Полный текст (2 115 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الدموية وأسود اَخذ من الخضرة والبتلنجية ويدلّ على السَّوْدَاء الصّرْف. وَالْبَوْل الْأسود فِي الْجُمْلَة يدل إِمَّا على شدَّة احتراق وَإِمَّا على شدَّة برد وَإِمَّا على موت من الْحَرَارَة الغريزية وانهزام وَإِمَّا على بحران وَدفع من الطبيعة للفضول السوداوية. ويستدل على الْكَائِن من الاحتراق بِأَن يكون هُنَاكَ احتراق شَدِيد وَيكون قد تقدّمه بَوْل أصفر وأحمر وَيكون الثفل فِيهِ متشبثاً قَلِيل الاسْتوَاء لَيْسَ بذلك الْمُجْتَمع المكتنز وَلَا يكون شَدِيد السوَاد بل يضْرب إِلَى زعفرانية وصفرة أَو قتمة فَإِن كَانَ يضْرب إِلَى الصُّفْرَة دلّ كثيرا على اليرقان. ويستدل أَيْضا على الْكَائِن من الْبرد بِأَن يكون قد تقدمه بَوْل إِلَى الخضرة والكمدة وَيكون الثفل قَلِيلا مجتمعاً كَأَنَّهُ جَاف وَيكون السوَاد فِيهِ أخْلص وَقد يفرق بَين المزاجين بِأَنَّهُ إِذا كَانَ مَعَ الْبَوْل الْأسود شدَّة قُوَّة من الرَّائِحَة كَانَ دالاًّ على الْحَرَارَة وَإِذا كَانَ مَعَه عدم الرَّائِحَة أَو ضعف من قوتها كَانَ دالآً على الْبُرُودَة فَإِنَّهُ إِذا انْهَزَمت الطبيعة جدا لم تكن لَهُ رَائِحَة. ويستدل على الْحَادِث لسُقُوط الْقُوَّة الغريزية بِمَا يعقبه من سُقُوط الْقُوَّة وانحلالها ويستدل على الْحَادِث على سَبِيل التنقية والبحران كَمَا يكون فِي أَوَاخِر الرّبيع وانحلال علل الطحال وأوجاع الظّهْر وَالرحم والحميّات السوداوية النهارية والليلية والأفات الْعَارِضَة من احتباس الطمث واحتباس الْمُعْتَاد سيلانه من المقعدة وخصوصاً إِذا أعانت الطبيعة أَو الصِّنَاعَة بالإدرار كَمَا يُصِيب النِّسَاء اللواتي قد احْتبسَ طمثهن فَلم تقبل الطبيعة فضلَة الدَّم بِأَن يكون قد تقدمه بَوْل غير نضيج مائي. ويصادف الْبدن عَقِيبه خفاً وَيكون كثير الْمِقْدَار غزيراً. وَأما إِن لم يكن هَكَذَا فان الْبَوْل الْأسود عَلامَة رَدِيئَة وخصوصاً فِي الْأَمْرَاض الحادة وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ مِقْدَاره قَلِيلا فَيعلم من قلته أَن الرُّطُوبَة قد أفناها الاحتراق وَكلما كَانَ أغْلظ كَانَ أردأ وَكلما كَانَ أرقّ فَهُوَ أقل رداءة. وَقد يعرض أَن يبال بَوْل أسود وأحمر قاني بِسَبَب شرب شراب بِهَذِهِ الصّفة تعْمل فِيهِ الطبيعة أصلا فَيخرج بِحَالهِ وَهَذَا الأخطر فِيهِ وَرُبمَا كَانَ دَلِيل بحران صَالح فِي الْأَمْرَاض الحادة أَيْضا مثل الْبَوْل الَّذِي يبوله الْمَرِيض رَقِيقا وَفِيه تعلق فِي نواح مُخْتَلفَة فَإِنَّهُ كثيرا مَا يدل على صداع وسهر وصمم واختلاط عقل لَا سِيمَا إِذا بيل قَلِيلا قَلِيلا فِي زمَان طَوِيل وَكَانَ حاد الرَّائِحَة وَكَانَ فِي الحميات فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ شَدِيد الدّلَالَة على الصداع والاختلاط فِي الْعقل واذا كَانَ هُنَاكَ سهر وصمم واختلاط عقل وصداع دلّ على رُعَاف يكون وَيُمكن أَن يكون سَببا للحصاة فِي كليته. قَالَ روفس: الْبَوْل الْأسود يسْتَحبّ فِي علل الْكُلِّي والعلل الهائجة من الأخلاط الغليظة وَهُوَ دَلِيل مهلك فِي الْأَمْرَاض الحادة. ونقول: قد يكون الْبَوْل الْأسود أَيْضا رديئاً فِي علل الْكُلِّي والمثانة إِذا كَانَ هُنَاكَ احتراق شَدِيد فَتَأمل سَائِر العلامات وَالْبَوْل الْأسود فِي الْمَشَايِخ وَلَيْسَ لصلاح لَهُم مِمَّا يعلم وَلَا هُوَ وَاقع إِلَّا لفساد عَظِيم وَكَذَلِكَ فِي النِّسَاء. وَالْبَوْل الْأسود بعد التَّعَب يدل على تشنّج. وَبِالْجُمْلَةِ
стр. 177
الْبَوْل الْأسود فِي ابْتِدَاء الحميات قتّال وَكَذَلِكَ الَّذِي فِي انتهائها إِذا لم يَصْحَبهُ خف وَلم يكن دَلِيلا على بحران. وَأما الْبَوْل الْأَبْيَض فقد يفهم مِنْهُ مَعْنيانِ: أَحدهمَا أَن يكون رَقِيقا مشفًّا فَإِن النَّاس قد يسمُون المشف أَبيض كَمَا يسمون الزّجاج الصافي والبلور الصافي أَبيض. والقاني الْأَبْيَض بِالْحَقِيقَةِ هر الَّذِي لَهُ لون مفرق لِلْبَصَرِ مثل اللَّبن والكاغد وَهَذَا لَا يكون مشفًّا ينفذ فِيهِ الْبَصَر لِأَن الإشفاف بِالْحَقِيقَةِ هُوَ عدم الألوان كلهَا. فالأبيض بِمَعْنى المشف دَلِيل على الْبرد جملَة ومونس عَن النضج وَإِن كَانَ مَعَ غلظ دلّ على البلغم. وَأما الْأَبْيَض الْحَقِيقِيّ فَلَا يكون إِلَّا مَعَ غلظ فَمن ذَلِك مَا يكون بياضه بَيَاضًا مُخَاطبا وَيدل على كَثْرَة بلغم وخام وَمِنْه مَا بياضه بَيَاض دسمي وَيدل على ذوبان الشحوم وَمِنْه مَا بياضه بَيَاض إهالي وَيدل على بلغم وعَلى ذرب وَاقع أَو سيقع وَمِنْه مَا بياضه بَيَاض فقاعي مَعَ رقة وَمُدَّة يدل على قُرُوح متقيحة فِي آلَات الْبَوْل فَإِن لم يكن مَعَ مُدَّة فلغلبة الماعة الْكَثِيرَة الخامية الفجة وَرُبمَا كَانَ مَعَ حَصَاة المثانة وَمِنْه مَا يشبه الْمَنِيّ فَرُبمَا كَانَ بحراناً لأورام بلغمية ورهل فِي الأحشاء وأمراض تعرض من البلغم الزجاجي. وَأما إِذا كَانَ الْبَوْل شَبِيها بالمني لَيْسَ على سَبِيل البحران وَلَا لأورام بلغمية بل إِنَّمَا وَقع ابْتِدَاء فَإِنَّهُ إِنَّمَا ينذر بسكتة أَو فالج وَإِذا كَانَ الْبَوْل أَبيض فِي جَمِيع أَوْقَات الْحمى أوشك أَن تنْتَقل إِلَى الرّبع. وَالْبَوْل الرصاصي بِلَا رسوب رَدِيء جدا. وَالْبَوْل اللبني أَيْضا فِي الحادة مهلك وَبَيَاض الْبَوْل فِي الحميّات الحادة كَيفَ كَانَ الْبيَاض بعد أَن يعْدم الصَّبْغ يدل على أَن الصَّفْرَاء مَالَتْ إِلَى عُضْو يتورم أَو إِلَى إسهال وَالْأَكْثَر أَن يدل على أَنَّهَا مَالَتْ إِلَى نَاحيَة الرَّأْس وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ الْبَوْل رَقِيقا قي الحميات ثمَّ أَبيض دفْعَة دلّ على اخْتِلَاط عقل يكون. واذا دَامَ الْبَوْل فِي حَال الصِّحَّة على لون الْبيَاض دلّ على عدم النضج. والإهالي الشبيه بالزيت فِي الحميات الحادة ينذر بِمَوْت أَو بدق. وَاعْلَم أَنه قد يكون بَوْل أَبيض والمزاج حَار صفراوي وبولى أَحْمَر والمزاج بَارِد بلغمي فَإِن الصَّفْرَاء إِذا مَالَتْ عَن مَسْلَك الْبَوْل وَلم تختلط بالبول بَقِي الْبَوْل أَبيض فَيجب أَن يتَأَمَّل الْبَوْل الْأَبْيَض فَإِن كَانَ لَونه مشرقاً وَثقله غزيراً غليظاً وقوامه مَعَ هَذَا إِلَى الغلظ فَاعْلَم أَن الْبيَاض من برد بلغم. وَأما إِن كَانَ اللَّوْن لَيْسَ بالمشرق وَلَا الثفل بالغزير وَلَا بالمفصول وَلَا الْبيَاض إِلَى كمودة فَاعْلَم أَنه لكمون الصَّفْرَاء وَإِذا كَانَ الْبَوْل فِي الْمَرَض الحاد أَبيض وَكَانَ هُنَاكَ دَلَائِل السَّلامَة لَا يخَاف مَعهَا السرسام وَنَحْوه فَاعْلَم أَن الْمَادَّة الحادة مَالَتْ إِلَى المجرى الآخر فالأمعاء تعرض للإسحاج. وَأما الْعلَّة فِي كَون الْبَوْل فِي الْأَمْرَاض الْبَارِدَة أَحْمَر اللَّوْن فسببه أحد أُمُور إِمَّا شدَّة الوجع وتحليله الصَّفْرَاء مثل مَا يعرض فِي القولنج الْبَارِد وَإِمَّا شدَّة وَقعت من غَلَبَة البلغم
стр. 178
فِي المجرى الَّذِي بَين المرار والأمعاء فَلم ينصب المرار إِلَى الأمعاء الإنصباب الطبيعي الْمُعْتَاد بل يضْطَر إِلَى مرافقة الْبَوْل وَالْخُرُوج مَعَه كَمَا يعرض أيضاَ فِي القولنج الْبَارِد وَأما ضعف الكبد وقصور قوته عَن التَّمْيِيز بَين المائية وَالدَّم كَمَا يكون فِي الاسْتِسْقَاء الْبَارِد وَفِي أمراض ضعف الكبد فِي الْأَكْثَر فَيكون الْبَوْل شَبِيها بغسالة اللَّحْم الطري. وَأما الاحتقان الَّذِي توجبه السمد فبتغير لون البلغم فِي الْعُرُوق لعفونة مَا تلْحقهُ وعلامته أَن تكون مائية الْبَوْل وَثقله على الْوَجْه الْمَذْكُور ثمَّ يكون صبغه صبغاً ضَعِيفا غير مشرق فَإِن الصفراوي يكون صبغه مشرقاً وَكَثِيرًا مَا يكون الْبَوْل فِي أول الْأَمر أَبيض ثمَّ يسود وينتن كَمَا يعرض فِي اليرقان. وَالْبَوْل بعد الطَّعَام يبيض وَلَا يزَال كَذَلِك حَتَّى يَأْخُذ فِي الهضم فَيَأْخُذ فِي الصَّبْغ وَلذَلِك مَا يكون بَوْل أَصْحَاب السهر أَبيض ويعين عَلَيْهِ تحلل الْحَار الغريزي لكنه يكون غير مشرق بل إِلَى كدورة لعدم النضج. والصبغ الْأَحْمَر فِي الْأَمْرَاض الحادة أفضل من المائي والأبيض لقوامه أَيْضا خير من المائي والأحمر الدموي أَكثر أَمَانًا من الْأَحْمَر الصفراوي والأحمر الصفراوي أَيْضا لَيْسَ بذلك الْمخوف إِن كَانَ الصَّفْرَاء سَاكِنا ومخوف إِن كَانَ متحركاً. وَالْبَوْل الْأَحْمَر القاني فِي أمراض الْكُلية رَدِيء فَإِنَّهُ يدل فِي الْأَكْثَر على ورم حَار وَفِي أوجاع الرَّأْس ينذر باختلاط. وَإِذا ابْتَدَأَ الْبَوْل فِي الْأَمْرَاض الحادة بالأحمر وَبَقِي كَذَلِك وَلم يرسب خيف مِنْهُ الْهَلَاك وَدلّ على ورم الكلى فَإِن كَانَ كدراً مَعَ الْحمرَة وَبَقِي كَذَلِك دلّ على ورم فِي الكبد وَضعف الْحَار الغريزي. وَمن ألوان الْبَوْل ألوان مركبة من ذَلِك اللَّوْن الشبيه بغسالة اللَّحْم الطري وَيُشبه دَمًا ديف فِي المَاء وَقد يكون من ضعف الكبد وَقد يكون من كَثْرَة الدَّم وَأَكْثَره من ضعف الكبد من أَي سوء مزاج غلب وَيدل عَلَيْهِ ضعف الهضم وانحلال القوى فَإِن كَانَت الْقُوَّة قَوِيَّة فَلَيْسَ إِلَّا من كَثْرَة الدَّم وزيادته على الْمبلغ الَّذِي يَفِي الْقُوَّة المميزة بتمييزه بِكَمَالِهِ. وَمن ذَلِك اللَّوْن الزيتي وَهُوَ صفرَة يخالطها سلقية وَيُشبه الزَّيْت للزَّوْجَة فِيهِ وإشفاف مَعَ بريق دسمي وقوام مَعَ الشف إِلَى الغلظ مَا هُوَ وَفِي أَكثر الْأَحْوَال يدل على الشَّرّ وَلَا يدل على الْخَيْر والنضج وَالصَّلَاح وَرُبمَا دلّ فِي النَّادِر على استفراغ مواد دسمة على سَبِيل البحران وَهَذِه إِنَّمَا تكون إِذا تعقبه رَاحَة. والمهلك مِنْهُ مَا كَانَت دسومته مُنْتِنَة وخصوصاً الْبَوْل مِنْهُ قَلِيلا قَلِيلا وَإِذا خالطه شَيْء كغسالة اللَّحْم الطري فَهُوَ أردأ وَهَذَا أَكْثَره فِي الاسْتِسْقَاء والسل والقولنج الرَّدِيء وَرُبمَا يعقب الزيتي بولاً أسود مُتَقَدما وَكَانَ عَلامَة صَلَاح وَكَثِيرًا مَا دلّ الْبَوْل الزيتي فِي الرَّابِع على أَن الْمَرِيض سيموت فِي السَّابِع أَعنِي فِي الْأَمْرَاض الحادة. وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن الْبَوْل الزيتي ثَلَاثَة أَصْنَاف فَإِنَّهُ: إِمَّا أَن يكون كُله دسماً أَو يكون أَسْفَله فَقَط أَو يكون أَعْلَاهُ. دسماً وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إِمَّا أَن يكون زيتياً فِي لَونه فَقَط كَمَا فِي السل وخصوصاً فِي أَوله أَو فِي قوامه فَقَط أَو فيهمَا جَمِيعًا كَمَا فِي علل الكلى وَفِي كَمَال السل وَآخره وَمن ذَلِك الأرجواني وَهُوَ ردي قتال لِأَنَّهُ يدل على احتراق الْمَرَّتَيْنِ وَقد يكون لون أَحْمَر يجْرِي فِيهِ
стр. 179
سَواد فَيدل على الحميات المركبة والحمّيات الَّتِي من الأخلاط الغليظة فَإِن كَانَ أصفى وَكَانَ السوَاد أميل إِلَى رَأسه دلّ على ذَات الْجنب. الْفَصْل الثَّالِث قوام الْبَوْل وَصِفَاته وكدورته قوام الْبَوْل إِمَّا أَن يكون رَقِيقا وَإِمَّا أَن يكون غليظاً وَإِمَّا أَن يكون معتدلاً. وَالرَّقِيق جدا: يدل على عدم النضج فِي كل حَال أَو على السدد فِي الْعُرُوق أَو على ضعف الْكُلية ومجاري الْبَوْل فَلَا يجذب إِلَّا الرَّقِيق أَو يجذب وَلَا يدْفع إِلَّا الرَّقِيق الْمُطِيع للدَّفْع أَو على كَثْرَة شرب المَاء أَو على المزاج الشَّديد الْبرد مَعَ يبس. وَيدل فِي الْأَمْرَاض الحادة على ضعف الْقُوَّة الهاضمة وَعدم النضج وَرُبمَا دلّ على ضعف سَائِر القوى حَتَّى لَا ينْصَرف فِي المَاء الْبَتَّةَ بل يزلق كَمَا يدْخل وَالْبَوْل الرَّقِيق على هَذِه الصّفة هُوَ فِي الصّبيان أردأ مِنْهُ فِي الشبَّان لِأَن الصّبيان بَوْلهمْ الطبيعي أغْلظ من بَوْل الشبَّان لأَنهم أرطب وَلِأَن أبدانهم للرطوبات أجذب لِأَنَّهَا تحْتَاج إِلَى فضل مَادَّة بِسَبَب الاستنماء فَإِذا رق بَوْلهمْ فِي الحميات الحادة جدا كَانُوا قد بعدوا عَن حالتهم الطبيعية جدا. واستمرار ذَلِك بهم يدل على العطب فَإِنَّهُ إِذا دَامَ دلّ على الْهَلَاك إِلَّا أَن يُوَافقهُ عَلَامَات صَالِحَة وثبات قُوَّة فَحِينَئِذٍ يدل على خراج يحدث وخصوصاً تَحت نَاحيَة الكبد وَكَذَلِكَ إِذا دَامَ هَذَا بالأصحاءُ لَا يَسْتَحِيل فيهم فَإِنَّهُ يدل على ورم يحدث حَيْثُ يحسون فِيهِ الوجع. وَفِي الْأَكْثَر يعرض لَهُم أَن يحسوا مَعَ ذَلِك بوجع فِي الْقطن وَفِي الكلى فَيدل على استعداد لورم فَإِن لم يخص ذَلِك الوجع والثقل نَاحيَة بل عَم يدل على بثور وجدري وأورام تعم الْبدن. ورقة الْبَوْل عِنْد البحران بِلَا تدريج تنذر بالنكس. وَأما الْبَوْل الغليظ جدا فانه يدل فِي أَكثر الْأَحْوَال على عدم النضج وَفِي أقلهَا على نضج أخلاط غَلِيظَة القوام وَيكون فِي مُنْتَهى حميات خلطية أَو انفجار أورام. وَأكْثر دلائله فِي الْأَمْرَاض الحادة هُوَ على الشَّرّ لَكِن دوَام الرقة على الشَّرّ أدل فَإِن الغيلظ يدل على هضم مَا هُوَ الَّذِي يُفِيد القوام فِيمَا يدل على هضم واستقلال من الْقُوَّة بِالدفع يُرْجَى وَرُبمَا يدل على فَسَاد الْمَادَّة. وَكَثْرَتهَا وامتناعها عَن النضج الْمُمَيز المرسب يدل على الشَّرّ ويستدل على الْغَالِب من الْأَمريْنِ بِمَا يعقبه من الرَّاحَة أَو يعقبه من زِيَادَة الضعْف. والأسلم من الْبَوْل الغليظ فِي الحميات مَا يستفرغ مِنْهُ شَيْء كثير دفْعَة وَأما الَّذِي يستفرغ قَلِيلا قَلِيلا فَهُوَ دَلِيل على كَثْرَة أخلاط أَو ضعف قُوَّة والنافع مِنْهُ يعقبه بَوْل معتدله مُقَارن للراحة وءاذا اسْتَحَالَ الرَّقِيق إِلَى الغلظ فِي الْأَمْرَاض الحادة وَلم يعقب رَاحَة دلّ على الذوبان. وَالصَّحِيح إِذا دَامَ بِهِ الْبَوْل الغليظ وَكَانَ يحس بوجع فِي نواحي الرَّأْس
стр. 180
وانكسار فَهُوَ مُنْذر لَهُ بالحمى وَرُبمَا كَانَ ذَلِك بِهِ من فضل اندفاع أَو انفجار أَو قُرُوح بنواحي مسالك الْبَوْل وَإِنَّمَا كَانَت الرقة والغلظ جَمِيعًا يدلان على عدم النضج لِأَن النضج يتبعهُ اعْتِدَال القوام. فالغليظ نضجه أَن ينهضم إِلَى الرقة وَالرَّقِيق نضجه أَن ينطبخ إِلَى السخونة وَالْبَوْل الغليظ كَمَا قُلْنَا فِيمَا سلف قد يكون صافياً مشفا وَقد يكون كدراً وَالْفرق بَين الغليظ المشف وَبَين الرَّقِيق أَن الغليظ المشفا إِذا موَج يالتحريك لم تصغر أجزاؤه المتموجة بل حدثت فِيهِ أمواج كبار وَكَانَت حركتها بطيئة وَإِذا أَزِيد كَانَ زبده كثير النفاخات بطيء الانفقاء وتولَد مثل هَذَا هُوَ عَن بلغم جيد الإنهضام أَو صفراء مُحي إِن كَانَ لَهُ صبغ إِلَى الصُّفْرَة وَإِذا لم يكن صبغ دلّ على إنحلال بلغم زجاجي وَهَذَا كثيرا مَا يكون فِي أَبْوَال المصروعين. وَالرَّقِيق الَّذِي يأكثر فِيهِ الصَّبْغ يعلم أَن صبغه لَيْسَ عَن نضج وَإِلَّا لفعل النضج فِيهِ القوام أَولا لكنه من اخْتِلَاط الْمرة بِهِ فَإِن أول فعل الإفضاج التَّقْوِيم ثمَّ الصَّبْغ - والنضج فِي القوام أصلح مِنْهُ فِي اللَّوْن فَلذَلِك الْبَوْل الرَّقِيق الْأَصْفَر إِذا دَامَ فِي مُدَّة الْمَرَض الحادّ دلّ على شَرّ وعَلى فتور الْقُوَّة الهاضمة وَإِذا رَأَيْت بولاً رَقِيقا وَهُنَاكَ اخْتِلَاف أَجزَاء من الْحمرَة والصفرة فاحدس تعباً ملهباً وَإِن كَانَ رَقِيقا قيه أَشْيَاء كالنخالة من غير عِلّة فِي المثانة فَذَلِك لاحتراق البلغم. وَالْبَوْل الغليظ فى الْأَمْرَاض الحادة يدل بِالْجُمْلَةِ على كَثْرَة الأخلاط وَرُبمَا دلّ على الذوبان وَهُوَ الَّذِي إِذا بَقِي سَاعَة جمد فغلظ. ويالجملة كدورة الْبَوْل الأرضية مَعَ ريح تخالطه المائية فَإِذا اخْتلطت هَذِه كَانَت كدورة وَفِي انْفِصَال بَعْضهَا من بعض يتم الصفاء ثمَّ يجب أَن ينظر إِلَى أَحْوَال ثَلَاث لِأَنَّهُ إِمَّا أَن يبال رَقِيقا ثمَّ يغلظ فَيدل على أَن الطبيعة مجاهدة هُوَ ذَا ينضج لَكِن الْمَادَّة بعد لم تُطِع من كل وَجه وَهِي متأثرة وَرُبمَا دلّ على ذوبان الْأَعْضَاء. وَإِمَّا أَن يبال غليظاً ثمَّ يصفو ويتميز مِنْهُ الغليظ راسباً فَيدل على أَن الطبيعة قد قهرت الْمَادَّة وأنضجتها. وَكلما كَانَ الصفاء أَكثر الرسوب أوفر وأسرع فَهُوَ على النضج أدلّ. وَالْحَالة المتوسطة بَين الأول وَالْآخر إِن دَامَت وَكَانَت الطبيعة قَوِيَّة وَالْقُوَّة ثَابِتَة حدس أَنه سيبلغ مِنْهُ الإنضاج التَّام وَإِن لم تكن الْقُوَّة ثَابِتَة خيف أَنا يسْبق الْهَلَاك النضج وَإِذا طَال وَلم تكن عَلامَة مخيفة أنذر بصداع لِأَنَّهُ يدل على ثوران وعَلى ريَاح بخارية وَالَّذِي يَأْخُذ من الرقة إِلَى الخثورة ويستمرّ خير من الْوَاقِف على الخثورة فِي كثير من الْأَوْقَات وَكَثِيرًا مَا يغلظ الْبَوْل ويكدر لسُقُوط القوّة لَا لدفع الطبيعة. وَأما الْبَوْل الَّذِي يبال مائياً وَيبقى مائياً فَهُوَ دَلِيل عدم النضج الْبَتَّةَ وَالْبَوْل الغليظ أَحْمَده مَا كَانَ سهل الْخُرُوج كثير الِانْفِصَال مَعًا وَمثل هَذَا يبري الفالج وَمَا
стр. 181
يجْرِي مجْرَاه وَإِذا كَانَت أَبْوَال غَلِيظَة ثمَّ أخذت ترق على التدريج مَعَ غزارة فَذَلِك مَحْمُود وَرُبمَا كَانَ يعقب الغليظ الكدر الْقَلِيل الْكثير فَيكون دَلِيل خير وَذَلِكَ إِذا انفجر الغليظ الكدر الَّذِي كَانَ ييال قَلِيلا قَلِيلا ودفعة وَاحِدَة بَوْل بولاً كثيرا بسهولة فَإِن هَذَا كثيرا مَا تنْحَل بِهِ الْعلَّة سَوَاء كَانَت الْعلَّة شَيْئا من الحميات الحادة أَو غَيرهَا من الْأَمْرَاض الامتلائية وَكَانَ امتلاء لم يعرض بعد مِنْهُ مرض ظَاهر وَهَذَا ضرب من الْبَوْل نَادِر. وَالْبَوْل الطبيعي اللَّوْن إِذا أفرط فِي الغلظ دلّ أَحْيَانًا على جودة نقص الْموَاد كثيرا ونضجه بسهولة الْخُرُوج وَقد يدل أَحْيَانًا على التّلف لدلالته على كَثْرَة الأخلاط وَضعف الْقُوَّة وَيدل عَلَيْهِ عسر الْخُرُوج وَقلة مَا يخرج. وَالْبَوْل الغليظ الْجيد الَّذِي هُوَ بحران لأمراض الطحال والحميّات المختلطة لَا يتوقّع فِيهِ الاسْتوَاء فَإِن الطبيعة تعْمل فِي الدّفع. وَالْبَوْل الميثور فِي الْجُمْلَة يدلّ على كَثْرَة الاخلاط مَعَ اشْتِغَال من الطبيعة بهَا وبإنضاجها. وَالْبَوْل الغليظ الَّذِي لَهُ ثقل زيتي يدل على حَصَاة. وَالْبَوْل الغليظ الدَّال على انفجار الأورام يسْتَدلّ عَلَيْهِ بِمَا يخالطه وَبِمَا قد سبقه. أما مَا يخالطه فكالمدة وَيدل عَلَيْهَا الرَّائِحَة المنتنة والجرادات الْمُنْفَصِلَة مَعَه كصفائح بيض أَو حمر أَو كنخالة أَو غير ذَلِك مِمَّا يسْتَدلّ عَلَيْهِ بعد وَأما مَا سبقه فَإِن يكون قد كَانَ فِيمَا سلف عَلامَة لورم أَو قرحَة بالمثانة أَو الْكُلية والكبد أَو نواحي الصَّدْر فَيدل ذَلِك على الإنفجار من الورم وَإِن كَانَ قبله بَوْل يشبه غسالة اللَّحْم الطري فَهُوَ من حدبة الكبد أَو برَاز كَذَلِك فالورم فِي تقعيره وَإِن كَانَ قد سبق ضيق نفس وسعال يَابِس ووجع فِي أَعْضَاء الصَّدْر ناخس فَهُوَ ذَات الْجنب انفجر واندفع من نَاحيَة الشريان الْعَظِيم. وَإِذا كَانَ فِي ذَلِك الَّذِي هُوَ الْمدَّة نضج كَانَ مَحْمُودًا وَإِن كَانَ ذَلِك الْبَوْل مغ الغلظ إِلَى السود وَكَانَ مَعَه وجع فِي نَاحيَة الْيَسَار فَهُوَ من نَاحيَة الطحال وعَلى هَذَا الْقيَاس إِن كَانَ فَوق السُّرَّة وَأَعْلَى الْبَطن فَهُوَ من نَاحيَة الْمعدة. وَأكْثر ذَلِك يكون من الكبد ومجاري الْبَوْل. وَرُبمَا بَال الصَّحِيح المتدع التارك الرياضة بولاً كالمدة والصديد فيتنقى بدنه وَيَزُول ترهله الَّذِي لَهُ بترك الرياضة وَإِن كَانَ أَيْضا فِي الكبد وَمَا يَلِيهِ سدد فَرُبمَا كَانَ غلظ الْبَوْل تَابعا لانفتاحها واندفاع مادتها وَلَا يكون هَذَا الغلظ قيحياً وَالَّذِي يكون عَن الانفجار يكون قيحياً. وَالْبَوْل الكدر كثيرا مَا يدل على سُقُوط الْقُوَّة وَإِذا سَقَطت الْقُوَّة استولى الْبرد وَكَانَ كَالْبردِ الْخَارِج وَالْبَوْل الكدر الشبيه بلون الشَّرَاب الرَّدِيء أَو مَاء الحمص يكون للحبالى وَأَصْحَاب أورام حارة مزمنة فِي الأحشاء
стр. 182
وَالْبَوْل الَّذِي يشبه بَوْل الْحمير وأبوال الدَّوَابّ وَكَأَنَّهُ ملخلخ لشقة بثوره يدل على فَسَاد أخلاط الْبدن. وَأَكْثَره على خام عملت فِيهِ حرارة مَا فيورث ريحًا غَلِيظَة وَكَذَلِكَ قد يدل على الصداع الْكَائِن أَو المطل وَقد يدل إِذا دَامَ على الترعش. وَالْبَوْل الَّذِي يشبه لون عُضْو مَا فَإِن دَوَامه يدل على عِلّة بذلك الْعُضْو قَالَ بَعضهم: إِنَّه إِذا كَانَ فِي أَسْفَل الْبَوْل شَبيه بغيم أَو دُخان طَال الْمَرَض وَإِن كَانَ فِي جَمِيع الْمَرَض أنذر بِمَوْت. والخام يُفَارق الْمدَّة بالنتن. وَالْبَوْل الْمُخْتَلف الْأَجْزَاء كلما كَانَت الْأَجْزَاء الْكِبَار فِيهِ أَكثر دلّ على أَن عمل الطبيعة فِيهِ أنفذ والطبيعة أقدر والمسام أَشد إنفتاحاً. وَالْبَوْل الَّذِي يرى فِيهِ كالخيوط مختلط بَعْضهَا بِبَعْض يدل على أَنه بيل أثر الْجِمَاع وَأَنت تعلم ذَلِك بالامتحان. الْفَصْل الرَّابِع دَلَائِل رَائِحَة الْبَوْل قَالُوا: لم ير بَوْل مَرِيض قطّ توَافق رَائِحَته رَائِحَة بَوْل الأصحاء. ونقول: إِن كَانَ الْبَوْل لَا رَائِحَة لَهُ الْبَتَّةَ دلّ على برد مزاج وفجاجة مفرطة وَرُبمَا دلّ على الْأَمْرَاض الحادة على موت الغريزة فَإِن كَانَت لَهُ رَائِحَة مُنْتِنَة فَإِن كَانَ هُنَاكَ دَلَائِل النضج كَانَ سَببه جرباً وقروحاً فِي ألات الْبَوْل ويستدل عَلَيْهِ بعلامات ذَلِك وَإِن لم يكن نضج جَازَ أَن يكون من ذَلِك وَجَاز أَن يكون للعفونة وَإِذا كَانَ ذَلِك فِي الحميات الحادة وَلم يكن بِسَبَب أَعْضَاء الْبَوْل فَهُوَ دَلِيل رَدِيء وَإِن كَانَ إِلَى الحموضة دلّ على أَن العفونة هِيَ فِي أخلاط بَارِدَة الْجَوْهَر استولى عَلَيْهَا حرارة غَرِيبَة. وَأما إِن كَانَت الْعلَّة حادة فَهُوَ دَلِيل الْمَوْت لِأَنَّهُ يدل على موت الْحَرَارَة الغريزية واستيلاء برد فِي الطَّبْع مَعَ حر غَرِيب والرائحة الضاربة إِلَى الْحَلَاوَة تدل على غَلَبَة الدَّم والمنتنة شَدِيدا صفراوية والمنتنة إِلَى الحموضة سوداوية وَالْبَوْل المنتن الرَّائِحَة إِذا دَامَ بالأصحاء دلّ على حميات تحدث من العفن أَو على انْتِقَاض عفونة محتبسة فيهم وَيدل عَلَيْهِ وجود الخفة إثره وَفِي الْأَمْرَاض الحادة إِذا فَارق الْبَوْل من كَانَ يلْزمه فِيهَا وَزَالَ عَنهُ وَكَانَ ذَلِك الزَّوَال دفْعَة وَلم يعقب رَاحَة فَهُوَ عَلامَة سُقُوط القوى. الْفَصْل الْخَامِس الدَّلَائِل الْمَأْخُوذَة من الزّبد الزّبد يحدث فِي الرُّطُوبَة من الرّيح المنزرقة فى المَاء وَمَعَ زرق الْبَوْل وَالرِّيح الْخَارِجَة مَعَ الْبَوْل فِي جَوْهَر الْبَوْل مَعُونَة لَا محَال وخصوصاً إِذا كَانَت الرّيح غالبة فِي المَاء كَمَا يعرض فِي بَوْل أَصْحَاب التمدد من النفّاخات الْكَثِيرَة. والزبد قد يدل بلونه كَمَا يدل بسواده وشقرته على اليرقان وَقد يدل بصغره وَكبره فَإِن كبره يدل على اللزوجة وَإِمَّا بقلته وكثرته فَإِن كثرته تدل على لزوجة وريح كَثِيرَة وَإِمَّا بِبَقَائِهِ طَويلا أَو بِبَقَائِهِ سَرِيعا فَإِن بَقَاءَهُ بطيئاً يدل على اللزوجة والعبب الْبَاقِيَة فِي علل الكلى وَيدل على طول الْمَرَض لدلالته على الرِّيَاح واللزوجة. وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن الْخَلْط اللزج فِي علل الكلى رَدِيء وَيدل على أخلاط رَدِيئَة وَبرد.
стр. 183
الْفَصْل السَّادِس دَلَائِل أَنْوَاع الرسوب نقُول: أَولا إِن اصْطِلَاح الْأَطِبَّاء فِي اسْتِعْمَال لَفْظَة الرسوب والثفل قد زَالَ عَن المجرى الْمُتَعَارف وَذَلِكَ لأَنهم يَقُولُونَ رسوب وثفل لَا لما يرسب ففط بل لكل جَوْهَر أغْلظ قواماً من المائية متميزعنها وَإِن تعلق وطفا فَنَقُول: إِن الرسوب قد يسْتَدلّ مِنْهُ من وُجُوه من جوهره وَمن كميته وَمن كيفيته وَمن وضع أَجْزَائِهِ وَمن مَكَانَهُ وَمن زَمَانه وَمن كَيْفيَّة مخالطته أما دلَالَته من جوهره فَهُوَ أَنه إِمَّا أَن يكون رسوباً طبيعياً مَحْمُودًا دَالا على الهضم والنضج الطبيعيين وهر أَبيض راسب مُتَّصِل الْأَجْزَاء متشابهها مستويها وَيجب أَن يكون مستدير الشكل أملس مستوياَ لطيفاً شَبِيها برسوب مَاء الْورْد. وَنسبَة دلَالَته على نضج الْمَادَّة فِي الْبدن كُله كنسبة الْمدَّة للبيضاء الملساء المشابهة القوام على نضج الورم لَكِن الْمدَّة كثيفة وَهَذِه لَطِيفَة. والرسوب والثفل دَلِيل جيد وَإِن فَاتَ الصَّبْغ والاستواء أدل عِنْد الأقدمين من النضج فَإِن المستوى الَّذِي لَيْسَ بذلك الْأَبْيَض بل هُوَ أَحْمَر أصلح من الْأَبْيَض الخشن. وَأكْثر الرسوب على لون الْبَوْل وأجود مَا خَالف الْأَبْيَض فَهُوَ الْأَحْمَر ثمَّ الْأَصْفَر ثمَّ الزرنيخي ويبتدىء الشَّرّ من العدسي وَلَا يلْتَفت إِلَى مَا يَقُوله الْآخرُونَ فَإِن الْبيَاض قد يكون لَا للنضج والاستواء لَيْسَ إِلَّا للنضج. وَمن الْبيَاض مَا يكون عَن وَأما الرسوب الرَّدِيء المذموم فتشتنه خير من استوائه والرسوب الرَّدِيء هُوَ الَّذِي تعرفه عَن قريب وَأما الرسوب الْجيد الَّذِي كلامنا فِيهِ فقد يشبه الْمدَّة والخام الرقيقين وَلَكِن الْمدَّة تخَالفه بالنتن والخام يُخَالِفهُ باندماج أَجْزَائِهِ وَهُوَ يُخَالف كليهمَا باللطافة والخفة وَهَذَا الرسوب إِنَّمَا يطْلب فِي الْأَمْرَاض وَلَا يطْلب فِي حَال الصِّحَّة وَذَلِكَ لِأَن الْمَرِيض لَا يشك فِي احتباس مواد رَدِيئَة فِي بدنه فِي عروقه فَإِذا لم ينضج دلّ على الْفساد. وَأما الصَّحِيح فَلَيْسَ يجب دَائِما أَن يكون فِي عرقه خلط ينْتَقض بل الأولى أَن يدل ذَلِك مِنْهُم على فضول تفضل فيهم عَن الْغذَاء عديمة الهضم ثمَّ يفضل فضل يرسب فِي الْبَوْل نضيجاً أَو غير نضيج. والقضاف يقل فيهم الثفل الراسب فِي حَال الصِّحَّة وخصوصاً المزاولين للرياضات وَأَصْحَاب الصَّنَائِع المتعبة وَإِنَّمَا يكثر هَذَا الرسوب فِي أَبْوَال السمان المتدعين وَكَذَلِكَ أَيْضا لَا يجب أَن يتَوَقَّع فِي أَبْوَال المرضى القضاف من الرسوب مَا يتَوَقَّع فِي أبدان المرضى السمان فَإِن أُولَئِكَ كثيرا مَا تقلع أمراضهم وَلم يرسبوا شَيْئا وَكَثِيرًا مَا لَا يبلغ الرسوب فِي أبوالهم إِلَى أَن يتسفل بل رُبمَا كَانَ مِنْهُ شَيْء يسير طَاف أَو يتَعَلَّق وَلَيْسَ كَمَا يُقَال: كل بَوْل فانه يرسب إِلَّا الْبَوْل النضيج جدا بل يجب أَن يصبر عَلَيْهِ قَلِيلا هَذَا. وَأكْثر ألوان الرسوب فِي أَكثر الْأَمر يكون على لون الْبَوْل وأجود مَا خَالف الْأَبْيَض هُوَ الْأَحْمَر ثمَّ الْأَصْفَر. وَأما الرسوب الْغَيْر الطبيعي فَمِنْهُ خراطي نخالي أَو كرسني أَو دشيشي شَبيه بالزرنيخ
стр. 184
الْأَحْمَر والمشبع صفرَة وَمِنْه لحمي وَمِنْه دسمي وَمِنْه مدي وَمِنْه مخاطي وَمِنْه شَبيه بِقطع الخمير المنقوع وَمِنْه لحموي علقي وَمِنْه شعري وَمِنْه رملي حصوي وَمِنْه رمادي. والخراطي القشوري مِنْهُ صفائحي كبار الْأَجْزَاء بيض وحمر يدل فِي أَكثر الْأَمر على انفصالها من أَعْضَاء قريبَة من مفصل الْبَوْل وَهِي أَعْضَاء الْبَوْل. والأبيض يدل على أَنه من المثانة لقروح فِيهَا أَو جرب أَو تَأْكُل. والأحمر اللحمي على أَنه من الْكُلية وَقد يكون من الصفائحي مَا هُوَ كمد اللَّوْن أدكن أَو شَبيه بفلوس السّمك وَهَذَا أردأ جدا من جَمِيع أَصْنَاف الرسوب الَّذِي نذكرهُ وَيدل على انجراد صَفَائِح الْأَعْضَاء الْأَصْلِيَّة. وَأما الجنسان الْأَوَّلَانِ فكثيراً مَا يضرّان الْبَتَّةَ بل رُبمَا نقيا المثانة. وَقد حكى بَعضهم أَن رجلا سُقِي الذراريح فَبَال قشوراً بيضًا كالفرقىء وَكَانَت إِذا حلت فِي المائية انْحَلَّت وصبغت صبغاً أَحْمَر فبرأ وعاش. وَمن الخراطي مَا يكون أقل عرضا من الْمَذْكُورين وأثخن قواماً فَإِن كَانَ أَحْمَر سمي كرسنياً وَإِن لم يكن أَحْمَر سمي نخالياً والكرسني إِن كَانَ أَحْمَر فقد يكون أَجزَاء من الكبد محترقة وَقد يكون دَمًا محترقاً فِيهَا وَقد يكون من الْكُلية لَكِن الْكَائِن من الْكُلية أَشد اتِّصَالًا لحمياً وَالْآخر إِن أشبه بِمَا لَيْسَ بلحمي وَأَقْبل للتفتيت وَإِن كَانَ شَدِيد الضَّرْب إِلَى الصُّفْرَة فَهُوَ عَن الْكُلية لَا محَالة فَإِن الَّذِي عَن الكبد يضْرب إِلَى القتمة وَقد يُشَارِكهُ فِي هَذَا أَحْيَانًا الَّذِي عَن الْكُلية. وَأما النخالي فقد يكون من جرب المثانة وَقد يكون من ذوبان الْأَعْضَاء وَالْفرق بَينهمَا أَنه إِن كَانَ هُنَاكَ حكة فِي أصل الْقَضِيب ونتن فَهُوَ من المثانة وخصوصاً إِذا سبقه بَوْل مُدَّة وخصوصاً إِذا دلّ سَائِر الدَّلَائِل على نضج الْبَوْل فَتكون الْعُرُوق الْعَالِيَة صَحِيحَة المزاج لَا عِلّة بهَا بل بالمثانة وَأما إِن كَانَ مَعَ إلهاب وَضعف قُوَّة وسلامة أَعْضَاء الْبَوْل وَكَانَ اللَّوْن إِلَى الكمودة فَهُوَ من ذوبان خلط. وَأما السويقي والدشيشي فأكثره من احتراق الدَّم وَهُوَ إِلَى الْحمرَة وَقد يكون كثيرا من ذوبان الْأَعْضَاء وانجرادها إِن كَانَ إِلَى الْبيَاض وَقد يكون أَيْضا من المثانة الجربة فِي الْأَقَل وَأَنت يمكنك أَن تتعرف وَجه الْفرق بَينهمَا بِمَا قد علمت. وَأما إِن كَانَ إِلَى السوَاد فَهُوَ من احتراق الدَّم وخصوصاً فِي الطحال وَجَمِيع الرسوب الصفائحي الَّذِي لَا يكون عَن سَبَب فِي المثانة والكلية ومجاري الْبَوْل فَإِنَّهُ فِي الْأَمْرَاض الحادة رَدِيء مهلك وَقد عرفت من هَذِه الْجُمْلَة حَال اللحمي وَأَن أَكْثَره يكون من الْكُلية وَأَنه مَتى لَا يكون عَن الْكُلية فَإِنَّمَا يكون إِذا كَانَ اللحمِ صَحِيح اللحمية وَلَا ذوبان فِي الْبدن. وَالْبَوْل النضيج يدلّ على صِحَة الأوردة فَإِن علل الكِلية لَا تمنع نضج الْبَوْل لِأَن ذَلِك فَوْقهَا
стр. 185
وَأما الرسوب الدسمي فَيدل على ذوبان الشَّحْم وَالسمن وَاللَّحم أَيْضا. وأبلغه الشبيه بِمَاء الذَّهَب ويستدل على مبدئه من الْقلَّة وَالْكَثْرَة وَمن المخالطة والمفارقة فَإِنَّهُ إِذا كَانَ كثيرا متميزاً فاحدس أَنه من نَاحيَة الْكُلية لذوبان شحمها وَإِن كَانَ أقل وشديد المخالطة فَهُوَ من مَكَان أبعد وَإِذا رَأَيْت فِي الْبَوْل قِطْعَة بَيْضَاء مثل حب الرُّمَّان فَذَلِك من شَحم الْكُلية. وَأما المري فَيدل على قرحَة منفجرة وخصوصاً فِي أَعْضَاء الْبَوْل وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ هُنَاكَ ثفل مَحْمُود راسب. والمخاطي يدل على غليظ خام إِمَّا كثير فِي الْبدن أَو مَدْفُوع عَن اَلات الْبَوْل وبحران عرق النسا ووجع المفاصل. ويستدل عَلَيْهِ بالخفة عقبه وَرُبمَا لطف ورقه فَظن رسوباً مَحْمُودًا فَلذَلِك يجب أَن لَا يغتر فِي الْأَمْرَاض بِمَا يرى فِي هَيْئَة الرسوب الْمَحْمُود إِذْ لم يكن وَقت النضج وَلَا دلائله حَاضِرَة وَقد يدل على شدَّة برد من مزاج الكِلْية وَالْفرق بَين المدّي والخام أَن المدي يكون مَعَ نَتن وَتقدم دَلِيل ورم ويسهل اجْتِمَاع أَجْزَائِهِ وتفرقها وَيكون مِنْهُ مَا يخالط المائية جداَ وَمِنْه مَا يتَمَيَّز وَأما الخام فَإِنَّهُ كدرغليظ لَا يجْتَمع بسهولة وَلَا يتشتت بسهولة. وَالْبَوْل الَّذِي فِيهِ رسوب مخاطي كثير إِذا كَانَ غزيراً وَكَانَ فِي آخر النقرس وأوجاع المفاصل دلّ على خير. وَأما الرسوب الشعري فَهُوَ لانعقاد رُطُوبَة مستطيلة من حرارة فاعلة فِيهَا وَرُبمَا كَانَ أَبيض وَأما الشبيه بِقطع الخمير المنقوع فَيدل على ضعف الْمعدة والأمعاء وَسُوء الهضم فيهمَا وَرُبمَا كَانَ سَببه تنَاول اللَّبن والجبن. وَأما الرَّمْلِيّ فَيدل دَائِما على حَصَاة منعقدة أَو فِي الِانْعِقَاد أَو فِي الانحلال والأحمر مِنْهُ من الْكُلية وَالَّذِي لَيْسَ بأحمر هُوَ من المثانة. وَأما الرَّمَادِي فَأكْثر دلَالَته على بلغم أَو مُدَّة عرض لَهَا اللّّبْث تغير لون وتقطع أَجزَاء وَقد يكون لاحتراق عَارض لَهَا. وَأما الرسوب العلقي فَإِن كَانَ شَدِيد الممازجة دلّ على ضعف الكبد أَو دون ذَلِك دلّ على جِرَاحَة فِي مجاري الْبَوْل وتفرق اتِّصَال فِيهَا وَإِن كَانَ متميزاً فأكثره دلَالَة من المثانة والقضيب وسنستقصي هَذَا فِي الْأَمْرَاض الْجُزْئِيَّة فِي بَاب بَوْل الدَّم. وَإِذا كَانَ فِي الْبَوْل مثل علق أَحْمَر وَالْمَرِيض مطحول ذبل طحاله. وَاعْلَم أَنه لَا يخرج فِي علل المثانة دم كثير لِأَن عروقها مُخَالطَة مندسة فِي جرمها ضيقَة قَليلَة. وَأما دلَالَة الرسوب من كميته فإمَّا من كثرته وقلّته وَيدل على كَثْرَة السَّبَب الْفَاعِل لَهُ وقلته وَإِمَّا من مِقْدَاره فِي صغره وَكبره كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي الرسوب الخراطي. وَأما دلَالَته من كيفيته فإمَّا من لَونه فَإِن الْأسود مِنْهُ دَلِيل رَدِيء على الْأَقْسَام الَّتِي ذَكرنَاهَا وأسلمه مَا كَانَ الرسوب أسود والمائية لَيست بسوداء والأحمر يدل على الدموية وعَلى التخم والأصفر على شدَّة الْحَرَارَة وخبث
стр. 186
الْعلَّة والأبيض مِنْهُ مَحْمُود على مَا قُلْنَا وَمِنْه مَذْمُوم مخاطي ومدي أَو رغوي مضاد للنضج والأخضر أَيْضا طَرِيق إِلَى الْأسود. وَأما من رَائِحَته فعلى مَا سلف وَأما من وَضعه فَمن ملاسته وتشتته فَإِن الملاسة والاستواء فِي الرسوب الْمَحْمُود أَحْمد وَفِي المذموم أردأ. والتشتّت يدل على ريَاح وَضعف هضم. وَأما دلَالَته من مَكَانَهُ فَهُوَ إِمَّا أَن يكون عافياً وَيُسمى غماماً وَإِمَّا مُتَعَلقا وَهُوَ الْوَاقِف فِي الْوسط وَهُوَ أَكثر نضجاً من الأول وَخير الْمُتَعَلّق مَا مَال خمله وهدبه إِلَى أَسْفَل وَإِمَّا راسباً فِي الْأَسْفَل وَهُوَ أحس نضجاً هَذَا فِي الرسوب الْمَحْمُود. وَأما المذموم فاخفه أصلحه مثل الْأسود وَذَلِكَ فِي الحميات الحادة وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ الْخَلْط بلغمياً أَو سوداوياً فالسحابي خير من الراسب فَإِنَّهُ يدل على تلطيفه إِلَّا أَن يكون سَبَب الطفو الرّيح الْكَثِيرَة جدا وَإِذا لم يكن ذَلِك فَإِن الطافي مِنْهُ أسلم ثمَّ الْمُتَعَلّق وشره الراسب وَسبب الطفو حرارة مصعدة أَو ريح. والرسوب المتميز يطفو فِي الغليظ وخصوصاً إِذا خص ويرسب فِي الرَّقِيق خُصُوصا إِذا ثقل وَإِذا ظهر الْمُتَعَلّق والطافي فِي أول الْمَرَض ثمَّ دَامَ دلّ على أَن البحران يكون بالخراج لَكِن النحفاء قد يَنْقَضِي مرضهم برسوب مَحْمُود طَاف أَو متعلّق كَمَا ذكرنَا فِيمَا سلف. والطافي والمتعلق الدسومي إِذا كَانَ شَبِيها بنسج العنكبوت أَو تراكم الزلَال فَهُوَ عَلامَة رَدِيئَة. وكثيراَ مَا يظْهر ثفل طَاف غير جيد فيخاف مِنْهُ لكنه يكون ذَلِك ابْتِدَاء النضج ويحول إِلَى الْجَوْدَة ثمَّ يتَعَلَّق ثمَّ يرسب فَيكون دَلِيلا غير رَدِيء. وَأما إِذا تعقبته رسوبات رَدِيئَة فالخوف الَّذِي وَقع مِنْهُ فِي أول الْأَمر وَاجِب وَأما دلَالَة الرسوب من زَمَانه فَإِنَّهُ إِذا بيل فأسرع الرسوب فَهُوَ عَلامَة جَيِّدَة فِي النضج فَإِذا أَبْطَأَ أَو لم يرسب فَهُوَ دَلِيل عدم النضج بِقدر حَاله وَأما الدّلَالَة من هَيْئَة مخالطته فَكَمَا قُلْنَا فِي ذكر بَوْل الدَّم وَالدَّسم وَأَنت تعلم جَمِيع ذَلِك. الْفَصْل السَّابِع دَلَائِل كَثْرَة الْبَوْل وقلته الْبَوْل الْقَلِيل الْمِقْدَار يدل على ضعف القوى وَالَّذِي يقل عَن المشروب يدل على تحلل كثير أَو استطلاق بطن واستعداد للأستسقاء. وَكثير الْمِقْدَار قد يدل على ذوبان وعَلى استفراغ فضول ذائبة فِي الْبدن وَيدل على إِصَابَة الْفرق بَينهمَا بِحَال الْقُوَّة. وَالْبَوْل الرَّدِيء اللَّوْن الدَّال على الشَّرّ كلما كَانَ أغزر كَانَ أسلم وَإِذا كَانَ متقطعاً دلّ على الشَّرّ أَكثر كالأسود والغليظ. وَالْبَوْل الْمُخْتَلف الْأَحْوَال الَّذِي تَارَة يبال كثيرا وَتارَة يبال قَلِيلا وَتارَة يحتبس هُوَ دَلِيل جِهَاد مُتْعب من الغريزة وَهُوَ دَلِيل رَدِيء. وَالْبَوْل الغزير فِي الْأَمْرَاض الحادة إِذا لم يعقب رَاحَة فَهُوَ من دَلِيل دق أَو تشنج من التهاب وَكَذَلِكَ الْعرق وَالْبَوْل الَّذِي يقطر فِي الْأَمْرَاض الحادة قَطْرَة قَطْرَة من غير إدرار يدل على آفَة فِي الدِّمَاغ تأدت إِلَى العصب والعضل فَإِن
стр. 187
كَانَ الْحمى سَاكِنة وَهُنَاكَ دَلَائِل السَّلامَة أنذر برعاف. وَالْأول على اخْتِلَاط الْعقل وَفَسَاد الذِّهْن. واذا قل بَوْل الصَّحِيح ورق ودام ذَلِك وأحس بثقل ووجع فِي الْقطن دلّ على ورم صلب بنواحي الْكُلية وَإِذا غزر الْبَوْل فِي عِلّة القولنج فَرُبمَا يبشر بإقبال خَاصَّة إِذا كَانَ أَبيض سهل الْخُرُوج. الْفَصْل الثَّامِن الْبَوْل النضيج الصحي الْفَاضِل هُوَ معتدل القوام لطيف الصَّبْغ إِلَى الأترجية مَحْمُود الرسوب إِن كَانَ فِيهِ على الصّفة الْمَذْكُورَة من الْبيَاض والخفة والملاسة والاستواء وإستدارة الشكل وَتَكون الرَّائِحَة معتدلة لَا مُنْتِنَة وَلَا خامدة وَمثل هَذَا الْبَوْل إِذا رُؤِيَ قي مرض فِي غَايَة الحدة دفْعَة دلّ على إفراق يكون فِي الْيَوْم الثَّانِي وَأَنت تعرف ذَلِك. أَبْوَال الْإِنْسَان الْأَطْفَال أبوالهم تضرب إِلَى اللبنية من جِهَة غذائهم ورطوبة مزاجهم وَيكون أميل إِلَى الْبيَاض. وَالصبيان بَوْلهمْ أغْلظ وأثخن من بَوْل الشبَّان وَأكْثر بثوراً وَقد ذكرنَا هَذَا من قبل. وَبَوْل الشبَّان إِلَى النارية واعتدال القوام. وَبَوْل الكهول إِلَى الْبيَاض والرقة وَرُبمَا كَانَ غليظاً بِحَسب فضول فيهم يأكثر استفراغها. وَبَوْل الْمَشَايِخ أَشد رقة وبياضاً ويعرض لَهُم الغلظ الْمَذْكُور ندرة. لماذا كَانَ بَوْلهمْ شَدِيد الغلظ كَانُوا بِعرْض حُدُوث الْحَصَاة فيهم.
(الْفَصْل الْعَاشِر أَبْوَال النِّسَاء وَالرِّجَال)
بَوْل النِّسَاء على كل حَال أغْلظ وَأَشد بَيَاضًا وَأَقل رونقاً من بَوْل الرِّجَال وَذَلِكَ لِكَثْرَة فضولهن وَضعف هضمهن وسعة منافذ مَا ينْدَفع عَنْهُن وَلما يتَحَلَّل إِلَى آلَات أبوالهن من أرحامهن. ثمَّ اعْلَم أَن بَوْل الرِّجَال إِذا حركته فكدر مَالَتْ كدرته إِلَى فَوق وَهُوَ فِي الْأَكْثَر يكدر. وَبَوْل النِّسَاء لَا يكدره التحريك لقلَّة تميزه وَيكون فِي الْأَكْثَر على رَأسه زبد مستدير وَإِن تكدر كَانَ قَلِيل الكدر. وَبَوْل الرجل على أثر جمَاعه فِيهِ خيوط منتسج بَعْضهَا فِي بعض. وَبَوْل الحبالى صَاف عَلَيْهِ ضباب فِي رَأسه وَرُبمَا كَانَ على لون مَاء الحمص وَمَاء الأكارع أصفر فِيهِ زرقة وعَلى رَأسه ضباب وَكَيف كَانَ فَيرى فِي وَسطه كقطن منفوش وَكَثِيرًا مَا يكون مثل الْحبّ ينزل ويصعد. وَإِن كَانَت الزرقة شَدِيدَة الظُّهُور فَهُوَ أول الْحمل وَأَن كَانَ بدلهَا حمرَة فَهُوَ آخِره وخصوصاً إِذا كَانَ يتكدر بالتحريكء وَبَوْل النُّفَسَاء فِي الْأَكْثَر يكون أسود فِيهِ كالمداد والسخام. الْفَصْل الْحَادِي عشر أَبْوَال الْحَيَوَانَات اللامتحان وَبَيَان مخالقتها لأبوال النَّاس فَنَقُول: رُبمَا انْتفع الطَّبِيب عِنْد وُقُوفه على أَبْوَال الْحَيَوَانَات فِيمَا يجرب بِهِ إِذا اتّفق أَن
стр. 188
أصَاب وَذَلِكَ عسر قَالُوا: إِن بَوْل الْجمال يكون فِي القارورة كالسمن الذائب مَعَ كدورة وَغلظ من خَارج وَبَوْل الدَّوَابّ يُشبههُ لكنه أصفى ويخيل أَن نصف قارورته الْأَعْلَى صَاف وَنصفه الْأَسْفَل كدر. وَبَوْل الْغنم أَبيض فِي صفرَة قريب من بَوْل النَّاس وَلَكِن لَيْسَ لَهُ قوام وثفله كالدهن أَو كثفل الدّهن وَكلما كَانَ غذاؤه أَجود فَهُوَ أصفى. وَبَوْل الظبي يشبه بَوْل الْغنم الْفَصْل الثَّانِي عشر أَشْيَاء سيّالة تشبه الأبوال والتفرقة بَينهَا وَبَين الأبوال اعْلَم أَن السكنجبين وَجَمِيع السيّالات من مَاء الْعَسَل وَمَاء التِّين وَغير ذَلِك من مَاء الزَّعْفَرَان وَنَحْوه كلما قربت مِنْهُ ازدادت صفاء. وَالْبَوْل بِالْخِلَافِ. وَمَاء الْعَسَل أصفر الزّبد وَمَاء التِّين يرسب ثفله من جَانب لَا فِي الْوسط وَلَا بالهندام وَلَا حَرَكَة لَهُ. فَلْيَكُن هَذَا الْمبلغ كَافِيا فِي ذكر أَحْوَال الْبَوْل. وسيأتيك فِي الْكتب الْجُزْئِيَّة تَفْصِيل آخر للبول. الْفَصْل الثَّالِث عشر دَلَائِل البرَاز البرَاز قد يسْتَدلّ من كميته بِأَن ينظر أَنه أقل من المطعوم أَو أَكثر أَو مسَاوٍ وَمن الْمَعْلُوم أَن زِيَادَته بِسَبَب أخلاط كَثِيرَة وقلته لقلتهَا أَو لاحتباس كثير مِنْهُ فِي الْأَعْوَر والقولون أَو اللفائف وَذَلِكَ من مُقَدمَات القولنج ويدلّ على ضعف الْقُوَّة الدافعة وَقد يسْتَدلّ من قوامه: فَيدل الرطب مِنْهُ إِمَّا على سدد وَإِمَّا على سوء هضم وَقد يدل على ضعف من الجداول فَلَا تمتص الرُّطُوبَة وَقد يكون لنزلات من الرَّأْس أَو لتناول شَيْء مرطب للبراز. وَأما اللزوجة من الرطب فقد تدل على الذوبان وَذَلِكَ يكون مَعَ نَتن وَقد تدلّ على كَثْرَة أخلاط رَدِيئَة لزجة وَذَلِكَ لَا يكون مَعَ فضل نَتن وَقد تدل على أغذية لزجة تنوولت غير قَليلَة مَعَ حرارة قَوِيَّة فِي المزاج لم يجد بَينهمَا الهضم. أما الزُّبْدِيُّ مِنْهُ فَإِنَّهُ يدل على غليان من شدَّة الْحَرَارَة أَو على مُخَالطَة من ريَاح كَثِيرَة.
стр. 189
وَأما الْيَابِس من البرَاز فَيدل على تَعب وتحلل أَو على كَثْرَة درور الْبَوْل أَو على حرارة نارية أَو يبس أغذية أَو طول لبث فِي المعي على مَا سنصفه فِي بَابه وَإِذا خالط الْيَابِس الصلب رُطُوبَة دلّ على أَن يبسه لطول احتباسه فِي رطوبات مَانِعَة لَهُ من البروز وَعدم مرار لاذع معجل وَإِذا لم يكن هُنَاكَ طول احتباس وَلَا عَلَامَات رُطُوبَة فِي الأمعاء فالسبب فِيهِ انصباب فضل صديدي لاذع انصب من الكبد مِمَّا يَلِيهِ وَلم يُمْهل بلذعه ريث أَن يخْتَلط. وَقد يسْتَدلّ من لون البرَاز: ولونه الطبيعي نَارِي خَفِيف النارية فان اشْتَدَّ دلّ على كَثْرَة المرار وَإِن نقص دلّ على الفجاجة وَعدم النضج وَإِن أَبيض فَرُبمَا كَانَ بياضه بِسَبَب سدة من مجْرى المرار فَيدل ذَلِك على يرقان وَإِن كَانَ مَعَ الْبيَاض قيح لَهُ ريح المدَة فَإِنَّهُ يدلّ على انفجار دبيلة. وَكَثِيرًا مَا يجلس الصَّحِيح المتدع التارك للرياضة صديدياً ومدياً فَيكون ذَلِك استنقاء وَاعْلَم أَن اللَّوْن الناري المفرط جماً من البرَاز كثيرا مَا يدل فِي وَقت مُنْتَهى الْأَمْرَاض على النضج وَكَثِيرًا مَا يدل على رداءة الْحَال وَالْأسود يدلّ على مثل دَلَائِل الْبَوْل الْأسود فَإِنَّهُ يدل على احتراق شَدِيد أَو على نضج مرض سوداوي أَو على تنَاول صابغ أَو على شرب مستفرغ للسوداء. وَالْأول هُوَ الرَّدِيء والكائن عَن السَّوْدَاء الصّرْف لَيْسَ يَكْفِي أَن يسْتَدلّ عَلَيْهِ من لَونه بل من حموضته وعفوصته وغليان الأَرْض مِنْهُ وَهُوَ رَدِيء برازاً أَو قياً وَمن خواصه أَن لَهُ بريقاً. وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن الْخَلْط السوداوي الصّرْف قَاتل فِي أَكثر الْأَمر لِخُرُوجِهِ أَي دَلِيل على الْهَلَاك. وَأما الكيموس الاسود فكثيراً مَا يَقع خُرُوجه وَذَلِكَ لِأَن خُرُوج السَّوْدَاء الاصلية يدل على غَايَة احتراق الْبدن وفناء رطوباته. وَأما البرَاز الْأَخْضَر فَإِنَّهُ يدلّ على انطفاء الغريزة والكمد كَذَلِك وَقد يستدلّ من هَيْئَة البرَاز أَيْضا فِي الضمود والانتفاخ فَإِن الانتفاخ كزبل الْبَقر يدلّ على ريح وَقد يستدلّ من وقته فَإِن البرَاز إِذا أسْرع خُرُوجه وَتقدم الْعَادة فَهُوَ دَلِيل رَدِيء يدل على كَثْرَة مرَارَة وَضعف قوّة ماسكة وَإِن أَبْطَأَ خُرُوجه دلّ على ضعف الهاضمة وَبرد الأمعاء وَكَثْرَة الرُّطُوبَة. وَالصَّوْت يدل على ريَاح نافخة والألوان الْمُنكرَة والمختلفة رَدِيئَة وسنذكرها فِي الْكتاب الجزئي. وَأفضل البرَاز الْمُجْتَمع الْمُتَشَابه الْأَجْزَاء الشَّديد اخْتِلَاط المائية باليبوسة الَّذِي ثخنه كثخن الْعَسَل وَهُوَ سهل الْخُرُوج لَا يلذع ولونه إِلَى الصُّفْرَة غير شَدِيد النتن وَلَا دعامة غير فِي بقابق وقراقر وَغير ذِي زبدية وَهُوَ الَّذِي خُرُوجه فِي الْوَقْت الْمُعْتَاد بِمِقْدَار تقَارب الْمَأْكُول فِي الكمية. وَاعْلَم أَنه لَيْسَ كل اسْتِوَاء برَاز مَحْمُود وَلَا كل ملاسة فَإِنَّهُمَا رُبمَا كَانَا للنضج الْبَالِغ الْمُتَشَابه فِي كل جُزْء وَرُبمَا كَانَا لاحتراق وذوبان متشابه وهما حِينَئِذٍ من شَرّ العلامات. وَاعْلَم أَن البرَاز المعتدل القوام الَّذِي هُوَ الى الرقة انما يكون مَحْمُودًا إِذا لم يكن مَعَ قراقر ريَاح وَلَا كَانَ مُنْقَطع الْخُرُوج قَلِيلا قَلِيلا وَإِلَّا فَيجوز أَن يكون اندفاعه لصديد يخالطه مزعج فَلَا يذره يجْتَمع هَذَا وَقد يُرَاعِي عَلَامَات تظهر فِي الْعُرُوق وَفِي أَشْيَاء أخر إِلَّا أَن الْكَلَام فِيهَا أخص بالْكلَام الجزئي وَكَذَلِكَ نجد فِي الْكَلَام الجزئي فضل شرح لأمر البرَاز وَالْبَوْل وَغير ذَلِك فَافْهَم جَمِيع مَا بَينا.
стр. 190
الْفَنّ الثَّالِث يشْتَمل على فصل وَاحِد وَخَمْسَة تعاليم الْفَصْل الْمُفْرد قي سَبَب الصِّحَّة وَالْمَرَض وضرورة الْمَوْت اعْلَم أَن الطبّ يَنْقَسِم بِالْقِسْمَةِ الأولى إِلَى جزأين: جُزْء نَظَرِي وجزء عَمَلي وَكِلَاهُمَا علم وَنظر لكنّ الْمَخْصُوص بإسم النظري هُوَ الَّذِي يُفِيد علم آراء فَقَط من غير أَن يُفِيد علم عمل البتّة مثل الْجُزْء الَّذِي يعلم فِيهِ أَمر الأمزاج والأخلاط والقوى وأصناف الْأَمْرَاض والأعراض والأسباب. والمخصوص باسم العملي هُوَ الَّذِي يُفِيد علم كَيْفيَّة الْعَمَل وَالتَّدْبِير مثل الْجُزْء الَّذِي يعلمك أَنَّك كَيفَ تحفظ صحّة بدن بِحَال كَذَا أَو كَيفَ تعالج بدناً بِهِ مرض كَذَا وَلَا تَظنن أَن الْجُزْء العملي هُوَ الْمُبَاشرَة وَالْعَمَل بل الْجُزْء الَّذِي يتعقم فِيهِ علم الْمُبَاشرَة وَالْعَمَل وَكُنَّا قد عرفناك هَذَا فِيمَا سلف وَقد فَرغْنَا فِي الْفَنّ الأول من الْجُزْء النظري الْكُلِّي من الطِّبّ. وَنحن نصرف ذكرنَا فِي الباقيين إِلَى الْجُزْء العملي مِنْهُ على نَحْو كلي. والجزء العملي مِنْهُ يَنْقَسِم قسمَيْنِ: أحداهما: علم تَدْبِير الْأَبدَان الصَّحِيحَة أَنه كَيفَ يحفظ عَلَيْهَا صِحَّتهَا وَذَلِكَ يُسمى علم حفظ الصِّحَّة. وَنحن نبدأ ونكتب فِي هَذَا الْفَنّ موجزاً من الْكَلَام فِي حفظ الصِّحَّة فَنَقُول: إِنَّه لما كَانَ المبدأ الأول لتَكون أبداننا شَيْئَيْنِ: أحداهما: الْمَنِيّ من الرجل والأصحّ من أمره أَنه قَائِم مقَام الْفَاعِل. وَالثَّانِي: مني الْمَرْأَة وَدم الطمث وَالأَصَح من أمره أَنه قَائِم مقَام الْمَادَّة. وَهَذَانِ الجوهران مشتركان فِي أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا سيال رطب وَإِن اخْتلفَا بعد ذَلِك وَكَانَت المائية والأرضية فِي الدَّم ومني الْمَرْأَة أَكثر. والهوائية والنارية فِي مني الرجل أغلب وَجب أَن يكون أول انْعِقَاد هذَيْن انعقاداً رطبا وَإِن كَانَت الأرضية والنارية موجودتين أَيْضا فِيمَا تكون مِنْهُمَا وَكَانَت الأرضية بِمَا فِيهَا من الصلابة والنارية بِمَا فِيهَا من الإنضاج قد تعاونا فصلبتا المنعقد وعقدتاه فضل تصليب وتعقيد لكنه لَيْسَ يبلغ ذَلِك حدٌ انْعِقَاد الْأَجْسَام الصلبة مثل الْحِجَارَة والزجاج حَتَّى لَا يتَحَلَّل مِنْهُمَا شَيْء أَو يكون يتحلّل شَيْء غير محسوس فَيكون فِي أَمن من الأفات الْعَارِضَة لسَبَب التَّحَلُّل دَائِم أَو طَوِيل الزَّمَان جدا. وَلَيْسَ الْأَمر هَكَذَا وَلذَلِك فَإِن أبداننا معرضة لنوعين من الْآفَات وكل وَاحِد مِنْهُمَا لَهُ سَبَب من دَاخل وَسبب من خَارج. وَأحد نَوْعي الافة هُوَ تحفل الرُّطُوبَة الَّتِي مِنْهَا خلقنَا وَذَا وَاقع بالتدريج. وَالثَّانِي تعفّن الرُّطُوبَة وفسادها وتغيّرها عَن الصلوح لإمداد الْحَيَاة وَهَذَا غير الْوَجْه
стр. 191
الأول وَإِن كَانَ يُؤْذِي تأذية ذَلِك إِلَى الْجَفَاف بِأَن يفْسد أَولا الرُّطُوبَة وَيُخَالف هَيْئَة صلوحيتها لأبداننا ثمَّ اَخر الْأَمر يتَحَلَّل عَن التعفّن فَإِن العفونة تفِيد أَولا الرُّطُوبَة ثمَّ تحللها وَتَذَر الشَّيْء الْيَابِس الرَّمَادِي. وَهَاتَانِ الآفتان خارجتان عَن الْآفَات اللاحقة من أَسبَاب أُخْرَى كَالْبردِ المجمد والسموم وأنواع تفرق الِاتِّصَال المهلك وَسَائِر الْأَمْرَاض. ولكنّ النَّوْعَيْنِ الْمَذْكُورين أخص تسخيناً هَذَا وَأَحْرَى أَن نعتبرهما فِي حفظ الصِّحَّة وكل وَاحِد مِنْهُمَا يَقع من أَسبَاب خَارِجَة وَمن أَسبَاب باطنة. أما الْأَسْبَاب الْخَارِجَة: فَمثل الْهَوَاء الْمُحَلّل والمعفّن. وَأما الْأَسْبَاب الْبَاطِنَة: فَمثل الْحَرَارَة الغريزية الَّتِي فِينَا المحلّلة لرطوباتنا والحرارة الغريبة المتولدة فِينَا عَن أغذيتنا وَغَيرهَا المتعفنة. وَهَذِه الْأَسْبَاب كلهَا متعاونة على تجفيفنا بل أول أستكمالنا وبلوغنا وتمكننا من أفاعيلنا يكون بجفاف كثير يعرض لنا ثمَّ يسْتَمر الْجَفَاف إِلَى أَن يتم وَهَذَا الْجَفَاف الذْي يعرض لنا أَمر ضَرُورِيّ لَا بُد مِنْهُ فَإنَّا من أول الْأَمر مَا نَكُون فِي غَايَة الرُّطُوبَة وَيجب لَا محَالة أَن تكون حرارتنا مستولية عَلَيْهَا وَإِلَّا احتقنت فِيهَا فَهِيَ تفعل فِيهَا لَا محَالة دائمة وتجففها دَائِما وَيكون أول مَا يظْهر من تجفيفها هُوَ إِلَى الِاعْتِدَال ثمَّ إِذا بلغت أبداننا إِلَى الْحَد المعتدل من الْجَفَاف والحرارة بِحَالِهَا لَا يكون التجفيف بِقدر التجفيف الأول بل أقوى لِأَن الْمَادَّة أقل فَهِيَ أقبل فَيُؤَدِّي لَا محَالة إِلَى أَن يزْدَاد التجفيف على المعتدل فَلَا يزْدَاد لَا محَالة إِلَى أَن تفنى الرطوبات فَتَصِير الْحَرَارَة الغريزية بِالْعرضِ سَببا لإطفاء نَفسهَا إِذْ صَارَت سَببا لإفناء مادتها كالسراج الَّذِي يطفأ إِذا أفنيت مادته وَكلما أَخذ التجفيف فِي الزِّيَادَة أخذت الْحَرَارَة فِي النُّقْصَان فَعرض دَائِما عجز مُسْتَمر إِلَى الإمعان وَعجز عَن استبدال الرُّطُوبَة بدل مَا يتَحَلَّل متزايداً دَائِما فَيَزْدَاد التجفيف من وَجْهَيْن: أحداهما: لتناقص لُحُوق الْمَادَّة وَالْآخر لتناقص الرُّطُوبَة فِي نَفسهَا بتحليل الْحَرَارَة فَيَزْدَاد ضعف الْحَرَارَة لاستيلاء اليبوسة على جَوْهَر الْأَعْضَاء ونقصان الرُّطُوبَة الغريزية الَّتِي هِيَ كالمادة وكالدهن للسراج لِأَن السراج لَهُ رطوبتان مَاء ودهن يقوم بِأَحَدِهِمَا وينطفىء بِالْآخرِ كَذَلِك الْحَرَارَة الغريزية تقوم بالرطوبة الغريزية وتختنق بالغريبة وازدياد الرُّطُوبَة الغريبة الَّتِي هِيَ عَن ضعف الهضم الَّتِي هِيَ كالرطوبة المائية للسراج فَإِذا تمّ الْجَفَاف طفئت الْحَرَارَة وَكَانَ الْمَوْت الطبيعي. وَإِنَّمَا بَقِي الْبدن مُدَّة بَقَائِهِ لَا لِأَن الرُّطُوبَة الطبيعية الأولية قاومت تَحْلِيل حرارة الْعَالم وحرارة بدنه فِي غريزته وَمَا يحدث من حركاته هَذِه المقاومة المديدة فَإِنَّهَا أَضْعَف مقاومة من ذَلِك لَكِن إِنَّمَا أَقَامَهَا الِاسْتِبْدَال بدل مَا يتَحَلَّل مِنْهَا وَهُوَ الْغذَاء. ثمَّ قد بَينا أَن الْغذَاء إِنَّمَا تتصرّف فِيهِ الْقُوَّة وتستعمله إِلَى حد وصناعة حفظ الحصّة لَيست صناعَة تضمن الْأمان عَن الْمَوْت وَلَا تخلص الْبدن عَن الأفات الْخَارِجَة وَلَا أَن تبلغ بِكُل بدن غَايَة طول الْعُمر الَّذِي يحب الْإِنْسَان مُطلقًا بل إِنَّمَا تضمن أَمريْن: منع العفونة أصلا وحماية الرُّطُوبَة كي لَا يسْرع إِلَيْهَا التحلّل وَفِي قوتها أَن تبقى إِلَى مُدَّة تقتضيها بِحَسب مزاجها الأول وَيكون ذَلِك بِالتَّدْبِيرِ الصَّوَاب فِي استبدال الْبدن بدل مَا يتحلّل مِقْدَار الْمُمكن.
стр. 192
وَالتَّدْبِير الْمَانِع من اسْتِيلَاء أَسبَاب مُعجلَة للتجفيف دون الْأَسْبَاب الْوَاجِبَة للتجفيف وبالتدبير المحرز عَن تولّد العفونة لحماية الْبدن وحراسته عَن اسْتِيلَاء حرارة غَرِيبَة خَارِجا أَو دَاخِلا إِذْ لَيست الْأَبدَان كلهَا مُتَسَاوِيَة فِي قُوَّة الرُّطُوبَة الْأَصْلِيَّة والحرارة الْأَصْلِيَّة بل الْأَبدَان مُخْتَلفَة فِي ذَلِك وَلكُل بدن حد فِي مقاومة الْجَفَاف الْوَاجِب يَقْتَضِيهِ مزاجه وحرارته الغريزية. وَمِقْدَار رطوبته الغريزية لَا يتعداه وَلَكِن قد يسْبق بِوُقُوع أَسبَاب مُعينَة على التجفيف أَو مهلكة بِوَجْه اَخر وَكثير من النَّاس يَقُول: إِن الْآجَال الطبيعية هِيَ هَذِه وَإِن الْآجَال العرضية هِيَ الآخرى وَكَأن صناعَة حفظ الصِّحَّة هِيَ المبلغة بدن الْإِنْسَان هَذَا السنّ الَّذِي يُسمى أَََجَلًا طبيعياً على حفظ للملائمات وَقد وكل بِهَذَا الْحِفْظ قوتان يَخْدُمهُمَا الطَّبِيب: إِحْدَاهمَا طبيعية: وَهِي الغاذية فَتخلف بدل مَا يتَحَلَّل من الْبدن الَّذِي جوهره إِلَى الأرضية والمائية. وَالثَّانيَِة حيوانية: وَهِي الْقُوَّة النابضة لتخلف بدل مَا يتَحَلَّل من الرّوح الَّذِي جوهره هوائي نَارِي. وَلما لم يكن الْغذَاء شَبِيها بالمغتذي بِالْفِعْلِ خلقت الْقُوَّة الْمُغيرَة لتغير الأغذية إِلَى مشابهة المغتذيات بل إِلَى كَونهَا غذَاء بِالْفِعْلِ وبالحقيقة وَخلق لذَلِك آلَات ومجار هِيَ للجذب وَالدَّفْع والإمساك والهضم. فَنَقُول: إِن ملاك الْأَمر فِي صناعَة حفظ الصِّحَّة هُوَ تَعْدِيل الْأَسْبَاب الْعَامَّة اللَّازِمَة الْمَذْكُورَة - وَأكْثر الْعِنَايَة بهَا هُوَ فِي تَعْدِيل أُمُور سَبْعَة: تَعْدِيل المزاج وَاخْتِيَار مَا يتَنَاوَل وتنقية الفضول وَحفظ التَّرْكِيب وَإِصْلَاح المستنشق وَإِصْلَاح الملبوس وتعديل الحركات الْبَدَنِيَّة والنفسانية. وَيدخل فِيهَا بِوَجْه مَا النّوم واليقظة. وَأَنت تعرف مِمَّا سلف بَيَانه أَنه لَا الِاعْتِدَال حد وَاحِد وَلَا الصِّحَّة وَلَا أَيْضا كل وَاحِد من المزاج دَاخل فِي أَن يكوق صِحَة مَا واعتدالاَ مَا فِي وَقت مَا بل الْأَمر بَين الْأَمريْنِ. فلنبدأ أَولا بتدبير الْمَوْلُود المعتدل المزاج فِي الْغَايَة.
стр. 193
التَّعْلِيم الأول التربية وَهُوَ أَرْبَعَة فُصُول: الْفَصْل الأول تَدْبِير الْمَوْلُود كَمَا يُولد إِلَى أَن ينْهض أما تَدْبِير الْحَوَامِل واللواتي يقاربن الْولادَة فسنكتبه فِي الأقاريل الْجُزْئِيَّة وَأما الْمَوْلُود المعتدل المزاج إِذا ولد فقد قَالَ جمَاعَة من الْفُضَلَاء: أَنه يجب أَن يبْدَأ أول شَيْء بِقطع سرته فَوق أَربع أَصَابِع وتربط بصوف نقي فتل فَتلا لطيفاً كي لَا يؤلم وتوضع عَلَيْهِ خرقَة مغموسة فِي الزَّيْت. وَمِمَّا أَمر بِهِ فِي قطع السُّرَّة أَن يُؤْخَذ الْعُرُوق الصفر وَدم الْأَخَوَيْنِ والأنزروت والكمون والأشنة والمر أَجزَاء سَوَاء تسحق وَتَذَر على سرته ويبادر إِلَى تمليح بدنه بِمَاء الْملح الرَّقِيق لتصلب بَشرته وتقوى جلدته. وَأصْلح الأملاح مَا خالطه شَيْء من شادنج وقسط وسماق وحلبة
стр. 194
وصعتر وَلَا يملح أَنفه وَلَا فَمه. وَالسَّبَب فِي إيثارنا تصليب بدنه أَنه فِي أول الْأَمر يتَأَذَّى من كل ملاق يستخشنه ويستبرده وَذَلِكَ لرقة بَشرته وحرارته فَكل شَيْء عِنْده بَارِد وصلب وخشن وَإِن احتجنا أَن نكرر تمليحه وَذَلِكَ إِذا كَانَ كثير الْوَسخ والرطوبة فعلنَا ثمَّ نغسله بِمَاء فاتر وننقي مَنْخرَيْهِ دائماَ بأصابع مقلمة الْأَظْفَار ونقطر فِي عَيْنَيْهِ شَيْئا من الزَّيْت ويدغدغ دبره بالخنصر لينفتح ويتوقى أَن يُصِيبهُ برد وَإِذا سَقَطت سرته وَذَلِكَ بعد ثَلَاثَة أَيَّام أَو أَرْبَعَة فالأصوب أَن يذر عَلَيْهِ رماد الصدف أَو رماد عرقوب الْعجل أَو الرصاص المحرق مسحوقاً أَيهَا كَانَ بِالشرابِ. وَإِذا أردنَا أَن نقمطه فَيجب أَن تبدأ الْقَابِلَة وتمس أعضاءه بالرفق فتعرض مَا يستعرض وتدق مَا يستدق وتشكّل كل عُضْو على أحسن شكله كل ذَلِك بغمز لطيف بأطراف الْأَصَابِع. ويتوالى فِي ذَلِك معاودات مُتَوَالِيَة وتديم مسح عَيْنَيْهِ بِشَيْء كالحرير وغمز مثانته ليسهل انْفِصَال الْبَوْل عَنْهَا ثمَّ نفرش يَدَيْهِ وتلصق ذِرَاعَيْهِ بركبتيه وتعمّمه أَو تقلنسه بقلنسوة مهندمة على رَأسه وتنومه فِي بَيت معتدل الْهَوَاء لَيْسَ ببارد وَلَا حَار وَيجب أَن يكون الْبَيْت إِلَى الظل والظلمة مَا هُوَ لَا يسطع فِيهِ شُعَاع غَالب. وَيجب أَن يكون رَأسه فِي مرقده أَعلَى من سَائِر جسده ويحفر أَن يلوي مرقده شَيْئا من عُنُقه وأطرافه وصلبه. وَيجب أَن يكون إحمامه بِالْمَاءِ المعتدل صيفاً وبالمائل إِلَى الْحَرَارَة الْغَيْر اللاذعة شتاء وَأصْلح وَقت يغسل ويستحم بِهِ هُوَ بعد نَومه الأطول وَقد يجوز أَن يغسل فِي الْيَوْم مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثَة وَأَن ينْقل بالتدريج إِلَى مَا هُوَ أضْرب إِلَى الفتور إِن كَانَ الْوَقْت صيفاً. وَأما فِي الشتَاء فَلَا يفارقن بِهِ المَاء المعتدل الْحَرَارَة وَإِنَّمَا يحمّم مِقْدَار مَا وَيجب أَن يكون أَخذه وَقت الْغسْل على هَذِه الصّفة وَهُوَ أَن يُؤْخَذ بِالْيَدِ الْيُمْنَى على الذِّرَاع الْأَيْسَر معتمداَ على صَدره دون بَطْنه ويجتهد فِي وَقت الْغسْل أَن تمس راحتاه ظَهره وَقدمه رَأسه بلطف وبرفق ثمَّ تنشفه بِخرقَة ناعمة وتمسحه بالرفق وتضجعه أَولا على بَطْنه ثمَّ على ظَهره وَلَا يزَال مَعَ ذَلِك يمسح ويغمز وَيشكل ثمَّ يرد فيعصب فِي خرقَة ويقطر فِي أَنفه الزَّيْت العذب فَإِنَّهُ يغسل عَيْنَيْهِ وطبقاتهما. الْفَصْل الثَّانِي تَدْبِير الْإِرْضَاع وَالنَّقْل أما كَيْفيَّة إرضاعة وتغذيبته فَيجب أَن يرضع مَا أمكن بِلَبن أمه فَإِنَّهُ أشبه الأغذية بجوهر
стр. 195
مَا سلف من غذائه وَهُوَ فِي الرَّحِم أَعنِي طمث أمه فَإِنَّهُ بِعَيْنِه هُوَ المستحيل لَبَنًا وَهُوَ أقبل لذَلِك وآلف لَهُ حَتَّى إِنَّه قد صَحَّ بالتجربة أَن لقامه حلمة أمه عَظِيم النَّفْع جدا فِي دفع مَا يُؤْذِيه وَيجب أَن يُكتفى بإرضاعه فِي الْيَوْم مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا وَلَا يبْدَأ فِي أول الْأَمر فِي إرضاعه بإرضاع كثير على أَنه يسْتَحبّ أَن تكون من ترْضِعه فِي أول الْأَمر غير أمه حَتَّى يعتدل مزاج أمه والأجود أَن يلعق عسلاً ثمَّ يرضع. وَيجب أَن يحلب من اللَّبن الَّذِي يرضع مِنْهُ الصَّبِي فِي أول النَّهَار حلبتان أَو ثَلَاثَة ثمَّ يلقم الحلمة وخصوصاً إِذا كَانَ بِاللَّبنِ عيب وَالْأولَى بِاللَّبنِ الرَّدِيء والحريف أَن لَا ترضعها الْمُرضعَة وَهِي على الرِّيق وَمَعَ ذَلِك فانه من الْوَاجِب أَن يلْزم الطِّفْل شَيْئَيْنِ نافعين أَيْضا لتقوية مزاجه: أَحدهمَا: التحريك اللَّطِيف وَالْآخر: الموسيقى والتلحين الَّذِي جرت بِهِ الْعَادة لتنويم الْأَطْفَال. وبمقدار قبُوله لذَلِك يُوقف على تهيئة للرياضة والموسيقى: أَحدهمَا بِبدنِهِ وَالْآخر بِنَفسِهِ فَإِن مَنَعَ عَن إرضاعة لبن والدته مَانع من ضعف وَفَسَاد لَبنهَا أَو ميله إِلَى الرقة فَيَنْبَغِي أَن يخْتَار لَهُ مُرْضِعَة على الشَّرَائِط الَّتِي نصفهَا بَعْضهَا فِي سنّها وَبَعضهَا فِي سحنتها وَبَعضهَا فِي أخلاقها. وَبَعضهَا فِي هَيْئَة ثديها وَبَعضهَا فِي كَيْفيَّة لَبنهَا وَبَعضهَا فِي مِقْدَار مُدَّة مَا بَينهَا وَبَين وَضعهَا وَبَعضهَا من جنس مولودها وَإِذا أصبت شرائطها فَيجب أَن يجاد غذاؤها فَيجْعَل من الْحِنْطَة والخندريس وَلُحُوم الخرفان والجداء والسمك الَّذِي لَيْسَ بعفن اللَّحْم وَلَا صلبه. والخس غذَاء مَحْمُود واللوز أَيْضا والبندق.
стр. 196
وشرّ الْبُقُول لَهَا الجرجير والخردل والباذروج فَإِنَّهُ يفْسد اللَّبن وَفِي النعناع قُوَّة من ذَلِك. وَأما شَرَائِط الْمُرْضع فسنذكرها: ونبدأ بشريطة سنّهَا فَنَقُول: إِن الْأَحْسَن أَن يكون مَا بَين خمس وَعشْرين سنة إِلَى خمس وَثَلَاثِينَ سنة فَإِن هَذَا هُوَ سنّ الشَّبَاب وَسن الصِّحَّة والكمال. وَأما فِي شريطة سحنتها وتركيبها فَيجب أَن تكون حَسَنَة اللَّوْن قَوِيَّة الْعُنُق والصدر واسعته عضلانية صلبة اللَّحْم متوسطة فِي السّمن والهزال لحمانية لَا شحمانية. وَأما فِي أخلاقها فَأن تكون حَسَنَة الْأَخْلَاق محمودتها بطيئة عَن الانفعالات النفسانية الرَّديئَة من الْغَضَب وَالْغَم والجبن وَغير ذَلِك فَإِن جَمِيع ذَلِك يفْسد المزاج وَرُبمَا أعدى بِالرّضَاعِ وَلِهَذَا نهى رَسُول الله ﷺ عَن استظئار الْمَجْنُونَة على أَن سوء خلقهَا أَيْضا مِمَّا يسْلك بهَا سوء الْعِنَايَة بتعهّد الصَّبِي وإقلال مداراته. وَأما فِي هَيْئَة ثديها فَأن يكون ثديها مكتنزاً عَظِيما وَلَيْسَ مَعَ عظمه بمسترخ وَلَا يَنْبَغِي أَيْضا أَن يكون فَاحش الْعظم وَيجب أَن يكون معتدلاً فِي الصلابة واللين.
стр. 197
وَأما فِي كَيْفيَّة لَبنهَا فَأن يكون قوامه معتدلاً ومقداره معتدلاً ولونه إِلَى الْبيَاض لَا كمد وَلَا أَخْضَر وَلَا أصفر وَلَا أَحْمَر ورائحته طيّبة لَا ونة فِيهَا وَلَا عفونة. وطعمه إِلَى الْحَلَاوَة لَا مرَارَة فِيهِ وَلَا ملوحة وَلَا حموضة وَإِلَى الْكَثْرَة مَا هُوَ وأجزاؤه متشابهة فَحِينَئِذٍ لَا يكون رَقِيقا سيالاً وَلَا غليظاً جدا جبنياً وَلَا مُخْتَلف الْأَجْزَاء وَلَا كثير الرغوة وَقد يجرب قوامه بالتقطير على الظفر فَإِن سَالَ فَهُوَ رَقِيق وَإِن وقف عَن الإسالة من الظفر فَهُوَ ثخين. ويجرب أَيْضا فِي زجاجة بِأَن يلقِي عَلَيْهِ شَيْء من المر ويحرك بالأصبع فَيعرف مِقْدَار جبنيته ومائيته فَإِن اللَّبن الْمَحْمُود هُوَ المتعادل الجبنية والمائية فَإِن اضْطر إِلَى من لَبنهَا لَيْسَ بِهَذِهِ الصّفة دبر فِيهِ من وَجه السَّقْي وَمن علاج الْمُرضعَة. أما من وَجه السَّقْي فَمَا كَانَ من الألبان غليظاً كريه الرَّائِحَة فالأصوب أَن يسقى بعد حلب ويعرض للهواء وَمَا كَانَ شَدِيد الْحَرَارَة فالأصوب أَن لَا يسقى على الرِّيق الْبَتَّةَ. وَأما علاج الْمُرْضع فَإِنَّهَا إِن كَانَت غَلِيظَة اللَّبن سقيت من السكنجيين الْبزورِي الْمَطْبُوخ بالملطفات مثل الفودنج والزوفا والحاشا والصعتر الْجبلي تطعمه والطرنج وَنَحْوه وَيجْعَل فِي طعامها شَيْء من الفجل يسير وتؤمر أَن تتقيأ بسكنجبين حَار وَأَن تتعاطى رياضة معتدلة وَإِن كَانَ مزاجها حَار أسقيت السكنجبين مَعَ الشَّرَاب الرَّقِيق مجموعين ومفردين وَإِن كَانَ لَبنهَا إِلَى الرقة رفهت ومنعت الرياضة وغذيت بِمَا يُولد دَمًا غليظاً وَرُبمَا سقوها - إِن لم يكن هُنَاكَ مَانع - شرابًا حلواً أَو عقيد الْعِنَب وتؤمر بِزِيَادَة النّوم فَإِن كَانَ لَبنهَا قَلِيلا تؤمّل السَّبَب فِيهِ هَل هُوَ سوء مزاج حَار فِي بدنهَا كُله أَو فِي ثديها ويتعرف ذَلِك من العلامات الْمَذْكُورَة فِي الْأَبْوَاب الْمَاضِيَة ويلمس الثدي فَإِن دلّ الدَّلِيل على أَن
стр. 198
بهَا حرارة غذيت بِمثل كشك الشّعير والأسفاناخ وَمَا أشبهه وَإِن دلّ الدَّلِيل على أَن بهَا برد مزاج أَو سدد أَو ضعف من الْقُوَّة الجاذبة زيد فِي غذائها اللَّطِيف المائل إِلَى الْحَرَارَة وعلق عَلَيْهَا المحاجم تَحت الثديين بِلَا تعنيف وينفع من ذَلِك بزر الجزر. وللجزر نَفسه مَنْفَعَة شَدِيدَة وَإِن كَانَ السَّبَب فِيهِ استقلالها من الْغذَاء غذيت بالأحساء المتخذة من الشّعير والنخالة والحبوب. وَيجب أَن يَجْعَل فِي أحسائها وأغذيتها أصل الرازيانج وبزره والشبث والشونيز وَقد قيل: إِن أكل ضروع الضَّأْن والمعز بِمَا فِيهِ من اللَّبن نَافِع جدا لهَذَا الشَّأْن لما فِيهِ من المشاكلة أَو لخاصية فِيهِ وَقد جرب أَن يؤخد وزن دِرْهَم من الأرضة أَو من الخراطين المجففة فِي مَاء الشّعير أَيَّامًا مُتَوَالِيَة وَوجد ذَلِك غَايَة وَكَذَلِكَ سلاقة رُؤُوس السّمك المالح فِي مَاء الشبث وَمِمَّا يغزر اللَّبن أَن تُؤْخَذ أُوقِيَّة من سمن الْبَقر فيصبّ فِيهِ شَيْء من شرار صرف وَيشْرب أَو يُؤْخَذ طحين السمسم ويخلط بِالشرابِ ويصفّى
стр. 199
ويسقى ويضمد الثديان بثفل الناردين مَعَ زَيْت وَلبن أتان أَو تُؤْخَذ أُوقِيَّة من جَوف الباذنجان المسلوق ويمرس بِالشرابِ مرساً ويسقى وتغلى النخالة والفجل فِي الشَّرَاب ويسقى أَو يُؤْخَذ بزر الشبث ثَلَاث أَوَاقٍ وبزر الحندقوقي وبزر الكراث من كل وَاحِد أُوقِيَّة وبزر الرّطبَة والحلبة من كل وَاحِد أوقيتان يخلط بعصارة الرازيانج وَالْعَسَل وَالسمن وَيشْرب مِنْهُ. وَإِذا كَانَ اللَّبن بِحَيْثُ يُؤْذِي وَيفْسد من الْكَثْرَة لاحتقانه وتكاثقه فينقص بتقليل الْغذَاء وَتَنَاول مَا يقل غذاؤه وبتضميد الصَّدْر وَالْبدن بكمّون وخل أَو بطين حر وخل أَو بعدس مطبوخ بخل وَيشْرب المَاء المالح عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ أستعمال النعناع الْكثير والاستكثار من ذَلِك للثدي يغزر اللَّبن فَأَما اللَّبن الكريه الرَّائِحَة فيعالج بسقي الشَّرَاب الريحاني ومناولة الأغذية الطّيبَة الرَّائِحَة وَأما التَّدْبِير الْمَأْخُوذ من مُدَّة وضع الْمُرْضع فَيجب أَن تكون وِلَادَتهَا قريبَة لَا ذَلِك الْقرب جدا بل مَا بَينهَا وَبَينه شهر وَنصف أَو شَهْرَان وَأَن تكون وِلَادَتهَا لذكر وَأَن يكون وَضعهَا لمُدَّة طبيعية وَأَن لَا تكون أسقطت وَلَا كَانَت مُعْتَادَة الْإِسْقَاط. وَيجب أَن تُؤمر الْمُرْضع برياضة معتملة وتغذى بأغذية حَسَنَة الكيموس وَلَا تجامع الْبَتَّةَ فَإِن ذَلِك يُحَرك مِنْهَا دم الطمث فَيفْسد رَائِحَة اللَّبن ويقل مِقْدَاره بل رُبمَا حبلت وَكَانَ من ذَلِك ضَرَر عَظِيم على الْوَلَدَيْنِ جَمِيعًا أما المرتضع فلانصراف اللَّطِيف من اللَّبن إِلَى غذَاء الْجَنِين وَأما الْجَنِين فلقلة مَا يَأْتِيهِ من الْغذَاء لاحتياج
стр. 200
الآخر إِلَى اللَّبن. وَيجب فِي كل إرضاعة وخصوصاَ فِي الْإِرْضَاع الأول أَن يحلب شَيْء من اللَّبن ويسيل وَأَن يعان بالغمز لِئَلَّا تضطره شدَّة المصّ إِلَى إيلام آلَات الْحلق والمريء فيحجف بِهِ. وَإِن ألعِق قبل الْإِرْضَاع كل مرّة ملعقة من عسل فَهُوَ نَافِع وَإِن مزج بِقَلِيل شراب كَانَ صَوَابا وَلَا يَنْبَغِي أَن يرضع اللَّبن الْكثير دفْعَة وَاحِدَة بل الأصوب أَن يرضع قَلِيلا قَلِيلا متوالياً متوالياً فَإِن ارضاعه الشِّبَع دفْعَة وَاحِدَة رُبمَا ولد تمدداً ونفخة وَكَثْرَة ريَاح وَبَيَاض بَوْل فَإِن عرض ذَلِك فَيجب أَن لَا يرضع ويجوعّ شَدِيد أَو يشْتَغل بنومه إِلَى أَن ينهضم ذَلِك وَأكْثر مَا يرضع فِي الْأَيَّام الأول هُوَ فِي الْيَوْم ثَلَاث مَرَّات وَإِن أَرْضَعَتْه فِي الْيَوْم الأول غير أمه على مَا قد ذكرنَا كَانَ أصوب وَكَذَلِكَ إِذا عرض للمرضعة مزاج رَدِيء أَو عِلّة مؤلمة أَو إسهال كثير أَو احتباس مؤذ فَالْأولى أَن يتَوَلَّى إرضاعه غَيرهَا إِلَى أَن تستقل وَكَذَلِكَ إِذا أحوجت الضَّرُورَة إِلَى سقيها دَوَاء لَهُ قُوَّة وَكَيْفِيَّة غالبة وَإِذا نَام عقيب الرَّضَاع لم يعنف عَلَيْهِ بتحريك شَدِيد للمهد يخضخض اللَّبن فِي معدته بل يرجح بِرِفْق. والبكاء الْيَسِير قبل الرَّضَاع يَنْفَعهُ والمدة الطبيعية للرضاع سنتَانِ. واذا اشْتهى الطِّفْل غير اللَّبن أعطي بتدريج وَلم يشدد عَلَيْهِ ئم إِذا جعلت ثناياه تظهر إِلَى الْغذَاء الَّذِي هُوَ أقوى بالتدريج من غير أَن يعْطى شَيْئا صلب الممضغ وَأول ذَلِك خبز تمضغه الْمُرْضع ثمَّ خبز بِمَاء وَعسل أَو بشراب أَو بِلَبن ويسقى عِنْد ذَلِك قَلِيل مَاء وَفِي الأحيان مَعَ يسير شراب ممزوج بِهِ وَلَا تَدعه يتملأ فَإِن عرض لَهُ كظة وانتفاخ بطن وَبَيَاض بَوْل منعته كل شَيْء. وأجود تغذيته أَن يُؤَخر إِلَى أَن يمرخ ويحمم ثمَّ إِذا أفطم نقل إِلَى مَا هُوَ من جنس الأحساء. واللحوم الْخَفِيفَة. وَيجب أَن يكون الْفِطَام بالتدريج لَا دفْعَة وَاحِدَة ويشغل ببلاليط متخذة من خبز وسكر فَإِن ألح على الثدي واسترضع وَبكى فَيجب أَن يُؤْخَذ من المر والفوتنج من كل وَاحِد دِرْهَم يسحق ويطلى مِنْهُ على الثدي. ونقول بِالْجُمْلَةِ: إِن تَدْبِير الطِّفْل هُوَ الترطيب لمشاكلة مزاجه لذَلِك ولحاجته إِلَيْهِ فِي تغذيته ونموه والرياضة المعتدلة الْكَثِيرَة. وَهَذَا كالطبيعي لَهُم فَكَأَن الطبيعة تتقاضاهم بِهِ وَلَا سِيمَا إِذا جاوزوا الطفولية إِلَى الصِّبَا فَإِذا أَخذ ينْهض ويتحرك فَلَا يَنْبَغِي أَن يُمكن من الحركات العنيفة وَلَا يجوز أَن يحمل على الْمَشْي أَو الْقعُود قبل انبعاثه إِلَيْهِ بالطبع فَيُصِيب سَاقيه وصلبه اَفة والوِاجب فِي أول مَا يقْعد ويزحف على الأَرْض أَن يَجْعَل مَقْعَده على نطع أملس لِئَلَّا تخدشه خشونة الأَرْض وينحى عَن وَجهه الْخشب والسكاكين وَمَا أشبه ذَلِك مَا ينخس أَو يقطع ويحمى عَن التزلق من مَكَان عَال وَإِذا جعلت الأنياب تفطر منعُوا كل صلب الممضغ لِئَلَّا تتحلل الْمَادَّة
стр. 201
الَّتِي مِنْهَا تتخلّق الأنياب بالمضغ الَّذِي يولع بِهِ وَحِينَئِذٍ تمرخ غمورهم بدماغ الأرنب وشحم الدَّجَاج فَإِن ذَلِك يسهل فطورها فَإِذا انغلق عَنْهَا الغمور مرخت رؤوسهم وأعناقهم حِينَئِذٍ بالزيت المغسول مَضْرُوبا بِمَاء حَار وقطر من الزيتَ فِي آذانهم فَإِذا صَارَت بِحَيْثُ يُمكنهُ أَن يعَض بهَا فَإِنَّهُ يُغرَى بأصابعة وعضها فَيجب أَن يعْطى قِطْعَة من أصل السوس الَّذِي لم يجِف بعد كثيراَ أَو رُبّه فَإِن ذَلِك ينفع فِي ذَلِك الْوَقْت وينفع من القروح والأوجاع فِي اللثة وَكَذَلِكَ يجب أَن يدلك فَمه بملح وَعسل لِئَلَّا تصيبه هَذِه الأوجاع ثمَّ إِذا استحكم نباتها أَيْضا أعْطوا شَيْئا من رب السوس أَو من أَصله الَّذِي لَيْسَ بشديد الْجَفَاف يمسكونه فِي الْفَم ويوافقهم تمريخ أَعْنَاقهم فِي وَقت نَبَات الأنياب بِزَيْت عذب أَو دهن عذب وَإِذا أخذُوا ينطقون تعهدوا بإدامة ذَلِك أصُول أسنانهم. الْفَصْل الثَّالِث الْأَمْرَاض الَّتِي تعرض للصبيان وعلاجاتها الْغَرَض المقدّم فِي معالجة الصّبيان هُوَ تَدْبِير الْمُرْضع حَتَّى إِن حدس أَن بهَا امتلاء من دم فصدت أَو حجمت أَو امتلاء من خلط استفرغ مِنْهَا الْخَلْط أَو احْتِيجَ إِلَى حبس الطبيعة أَو إِطْلَاقهَا أَو منع بخار من الرَّأْس أَو إصْلَاح لأعضاء التنفس أَو تَبْدِيل لسوء مزاج عولجت بالمتناولات الْمُوَافقَة لذَلِك. وَإِذا عولجت بإسهال أَو وَقع طبعا بإفراط أَو عولجت بقيء أَو وَقع طبعا وقوعاً قَوِيا فَالْأولى أَن يرضع ذَلِك الْيَوْم غَيرهَا. فلنذكر أمراضاً جزئية تعرض للصبيان فَمن ذَلِك أورام تعرض لَهُم فِي اللثة عِنْد نَبَات الْأَسْنَان وأورام تعرض لَهُم عِنْد أوتار فِي نَاحيَة اللحيين وتشنج فِيهَا وَإِذا عرض ذَلِك فَيجب أَن يغمز عَلَيْهَا الْأصْبع بالرفق وتمرخ بالدهنيات الْمَذْكُورَة فِي بَاب نَبَات الْأَسْنَان. وَزعم بَعضهم أَنه يمضمض بالعسل مَضْرُوبا بدهن البابونج أَو الْعَسَل مَعَ علك الأنباط وَيسْتَعْمل على الرَّأْس نطول بِمَاء قد طبخ فِيهِ البابونج والشبث. وَمِمَّا يعرض للصبيان استطلاق الْبَطن وخصوصاً عِنْد نَبَات الْأَسْنَان. زعم بَعضهم أَنه يعرض لِأَنَّهُ يمص فضلا مالحاً قيحياً من لثته مَعَ اللَّبن وَيجوز أَن لَا يكون لذَلِك بل لاشتغال الطبيعة بتخليق عُضْو عَن إجادة الهضم ولعروض الوجع وَهُوَ مِمَّا يمْنَع الهضم فِي الْأَبدَان الضعيفة. والقليل مِنْهُ لَا يجب أَن يشْتَغل بِهِ فَإِن خيف من
стр. 202
ذَلِك إفراط تدُورِكَ بتكميد بَطْنه ببزر الْورْد أَو بزر الكرفس أَو الأنيسون أَو الكمون أَو يضمّد بَطْنه بكمّون وَورد مبلولين بخل أَو بجاورس مطبوخ مَعَ قَلِيل خل. وَأَن لم ينجع سقوا من أنفحة الجدي دانقاً بِمَاء بَارِد ويحذر حِينَئِذٍ من تجبن اللَّبن فِي معدته بِأَن يغذى ذَلِك الْيَوْم مَا يَنُوب عَن اللَّبن مثل النيمبرشت من صفرَة الْبيض ولباب الْخبز مطبوخاً فِي مَاء أَو سويق مطبوخاً فِي مَاء. وَقد يعرض لَهُم اعتقال الطبيعة فيشيفون بزبل الفأر أَو شيافة من عسل مَعْقُود وَحده أَو مَعَ فودنج أَو أصل السوسن الأسمانجوني كَمَا هُوَ أَو محرقاً أَو يطعم قَلِيل عسل أَو مِقْدَار حمصة من علك البطم ويمرخ بَطْنه بالزيت تمريخاً لطيفاً أَو تلطخ سرّته بمرارة الْبَقر وبخور مَرْيَم وَرُبمَا عرض بلثته لذع فيكمّد بدهن وشمع. وَاللَّحم المالح العفن يَنْفَعهُ وَرُبمَا عرض لَهُم خَاصَّة عِنْد نَبَات الْأَسْنَان تشنّج وَأَكْثَره بِسَبَب مَا يعرض لَهُم من فَسَاد الهضم مَعَ شدَّة ضعف العصب وخصوصاً فِيمَن بدنه عبل رطب فيعالج بدهن
стр. 203
إيرسا أَو لدهن السوسن أَو دهن الْحِنَّاء أَو دهن الخيري. وَرُبمَا عرض كزاز فيعالج بِمَاء قد طبخ فِيهِ قثاء الْحمار أَو بدهن البنفسج مَعَ دهن قثاء الْحمار فَإِن حدس أَن التشنّج الْعَارِض بِهِ من يبس لوُقُوعه عقيب الحميات والإسهال العنيف ولحدوثه قَلِيلا قَلِيلا عرقت مفاصله بدهن البنفسج وَحده أَو مَضْرُوبا بِشَيْء من الشمع الْمُصَفّى وصب على دماغهم زَيْت ودهن بنفسج وَغير ذَلِك صبا كثيرا وَكَذَلِكَ إِن عرض لَهُم كزاز يَابِس. وَقد يعرض لَهُم سعال وزكام وَقد أَمر فِي ذَلِك بِمَاء حَار كثير يصب على رَأس من أُصِيب بذلك مِنْهُم ويلطخ لِسَانه بِعَسَل كثير ثمَّ يغمز على أصل لِسَانه بالأصبع ليتقيأ بلغماً كثيرا فيعافى أَو يُؤْخَذ صمغ عَرَبِيّ وكثيراء وَحب
стр. 204
السفرجل وَرب السوس وفانيد يسقى مِنْهُ كل يَوْم شَيْئا بِلَبن حليب. وَقد يعرض للطفل سوء تنفس فَيجب حِينَئِذٍ أَن تدهن أصُول أُذُنَيْهِ وأصل لِسَانه بالزيت ويقيأ وَكَذَلِكَ يكبس لِسَانه فَهُوَ نَافِع جدا ويقطر المَاء الْحَار فِي أَفْوَاههم ويلعقوا شَيْئا من بزر الْكَتَّان بالعسل. وَقد يعرض لَهُم القلاع كثيرا فَإِن غشاء أَفْوَاههم وألسنتهم لين جدا لَا يحْتَمل اللَّمْس لينًا فَكيف جلاء مائية اللَّبن فان ذَلِك يؤذيهم ويورثهم القلاع. وأردأ القلاع الفحمي الْأسود وَهُوَ قَاتل. وأسلمه الْأَبْيَض والأحمر فَيَنْبَغِي أَن يعالجوا بِمَا خص من أدوية القلاع الْمَذْكُورَة فِي الْكتاب الجزئي وَرُبمَا كَفاهُ البنفسج المسحوق وَحده أَو مخلوط بورد وَقَلِيل زعفران أَو الخرنوب وَحده وَرُبمَا كَفاهُ مثل عصارة الخسّ وعنب الثَّعْلَب والعرفج فَإِن كَانَ أقوى من ذَلِك فَأصل السوس المسحوق وَرُبمَا نفع بثور لثته وقلاعه المر والعفص وقشور الكندر مسحوقة جدا مخلوطة بالعسل وَرُبمَا كَفاهُ رب التوث وَحده الحامض وَرب الحصرم وَقد ينفع من ذَلِك غسله بشراب الْعَسَل أَو مَاء الْعَسَل ثمَّ اتِّبَاعه بِشَيْء مِمَّا ذَكرْنَاهُ من المجففات فَإِن احْتِيجَ إِلَى مَا هُوَ أقوى فليؤخذ عروق
стр. 205
وقشور الرُّمَّان والجلنار والسماق من كل وَاحِد سِتَّة دَرَاهِم وَمن العفص أَرْبَعَة دَرَاهِم وَمن الشبث دِرْهَمَانِ يدق وينخل ويذر. وَقد يعرض فِي آذانهم سيلان الرُّطُوبَة فَإِن أبدانهم وخصوصاً أدمغتهم رطبَة جدا. فَيجب أَن تغمس لَهُم صوفة فِي عسل وخمر مخلوط بِهِ شَيْء يسير من شب أَو زعفران أَو شمة من نطرون وَيجْعَل فِي آذانهم وربمى كفى أَن يغمس صوف فِي شراب عفص وَيسْتَعْمل مَعَ شَيْء من الزَّعْفَرَان وَيجْعَل فِي ذَلِك الشَّرَاب قد يعرض للصبيان كثيرا وجع الْأذن من ريح أَو رُطُوبَة فيعالج بالحضض والصعتر وَالْملح الطبرزد والعدس والمر وَحب الحنظل والأبهل يغلي أَيهَا كَانَ فِي دهن ويقطر وَرُبمَا عرض فِي دماغ الصّبيان ورم حَار يُسمى العطاس وَقد يصل وَجَعه كثيرا إِلَى الْعين وَالْحلق ويصفر لَهُ الْوَجْه فَيجب حِينَئِذٍ أَن يبر دماغه ويرطب بقشور القرع وَالْخيَار وَمَاء عِنَب الثَّعْلَب وعصارة البقلة الحمقاء خَاصَّة ودهن الْورْد مَعَ قَلِيل خل وصفرة الْبيض مَعَ دهن الْورْد ويبدل أَيهَا كَانَ دَائِما
стр. 206
وَقد يعرض للصَّبِيّ مَاء فِي رَأسه. وَقد ذكرنَا علاجه فى علل الرَّأْس وَرُبمَا انتفخت عيونهم فيطلى عَلَيْهَا حضض بِلَبن ثمَّ يغسل بطبيخ البايوتج وَمَاء الباذروج وَرُبمَا أحدثت كَثْرَة الْبكاء بَيَاضًا فِي حدقتهم فيعالجون بعصارة عِنَب الثَّعْلَب. وَقد يعرض لجفن الصَّبِي سلاق من الْبكاء وَذَلِكَ علاجه أَيْضا عصارة عِنَب الثَّعْلَب. وَقد يصيبهم حميات وَالْأولَى فِيهَا أَن تدثر الْمُرضعَة ويسقى هُوَ أَيْضا مثل مَاء الرُّمَّان مَعَ سكنجبين وَعسل وَمثل عصارة الْخِيَار مَعَ قَلِيل كافور وسكر ثمَّ يعرقون بِأَن يعتصر الْقصب الرطب وَتجْعَل عصارته على الهامة وَالرجل ويدثروا فَإِن هَذَا يعرقهم. وَرُبمَا عرض لَهُم مغص فيلتوون ويبكون فَيجب أَن يكمد الْبَطن بِالْمَاءِ الْحَار والدهن الْكثير الْحَار بالشمع الْيَسِير. وَقد يعرض لَهُم عطاس متواتر فَرُبمَا كَانَ ذَلِك من ورم فِي نواحي الدِّمَاغ فَإِن كَانَ كَذَلِك عولج الورم بالتبريد والطلاء والتمريخ بالمبردات من العصارات والأدهان وَإِن لم يكن من ورم عرض لَهُم فَيجب أَن ينْفخ الباذورج المسحوق فِي مناخرهم. ؤقد يعرض لَهُم بثور فِي الْبدن فَمَا كَانَ قرحياً أسود فَهُوَ قتال وَأما الْأَبْيَض فَأسلم مِنْهُ وَكَذَلِكَ الْأَحْمَر. وَلَو كَانَ قلاعاً فَقَط لَكَانَ قتالاً فَكيف إِذا بثر وَرُبمَا كَانَت فِي خُرُوجهَا مَنَافِع كَثِيرَة وعَلى كل حَال فيعالجون بالمجففات اللطيفة مجعولة فِي مَائه الَّذِي يغسل بِهِ مطبوخة فِيهِ كالورد والأس وورق شَجَرَة المصطكي
стр. 207
والطرفاء. وأدهان هَذِه الْأَشْيَاء أَيْضا. والبثور السليمة تتْرك حَتَّى تنضج ثمَّ تعالج وَإِن تقرّحت اسْتعْمل مرهم مِنْهُم الإسفيداج وَرُبمَا احْتِيجَ إِلَى أَن يغسل بِمَاء الْغسْل مَعَ قَلِيل نطرون وَكَذَلِكَ القلاع فاذا كثفت احْتِيجَ إِلَى مَا هُوَ أقل فَيغسل حِينَئِذٍ بِمَاء البورق نَفسه ممزوجاً بِلَبن ليحتمله فَإِن تنقطت بشرتهم حُمّوا بِمَاء طبيخ الآس والورد والإذخر وورق شَجَرَة المصطكي وَأولى هَذَا كُله إصْلَاح غذَاء الْمُرْضع. وَرُبمَا أحدث كَثْرَة الْبكاء فيهم نتوءاً فِي السُّرَّة أَو أحدث سَببا من أَسبَاب الفتق وَقد أَمر فِي ذَلِك بِأَن يسقى النانخواه ويعجن ببياض الْبيض ويلطخ عَلَيْهِ ويُعلى بِخرقَة كتَّان رقيقَة أَو تبل حراقة الترمس المز بنبيذ وتشد عَلَيْهِ. وَأقوى مِنْهُ القوابض الحارة مثل المر وقشور السرو وَجوزهُ والأقاقيا وَالصَّبْر وَمَا يُقَال فِي بَاب الفتق. وَرُبمَا عرض للصبيان وخصوصاً عِنْد قطع السرّة ورم فَحِينَئِذٍ يجب أَن يُؤْخَذ الشنكال وَهُوَ الفنجيوس وعلك البطم ويذابان فِي ذهن الشيرج ويسقى. مِنْهُ الصَّبِي وتطلى بِهِ
стр. 208
سرته. وَقد يعرض للصَّبِيّ أَن لَا ينَام وَلَا يزَال يبكي ويدمدم دمدمة ويضطر ضَرُورَة إِلَى إرقاده فَإِن أمكن أَن ينوّم بقشور الخشخاش وبزره وبدهن الخسّ ودهن الخشخاش وضع على صُدْغه وهامته فَذَلِك وَإِن احْتِيجَ إِلَى أقوى من ذَلِك فَهَذَا الدَّوَاء ونسخته. يُؤْخَذ حب السمنة وَجوز كندم وخشخاش أَبيض وخشخاش أصفر وبزر الْكَتَّان وَالْحب الخوري وبزر العرفج وبزر لِسَان الْحمل وبزر الخس وبزر الرازيانج وأنيسون وكمون يغلى الْجَمِيع قَلِيلا قَلِيلا ويدق وَيجْعَل فِيهَا جُزْء من بزر قطونا مقلواً غير مدقوق ويخلط الْجَمِيع بِمثلِهِ سكرا وويسقى الصَّبِي مِنْهُ قدر دِرْهَمَيْنِ فَإِن أُرِيد أَن يكون أقوى من هَذَا جعل فِيهِ شَيْء من الأفيون قدر ثث جُزْء أوأقل. وَقد يعرض للصَّبِيّ فوَاق فَيجب أَن يسقى جوز الْهِنْد مَعَ السكر. وَقد يعرض للصَّبِيّ قيء مبرح فَرُبمَا نفع مِنْهُ أَن يسقى نصف دانق من القرنفل وَرُبمَا نفع مِنْهُ تضميد المعمة بِشَيْء من حوابس الْقَيْء الضعيفة. وَقد يعرض للصَّبِيّ ضعف الْمعدة فَيجب أَن تلطخ معدته بميسوس بِمَاء الْورْد أَو مَاء الآس ويسقى مَاء السفرجل بِشَيْء من القرنفل والسك أَو قِيرَاط من السك فِي شَيْء يسير من الميبة.
стр. 209
وَقد يعرض للصَّبِيّ أَحْلَام تفزعه فِي نَومه وَأَكْثَره من امتلائه لشدّة نهمته فَإِذا فسد الطَّعَام وأحست المعمة بِهِ تأذى ذَلِك الْأَذَى من الْقُوَّة الحاسة إِلَى الْقُوَّة المصورة والمخيلة فمثلت أحلاماً رَدِيئَة هائلة فَيجب أَن لَا ينوم على كظة وَأَن يلعق الْعَسَل ليهضم مَا فِي معدته ويحدره. وَقد يعرض للصَّبِيّ ورم الحلقع بَين الْفَم والمريء وَرُبمَا امتدّ ذَلِك إِلَى العضل وَإِلَى خرز الْقَفَا فَيجب أَن تلين الطبيعة بالشيافة ثمَّ يعالج بِمثل رب التوث وَنَحْوه. وَقد يعرض لَهُ خرخرة عَظِيمَة فِي نَومه فَيجب أَن يلعق من بزر الْكَتَّان المدقوق بالعسل أَو من الكمون المدقوق المعجون بالعسل. وَقد يعرض للصَّبِيّ ريح الصّبيان وَقد ذكرنَا علاجه فِي بَاب أمراض الرَّأْس لَكنا نذْكر شيئاَ قد ينجع فيهمٍ كثيرا وَهُوَ أَن يَأْخُذ من السعتر والجند بيدستر والكمّون أَجزَاء سَوَاء فتجمع سحقاً ويسقى والشربة ثَلَاث حبات. وَقد يعرض للصَّبِيّ خُرُوج المقعدة فَيجب أَن تُؤْخَذ قشور الرُّمَّان والآس الرطب وجفت البلوط وَورد يَابِس وَقرن محرق والشب الْيَمَانِيّ وظلف الْمعز وجلنار وعفص أَجزَاء سَوَاء من كل وَاحِد دِرْهَم يطْبخ فِي المَاء طبخاً شَدِيدا حَتَّى يسْتَخْرج قوته ثمَّ يقْعد فِي طبيخه فاتراً. وَقد يعرض للصبيان زحير من برد يصيبهم فينفعهم أَن يُؤْخَذ حرف وكمّون من كل وَاحِد ثَلَاثَة دَرَاهِم يدق وينخل ويعجن بِسمن الْبَقر الْعَتِيق ويسقى مِنْهُ بِمَاء بَارِد. وَقد يتَوَلَّد فِي بطن الصّبيان دود صغَار يؤذيهم وَأَكْثَره فِي نواحي المقعدة ويتولد فيهم مِنْهُ الطوَال أَيْضا. وَأما العراض فقلما تتولد فالطوال تعالج بِمَاء الشيح يسقون مِنْهُ
стр. 210
فِي اللَّبن شَيْئا يَسِيرا بِمِقْدَار قوتهم وَرُبمَا احْتِيجَ إِلَى أَن تضمّد بطونهم بالأفسنتين والبرنج الكابلي ومرارة الْبَقر وشحم الحنظل. وَأما الصغار الَّتِي تكون مِنْهُم فِي المقعدة فَيجب أَن يُؤْخَذ الراسن وَالْعُرُوق الصفر من كل وَاحِد جُزْء سكر مثل الْجَمِيع فيسقى فِي المَاء. وَقد يعرض للصَّبِيّ سحج فِي الْفَخْذ فَيجب أَن يذر عَلَيْهِ الآس المسحوق وأصل السوسن المسحوق أَو الْورْد المسحوق أَو السعد أَو دَقِيق الشّعير أَو دَقِيق العدس. الْفَصْل الرَّابِع تَدْبِير الْأَطْفَال إِذا انتقلوا إِلَى سنّ الصِّبَا يجب أَن يكون وكد الْعِنَايَة مصروفاً إِلَى مُرَاعَاة أَخْلَاق الصَّبِي فيعدل وَذَلِكَ بِأَن يحفظ كَيْلا يعرض لَهُ غضب شَدِيد أَو خوف شَدِيد أَو غم أَو سهر وَذَلِكَ بِأَن يتَأَمَّل كلّ وَقت مَا الَّذِي يشتهيه ويحنّ إِلَيْهِ فَيقرب إِلَيْهِ وَمَا الَّذِي يكرههُ فينحى عَن وَجهه وَفِي ذَلِك منفعتان: إِحْدَاهمَا فِي نَفسه بِأَن ينشأ من الطفولة حسن الْأَخْلَاق وَيصير ذَلِك لَهُ ملكة لَازِمَة. وَالثَّانيَِة لبدنه فَإِنَّهُ كَمَا أَن الْأَخْلَاق الرَّديئَة تَابِعَة لأنواع سوء المزاج فَكَذَلِك إِذا حدثت عَن الْعَادة استتبعت سوء المزاج الْمُنَاسب لَهَا فَإِن الْغَضَب يسخن جدا وَالْغَم يجفف جدا والتبليد يُرْخِي الْقُوَّة النفسانية وتميل بالمزاج إِلَى البلغمية فَفِي تَعْدِيل الْأَخْلَاق حفظ الصِّحَّة للنَّفس وَالْبدن جَمِيعًا مَعًا وَإِذا انتبه الصَّبِي من نَومه فالأحرى أَن يستحم ثمَّ يخلّى بَينه وَبَين اللّعب سَاعَة ثمَّ يطعم شَيْئا يَسِيرا ثمَّ يُطلق لَهُ اللّعب الأطول ثمَّ يستحمّ ثمَّ يغذّى ويجنبون مَا أمكن شرب المَاء على الطَّعَام لِئَلَّا ينفذهُ فيهم نيئاً قبل الهضم. وَإِذا أَتَى عَلَيْهِ من أَحْوَاله سِتّ سِنِين فَيجب أَن يقدم إِلَى الْمُؤَدب والمعلم ويدرج أَيْضا فِي ذَلِك وَلَا يحكم عَلَيْهِ بملازمة الْكتاب كرة وَاحِدَة فَإِذا بلغ سنهم هَذَا السن نقص من إجمامهم وَزيد فِي تعبهم قبل الطَّعَام وجنبوا النَّبِيذ خُصُوصا إِن كَانَ أحدهم حَار المزاج مرطوبه لِأَن الْمضرَّة الَّتِي تبقى من النَّبِيذ وَهِي توليد المرار فِي ضاربيه تسرع إِلَيْهِم بسهولة وَالْمَنْفَعَة المتوقعة من سقيه وَهِي إدرار المرار مِنْهُم أَو ترطيب مفاصلهم غير مَطْلُوبَة فيهم لِأَن مرارهم لَا تكْثر حَتَّى تستدر بالبول وَلِأَن مفاصلهم مستغنية عَن الترطيب وليطلق لَهُم من المَاء الْبَارِد العذب النقي شهوتهم وَيكون هَذَا هُوَ النهج فِي تدبيرهم إِلَى أَن يوافوا الرَّابِع عشر من سنيهم مَعَ الْإِحَاطَة بِمَا هُوَ ذاتي لَهُم كل يَوْم من تنقص الرطوبات والتجفف والتصلّب فيدرجون فِي تقليل الرياضة وهجر المعنفة مِنْهَا مَا بَين سنّ الصِّبَا إِلَى سنّ الترعرع ويلزمون المعتدل. وَبعد هَذَا السن تدبيرهم هُوَ تَدْبِير الإنماء وَحفظ صِحَة أبدانهم. فلننتقل إِلَيْهِ ولنقدم القَوْل فِي الْأَشْيَاء الَّتِي فِيهَا ملاك الْأَمر فِي تَدْبِير الأصحاء الْبَالِغين ولنبدأه بالرياضة.
стр. 211
التَّعْلِيم الثَّانِي التَّدْبِير الْمُشْتَرك للبالغين وَهُوَ سَبْعَة عشر فصلا الْفَصْل الأول جملَة القَوْل فِي الرياضة لما كَانَ مُعظم تَدْبِير حفظ الصِّحَّة هُوَ أَن يرتاض ثمَّ تَدْبِير الْغذَاء ثمَّ تَدْبِير النّوم وَجب أَن نبدأ بالْكلَام فِي الرياضة فَنَقُول: الرياضة هِيَ حَرَكَة إرادية تضطر إِلَى التنفس الْعَظِيم الْمُتَوَاتر والموفق لاستعمالها على جِهَة اعتدالها فِي وَقتهَا بِهِ غناء عَن كل علاج تَقْتَضِيه الْأَمْرَاض المادّية والأمراض المزاجية الَّتِي تتبعها وتحدث عَنْهَا وَذَلِكَ إِذا كَانَ سَائِر تَدْبيره مُوَافقا صَوَابا. وَبَيَان هَذَا هُوَ أَنا كَمَا علمت مضطرون إِلَى الْغذَاء وَحفظ صحتنا هُوَ بالغذاء الملائم لنا المعتدل فِي كميته وكيفيته وَلَيْسَ شَيْء من الأغذية بِالْقُوَّةِ يَسْتَحِيل بكليته إِلَى الْغذَاء بِالْفِعْلِ بل يفضل عَنهُ فِي كل هضم فضل والطبيعة تجتهد فِي استفراغه وَلَكِن لَا يكون استفراغ الطبيعة وَحدهَا استفراغاً مُسْتَوفى بل قد يبْقى لَا محَالة من فضلات كل هضم لطخة وَأثر فَإِذا تَوَاتر ذَلِك وتكرر اجْتمع مِنْهَا شَيْء لَهُ قدر وَحصل من اجتماعه مواد فضلية ضارة بِالْبدنِ من وُجُوه. أَحدهَا: أَنَّهَا إِن عفنت أحدثت أمراض العفونة وَإِن اشتدت كيفياتها أحدثت سوء المزاج وَإِن أكثرت كمياتها أورثت أمراض الامتلاء الْمَذْكُورَة وَإِن انصبت إِلَى عُضْو أورثت الأورام. وبخاراتها تفْسد مزاج جَوْهَر الرّوح فيضطر لَا محَالة إِلَى استفراغها واستفراغها فِي أَكثر الْأَمر إِنَّمَا يتم ويجود إِذا كَانَ بأدوية سميَّة وَلَا شكّ أَنَّهَا تنهك الغريزة وَلَو لم تكن سميَّة أَيْضا لَكَانَ لَا يَخْلُو اسْتِعْمَالهَا من حمل على الطبيعة كَمَا قَالَ أبقراط أَن الدَّوَاء ينقي وينكي وَمَعَ ذَلِك فَإِنَّهَا تستفرغ من الْخَلْط الْفَاضِل والرطوبات الغريزية وَالروح الذى هُوَ جَوْهَر الْحَيَاة شَيْئا صَالحا وَهَذَا كُله مِمَّا يضعف قُوَّة الْأَعْضَاء الرئيسة والخادمة فَهَذِهِ وَغَيرهَا مضار الامتلاء ترك على حَاله أَو استفرغ ثمَّ الرياضة أمنع سَبَب لِاجْتِمَاع مبادىء الامتلاء إِذا أصبت فِي سَائِر التَّدْبِير مَعهَا مَعَ إنعاشها الْحَرَارَة الغريزية وتعويدها الْبدن الخفة وَذَلِكَ لِأَنَّهَا تثير حرارة لَطِيفَة فتحلّل مَا اجْتمع من فضل كل يَوْم وَتَكون الْحَرَكَة مُعينَة فِي إزلاقها وتوجيهها إِلَى مخارجها فَلَا يجْتَمع على مرورة الْأَيَّام فضل يعْتد بِهِ وَمَعَ ذَلِك فَإِنَّهَا كَمَا قُلْنَا تنمّي الْحَرَارَة الغريزية وتصلب المفاصل والأوتار فيقوى على الْأَفْعَال فَيَأْمَن الإنفعال وَتعْتَد الْأَعْضَاء لقبُول الْغذَاء بِمَا ينقص مِنْهَا من الْفضل فتتحرك الْقُوَّة الجاذبة وَتحل العقد عَن الْأَعْضَاء فتلين الْأَعْضَاء
стр. 212
وترقّ الرطوبات وتتسع المسام وَكَثِيرًا مَا يَقع تَارِك الرياضة فِي الدق لِأَن الْأَعْضَاء تضعف قواها لتركها الْحَرَكَة الجالبة إِلَيْهَا الرّوح الغريزية الَّتِي هِيَ آلَة حَيَاة كل عُضْو. الْفَصْل الثَّانِي أَنْوَاع الرياضة الرياضة مِنْهَا مَا هِيَ رياضة يَدْعُو إِلَيْهَا الِاشْتِغَال بِعَمَل من الْأَعْمَال الإنسانية وَمِنْهَا رياضة خَالِصَة وَهِي الَّتِي تقصد لِأَنَّهَا رياضة فَقَط وتتحرّى مِنْهَا مَنَافِع الرياضة وَلها فُصُول: فَإِن من هَذِه الرياضة مَا هُوَ قَلِيل وَمِنْهَا مَا هُوَ كثير وَمن هَذِه الرياضة مَا هُوَ قوي شَدِيد وَمِنْهَا مَا هُوَ ضَعِيف وَمِنْهَا مَا هُوَ سريع وَمِنْهَا مَا هُوَ بطيء وَمِنْهَا مَا هُوَ حثيث أَي مركب من الشدَّة والسرعة وَمِنْهَا مَا هُوَ متراخ وَبَين كل طرفين معتدل مَوْجُود. وَأما أَنْوَاع الرياضة فالمنازعة والمباطشة والملاكزة والإحضار وَسُرْعَة الْمَشْي وَالرَّمْي عَن الْقوس والزفن والقفز إِلَى شَيْء ليتعلق بِهِ والحجل على إِحْدَى الرجلَيْن والمثاقفة بِالسَّيْفِ وَالرمْح وركوب الْخَيل والخفق باليدين وَهُوَ أَن يقف الْإِنْسَان على أَطْرَاف قَدَمَيْهِ وَيدل يَدَيْهِ قداماً وخلفاً ويحركهما بالسرعة وَهِي من الرياضة السريعة. وَمن أَصْنَاف الرياضة اللطيفة اللينة التَّرْجِيح فِي الأراجيح والمهود قَائِما وَقَاعِدا ومضطجعاً وركوب الزواريق والسماريات. وَأقوى من ذَلِك ركُوب الْخَيل وَالْجمال والعمَارِيات وركوب الْعجل. وَمن الرياضات القوية الميدانية وَهُوَ أَن يشد الْإِنْسَان عدوه فِي ميدان مَا إِلَى غَايَة ثمَّ يَنْكص رَاجعا مقهقراً فَلَا يزَال ينقص الْمسَافَة كل كرة حَتَّى يقف آخِره على الْوسط وَمِنْهَا مجاهدة الظل والتصفيق بالكفين والطفر والزج واللعب بالكرة الْكَبِيرَة وَالصَّغِيرَة واللعب بالصولجان واللعب بالطبطاب والمصارعة وإشالة الْحجر وركض الْخَيل واستقطافها والمباطشة أَنْوَاع: فَمن ذَلِك أَن يشبك كل وَاحِد من الرجلَيْن يَده على وسط صَاحبه وَيلْزمهُ ويتكلف كل وَاحِد مِنْهُمَا أَن يتَخَلَّص من صَاحبه وَهُوَ يمسِكهُ وَأَيْضًا أَن يلتوي بيدَيْهِ على صَاحبه يدْخل الْيَمين إِلَى يَمِين صَاحبه واليسار إِلَى يسَاره وَوَجهه إِلَيْهِ ثمَّ يشيله ويقلبه وَلَا سِيمَا وَهُوَ ينحني تَارَة وينبسط أُخْرَى وَمن ذَلِك المدافعة بالصدرين وَمن ذَلِك مُلَازمَة كل وَاحِد مِنْهُمَا عنق صَاحبه يجذبه إِلَى أَسْفَل وَمن ذَلِك ملاواة الرجلَيْن والشغزبية وفحج رجْلي صَاحبه برجليه وَمَا يشبه هَذَا من الهيئات الَّتِي يستعملها المصارعون. وَمن الرياضات السريعة مُبَادلَة رَفِيقَيْنِ مكانيهما بالسرعة ومواترة طفرات إِلَى خلف يتخللها طفرات إِلَى قُدَّام بنظام وَغير نظام. وَمن ذَلِك رياضة المسلتين وَهُوَ أَن يقف إِنْسَان موقفا ثمَّ يغرز عَن جانبيه مسلتين فِي الأَرْض بَينهمَا بَاعَ فَيقبل عَلَيْهِمَا نَاقِلا المتيامنة مِنْهُمَا إِلَى المغرز الْأَيْسَر والمتياسرة إِلَى المغرز الْأَيْمن ويتحرى أَن يكون ذَلِك أعجل مَا يُمكن.
стр. 213
والرياضات الشَّدِيدَة والسريعة تسْتَعْمل مخلوطة بفترات أَو برياضات فاترة. وَيجب أَن يتفنن فِي اسْتِعْمَال الرياضات الْمُخْتَلفَة وَلَا يُقَام على واحده وَلكُل عُضْو رياضة تخصه. أما رياضة الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ فَلَا خَفَاء بهَا وَأما الصَّدْر وأعضاء التنفس فَتَارَة يراض بالصوت الثقيل الْعَظِيم وَتارَة بالحاد ومخلوطاً بَينهمَا فَيكون ذَلِك أيضأ رياضة للفم واللهاة وَاللِّسَان وَالْعين أيضأ وَيحسن اللَّوْن وينقي الصَّدْر ويراض بالنفخ مَعَ حصر النَّفس فَيكون ذَلِك رياضة مَا للبدن كُله ويوسع مجاريه وإعظام الصَّوْت زَمَانا طَويلا جدا مخاطرة وإدامة شَدِيدَة تحوج إِلَى جذب هَوَاء كثير وَفِيه خطر وتطويله محوج إِلَى إِخْرَاج هَوَاء كثير وَفِيه خطر. وَيجب أَن يبْدَأ بِقِرَاءَة لينَة ثمَّ يرفع بهَا الصَّوْت على تدريج ثمَّ إِذا شدد الصَّوْت وَأعظم وَطول جعل زمَان ذَلِك معتدلاً فَحِينَئِذٍ ينفع نفعا بَينا عَظِيما فَإِن أطيل زَمَانه كَانَ فِيهِ خطر للمعتدلين الصَّحِيحَيْنِ. وَلكُل إِنْسَان بِحَسبِهِ رياضة وَمَا كَانَ من الرياضات اللينة مثل التَّرْجِيح فَهُوَ مُوَافق لمن أضعفته الحميات وأعجزته عَن الْحَرَكَة والقود والناقهين وَلمن أضعفه شرب الخربق وَنَحْوه وَلمن بِهِ مرض فِي الْحجاب وَإِذا رفق بِهِ نوم وحلل الرِّيَاح ونفع من بقايا أمراض الرَّأْس مثل الْغَفْلَة وَالنِّسْيَان وحرك الشَّهَوَات وَنبهَ الغريزة وَإِذا رجح على السرير كَانَ أوفق لمن بِهِ مثل شطر الغب والحميات المركبة والبلغمية وَلِصَاحِب الحبن وَصَاحب أوجاع النقرس وأمراض الكلى فَإِن هَذَا التَّرْجِيح يهيىء الْموَاد إِلَى الانقلاع واللين لما هُوَ أَلين وَالْقَوِي لما هُوَ أقوى. وَأما ركُوب الْعجل فقد يفعل هَذِه الْأَفْعَال لكنه أَشد إثارة من هَذَا وَقد يركب الْعجل وَالْوَجْه إِلَى خلف فينفع ذَلِك من ضعف الْبَصَر وظلمته نفعا شَدِيدا. وَأما ركُوب الزواريق والسفن فينفع من الجذام وَالِاسْتِسْقَاء والسكتة وَبرد الْمعدة ونفختها وَذَلِكَ إِذا كَانَ بِقرب الشطوط وَإِذا هاج من غثيان ثمَّ سكن كَانَ نَافِعًا للمعدة وَأما الرّكُوب فِي السفن مَعَ التلحيج فِي الْبَحْر فَذَلِك أقوى فِي قلع الْأَمْرَاض الْمَذْكُورَة لما يخْتَلف على النَّفس عَن فَرح وحزن. وَأما أَعْضَاء الْغذَاء فرياضتها تَابِعَة لرياضة سَائِر الْبدن. وَالْبَصَر يراض بتأمل الْأَشْيَاء الدقيقة والتدريج أَحْيَانًا فِي النّظر إِلَى المشرفات بِرِفْق. والسمع يراض بتسمع الْأَصْوَات الْخفية وَفِي الندرة بِسَمَاع الْأَصْوَات الْعَظِيمَة
стр. 214
وَلكُل عُضْو رياضة خَاصَّة بِهِ. وَنحن نذْكر ذَلِك فِي حفظ صِحَة عُضْو عُضْو وَذَلِكَ إِذا اشتغلنا بِالْكتاب الجزئي وَيَنْبَغِي أَن يحذر المرتاض وُصُول حمية الرياضة إِلَى مَا هُوَ ضَعِيف من أَعْضَائِهِ إِلَّا على سَبِيل التبع مثلا من يَعْتَرِيه الدوالي فَالْوَاجِب لَهُ من الرياضة الَّتِي يستعملها أَن لَا يكثر تَحْرِيك رجلَيْهِ بل يقلل ذَلِك وَيحمل برياضته على أعالي بدنه من عُنُقه وَرَأسه وبدنه بِحَيْثُ يصل تأثر الرياضة إِلَى رجلَيْهِ من فَوق وَالْبدن الضَّعِيف رياضته ضَعِيفَة وَالْبدن الْقوي رياضته قَوِيَّة. وَاعْلَم أَن لكل عُضْو فِي نَفسه رياضة تخصه كَمَا للعين فِي تبصر الدَّقِيق وللحلق فِي إجهار الصَّوْت بعد أَن يكون بتدريج وللسن وَالْأُذن كَذَلِك وكل فِي بَابه. الْفَصْل الثَّالِث وَقت ابْتِدَاء الرياضة وقطعها وَقت الشُّرُوع فِي الرياضة يجب أَن يكون الْبدن نقياً وَلَيْسَ فِي نواحي الأحشاء وَالْعُرُوق كيموسات خامة رَدِيئَة تنشرها الرياضة فِي الْبدن وَيكون الطَّعَام الأمسي قد انهضم فِي الْمعدة والكبد وَالْعُرُوق وَحضر وَقت غذَاء آخر وَيدل على ذَلِك نضج الْبَوْل بالقوام واللون وَيكون ذَلِك أول وَقت هَذَا الانهضام فَإِن الْغذَاء إِذا بعد الْعَهْد بِهِ وخلت الغريزة مُدَّة عَن التَّصَرُّف فِي الْغذَاء واشتعلت النارية فِي الْبَوْل وجاوزت حد الصُّفْرَة الطبيعية فَإِن الرياضة ضارة لِأَنَّهَا لم تنهك الْقُوَّة. وَلِهَذَا قيل إِن الْحَال إِذا أوجبت رياضة شَدِيدَة فبالحري أَن لاتكون الْمعدة خَالِيَة جدا بل يكون فِيهَا غذَاء قَلِيل أما فِي الشتَاء فغليظ وَأما فِي الصَّيف فلطيف ثمَّ أَن يرتاض ممتلئاً خير من أَن يرتاض خاوياً وَأَن يرتاض حاراً أَو رطبا خير من أَن يرتاض وَالْبدن بَارِد أَو جَاف وأصوب أوقاته الِاعْتِدَال وَرُبمَا أوقعت الرياضة حَار المزاج يابسه فِي أمراض فَإِذا تَركهَا صَحَّ. وَيجب على من يرتاض أَن يبْدَأ فينقص الفضول من الأمعاء وَمن المثانة ثمَّ يشْتَغل بالرياضة ويتدلك أَولا للإستعداد دَلْكاً ينعش الغريزة ويوسع المسام وَأَن يكون التدلك بِشَيْء خشن ثمَّ يتمرخ بدهن عذب ثمَّ يدرج التمريخ إِلَى أَن يضغط الْعُضْو بِهِ ضغطاً غير شَدِيد الوغول وَيكون ذَلِك بأيد كَثِيرَة ومختلفة أوضاع الملاقاة ليبلغ ذَلِك جَمِيع شظايا العضل ثمَّ يتْرك ثمَّ يَأْخُذ المدلوك فِي الرياضة. أما فِي زمَان الرّبيع فأوفق أَوْقَاتهَا قرب انتصاف النَّهَار فِي بَيت معتدل وَيقدم فِي الصَّيف. وَأما فِي الشتَاء فَكَانَ الْقيَاس أَن يُؤَخر إِلَى وَقت الْمسَاء لَكِن الْمَوَانِع الآخرى تمنع مِنْهُ فَيجب أَن يدفأ فِي الشتَاء الْمَكَان ويسخن ليعتدل. وتستعمل الرياضة فِي الْوَقْت الأصوب بِحَسب مَا ذَكرْنَاهُ من انهضام الْغذَاء وَنقص الْفضل. وَأما مِقْدَار الرياضة فَيجب أَن يُرَاعى فِيهِ ثَلَاثَة أَشْيَاء: أَحدهَا: اللَّوْن فَمَا دَامَ يزْدَاد جودة فَهُوَ بعد وَقت وَالثَّانِي: الحركات فَإِنَّهَا مَا دَامَت خَفِيفَة فَهُوَ بعد وَقت وَالثَّالِث: حَال الْأَعْضَاء وانتفاخها فَمَا دَامَت تزداد انتفاخاً فَهُوَ بعد وَقت وَأما إِذا أخذت هَذِه الْأَحْوَال فِي الانتقاص وَصَارَ الْعرق البُخَارِيّ
стр. 215
رشحاً سَائِلًا فَيجب أَن تقطع وَإِذا قطعهَا أقبل عَلَيْهِ بالدهن المعرق وَلَا سِيمَا وَقد حصر نَفسه. فَإِذا وَقعت فِي الْيَوْم الأول على حد رياضته وغذوته فَعرفت الْمِقْدَار الَّذِي احتمله من الْغذَاء فَلَا تغير فِي الْيَوْم الثَّانِي شَيْئا بل قدر غذَاء ورياضته فِي الْيَوْم الثَّانِي على حَده فِي الْيَوْم الأول. الْفَصْل الرَّابِع الدَّلْك الدَّلْك مِنْهُ صلب فيشدد وَمِنْه لين فيرخي وَمِنْه كثير فيهزل وَمِنْه معتدل فيخصب وَإِذا ركب ذَلِك حدثت مزاوجات تسع وَأَيْضًا من الدَّلْك مَا هُوَ خشن أَي بخرقٍ خشنة فيجذب الدَّم إِلَى الظَّاهِر سَرِيعا وَمِنْه أملس أَي بالكف أَو بِخرقَة لينَة فَيجمع الدَّم ويحبسه فِي الْعُضْو وَالْغَرَض فِي الدَّلْك تكثيف الْأَبدَان المتخلخلة وتصليب اللينة وخلخلة الكثيفة وتليين الصلبة. وَمن الدَّلْك دلك الاستعداد وَهُوَ قبل الرياضة يبتدىء لينًا ثمَّ إِذا كَاد يقوم إِلَى الرياضة شدد. وَمِنْه دلك الِاسْتِرْدَاد وَهُوَ بعد الرياضة وَيُسمى الدَّلْك الْمسكن أَيْضا وَالْغَرَض فِي تَحْلِيل الفضول المحتبسة فِي العضل مِمَّا لم يستفرغ بالرياضة لينعش فَلَا يحدث الإعياء. وَهَذَا الدَّلْك يجب أَن يكون رَقِيقا معتدلاً وَأحسنه مَا كَانَ بالدهن وَلَا يجب أَن يحتمه على جساوة وصلابة وخشونة فتجسو بِهِ الْأَعْضَاء وَيمْنَع فِي الصّبيان عَن النشو وضرره فِي الْبَالِغين أقل وَلِأَن يَقع فِي الدَّلْك خطأ مائل إِلَى الصلابة فَهُوَ أسلم من الْخَطَأ المائل إِلَى اللين لِأَن التَّحْلِيل الشَّديد أسهل تلاقياً من إعداد الْبدن بالدلك اللين لقبُول الْفساد على أَن الدَّلْك الصلب والخشن إِذا أفرط فِيهِ فِي الصّبيان مَنعهم النشوّ وستجد ذَلِك من بعد وَقت الدَّلْك وشرائطه لَكنا نُرِيد فِي هَذَا الْوَقْت لذَلِك الِاسْتِرْدَاد بَيَانا فَنَقُول إِنَّه بِالْحَقِيقَةِ كَأَنَّهُ جُزْء آخر من الرياضة. وَيجب فِيهِ أَن يبْدَأ أَولا بالدهن وبالقوة ثمَّ يمال بِهِ إِلَى الِاعْتِدَال وَلَا يقطع على عنفه وَالْأَحْسَن أَن تَجْتَمِع عَلَيْهِ أيد كَثِيرَة وَيجب أَن يُوتر المدلوك أعضاءه المدلوكة بعد الدَّلْك لينفض عَنْهَا الفضول فَيُؤْخَذ قماط ويمرّ على نواحي الْأَعْضَاء كلهَا وَهِي موترة ويحصر النَّفس حِينَئِذٍ مَا أمكن لَا سِيمَا مَعَ إرخاء عضل الْبَطن وتوتير عضل الصَّدْر إِن سهل ثمَّ يُوتر آخر الْأَمر عضل الْبَطن أَيْضا يَسِيرا ليصيب الأحشاء بذلك اسْتِرْدَاد مّا وَفِيمَا بَين ذَلِك يمشي ويستلقي ويشابك برجليه رجْلي صَاحبه والمبرزون من أهل الرياضة يستعملون حصر النَّفس فِيمَا بَين رياضاتهم وَرُبمَا أدخلُوا ذَلِك الِاسْتِرْدَاد فِي وسط الرياضة فقطعوها وعاودوها إِن أَرَادوا تَطْوِيل الرياضة. وَلَا حَاجَة إِلَى الدَّلْك الْكثير لمن يُرِيد الِاسْتِرْدَاد وَهُوَ مِمَّن لَا يشكو شَيْئا من حَاله وَلَا يُرِيد المعاودة بل إِن وجد إعياء تمرخ تمريخاً لينًا بالدهن على مَا نَصِفُ فَإِن وجد يبساً زَاد فِي الدَّلْك حَتَّى توافي بِهِ الْأَعْضَاء الِاعْتِدَال. وَقد ينْتَفع بالدلك والغمز الشَّديد عِنْد النّوم فَإِنَّهُ يجفف الْبدن وَيمْنَع الرُّطُوبَة عَن السيلان إِلَى
следующие страницы →