ
стр. 308
الْعَبْدَ، فَإِنْ سَلَّمَهُ إِلَيْهِ لَزِمَتْهُ الْأَلْفُ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ قَالَ: مِنْ ثَمَنِ خِنْزِيرٍ أَوْ خَمْرٍ لَزِمَتْهُ؛ وَلَوْ قَالَ: مِنْ ثَمَنِ مَتَاعٍ أَوْ أَقْرَضَنِي ثُمَّ قَالَ: هِيَ زُيُوفٌ أَوْ نَبَهْرَجَةٌ، وَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: جِيَادٌ فَهِيَ جِيَادٌ؛ وَلَوْ قَالَ: غَصَبْتُهَا مِنْهُ أَوْ أَوْدَعَنِيهَا صُدِّقَ فِي الزُّيُوفِ والنَبهْرَجَةِ، وَفِي الرَّصَاصِ وَالسَّتُوقَةِ إِنْ وَصَلَ صُدِّقَ وَإِلَّا فَلَا.
فَصْلٌ
وَدُيُونُ الصِّحَّةِ وَمَا لَزِمَهُ فِي مَرَضِهِ بَسَبَبٍ مَعْرُوفٍ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا أَقَرَّ بِهِ فِي مَرَضِهِ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْعَبْدَ، فَإِنْ سَلَّمَهُ إِلَيْهِ لَزِمَتْهُ الْأَلْفُ وَإِلَّا فَلَا) وَهَذَا إِذَا صَدَّقَهُ لِأَنَّهُمَا إِذَا تَصَادَقَا عَلَى ذَلِكَ صَارَ كَابْتِدَاءِ الْبَيْعِ وَإِنْ قَالَ لَهُ: الْعَبْدُ فِي يَدِكَ وَمَا بِعْتُكَ غَيْرَهُ لَزِمَهُ الْمَالُ، لِأَنَّهُ إِقْرَارٌ بِهِ عِنْدَ سَلَامَةِ الْعَبْدِ وَقَدْ سَلِمَ؛ وَلَوْ قَالَ: الْعَبْدُ عَبْدِي مَا بِعْتُكَهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَقَرَّ بِالْمَالِ عِوَضًا عَنْ هَذَا الْعَبْدِ فَلَا يَلْزَمُهُ دُونَهُ؛ وَلَوْ قَالَ: إِنَّمَا بِعْتُكَ غَيْرَهُ يَتَحَالَفَانِ عَلَى مَا مَرَّ.
قَالَ: (وَإِنْ قَالَ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ لَزِمَتْهُ) وَقَالَا: لَا يَلْزَمُهُ إِنْ وَصَلَ؛ لِأَنَّ بِآخِرِ كَلَامِهِ ظَهَرَ أَنَّهُ مَا أَرَادَ الْإِيجَابَ كَقَوْلِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَلَهُ أَنَّ هَذَا رُجُوعٌ فَلَا يُقْبَلُ لِأَنَّ ثَمَنَهُمَا لَا يَكُونُ وَاجِبًا، وَمَا ذَكَرَا فَهُوَ تَعْلِيقٌ وَهَذَا إِبْطَالٌ.
(وَلَوْ قَالَ مِنْ ثَمَنِ مَتَاعٍ أَوْ أَقْرَضَنِي ثُمَّ قَالَ: هِيَ زُيُوفٌ أَوْ نَبَهْرَجَةٌ، وَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: جِيَادٌ، فَهِيَ جِيَادٌ) وَقَالَا: يُصَدَّقُ إِنْ وَصَلَ، وَعَلَى هَذَا إِذَا قَالَ هِيَ سَتُّوقَةٌ أَوْ رَصَاصٌ. لَهُمَا أَنَّهُ بَيَانٌ مُغَيِّرٌ؛ لِأَنَّ اسْمَ الدَّرَاهِمِ يَتَنَاوَلُ هَذِهِ الْأَنْوَاعَ فَيَصِحُّ مَوْصُولًا كَمَا تَقَدَّمَ وَصَارَ كَقَوْلِهِ إِلَّا أَنَّهَا وَزْنُ خَمْسَةٍ، وَلَهُ أَنَّ مُقْتَضَى الْعَقْدِ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ عَنِ الْعَيْبِ، فَإِقْرَارُهُ يَقْتَضِي الْجِيَادَ، ثُمَّ قَوْلُهُ هِيَ زُيُوفٌ إِنْكَارٌ فَلَا يُصَدَّقُ، فَصَارَ كَمَا إِذَا ادَّعَى الْجِيَادَ وَادَّعَى الْمُشْتَرِي الزُّيُوفَ يَلْزَمُهُ الْجِيَادُ عَمَلًا بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَصْلِ، وَقَوْلُهُ وَزْنُ خَمْسَةٍ مِقْدَارٌ فَيَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ وَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْوَصْفِ لِمَا مَرَّ فِي الْبِنَاءِ.
(وَلَوْ قَالَ: غَصَبْتُهَا مِنْهُ، أَوْ أَوْدَعَنِيهَا صُدِّقَ فِي الزُّيُوفِ وَالنَّبَهْرَجَةِ) لِأَنَّ الْغَصْبَ يَرِدُ عَلَى مَا يَجِدُهُ وَالْإِنْسَانُ يُودِعُ مَا يَمْلِكُهُ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي السَّلَامَةَ عَنِ الْعُيُوبِ.
(وَفِي الرَّصَاصِ وَالسَّتُّوقَةِ إِنْ وَصَلَ صُدِّقَ وَإِلَّا فَلَا) لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ جِنْسِ الدَّرَاهِمِ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُهُمَا مَجَازًا فَلِذَلِكَ يُشْتَرَطُ الْوَصْلُ؛ وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إِلَّا أَنَّهَا تَنْقُصُ كَذَا فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ صَحِيحٌ إِنْ وَصَلَ صُدِّقَ وَإِلَّا فَلَا.
[فصل الْإِقْرَارُ حَالَ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ]
فَصْلٌ
(وَدُيُونُ الصِّحَّةِ وَمَا لَزِمَهُ فِي مَرَضِهِ بِسَبَبٍ مَعْرُوفٍ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا أَقَرَّ بِهِ فِي مَرَضِهِ،
стр. 309
وَمَا أَقَرَّ بِهِ فِي مَرَضِهِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمِيرَاثِ، وَإِقْرَارُ الْمَرِيضِ لِوَارِثِهِ بَاطِلٌ، إِلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ. وَمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي مَرَضِهِ ثَلَاثًا ثُمَّ أَقَرَّ لَهَا وَمَاتَ فَلَهَا الْأَقَلُّ مِنَ الْإِقْرَارِ وَالْمِيرَاثِ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَمَا أَقَرَّ بِهِ فِي مَرَضِهِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمِيرَاثِ) وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَقْضِي دَيْنَ الصِّحَّةِ وَالدَّيْنَ الْمَعْرُوفَ السَّبَبِ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ قُضِيَ مَا أَقَرَّ بِهِ فِي مَرَضِهِ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِلْوَرَثَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَعَلَّقَ حَقُّ غُرَمَاءِ الصِّحَّةِ بِمَالِهِ بِأَوَّلِ مَرَضِهِ حَتَّى يَنْتَقِضَ تَبَرُّعُهُ لِحَقِّهِمْ، فَفِي إِقْرَارِهِ لِغَيْرِهِمْ إِبْطَالُ حَقِّهِمْ فَلَا يَصِحُّ، وَكَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقِرَّ بِعَيْنٍ فِي يَدِهِ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْإِقْرَارَ حُجَّةٌ قَاصِرَةٌ فَلَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَمَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِمُعَايَنَةِ الْقَاضِي حُجَّةٌ فِي حَقِّ الْكَافَّةِ فَكَانَ أَوْلَى، وَكَذَلِكَ النِّكَاحُ لِأَنَّهُ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ وَكَذَا الدُّيُونُ الْمَعْرُوفَةُ السَّبَبِ؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِيهَا، وَكَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَ بَعْضِ الْغُرَمَاءِ دُونَ الْبَعْضِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَالِ حَقِّ الْبَاقِينَ، فَإِذَا قُضِيَتْ دُيُونُ الصِّحَّةِ وَالْمَعْرُوفَةِ الْأَسْبَابِ يَقْضِي مَا أَقَرَّ بِهِ فِي مَرَضِهِ؛ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنُ الصِّحَّةِ، وَكَانَ أَحَقَّ مِنَ الْوَرَثَةِ لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ؛ لَأَنَّ مَالَهُ إِنَّمَا يَنْتَقِلُ إِلَى الْوَرَثَةِ عِنْدَ فَرَاغِ حَاجَتِهِ، وَفَرَاغُ ذِمَّتِهِ مِنْ أَهَمِّ الْحَوَائِجِ.
قَالَ: (وَإِقْرَارُ الْمَرِيضِ لِوَارِثِهِ بَاطِلٌ إِلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ) . قَالَ ﵊: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ وَلَا إِقْرَارَ بِدَيْنٍ» ، وَلِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ، فَإِقْرَارُهُ لِبَعْضِهِمْ إِبْطَالٌ لِحَقِّ الْبَاقِينَ، وَفِيهِ إِيقَاعُ الْعَدَاوَةِ بَيْنَهُمْ لِمَا فِيهِ مِنْ إِيثَارِ الْبَعْضِ عَلَى الْبَعْضِ، وَأَنَّهُ مَنْشَأٌ لِلْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ، وَقَضِيَّةُ يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ أَكْبَرُ شَاهِدٍ، وَكَذَا لَا يَصِحُّ إِقْرَارُهُ إِنْ قَبَضَ مِنْهُ دَيْنَهُ أَوْ رَجَعَ فِيمَا وَهَبَهُ مِنْهُ فِي مَرَضِهِ، أَوْ قَبَضَ مَا غَصَبَهُ مِنْهُ أَوْ رَهَنَهُ عِنْدَهُ، أَوِ اسْتَرَدَّ الْمَبِيعَ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ لِمَا بَيَّنَّا، وَكَذَا لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِعَبْدِ وَارِثِهِ وَلَا مُكَاتِبِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ لِمَوْلَاهُ مِلْكًا أَوْ حَقًّا، وَلَوْ صَدَرَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ مِنْهُ لِلْوَارِثِ وَهُوَ مَرِيضٌ ثُمَّ بَرَأَ ثُمَّ مَاتَ جَازَ ذَلِكَ كُلُّهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَرَضَ الْمَوْتِ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ الْوَرَثَةِ؛ وَلَوْ أَقَرَّ لِأَخِيهِ وَهُوَ وَارِثُهُ ثُمَّ جَاءَهُ ابْنٌ وَمَاتَ صَحَّ الْإِقْرَارُ لِأَخِيهِ، وَلَوْ أَقَرَّ لَهُ وَلَهُ ابْنٌ فَمَاتَ الِابْنُ ثُمَّ مَاتَ الْمُقِرُّ بِطَلَ الْإِقْرَارُ لِلْأَخِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْوَارِثَ مَنْ يَرِثُهُ وَذَلِكَ إِنَّمَا يَتَبَيَّنُ بِالْمَوْتِ، فَفِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لَمْ يَرِثْ فَصَحَّ، وَفِي الثَّانِيَةِ وَرِثَ فَلَمْ يَصِحَّ.
(وَمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي مَرَضِهِ ثَلَاثًا ثُمَّ أَقَرَّ لَهَا وَمَاتَ فَلَهَا الْأَقَلُّ مِنَ الْإِقْرَارِ وَالْمِيرَاثِ) وَكَذَا لَوْ تَصَادَقَا عَلَى الطَّلَاقِ وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فِي مَرَضِهِ ثُمَّ أَقَرَّ لَهَا أَوْ أَوْصَى، وَقَالَا لَهَا فِي الثَّانِيَةِ مَا أَقَرَّ لَهَا أَوْ أَوْصَى؛ وَقَالَ زُفَرُ فِي الْأُولَى كَذَلِكَ أَيْضًا؛ لِكَوْنِهَا أَجْنَبِيَّةً فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ. وَلَهُمَا أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ بِالطَّلَاقِ وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَيَصِحُّ لَهَا الْإِقْرَارُ وَالْوَصِيَّةُ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ، بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ بَقَاءَ الْعِدَّةِ دَلِيلُ التُّهْمَةِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ التُّهْمَةَ قَائِمَةٌ فَإِنَّهَا تَخْتَارُ الْفُرْقَةَ لِيَنْفَتِحَ عَلَيْهَا بَابُ الْوَصِيَّةِ وَالْإِقْرَارِ فَيَصِلُ إِلَيْهَا أَكْثَرُ مِنْ مِيرَاثِهَا وَيَصْطَلِحَانِ عَلَى الْبَيْنُونَةِ وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لِذَلِكَ، فَإِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ وَالْإِقْرَارُ أَكْثَرَ مِنْ مِيرَاثِهَا جَاءَتِ التُّهْمَةُ،
стр. 310
وَإِنْ أَقَرَّ الْمَرِيضُ لِأَجْنَبِيٍّ ثُمَّ قَالَ هُوَ ابْنِي بَطَلَ إِقْرَارُهُ، وَإِنْ أَقَرَّ لِامْرَأَةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لَمْ يَبْطُلْ، وَيَصِحُّ إِقْرَارُ الرَّجُلِ بِالْوَلَدِ وَالْوَالِدَيْنِ وَالزَّوْجَةِ وَالْمَوْلَى إِذَا صَدَّقُوهُ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ إِلَّا فِي الْوَلَدِ فَإِنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَصْدِيقِ الزَّوْجِ أَوْ شَهَادَةِ الْقَابِلَةِ، وَمَنْ مَاتَ أَبُوهُ فَأَقَرَّ بِأَخٍ شَارَكَهُ فِي الْمِيرَاثِ، وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ.
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَفِيهِ إِبْطَالُ حَقِّ الْوَرَثَةِ فَلَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ الْمِيرَاثُ أَكْثَرَ فَلَا تُهْمَةَ فَيَجُوزُ الْإِقْرَارُ وَالْوَصِيَّةُ.
قَالَ: (وَإِنْ أَقَرَّ الْمَرِيضُ لِأَجْنَبِيٍّ ثُمَّ قَالَ هُوَ ابْنِي بَطَلَ إِقْرَارُهُ، وَإِنْ أَقَرَّ لِامْرَأَةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لَمْ يَبْطُلْ) لِأَنَّ الْبُنُوَّةَ تَسْتَنِدُ إِلَى وَقْتِ الْعُلُوقِ، فَكَانَ ابْنًا لَهُ وَقْتَ الْإِقْرَارِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ وَارِثًا وَقْتَ الْإِقْرَارِ، وَالزَّوْجِيَّةُ تَقْتَصِرُ عَلَى حَالَةِ الْعَقْدِ، فَصَحَّ الْإِقْرَارُ لِكَوْنِهَا أَجْنَبِيَّةً فَلَا يَبْطُلُ، حَتَّى لَوْ أَوْصَى لَهَا أَوْ وَهَبَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لَا يَصِحُّ؛ لَأَنَّ الْوَصِيَّةَ إِنَّمَا تَصِحُّ بَعْدَ الْمَوْتِ وَهِيَ وَارِثَةٌ وَالْهِبَةُ فِي الْمَرَضِ وَصِيَّةٌ فَكَانَتْ كَهِيَ.
قَالَ: (وَيَصِحُّ إِقْرَارُ الرَّجُلِ بِالْوَلَدِ وَالْوَالِدَيْنِ وَالزَّوْجَةِ وَالْمَوْلَى إِذَا صَدَّقُوهُ) إِذَا كَانَ الْوَلَدُ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِلَّا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى مِنْهُ لِمَا فِيهِ مِنَ النَّظَرِ لَهُ مِنْ ثُبُوتِ النَّسَبِ وَوُجُوبِ النَّفَقَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
(وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ إِلَّا فِي الْوَلَدِ فَإِنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَصْدِيقِ الزَّوْجِ أَوْ شَهَادَةِ الْقَابِلَةِ) وَأَصْلُهُ أَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ هَذَا الْإِقْرَارِ تَصْدِيقُ الْمُقَرِّ لَهُ لِيَصِيرَ حُجَّةً فِي حَقِّهِ فَيَلْزَمُهُمَا الْأَحْكَامُ بِتَصَادُقِهِمَا، وَتَصَوُّرُ كَوْنِهِ مِنْهُ لِئَلَّا يُكَذِّبَهُ الْعَقْلُ وَأَنْ لَا يَكُونَ مَعْرُوفَ النَّسَبِ مِنْ غَيْرِهِ لِئَلَّا يُكَذِّبَهُ الشَّرْعُ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى تَصْدِيقِ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَحَمُّلَ النَّسَبِ عَلَيْهِ فَلَا يُقْبَلُ إِلَّا بِتَصْدِيقِهِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ وَفِي شَهَادَةِ الْقَابِلَةِ عَلَى مَا يُعْرَفُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَإِذَا صَحَّ الْإِقْرَارُ بِهَؤُلَاءِ لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ فِيهِ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ إِذَا ثَبَتَ لَا يَبْطُلُ بِالرُّجُوعِ وَلَهُ الرُّجُوعُ إِذَا أَقَرَّ بِمَنْ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ كَقَرَابَةِ غَيْرِ الْوِلَادِ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ مَعْنًى، وَإِنَّمَا لَا يَصِحُّ النَّسَبُ بِغَيْرِ قَرَابَةِ الْوِلَادِ بِالْإِقْرَارِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَحَمُّلِ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ فَالْأَخُ نَسَبُهُ إِلَى الْأَبِ، وَالْعَمُّ إِلَى الْجَدِّ وَهَكَذَا، لَكِنْ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ غَيْرَهُ وَرِثَهُ، لِأَنَّ إِقْرَارَهُ تَضَمَّنَ أَمْرَيْنِ: تَحَمُّلَ النَّسَبِ عَلَى غَيْرِهِ وَلَا يَمْلِكُهُ فَبَطَلَ، وَالْإِقْرَارَ لَهُ بِالْمَالِ وَإِنَّمَا يَمْلِكُهُ عِنْدَ عَدَمِ الْوَارِثِ فَيَصِحُّ.
(وَمَنْ مَاتَ أَبُوهُ فَأَقَرَّ بِأَخٍ شَارَكَهُ فِي الْمِيرَاثِ) لِأَنَّهُ اعْتَرَفَ لَهُ بِنِصْفِ الْمِيرَاثِ.
(وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ) لِمَا بَيَّنَّا، ثُمَّ التَّصْدِيقُ يَصِحُّ بَعْدَ الْمَوْتِ فِي النَّسَبِ لِبَقَائِهِ، وَكَذَا تَصْدِيقُ الزَّوْجَةِ لِبَقَاءِ أَحْكَامِهِ وَهُوَ غَسْلُهَا لَهُ وَالْعِدَّةُ، وَلَا يَصِحُّ تَصْدِيقُ الزَّوْجِ لِانْقِطَاعِ النِّكَاحِ بِالْمَوْتِ حَتَّى لَا يَجُوزَ لَهُ غَسْلُهَا، فَصَارَ كَالتَّصْدِيقِ بَعْدَ هَلَاكِ الْعَيْنِ؛ وَعِنْدَهُمَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْإِرْثَ مِنَ الْأَحْكَامِ.
стр. 311
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ مَنْ تَعَيَّنَ لِتَحَمُّلِهَا لَا يَسَعُهُ أَنْ يَمْتَنِعَ إِذَا طُولِبَ، فَإِذَا تَحَمَّلَهَا وَطُلِبَ لِأَدَائِهَا يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَقُومَ الْحَقُّ بِغَيْرِهِ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْحُدُودِ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالسَّتْرِ، وَالسَّتْرُ أَفْضَلُ، وَيَقُولُ فِي السَّرِقَةِ:
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[كتاب الشهادات]
ِ أَصْلُ الشَّهَادَةِ الْحُضُورُ، قَالَ ﵊: «الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ» أَيْ حَضَرَهَا، وَيُقَالُ: فُلَانٌ شَهِدَ الْحَرْبَ وَقَضِيَّةَ كَذَا إِذَا حَضَرَهَا، وَقَالَ:
إِذَا عَلِمُوا أَنِّي شَهِدْتُ وَغَابُوا.
أَيْ حَضَرْتُ وَلَمْ يَحْضُرُوا، وَالشَّهِيدُ: الَّذِي حَضَرَهُ الْوَفَاةُ فِي الْغَزْوِ حَتَّى لَوْ مَضَى عَلَيْهِ وَقْتُ صَلَاةٍ وَهُوَ حَيٌّ لَا يُسَمَّى شَهِيدًا؛ لَأَنَّ الْوَفَاةَ لَمْ تَحْضُرْهُ فِي الْغَزْوِ.
وَفِي الشَّرْعِ: الْإِخْبَارُ عَنْ أَمْرٍ حَضَرَهُ الشُّهُودُ وَشَاهَدُوهُ، إِمَّا مُعَايَنَةً كَالْأَفْعَالِ نَحْوِ الْقَتْلِ وَالزِّنَا، أَوْ سَمَاعًا كَالْعُقُودِ وَالْإِقْرَارَاتِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ إِلَّا بِمَا حَضَرَهُ وَعَلِمَهُ عِيَانًا أَوْ سَمَاعًا، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ حَتَّى يَذْكُرَ الْحَادِثَةَ، قَالَ ﵊: «إِنْ عَلِمْتَ مِثْلَ الشَّمْسِ فَاشْهَدْ وَإِلَّا فَدَعْ» وَهِيَ حُجَّةٌ مُظْهِرَةٌ لِلْحَقِّ مَشْرُوعَةٌ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَقَالَ: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] ؛ وَقَالَ ﵊: «شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ لَيْسَ لَكَ إِلَّا ذَلِكَ» ، وَقَالَ ﵊: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» وَالْبَيِّنَةُ: الشَّهَادَةُ بِالْإِجْمَاعِ؛ وَلِأَنَّ فِيهَا إِحْيَاءَ حُقُوقِ النَّاسِ، وَصَوْنَ الْعُقُودِ عَنِ التَّجَاحُدِ، وَحِفْظَ الْأَمْوَالِ عَلَى أَرْبَابِهَا، قَالَ ﵊: «أَكْرِمُوا شُهُودَكُمْ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَسْتَخْرِجُ بِهُمُ الْحُقُوقَ» .
قَالَ: (مَنْ تَعَيَّنَ لِتَحَمُّلِهَا لَا يَسَعُهُ أَنْ يَمْتَنِعَ إِذَا طُولِبَ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَضْيِيعِ الْحُقُوقِ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ فَهُوَ مُخَيَّرٌ، وَلَا بَأْسَ بِالتَّحَرُّزِ عَنِ التَّحَمُّلِ.
(فَإِذَا تَحَمَّلَهَا وَطُلِبَ لِأَدَائِهَا يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وَلِأَنَّهُ إِضَاعَةٌ لِحُقُوقِ النَّاسِ فَيَحْرُمُ الِامْتِنَاعُ.
(إِلَّا أَنْ يَقُومَ الْحَقُّ بِغَيْرِهِ) بِأَنْ يَكُونَ فِي الصَّكِّ سِوَاهُ مَنْ يَقُومُ الْحَقُّ بِهِ فَيَجُوزُ لَهُ الِامْتِنَاعُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَضِيعُ بِامْتِنَاعِهِ؛ وَلِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِ الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّهَا حَقُّهُ.
قَالَ: (وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْحُدُودِ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالسَّتْرِ) لِأَنَّ إِقَامَةَ الْحُدُودِ حِسْبَةٌ، وَالسَّتْرُ عَلَى الْمُسْلِمِ حِسْبَةٌ.
(وَالسَّتْرُ أَفْضَلُ) قَالَ ﵊: «مَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقَّنَ مَاعَزًا الرُّجُوعَ وَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ سَتْرًا عَلَيْهِ؛ لِئَلَّا يُرْجَمَ وَيُشْتَهَرَ، وَكَفَى بِهِ قُدْوَةً؛ وَكَذَلِكَ نُقِلَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ.
قَالَ: (وَيَقُولُ فِي السَّرِقَةِ:
стр. 312
أَخَذَ الْمَالَ، وَلَا يَقُولُ: سَرَقَ؛ وَلَا يُقْبَلُ عَلَى الزِّنَا إِلَّا شَهَادَةُ أَرْبَعَةٍ مِنَ الرِّجَالِ، وَبَاقِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ، وَمَا سِوَاهُمَا مِنَ الْحُقُوقِ تُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ، أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ (ف) ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ كَالْوِلَادَةِ وَالْبَكَارَةِ وَعُيُوبِ النِّسَاءِ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
أَخَذَ الْمَالَ) إِحْيَاءً لِحَقِّ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ.
(وَلَا يَقُولُ: سَرَقَ) إِقَامَةً لِحِسْبَةِ السَّتْرِ.
قَالَ: (وَلَا يُقْبَلُ عَلَى الزِّنَا إِلَّا شَهَادَةُ أَرْبَعَةٍ مِنَ الرِّجَالِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤] ؛ وَقَوْلُهُ: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥] ، وَقَالَ ﵊ لِلَّذِي قَذَفَ زَوْجَتَهُ: «ائْتِنِي بِأَرْبَعَةٍ يَشْهَدُونَ وَإِلَّا فَضَرْبٌ فِي ظَهْرِكَ» .
قَالَ: (وَبَاقِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ) ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وَقَالَ ﵊: «شَاهَدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ» وَلَا تَقْبَلُ شَهَادَةَ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: مَضَتِ السُّنَّةُ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْخَلِيفَتَيْنِ بَعْدَهُ أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ.
قَالَ: (وَمَا سِوَاهُمَا مِنَ الْحُقُوقِ تُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ) ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَأَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي سِيَاقِ الْمُدَايَنَاتِ بِالْأَجَلِ فَتُقْبَلُ فِيهَا. وَعَنْ عُمَرَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَجَازَ شَهَادَةَ النِّسَاءِ فِي النِّكَاحِ» وَلِأَنَّهَا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ بِالْآيَةِ، فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهَا لِوُجُودِ الْمُشَاهَدَةِ وَالْحِفْظِ وَالْأَدَاءِ كَالرَّجُلِ، وَزِيَادَةُ النِّسْيَانِ تُجْبَرُ بِزِيَادَةِ الْعَدَدِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] بَقِيَ شُبْهَةُ الْبَدَلِيَّةِ، فَلِهَذَا قُلْنَا لَا تُقْبَلُ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَحْكَامِ يَثْبُتُ مَعَ الشُّبْهَةِ.
قَالَ: (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ كَالْوِلَادَةِ وَالْبَكَارَةُ وَعُيُوبِ النِّسَاءِ) قَالَ ﵊: «شَهَادَةُ النِّسَاءِ جَائِزَةٌ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ» وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ وَلَا يُمْكِنُ الرِّجَالَ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا النِّسَاءُ عَلَى الِانْفِرَادِ فَوَجَبَ قَبُولُ شَهَادَتِهِنَّ عَلَى الِانْفِرَادِ تَحْصِيلًا لِلْمَصْلَحَةِ، وَتُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ قَبِلَ شَهَادَةَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْوِلَادَةِ» ؛ وَلِأَنَّ مَا يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ النِّسَاءِ عَلَى الِانْفِرَادِ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْعَدَدُ كَرِوَايَةِ الْأَخْبَارِ، وَالثِّنْتَانِ أَحْوَطُ، وَالثَّلَاثُ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ، وَبِالْأَرْبَعِ يُخْرَجُ عَنِ الْخِلَافِ. وَأَحْكَامُ الشَّهَادَةِ فِي الْوِلَادَةِ تُعْرَفُ فِي الطَّلَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَمَّا الْبَكَارَةُ فَإِنَّ الْعِنِّينَ يُؤَجَّلُ سُنَّةً وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بَعْدَهَا إِذَا قُلْنَا إِنَّهَا بِكْرٌ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ لَفْظَةُ الشَّهَادَةِ؟ لَا يُشْتَرَطُ عِنْدَ مَشَايِخِ الْعِرَاقِ، وَيُشْتَرَطُ عِنْدَ مَشَايِخِ خُرَاسَانَ؛ لِأَنَّهَا تُوجِبُ حَقًّا عَلَى الْغَيْرِ فَكَانَتْ شَهَادَةً.
стр. 313
وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ فِي اسْتِهْلَالِ الصَّبِيِّ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ دُونَ الْإِرْثِ (سم) ، وَلَا بُدَّ مِنَ الْعَدَالَةِ وَلَفْظَةِ الشَّهَادَةِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ، وَيُقْتَصَرُ فِي الْمُسْلِمِ عَلَى ظَاهِرِ عَدَالَتِهِ (سم ف) ، إِلَّا فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ، فَإِنْ طَعَنَ فِيهِ الْخَصْمُ سَأَلَ عَنْهُ. وَقَالَا: يُسْأَلُ عَنْهُمْ فِي جَمِيعِ الْحُقُوقِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
قَالَ: (وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ فِي اسْتِهْلَالِ الصَّبِيِّ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ دُونَ الْإِرْثِ) أَمَّا الصَّلَاةُ فَبِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهَا مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، وَأَمَّا الْإِرْثُ فَمَذْهَبُهُ. وَقَالَا: تُقْبَلُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الِاسْتِهْلَالَ صَوْتٌ يَكُونُ عَقِيبَ الْوِلَادَةِ، وَتِلْكَ حَالَةٌ لَا يَحْضُرُهَا الرِّجَالُ، فَدَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَى قَبُولِ شَهَادَتِهِنَّ لِمَا مَرَّ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ؛ لِأَنَّهُ يَحِلُّ لَهُمْ سَمَاعُ صَوْتِهِ، فَلَا ضَرُورَةَ فِي حَقِّ ثُبُوتِ النَّسَبِ وَالْإِرْثِ وَالْمَهْرِ، وَكَذَا لَا يُقْبَلُ فِي الرَّضَاعِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ مُنْفَرِدَاتٍ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ مَتَى ثَبَتَتْ تَرَتَّبَ عَلَيْهَا زَوَالُ مِلْكِ النِّكَاحِ، وَإِبْطَالُ الْمِلْكِ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِشَهَادَةِ الرِّجَالِ؛ وَلِأَنَّهُ مِمَّا يُمْكِنُ اطِّلَاعُ الرِّجَالِ عَلَيْهِ فَلَا ضَرُورَةَ.
قَالَ: (وَلَا بُدَّ مِنَ الْعَدَالَةِ وَلَفْظَةُ الشَّهَادَةِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ) أَمَّا الْعَدَالَةُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَالْفَاسِقُ لَيْسَ بِمَرْضِيٍّ؛ وَلِأَنَّ الْحَاكِمَ يَحْكُمُ بِقَوْلِ الشَّاهِدِ وَيُنَفِّذُهُ فِي حَقِّ الْغَيْرِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّ الْحَاكِمِ الصِّدْقُ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْعَدَالَةِ، إِلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا قَضَى بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِ يَنْفُذُ عِنْدَنَا. وَأَمَّا لَفْظَةُ الشَّهَادَةِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي طَلَبِ الشَّهَادَةِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِتْيَانُ بِلَفْظِهَا؛ وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ أَلْفَاظِ الْيَمِينِ عَلَى مَا يَأْتِيكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَيْمَانِ، فَيَكُونُ الِامْتِنَاعُ عَنْهَا عَلَى تَقْدِيرِ الْكَذِبِ أَكْثَرَ؛ وَلِأَنَّ الْقِيَاسَ يَنْفِي قَوْلَ الْإِنْسَانِ عَلَى الْغَيْرِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِلْزَامِهِ، إِلَّا أَنَّا قَبِلْنَاهُ فِي مَوْضِعٍ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ، وَأَنَّهُ وَرَدَ مَقْرُونًا بِالشَّهَادَةِ. وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ، وَلَا وِلَايَةَ لِلْعَبْدِ عَلَى نَفْسِهِ فَكَيْفَ عَلَى غَيْرِهِ؟ وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٤١] .
قَالَ: (وَيُقْتَصَرُ فِي الْمُسْلِمِ عَلَى ظَاهِرِ عَدَالَتِهِ إِلَّا فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ، فَإِنْ طَعَنَ فِيهِ الْخَصْمُ سَأَلَ عَنْهُ. وَقَالَا: يَسْأَلُ عَنْهُمْ فِي جَمِيعِ الْحُقُوقِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى) وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ ﵊: «الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ» ، وَفِي كِتَابِ عُمَرَ: الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا مَحْدُودًا حَقًّا أَوْ مُجَرَّبًا عَلَيْهِ شَهَادَةُ زُورٍ أَوْ ظَنِينًا فِي وَلَاءٍ
стр. 314
وَلَوِ اكْتَفَى بِالسِّرِّ جَازَ. وَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ الْمُزَكِّي: هُوَ عَدْلٌ (ف) جَائِزُ الشَّهَادَةِ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
أَوْ قَرَابَةٍ؛ وَلِأَنَّ الْعَدَالَةَ هِيَ الْأَصْلُ لِأَنَّهُ وُلِدَ غَيْرَ فَاسِقٍ، وَالْفِسْقُ أَمْرٌ طَارِئٌ مَظْنُونٌ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْأَصْلِ بِالظَّنِّ، وَلَا يَلْزَمُ الْحُدُودُ وَالْقِصَاصُ لِأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي الشَّاهِدِ الْعَدَالَةُ كَذَلِكَ الْأَصْلُ فِي الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ الْعَدَالَةُ، وَالشَّاهِدُ وَصَفَهُ بِالزِّنَا وَالْقَتْلِ فَتَقَابَلَ الْأَصْلَانِ فَرَجَّحْنَا بِالْعَدَالَةِ الْبَاطِنَةِ؛ وَلِأَنَّ الْحُدُودَ مَبْنَاهَا عَلَى الْإِسْقَاطِ فَيُسْأَلُ عَنْهُمْ احْتِيَالًا لِلدَّرْءِ. وَلَهُمَا أَنَّ الْحَاكِمَ يَجِبُ أَنْ يَحْتَاطَ فِي حُكْمِهِ صِيَانَةً لَهُ عَنِ النَّقْضِ وَذَلِكَ بِسُؤَالِ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ.
(وَلَوِ اكْتَفَى بِالسِّرِّ جَازَ) .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ: لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ أَفْتَى فِي زَمَانٍ كَانَتِ الْعَدَالَةُ فِيهِ ظَاهِرَةً، وَالنَّبِيُّ ﵊ عَدَّلَ أَهْلَهُ وَقَالَ: «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ» وَاكْتَفَى بِتَعْدِيلِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَفِي زَمَنِهِمَا فَشَا الْكَذِبُ فَاحْتَاجَا إِلَى السُّؤَالِ، وَلَوْ كَانَا فِي زَمَانِهِ مَا سَأَلَا، وَلَوْ كَانَ فِي زَمَنِهِمَا لَسَأَلَ، فَلِهَذَا قُلْنَا: الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا، وَلَقَدْ تَصَفَّحْتُ كَثِيرًا مِنْ كُتُبِ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ فَمَا رَأَيْتُهُ رَجَّحَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ قَوْلَ غَيْرِهِ إِلَّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَإِنَّمَا رَجَّحَ قَوْلَهُمَا لِمَا رَأَى مِنْ فَسَادِ أَهْلِ الزَّمَانِ، وَقِلَّةِ مُبَالَاتِهِمْ بِالْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، وَكَانَ يَقُولُ: يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يُنَقِّبَ عَنْ أَحْوَالِ الشُّهُودِ فِي كُلِّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَطْرَأُ عَلَى الشَّاهِدِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ مَا يُخْرِجُهُ عَنْ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: (وَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ الْمُزَكِّي هُوَ عَدْلٌ جَائِزُ الشَّهَادَةِ) لِأَنَّ الْعَبْدَ عَدْلٌ غَيْرُ جَائِزِ الشَّهَادَةِ؛ وَقِيلَ يَكْتَفِي بِقَوْلِهِ هُوَ عَدْلٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْحُرِّيَّةُ تَبَعًا لِلدَّارِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا عِنْدَهُ قَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِحَالِهِ، وَقَدْ كَانُوا يَكْتَفُونَ بِتَزْكِيَةِ الْعَلَانِيَةِ، ثُمَّ انْضَمَّ إِلَيْهَا تَزْكِيَةُ السِّرِّ فِي زَمَانِنَا لِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ، ثُمَّ قِيلَ يَكْتَفِي بِتَزْكِيَةِ السِّرِّ تَحَرُّزًا عَنِ الْفِتْنَةِ. قَالَ مُحَمَّدٌ: تَزْكِيَةُ الْعَلَانِيَةِ بَلَاءٌ وَفِتْنَةٌ، ثُمَّ لَا بُدَّ فِي تَزْكِيَةِ الْعَلَانِيَةِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْمُزَكِّي وَالشَّاهِدِ لِتَنْتَفِيَ شُبْهَةُ تَعْدِيلِ غَيْرِهِ. وَتَزْكِيَةُ السِّرِّ أَنْ يَبْعَثَ رُقْعَةً مَخْتُومَةً إِلَى الْمُزَكِّي فِيهَا اسْمُ الشَّاهِدِ وَنَسَبُهُ وَحِلْيَتُهُ وَمُصَلَّاهُ، وَيَرُدُّهَا الْمُزَكِّي كَذَلِكَ سِرًّا، وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَخْتَارَ لِلْمَسْأَلَةِ عَنِ الشُّهُودِ أَوْثَقَ النَّاسِ وَأَوْرَعَهُمْ دِيَانَةً وَأَعْظَمَهُمْ أَمَانَةً وَأَكْثَرَهُمْ بِالنَّاسِ خِبْرَةً وَأَعْلَمَهُمْ بِالتَّمْيِيزِ، غَيْرَ مَعْرُوفِينَ بَيْنَ النَّاسِ لِئَلَّا يُقْصَدُوا بِسُوءٍ أَوْ يُخْدَعُوا، وَيَنْبَغِي لِلْمُزَكِّي أَنْ يَسْأَلَ عَنْ أَحْوَالِ الشُّهُودِ وَيَتَعَرَّفَهَا مِنْ جِيرَانِهِمْ وَأَهْلِ سُوقِهِمْ، فَإِنْ ظَهَرَتْ عَدَالَتُهُمْ عِنْدَهُ كَتَبَ ذَلِكَ فِي آخِرِ الرُّقْعَةِ: هُوَ عَدْلٌ عِنْدِي جَائِزُ الشَّهَادَةِ، وَإِلَّا كَتَبَ: إِنَّهُ غَيْرُ عَدْلٍ، وَخَتَمَ الرُّقْعَةَ وَرَدَّهَا، فَيَقُولُ الْقَاضِي لِلْمُدَّعِي زِدْ فِي شُهُودِكَ وَلَا يَقُولُ جُرِحُوا، وَيُقْبَلُ فِي تَزْكِيَةِ السِّرِّ قَوْلُ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ وَكُلِّ ذِي رَحِمٍ وَالْعَبْدِ وَالْأَعْمَى وَالْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ؛ لِأَنَّهَا أَخْبَارٌ، خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ فَإِنَّهَا شَهَادَةٌ عِنْدَهُ، بِخِلَافِ تَزْكِيَةِ الْعَلَانِيَةِ فَإِنَّهَا شَهَادَةٌ بِالْإِجْمَاعِ. وَالشُّهُودُ الْكُفَّارُ يُعَدِّلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُمُ
стр. 315
وَلَا تُقْبَلُ تَزْكِيَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (سم) ، وَتَكْفِي تَزْكِيَةُ الْوَاحِدِ (ف) .
وَيَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِكُلِّ مَا سَمِعَهُ أَوْ أَبْصَرَهُ مِنَ الْحُقُوقِ وَالْعُقُودِ، وَإِنْ لَمْ يُشْهَدْ عَلَيْهِ إِلَّا الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِ مَا لَمْ يُشْهِدْهُ (ف) . وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِمَا لَمْ يُعَايِنْهُ إِلَّا النَّسَبَ وَالْمَوْتَ وَالدُّخُولَ وَالنِّكَاحَ، وَوِلَايَةَ الْقَاضِي، وَأَصْلَ الْوَقْفِ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
الْمُسْلِمُونَ سَأَلَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ عُدُولِ الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ يَسْأَلُ أُولَئِكَ عَنِ الشُّهُودِ.
قَالَ: (وَلَا تُقْبَلُ تَزْكِيَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) وَمَعْنَاهُ أَنْ يَقُولَ هُمْ عُدُولٌ إِلَّا أَنَّهُمْ أَخْطَئُوا أَوْ نَسُوا، أَمَّا لَوْ قَالَ صَدَقُوا أَوْ هُمْ عُدُولُ صَدَّقَهُ فَقَدِ اعْتَرَفَ بِالْحَقِّ فَيَقْضِي بِإِقْرَارِهِ لَا بِالْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ عِنْدَ الْجُحُودِ؛ وَقِيلَ يَجُوزُ تَعْدِيلُهُ. وَوَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ الْمُدَّعِيَ وَالشُّهُودَ يَزْعُمُونَهُ كَاذِبًا فِي إِنْكَارِهِ مُبْطِلًا فِي جُحُودِهِ فَلَا يَصْلُحُ مُزَكِّيًا.
قَالَ: (وَتَكْفِي تَزْكِيَةُ الْوَاحِدِ) وَعَنْ مُحَمَّدٍ اثْنَيْنِ وَهُوَ أَوْلَى، وَكَذَلِكَ الْمُتَرْجِمُ وَرَسُولُ الْقَاضِي إِلَى الْمُزَكِّينَ. لِمُحَمَّدٍ أَنَّ حُكْمَ الْقَاضِي مَبْنِيٌّ عَلَى الْعَدَالَةِ وَذَلِكَ بِالتَّزْكِيَةِ، فَيُشْتَرَطُ الْإِتْيَانُ كَالشَّهَادَةِ، وَيُشْتَرَطُ عِنْدَهُ ذُكُورَةُ الْمُزَكِّي فِي الْحُدُودِ وَالْأَرْبَعَةُ فِي شُهُودِ الزِّنَا لِمَا بَيَّنَّا. وَلَهُمَا أَنَّهَا لَيْسَتْ فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ حَتَّى لَا يُشْتَرَطَ فِيهَا لَفْظَةُ الشَّهَادَةِ وَمَجْلِسُ الْحُكْمِ، وَاشْتِرَاطُ الْعَدَدِ فِي الشَّهَادَةِ تَعْبُّدِيٌّ فَلَا يَتَعَدَّاهَا.
[فصل يجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِكُلِّ مَا سَمِعَهُ أَوْ أَبْصَرَهُ مِنَ الْحُقُوقِ وَالْعُقُودِ]
فَصْلٌ
(وَيَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِكُلِّ مَا سَمِعَهُ أَوْ أَبْصَرَهُ مِنَ الْحُقُوقِ وَالْعُقُودِ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ عَلِمَ الْمُوجِبَ وَتَيَقَّنَهُ. قَالَ ﵊: «إِنْ عَلِمْتَ مِثْلَ الشَّمْسِ فَاشْهَدْ» وَيَقُولُ أَشْهَدُ بِكَذَا لِأَنَّهُ عَلِمَهُ وَلَا يَقُولُ أَشْهَدَنِي فَإِنَّهُ كَذِبٌ.
قَالَ: (إِلَّا الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِ مَا لَمْ يُشْهِدْهُ) لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَيْسَتْ مُوجِبَةً إِلَّا بِالنَّقْلِ إِلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا بِالتَّحَمُّلِ، وَلَوْ سَمِعَهُ يُشْهِدُ غَيْرَهُ عَلَى شَهَادَتِهِ لَا يَسَعُهُ أَنْ يَشْهَدَ لِأَنَّهُ مَا حَمَّلَهُ وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْمُخْتَبِئِ، وَهُوَ أَنْ يُقِرَّ الرَّجُلُ بِحَقٍّ وَالشُّهُودُ مُخْتَبِئُونَ فِي بَيْتٍ يَسْمَعُونَ إِقْرَارَهُ، فَإِنَّهُ يَحِلُّ لَهُمُ الشَّهَادَةُ إِذَا كَانُوا يَرَوْنَ وَجْهَهُ وَيَعْرِفُونَهُ، وَإِنْ لَمْ يَرَوْهُ لَا يَحِلُّ لَهُمْ إِلَّا إِذَا عَلِمُوا أَنْ لَيْسَ فِي الْبَيْتِ غَيْرُهُ فَيَحِلُّ لَهُمْ ذَلِكَ، وَكَذَا إِذَا سَمِعُوا صَوْتَ امْرَأَةٍ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ.
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِمَا لَمْ يُعَايِنْهُ إِلَّا النَّسَبَ وَالْمَوْتَ وَالدُّخُولَ وَالنِّكَاحَ وَوِلَايَةَ الْقَاضِي، وَأَصْلَ الْوَقْفِ) ، وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ مِنَ الْمُشَاهَدَةِ وَهِيَ الْمُعَايَنَةُ وَلَمْ تُوجَدْ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ تُبَاشَرُ بِحُضُورِ جَمَاعَةٍ مَخْصُوصِينَ وَتَتَعَلَّقُ بِهَا أَحْكَامٌ مُسْتَمِرَّةٌ، فَأُقِيمَتِ الشُّهْرَةُ وَالِاسْتِفَاضَةُ مَقَامَ الْعِيَانِ وَالْمُشَاهَدَةِ كَيْلَا تَتَعَطَّلَ هَذِهِ الْأَحْكَامُ، وَعَلَى هَذَا النَّاسُ مِنَ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، أَلَا تَرَى أَنَّا نَشْهَدُ
стр. 316
وَيَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ فِيمَا سِوَى الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ، وَإِذَا رَأَى الشَّاهِدُ خَطَّهُ لَا يَشْهَدْ مَا لَمْ يَذْكُرِ الْحَادِثَةَ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ وَكَذَلِكَ سَائِرُ زَوْجَاتِهِ وَفَاطِمَةُ ﵂ زَوْجَةُ عَلِيٍّ ﵁ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَنَشْهَدُ بِنَسَبِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، وَنَشْهَدُ بِقَضَاءِ شُرَيْحٍ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَأَبِي يُوسُفَ، وَنَشْهَدُ بِمَوْتِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَالشُّهْرَةُ إِنَّمَا تَكُونُ إِمَّا بِالتَّوَاتُرِ أَوْ بِإِخْبَارِ مَنْ يَثِقُ بِهِ، حَتَّى لَوْ أَخْبَرَهُ وَاحِدٌ يَثِقُ بِهِ جَازَ؛ وَاشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ؛ وَقِيلَ يَكْتَفِي فِي الْمَوْتِ بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّهُ قَلَّ مَا يَحْضُرُهُ غَيْرُ الْوَاحِدِ، وَإِذَا رَأَى رَجُلًا يَجْلِسُ لِلْقَضَاءِ وَيَدْخُلُ عَلَيْهِ الْخُصُومُ حَلَّ لَهُ الشَّهَادَةُ بِوِلَايَتِهِ؛ وَكَذَا إِذَا رَأَى رَجُلًا وَامْرَأَةً يَسْكُنَانِ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ وَيَتَعَاشَرَانِ مُعَاشَرَةَ الْأَزْوَاجِ حَلَّ لَهُ الشَّهَادَةُ بِالنِّكَاحِ بَيْنَهُمَا كَمَا إِذَا رَأَى عَيْنًا فِي يَدِ رَجُلٍ.
وَأَمَّا الْوَقْفُ فَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَجُوزُ عَلَى أَصْلِهِ دُونَ شَرْطِهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الَّذِي يُشْتَهَرُ، فَلَوْ لَمْ تَجُزِ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ أَدَّى إِلَى اسْتِهْلَاكِ الْأَوْقَافِ الْقَدِيمَةِ، وَكَذَلِكَ الْوَلَاءُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ كَمَا فِي النَّسَبِ، قَالَ ﵊: «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» وَلِأَنَّا نَشْهَدُ أَنَّ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِلَالًا مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ لَا يُشْتَهَرُ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْإِعْتَاقِ وَذَلِكَ يَكُونُ بِحَضْرَةِ مَنْ لَا يُشْتَهَرُ غَالِبًا وَصَارَ كَالْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ، وَالْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ أَنَّهُ مِثْلُهُ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ، وَيَنْبَغِي لِلشَّاهِدِ أَنْ يُطْلِقَ الشَّهَادَةَ عِنْدَ الْقَاضِي حَتَّى لَوْ فَسَّرَهَا وَقَالَ إِنَّهُ شَهِدَ بِالتَّسَامُعِ لَا يَقْبَلُهَا، وَكَذَلِكَ فِي الشَّهَادَةِ بِالْيَدِ لَا يُفَسِّرُهَا.
قَالَ: (وَيَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ) إِذَا رَآهُ فِي يَدِهِ.
(فِيمَا سِوَى الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ) لِأَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ الْمِلْكِ وَهُوَ الْمَرْجِعُ فِي الْأَسْبَابِ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْإِرْثِ وَغَيْرِهَا. وَاشْتَرَطَ أَبُو يُوسُفَ أَنْ يَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِلْأَوَّلِ، وَاشْتَرَطَ الْخَصَّافُ التَّصَرُّفَ مَعَ الْيَدِ فَإِنَّ الْيَدَ تَتَنَوَّعُ. قُلْنَا وَالتَّصَرُّفُ أَيْضًا يَتَنَوَّعُ إِلَى أَمَانَةٍ وَمِلْكٍ، وَإِنَّمَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ إِذَا عَايَنَ الْمِلْكَ وَالْمَالِكَ، أَوْ عَايَنَ الْمِلْكَ وَحْدَهُ وَعُرِفَ الْمَالِكُ بِالِاشْتِهَارِ بِنَسَبِهِ. أَمَّا إِذَا عَايَنَ الْمَالِكَ وَحْدَهُ لَا يَحِلُّ لَهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ؛ لِأَنَّ الْحُرَّ يُسْتَخْدَمُ كَمَا يُسْتَخْدَمُ الْعَبْدُ كَالْأَجِيرِ الْخَاصِّ وَنَحْوِهِ، فَلَا تَكُونُ الْيَدُ دَلِيلًا حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ رَقِيقٌ، فَيَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ لَهُ بِالْيَدِ؛ لِأَنَّ الرَّقِيقَ لَا يَكُونُ فِي يَدِ نَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَا صَغِيرَيْنِ لَا يُعَبِّرَانِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ رِقُّهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَ لَهُمَا بِخِلَافِ الْكَبِيرَيْنِ.
قَالَ: (وَإِذَا رَأَى الشَّاهِدُ خَطَّهُ لَا يَشْهَدُ مَا لَمْ يَذْكُرِ الْحَادِثَةَ) وَهَكَذَا الْقَاضِي وَالرَّاوِي؛ لِأَنَّ الْخَطَّ يُشْبِهُ الْخَطَّ فَلَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ، قَالُوا: وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقِيلَ هُوَ إِجْمَاعٌ؛ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ إِذَا وَجَدَ الْقَاضِي الْقَضِيَّةَ
стр. 317
وَشَاهِدُ الزُّورِ يُشَهَّرُ وَلَا يُعَزَّرُ (سم ف) ، وَتُعْتَبَرُ مُوَافَقَةُ الشَّهَادَةِ الدَّعْوَى، وَيُعْتَبَرُ اتِّفَاقُ الشَّاهِدَيْنِ فِي الْلَّفْظِ وَالْمَعْنَى (سم) ، فَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ وَالْآخَرُ بِأَلْفَيْنِ لَمْ تُقْبَلْ (سم) ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
فِي دِيوَانِهِ تَحْتَ خَتْمِهِ، وَكَذَا إِذَا رَأَى الشَّاهِدُ رَقْمَ شَهَادَتِهِ عِنْدَهُ تَحْتَ خَتْمِهِ وَكَذَلِكَ الرَّاوِي فَيَجُوزُ عِنْدَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ الْحَادِثَةَ لِوُقُوعِ الْأَمْنِ مِنَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ.
أَمَّا مَا كَانَ فِي الصَّكِّ بِيَدِ الْخَصْمِ وَلَيْسَ عِنْدَهُ نُسْخَتُهُ لَا يَجُوزُ لِمَا بَيَّنَّا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ مَا لَمْ يَذْكُرِ الْحَادِثَةَ، قَالَ ﷺ : «إِنْ عَلِمْتَ مِثْلَ الشَّمْسِ فَاشْهَدْ وَإِلَّا فَدَعْ» وَلَا عِلْمَ مَعَ النِّسْيَانِ، وَشَرْطُ حِلِّ الرِّوَايَةِ عِنْدَهُ أَنْ يَحْفَظَ مِنْ حِينِ سَمِعَ إِلَى أَنْ يَرْوِيَ، وَلِهَذَا قَلَّتْ رِوَايَةُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁، وَكَذَا إِذَا ذَكَرَ الْمَجْلِسَ الَّذِي كَانَ فِيهِ الْحَادِثَةُ أَوْ أَخْبَرَهُ بِهَا مَنْ يَثِقُ بِهِ لَا يَحِلُّ لَهُ مَا لَمْ يَذْكُرْهَا.
قَالَ: (وَشَاهِدُ الزُّورِ يُشَهَّرُ وَلَا يُعَزَّرُ) وَقَالَا: يُوجِعُهُ ضَرْبًا وَيَحْبِسُهُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ ضَرَبَ شَاهِدَ الزُّورِ أَرْبَعِينَ سَوْطًا وَسَخَّمَ وَجْهَهُ؛ وَلِأَنَّهَا إِضْرَارٌ بِالنَّاسِ وَلَيْسَ فِيهَا حَدٌّ فَيُعَزِّرُهُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الزَّجْرَ يَحْصُلُ بِالتَّشْهِيرِ، وَالضَّرْبُ وَإِنْ كَانَ أَزْجَرَ لَكِنَّهُ يَمْنَعُ مِنَ الرُّجُوعِ، وَفِعْلُ عُمَرَ ﵁ كَانَ سِيَاسَةً وَلِهَذَا بَلَغَ الْأَرْبَعِينَ وَسَخَّمَ. وَالتَّشْهِيرُ: أَنْ يَبْعَثَهُ الْقَاضِي إِلَى أَهْلِهِ أَوْ سُوقِهِ أَجْمَعَ مَا يَكُونُونَ وَيَقُولُ: الْقَاضِي يُقْرِئُكُمُ السَّلَامَ وَيَقُولُ: إِنَّا وَجَدْنَا هَذَا شَاهِدَ زُورٍ فَاحْذَرُوهُ وَحَذِّرُوهُ النَّاسَ، مَنْقُولُ ذَلِكَ عَنْ شُرَيْحٍ. وَعَنْهُمَا أَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ مَعَ الضَّرْبِ.
قَالَ: (وَتُعْتَبَرُ مُوَافَقَةُ الشَّهَادَةِ الدَّعْوَى) لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تُقْبَلُ إِلَّا بَعْدَ الدَّعْوَى، فَإِنْ لَمْ تُوَافِقْهَا فَقَدِ انْعَدَمَتْ.
(وَيُعْتَبَرُ اتِّفَاقُ الشَّاهِدَيْنِ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، فَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ وَالْآخَرُ بِأَلْفَيْنِ لَمْ تُقْبَلْ) وَقَالَا: تُقْبَلُ عَلَى الْأَلْفِ إِذَا ادَّعَى الْمُدَّعِي أَلْفَيْنِ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى الْأَلْفِ، وَتَفَرَّدَ أَحَدُهُمَا بِزِيَادَةٍ فَيَثْبُتُ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ، كَمَا إِذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ وَالْآخَرُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَإِنَّهُ يَقْضِي بِالْأَلْفِ، كَذَا هَذَا، وَعَلَى هَذَا الطَّلْقَةُ وَالطَّلْقَتَيْنِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ وَجَدَ الِاخْتِلَافَ لَفْظًا، وَأَنَّهُ دَلِيلُ الِاخْتِلَافِ مَعْنًى؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْأَلْفِ غَيْرُ مَعْنَى الْأَلْفَيْنِ، وَهُمَا جُمْلَتَانِ مُتَغَايِرَتَانِ حَصَلَ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَلَا يُقْبَلُ كَاخْتِلَافِ الْجِنْسِ بِخِلَافِ مَا ذَكَرَا، لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى الْأَلْفِ لَفْظًا وَمَعْنًى، لِأَنَّهُ عَطَفَ الْخَمْسِمِائَةِ عَلَى الْأَلْفِ، وَالْعَطْفُ يُقَرِّرُ الْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُ الطَّلْقَةُ وَالطَّلْقَةُ وَالنِّصْفُ بِخِلَافِ الْعَشَرَةِ وَالْخَمْسَةَ عَشَرَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَطْفٍ فَهُوَ نَظِيرُ الْأَلْفِ وَالْأَلْفَيْنِ. وَالْعِشْرُونَ، وَالْخَمْسُ وَالْعِشْرُونَ نَظِيرُ الْأَلْفِ وَالْأَلْفِ وَالْخَمْسِمِائَةِ، وَلَوْ كَانَ الْمُدَّعِي ادَّعَى الْأَقَلَّ لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ فِي الْمَسَائِلِ كُلِّهَا لِأَنَّهُ يُكَذِّبُ أَحَدَ شَاهِدَيْهِ، وَلَوْ قَالَ: كَانَ حَقِّي أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ فَقَبَضْتُ خَمْسَمِائَةٍ أَوْ أَبْرَأَتُهُ عَنْهَا قَبْلَ التَّوْفِيقِ، وَإِنْ شَهِدَا بِأَلْفٍ فَقَالَ أَحَدُهُمَا قَضَاهُ مِنْهَا خَمْسَمِائَةٍ
стр. 318
وَلَوْ شَهِدَا عَلَى سَرِقَةِ بَقَرَةٍ وَاخْتَلَفَا فِي لَوْنِهَا قُطِعَ (سم) ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْأُنُوثَةِ وَالذُّكُورَةِ لَمْ يُقْطَعْ. شَهِدَا بِقَتْلِ زَيْدٍ يَوْمَ النَّحْرِ بِمَكَّةَ وَآخَرَانِ بِقَتْلِهِ يَوْمَ النَّحْرِ بِالْكُوفَةِ رُدَّتَا، فَإِنْ سَبَقَتْ إِحْدَاهُمَا وَقُضِيَ بِهَا بَطَلَتِ الْأُخْرَى.
وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَعْمَى،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
قَضَى بِالْأَلْفِ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهَا، وَلَا يَثْبُتُ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ وَاحِدَةٌ، فَلَوْ شَهِدَ آخَرُ يَثْبُتُ، وَيَنْبَغِي لِلشَّاهِدِ إِذَا عَلِمَ ذَلِكَ أَنْ لَا يَشْهَدَ بِالْأَلْفِ حَتَّى يَعْتَرِفَ الْمُدَّعِي بِالْقَبْضِ لِيُظْهِرَ الْحَقَّ وَلَا يُعِينُ عَلَى الظُّلْمِ.
قَالَ: (وَلَوْ شَهِدَا عَلَى سَرِقَةِ بَقَرَةٍ وَاخْتَلَفَا فِي لَوْنِهَا قُطِعَ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْأُنُوثَةِ وَالذُّكُورَةِ لَمْ يُقْطَعْ) ، وَقَالَا: لَا يُقْطَعُ فِيهِمَا لِأَنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ مُخْتَلِفٌ، وَلَمْ يَقُمْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ شَاهِدَانِ وَصَارَ كَالْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ. وَلَهُ أَنَّ اشْتِمَالَ الْبَقَرَةِ عَلَى اللَّوْنَيْنِ جَائِزٌ، فَيَشْهَدُ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى مَا رَأَى فِي جَانِبِهِ وَهِيَ حَالَةُ اشْتِبَاهٍ؛ لِأَنَّ السَّرِقَةَ تَكُونُ دَلِيلًا، وَالْعَمَلُ بِالْبَيِّنَةِ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ فَتُقْبَلُ، بِخِلَافِ الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ لِأَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ فِي بَقَرَةٍ فَكَانَا مُتَغَايِرَيْنِ.
قَالَ: (شَهِدَا بِقَتْلِ زَيْدٍ يَوْمَ النَّحْرِ بِمَكَّةَ، وَآخَرَانِ بِقَتْلِهِ يَوْمَ النَّحْرِ بِالْكُوفَةِ رُدَّتَا) لِأَنَّ إِحْدَاهُمَا كَاذِبَةٌ بِيَقِينٍ وَلَا تُدْرَى، وَلَيْسَتْ إِحْدَاهُمَا أَوْلَى مِنَ الْأُخْرَى بِالرَّدِّ وَلَا بِالْقَبُولِ فَيُرَدَّانِ.
(فَإِنْ سَبَقَتْ إِحْدَاهُمَا وَقُضِيَ بِهَا بَطَلَتِ الْأُخْرَى) لِأَنَّ الْأُوْلَى تَرَجَّحَتْ بِالْقَضَاءِ فَلَا تُنْقَضُ بِمَا هُوَ دُونَهَا.
[فصل ردت شهاته لمانع ثم زال هل تقبل شهادته]
فَصْلٌ
كُلُّ مَنْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِلرِّقِّ أَوِ الْكُفْرِ أَوْ لِلصِّبَا ثُمَّ زَالَتْ هَذِهِ الْمَوَانِعُ فَأَدَّاهَا قُبِلَتْ، وَلَوْ رُدَّتْ لِفِسْقٍ أَوْ زَوْجِيَّةٍ أَوِ الْعَبْدِ لِمَوْلَاهُ أَوِ الْمَوْلَى لِعَبْدِهِ ثُمَّ زَالَتْ فَأَدَّاهَا لَمْ تُقْبَلْ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأُولَى لَيْسَتْ بِشَهَادَةٍ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ فَلَمْ يَكُنِ الرَّدُّ تَكْذِيبًا شَرْعًا، وَالثَّانِيَةُ شَهَادَةٌ لِقِيَامِ الْأَهْلِيَّةِ فَكَانَ تَكْذِيبًا فَلَا تُقْبَلُ أَبَدًا، وَلَوْ تَحَمَّلَهَا الْعَبْدُ لِمَوْلَاهُ أَوْ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ فَأَدَّاهَا بَعْدَ الْعِتْقِ وَالْبَيْنُونَةِ قُبِلَتْ، وَكَذَلِكَ إِنْ تَحَمَّلَهَا وَهُوَ عَبْدٌ أَوْ كَافِرٌ أَوْ صَبِيٌّ فَأَدَّاهَا بَعْدَ زَوَالِ هَذِهِ الْعَوَارِضِ قُبِلَتْ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ حَالَةُ الْأَدَاءِ لِمَا يَأْتِي وَلَا مَانِعَ حَالَتَئِذٍ.
قَالَ: (وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَعْمَى) وَقَالَ زُفَرُ: تُقْبَلُ فِيمَا يُجْرَى فِيهِ التَّسَامُعُ لِأَنَّهُ يُسْمَعُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إِنْ كَانَ بَصِيرًا وَقْتَ التَّحَمُّلِ تُقْبَلُ لِوُجُودِ الْعِلْمِ بِالنَّظَرِ، وَعِنْدَ الْأَدَاءِ يَحْتَاجُ إِلَى الْقَوْلِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ وَيَعْرِفُهُ بِالنِّسْبَةِ كَمَا فِي الْمَيِّتِ. وَلَنَا أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْأَشْخَاصِ وَلَا عَلَى الْإِشَارَةِ، وَالنِّسْبَةُ لِتَعْرِيفِ الْغَائِبِ دُونَ الْحَاضِرِ وَلَوْ عَمِيَ بَعْدَ الْأَدَاءِ قَبْلَ الْقَضَاءِ لَا يَقْضِي
стр. 319
وَلَا الْمَحْدُودِ (س ز) فِي قَذْفٍ وَإِنْ تَابَ، وَلَوْ حُدَّ الْكَافِرُ فِي قَذْفٍ ثُمَّ أَسْلَمَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ لِلْوَلَدِ وَإِنْ سَفَلَ، وَلَا لِلْوَالِدِ وَإِنْ عَلَا، وَلَا لِعَبْدِهِ، وَلَا لِمُكَاتَبِهِ، وَلَا لِلزَّوْجِ (ف) وَالزَّوْجَةِ (ف) ، وَلَا أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ لِلْآخَرِ فِيمَا هُوَ مِنْ شَرِكَتِهِمَا، وَلَا شَهَادَةِ الْأَجِيرِ الْخَاصِّ؛ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مُخَنَّثٍ وَلَا نَائِحَةٍ، وَلَا مَنْ يُغَنِّي لِلنَّاسِ، وَلَا مُدْمِنِ الشُّرْبِ عَلَى اللَّهْوِ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
بِهَا عِنْدَهُمَا، لِأَنَّ أَهْلِيَّةَ الشَّهَادَةِ شَرْطٌ وَقْتَ الْقَضَاءِ لِيَصِيرَ حُجَّةً، كَمَا إِذَا جُنَّ أَوْ فَسَقَ، بِخِلَافِ الْمَوْتِ فَإِنَّهُ مِنْهُ لِلْأَهْلِيَّةِ وَالْغَيْبَةِ لَا تَفُوتُ بِهَا الْأَهْلِيَّةُ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَخْرَسِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِالنُّطْقِ وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْهُ.
قَالَ: (وَلَا الْمَحْدُودُ فِي قَذْفٍ وَإِنْ تَابَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] ، وَلِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ لِأَنَّهُ مَانِعٌ فَيَبْقَى بَعْدَ التَّوْبَةِ.
أَمَّا الْمَحْدُودُ فِي غَيْرِ الْقَذْفِ فَالرَّدُّ لَيْسَ مِنَ الْحَدِّ وَإِنَّمَا هُوَ لِلْفِسْقِ، وَقَدِ ارْتَفَعَ بِالتَّوْبَةِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي الْآيَةِ مُنْقَطِعٌ أَوْ هُوَ مَصْرُوفٌ إِلَى الْأَقْرَبِ وَهُوَ الْفِسْقُ.
(وَلَوْ حُدَّ الْكَافِرُ فِي قَذْفٍ ثُمَّ أَسْلَمَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ) لِأَنَّ بِالْإِسْلَامِ حَدَثَتْ لَهُ شَهَادَةٌ أُخْرَى غَيْرَ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهُ، فَلَا يَكُونُ الْحَدُّ فِي إِسْقَاطِ الْأُولَى إِسْقَاطًا فِي الثَّانِيَةِ، لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً.
قَالَ: (وَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ لِلْوَلَدِ وَإِنْ سَفَلَ، وَلَا لِلْوَالِدِ وَإِنْ عَلَا) لِقَوْلِهِ ﵊: «وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ، وَلَا الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ، وَلَا الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا، وَلَا الزَّوْجِ لِامْرَأَتِهِ، وَلَا الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ، وَلَا السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ، وَلَا الشَّرِيكِ لِشَرِيكِهِ، وَلَا الْأَجِيرِ لِمَنِ اسْتَأْجَرَهُ» رُوِيَ ذَلِكَ بِأَحَادِيثَ مُخْتَلِفَةٍ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ وَلِأَنَّ الْمَنَافِعَ بَيْنَهُمْ مُتَّصِلَةٌ حَتَّى لَا يَجُوزَ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَيْهِمْ فَيَكُونُ شَهَادَةً لِنَفْسِهِ مِنْ وُجُوهٍ، وَمَحْرَمِيَّةُ الرَّضَاعِ لَا تَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ لِأَنَّهُ لَا جُزْئِيَّةَ بَيْنَهُمَا فَانْتَفَتِ التُّهْمَةُ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْقَرَابَاتِ كَالْأَخِ وَالْعَمِّ وَالْخَالِ وَمَا سِوَى قَرَابَةِ الْوِلَادِ لِعَدَمِ مَا ذَكَرْنَا.
قَالَ: (وَلَا لِعَبْدِهِ) لِمَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ فَتَقَعُ الشَّهَادَةُ لِنَفْسِهِ.
(وَلَا لِمُكَاتَبِهِ) لِأَنَّ أَكْسَابَهُ لَهُ مِنْ وَجْهٍ وَالْعَبْدُ الْمَدْيُونُ كَالْمُكَاتَبِ.
قَالَ: (وَلَا لِلزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ) لِمَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّ الْمَنَافِعَ بَيْنَهُمَا مُتَّصِلَةٌ عَادَةً فَتَقَعُ لِنَفْسِهِ مِنْ وَجْهٍ.
(وَلَا أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ لِلْآخَرِ فِيمَا هُوَ مِنْ شَرِكَتِهِمَا) لِمَا رَوَيْنَا وَلِأَنَّهَا تَقَعُ لِنَفْسِهِ.
(وَلَا شَهَادَةَ الْأَجِيرِ الْخَاصِّ) لِمَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ فِي مُدَّةِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، فَصَارَ كَالْمُسْتَأْجِرِ لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ.
قَالَ: (وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مُخَنَّثٍ وَلَا نَائِحَةٍ، وَلَا مَنْ يُغَنِّي لِلنَّاسِ) لِأَنَّ ذَلِكَ فِسْقٌ: " لِأَنَّهُ ﷺ «نَهَى عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ: النَّائِحَةُ، وَالْمُغَنِّيَةُ» ، وَالْمُرَادُ الْمُخَنَّثُ الَّذِي يَفْعَلُ الْأَفْعَالَ الرَّدِيئَةَ، وَأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ. قَالَ ﵊: «لَعَنَ اللَّهُ الْمُؤَنَّثَاتِ مِنَ الرِّجَالِ، وَالْمُذَكَّرَاتِ مِنَ النِّسَاءِ» ، أَمَّا اللَّيِّنُ فِي الْكَلَامِ خِلْقَةً فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ.
قَالَ: (وَلَا مُدْمِنِ الشُّرْبِ عَلَى اللَّهْوِ) لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: مَنْ شَرِبَ النَّبِيذَ مُتَأَوِّلًا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ مَا لَمْ يَسْكَرْ أَوْ يَكُنْ عَلَى اللَّهْوِ.
стр. 320
وَلَا مَنْ يَلْعَبُ بِالطُّيُورِ، وَلَا مَنْ يَفْعَلُ كَبِيرَةً تُوجِبُ الْحَدَّ، وَلَا مَنْ يَأْكُلُ الرِّبَا، وَلَا مَنْ يُقَامِرُ بِالشَّطْرَنْجِ وَلَا مَنْ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ بِغَيْرِ إِزَارٍ، وَلَا مَنْ يَفْعَلُ الْأَفْعَالَ الْمُسْتَخَفَّةَ كَالْبَوْلِ وَالْأَكْلِ عَلَى الطَّرِيقِ، وَلَا مَنْ يُظْهِرُ سَبَّ السَّلَفِ، وَلَا شَهَادَةُ الْعَدُوِّ إِنْ كَانَتِ الْعَدَاوَةُ بِسَبَبِ الدُّنْيَا، وَتُقْبَلُ إِنْ كَانَتْ بِسَبَبِ الدِّينِ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
(وَلَا مَنْ يَلْعَبُ بِالطُّيُورِ) لِأَنَّهُ يُوجِبُ غَفْلَةً وَيَطَّلِعُ عَلَى الْعَوْرَاتِ بِالطُّلُوعِ عَلَى السُّطُوحَاتِ.
قَالَ: (وَلَا مَنْ يَفْعَلُ كَبِيرَةً تُوجِبُ الْحَدَّ) لِفِسْقِهِ.
(وَلَا مَنْ يَأْكُلُ الرِّبَا) لِأَنَّهُ حَرَامٌ، وَشَرَطَ بَعْضُهُمُ الْإِدْمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَلَّ مَا يَخْلُو عَنِ الْعَقْدِ الْفَاسِدِ.
(وَلَا مَنْ يُقَامِرُ بِالشَّطْرَنْجِ) لِأَنَّهُ حَرَامٌ. أَمَّا نَفْسُ اللَّعِبِ لَا يُسْقِطُ الْعَدَالَةَ لِمَكَانِ الِاجْتِهَادِ إِلَّا أَنْ تَفُوتَهُ الصَّلَاةُ أَوْ يَحْلِفَ عَلَيْهِ كَذِبًا.
قَالَ: (وَلَا مَنْ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ بِغَيْرِ إِزَارٍ) لِفِسْقِهِ بِإِبْدَاءِ عَوْرَتِهِ.
(وَلَا مَنْ يَفْعَلُ شَيْئًا مِنَ الْأَفْعَالِ الْمُسْتَخِفَّةِ كَالْبَوْلِ وَالْأَكْلِ عَلَى الطَّرِيقِ) لِأَنَّهُ يُسْقِطُ الْمُرُوءَةَ فَلَا يَتَحَاشَى عَنِ الْكَذِبِ، وَكَذَا مَنْ يَمْشِي فِي السُّوقِ بِالسَّرَاوِيلِ وَحْدَهُ، وَكَذَلِكَ الْمُنَاهَدَةُ مَعَ الِابْنِ فِي السَّفَرِ.
قَالَ: (وَلَا مَنْ يُظْهِرُ سَبَّ السَّلَفِ) لِفِسْقِهِ بِخِلَافِ مَنْ يَكْتُمُهُ، وَلَا الشَّتَّامُ لِلنَّاسِ وَالْجِيرَانِ.
قَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا أُجِيزُ شَهَادَةَ مَنْ شَتَمَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لِأَنَّ ذَلِكَ فِعْلُ الْأَسْقَاطِ وَأَوْضَاعِ النَّاسِ، وَأَقْبَلُ شَهَادَةَ الَّذِينَ تَبَرَّؤُوا مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ تَدَيُّنًا وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا.
(وَلَا شَهَادَةِ الْعَدُوِّ إِنْ كَانَتِ الْعَدَاوَةُ بِسَبَبِ الدُّنْيَا) لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْكَذِبُ.
(وَتُقْبَلُ إِنْ كَانَتْ بِسَبَبِ الدِّينِ) لِأَنَّهُ لَا يَكْذِبُ لِدِينِهِ كَأَهْلِ الْأَهْوَاءِ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ تَارِكِ الْجُمَعِ وَالْجَمَاعَاتِ مَجَانَةً، وَاشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ لِذَلِكَ تَرْكَ الْجُمْعَةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَقَالَ الْخَصَّافُ مَرَّةً. وَإِنْ تَرَكَهَا لِعُذْرِ مَرَضٍ أَوْ بُعْدٍ مِنَ الْمِصْرِ أَوْ بِتَأْوِيلٍ بِأَنْ كَانَ يُفَسِّقُ الْإِمَامَ لَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ يَجْلِسُ مَجَالِسَ الْفُجُورِ. قَالَ مُحَمَّدٌ: الْعَدْلُ الَّذِي لَمْ يُظْهِرْ رِيبَةً.
قَالَ مُحَمَّدٌ: مُوسِرٌ أَخَّرَ الزَّكَاةَ وَالْحَجَّ إِنْ كَانَ صَالِحًا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ لِأَنَّهُمَا لَا وَقْتَ لَهُمَا، وَمَا كَانَ لَهُ وَقْتٌ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ بِالتَّأْخِيرِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: أَقْبَلُ شَهَادَةَ الشَّاعِرِ مَا لَمْ يَقْذِفْ فِي شِعْرِهِ الْمُحْصَنَاتِ، وَقَالَ الْعَدْلُ: هُوَ الَّذِي غَلَبَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ، وَلَا يُمْكِنُ اشْتِرَاطُ السَّلَامَةِ عَنْ كُلِّ مَأْثَمٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ قَلَّ مَا يَسْلَمُ عَنْ ذَلِكَ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ النَّخَّاسِينَ وَالدَّلَّالِينَ لِأَنَّهُمْ يَكْذِبُونَ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ أَهْلِ جَمِيعِ الصَّنَائِعِ كُلِّهَا إِذَا كَانُوا عُدُولًا إِلَّا إِذَا كَانَ يَجْرِي بَيْنَ الْحَلِفِ وَالْأَيْمَانِ الْفَاجِرَةِ. وَمَنْ يُجَنُّ وَيُفِيقُ فَشَهَادَتُهُ جَائِزَةٌ حَالَ إِفَاقَتِهِ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ إِلَّا الْخَطَّابِيَّةَ وَهُمْ قَوْمٌ مِنَ الرَّافِضَةِ يَسْتَجِيزُونَ الشَّهَادَةَ لِكُلِّ مَنْ يَحْلِفُ عِنْدَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ حُرْمَةَ الْكَذِبِ، وَقِيلَ يَرَوْنَ الشَّهَادَةَ لِشِيعَتِهِمْ وَاجِبَةً،
следующие страницы →