Полный текст (2 115 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
لم ينضج وَخيف أَن يهْلك العليل وَأما من يغلب عَلَيْهِ السَّوْدَاء فَلَا بَأْس بِأَن يفصد إِذا لم يستفرغ بالإسهال بعد مُرَاعَاة حَال اللَّوْن على الشَّرْط الَّذِي سَنذكرُهُ وَاعْتِبَار التمدد فَإِن فشو التمدّد فِي الْبدن يُفِيد الحدس وَحده بِوُجُوب الفصد. وَأما من يكون دمِه الْمَحْمُود قَلِيلا وَفِي بدنه أخلاط رَدِيئَة كَثِيرَة فَإِن الفصد يسلبه الطّيب وَيخْتَلف فِيهِ الرَّدِيء وَمن كَانَ دَمه رديئاً وقليلاً أَو كَانَ مائلاً إِلَى عُضْو يعظم ضَرَر ميله إِلَيْهِ وَلم يكن بُد من فصد فَيجب أَن يُؤْخَذ دَمه قَلِيلا ثمَّ يغذى بغذاء مَحْمُود ثمَّ يفصد كرة أُخْرَى ثمَّ يفصد فِي أَيَّام ليخرج عَنهُ الدَّم الرَّدِيء ويخلف الجيّد فَإِن كَانَت الأخلاط الرَّديئَة فِيهِ مرارية احتيل فِي استفراغها أَولا بالاسهال اللَّطِيف أَو الْقَيْء أَو تسكينها واجتهد فِي تسكين الْمَرِيض وتوديعه. وَإِن كَانَت غَلِيظَة فقد كَانَ القدماء يكلفونهم الاستحمام وَالْمَشْي فِي حوائجهم وَرُبمَا سقوهم قبل الفصد وَبعده قبل التَّثْنِيَة السكنجبين الملطف الْمَطْبُوخ بالزوفا والحاشا. وَإِذا اضْطر إِلَى فصد مَعَ ضعف قُوَّة لحمى أَو لأخلاط أُخْرَى ردية فليفرق الفصد كَمَا قُلْنَا. والفصد الضيّق أحفظ للقوة لكنه رُبمَا أسَال اللَّطِيف الصافي وَحبس الكثيف الكدر. وَأما الْوَاسِع فَهُوَ أسْرع إِلَى الغشي وأعمل فِي التنقية وَأَبْطَأ اندمالاً وَهُوَ أولى لمن يفصد للاستظهار وَفِي السمَان بل التوسيع فِي الشتَاء أولى لِئَلَّا يجمد الدَّم. والتضييق فِي الصَّيف أولى إِن احْتِيجَ إِلَيْهِ وليفصد المفصود وَهُوَ مستلق فَإِن ذَلِك أَحْرَى أَن يحفظ قوّته وَلَا يجلب إِلَيْهِ الغشي. وَأما فِي الحمّيات فَيجب أَن يجْتَنب الفصد فِي الحميات الشَّدِيدَة الالتهاب وَجَمِيع الحميات غير الحادة فِي ابتدائها وَفِي أَيَّام الدّور ويقلل الفصد فِي الحميات الَّتِي يصحبها تشتج. وَإِن كَانَت الْحَاجة إِلَى الفصد وَاقعَة لِأَن التشنج إِذا عرض أسهر وأعرق عرقاً كثيرا وَأسْقط الْقُوَّة فَيجب أَن يبْقى لذَلِك عدَّة دم وَكَذَلِكَ من فصد محموماً لَيْسَ حَده عَن عفن فَيجب أَن يقل فصده ليبقى لتحليل الْحمى عدَّة فَإِن لم تكن شَدِيدَة الالتهاب وَكَانَت عفنة فَانْظُر إِلَى القوانين الْعشْرَة ثمَّ تَأمل القارورة فَإِن كَانَ المَاء غليظاً إِلَى الْحمرَة ة وَكَانَ أَيْضا النبض عَظِيما والسحنة منتفخة وَلَيْسَ يُبَادر الحمّى فِي حركتها فافصد على وَقت خلاء من الْمعدة عَن الطَّعَام. وَأما إِن كَانَ المَاء رَقِيقا أَو نارياً أَو كَانَت السحنة منخرطة مُنْذُ ابْتِدَاء الْمَرَض فإياك والفصد. وَإِن كَانَ هُنَاكَ فترات للحمّى فَلْيَكُن الفصد وَاعْتبر حَال النافض فَإِذا كَانَ النافض قَوِيا فإياك والفصد وَتَأمل لون الدَّم الَّذِي يخرج فَإِن كَانَ رَقِيقا إِلَى الْبيَاض فاحبس فِي الْوَقْت وتوق فِي الْجُمْلَة لِئَلَّا يجلب على الْمَرِيض أحد أَمريْن: تهييج
стр. 282
الأخلاط المرارية وتهييج الأخلاط الْبَارِدَة. وَإِذا وَجب أَن يفصد فِي الْحمى فَلَا يلْتَفت إِلَى مَا يُقَال أَنه لَا سَبِيل إِلَيْهِ بعد الرَّابِع فسبيل إِلَيْهِ إِن وَجب وَلَو بعد الْأَرْبَعين. هَذَا رَأْي جالينوس على أَن التَّقْدِيم والتعجيل أولى إِذا صحت الدَّلَائِل فَإِن قصر فِي ذَلِك فَأَي وَقت أَدْرَكته وَوَجَب فافصد بعد مُرَاعَاة الْأُمُور الْعشْرَة وَكَثِيرًا مَا يكون الفصد فِي الحميات وَأَن لم يكن يحْتَاج إِلَيْهِ مقوياً للطبيعة على الْمَادَّة بتقليلها هَذَا إِذا كَانَت السحنة وَالسّن والقوّة وَغير ذَلِك ترخّص فِيهِ. وَأما الْحمى الدموية فَلَا بُد فِيهَا من استفراغ بالفصد غير مفرط فِي الِابْتِدَاء ومفرط عِنْد النضج وَكَثِيرًا مَا أقلعت فِي حَال الفصد وَيجب أَن يحذر الفصد فِي المزاج الشَّديد الْبرد والبلاد الشَّدِيدَة الْبرد وَعند الوجع الشَّديد وَبعد الاستحمام الْمُحَلّل وبعقب الْجِمَاع وَفِي السن الْقَاصِر عَن الرَّابِع عشر مَا أمكن وَفِي سنّ الشيخوخة مَا أمكن اللَّهُمَّ إِلَّا أَن تثق بالسحنة واكتناز العضل وسعة الْعُرُوق وامتلائها وَحُمرَة الألوان فَهَؤُلَاءِ من الْمَشَايِخ والأحداث نتجرأ على فصدهم. والأحداث يدرجون قَلِيلا قَلِيلا بفصد يسير وَيجب أَن يحذر الفصد فِي الْأَبدَان الشَّدِيدَة القضافة والشديدة السّمن والمتخلخلة وَالْبيض المترهلة والصفر العديمة الدَّم مَا أمكن وتتوقاه فِي أبدان طَالَتْ عَلَيْهَا الْأَمْرَاض إِلَّا أَن يكون فَسَاد دَمهَا يستدير ذَلِك فافصد وَتَأمل الدَّم فَإِن كَانَ أسود ثخيناً فَاخْرُج وَإِن رَأَيْته أَبيض رَقِيقا فسد فِي الْحَال فَإِن فِي ذَلِك خطراً عَظِيما وَيجب أَن تحذر الفصد على الامتلاء من الطَّعَام كي لَا تنجذب مادّة غير نضيجة إِلَى الْعُرُوق بدل مَا تستفرغ وَأَن تتوقّى ذَلِك أَيْضا على امتلاء الْمعدة والمعي من الثّقل الْمدْرك أَو المقارب بل تجتهد فِي استفراغه أما من الْمعدة وَمَا يَليهَا فبالقيء وَأما من الأمعاء السُّفْلى فِيمَا يُمكن وَلَو بالحقنة وتتوقى فصد صَاحب التُّخمَة بل تمهله إِلَى أَن تنهضم تخمته. وَصَاحب ذكاء حس فَم الْمعدة أَو ضعف فمها أَو الممنو يتَوَلَّد المرار فِيهَا فَإِن مثله يجب أَن يتوقى التهور فِي فصده وخصوصاً على الرِّيق. أما صَاحب ذكاء حس فَم الْمعدة فتعرفه بتأذّيه من بلع اللذاعات وَصَاحب ضعف فَم الْمعدة تعرفه من ضعف شَهْوَته وأوجاع فَم معدته وَصَاحب قبُول فَم معدته للمرار وَالْكثير تولدها فِيهَا تعرفه من دوَام غثيانه وَمن قيئه المرار كل وَقت وَمن مرَارَة فَمه فَهَؤُلَاءِ إِذا فصدوا من غير سبق تعهد لفم معدتهم عرض من ذَلِك خطر عَظِيم وَرُبمَا هلك مِنْهُم بَعضهم فَيجب أَن يلقم صَاحب ذكاء الْحس وَصَاحب الضعْف لقماً من خبز نقي مغموسة فِي رُبّ حامض طيب الرَّائِحَة وَإِن كَانَ الضعْف من مزاج بَارِد فمغموسة فِي مثل مَاء السكر بالإفاويه أَو شراب النعناع الممسك أَو الميعة الممسكة ثمَّ يفصد. وَأما صَاحب تولد المرار فَيجب أَن يتقيأ بسقي مَاء حَار كثير مَعَ السكنجبين ثمَّ يطعم لقماً وَيرَاح يَسِيرا ثمَّ يفصد وَيحْتَاج أَن يتدارك بدل مَا يتحلآ من الدَّم الْجيد إِن كَانَ قَوِيا بالكباب على نَقله فَإِنَّهُ إِن انهضم غذى غذَاء كثيرا جيدا وَلَكِن يجب أَن يكون أقل مَا يكون فَإِن الْمعدة ضَعِيفَة بِسَبَب الفصد وَقد يفصد الْعرق
стр. 283
لمنع نزف الدَّم من الرعاف أَو الرَّحِم أَو المقعدة أَو الصَّدْر أَو بعض الخراجات بِأَن يجذب الدَّم إِلَى خلاف تِلْكَ الْجِهَة. وَهَذَا علاج قوي نَافِع وَيجب أَن يكون الْبضْع ضيقا جدا وَأَن تكون المرات كَثِيرَة لَا فِي يَوْم وَاحِد إِلَّا أَن تضطر الضَّرُورَة بل فِي يَوْم بعد يَوْم وكل مرّة يقلّل مَا أمكن. وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن تَكْثِير أعداد الفصد أوفق من تَكْثِير مِقْدَاره والفصد الَّذِي لم تكن إِلَيْهِ حَاجَة يهيج المرار ويعقب جفاف اللِّسَان وَنَحْوه فليتدارك بِمَاء الشّعير وَالسكر وَمن أَرَادَ التَّثْنِيَة وَلم يعرض لَهُ من الفصدة الأولى مضرَّة فالج وَنَحْوه فَيجب أَن يفصد الْعرق من إِلَيْهِ طولا ليمنع حَرَكَة العضل عَن التحامه وَأَن يُوسع وَإِن خيف مَعَ ذَلِك الالتحام بِسُرْعَة وضع عَلَيْهِ خرقَة مبلولة بِزَيْت وَقَلِيل ملح وَعصب فَوْقهَا وَأَن دهن مبضعه عِنْد الفصد منع سرعَة الالتحام وقلل الوجع وَذَلِكَ هُوَ أَن يمسح عَلَيْهِ الزَّيْت وَنَحْوه مسحاً خَفِيفا أَو يغمس فِي الزَّيْت ثمَّ يمسح بِخرقَة. وَالنَّوْم بَين الفصد والتئنية يسْرع التحام الْبضْع وتذكر مَا قُلْنَاهُ من الاستفراغ فِي الشتَاء بالدواء أَنه يجب أَن يرصد لَهُ يَوْم جنوبي فَكَذَلِك الفصد. وَاعْلَم أَن فصد الموسومين والمجانين وَالَّذين يَحْتَاجُونَ إِلَى فصد فِي اللَّيْل فِي زمَان النّوم يجب أَن يكون ضيقا لئلاّ يحدث نزف الدَّم وَكَذَلِكَ كل من لَا يحْتَاج إِلَى التَّثْنِيَة. وَاعْلَم أَن التَّثْنِيَة تُؤخر بِمِقْدَار الضعْف فَإِن لم يكن هُنَاكَ ضعف فغايته سَاعَة وَالْمرَاد من إرْسَال دَمه الجذب يَوْمًا وَاحِدًا. والفصد المورب أوفق لمن يُرِيد التَّثْنِيَة فِي الْيَوْم والمعرض لمن يُرِيد التَّثْنِيَة فِي الْوَقْت والمطول لمن لَا يُرِيد الِاقْتِصَار على تَثْنِيَة وَاحِدَة وَمن عزمه أَن يترشّح عدَّة أَيَّام كل يَوْم وَكلما كَانَ الفصد أَكثر وجعاً كَانَ أَبْطَأَ التحاماً. والاستفراغ الْكثير فِي التَّثْنِيَة يجلب الغشي إِلَّا أَن يكون قد تنَاول المثني شَيْئا. وَالنَّوْم بَين الفصد والتثنية يمْنَع أَن ينْدَفع فِي الدَّم من الفضول مَا ينجذب لانجذاب الأخلاط بِالنَّوْمِ إِلَى غور الْبدن. وَمن مَنَافِع التَّثْنِيَة حفظ قُوَّة المفصود مَعَ استكمال استفراغه الْوَاجِب لَهُ وَخير التثنيه مَا أخر يَوْمَيْنِ وَثَلَاثَة. وَالنَّوْم بِقرب الفصد رُبمَا أحدث انكساراً فِي الْأَعْضَاء. والاستحمام قبل الفصد رُبمَا عسَر الفصد بِمَا يغلظ من الْجلد ويلينه ويهيئه للزلق إِلَّا أَن يكون المفتصد شَدِيد غلظ الدَّم. والمفتصد يَنْبَغِي لَهُ أَن لَا يقدم على امتلاء بعده بل يتدرج فى الْغذَاء ويستلطفه أَولا وَكَذَلِكَ يجب أَن لَا يرتاض بعده بل يمِيل إِلَى الاستلقاء وَأَن لَا يستحم بعده استحماماً محللاً وَمن افتصد وتورم عَلَيْهِ الْيَد افتصد من الْيَد الآخرى مِقْدَار الِاحْتِمَال وَوضع عَلَيْهِ مرهم الاسفيداج وطلى حواليه بالمبردات القوية وَإِذا افتصد من الْغَالِب على بدنه الأخلاط صَار الفصد عِلّة لثوران تِلْكَ الأخلاط وجريانها واختلاطها فيحوج إِلَى فصد متواتر وَالدَّم السوداوي يحوج إِلَى فصد متواتر
стр. 284
فيخف الْحَال فِي الْحَال ويعقب عِنْد الشيخوخة أمراضاً مِنْهَا السكتة والفصد كثيرا مَا يهيج الحميّات وَتلك الحميات كثيرأً مَا تتحلل العفونات وكل صَحِيح افتصد فَيجب أَن يتَنَاوَل مَا قُلْنَاهُ فِي بَاب الشَّرَاب. وَاعْلَم أَن الْعُرُوق المفصودة بَعْضهَا أوردة وَبَعضهَا شرايين والشرايين تفصد فِي الْأَقَل ويتوقى مَا يَقع فِيهَا من الْخطر من نزف الدَّم وأقلّ أَحْوَاله أَن يحدث أنورسما وَذَلِكَ إِذا كَانَ الشق ضيقا جدا إِلَّا أَنَّهَا إِذا أَمن نزف الدَّم مِنْهَا كَانَت عَظِيمَة النَّفْع فِي أمراض خَاصَّة تفصد هِيَ لأَجلهَا وَأكْثر نفع فصد الشريان إِنَّمَا يكون إِذا كَانَ فِي الْعُضْو المجاور لَهُ أَعْرَاض رَدِيئَة سَببهَا دم لطيف حاد فَإِذا فصد الشريان المجاور لَهُ وَلم يكن مِمَّا فِيهِ خطر كَانَ عَظِيم الْمَنْفَعَة وَالْعُرُوق المفصودة من الْيَد أما الأوردة فستة: القيفال والأكحل والباسليق وحبل الذِّرَاع والأسيلم وَالَّذِي يخص باسم الإبطي وَهُوَ شُعْبَة من الباسليق وَأَصلهَا القيفال. وَيجب فِي جَمِيع الثَّلَاثَة أَن يفتح فَوق المأبض لَا تَحْتَهُ وَلَا بحذائه ليخرج الدَّم خُرُوجًا جيدا كَمَا يتروق ويؤمن أفات العصب والشريان وَكَذَلِكَ القيفال وفصده الطَّوِيل أَبْطَأَ لالتحامه لِأَنَّهُ مفصلي وَفِي غير المفصلي الْأَمر بِالْخِلَافِ وعرق النسا والأسيلم وعروق أُخْرَى الأصوب أَن يفصد فِيهَا طولا وَمَعَ ذَلِك يَنْبَغِي أَن يتنحّى فِي القيفال عَن رَأس العضلة إِلَى مَوضِع اللين ويوسع بضعه وَلَا يتبع بضع بضعاً فيرم وَأكْثر من وَقع عَلَيْهِ الْخَطَأ فِي مَوضِع فصد القيفال لم يَقع بضربة وَاحِدَة وَأَن عظمت بل إِنَّمَا تحدث النكاية بتكرير الضربات وإبطاء فصده التحاماً هُوَ الَّذِي فِي الطول ويوسع فصده إِن أُرِيد أَن يثني وَإِذا لم يُوجد هُوَ طلب بعض شعبه الَّتِي فِي وَحشِي الساعد والأكحل فِيهِ خطر للْعصبَةِ الَّتِي تَحْتَهُ وَرُبمَا وَقع بَين عصبتين فَيجب أَن يجْتَهد ليفصد طولا ويعلق فصده وَرُبمَا كَانَ فَوْقه عصبَة رقيقَة ممدودة كالوتر فَيجب أَن يتعرف ذَلِك ويحتاط من أَن تصيبها الضَّرْبَة فَيحدث خدر مزمن. وَمن كَانَ عرقه أغْلظ فَهَذِهِ الشعبة فِيهِ أبين وَالْخَطَأ فِيهِ أَشد نكاية فَإِن وَقع الْغَلَط فأصيبت تِلْكَ الْعصبَة فَلَا تلحم الفصد وضع عَلَيْهِ مَا يمْنَع التحامه وعالجه بعلاج جراحات العصب وَقد قُلْنَا فِيهَا فِي الْكتاب الرَّابِع. وَإِيَّاك أَن تقرب مِنْهُ مبرًداً من أَمْثَال عصارة عِنَب الثَّعْلَب والصندل بل مرخ نواحيه وَالْبدن كُله بالدهن المسخن. وحبل الذِّرَاع أَيْضا الأصوب فِيهِ أَن يفصد مورباً إِلَّا أَن يكون مراوغاً من الْجَانِبَيْنِ فيفصد طولا. والباسليق عَظِيم الْخطر لوُقُوع الشريان تَحْتَهُ فاحتط فِي فصده فَإِن الشريان إِذا انْفَتح لم يرقأ الدَّم أَو عسر رقوه. وَمن النَّاس من يكتنف باسليقه شريانان فَإِذا أعلم على أَحدهمَا ظن أَنه قد أَمن فَرُبمَا أصَاب الثَّانِي فَعَلَيْك أَن تتعرف هَذَا وَإِذا عصب فَفِي أَكثر الْأَمر يعرض هُنَاكَ انتفاخ تَارَة من الشريان وَتارَة من الباسليق فَكيف كَانَ فَيجب أَن تحل الرِّبَاط وَيمْسَح النفخ مسحاً بِرِفْق ثمَّ يُعَاد العصب فَإِن عَاد أُعِيد إِلَيْك فَإِن لم يغن فَمَا عَلَيْك لَو تركت الباسليق
стр. 285
وفصدت الشعبة الْمُسَمَّاة بالإبطية وَهِي الَّتِي على أنسي الساعد إِلَى أَسْفَل وَكَثِيرًا مَا يغلط النفخ وَكَثِيرًا مَا يسكن الرَّبْط والنفخ من نبض الشريان ويعليه ويشهقه فيظن وريداً فيفصد. وَإِذا ربطت أَي عرق كَانَ فَحدث من الرَّبْط عَلَيْهِ أشباه العدس والحمص فافعل بِهِ مَا قُلْنَا فِي الباسليق والباسليق كلما انحططت فيفصده إِلَى الذِّرَاع فَهُوَ أسلم. وَليكن مَسْلَك المبضع فِي خلاف جِهَة الشريان من الْعرق وَلَيْسَ الْخَطَأ فِي الباسليق من جِهَة الشريان فَقَط بل تَحْتَهُ عضلة وعصبة يَقع الْخَطَأ بسببهما. أَيْضا قد خبرناك بِهَذَا وعلامة الْخَطَأ فِي الباسليق وإصابة الشريان أَن يخرج دم رَقِيق أشقر يثب وثباً ويلين تَحت المجسة وينخفض فبادر حِينَئِذٍ وألقم فَم المبضع شَيْئا من وبر الأرنب مَعَ شَيْء من دقاق الكندر وَدم الْأَخَوَيْنِ وَالصَّبْر والمر وتضع على الْموضع شَيْئا من القلقطار الزاج وترش عَلَيْهِ المَاء الْبَارِد مَا أمكن وتشقه من فَوق الفصد وتربطه ربطاً بشد حَابِس فَإِذا احْتبسَ فَلَا تحل الشد ثَلَاثَة أَيَّام وَبعد الثَّلَاثَة يجب عَلَيْك أَن تحتاط أَيْضا مَا أمكن وضمد الناحِية بالموابض وَكثير من النَّاس يبتر شريانه وَذَلِكَ ليتقلص الْعرق وينطبق عَلَيْهِ الدَّم فيِحبسه وَكثير من النَّاس مَاتَ بِسَبَب نزف الدَّم وَمِنْهُم من مَاتَ بِسَبَب ربط الْعُضْو وَشدَّة وجع الرَّبْط الَّذِي أُرِيد بشده منع دم الشريان حَتَّى صَار الْعُضْو إِلَى طَرِيق الْمَوْت. وَاعْلَم أَن نزف الدَّم قد يَقع من الأوردة أَيْضا وَاعْلَم أَن القيقال يستفرغ الدَّم أَكثر من الرَّقَبَة وَمَا فَوْقهَا وشيئاً قَلِيلا مِمَّا دون الرَّقَبَة وَلَا يُجَاوز حد نَاحيَة الكبد والشراسيف وَلَا تنقي الأسافل تنقية يعتدّ بهَا والأكحل متوسّط الحكم بَين القيفال والباسليق والباسليق يستفرغ من نواحي تنور الْبدن إِلَى أَسْفَل التَّنور وَجعل الذِّرَاع مشاكل للقيفال والأسيلم يذكر أَنه ينفع الْأَيْمن مِنْهُ من أوجاع الكبد والأيسر من أوجاع الطحال وَأَنه يفصد حَتَّى يرقأ الدَّم بِنَفسِهِ وَيحْتَاج أَن تُوضَع الْيَد من مفصوده فِي مَاء حَار لِئَلَّا يحتبس الدَّم وليخرج بسهولة إِن كَانَ الدَّم ضَعِيف الانحدار كَمَا هُوَ فِي الْأَكْثَر من مفصودي الأسيلم. وَأفضل فصد الأسيلم مَا كَانَ طولا. والإبطي حكمه حكم الباسليق. وَأما الشريان الَّذِي يفصد من الْيَد الْيُمْنَى فَهُوَ الَّذِي على ظهر الْكَفّ مَا ين السبابَة والإبهام وَهُوَ عَجِيب النَّفْع من أوجاع الكبد والحجاب المزمنة وَقد رأى جالينوس هَذَا فِي الرُّؤْيَا إِذْ الرُّؤْيَا الصادقة جُزْء من أَجزَاء النبوّة كَأَن امراً أمره بِهِ لوجع كَانَ فِي كبده فَفعل فَعُوفِيَ وَقد يفصد شريان اخر أميل مِنْهُ إِلَى بَاطِن الكفّ مقارب المنفعه لمنقعته.
стр. 286
وَمن أحب فصد الْعرق من الْيَد فَلم يتأت فَلَا يلحف فِي الكي والعصب الشَّديد وتكرير الْبضْع بل يتْركهُ يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ فَإِن دعت ضَرُورَة إِلَى تَكْرِير الْبضْع ارْتَفع عَن الْبضْعَة الأولى وَلَا ينخفض عَنْهَا. والربط الشَّديد يجلب الورم وتبريد الرفادة وترطيبها بِمَاء الْورْد أَو بِمَاء مبرد صَالح مُوَافق. وَيجب أَن لَا يزِيل الرِّبَاط الْجلد عَن مَوْضِعه قبل الفصد وَبعده. والأبدان القضيفة يصير شَذَّ الرِّبَاط عَلَيْهَا سَببا لخلاء الْعُرُوق واحتباس الدَّم عَنْهَا والأبدان السمينة بالإفراط فَإِن الإرخاء لَا يكَاد يظْهر الْعرق فِيهَا مَا لم يشْتَد وَقد يتلطف بعض الفصاد فِي إخفاء الوجع فيحدر الْيَد لشدَّة الرَّبْط وَتَركه سَاعَة وَمِنْه من يمسح الشعرة اللينة بالدهن. وَهَذَا كَمَا قُلْنَا يخفّ وَجَعه ويبطىء التحامه. وَإِذا لم تظهر الْعُرُوق الْمَذْكُورَة فِي الْيَد وَظَهَرت شعبها فلتغمز الْيَد على الشعبة مسحاً فَإِن كَانَ الدَّم عِنْد مُفَارقَة الْمسْح ينصب إِلَيْهَا بِسُرْعَة فينفخها فصدت وَإِلَّا لم تفصد وَإِذا أُرِيد الْغسْل جذب الْجلد ليستر الْبضْع وَغسل ثمَّ رد إِلَى مَوْضِعه وهندمت الرفادة وَخَيرهَا الكرية وعصبت وَإِذا مَال على وَجه الْبضْع شَحم فَيجب أَن ينحى بالرفق وَلَا يجوز أَن يقطع وَهَؤُلَاء لَا يجب أَن يطْمع فِي تثنيتهم من غير بضع وَاعْلَم أَن لحبس الدَّم وَشد الْبضْع وقتا محدوداً وَإِن كَانَ مُخْتَلفا فَمن النَّاس من يحْتَمل وَلَو فِي حماه أَخذ خَمْسَة أَو سِتَّة أَرْطَال من الدَّم وَمِنْهُم من لَا يحْتَمل فِي الصِّحَّة أَخذ رَطْل لَكِن يجب أَن تراعي فِي ذَلِك أحوالأ ثَلَاثًا: إِحْدَاهَا حقن الدَّم واسترخاؤه وَالثَّانيَِة لون الدَّم وَرُبمَا غلط كثيرا بِأَن يخرج أَولا مَا خرج مِنْهُ رَقِيقا أَبيض وَإِذا كَانَ هُنَاكَ عَلَامَات الإمتلاء وَأوجب الْحَال الفصد فَلَا يغترن بذلك وَقد يغلظ لون الدَّم فِي صَاحب الأورام لِأَن الورم يجذب الدَّم إِلَى نَفسه وَالثَّالِثَة النبض يجب أَن لَا تُفَارِقهُ فَإِذا خَافَ الحقن أَن يُغير لون الدَّم أَو صغر النبض وخصوصاً إِلَى ضعف فاحبس وَكَذَلِكَ إِن عرض عَارض تثاؤب وتمط وفواق وغثيان فَإِن أسْرع تغيّر اللَّوْن بل الحقن فاعتمد فِيهِ النبض وأسرع النَّاس صادرة إِلَيْهِ الغشي هم الحارو المزاج النحاف المتخلخلو الْأَبدَان وأبطؤهم وقوعاً فِي الْأَبدَان المعتدلة المكتنزة اللَّحْم. قَالُوا: يجب أَن يكون مَعَ الفصاد مباضع كَثِيرَة ذَات شَعْرَة وَغير ذَات شَعْرَة وَذَات الشعرة أولى بالعروق الزوالة كالوداج وَأَن تكون مَعَه كبة من خَز وحرير ومقيأ من خشب أَو ريش وَأَن يكون مَعَه وبر الأرنب ودواء الصَّبْر والكندر ونافجة مسك ودواء الْمسك وأقراض الْمسك حَتَّى إِذا عرض غشي وَهُوَ أحد مَا يخَاف فِي الفصد وَرُبمَا لم يفلح صَاحبه بَادر فألقمه الكبة وقيأه بالآلة وشممه النافجة وجرعه من دَوَاء الْمسك أَو أقراصه شَيْئا فتنتعش قوته وَإِن حدث بثق دم بَادر فحسبه بوبر الأرنب ودواء الكندر وَمَا أقلّ مَا يعرض الغشي وَالدَّم بعد فِي طَرِيق الْخُرُوج بل إِنَّمَا يعرض أَكْثَره بعد الْحَبْس إِلَّا أَن يفرط على أنّه لَا يُبَالِي من مقاربة الغشي فِي الحميات المطبقة ومبادىء السكتة والخوانيق والأرام الغليظة الْعَظِيمَة الْمهْلكَة وَفِي الأوجاع الشَّدِيدَة وَلَا نعمل بذلك إِلَّا إِذا كَانَت الْقُوَّة قَوِيَّة فقد اتّفق علينا أَن بسطنا القَوْل بعد القَوْل فِي عروق الْيَد بسطاً فِي معَان أُخْرَى ونسينا
стр. 287
عروق الرجل وعروقاً أُخْرَى فَيجب علينا أَن نصل كلامنا بهَا فَنَقُول: أما عروق الرجل فَمن ذَلِك عرق النسا ويفصد من الْجَانِب الوحشي عِنْد الكعب إِمَّا تَحْتَهُ وَإِمَّا فَوْقه من الورك إِلَى الكعب ويلف بلفافة أَو بعصابة قَوِيَّة فَالْأولى أَن يستحم قبله والأصوب أَن يفصد طولا وَإِن خَفِي فصد من شُعْبَة مَا بَين الْخِنْصر والبنصر وَمَنْفَعَة فصد عرق النسا فِي وجع عرق النسا عَظِيمَة. وَكَذَلِكَ فِي النقرس وَفِي الدوالي ودواء الْفِيل. وتثنية عرق النسا صعبة. وَمن ذَلِك أَيْضا الصَّافِن وَهُوَ على الْجَانِب الْإِنْسِي من الكعب وَهُوَ أظهر من عرق النسا ويفصد لاستفراغ الدَّم من الْأَعْضَاء الَّتِي تَحت الكبد ولإمالة الدَّم من النواحي الْعَالِيَة إِلَى السافلة وَلذَلِك يدر الطمث بِقُوَّة وَيفتح أَفْوَاه البواسير. وَالْقِيَاس يُوجب أَن يكون عرق النسا والصافن متشابهي الْمَنْفَعَة وَلَكِن التجربة ترجح تَأْثِير الفصد فِي عرق النسا فِي وجع عرق النسا بِشَيْء كثير وَكَانَ ذَلِك للمحاذاة. وَأفضل فصد الصَّافِن أَن يكون مورباً إِلَى الْعرض وَمن ذَلِك عرق مأبض الرّكْبَة يذهب مَذْهَب الصَّافِن إِلَّا أَنه أقوى من الصَّافِن فِي إدرار الطمث وَفِي أوجاع المقعدة والبواسير. وَمن ذَلِك الْعرق الَّذِي خلف العرقوب وَكَأَنَّهُ شُعْبَة من الصَّافِن وَيذْهب مذْهبه. وفصد عروق الرجل بِالْجُمْلَةِ نَافِع من الْأَمْرَاض الَّتِي تكون عَن مواد مائلة إِلَى الرَّأْس وَمن الْأَمْرَاض السوداوية وتضعيفها للقوة أشدّ من تَضْعِيف فصد عروق الْيَد وَأما الْعُرُوق المفصودة الَّتِي فِي وَهَذِه الْعُرُوق مِنْهَا أوردة وَمِنْهَا شرايين. فالأوردة مثل عرق الْجَبْهَة وَهُوَ المنتصب مَا بَين الحاجبين وفصده ينفع من ثقل الرَّأْس وخصوصاً فِي مؤخره وَثقل الْعَينَيْنِ والصداع الدَّائِم المزمن والعرق الَّذِي على الهامة يفصد للشقيقة وقروح الرَّأْس وعرقا الصدغين الملتويان على الصدغين وعرقا المأقين وَفِي الْأَغْلَب لَا يظهران إِلَّا بالخنق. وَيجب أَن لَا تغور الْبضْع فيهمَا فَرُبمَا صَار ناصوراً وَإِنَّمَا يسيل مِنْهَا دم يسير. وَمَنْفَعَة فصدهما فِي الصداع والشقيقة والرمد المزمن والدمعة والغشاوة وجرب الأجفان وبثورها والعشا وَثَلَاثَة عروق صغَار موضعهَا وَرَاء مَا يدق طرف الْأذن عِنْد الإلصاق بِشعرِهِ. وَأحد الثَّلَاثَة أظهر ويفصد من ابْتِدَاء المأق وَقبُول الرَّأْس لبخارات الْمعدة وبنفع كَذَلِك من قُرُوح الْأذن والقفا وَمرض الرَّأْس. وينكر جالينوس مَا يُقَال: أَن عرقين خلف الْأُذُنَيْنِ يفصدهما المتبتلون ليبطل النَّسْل
стр. 288
وَمن هَذِه الأوردة الوداجان وهما إثنان يفصدان عِنْد ابْتِدَاء الجذام والخناق الشَّديد وضيق النَّفس والربو الحاد وبحة الصَّوْت فِي ذَات الرئة والبهق الْكَائِن من كَثْرَة دم حَار وَعلل الطحال والجنبين. وَيجب على مَا خبرنَا عَنهُ قبل أَن يكون فصدهما بمبضع ذِي شَعْرَة. وَأما كَيْفيَّة تَقْيِيده فَيجب أَن يمِيل فِيهِ الرَّأْس إِلَى ضدّ جَانب الفصد ليثور الْعرق ويتأمل الْجِهَة الَّتِي هِيَ أَشد زوالاً فَيُؤْخَذ من ضذ تِلْكَ الْجِهَة وَيجب أَن يكون الفصد عرضا لَا طولا كَمَا يفعل بالصافن وعرق النسا وَمَعَ ذَلِك فَيجب أَن يَقع فصده طولا. وَمِنْهَا الْعرق الَّذِي فِي الأرنبة وَمَوْضِع فصده هُوَ المتشقق من طرفها الَّذِي إِذا غمز عَلَيْهِ بالأصبع تفرق بِاثْنَيْنِ وَهُنَاكَ يبضع وَالدَّم السَّائِل مِنْهُ قَلِيل. وينفع فصده من الكلف وكدورة اللَّوْن والبواسير والبثور الَّتِي تكون فِي الْأنف والحكة فِيهِ لكنه أحدث حمرَة لون مزمنة تشبه السعفة ويفشو فِي الْوَجْه فَتكون مضرته أعظم من منفعَته كثيرا. وَالْعُرُوق الَّتِي تَحت الخششا مِمَّا يَلِي النقرة نَافِع فصدها من السدَرِ الْكَائِن من الدَّم اللَّطِيف والأوجاع المتقادمة فِي الرَّأْس وَمِنْهَا الجهاررك وَهِي عروق أَرْبَعَة على كل شقة مِنْهَا زوج فينفع فصدها من قُرُوح الْفَم والقلاع وأوجاع اللثة وأورأمها واسترخائها أَو قروحها والبواسير والشقوق فِيهَا وَمِنْهَا الْعرق الَّذِي تَحت اللِّسَان على بَاطِن الذقن ويفصد فِي الخوانيق وأورام اللوزتين وَمِنْهَا عرق تَحت اللِّسَان نَفسه يفصد لثقل اللِّسَان الَّذِي يكون من الدَّم وَيجب أَن يفصد طولا فَإِن فصد عرضا صَعب رقاء دَمه وَمِنْهَا عرق عِنْد العنفقة يفصد للبخر وَمِنْهَا عرق اللثة يفصد فِي معالجات فَم الْمعدة. وَأما الشرايين الَّتِي فِي الرَّأْس فَمِنْهَا شريان الصداغ قد يفصد وَقد يبتر وَقد يسل وَقد يكوى وَيفْعل ذَلِك لحبس النَّوَازِل الحادة اللطيفة المنصبة إِلَى الْعَينَيْنِ ولابتداء الانتشار. والشريانان اللَّذَان خلف الْأُذُنَيْنِ ويفصدان لأنواع الرمد وَابْتِدَاء المَاء والغشاوة والعشا والصداع المزمن وَلَا يَخْلُو فصدهما عَن خطر ويبطؤ مَعَه الالتحام. وَقد ذكر جالينوس أَن مجروحاً فِي حلفه أُصِيب شريانه وسال مِنْهُ دم بِمِقْدَار صَالح فَتَدَاركهُ جالينوس بدواء الكندر وَالصَّبْر وَدم الْأَخَوَيْنِ والمر فاحتبس الدَّم وَزَالَ عَنهُ وجع مزمن كَانَ فِي نَاحيَة وركه. وَمن الْعُرُوق الَّتِي تفصد فِي الْبدن عرقان على الْبَطن: أَحدهمَا موضرع على الكبد وَالْآخر مَوْضُوع على الطحال ويفصد الْأَيْمن فِي الاسْتِسْقَاء والأيسر فِي علل الطحال. وَاعْلَم أَن الفصد لَهُ وقتان: وَقت اخْتِيَار وَوقت ضَرُورَة. فالوقت
стр. 289
الْمُخْتَار فِيهِ ضحوة النَّهَار بعد تَمام الهضم والنفض وَأما وَقت الِاضْطِرَار فَهُوَ الْوَقْت الْمُوجب الَّذِي لَا يسوغ تَأْخِيره وَلَا يلْتَفت فِيهِ إِلَى سَبَب مَانع. وَاعْلَم أَن المبضع الكال كثير المضرّة فَإِنَّهُ يخطىء فَلَا يلْحق ويورم ويوجع فَإِذا أعملت المبضع فَلَا تَدْفَعهُ بِالْيَدِ غمزاً بل بِرِفْق بالاختلاس لتوصل طرف المبضع حَشْو الْعُرُوق وَإِذا أعنفت فكثيراً مَا ينكسر رَأس المبضع انكساراً خفِيا فَيصير زلآقاً يجرح الْعرق فَإِن ألححت بفصدك زِدْت شرا. وَلذَلِك يجب أَن يجرب كَيْفيَّة علوق المبضع بِالْجلدِ قبل الفصد بِهِ وَعند معاودة ضربه إِن أردتها واجتهد أَن تملأ الْعرق وتنفخه بِالدَّمِ فَحِينَئِذٍ يكون الزلق والزوال أقل. فَإِذا استعصى الْعرق وَلم يظْهر امتلاؤه تَحت الشد فَحله وشدّه مرَارًا وامسحه وَانْزِلْ فِي الضغط واصعد حَتَّى تنبهه وتظهره وتجرب ذَلِك بَين قبض أصبعين على مَوضِع من الْمَوَاضِع الَّتِي تعلم امتداد الْعُرُوق فبهما تحبس وَتارَة تحبس بِأَحَدِهِمَا وتسيل الدَّم بِالْآخرِ حَتَّى تحسّ بالواقف فشدّه عِنْد الإشالة وَجوزهُ عِنْد التَّخْلِيَة وَيجب أَن يكون لرأس المبضع مَسَافَة ينفذ فِيهَا غير بعيدَة فيتعداها إِلَى شريان أَو عصب وَأَشد مَا يجب أَن يمْلَأ حَيْثُ يكون الْعرق أدقّ. وَأما أَخذ المبضع فَيَنْبَغِي أَن يكون بالإبهام وَالْوُسْطَى وتترك السبابَة للجس وَأَن يَقع الْأَخْذ على نصف الحديدة وَلَا يَأْخُذهُ فَوق ذَلِك فَيكون التَّمَكُّن مِنْهُ مضطرباً وَإِذا كَانَ الْعرق يَزُول إِلَى جَانب وَاحِد فقابله بالربط والضبط من ضدّ الْجَانِب وَإِن كَانَ يَزُول إِلَى جانبين سَوَاء فاجتنب فصده طولا. وَاعْلَم أَن الشد والغمز يجب أَن يكون بِقدر أَحْوَال الْجلد فِي صلابته وغلظه وبحسب كَثْرَة اللَّحْم ووفوره. وَالتَّقْيِيد يجب أَن يكون قَرِيبا وَإِذا أخْفى التَّقْيِيد الْعرق فَعلم عَلَيْهِ وَاحْذَرْ أَن يَزُول عَن محاذاة الْعَلامَة عرقك فِي التَّقْيِيد وَمَعَ ذَلِك فعلق الفصد وَإِذا استعصى عَلَيْك الْعرق وإشهاقه فشق عَنهُ فِي الْأَبدَان القضيفة خَاصَّة وَاسْتعْمل السنارة وَوُقُوع التَّقْيِيد والشد عِنْد الفصد يمْنَع امتلاء الْعرق. وَاعْلَم أَن من يعرق كثيرا بِسَبَب الامتلاء فَهُوَ مُحْتَاج إِلَى الفصد وَكَثِيرًا مَا وَقع للمحموم المصدوع الْمُدبر فِي بَابه بالفصد إسهال طبيعي فاستغنى عَن الفصد قطعا. الْفَصْل وَالْعشْرُونَ الْحجامَة الْحجامَة تنقيتها لنواحي الْجلد أَكثر من تنقية الفصد واستخراجها للدم الرَّقِيق أَكثر من استخراجها للدم الغليظ ومنفعتها فِي الْأَبدَان العبال الغليظة الدَّم قَليلَة لِأَنَّهَا لَا تبرز دماءها وَلَا تخرجها كَمَا يَنْبَغِي بل الرَّقِيق جدا مِنْهَا بتكلف وتحدث فِي الْعُضْو المحجوم ضعفا. وَيُؤمر بِاسْتِعْمَال الْحجامَة لَا
стр. 290
فِي أوّل الشَّهْر لِأَن الأخلاط لَا تكون قد تحركت أَو هَاجَتْ وَلَا فِي أَخّرهُ لِأَنَّهَا تكون قد نقصت بل فِي وسط الشَّهْر حِين تكون الأخلاط هائجة تَابِعَة فِي تزيدها لزيد النُّور فِي جرم الْقَمَر وَيزِيد الدِّمَاغ فِي الأقحاف والمياه فِي الْأَنْهَار ذَوَات المدّ والجزر. وَاعْلَم أَن أفضل أَوْقَاتهَا فِي النَّهَار هِيَ السَّاعَة الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة وَيجب أَن تتوقى الْحجامَة بعد الْحمام إِلَّا فِيمَن دَمه غليظ فَيجب أَن يستحم ثمَّ يبْقى سَاعَة ثمَّ يحجم. وَأكْثر النَّاس يكْرهُونَ الْحجامَة والحجامة على النقرة خَليفَة الأكحل وَتَنْفَع من ثقل الحاجبين وتخفف الجفن وَتَنْفَع من جرب الْعين والبخر فِي الْفَم والتحجر فِي الْعين. وعَلى الْكَاهِل خَليفَة الباسليق وَتَنْفَع من وجع الْمنْكب وَالْحلق. وعَلى أحد الأخذعين خَليفَة القيفال وَتَنْفَع من ارتعاش الرَّأْس وَتَنْفَع الْأَعْضَاء الَّتِي فِي الرَّأْس مثل الْوَجْه والأسنان والضرس والأذنين والعينين وَالْحلق وَالْأنف لَكِن الْحجامَة على النقرة تورث النسْيَان حَقًا كَمَا قيل فَإِن مُؤخر الدِّمَاغ مَوضِع الْحِفْظ وتضعفه الْحجامَة وعَلى الْكَاهِل تضعف فَم الْمعدة. والأخدعية رُبمَا أحدثت رعشة الرَّأْس فليسفل النقرية قَلِيلا وليصعد الْكَاهِلِي قَلِيلا إِلَّا أَن يتوخى بهَا معالجة نزف الدَّم والسعال فَيجب أَن تنزل ولاتصعد. وَهَذِه الْحجامَة الَّتِي تكون على الْكَاهِل وَبَين الفخذين نافعة من أمراض الصَّدْر الدموية والربو الدموي لَكِنَّهَا تضعف الْمعدة وتحدث الخفقان. والحجامة على السَّاق وقارب الفصد وتنقي الدَّم وتدر الطمث. وَمن كَانَت من النِّسَاء بَيْضَاء متخلخلة رقيقَة الدَّم فحجامة السَّاقَيْن أوفق لَهَا من فصد الصَّافِن والحجامة على القمحدوة وعَلى الهامة تَنْفَع فِيمَا ادَّعَاهُ بَعضهم من اخْتِلَاط الْعقل والدوار وتبطىء فِيمَا قَالُوا بالشيب وَفِيه نظر فَإِنَّهُ قد تفعل ذَلِك فِي أبدان دون أبدان. وَفِي أَكثر الْأَبدَان يسْرع بالشيب وينفع من أمراض الْعين وَذَلِكَ أَكثر مَنْفَعَتهَا فَإِنَّهَا تَنْفَع من جربها وبثورها لَكِنَّهَا تضر بالدهن وتورث بلهاً ونسياناً ورداءة فكر وأمراضاً مزمنة وتضرّ بأصحاب المَاء فِي الْعين اللَّهُمَّ إِلَّا أَن تصادف الْوَقْت وَالْحَال الَّتِي يجب فِيهَا اسْتِعْمَالهَا فَرُبمَا لم تضر. والحجامة تَحت الذقن تَنْفَع الْأَسْنَان وَالْوَجْه والحلقوم وتنقي الرَّأْس والفكين. والحجامة على الْقطن نافعة من دماميل الْفَخْذ وَجَربه وبثوره من النقرس والبواسير وداء الْفِيل ورياح المثانة وَالرحم وَمن حكّة الظّهْر. وَإِذا كَانَت هَذِه الْحجامَة بالنَّار بِشَرْط أَو غير شَرط نَفَعت من ذَلِك أَيْضا وَالَّتِي بِشَرْط أقوى فِي غير الرّيح وَالَّتِي بِغَيْر شَرط أقوى فِي تَحْلِيل الرّيح الْبَارِدَة واستئصالها هَهُنَا وَفِي كل مَوضِع.
стр. 291
والحجامة على الفخذين من قُدَّام تَنْفَع من ورم الخصيتين وخراجات الفخذين والساقين وَالَّتِي على الفخذين من خلف تَنْفَع من الأورام والخراجات الْحَادِثَة فِي الأليتين. وعَلى أَسْفَل الرّكْبَة تَنْفَع من ضَرْبَان الرّكْبَة الْكَائِن من أخلاط حادة وَمن الخراجات الرَّديئَة والقروح العتيقة فِي السَّاق وَالرجل. وَالَّتِي على الْكَعْبَيْنِ تَنْفَع من احتباس الطمث وَمن عرق النسا والنقرس. وَأما الْحجامَة بِلَا شَرط فقد تسْتَعْمل فِي جذب الْمَادَّة عَن جِهَة حركتها مثل وَضعهَا على الثدي لحبس نزف دم الْحيض وَقد يُرَاد بهَا إبراز الورم الغائر ليصل إِلَيْهِ العلاج وَقد يُرَاد بهَا نقل الورم إِلَى عُضْو أخس فِي الْجوَار وَقد يُرَاد بهَا تسخين الْعُضْو وجذب الدَّم إِلَيْهِ وَتَحْلِيل رياحه وَقد يُرَاد بهَا رده إِلَى مَوْضِعه الطبيعي المنزول عَنهُ كَمَا فِي القيلة وَقد تسْتَعْمل لتسكين الوجع كَمَا تُوضَع على السُّرَّة بِسَبَب القولنج المبرح ورياح الْبَطن وأوجاع الرَّحِم الَّتِي تعرض عِنْد حَرَكَة الْحيض خُصُوصا للفتيات. وعَلى الورك لعرق النسا وَخَوف الْخلْع. وَمَا بَين الرُّكْبَتَيْنِ نافعة للوركين والفخذين والبواسير وَلِصَاحِب القيلة والنقرس. وَوضع المحاجم على المقعدة يجذب من جَمِيع الْبدن وَمن الرَّأْس وينفع الأمعاء ويشفي من فَسَاد الْحيض ويخف مَعهَا الْبدن ونقول: إِن للحجامة بِالشّرطِ فَوَائِد ثَلَاث: أولاها: الاستفراغ من نفس الْعُضْو ثانيتها: اسْتِبْقَاء جَوْهَر الرّوح من غير استفراغ تَابع لاستفراغ مَا يستفرغ من الاخلاط وثالثتها: تَركهَا التعرّض للاستفراغ من الْأَعْضَاء الرئيسة. وَيجب أَن يعمق المشرط ليجذب من الْغَوْر وَرُبمَا ورم مَوضِع التصاق المحجمة فعسر نَزعهَا فليؤخذ خرق أَو اسفنجة مبلولة بِمَاء فاتر إِلَى الْحَرَارَة وليكمّد بهَا حواليها أَولا. وَهَذَا يعرض كثيرا إِذا استعملنا المحاجم على نواحي الثدي ليمنع نزف الْحيض أَو الرعاف وَلذَلِك لَا يجب أَن يَضَعهَا على الثدي نَفسه وَإِذا دهن مَوضِع الْحجامَة فليبادر إِلَى إعلاقها وَلَا تدافع بل تستعجل فِي الشَّرْط وَتَكون الوضعة الأولى خَفِيفَة سريعة الْقلع ثمَّ يتدرج إِلَى إبطاء الْقلع والإمهال. وغذاء المحتجم يجب أَن يكون بعد سَاعَة وَالصَّبِيّ يحتجم فِي السّنة الثَّانِيَة وَبعد سِتِّينَ سنة لَا يحتجم الْبَتَّةَ وَفِي الْحجامَة على الأعالي أَمن من انصباب الْموَاد إِلَى أَسْفَل والمحتجم الصفراوي يتَنَاوَل بعد الْحجامَة حب الرُّمَّان وَمَاء الرُّمَّان وَمَاء الهندبا بالسكر والخس بالخل. الْفَصْل الثَّانِي وَالْعشْرُونَ العلق قَالَت الْهِنْد: إِن من العلق مَا فِي طباعها سميه فليجتنب جَمِيع مَا كَانَ عَظِيم الرَّأْس لَونه كحلي أسود أَو لَونه أَخْضَر وَذَوَات الزغب والشبيه بالمارماهج وَالَّتِي عَلَيْهَا خطوط لازوردية والشبيهة الألوان بِأبي قلمون فَفِي جَمِيع هَذِه سميَّة يُورث إرسالها أوواماً وغشياً ونزف دم وَحمى واسترخاء وقروحاً رَدِيئَة وليجتنب المصيدة من الْمِيَاه الحمئية الرَّديئَة بل يخْتَار مَا يصاد من الْمِيَاه الطحلبية ومأوى الضفادع وَلَا يلْتَفت إِلَى مَا يُقَال أَن الكائنة فِي مياه مضفدعة رَدِيئَة ولتكن ماسية الألوان يعلوها خضرَة ويمتد عَلَيْهَا خطان زرنيخيان والشقر الزرق المستديرة الْجنُوب والكبدية الألوان وَالَّتِي تشبه الْجَرَاد الصَّغِير وَالَّتِي تشبه ذَنْب الفأر الدقاق الصغار الرؤوس وَلَا يخْتَار على حمر الْبُطُون خضر الظُّهُور وَلَا سِيمَا إِن كَانَت فِي الْمِيَاه الْجَارِيَة وجذب العلق للدم أغور من جذب الْحجامَة. وَيجب أَن يصاد قبل الِاسْتِعْمَال بِيَوْم ويقيأ بالأكباب حَتَّى يخرج مَا فِي بطونها إِن أمكن ذَلِك ثمَّ يصب لَهَا شَيْء يسير من الدَّم من حَمَلِ أَو غَيره ليغتذي بِهِ قبل الْإِرْسَال ثمَّ تُؤْخَذ وتنظف لزوجاتها وقذاراتها بِمثل اسفنجة وَيغسل مَوضِع إرسالها ببورق ويحمر بالدلك ثمَّ ترسل العلق عِنْد إِرَادَة اسْتِعْمَالهَا فِي مَاء عذب فتنظف ثمَّ ترسل. وَمِمَّا ينشطها للتعلق مسح الْموضع بطين الرَّأْس أَو بِدَم فَإِذا امْتَلَأت وَأُرِيد إِسْقَاطهَا ذَر عَلَيْهَا شَيْء من ملح أَو رماد أَو بورق أَو حراقة خرق كتَّان أَو اسنفجة محرقة أَو صوفة محرقة. وَالصَّوَاب بعد سُقُوطهَا أَن يمتص بالمحجمة فَيُؤْخَذ من دم الْموضع شَيْء يُفَارق مَعَه ضَرَر أَثَرهَا ولسعها فَإِن لم يحتبس الدَّم ذَر عَلَيْهِ عفص محرق أَو نورة أَو رماد أَو خزف مسحوق جدا أَو غير ذَلِك من حسابات الدَّم وَيجب أَن تكون عتيدة معدة عِنْد مُعَلّق العلق وَاسْتِعْمَال العلق جيد فِي الْأَمْرَاض الجلديه من السعفة والقوباء والكَلَف والنمش وَغير ذَلِك. الْفَصْل الثَّانِي وَالْعشْرُونَ الاستفراغات تحبس إِمَّا بإمالة الْمَادَّة من غير استفراغ آخر وَإِمَّا باستفراغ مَعَ الإمالة وَإِمَّا بإعانة الاستفراغ نَفسه وَإِمَّا بأدوية مبردة أَو مغرية أَو قابضة أَو كاوية وَإِمَّا بالشد. أما حبس الاستفراغ بالجذب من غير استفراغ فَمثل وضع المحاجم على الثدي ليمنع نزف الدَّم من الرَّحِم وأجود الجذب مَا كَانَ مَعَ تسكين وجع المجذوب عَنهُ. وَأما الَّذِي يكون بجذب مَعَ استفراغ فَمثل فصد الباسليق لذَلِك وَمثله حبس الْقَيْء بالإسهال والإسهال بالقي وَحبس كليهمَا بالتعريق.
стр. 292
وَأما بمعاونة الاستفراغ فَمثل تنقية الْمعدة والمعي عَن الأخلاط اللزجة المذربة المزلقة بالأيارج وَالِاجْتِهَاد فِي تنقية فَم الْمعدة بالقيء لتنقطع مَادَّة الْقَيْء الثَّابِت. وَإِمَّا بالأدوية المبردة لجمد السَّائِل وَيَأْخُذ الفوهات ويضيقها. وَأما الْأَدْوِيَة القابضة لتقبض الْمَادَّة وتضم المجاري. وَإِمَّا بالأدوية المغرية لتحدث السدد فِي فوهات المجاري. فَإِن كَانَت حارة مجففه فَهِيَ أبلغ وَإِمَّا الكاوية لتحدث خشكريشة تقوم على وَجه المجرى فيسد ويرتق وَلها ضَرَر متوقع وَذَلِكَ أَن الخشكريشة رُبمَا انقلعت فَزَاد المجرى اتساعاً. وَمن الكاوية مَا لَهُ قبض كالزاج وَمِنْه مَا لَيْسَ لَهُ قبض كالنورة الْغَيْر مطفاة يُرَاد القابضة حَيْثُ يُرَاد خشكريشة غير ثَابِتَة وتراد الآخرى حَيْثُ يُرَاد أَن تسْقط الخشكريشة سَرِيعا وتراد الكاوية القابضة حَيْثُ يُرَاد خشكريشة ثَابِتَة. وَأما الذى بالشد فبعضه بإطباق المجرى وقسره على الإنضمام كشد مَا فَوق الْمرْفق عِنْد خطأ الفصاد فِي الباسليق إِذا أصَاب الشريان وَبَعضه بحشو فَم الْجراحَة مثل مَا يسد سَبِيل المستفرغ مثل إلقام الْجراحَة وبر الأرنب ونقول: إِن نزف الدَّم إِن كَانَ من أجل انقتاح أَفْوَاه. الْعُرُوق عولج بالقابضة ليضم أفواهها وَإِن كَانَ من حرق فبالقابضة المغرية كالطين الْمَخْتُوم وَإِن كَانَ عَن كُل فِيمَا ينْبت اللَّحْم مخلوطاً بِمَا يجلو لِتَأكل وَأَنت تعلم جَمِيع ذَلِك من مَوضِع آخر. الْفَصْل الثَّالِث وَالْعشْرُونَ معالجات السدد السدد إِمَّا من أخلاط غَلِيظَة وَإِمَّا من أخلاط لزجة وَإِمَّا من أخلاط كَثِيرَة. والأخلاط الْكَثِيرَة إِذا لم يكن مَعهَا سَبَب آخر كفى مضرتها إخْرَاجهَا بالفصد والإسهال وَإِن كَانَت غَلِيظَة احْتِيجَ إِلَى المحلات الحالية وَإِن كَانَت لزجة وَلَا سِيمَا رقيقَة فَيحْتَاج إِلَى المقطعات وَقد عرفت الْفرق بَين الغليظ واللزج وَهُوَ الْفرق بَين الطين والغراء الْمُذَاب. والغليظ يحْتَاج إِلَى الْمُحَلّل ليرققه فيسهل اندفاعه. واللزج يحْتَاج إِلَى المقطع ليعرض بَينه وَبَين مَا الْتَصق بِهِ فيبرئه عَنهُ وليقطع أجزاءه صغَارًا صغَارًا إِذا كَانَ اللزج يسدٌ بالتصاقه وتلازم أَجْزَائِهِ وَجب أَن يحذر فِي تَحْلِيل الغليظ سببان متضادان: أَحدهمَا التَّحْلِيل الضَّعِيف الَّذِي يزِيد فِي تَحْلِيل الضَّعِيف الَّذِي فِي تَحْلِيل الْمَادَّة زِيَادَة حجمها من غير أَن يبلغ التَّحْلِيل فتزداد السدة وَالْآخر التَّحْلِيل الشَّديد الْقوي الَّذِي يتحلّل مَعَه لطيفها ويتحجر كثيفها فَإِذا احْتِيجَ إِلَى تَحْلِيل قوي أرْدف بالتليين اللَّطِيف بمادة لَا غلظ فِيهَا مَعَ حرارة معتدلة لتعين ذَلِك على تَحْلِيل كُلية الساد فَإِن أصعب السدد سدد الْعُرُوق وأصعبها سدد الشرايين وأصعبها مَا كَانَ فِي الْأَعْضَاء الرئيسة. وَإِذا اجْتمع فِي المفتحات قبض وتلطيف كَانَت أوفق فَإِن الْقَبْض يدْرَأ عنف اللَّطِيف عَن الْعُضْو.
стр. 293
الْفَصْل الْخَامِس وَالْعشْرُونَ معالجات الأورام والأورام مِنْهَا حارة وَمِنْهَا بَارِدَة وَمِنْهَا رخوة وَمِنْهَا بَارِدَة صلبة وَقد عددناها. وأسبابها إِمَّا بادية وَإِمَّا سَابِقَة. والسابقة كالامتلاء والبادية مثل السقطة والضربة والنهشة. والكائن من أَسبَاب بادية إِمَّا أَن يتَّفق مَعَ امتلاء فِي الْبدن أَو مَعَ اعْتِدَال من الأخلاط وَلَا يكون مَعَ امتلاء فِي الْبدن. والكائن عَن أَسبَاب سَابِقَة وَعَن بادية مُوَافقَة لامتلاء الْبدن فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن تكون فِي أَعْضَاء مجاورة للرئيسة وَهِي كالمفرغات للرئيسية أَو لَا تكون فَإِن لم تكن فَلَا يجوز أَن يقرب إِلَيْهَا من المحللات شَيْء الْبَتَّةَ فِي الِابْتِدَاء بل يجب أَن يصلح الْعُضْو الدَّافِع إِن كَانَ عُضْو دَافع وَيصْلح الْبدن كُله إِن كَانَ لَيْسَ لَهُ عُضْو مُفْرد وَأَن يقرب إِلَيْهِ كل الْقرب كل مَا يردع ويجذب إِلَى الْخلاف وَيقبض وَرُبمَا جذب إِلَى خلاف ذَلِك الْعُضْو فِي الْجَانِب الْمُخَالف برياضة أَو حمل ثقيل عَلَيْهِ. وَكَثِيرًا مَا تجذب الْمَادَّة عَن الْيَد المتورمة إِذا حمل بالآخرى ثقيل وَأمْسك سَاعَة. وَأما القابضات فَيجب فِيهَا أَن تتوخى القابضات الرادعة فِي الأورام الحارة المزاج صرفة وَفِي الأورام الْبَارِدَة مخلوطة بِمَا لَه قُوَّة حارة مَعَ الْقَبْض مثل الْإِذْخر وأظفار الطّيب وَكلما يزِيد الصفان نقص الْقَبْض وقوى بِهِ الْمُحَلّل حَتَّى يوافي الِانْتِهَاء فَحِينَئِذٍ يخلط بَينهمَا بِالسَّوِيَّةِ وَعند الانحطاط يقْتَصر على الْمُحَلّل والمرخي. والباردة الرخوة يجب أَن يكون مَا يحللها شَيْئا حارأً ميبساً أَكثر مَا يكون فِي الحارة. هَذَا وأماالحادث عَن سَبَب باد وَلَيْسَ هُنَاكَ امتلاء من الأخلاط فَيجب أَن يعالج فِي أول الْأَمر بالإرخاء والتحليل وَإِلَّا فبمثل مَا عولج بِهِ الأول. وَأما إِذا كَانَ الْعُضْو المتورم مفرغة لعضو رَئِيس مثل الْمَوَاضِع الغددية من الْعُنُق حول الْأُذُنَيْنِ للدماغ والإبط للقلب والإربيتين للكبد فَلَا يجوز الْبَتَّةَ أَن يقرب إِلَيْهَا مَا يردع لَيْسَ لأجل أَن هَذَا لَيْسَ علاجاً لأورامها فَإِن هَذَا هُوَ أعلاج لأورامها غير أَنا نؤثر أَن لَا نعالج أورامها ونجتهد فِي الزِّيَادَة فِيهَا وجذب الْمَادَّة إِلَيْهَا وَلَا نبالي من اشتداد الضَّرَر بالعضو طلبا منا لمصْلحَة الْعُضْو الرئيس وخوفاً منا أَنا ذَا أردعنا الْمَادَّة انصرفت إِلَى الْعُضْو الرئيس وَكَانَ من ذَلِك مَا لَا يُطَاق تَدَارُكه فَنحْن نستأثر وُقُوع الضَّرَر بالعضو الخسيس من حَيْثُ ينفع الْعُضْو الرئيس حَتَّى إِنَّا لنجتهد فِي جذب الْمَادَّة إِلَى الْعُضْو الخسيس وتوريمه وَلَو بالمحاجم والأضمدة الجاذبة الحادة. وَإِذا جتمع أَمْثَال هَذِه الأورام أَو غَيرهَا - وخصوصاً فِي الْمَوَاضِع الخالية - فَرُبمَا انفرج بِذَاتِهِ أَو مَعُونَة الإنضاج وَرُبمَا احتجت إِلَى الإنضاج والبط مَعًا. والإنضاج يتم بِمَا فِيهِ مَعَ الْحَرَارَة تسديد وتغرية يحصر بهما الْحَار وَمن يحاول الإنضاج بِمثل هَذِه المنضجات بجب عَلَيْهِ أَن يتَأَمَّل فَإِن وجد الْحَار الغريزي ضَعِيفا وَرَأى الْعُضْو يمِيل إِلَى الْفساد نحى عَنهُ المغرّيات والمسدّدات وَاسْتعْمل المفتّحات وَالشّرط العميق ثمَّ الْأَدْوِيَة الَّتِي فِيهَا تَحْلِيل وتجفيف وكما نستقصي فِيهِ فِي الْكتب الْجُزْئِيَّة وَكَثِيرًا مَا يكون الورم غائراً فَيحْتَاج إِلَى جذبه
стр. 294
نَحْو الْجلد وَلَو بالمحاجم بالنَّار. وَأما الأورام الصلبة الْمُجَاوزَة حد الِابْتِدَاء فالقانون فِيهَا أَن تلين تَارَة بِمَا يقلّ إسخانه وتجفيفه لئلآ يتحجر كثيفه لشدَّة التَّحْلِيل بل يستعد جَمِيعه للتحليل ثمَّ يشد عَلَيْهِ التَّحْلِيل ثمَّ إِن خيف - من تحلل مَا تحلّل - تحجر مَا يبْقى أقبل على تليينه ثَانِيًا وَلَا يزَال يفعل ذَلِك حَتَّى يفنى كُله فِي مدتي التليين والتحليل. والأورام الفجة تعالج يما يسخن مَعَ لطافة والأورام النفخية تعالج بِمَا يسخن مَعَ لطافة جَوْهَر لتحلل الرّيح وَتوسع المسام إِذْ السَّبَب فِي الأورام النفخية غلظ الرّيح بانسداد المسام. وَيجب أَيْضا أَن يعتنى بجسم مَادَّة مَا يحدث البخار الريحي. وَمن الأورام أورام قرحية كالنملة فَيجب أَن تبرد كالفلغموني وَلَكِن لَا يَنْبَغِي أَن يرطب وَأَن كَانَ الورم يَقْتَضِي الترطيب بل يَنْبَغِي أَن تجقف لِأَن الْعرض هَهُنَا قد غلب السَّبَب. وَالْعرض هُوَ التقرح المتوقع أَو الْوَاقِع. والتقرح علاجه التجفيف وأضر الْأَشْيَاء بِهِ الترطيب. وَأما الأورام الْبَاطِنَة فَيجب أَن تنقص الْمَادَّة عَنْهَا بالفصد والإسهال ويجتنب صَاحبهَا الْحمام وَالشرَاب والحركات الْبَدَنِيَّة والنفسانية المفرطة كالغضب وَنَحْوه ثمَّ يسْتَعْمل فِي بَدْء الْأَمر مَا يردع من غير حمل شَدِيد وخصوصاً إِن كَانَ فِي مثل الْمعدة أَو الكبد لهاذا جَاءَ وَقت تحليلها فَلَا يجب أَن يخلي عَن أدوية قابضة طيبَة الرّيح كَمَا أومأنا إِلَيْهِ فِيمَا سلف. والكبد والمعدة أحْوج إِلَى ذَلِك من الرئة وَيجب أَن تكون الملينات للطبيعة الَّتِي تسْتَعْمل فِيهَا إنضاج وموافقة للأورام مثل عِنَب الثَّعْلَب وَالْخيَار شنبر. ولعنب الثَّعْلَب خاصية فِي تَحْلِيل الأورام الحارة الْبَاطِنَة وَيجب أَن لَا يغذى أَرْبَابهَا إِلَّا لطيفاً وَفِي غير وَقت النّوبَة إِن كَانَت فِي ابتدائها إِلَّا لضعف شَدِيد. وَمن بلي باجتماع ورم الأحشاء مَعَ سُقُوط الْقُوَّة فَهُوَ فِي طَرِيق الْمَوْت لِأَن الْقُوَّة لَا تنتعش إِلَّا بالغذاء. والغذاء أضرّ شَيْء فَإِن تحللت فَمَا أحسن مَا يكون وَإِن تَفَجَّرَتْ فَيجب أَن يشرب مَا يغسلهَا مثل مَاء الْعَسَل أَو مَاء السكر ثمَّ يتَنَاوَل مَا ينضج بِرِفْق مَعَ تجفيف ثمَّ آخر الْأَمر يقْتَصر على المجففات. وستعلم هَذَا من الْكتاب الْمُشْتَمل على الْأَمْرَاض الْجُزْئِيَّة علما مشروحاً وَقد يغلط فِي الأورام الْبَاطِنَة الَّتِي تَحت الْبَطن فَإِنَّهَا رُبمَا لم تكن أوراماً بل كَانَت فتقاً فَيكون بطها فِيهِ خطر وَرُبمَا كَانَت ورماً بَاطِنا وَلَيْسَ فِي الصفاق بل فِي المعي نَفسه وَكَانَ فِي بطه خطر فَاعْلَم ذَلِك. الْفَصْل الْخَامِس وَالْعشْرُونَ كَلَام مُجمل فِي البَط من أَرَادَ أَن يبط بطأ فَيجب أَن يفدب بشقه مَعَ الأسرة والغضون الَّتِي فِي ذَلِك الْعُضْو إِلَّا أَن يكون الْعُضْو مثل الْجَبْهَة فَإِن البط إِذا وَقع على مَذْهَب أسرته وغضونه انْقَطَعت عضلة الْجَبْهَة وَسقط الْحَاجِب.
стр. 295
وَفِي الْأَعْضَاء الَّتِي يُخَالف منصب أسرته مَذْهَب لِيف العضلة وَيجب أَن يكون الباط عَارِفًا بالتشريح تشريح العصب والأوردة والشرايين لِئَلَّا يخطىء فَيقطع شَيْئا مِنْهَا فَيُؤَدِّي إِلَى هَلَاك الْمَرِيض. وَيجب أَن يكون عِنْده عدد من الْأَدْوِيَة الحابسة للدم وَمن المراهم المسكنة للوجع والآلات الَّتِي تجانس ذَلِك فَيكون مَعَه مثل دَوَاء جالينوس وَمثل وبر الأرنب أَو نسج العنكبوت إِذْ فِي نسج العنكبوت مَنْفَعَة بَيِّنَة فِي معنى ذَلِك وَأَيْضًا بَيَاض الْبيض والمكاوي كلهَا لمنع نزف إِن حل بِهِ خطأ مِنْهُ أَو ضَرُورَة وَتَكون مَعَه الْأَدْوِيَة المفردة حسب مَا بَينا فِي الْأَدْوِيَة المفردة. وَأَنت تعلم ذَلِك وَإِذا بطّ خراجاً فأخرَج مَا فِيهِ لم يجب أَن يقرب مِنْهُ دهناً وَلَا مائية وَلَا مرهماً فِيهِ شَحم وزيت غَالب كالباسليقون بل مثل مرهم القلقطار وليستعمله إِذا احْتَاجَ إِلَيْهِ وَيَضَع فَوْقه إسفنجة مغموسة فِي شراب قَابض.
(الْفَصْل السَّادِس وَالْعشْرُونَ علاج فَسَاد الْعُضْو)
وَالْقطع إِن الْعُضْو إِذا فسد لمزاج رَدِيء مَعَ مَادَّة أَو غير مَادَّة وَلم يغن فِيهِ الشَّرْط والطلاء بِمَا يصلح مِمَّا هُوَ مَذْكُور فِي الْكتب الْجُزْئِيَّة فَلَا بُد من أَخذ اللَّحْم الْفَاسِد الَّذِي عَلَيْهِ وَالْأولَى أَن يكون بِغَيْر الْحَدِيد إِن أمكن فَإِن الْحَدِيد رُبمَا أصَاب شظايا العضل والعصب وَالْعُرُوق النابضة إِصَابَة مجحفة فَإِن لم يغن ذَلِك وَكَانَ الْفساد قد تعدى إِلَى الدَّم فَلَا بُد من قطعه وكي قطعه بالدهن المغلي فَإِنَّهُ يَأْمَن بذلك شَرّ غائلته وَيَنْقَطِع النزف وينبت على قطعه دم وَجلد غَرِيب غير مُنَاسِب أشبه شَيْء بِالدَّمِ لصلابته. وَإِذا أُرِيد أَن يقطع فَيجب أَن يدْخل المجس فِيهِ ويدور حول الْعظم فَحَيْثُ يجد التصاقاً صَحِيحا فهنالك يشْتَد الوجع بِإِدْخَال المجس فَهُوَ حدّ السَّلامَة وَحَيْثُ يجد رهلاً وَضعف التصاق فَهُوَ فِي جملَة مَا يجب أَن يقطع فَتَارَة بثقب مَا يُحِيط بالعظم الَّذِي يُرَاد قطعه حَتَّى تحيط بِهِ المثاقب فينكسر بِهِ وَيَنْقَطِع وَتارَة ينشر. وَإِذا أُرِيد أَن يفعل بِهِ ذَلِك حيل بَين المقطع والمنقب وَبَين اللَّحْم لِئَلَّا يوجع فَإِن كَانَ الْعظم الَّذِي يحْتَاج إِلَى قطعه شظية ناتئة ليد يتهندم وَلَا يُرْجَى صَلَاحه وَيخَاف أَن يفْسد فَيفْسد مَا يَلِيهِ نحينا اللَّحْم عَنهُ إِمَّا بالشق ثمَّ بالربط وَالْمدّ إِلَى خلاف الْجِهَة وَإِمَّا بحيل أُخْرَى تهدي إِلَيْهَا الْمُشَاهدَة وحلنا بَينه وَبَين عُضْو شرِيف إِذا كَانَ هُنَاكَ بحجب من الْخرق ونبعده بهَا عَنهُ ثمَّ قَطعنَا وَإِن كَانَ الْعظم مثل عظم الْفَخْذ وَكَانَ كَبِيرا قَرِيبا من أعصاب وشرايين وأوردة وَكَانَ فَسَاده كثيرا فعلى الطَّبِيب عِنْد ذَلِك الْهَرَب. الْفَصْل السَّابِع وَالْعشْرُونَ معالجات تفرق الِاتِّصَال وأصناف القروح والوثي والضربة والسقطة تفرق الإتصال فِي الْأَعْضَاء الْعَظِيمَة يعالج بالتسوية والرباط الملائم الْمَفْعُول فِي صناعَة الْجَبْر وسيأتيك فِي مَوْضِعه ثمَّ بِالسُّكُونِ وَاسْتِعْمَال الْغذَاء المغري الَّذِي يُرْجَى أَن يتَوَلَّد مِنْهُ غذَاء غضروفي ليَشُد شفتي الْكسر ويلائمها كالكفشير فَإِنَّهُ من المستحيل أَن يجْبر الْعظم
стр. 296
وخصوصاً فِي الْأَبدَان الْبَالِغَة إِلَّا على هَذِه الصّفة فَإِنَّهُ لَا يعود إِلَى الِاتِّصَال الْبَتَّةَ. وسنتكلم فِي الْجَبْر كلَاما مستقصى فِي الْكتب الْجُزْئِيَّة. وَأما تفرق الإتصال الْوَاقِع فِي الْأَعْضَاء اللينة فالغرض فِي علاجها مُرَاعَاة أصُول ثَلَاثَة إِن كَانَ السَّبَب ثَابتا فَأول مَا يجب هُوَ قطع مَا يسيل وَقطع مادته إِن كَانَ لمجاوره مَادَّة. وَالثَّانِي: إلحام الشق بالأدوية والأغذية الْمُوَافقَة. وَالثَّالِث: منع العفونة مَا أمكن. وَإِذا كفى من الثَّلَاثَة وَاحِد صرفت الْعِنَايَة إِلَى البَاقِينَ. أما قطع مَا يسيل فقد عرفت الْوَجْه فِي ذَلِك وَنحن قد فَرغْنَا عَن بَيَانه. وَأما الإلحام. فتجمع الشفاه إِن اجْتمعت وبالتجفيف فَيتَنَاوَل المغريات وَيَنْبَغِي أَن تعلم أَن الْغَرَض فِي مداواة القروح هُوَ التجفيف فَمَا كَانَ مِنْهَا نقياً جفف فَقَط وَمَا كَانَ مِنْهَا عفناً اسْتعْملت فِيهِ الْأَدْوِيَة الحادة الأكالة مثل القلقطار والزاج والزرنيخ والنورة فَإِن لم ينجع فَلَا بُد من النَّار. والدواء المركّب من الزنجار والشمع والدهن ينقى بزنجاره وَيمْنَع إفراط اللذع بدهنه وشمعه فَهُوَ دَوَاء معتدل فِي هَذَا الشَّأْن الْمَذْكُور فِي أقراباذين وَتقول: إِن كل قرحَة لَا يَخْلُو إِمَّا أَن تكون مُفْردَة وَإِمَّا أَن تكون مركبة. والمفردة إِن كَانَت صَغِيرَة وَلم يتأكل من وَسطهَا شَيْء فَيجب أَن يجمع شفتاها وتعصب بعد توق من وُقُوع شَيْء فِيمَا بَينهَا من دهن أَو غُبَار فَإِنَّهُ يلتحم وَكَذَلِكَ الْكَبِيرَة الَّتِي لم يذهب من جوهرها شَيْء وَيُمكن إطباق جُزْء مِنْهَا على الآخر. وَأما الْكَبِيرَة الَّتِي لَا يُمكن ضمهَا شقاً كَانَ أَو فضاء مملوءاً صديداً أَو قد ذهب مِنْهَا شَيْء من جَوْهَر الْعُضْو فعلاجها التجفيف. فَإِن كَانَ الذَّاهِب جلدا فَقَط احْتِيجَ إِلَى مَا يخْتم وَهُوَ إِمَّا بِالذَّاتِ فالقوابض وَإِمَّا بِالْعرضِ فالحادة إِذا اسْتعْمل مِنْهَا قَلِيل مَعْلُوم مثل الزاج والقلقطار فَإِنَّهَا أعون على التجفيف وإحداث الخشكريشة فَإِن أَكثر أكل وَزَاد فِي القروح وَأما إِن كَانَ الذَّاهِب لَحْمًا كالقروح الغائرة فَلَا يجب أَن نبادر إِلَى الْخَتْم بل يجب أَن يعتني أَولا ب بإنبات اللَّحْم وَإِنَّمَا ينْبت اللَّحْم مَا لَا يتعدّى تجفيفه الدرجَة الأولى كثيرا بل هَهُنَا شَرَائِط يَنْبَغِي أَن تراعى من ذَلِك اعْتِبَار حَال مزاج الْعُضْو الْأَصْلِيّ ومزاج القرحة فَإِن كَانَ الْعُضْو فِي مزاجه شَدِيد الرطوبه والقرحة لَيست بشديدة الرُّطُوبَة كفى تجفيف يسير فِي الدرجَة الأولى لِأَن الْمَرَض لم يَتَعَدَّ عَن طبيعة الْعُضْو كثيرا. وَأما إِذا كَانَ الْعُضْو يَابسا والقرحة شَدِيدَة الرُّطُوبَة احْتِيجَ إِلَى مَا يجفف فِي الدرجَة الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة ليَرُدهُ إِلَى مزاجه وَيجب أَن يعدل الْحَال فِي المعتدلين وَمن ذَلِك اعْتِبَار مزاج الْبدن كُله لِأَن الْبدن إِذا كَانَ شَدِيد اليبوسة كَانَ الْعُضْو الزَّائِد فِي رطوبته معتدلاً فِي الرُّطُوبَة بِحَسب الْبدن المعتدل فَيجب أَن يجفف بالمعتدل وَكَذَلِكَ إِن كَانَ الْبدن زَائِد الرُّطُوبَة والعضو إِلَى ٍ اليبوسة وَإِن خرجا جَمِيعًا إِلَى الزِّيَادَة فَحِينَئِذٍ إِن كَانَ الْخُرُوج إِلَى الرُّطُوبَة جفف تجفيفاً أَكثر أَو إِلَى اليبوسة جفّف تجفيفاً أقل وَمن ذَلِك اعْتِبَار قُوَّة المجقفات فَإِن المجففات المنبتة - وَإِن لم يطْلب مِنْهَا تجفيف شَدِيد مثله - يمْنَع الْمَادَّة المنصبة إِلَى الْعُضْو الَّتِي مِنْهَا يتهيأ إنبات اللَّحْم كَمَا يطْلب فِي مجففات لَا تسْتَعْمل لإنبات اللَّحْم بل للختم فإذاه يطْلب مِنْهَا أَن تكون أَكثر جلاءَ وغسلاً للصديد من المجففات الخاتمة الَّتِي لَا يُرَاد مِنْهَا إِلَّا الْخَتْم
стр. 297
والإلحام والإهمال وَجَمِيع الْأَدْوِيَة الَّتِي تجفف بِلَا لذع فَهِيَ ذَات نفع فِي إنبات اللَّحْم. وكل قرحَة فِي مَوضِع غير لحيم فَهِيَ غير مجيبة لسرعة الإندمال. وَكَذَلِكَ المستديرة. وَأما القروح الْبَاطِنَة فَيجب أَن يخلط بالأدوية المجففة والقوابض المستعملة فِيهَا أدوية منفذة كالعسل وأدوية خَاصَّة بالموضع كالمدرات فِي أدوية علاج قُرُوح آلَات الْبَوْل وَإِذا أردنَا فِيهَا الإدمال جعلنَا الْأَدْوِيَة مَعَ قبضهَا لزجة كالطين الْمَخْتُوم. وَاعْلَم أَن لبرء القرحة مَوَانِع رداءة الْعُضْو أَي مزاج الْعُضْو فَيجب ان تعتني بإصلاحه حسب مَا تعلم وراءة مزاج الدَّم المتوجه إِلَيْهِ فيربطه فَيجب أَن تتداركه بِمَا يُولد الكيموس الْمَحْمُود وَكَثْرَة الدَّم الَّذِي يسيل إِلَيْهِ ويرطبه فَيجب أَن تتداركه بالاستفراخ وتلطيف الْغذَاء وَاسْتِعْمَال الرياضة إِن أمكن. وَفَسَاد الْعظم الَّذِي نخبه وأساله الصديد وَهَذَا لَا دَوَاء لَهُ إِلَّا إصْلَاح ذَلِك الْعظم وحكه إِن كَانَ الحك يَأْتِي على فَسَاده أَو أَخذه وقطعه وَكَثِيرًا مَا يحْتَاج أَن يكون مَعَ معالجي القرحة مراهم جذابة لهشيم الْعِظَام وسلاءة ليخرجها وَإِلَّا منعت صَلَاح القرحة. القروح تحْتَاج إِلَى الْغذَاء للتقوية وَإِلَى تقليل الْغذَاء لقطع مَادَّة الْمدَّة وَبَين المقتضيين خلاف فَإِن الْمدَّة تضعف فتحتاج إِلَى تَقْوِيَة وتكثر فتحتاج إِلَى منع الْغذَاء فَيجب أَن يكون الطَّبِيب متدبراً فِي ذَلِك وَإِذا كَانَت القروح فِي الِابْتِدَاء والتزيد فَلَا يَنْبَغِي أَن يدْخل الْحمام أَو يصاب بِمَاء حَار فينجذب إِلَيْهَا مَا يزِيد فِي الورم. وَإِذا سكنت القرحة وقاحت فَلَعَلَّهُ يرخص فِيهَا وكل قرحَة تنتكث بِسُرْعَة كلما اندملت فَهِيَ فِي طَرِيق البنصر. وَيجب أَن يتَأَمَّل دَائِما لون الْمدَّة ولون شفة الْجرْح وَإِذا كثرت الْمدَّة من غير استكثار من الْغذَاء فَذَلِك للنضج. ولنتكلم الأن فِي علاج الْفَسْخ. فَنَقُول: إِنَّه لما كَانَ الْفَسْخ تفرق اتِّصَال غائر وَرَاء الْجلد فَمن الْبَين أَن أدويته يجب أَن تكون أقوى من أدوية المكشوفة وَلما كَانَ الدَّم يكثر انصبابه إِلَيْهِ احْتَاجَ ضَرُورَة إِلَى مَا يحلل. وَيجب أَن يكون مَا يحلله لَيْسَ بِكَثِير التجفيف لِئَلَّا يحلّل اللَّطِيف ويحجر الكثيف فَإِذا قضى الوطر من الْمُحَلّل فَيجب أَن يسْتَعْمل الملحم المجفف لِئَلَّا يرتبك فِيمَا بَين الِاتِّصَال وسخ يتحجّر ثمَّ يعفن بِأَدْنَى سَبَب أَو ينقلع فَيَعُود تفرق الِاتِّصَال إِذا كَانَ الْفَسْخ أغور شَرط الْموضع ليَكُون الدَّوَاء أغوص. وَأما الْفَسْخ والرض الْخَفِيف فَرُبمَا كفى فِي علاجه الفصد فَإِن كَانَ الْفَسْخ مَعَ الشدخ عولج الشدخ أَولا بأدوية الشدخ حَتَّى يُمكن علاج الْفَسْخ. والشدخ إِن كَانَ كثيرا عولج بالمجفّفات وَإِن كَانَ قَلِيلا كنخس الإبرة أسْند أمره إِلَى الطبيعة نَفسهَا إِلَّا أَن يكون سمياً ملتفاً أَو يكون شَدِيد الانخلاع أَو يكون نَالَ عصباً فيخاف مِنْهُ تولّد الورم والضربان. وَأما الوثي فَيَكْفِي فِيهِ شدّ رَقِيق غير موجع وَأَن يوضع عَلَيْهِ الْأَدْوِيَة الوثبية. وَأما السقطة والضربة فَيحْتَاج
стр. 298
فِي مثلهَا إِلَى فصد من الْخلاف وتلطيف الْغذَاء وهجر للحم وَنَحْوه وَاسْتِعْمَال الأطلية والمشروبات الْمَكْتُوبَة لذَلِك فِي الْكتب الْجُزْئِيَّة. وَأما تفرّق الِاتِّصَال فِي الْأَعْضَاء العصبية وَفِي الْعِظَام فلنؤخر القَوْل فِيهَا. الْفَصْل الثَّامِن وَالْعشْرُونَ الكي الكي علاج نَافِع لمنع انتشار الْفساد ولتقوية الْعُضْو الَّذِي يرد مزاجه ولتحليل الْموَاد الْفَاسِدَة المتشبثة بالعضو ولحبس النزف. وَأفضل مَا يكوى بِهِ الذَّهَب وَلَا يَخْلُو موقع الكي إِمَّا أَن يكون ظَاهرا ويوقع عَلَيْهِ الكيّ بِالْمُشَاهَدَةِ أَو يكون غائراً فِي دَاخل عُضْو كالأنف أَو الْفَم أَو المقعدة وَمثل هَذَا يحْتَاج إِلَى قالب يغلي عَلَيْهِ مثل الطلق والمغرة مبلولة بالخلّ ثمَّ يلف عَلَيْهِ خرق ويبرد جدا بِمَاء ورد أَو بِبَعْض العصارات فَيدْخل القالب فِي ذَلِك المنفذ حَتَّى يلتقم موقع الكي ثمَّ يدس فِيهِ المكوى ليصل إِلَى موقعه وَلَا يُؤْذِي مَا حواليه وخصوصاً إِذا كَانَ المكوى أرق من حيطان القالب فَلَا يلقِي حيطان القالب وليتوق الكاوي أَن تتأدى قُوَّة كيته إِلَى الأعصاب والأوتار والرباطات وَإِذا كَانَ كيه لنزف دم فَيجب أَن يَجعله قَوِيا ليَكُون لخشكريشته عمق وثخن فَلَا يسْقط بِسُرْعَة فَإِن سُقُوط خشكريشة كي النزف يجلب آفَة أعظم مِمَّا كَانَ وَإِذا كويت لإِسْقَاط لحم فَاسد وَأَرَدْت أَن تعرف حد الصَّحِيح فَهُوَ حَيْثُ يوجع وَرُبمَا احتجت أَن تكوي مَعَ اللَّحْم الْعظم الَّذِي تَحْتَهُ وتمكنه عَلَيْهِ حَتَّى يبطل جَمِيع فَسَاده وَإِذا كَانَ مثل القحف تلطفه حَتَّى لَا يغلي الدِّمَاغ وَلَا تتشنج الْحجب وَفِي غَيره لَا تبالي بالاستقصاء. الْفَصْل التَّاسِع وَالْعشْرُونَ تسكين الأوجاع قد علمت أَسبَاب الأوجاع وَأَنَّهَا تَنْحَصِر فِي قسمَيْنِ: تغير المزاج دفْعَة وتفرق الِاتِّصَال ثمَّ علمت أَن آخر تفصيلها يَنْتَهِي إِلَى سوء مزاج حَار أَو بَارِد أَو يَابِس بِلَا مَادَّة أَو مَعَ مَادَّة كيموسية أَو ريح أَو ورم. فتسكين الوجع يكون بمضادة الْأَسْبَاب. وَقد علمت مضادة كل وَاحِد مِنْهَا كَيفَ يكون وَعلمت أَن سوء المزاج والورم وَالرِّيح كَيفَ يكون وَكَيف يعالج وكل وجع يشْتَد فَإِنَّهُ يقتل ويعرض مِنْهُ أَولا برد الْبدن وارتعاد ثمَّ يصغر النبض ثمَّ يبطل ثمَّ يَمُوت. وَجُمْلَة مَا يسكن الوجع إِمَّا مبدل المزاج وَإِمَّا مُحَلل الْمَادَّة وَإِمَّا مخدر. والتخدير يزِيل الوجع لِأَنَّهُ يذهب بحس ذَلِك الْعُضْو وَإِنَّمَا يذهب بحسّه لأحد سببين: إِمَّا بفرط التبريد وَإِمَّا بسمّية فِيهِ مضادة لقُوَّة ذَلِك الْعُضْو. والمرخيات من جملَة مَا يحلل بِرِفْق مثل بزر الْكَتَّان والشبت وإكليل الْملك والبابونج وبزر الكرفس واللوز المر وكل حَار فِي الأولى وخصوصاً إِذا كَانَ هُنَاكَ تغرية مَا مثل صمغ
стр. 299
الإجاص والنشا والاسفيذاجات والزعفران واللاذن والخطمي والحماما والكرنب والسلجم وطبيخها والشحوم والزوفا الرطب وأذهان مِمَّا ذكر والمسهلات والمستفركات كَيفَ كَانَت من هَذَا الْقَبِيل. وَيجب أَن تسْتَعْمل المرخيات بعد الاستفراغ إِن احْتِيجَ إِلَى استفْراغ حَتَّى تَنْقَطِع الْمَادَّة المنصبة إِلَى ذَلِك الْعُضْو وَأَيْضًا جَمِيع مَا ينضج الأورام أَو يفجرها. والمخدرات أقواها الأفيون وَمن جُمْلَتهَا اللفاح وبزره وقشور أَصله والخشخاشات والبنج والشوكران وعنب الثَّعْلَب وبزر الخس. وَمن هَذِه الْجُمْلَة الثَّلج وَالْمَاء الْبَارِد وَكثير مَا يَقع الْغَلَط فِي الأوجاع فَتكون أَسبَابهَا أموراٌ من خَارج مثل حر أَو برد أَو سوء وساد وَفَسَاد مُضْطَجع أَو صرعة فِي السكر وَغَيره فيطلب لَهَا سَبَب من الْبدن فيغلط. وَلِهَذَا يجب أَن تتعرف ذَلِك وتتعرف هَل هُنَاكَ امتلاء أم لَيْسَ وتتعرف هَل هُنَاكَ أَسبَاب الامتلات الْمَعْلُومَة وَرُبمَا كَانَ السَّبَب أَيْضا قد ورد من خَارج فَتمكن دَاخِلا مثل من يشرب مَاء بَارِدًا فَيحدث بِهِ وجع شَدِيد فِي نواحي معدته وكبده وَكَثِيرًا مَا لَا يحْتَاج إِلَى أَمر عَظِيم من الاستفراغ وَنَحْوه فَإِنَّهُ كثيرا مَا يَكْفِيهِ الاستحمام وَالنَّوْم الْبَالِغ فِيهِ وَمثل من يتَنَاوَل شَيْئا حاراً فيصدعه صداعاً عَظِيما ويكفيه شرب مَاء مبرد. وَرُبمَا كَانَ الشَّيْء الَّذِي من قبله يُرْجَى زَوَال الوجع إِمَّا بطيء التَّأْثِير وَلَا يحْتَمل الوجع إِلَى ذَلِك الْوَقْت مثل استفراغ الْمَادَّة الفاعلة لوجع القولنج المحتبسة فِي لِيف الأمعاء وَإِمَّا سريع التَّأْثِير لكنه عَظِيم الغائلة مثل تخدير الْعُضْو الوجع فِي القولنج بالأدوية الَّتِي من شَأْنهَا أَن تفعل ذَلِك فيتحير المعالج فى ذَلِك فَيجب أَن يكون عِنْده حدس قوي ليعلم أى المدتين أطول مُدَّة ثبات الْقُوَّة أَو مدد الوجع وَأَيْضًا الْحَالين أضرّ فِيهِ الوجع أَو الغائلة المتوقعة فِي التخدير فيؤثر تَقْدِيم مَا هُوَ أصوب. فَرُبمَا كَانَ الوجع - إِن بَقِي - قتل بشدته وبعظمه والتخدير رُبمَا لم يقتل وَإِن أضرّ من وَجه اخر وَرُبمَا أمكنك أَن تتلافى مضرّته وتعاود وتعالج بالعلاج الصَّوَاب وَمَعَ ذَلِك فَيجب أَن تنظر فِي تركيب المخدر وكيفيته وتستعمل أسهله وتستعمل مركبه مَعَ ترياقاته إِلَّا أَن يكون الْأَمر عَظِيما جدا فتخاف وتحتاج إِلَى تخدير قوي وَرُبمَا كَانَ بعض الْأَعْضَاء غير ميال بِاسْتِعْمَال المخدر عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يُؤَدِّي إِلَى غائلة عَظِيمَة مثل الْأَسْنَان إِذا وضع عَلَيْهَا مخدّر. وَرُبمَا كَانَ الشّرْب أَيْضا سليما فِي مثله مثل شرب المخدر لأجل وجع الْعين فَإِن ذَلِك أقل ضَرَرا بِالْعينِ من أَن يكتحل بِهِ وَرُبمَا سهك تلاقي ضَرَر شربهَا بالأعضاء الآخرى. وَأما فِي مثل القولنج فتعظم الغائلة لِأَن الْمَادَّة تزداد بردا وجموداً واستغلافاً والمخدرات قد تسكن الوجع بِمَا تنوم فَإِن النّوم أحد أَسبَاب سُكُون الوجع وخصوصاً إِذا اسْتعْمل الْجُوع مَعَه فِي وجع مادي. والمخدّرات المركبة الَّتِي تكسر قواها أدوية هِيَ كالترياق لَهَا أسلم مثل الفلونيا وَمثل الأقراص الْمَعْرُوفَة بِالْمُثَلثَةِ لَكِنَّهَا أَضْعَف تخديراً. والطري مِنْهَا أقوى تخديراً والعتيق يكَاد لَا يخدر والمتوسط متوسط. وَمن الأوجاع مَا هُوَ شَدِيد الشدَّة سهل العلاج أَحْيَانًا مثل الأوجاع الريحية فَرُبمَا سكنها وكفاها صب المَاء الْحَار عَلَيْهَا وَلَكِن فِي ذَلِك خطر وَاحِد وَذَلِكَ أَنه رُبمَا كَانَ السَّبَب ورماً
стр. 300
فيظن أَنه ريح فَإِن اسْتعْمل عَلَيْهِ وخصوصاً فِي ابْتِدَاء تبطيل مَاء حَار عظم الضَّرَر. وَهَذَا مَعَ ذَلِك رُبمَا أضرّ بالريحي وَذَلِكَ إِذا ضعف عَن تَحْلِيل الرّيح وَزَاد فِي انبساط حجمه. والتكميد أَيْضا من معالجات الرِّيَاح وأفضله بِمَا خص مثل الجاورس إِلَّا فِي عُضْو لَا يحْتَملهُ مثل الْعين فتكمد بالخرق وَمن الكمادات مَا يكون بالدهن المسخّن. وَمن التكميدات القوية أَن يطْبخ دَقِيق الكرسنة بالخل ويجفّف ثمَّ يتَّخذ مِنْهُ كماد ودونه أَن تطبخ النخالة كَذَلِك وَالْملح لذاع البخار والجاورس أصلح مِنْهُ وأضعف وَقد يكمد بِالْمَاءِ فِي مثانة. وَهُوَ سليم لين وَلَكِن قد يفعل الْفِعْل الْمَذْكُور إِذا لم يراع والمحاجم بالنَّار من قبيل هَذَا وَهُوَ قوي على إسكَان الوجع الريحي وَإِذا كرر أبطل الوجع أصلا لكنه قد يعرض مِنْهُ مَا يعرض من المرخيات. وَمن مسكنات الأوجاع الْمَشْي الرَّقِيق الطَّوِيل الزَّمَان لما فِيهِ من الارخاء وَكَذَلِكَ الشحوم اللطيفة الْمَعْرُوفَة والأدهان الَّتِي ذكرنَا والغناء الطّيب خُصُوصا إِذا نوم بِهِ والتشاغل بِمَا يفرح مسكن قوي للوجع. الْفَصْل الثَّلَاثُونَ وَصِيَّة فِي أَنا بِأَيّ المعالجات نبتدىء إِذا اجْتمعت أمراض فَإِن الْوَاجِب أَن نبتدىء بِمَا يَخُصُّهُ إِحْدَى الحواص الثَّلَاث: إِحْدَاهَا بِالَّتِي لَا تبرىء الثَّانِيَة دون برئه مثل الورم والقرحة إِذا اجْتمعَا فَإنَّا نعالج الورم أَولا حَتَّى يَزُول سوء المزاج الَّذِي يَصْحَبهُ وَلَا يُمكن أَن تَبرأ مَعَه القرحة ثمَّ نعالج القرحة. الثَّانِيَة مِنْهَا أَن يكون أَحدهمَا هُوَ السَّبَب فِي الثَّانِي مثل أَنه إِذا عرضت سدّة وَحمى عالجنا السدة أَولا ثمَّ الْحمى وَلم نبال من الْحمى إِن احتجنا أَن نفتح السددة بِمَا فِيهِ شَيْء من التسخين ونعالج بالمجففات وَلَا نبالي بالحمى لِأَن الْحمى يَسْتَحِيل أَن تَزُول وسببها بَاقٍ وعلاج سَببهَا التجفيف وَهُوَ يضر الْحمى. وَالثَّالِثَة أَن يكون أحداهما أَشد اهتماماً كَمَا إِذا اجْتمع حمى مطبقة سوناخس. والفالج فَإنَّا نعالج سوناخس بالتطفية والفصد وَلَا نلتفت إِلَى الفالج وَأما إِذا اجْتمع الْمَرَض وَالْعرض فَإنَّا نبدأ بعلاج الْمَرَض إِلَّا أَن يغلبه الْعرض فَحِينَئِذٍ نقصد فصد الْعرض وَلَا نلتفت إِلَى الْمَرَض كَمَا نسقي المخدرات فِي القولنج الشَّديد الوجع إِذا صَعب وَإِن كَانَ يضر نفس القولنج وَكَذَلِكَ رُبمَا أخرنا الْوَاجِب من الفصد لضعف الْمعدة أَو لإسهال مُتَقَدم أَو غثيان فِي الْحَال وَرُبمَا لم نؤخر وَلَكِن فصدنا وَلم نستوف قطع السَّبَب كُله كَمَا أَنا فِي عِلّة التشنُج لَا نتحرى نفض الْخَلْط كُله بل نَتْرُك مِنْهُ شَيْئا تحلله الركة التشنجية لِئَلَّا تحلل من الرُّطُوبَة الغريزية. فَلْيَكُن هَذَا الْقدر من كلامنا فِي الْأُصُول الْكُلية لصناعة الطِّبّ كَافِيا ولنأخذ فِي تصنيف كتَابنَا فِي الْأَدْوِيَة المفردة إِن شَاءَ الله تَعَالَى. تمّ الْكتاب الأول من كتب القانون وهم الكليات وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد النَّبِي وَآله.
стр. 301
(فارغة)
стр. 302
(فارغة)
стр. 303
الْكتاب الثَّانِي الْأَدْوِيَة المفردة بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الح
стр. 304
مد لله وَسَلام على عباده الَّذين اصْطفى وَبعد حمد الله وَالثنَاء عَلَيْهِ وَالصَّلَاة على أنبيائه فَإِذا هَذَا الْكتاب هُوَ ثَانِي الْكتب الَّتِي صنفناها فِي الطِّبّ الَّتِي الأول مِنْهَا هُوَ فِي الْأَحْكَام الكليّة من الطِّبّ وَالثَّانِي مِنْهَا هُوَ هَذَا الْكتاب الْمَجْمُوع فِي الْأَدْوِيَة المفردة. وَقَسمنَا هَذَا الْكتاب جملتين: الأولى مِنْهُمَا: فِي القوانين الطبيعية الَّتِي يجب أَن تعرف من أَمر الْأَدْوِيَة المستعملة فِي علم الطِّبّ. وَالثَّانيَِة مِنْهُمَا: فِي معرفَة قوى الْأَدْوِيَة الْجُزْئِيَّة. أما الْجُمْلَة الأولى فقسمناها إِلَى سِتَّة مقالات: الْمقَالة الأولى: فِي تَعْرِيف أمزجة الْأَدْوِيَة المفردة. الْمقَالة الثَّانِيَة: فِي تعرف أمزجة الْأَدْوِيَة المفردة بالتجربة. الْمقَالة الثَّالِثَة: فِي تعرف أمزجة الْأَدْوِيَة المفردة بِالْقِيَاسِ. الْمقَالة الْخَامِسَة: فِي أَحْكَام تعرض للأدوية من خَارج. الْمقَالة السَّادِسَة: فِي الْتِقَاط الْأَدْوِيَة وادخارها. وَأما الْجُمْلَة الثَّانِيَة فقسمناها إِلَى عدَّة أَلْوَاح وَإِلَى قَاعِدَة. فاللوح الأول من هَذِه الْجُمْلَة لوح الْأَفْعَال والخواص. وَالثَّانِي: فِي الزِّينَة. وَالثَّالِث: فِي الأورام والبثور. وَالرَّابِع: فِي الْجراحَة والقروح. وَالْخَامِس: فِي آلَات المفاصل. وَالسَّادِس: فِي أَعْضَاء الرَّأْس. وَالسَّابِع: فِي أَعْضَاء الْعين. وَالثَّامِن: فِي أَعْضَاء النَّفس والصدر. وَالتَّاسِع: فِي أَعْضَاء الْغذَاء. والعاشر: فِي أَعْضَاء النفض. وَالْحَادِي عشر: فِي الحميّات. وَأما الْقَاعِدَة فقسمناها قسمَيْنِ.
стр. 305
الْقسم الأول فِي الْمُقدمَة أَنِّي قد جعلت للأدوية المفردد فِيهَا ألواحاً وَجعلت لكل وَاحِد مِنْهَا كِتَابَة بصبغ حَتَّى يسهل الْتِقَاطه. وَالْقسم الثَّانِي: يشْتَمل على ثَمَانِيَة وَعشْرين فصلا. الْجُمْلَة الأولى القوانين الطبيعية القوانين الطبيعية الَّتِي يجب أَن تُعرف من أَمر الْأَدْوِيَة المستعملة فِي علم الطِّبّ الْمقَالة الأولى أمزجة الْأَدْوِيَة المفردة قد بَينا فِي الْكتاب الأول معنى قَوْلنَا: هَذَا الدَّوَاء حَار وَهَذَا الدَّوَاء بَارِد وَهَذَا الدَّوَاء رطب وَهَذَا الدَّوَاء يَابِس وبيّنا أَن ذَلِك بِالْقِيَاسِ إِلَى أبداننا. وصادرنا على أَن جَمِيع المركبات المعدنية والنباتية والحيوانية أَرْكَانهَا هِيَ العناصر الْأَرْبَعَة وَإِنَّمَا تمتزج فيفعل بَعْضهَا فِي بعض حَتَّى تَسْتَقِر على تعادل أَو على تغالب فِيمَا بَينهَا وَإِذا اسْتَقَرَّتْ على شَيْء فَذَلِك هُوَ المزاج الْحَقِيقِيّ. وَأَن المزاج إِذا حصل فِي المركّب هيأه لقبُول القوى والكيفيات الَّتِي من شَأْنهَا أَن تكون لَهُ بعد المزاج وَبينا أَن المزاج بِالْجُمْلَةِ على كم قسم هُوَ وَأَن المزاج المعتدل فِي النَّاس مَاذَا يُرَاد بِهِ وَأَن المزاج المعتدل فِي الْأَدْوِيَة مَاذَا يُرَاد بِهِ وَبينا أَنه إِنَّمَا يُرَاد بِهِ أَن الْبدن الإنساني إِذا لاقاه وَفعل فِيهِ بحرارته الغريزية لم يبعد هُوَ أَن يُؤثر فِي بدن الْإِنْسَان تبريداً أَو تسخيناً أَو ترطيباً أَو تيبيساً فَوق الَّذِي فِي الْإِنْسَان لسنا نعني بِهِ أَن مزاجه مثل مزاج الْإِنْسَان فَإِن مزاج الْإِنْسَان لَا يكون إِلَّا للْإنْسَان. وَاعْلَم أَن المزاج على نَوْعَيْنِ: مزاج أوّل: هُوَ أول مزاج يحدث عَن العناصر. والمزاج الثَّانِي هُوَ المزاج الَّذِي يحدث عَن أَشْيَاء لَهَا فِي أَنْفسهَا مزاج: كَمثل مزاج الْأَدْوِيَة المركبة ومزاج الترياق فَإِن لكل دَوَاء مُفْرد من أدوية الترياق مزاجاً يَخُصُّهُ ثمَّ إِذا اخْتلطت وتركبت حَتَّى تتحد وَيحصل لَهَا مزاج حصل مزاج ثَان وَهَذَا المزاج الثَّانِي لَيْسَ إِنَّمَا يكون كُله عَن الصِّنَاعَة بل قد يكون عَن الطبيعة أَيْضا فَإِن اللبنَ يمتزج بِالْحَقِيقَةِ عَن مائية وجبنية وسمنية وكل وَاحِد من هَذِه الثَّلَاثَة غير بسيط فِي الطَّبْع بل هُوَ أَيْضا ممتزج وَله مزاج يَخُصُّهُ. وَهَذَا المزاج الثَّانِي هُوَ من فعل الطبيعة لَا من فعل الصِّنَاعَة. والمزاج الثَّانِي قد يكون على وَجْهَيْن: إِمَّا مزاج قوي واما مزاج رخو.
стр. 306
والمزاج الْقوي: مثل أَن يكون كل وَاحِد من البسيطين اتَّحد بِالْآخرِ اتحاداً يعسر تفريقه على حرارتنا الغريزية بل قد يكون مِنْهُ مَا يعسر تفريقه على حرارة النَّار مثل جرم الذَّهَب فَإِن المزاج من رطبه ويابسه قد بلغ بلغاً تعجز النارية عَن التَّفْرِيق بَينهمَا وَإِذا سيّلت النارية المائية لتصعدها تشبث بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا أَجزَاء الأرضية فَلم تقدر على تصعيدها وإرساب الأرضية كَمَا تقدم على مثله فِي الْخشب بل فِي الرصاص والآنك. فَإِذا كَانَ من المزاج مَا استحكامه هَذَا الاستحكام فَلَا يبعد أَن يكون من المزاج مَا تعجز الْحَرَارَة الغريزية الَّتِي فِينَا عَن تَفْرِيق بسائطه وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ المزاج الموثق فَإِن كَانَ معتدلاً بَقِي فِي جَمِيع الْبدن إِلَى أَن يحِيل صورته ويعيده معتدلاً وَمَا كَانَ مائلاً إِلَى غَلَبَة بَقِي فِي الْبدن على غَلَبَتِهِ إِلَى أَن تفْسد صورته. وَبِالْجُمْلَةِ إِنَّمَا يصدر عَنهُ فعل وَاحِد. وَأما إِذا لم يكن المزاج موثقًا بل رخواً سلساً إِلَى الإنفصال فقد يجوز أَن تفترق بسائطه عِنْد فعل طبيعتنا فِيهِ ويتزايل بَعْضهَا عَن بعض وَتَكون مُخْتَلفَة القوى فيفعل بَعْضهَا فعلا وَيفْعل الآخر ضِدّه فَإِذا قَالَ الْأَطِبَّاء إِن دَوَاء كَذَا قوته مركَبة من قوى متضادة فَلَا يجب أَن يفهموا هم أنفسهم وَأَنت عَنْهُم أَن جُزْءا وَاحِدًا يحمل حرارة وبرودة بِفعل كل وَاحِد مِنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ كالمتميزين فَإِن ذَلِك لَا يُمكن بل هما فِي جزأين مِنْهُ مُخْتَلفين هُوَ مركب مِنْهُمَا. وَأَيْضًا لَا يجب أَن نظن أَن غير ذَلِك الْجِنْس من الْأَدْوِيَة لَيْسَ مركبا من قوى متضادة فَإِذا جَمِيع الْأَدْوِيَة مركّبة من قوى متضادة بل يجب أَن تفهم من ذَلِك أَنهم يعنون أَنه بِالْفِعْلِ ذُو قوى متضادة أَو بِقُوَّة قريبَة من الْفِعْل لِأَن فِيهِ أَجزَاء مُخْتَلفَة لم يفعل بَعْضهَا فِي بعض فعلا تَامّ يَجْعَل الْكل متشابه الْقُوَّة تشابهاً تَاما وَلَا تلازمت واتحدت حَتَّى إِذا حصل بَعْضهَا فِي جُزْء عُضْو لزم أَن يحصل الآخر مَعَه لِأَنَّهُ إِن كَانَت متشابهة القوّة لم يخْتَلف فعلهَا فِي الْبدن البتّة وَإِن كَانَت متلازمة الْأَجْزَاء ومختلفة القوى جَازَ أَن لَا يخْتَلف أَيْضا تأثيرها فِي الْبدن بل كَانَ إِذا حصل جُزْء من بسيط فِي عُضْو وَافقه مَا يلازمه من الْبَسِيط الآخر فَحصل مِنْهُمَا الْفِعْل والأثر الَّذِي يُؤَدِّي إِلَيْهِ فعلاهما فِي جَمِيع أَجزَاء ذَلِك الْعُضْو على السوَاء إِذْ كل وَاحِد من أَجْزَائِهِ مَعَه عائق عَن تَمام فعله مُتَمَكن مِنْهُ اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون جُزْء وعضو قَابلا عَن أحد البسطين دون الآخر. والطبيعة تسْتَعْمل أَحدهمَا وترفض الآخر فقد يكون هَذَا كثيرا وَلَيْسَ كلامنا فِي هَذَا بل هُوَ فِي الصِّنْف الَّذِي هُوَ مُخْتَلف التَّأْثِير لأمر فِي نَفسه لَا لأمر فِي غَيره وَذَلِكَ الْأَمر هُوَ أَن بسائطه امتزاجها واهٍ بِحَيْثُ يقبل التَّمْيِيز بتأثّر حَرَارَتهَا فالأدوية المفردة الَّتِي نذْكر أَن لَهَا قوى متضادة من هَذِه الَّتِي لَيْسَ فِيهَا ذَلِك الامتزاج الْكُلِّي. فَمن هَذِه مَا هُوَ أقوى امتزاجاً فَلَا يقدر الطَّبْخ وَالْغسْل على التَّفْرِيق بَين قواها مثل البابونج الَّذِي فِيهِ قُوَّة محللة وَقُوَّة قابضة وَإِذا طبخ فِي الضمادات لم تُفَارِقهُ القوتان. وَمِنْهَا مَا يقدر الطَّبْخ على التَّفْرِيق بَينهمَا مثل الكرنب فَإِن جوهره ممتزج من مَادَّة أرضية قابضة وَمن مَادَّة لَطِيفَة جلآءة بورقية فَإِذا طبخ فِي المَاء تحلل الْجَوْهَر البورقي الجالي مِنْهُ فِي المَاء وَبَقِي الْجَوْهَر الأرضي الْقَابِض فَصَارَ مَاؤُهُ مسهلاً وجرمه قَابِضا.
стр. 307
وَكَذَلِكَ العدس وَكَذَلِكَ الدَّجَاج وَكَذَلِكَ الثوم فَإِن فِيهِ قُوَّة جلاءة محرقة ورطوبة ثَقيلَة والطبخ يفرق بَينهمَا. وَكَذَلِكَ البصل والفجل وَغير ذَلِك وَلذَلِك قيل: إِن الفجل يهضم وَلَا ينهضم لَا بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ بل بالجوهر اللَّطِيف الأرق الَّذِي فِيهِ فَإِذا تحلل ذَلِك عَنهُ بَقِي الْجَوْهَر الكثيف الَّذِي فِيهِ عَاصِيا على الْقُوَّة الهاضمة لزجاً وَذَلِكَ الْجَوْهَر الآخر يقطع اللزوجة. وَمن هَذَا الْبَاب مَا يقدر الْغسْل على التَّفْرِيق بَين بسائطه مثل الهندبا وَكثير من الْبُقُول فَإِن جوهرها مركب من مَادَّة أرضية مائية بَارِدَة كَثِيرَة وَمن مَادَّة لَطِيفَة قَليلَة فَيكون تبريدها بالمادة الأولى وتفتيحها للسدد وتنفيذها أَكثر بالمادة الآخرى وَيكون خل هَذِه الْمَادَّة اللطيفة منبسطة على سطحها وَقد تصعَدت إِلَيْهِ وانفرشت عَلَيْهِ فَإِذا غسلت تحللت فِي المَاء وَلم يبْق مِنْهَا شَيْء يعْتد بِهِ. فَلهَذَا نهى عَن غسلهَا شرعا وطباً وَبِهَذَا السَّبَب كثير من الْأَدْوِيَة إِذا تنَاولهَا الْإِنْسَان برد تبرداً شَدِيدا فَإِذا ضمًد بهَا حللت مثلا كالكزبرة فَإِنَّهَا إِذا تنوولت اشْتَدَّ تبريدها فَإِذا ضمَد بهَا فَرُبمَا حلَلت مثل الْخَنَازِير وخصوصاً مخلوطة بالسويق وَذَلِكَ لِأَنَّهَا مركَبة من جَوْهَر أرضي مائي شَدِيد التبريد وَمن جَوْهَر لطيف مُحَلل فَإِذا تنوولت أَقبلت الْحَرَارَة الغريزية فحللت عَنْهَا الْجَوْهَر اللَّطِيف وَلم تكن كَثِيرَة الْمِقْدَار فتؤثر فِي المزاج أثرا بل بَعدت ونفذت وَبَقِي الْجَوْهَر الْمبرد مِنْهُ غَايَة فِي التبريد. وَأما إِذا ضفد بهَا فَيُشبه أَن يكون الْجَوْهَر الأرضي لَا ينفذ فِي المسام وَلَا يفعل فِيهَا أثرا الْبَتَّةَ. والجوهر اللَّطِيف الناري ينفذ فِيهَا وينضج فَإِن استصحبت شَيْئا من الْجَوْهَر الْبَارِد نفع فِي الردع وقهر الْحَرَارَة الغريزية. وَهَذَا قريب مِمَّا بينّاه فِي الْكتاب الأول من إحراق البصل ضمَاداً والسلامة عَنهُ مطعوماً إِذا جعلنَا إِحْدَى الْعِلَل فِيهِ قريبَة من هَذَا فَيجب أَن يكون الْمَعْنى محكماً مَعْلُوما. وَمن الْأَدْوِيَة مَا يشبه أَن يكون فِيهِ جوهران مختلفإن فِي الطَّبْع من غير امتزاج البتّة فَمن ذَلِك مَا هُوَ ظَاهر للحس كأجزاء الأترج وَمِنْه مَا هُوَ أخْفى فَإِن بزر قطونا يشبه أَن يكون قشره وَمَا على قشره قوي التبريد. والدقيق الَّذِي فِيهِ قوي التسخين حَتَّى يكَاد أَن يكون دَوَاء محمراً أَو مقرّحاً وقشره كالحجاب الحاجز بَينهمَا فَإِن شرب غير مدقوق لم تمكن صلابة جلده من أَن تنفذ قُوَّة دقيقة وباطنة إِلَى خَارج بل فعل بِظَاهِرِهِ ولعابيته وان دق فَعَسَى أَن الَّذِي يُقَال من أَنه سم هُوَ بِسَبَب ظُهُور دقيقه وحشوه فَيُشبه أَن يكون تفجير المدقوق مِنْهُ للجراحات وتفحّج الصَّحِيح مِنْهُ إِيَّاهَا وردعه لَهَا بِهَذَا السَّبَب وَهَذَا الْمِقْدَار كَاف فِي إعطائنا هَذَا الأَصْل.
стр. 308
الْمقَالة الثَّانِيَة فِي تعرف قوى أمزجه الْأَدْوِيَة بالتجرية تتعرّف قواها من طَرِيقين: أَحدهمَا: طَرِيق الْقيَاس وَالْآخر: طَرِيق التجربة. ولنقدم الْكَلَام فِي التجربة فَنَقُول: إِن التجربة إِنَّمَا تهدي إِلَى معرفَة قُوَّة الدَّوَاء بالثقة بعد مُرَاعَاة شَرَائِط: إِحْدَاهَا: أَن يكون الدَّوَاء خَالِيا عَن كَيْفيَّة مكتسبةِ إِمَّا حرارة عارضة أَو برودة عارضة أَو كَيْفيَّة عرضت لَهَا باستحالة فِي جوهرها أَو مُقَارنَة لغَيْرهَا فَإِن المَاء وان كَانَ بَارِدًا بالطبع فَإِذا سُخن سَخَّن مَا دَامَ سَخِيناً والفربيون وَأَن كَانَ حاراً بالطبع فَإِنَّهُ إِذا بَرَدَ برَدَ مَا دَامَ بَارِدًا واللوز وَأَن كَانَ إِلَى الِاعْتِدَال لطيفاً فَإِذا زنخ سخن بِقُوَّة وَلحم السّمك وَإِن كَانَ بَارِدًا فَإِذا ملحَ سخن بِقُوَّة. وَالثَّانِي: أَن يكون المجرب عَلَيْهِ علَة مُفْردَة فَإِنَّهَا إِن كَانَت عِلّة مركبة وفيهَا أَمْرَانِ يقتضيان علاجين متضادين فجرب عَلَيْهِمَا الدَّوَاء فنفع لم يدر السَّبَب فِي ذَلِك بِالْحَقِيقَةِ مِثَاله إِذا كَانَ بالإنسان حمى بلغمية فسقيناه الغاريقون فَزَالَتْ حماه لم يجب أَن يحكم أَن الغاريقون بَارِد لِأَنَّهُ نفع من عِلّة حارة وَهِي الْحمى بل عَسى إِنَّمَا نفع لتحليله الْمَادَّة البلغمية أَو استفراغه إِيَّاه فَلَمَّا نفدت الْمَادَّة زَالَت الْحمى وَهَذَا بِالْحَقِيقَةِ نفع بِالذَّاتِ مخلوط بِالْعرضِ. أما بِالذَّاتِ فبالقياس إِلَى المادق وَأما بِالْعرضِ فبالقياس إِلَى الْحمى. وَالثَّالِث: أَن يكون الدَّوَاء قد جرب على المضادة حَتَّى إِن كَانَ ينفع مِنْهُمَا جَمِيعًا لم يحكم أَنه مضاد المزاج لمزاج أَحدهمَا وَرُبمَا كَانَ نَفعه من أَحدهمَا بِالذَّاتِ وَمن الآخر بِالْعرضِ كالسقمونيا لَو جزبناه على مرض بَارِد لم يبعد أَن ينفع ويسخن وَإِذا جربناه على مرض حَار كَحمى الغب لم يبعد أَن ينفع باستفراغ الصَّفْرَاء فَإِذا كَانَ كَذَلِك لم تفدنا التجربة ثِقَة بحرارته أَو برودته إِلَّا بعد أَن يعلم أَنه فعل أحد الْأَمريْنِ بِالذَّاتِ وَفعل الآخر بِالْعرضِ. وَالرَّابِع: أَن تكون الْقُوَّة فِي الدَّوَاء مُقَابلا بهَا مَا يساويها من قُوَّة العلّة فَإِن بعض الْأَدْوِيَة تقصر حَرَارَتهَا عَن برودة عِلّة مَا فَلَا يُؤثر فِيهَا الْبَتَّةَ وَرُبمَا كَانَت عِنْد اسْتِعْمَالهَا فِي برودة أخفّ مِنْهَا فعالة للتسخين فَيجب أَن يجرب أَولا على الأضعف ويتدرج يَسِيرا يَسِيرا حَتَّى تعلم قُوَّة الدَّوَاء وَلَا يشكل. وَالْخَامِس: أَن يُرَاعى الزَّمَان الَّذِي يظْهر فِيهِ أَثَره وَفعله فَإِن كَانَ مَعَ أول اسْتِعْمَاله أقنع أَنه يفعل ذَلِك بِالذَّاتِ وَإِن كَانَ أول مَا يظْهر مِنْهُ فعل مضاد لما يظْهر أخيراً أَو يكون فِي أول الْأَمر لَا يظْهر مِنْهُ فعل ثمَّ فِي اً خر الْأَمر يظْهر مِنْهُ فعل فَهُوَ مَوضِع اشْتِبَاه وإشكال عَسى اْن يكون قد فعل مَا فعل بِالْعرضِ كَأَنَّهُ فعل أَولا فعلا خفِيا تبعه بِالْعرضِ هَذَا الْفِعْل الْأَخير الظَّاهِر. وَهَذَا الْإِشْكَال والاشتباه فِي قُوَّة الدَّوَاء.
стр. 309
والحدس أَن فِعْلَهُ إِنَّمَا كَانَ بِالْعرضِ قد يقوَى إِذا كَانَ الْفِعْل إِنَّمَا ظهر مِنْهُ بعد مُفَارقَته ملاقاة الْعُضْو فَإِنَّهُ لَو كَانَ يفعل بِذَاتِهِ لفعل وَهُوَ ملاق للعضو ولاستحال أَن يقصر وَهُوَ ملاق وَيفْعل وَهُوَ مفارق وَهَذَا هُوَ حكم أكثري مقنع. وَرُبمَا اتّفق أَن يكون بعض الْأَجْسَام يفعل فعله الَّذِي بِالذَّاتِ بعد فعله الَّذِي بِالْعرضِ وَذَلِكَ إِذا كَانَ اكْتسب قُوَّة غَرِيبَة تغلب الطبيعية مثل المَاء الْحَار فَإِنَّهُ فِي الْحَال يسخن. وَأما من الْيَوْم الثَّانِي أَو الْوَقْت الثَّانِي الَّذِي يَزُول فِيهِ تَأْثِيره العرضي فَإِنَّهُ يحدث فِي الْبدن بردا لَا محَالة لِاسْتِحَالَة الْأَجْزَاء المستعقبة مِنْهُ إِلَى الْحَالة الطبيعية من الْبرد الَّذِي فِيهِ. وَالسَّادِس: أَن يُرَاعى اسْتِمْرَار فعله على الدَّوَام أَو على الْأَكْثَر فَإِن لم يكن كَذَلِك فصدور الْفِعْل عَنهُ بِالْعرضِ. لِأَن الْأُمُور الطبيعية تصدر عَن مباديها إِمَّا دائمة وَإِمَّا على الْأَكْثَر. وَالسَّابِع: أَن تكون التجربة على بدن الْإِنْسَان فَإِنَّهُ إِن جرب على غير بدن الْإِنْسَان جَازَ أَن يتخلّف من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه قد يجوز أَن يكون الدَّوَاء بِالْقِيَاسِ إِلَى بدن الْإِنْسَان حاراً وبالقياس إِلَى بدن الْأسد وَالْفرس بَارِدًا إِذا كَانَ الدَّوَاء أسخن من الْإِنْسَان وأبرد من الْأسد وَالْفرس وَيُشبه فِيمَا أَظن أَن يكون الراوند شَدِيد الْبرد بِالْقِيَاسِ إِلَى الْفرس وَهُوَ بِالْقِيَاسِ إِلَى الْإِنْسَان حَار. وَالثَّانِي أَنه قد يجوز أَن يكون لَهُ بِالْقِيَاسِ إِلَى أحد البدنين خاصية لَيست بِالْقِيَاسِ إِلَى الْبدن الثَّانِي مثل البيش فَإِن لَهُ بِالْقِيَاسِ إِلَى بدن الْإِنْسَان خاصية السمية وَلَيْسَت لَهُ بِالْقِيَاسِ إِلَى بدن الزرازير. فَهَذِهِ القوانين الَّتِي يجب أَن تراعى فِي اسْتِخْرَاج قوى الْأَدْوِيَة من طَرِيق التجربة فَاعْلَم ذَلِك. الْمقَالة الثَّالِثَة أمزجة الْأَدْوِيَة المفردة بِالْقِيَاسِ وَأما تعرّف قوى الأدرية من طَرِيق الْقيَاس فالقوانين فِيهِ بَعْضهَا مَأْخُوذ من سرعَة استحالتها إِلَى النَّار والتسخن وَمن بطء استحالتها وَمن سرعَة جمودها وبطء جمودها وَبَعضهَا مَأْخُوذ من الروائح وَبَعضهَا مَأْخُوذ من الطعوم وَقد تُؤْخَذ من الألوان وَقد تُؤْخَذ من أَفعَال وقوى مَعْلُومَة فيكتسب مِنْهَا دَلَائِل وَاضِحَة على قوى مَجْهُولَة. وَأما الطَّرِيق الأول فَإِن الْأَشْيَاء المتساوية فِي قوام الْجَوْهَر أَعنِي فِي التخلخل والتكاثف أَيهَا قَبِلَ السخونة أسْرع فَهُوَ أسخن وأيها قَبِل الْبُرُودَة أسْرع فَهُوَ أبرد. وَمن أحد الْأَسْبَاب فِي ذَلِك أَن الشَّيْء قد يَسْخُنُ أسْرع من الآخر وَالْفَاعِل وَاحِد لِأَنَّهُ فِي نَفسه أسخن من الآخر وَإِنَّمَا كَانَ الْبرد الْعَارِض برَدَهُ فَلَمَّا وافاه الْحَار
стр. 310
من خَارج ووطاه الْقُوَّة الحارة الطبيعية فِيهِ سَاوَى الآخر فِي السَّبَب الْخَارِج وَفضل عَلَيْهِ بِالْقُوَّةِ الَّتِي فِيهِ فْصار أسخن. وعَلى هَذَا فاعرف حَال الَّذِي يبرد وَأما إِذا كَانَ أَحدهمَا أَشد تخلخلاً وَالْآخر أشدّ تكاثفاً فَإِن الَّذِي هُوَ أَشد تخلخلاً وَإِن كَانَ فِي مثل برد الآخر وحره فَإِنَّهُ ينفعل أسْرع لضعف جرمه وَأما الْأَشْيَاء الَّتِي من شَأْنهَا أَن تجمد والأشياء الَّتِي من شَأْنهَا أَن تشتعل نَارا فَيجوز أَن يتقايس بَعْضهَا بِبَعْض. وَمَا كَانَ أسْرع جموداً وقوامه كقوام الآخر فَهُوَ أبرد وَمَا كَانَ أسْرع اشتعالاً وقوامه كقوام الآخر فَهُوَ أسخن لمثل مَا قُلْنَا ولأنا إِنَّمَا نقُول للشَّيْء إِنَّه أبرد وأسخن بِالْقِيَاسِ إِلَى تَأْثِير الْحَرَارَة الغريزية الَّتِي فِينَا فِيهِ فَإِذا كَانَ هَذَا أبعد من الجمود وأسرع إِلَى الاشتعال قضينا أَنه فِي التأثر عَن حرارتنا الغريزية بِتِلْكَ الصّفة وَهَذِه الْأُصُول يُبرهن عَلَيْهَا كَمَا يَنْبَغِي فِي الْعلم الطبيعي. وَأما إِذا اخْتلف شَيْئَانِ فِي التخلخل والتكاثف ثمَّ وجد المتكاثف مِنْهُمَا أَشد اشتعالاً وَأَبْطَأ جموداً فاحكم أَنه لَا محَالة أسخن جوهراً. وَكَذَلِكَ إِن وجدت المتخلخل مِنْهَا أسْرع اشتعالاً فَلَيْسَ لَك أَن تجزم الْقَضِيَّة فتجعله بِهَذَا السَّبَب أَشد حرَّا فَرُبمَا كَانَ التخلخل هُوَ السَّبَب فِي سرعَة اشتعاله كَمَا أَنَّك إِن وجدت المتخلخل مِنْهُمَا أسْرع جموداً فَلَيْسَ لَك أَن تجزم الْقَضِيَّة فتجعله بِهَذَا السَّبَب أَشد بردا فَرُبمَا كَانَ التخلخل هُوَ السَّبَب فِي سرعَة جموده لضعف جرمه وَسُرْعَة انفعاله مثل الْخمر فَإِنَّهُ وان كَانَ أسخن من دهن القرع فَإِنَّهُ يجمد أسْرع من جمود ذَلِك الدّهن بل ذَلِك الدّهن قد يخثر وَلَا يجمد. وَالشرَاب يجمد فَإِن من الْأَشْيَاء مَا يجمد من غير خثورة وَمن وَأما الْأَشْيَاء الْقَابِلَة للخثورة إِذا تَسَاوَت فِي قوام الْجَوْهَر فأقبلها للخثورة من الْبرد هُوَ أبردها وَكثير من الْأَشْيَاء إِنَّمَا تجمد فِي الْحر والأشياء الَّتِي من شَأْنهَا أَن تجمد بِالْحرِّ كلهَا تنْحَل بالبرد كَمَا أَن الْأَشْيَاء الَّتِي تجمد بالبرد كلهَا تنْحَل بِالْحرِّ وَالْحر يجمد بِالتَّخْفِيفِ وَالْبرد ينحلّ بالترطيب على رَأْي جالينوس. ورأي الفيلسوف الأول قد يُخَالِفهُ فِي شَيْء يسير واستقصاء ذَلِك فِي علم آخر. وَإِذا كَانَت الْأَدْوِيَة بَعْضهَا أسخن لكنه أغْلظ أمكن أَن يكون قبُوله للجمود كقبول الَّذِي هُوَ أبرد مِنْهُ لغلظه وَإِذا كَانَ بَعْضهَا أبرد لكنه أرقّ أمكن أَن يكون قبُوله للاشتغال مثل قبُول الَّذِي هُوَ أسخن مِنْهُ لرقّته. والخثورة والانعقاد لَا تدل على زِيَادَة فِي الْحَرَارَة وَلَا زِيَادَة فِي الْبُرُودَة فَإِنَّهَا قى تخثر الْأَشْيَاء الأرضية الَّتِي فِيهَا وَأَشْيَاء لِكَثْرَة المائية والهوائية فِيهَا إِذا تخلخلا وَكَثِيرًا مَا يعرض للهوائية أَن تبرد فتستحيل مائية ويتخلخل المركّب وَيكون بَارِدًا وَكَثِيرًا مَا تخلخل المائية الْبَارِدَة لنارية تغلي فِيهَا وتحيلها هوائية وتخثّرها كَمَا يعرض للمني من الخثورة. فَإِذا انْفَصل عَنهُ البخار الناري رق وَلَا تمنع الأرضية أَن يكون مَعهَا نارية مفرطة فَيجوز أَن يكون الْقسم الأول شَدِيد الْحَرَارَة وَلَا يمْنَع المائية أَن يداخلها هوائية لَا تقهر قوتها فَيكون الْقسم الثَّانِي شَدِيد الْبُرُودَة أَو نارية تقهره فَيكون شَدِيد الْحَرَارَة.
стр. 311
هَذَا وَأما القوانين الآخرى فَيجب أَن يعلم الْأَطِبَّاء مِنْهَا شَيْئا وَاحِدًا أَنه لَا يُمكن أَن يكون الطعوم الحلوة والمرة والحريفة إِلَّا بجوهر حَار وَلَا القابضة والحامضة والعفصة إِلَّا بجوهر بَارِد. وَكَذَلِكَ الروائح الذكية الحادة لَا تكون إِلَّا بجوهر حَار والألوان الْبيض فِي الْأَجْسَام المنعقدة الَّتِي فِيهَا رُطُوبَة لَا تكون إِلَّا بجوهر بَارِد وَفِي الْأَجْسَام الَّتِي فِيهَا يبوسة وانفراك لَا تكون إِلَّا بجوهر حَار وَالْأسود فِي الْأَمريْنِ بالضد فَإِن الْبرد يبيض الرطب ويسوِّد الْيَابِس وَالْحر يسود الرطب ويبض الْيَابِس وَأَن هَذَا حقّ وَاجِب. وَلَكِن هَهُنَا سَبَب اخر لأجل ذَلِك قد تخْتَلف هَذِه الاستدلالات وخصوصا فِي الرَّائِحَة واللون وَذَلِكَ أَنا قد بَينا أَن الْأَجْسَام الدوائية قد تمتزج من عناصر متضادة تَارَة امتزاجاً أولياً وَتارَة امتزاجاً لَيْسَ أولياً بل الأحرى أَن يسقى مزاجاً ثَانِيًا فَيجوز فِي هَذَا الامتزاج الثَّانِي أَن يكون أحد العنصرين قد حصل لَهُ مزاج استحقّ بِهِ لوناً أَو رَائِحَة أَو طعماً وَحصل لَهُ ذَلِك الَّذِي استحقّه. وكما أَن العنصر الآخر قد حصل لَهُ مزاج مضاد مُخَالف لذَلِك المزاج يجوز أَن يكون يسْتَحق بِهِ لوناً مضاداً لذَلِك اللَّوْن أَو رَائِحَة أَو طعماً مضادين للْأولِ وَيجوز أَن لَا يستحقّ بِهِ ذَلِك فَإِن هَذَا غير مضبوط وَغير مَعْلُوم لَهَا الْحُدُود الَّتِي مِنْهَا يستحقّ المزاج الألوان والروائح والطعوم بل إِن قَالَ الْإِنْسَان فِي هَذَا شَيْئا فَإِنَّمَا يَقُوله على التخمين فَإِن كَانَ قد استحقّ لوناً مُقَابلا لَهُ ثمَّ كَانَا متساويي الكمية حصل فِي الممتزج الثَّانِي لون مركّب من اللونين. وَأَن كَانَا مُخْتَلفين حصل فِي الممتزج الثَّانِي لون أميل إِلَى اْحد اللونين فَإِن لم يستحقّ الثَّانِي لوناً الْبَتَّةَ وَكَذَلِكَ رَائِحَة أَو طعماً وَكَانَا متساويين كَانَ الْمَوْجُود فيهمَا هُوَ اللَّوْن الأول والرائحة الأولى. وَإِن كَانَا قد انْكَسَرَ المخالطة أَجزَاء عادمة اللَّوْن ولأجزاء متضادة وَلم يكن للون الثَّانِي أثر فَإِن هَذَا أَيْضا يكسر كسر الشفاف المخالط للملوّن وَكَانَ ذَلِك الْجِسْم يرى مثلا أَبيض. وَيجوز أَن تكون قوّته لَيست قُوَّة الْأَبْيَض بِمَا هُوَ أَبيض بل هِيَ قُوَّة أُخْرَى مُقَابلَة للأولى فَإِنَّهُ إِذا كَانَ الجرم المخالط العديم اللَّوْن كَمَا اْنه مساوٍ فِي الكمية مساوٍ فِي القوّة كَانَت القوّة الْحَاصِلَة قوّة بَين القوتين معتدلة. وَإِن كَانَ أقوى كثيرا من المتلوّن كَانَ التأْثير للقوة المضادة لقُوَّة الجرم المصاحب للبياض وَكَانَ الْبيَاض مثلا يُوجب أَن يكون هُوَ بَارِدًا وَهُوَ حَار بمرّة. هَذَا إِذا كَانَ متساويي الكمية وَأما إِذا كَانَ مثلا هَذَا الَّذِي لَا لون لَهُ أَو لَهُ لون مضاد قَلِيل الكمية بِالْقِيَاسِ إِلَى الآخر كثير الْكَيْفِيَّة وَالْقُوَّة لم يُؤثر البتّة أثرا فِي لون ذَلِك الآخر وقهره بِالْقُوَّةِ قهرا شَدِيدا حَتَّى كَانَ كَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ قُوَّة وجودة البتّة. تَأمل الْحَال فِي رَطْل من اللَّبن لَو خلطته بمثقالين من الفربيون خلطا كشيء وَاحِد أَلَيْسَ كَانَ الْمُجْتَمع مِنْهُمَا مسخناً فِي الْغَايَة والحس لَا يدْرك الفربيون مِنْهُمَا لَا لَونه وَلَا عَدمه اللَّوْن لَو كَانَ عادماً للون إِنَّمَا يرى بَيَاضًا صرفا فَيكون قد صدقنا أَن هَذَا الْبيَاض هُوَ بجوهر بَارِد مثلا إِن فَرضنَا اللَّبن بَارِدًا وكذبنا إِن قُلْنَا إِن هَذَا الْجَوْهَر المشروب بَارِد وَذَلِكَ لِأَن هَذَا الْبيَاض لَيْسَ هُوَ لوناً لهَذَا المشروب الْمُجْتَمع من جِهَة مَا هُوَ مشروب مُجْتَمع بل هُوَ لون لأحد بسيطيه الْغَالِب بالمقدار المغلوب بِالْقُوَّةِ الَّذِي هُوَ محسوس مِنْهُمَا فَهَكَذَا يجب أَن يتصورالحال فِي الْأَبْيَض الطبيعي الامتزاج الَّذِي هُوَ فِي غَايَة الْحر ونتوقعه أَن يكون بَارِدًا مثل الفلفل الْأَبْيَض
стр. 312
فَإِنَّهُ كَمَا أَن هَذَا هُوَ الَّذِي يمتزج بالصناعة فَكَذَلِك قد يمتزج بالطبيعة فَتكون الصُّورَة هِيَ هَذِه الصُّورَة إِلَّا أَن من هذد الكيفيات المحسوسة مَا الأولى أَن يكون مَا يخالطها من الضِّدّ يُؤثر فِيهَا أثرا بَينا وَأَنَّهَا مَا دَامَت كيفياتها صَادِقَة محسوسة لَا تحس أضدادها فِيهَا فَهِيَ غالبة للقوى. وَهَذَا هُوَ فِي الطعوم لَا على أَنه وَاجِب بل على أَنه أكثري وَبعد الطعوم فِي الروائح وبعدهما فِي الألوان وَهُوَ فِي الألوان كَغَيْر الموثوق بِهِ. وَمن الْأَسْبَاب الَّتِي فاقت فِيهَا الطعوم الروائح فِي هَذَا الْبَاب وصولها إِلَى الْحس بملاقاة فَهِيَ أولى مَا يُوصل من جَمِيع أَجزَاء الدَّوَاء قُوَّة. والروائح والألوان تُؤثر بِلَا ملاقاة من أَجْزَائِهَا فَيجوز أَن يصل إِلَى الْحس من أَجزَاء فِي الرَّائِحَة بخار من لطيف أَجْزَائِهِ ويستعصي البخار من كثيف أَجْزَائِهِ فَلَا يتبخر. وَيجوز أَن يصل إِلَيْهِ لون الظَّاهِر الْغَالِب دون المغلوب الْخَفي وَلِأَن الروائح قد تدل على الطعوم مثل الرَّائِحَة الحلوة والحامضة والحريفة والمرة كَانَت الروائح تالية للطعوم. فالطعوم أَكثر صِحَّةِ دلَالَة ثمَّ الروائح ثمَّ الألوان ثمَّ لَو كَانَت الطعوم أَيْضا لَا يَقع فِيهَا هَذَا التَّرْكِيب الْمَذْكُور لما كَانَ الأفيون فِي مرارته مَعَ برده المفرط. وَهَذَا الْغَلَط الَّذِي يَقع فِي الطعوم يَقع فِي جَانب الْبرد أَكثر مِنْهُ فِي جَانب الْحر أَعنِي أَن يكون الدَّوَاء لَهُ طعم يدل على الْحَرَارَة وَهُوَ بَارِد فَإِن هَذَا أَكثر من أَن يكون الدَّوَاء لَهُ طعم يدلُ على الْبرد وَهُوَ حَار لِأَن الْحَار فِي أَكثر الْأَحْوَال أقوى اً ثاراً وَأظْهر أفعالاً وأفذ فَلَو كَانَ قد خالط الْبَارِد فِي المزاج الطبيعي حَار. تبلغ قوّته مبلغا يكسر برد مَا يُقَابله لقد كَانَ بالحري أَن يظْهر لَهُ طعم يكسر طعمه إذالحار فِي جَمِيع الْأَحْوَال أنفذ وأبلغ وأغلب وَأولى بِأَن يَجْمُلَ الطعومٍ والروائح. وَلِهَذَا السَّبَب كَأَنَّك لَا تَجِد حامضاً أَو عفصاً لَا مزاج فِيهِ فِي الْحس وَيكون حاراً بأغلب مزاجه كَمَا تَجِد مرًّا ولذاعاً وَيكون بَارِدًا فِي أغلب مزاجه على أَن هَذَا أَيْضا أكثري وَأكْثر أكثرية من الآخر وَلَيْسَ بِوَاجِب. فَإِذا عرفت هَذَا القانون فَيجب الْآن أَن نقتص عَلَيْك مَا يَقُوله الْأَطِبَّاء فِي الطعوم والروائح والألوان فَإِنَّهُم يجْعَلُونَ الطعوم البسيطة كلهَا تِسْعَة وَهِي وَإِن كَانَ لَا بدّ ثَمَانِيَة طعوم وَوَاحِد هُوَ عدم الطّعْم وَهُوَ التفه المسيخ الَّذِي لَا يكون لَهُ طعم وَلَا يدْرك مِنْهُ طعم البتّة كَالْمَاءِ. وَإِنَّهُم يسمون بالطعم كل مَا يحكم عَلَيْهِ بالذوق حكما وَهُوَ بِالْفِعْلِ أَو حكما وَهُوَ بِالْقُوَّةِ وَلم ينفعل الْبَتَّةَ وَهُوَ الَّذِي لَا طعم لَهُ وَهُوَ على وَجْهَيْن: إِمَّا تفه عادم للطعم بِالْحَقِيقَةِ وَإِمَّا تفه عادم لَهُ عِنْد الْحس. والتفه فِي القيقة هُوَ الَّذِي لَا طعم لَهُ بِالْحَقِيقَةِ والتفه عِنْد الْحس هُوَ الَّذِي لَهُ فِي نَفسه طعم الا أَنه لشد تكاثفه لَا يتَحَلَّل مِنْهُ شَيْء يخالط اللسات فيدركه ثمَّ إِذا احتيل فِي تَحْلِيل أَجْزَائِهِ وتلطيفها أحس طعمه مثل النّحاس وَالْحَدِيد فَإِن اللِّسَان لَا يدْرك مِنْهُمَا طعماً لِأَنَّهُ لَا يتحلّل من جرمهما شَيْء يصير إِلَى الرُّطُوبَة المبثوثة فِي أَعلَى اللِّسَان الَّتِي هِيَ وَاسِطَة فِي حس الذَّوْق وَلَو احتيل فِي تهيئته أَجزَاء صغَار ظهر لَهُ طعم قوي وَمثل هَذَا أَشْيَاء كَثِيرَة. وَأما الطعوم الثَّمَانِية الَّتِي يذكرونها الَّتِي هِيَ بِالْحَقِيقَةِ طعوم بعد التفه فَهِيَ
стр. 313
الْحَلَاوَة والمرارة والحرافة والملوحة والحموضة والعفوصة وَالْقَبْض والدسومة. وَيَقُولُونَ: إِن الجوهرالحامل للطعم إِمَّا أَن يكون كثيفاً أرضياً وَإِمَّا أَن يكون لطيفاً وَإِمَّا أَن يكون معتدلاً. وقوته إِمَّا أَن تكون حارة وَإِمَّا أَن تكون بَارِدَة وَإِمَّا أَن تكون متوسّطة. والكثيف الأرضي إِن كَانَ حاراً فَهُوَ مر وَإِن كَانَ بَارِدًا فَهُوَ عفص وَإِن كَانَ معتدلاً فَهُوَ حُلْو. واللطيف إِن كَانَ حاراً فَهُوَ حريف ران كَانَ بَارِدًا فَهُوَ حامض وَإِن كَانَ معتدلاً فَهُوَ دسم. والمتوسّط فِي الكثافة واللطف إِن كَانَ حاراً فَهُوَ مالح وَإِن كَانَ بَارِدًا فَهُوَ قَابض وان كَانَ معتدلاً فقد قَالُوا إِنَّه تفه وَفِي التفه كَلَام. والحريف أسخن ثمَّ المر ثمَّ المالح لِأَن الرِّيف أقوى على التَّحْلِيل والتقطيع والجلاء من المر ثمَّ المالح كَأَنَّهُ مر مكسور برطوبة بَارِدَة يدل عَلَيْهِ مَا ذَكرْنَاهُ من نَحْو تكونه وَكَذَلِكَ إِذا سخن المالح بشمس أَو نَار أَو بمفارقة المائية الكاسرة من قُوَّة الْحَرَارَة صَار مرا وَكَذَلِكَ البورق. والمحلل المر أسخن من الْملح الْمَأْكُول والعفص هُوَ الْأَبْرَد ثمَّ الْقَابِض ثمَّ الحامض وَلذَلِك تكون الْفَوَاكِه الَّتِي تحلو تكون أَولا فِيهَا عفوصة شَدِيدَة التبريد فَإِذا جرت فِيهَا هوائية ومائية حَتَّى تعتدل قَلِيلا بالهوائية وبإسخان الشَّمْس المنضج مَالَتْ إِلَى الحموضة مثل الحصرم وَفِيمَا بَين ذَلِك تكون إِلَى قبض يسير لَيْسَ بعفوصة ثمَّ تنْتَقل إِلَى الْحَلَاوَة إِذا عملت فِيهَا الْحَرَارَة المنضجة وَرُبمَا انْتقل من العفوصة إِلَى الْحَلَاوَة من غير تحمض مثل الزَّيْتُون. لَكِن الحمض وَإِن كَانَ أقل بردا من العفص فَهُوَ فِي الْأَكْثَر أَكثر تبريداً مِنْهُ للطافته ونفوذه. والعفص والقابض يتقاربان فِي الطّعْم لَكِن الْقَابِض إِنَّمَا يقبض ظَاهر اللِّسَان والعفص يقبض ويخشن الظَّاهِر وَالْبَاطِن وَمِمَّا يعنيه على تخشينة أَنه لَا يَنْقَسِم لكثافته إِلَى أَجزَاء صغَار بِسُرْعَة وَلَا يلتحم بعضه بِبَعْض بِسُرْعَة. ولهاتين حالتين تفترق مواقعه من اللِّسَان افتراقاً محسوساً فيختلف قَبضه فِي أَجْزَائِهِ فيختلف وَضعهَا فيخشن ويعين على ذَلِك اخْتِلَاف أَجزَاء الْعُضْو فِي مسامتته ومضاهاته. والعفص ألطف وَأدْخل. والحريف والمر يجردان اللِّسَان جردا. لَكِن المر إِنَّمَا يجرد ظَاهر اللِّسَان والحريف يغوص جرده وتفريقه لِأَنَّهُ لطيف الْجَوْهَر غواص. وَأما المرّ فثقيل الْجَوْهَر يابسه وَلذَلِك لَا يقبل الصّرْف مِنْهُ عفونة يتَوَلَّد مِنْهَا فِيهِ حَيَوَان وَلَا يَغْدُو الصّرْف مِنْهُ حَيَوَانا. وليبوسة المر مَا يجرد مَعَ تخشين مَا وَمِمَّا يُقَوي حرارة الحريف على حرارة المر نُفُوذه فَيقطع شَدِيدا ويحلل شَدِيدا حَتَّى يَأْكُل ويعفن ويبلغ أَن يهْلك. والحلو وَالدَّسم كِلَاهُمَا يبسطان اللِّسَان ويلينانه بتسييل مَا أَدَّاهُ الْبرد وعقده من غير تَحْلِيل ويزيلان خشونته لَكِن الدسم يفعل ذَلِك من غير تسخين بَين. والحلو يفعل مَعَ تسخين فَلذَلِك ينضج الحلو أَكثر. قَالَت الْأَطِبَّاء: وَإِنَّمَا صَار الحلو لذيذاً لِأَنَّهُ يجلو الغليظ جلاء يصلحه ويسيله ويلينه ويزيل أَذَى جموده من غير تقطيعه وتفريق اتِّصَال وملاقاة بعنف وَلَا يسنخن سخونة مؤذية بل لذيذة مثل لَذَّة المَاء المعتدل الْحر إِذا صب على الخصر. وَأما القَوْل الْفَصْل فِي هَذَا
стр. 314
فعندهم من أَعلَى دَرَجَة وَلَيْسَ يجب أَن يكون مَا هُوَ أحلى أغذى وَلَا مَا هُوَ ألذ أغذى وَإِن كَانَ لَا بُد من أَن يكون فِي كل غاذ عِنْد الْأَطِبَّاء حلاوة مَا لِأَن الْغذَاء يحْتَاج إِلَى شَرَائِط أُخْرَى غير الْحَلَاوَة. هَذَا وَالدَّسم مُنَاسِب لحلو لَكِن الكثيف المستحيل إِلَيْهِمَا بِفعل الْحَرَارَة الْمُنَاسبَة يَسْتَحِيل إِلَى الْحَلَاوَة إِذا كَانَ عماد تلطفه بالمائية وَقَلِيل هوائية ويستحيل إِلَى الدسومة إِذا كَانَ عماد تلطّفه بالمائية العذبة ويخالطها هوائية كَثِيرَة اشتدّت مداخلتها للمائية. والمر والمالح يَجردان اللِّسَان جردا لَكِن المالج يجرد خَفِيفا وَيغسل وَلَا يخشن ويعينه عَلَيْهِ تأدي ملاقاته للعضو إِلَى جَمِيع أَجْزَائِهِ بِالسَّوِيَّةِ للطافته وَلكنه يُؤْذِي فَم الْمعدة. والمر يجرد شَدِيدا حَتَّى يخشن ويعينه عَلَيْهِ اخْتِلَاف موَاضعه على مَا قُلْنَا. والحريف والحامض يلذعان اللِّسَان لَكِن الحريف يلذعه لذعاً شَدِيدا مَعَ تسخين والحامض يلذعه لذعاً وسطا بِلَا تسخين. والمالح يحدث من انحلال المرّ فِي التفه المائي فَإِذا انْعَقَد كَمَاء الرماد صَار ملحاً. والحامض يحدث من اسْتِحَالَة الْحَلَاوَة بِنُقْصَان الْحَرَارَة ونضج العفوصة بِزِيَادَة الرُّطُوبَة والحرارة. وجوهره فِي جملَة الْأَمر جَوْهَر رطب وَكَذَلِكَ الحلو فَإِن جوهره إِلَى الرُّطُوبَة وجوهر المر والعفص إِلَى اليبوسة. وأفعال الحلو: الإنضاج والتليين وتكثير الْغذَاء والطبيعة تحبه والقوى الجاذبة تجذبه. وأفعال المرارة: الْجلاء والتخشين. وأفعال العفوصة: الْقَبْض إِن ضعف وَالْعصر إِن اشتدّ. وأفعال الْقَبْض: التكثيف والتصليب وَالْحَبْس. وأفعال الدسومة: التليين والإزلاق وإنضاج قَلِيل. وأفعال الحرافة: التَّحْلِيل والتقطيع والتعفين. وأفعال الملوحة: الْجلاء وَالْغسْل والتجفيف وَمنع العفونة. وأفعال الحموضة: التبريد والتقطيع. وَقد يجْتَمع طعمان فِي جرم وَاحِد مثل اجْتِمَاع المرارة وَالْقَبْض فِي الحضُض وَتسَمى البشاعة. وَمثل اجْتِمَاع المرارة والملوحة فِي السليخة وَتسَمى الزعوقة. وَمثل اجْتِمَاع الرافة والحلاوة فِي الْعَسَل الْمَطْبُوخ. وَمثل اجْتِمَاع المرارة والحرافة وَالْقَبْض فِي الباذنجان. وَمثل اجْتِمَاع المرارة والتفه فِي الهندبا وَرُبمَا يعاون مُقْتَضى طعمين على تَقْوِيَة مُقْتَضى طعم فَإِن الحدة والحرافة الثَّابِتَة فِي الْخلّ من الْخمر يجعلانه أشدّ تبريداً لِأَن الحدة والحرافة يفتحان المنافذ فيعينان على التَّنْفِيذ وَإِن لم يبلغَا فِي الْخلّ أَن يسخنا تسخيناً يعْتد بِهِ فَيصير تبريد الْخلّ أغوص وَرُبمَا تعاوق مُقْتَضى طعمين مِنْهَا مثل الحموضة والعفوصة فِي الحصرم فَإِن عفوصة الحصرم تمنع حموضته عَن
стр. 315
التبريد الْبَالِغ النَّافِذ وَرُبمَا كَانَ القوام معينا للكيفية وَرُبمَا كَانَ مضاداً. أما الْمعِين فَمثل اللطافة الَّتِي تقارن الحموضة فتجعل تبريدها أغوص. وَأما المضاد فَمثل الكثافة الَّتِي تقارن المصل فتجعل تبريده أقل مَسَافَة. وَقد يعرض أَن يكون بعض الطعوم غير صرف ثمَّ يصرف على الزَّمَان مثل مَاء الحصرم فَإِنَّهُ إِذا طَالَتْ عَلَيْهِ الْمدَّة خلصت عَلَيْهِ حموضته لِكَثْرَة مَا يرسب من العفص وَغَيره. وَقد يعرض أَن يكون بعض الطَّعَام صرفا فيخلطه الزَّمَان بِغَيْرِهِ مثل الْعَسَل فَإِنَّهُ يمرره ويحرِّفه الزَّمَان زِيَادَة تمرير وتحريف. وكما يُقَوي تمرير الزَّمَان أَو تحريفه عصير الْعِنَب يمرره الزَّمَان أَولا مرَارَة ممزوجة ثمَّ يَأْخُذ فِيهَا إِلَى الحرافة وَإِذا اخْتَلَط العفص والمر كَانَ جلاء مَعَ قبض وَيصْلح لإدمال القروح الَّتِي فِيهَا رهل قَلِيل ويصد لكل إِطْلَاق سَببه سدد. وينفع الطحال نفعا شَدِيدا إِن كَانَت المرارة لَيست فِيهِ بضعيفة وَجَمِيع مَا بِهَذِهِ الصّفة فَإِنَّهُ نَافِع للمعدة والكبد فَإِن المر الْمُطلق والحريف الْمُطلق يضران بالأحشاء فَإِن وافقها الْقَبْض نَفَعت فَإِنَّهَا بمرارتها تجلو وَبِمَا فِيهَا من الْقَبْض تحفظ قُوَّة الأحشاء. وَقد يكون فِي الْقَابِض المر بل فِي الْقَابِض الَّذِي لَا يظْهر فِيهِ كثير مرَارَة قُوَّة تسهيل الصَّفْرَاء والمائية بالعصر وَلَا يكون فِيهِ قُوَّة مسهلة للبلغم اللزج خُصُوصا إِن كَانَ الْقَبْض أقوى عَن المرارة. وَهَذَا كالأفسنتين. وكل حُلْو مَعَ قبض فَهُوَ حبيب إِلَى الأحشاء أَيْضا لِأَنَّهُ لذيذ ومقوّ وينفع خشونة المريء لِأَنَّهُ يشابه المعتدل. وكل مجفف بعفوصته أَو قَبضه إِذا كَانَت فِيهِ دسومة أَو تفه أَو حلاوة. وَبِالْجُمْلَةِ مَا يمْنَع اللذع فَهُوَ منبت للحم. فَإِن كَانَ قبض مَعَ حرافة أَو مرَارَة وَهُوَ الْمركب من جَوْهَر ناريّ وأرضي فَهُوَ يصلح للقروح الَّتِي فِيهَا رُطُوبَة رَدِيئَة وَيصْلح جدا للإدمال وَقد تتركّب قوى هَذِه بِحَسب تركب قوى موادها وطعومها على الْقيَاس الَّذِي اشترطناه قبل. فَهَذَا مَا نقُوله فِي الطعوم وَمَا يلْزم على أصولهم. وَأما الْكَلَام الْمُحَقق فِي هَذِه الْأُمُور فللعلم الطبيعي والطبيب يَكْفِيهِ هَذَا الْقدر مأخوذاً مِنْهُم. وَأما الروائح فَإِنَّهَا تحدث عَن حرارة وتحدث عَن برودة وَلَكِن مشمَها ومسعطها هِيَ الْحَرَارَة فِي أَكثر الْأَمر لِأَن الْعلَّة الأكثرية فِي تقريب الروائح إِلَى الْقُوَّة الشامة هُوَ جَوْهَر لطيف بخاري وَإِن كَانَ قد يجوز أَن يكون على سَبِيل اسْتِحَالَة الْهَوَاء من غير تحلل شَيْء من ذِي الرَّائِحَة إِلَّا أَن الأول هُوَ الأكثري فَجَمِيع الروائح الَّتِي يحدق مِنْهَا لذع أَو تميل إِلَى جنبة الْحَلَاوَة فَكلهَا حارة وَالَّتِي تحسق حامضة وكرجية ندوية فَكلهَا بَارِدَة. وَالطّيب أَكْثَره حَار إِلَّا مَا
стр. 316
يَصْحَبهُ تندية وتسكين من الرّوح وَالنَّفس كالكافور والنيلوفر فَإِن أجسامها لَا تَخْلُو عَن جَوْهَر مبرد يصحب الرَّائِحَة إِلَى الدِّمَاغ وكل طيب حَار وكلذلك جَمِيع الأفاوية وَهِي لذَلِك مصدعة. وَأما الألوان فقد قُلْنَا فِيهَا وعرفنا أَنَّهَا تخْتَلف فِي أَكثر الْأَمر وَلَيْسَت كالروْائح لَكِنَّهَا تهدي فِي معنى وَاحِد هِدَايَة أكثرية وَهُوَ أَن النَّوْع الْوَاحِد إِذا اخْتلفت أصنافه وَكَانَ بعضه إِلَى الْبيَاض وَبَعضه إِلَى الصَّبْغ الْأَحْمَر وَالْأسود فَإِن الضَّارِب إِلَى الْبيَاض إِن كَانَ الطَّبْع فِي النَّوْع بَارِدًا هُوَ أبرد والضارب إِلَى الآخرين أقل بردا وَإِن كَانَ الطَّبْع إِلَى الحرّ فَالْأَمْر بِالْعَكْسِ وَقد يخْتَلف هَذَا فِي أَشْيَاء لَكِن الأكثري هُوَ الَّذِي قلته فلنقل الْآن فِي أَفعَال قوى الْأَدْوِيَة المفردة. الْمقَالة الرَّابِعَة للأدوية أفعالاً كُلية وأفعالاً جزئية نقُول: إِن للأدوية أفعالاً كُلية وأفعالاً جزئية وأفعالاً تشبه الْكُلية. وَالْأَفْعَال الْكُلية هِيَ مثل التسخين والتبريد والجذب وَالدَّفْع والادمال والتقريح وَمَا أشبه هَذِه. وَالْأَفْعَال الْجُزْئِيَّة مثل الْمَنْفَعَة فِي السرطان وَالْمَنْفَعَة فِي البواسير وَالْمَنْفَعَة فِي اليرقان وَمَا أشبه ذَلِك. وَالْأَفْعَال الَّتِي تشبه الْكُلية فَمثل الإسهال والإدرار وَمَا أشبه ذَلِك. فَهَذِهِ وَإِن كَانَت جزئية لِأَنَّهَا أَفعَال فِي أَعْضَاء مَخْصُوصَة وآلات مَخْصُوصَة فَإِنَّهَا تشبه الْكُلية لِأَنَّهَا أَفعَال فِي أُمُور يعمّ نَفعهَا وضررها مَعَ أَنه ينفعل عَنْهَا الْبدن كُله لَا بِالْعرضِ. وَنحن إِنَّمَا نذْكر هَهُنَا أفعالها الْكُلية والشبيهة بِالْكُلِّيَّةِ. فَأَما الْأَفْعَال الْكُلية فَمِنْهَا مَا هِيَ أَوَائِل وَمِنْهَا مَا هِيَ ثوان. والأوائل: هِيَ الْأَفْعَال الْأَرْبَعَة الَّتِي هِيَ التبريد والتسخين والترطيب والتجفيف وَأما الثواني: فَمِنْهَا مَا هِيَ هَذِه الْأَفْعَال بِعَينهَا لَكِنَّهَا مقدرَة أَو مقايسة بحدّ زِيَادَة أَو نُقْصَان مثل الإحراق وَمثل العفونة وَمثل الإجماد والبهوة فَإِنَّهَا بِعَينهَا تسخينات وتبريدات لَكِنَّهَا مقدرَة أَو مقايسة وَمِنْهَا مَا هِيَ أَفعَال أُخْرَى وَلكنهَا صادرة عَن هَذِه مثل التخدير والختم والخدر والإلزاق والتفتيح والتغرية وَمَا أشبه ذَلِك. وَأما الشبيهة بالكليات فَمثل الإسهال والإدرار والتعريق وَقبل أَن نتكلم فِي أفعالها فنتكلم فِي صِفَات لَهَا فِي أَنْفسهَا فَنَقُول: إِن الصِّفَات الَّتِي للأدوية فِي أَنْفسهَا بَعْضهَا هِيَ الكيفيات الْأَرْبَع الْمَعْلُومَة وَبَعضهَا الروائح والألوان وَبَعضهَا صِفَات أُخْرَى الْمَشْهُور مِنْهَا هِيَ هَذِه اللطافة والكثافة واللزوجة والهشاشة والجمود والسيلان واللعابية والدهنية والنشف والخفة والثقل.
стр. 317
فالدواء اللَّطِيف هُوَ الَّذِي من شَأْنه إِذا انفعل من الْقُوَّة الطبيعية الَّتِي فِينَا أَن يتقسم فِي أبداننا إِلَى أَجزَاء صَغِيرَة جدا مثل الزَّعْفَرَان والدارصيني وَهَذَا الدَّوَاء أَنْفَع فِي جَمِيع تأثيراته حَتَّى إِن تجفيفه - وَإِن لم يكن فِيهِ لذع - يبلغ تجفيف الشَّيْء الْقوي اللاذع ونعني الكثيف مَا لَيْسَ ذَلِك من شَأْنه مثل القرع والجبسين ونعني باللزج كل دَوَاء من شَأْنه - الْفِعْل أَو بِالْقُوَّةِ الَّتِي فعلهَا عِنْد تَأْثِير الْحَار الغريزي فِيهِ - أَن يقبل الامتداد مُعَلّقا فَلَا يَنْقَطِع مَا يمدّ وَهُوَ الَّذِي لزم طرفاه جسمين يتحركان إِلَى المباعدة أمكن أَن يتحركا مَعَه من غير أَن ينْفَصل مَا بَينهمَا مثل الْعَسَل. والهشّ هُوَ الدَّوَاء الَّذِي يتَجَزَّأ أَجزَاء صغَارًا بضغط يسير مَعَ يبوسة وجمودة مثل الصَّبْر الْجيد. والجامد هُوَ الدَّوَاء الَّذِي من شَأْنه أَن يصير حَيْثُ تتحرك أجزاؤه إِلَى الإنبساط عَن أَي وضع فرض إِلَّا أَنه بِالْفِعْلِ ثَابت عل شكله وَضعه بِسَبَب بَارِد جدا مثل الشمع. وَبِالْجُمْلَةِ هُوَ الَّذِي من شَأْنه أَن يسيل إِلَّا أَنه غير سَائل بِالْفِعْلِ. والدواء السَّائِل هُوَ الَّذِي لَا يثبت على حَالَة شكله وَوَضعه إِذا أقرّ على جرم صلب بل تتحرك أجزاؤه الْعليا إِلَى السُّفْلى فِي الْجِهَات الْمُمكن لَهُ سلوكها مثل الْمَائِعَات كلهَا. والدواء اللعابي هُوَ الَّذِي من شَأْنه إِذا نقّع فِي المَاء وَفِي جسم مائي تميّزت مِنْهُ أَجزَاء تخالط تِلْكَ الرُّطُوبَة وَيحصل جَوْهَر الْمَجْمُوع مِنْهُمَا إِلَى اللزوجة مثل بزر القطونا والخطمي. والبزور اللعابية تسهّل بالإزلاق إِلَّا أَن تشوى فَتَصِير لعابيتها مغرية فتحبس. والدهني هُوَ الدَّوَاء الذَي فِي جوهره شَيْء من الدّهن مثل الْحُبُوب. والنشف هُوَ الدَّوَاء الْيَابِس بِالْفِعْلِ الأرضي الَّذِي من شَأْنه إِذا لاقاه المَاء والرطوبات السيالة أَن يغوص المَاء وَينفذ فِي منافذ مِنْهُ خُفْيَة حَتَّى لَا يرى مثل النورة الْغَيْر المطفأة. وَأما الْخَفِيف ثقيل فَالْأَمْر فيهمَا ظَاهر. وَأما أَفعَال الْأَدْوِيَة فَيجب أَن نعدّ المشهورات على الشَّرَائِط الْمَذْكُورَة مِنْهَا عدا ثمَّ لَهَا بالرسوم والشروح لأسمائها طبقَة وَاحِدَة فَيُقَال دَوَاء مسخّن ملطّف مُحَلل حادّ مخشن مفتح مرخ منضج جاذب مقطع هاضم كاسر الرِّيَاح محْضر محكّك مقرح أكال محرق لاذع مفتت معفن كاوٍ مقشر وطبقة أُخْرَى مبرّد مقو رادع مغلظ مفجع مخدر وطبقة أُخْرَى مرطب منفتح غسال موسّخ للقروح مزلق مملس وطبقة أُخْرَى مجفف عاصر قَابض مُسَدّد
стр. 318
مدمل منبت للحم خَاتم. وجنس آخر من صِفَات الْأَدْوِيَة بِحَسب أفعالها قَاتل سم ترياق بادزهر وَأَيْضًا مسهل مدر معرق. وَنحن نصف كل وَاحِد من هَذِه الْأَفْعَال برسمه. فالملطف: هُوَ الدَّوَاء الَّذِي من شَأْنه أَن يَجْعَل قوام الْخَلْط أرق بحرارة معتدلة مثل الزوفا والمحلل: هُوَ الدَّوَاء الَّذِي من شَأْنه أَن يفرق الْخَلْط بتبخيره إِيَّاه وإخراجه عَن مَوْضِعه الَّذِي اشتبك فِيهِ جُزْءا بعد جُزْء حَتَّى إِنَّه بدوام فعله يفني مَا يفني مِنْهُ بِقُوَّة حرارته فَمثل الجندبيدستر. والجالي: هُوَ الدَّوَاء الَّذِي من شَأْنه أَن يحرّك الرطوبات اللزجة والجامدة عَن فوهات المسام فِي مسطح الْعُضْو حَتَّى يبعدها عَنهُ مثل مَاء الْعَسَل. وكل دَوَاء جالٍ فَإِنَّهُ بجلائه ويليّن الطبيعة وَإِن لم يكن فِيهِ قُوَّة إسهالية وكل مر جالٍ. والمخشن: هُوَ الدَّوَاء الَّذِي يَجْعَل سطح الْعُضْو مُخْتَلف الْأَجْزَاء فِي الِارْتفَاع والانخفاض إِمَّا لشدَّة تقبيضه مَعَ كَثَافَة جوهره على مَا سلف وَإِمَّا لشدّة حرافته مَعَ لطافة جوهره فَيقطع وَيبْطل الاسْتوَاء وَإِمَّا لجلائه عَن سطح خشن فِي الأَصْل أملس بِالْعرضِ فإذاه إِذا جلا عَن عُضْو متين القوام سطحه خشن مُخْتَلف وضع الْأَجْزَاء رُطُوبَة لزجة سَالَتْ عَلَيْهِ وأحدثت سطحاً غَرِيبا أملس خرجت الخشونة الْأَصْلِيَّة وبرزت وَهَذَا الدَّوَاء مثل أكاليل الْملك وَأكْثر ظُهُور فعلهَا فِي التخشين إِنَّمَا هُوَ فِي الْعِظَام والغضاريف وَأقله فِي الْجلد. والمفتّح: هُوَ الدَّوَاء الَّذِي من شَأْنه أَن يُحَرك الْمَادَّة الْوَاقِعَة فِي دَاخل تجويف المنافذ إِلَى خَارج لتبقى المجاري مَفْتُوحَة وَهَذَا أقوى من الجالي مثل فطراساليون وَإِنَّمَا يفعل هَذَا لِأَنَّهُ لطيف ومحلّل أَو لِأَنَّهُ لطيف ومقطّع. وستعلم معنى المقطع بعد أَو لِأَنَّهُ لطيف وغسّال وستعلم معنى الغسّال بعد وكل حريف مفتّح وكل مرّ لطيف مفتح وكل لطيف سيال مفتح إِذا كَانَ إِلَى الْحَرَارَة أَو معتدلاً وكل لطيف حامض مفتح. والمرخَي: هُوَ الدَّوَاء الَّذِي من شَأْنه أَن يَجْعَل قوام الْأَعْضَاء الكثيفة المسام أَلين بحرارته ورطوبته فَيعرض من ذَلِك أَن تصير المسام أوسع واندفاع مَا فِيهَا من الفضول أسهل مثل ضمّاد الشبث وبزر الْكَتَّان. والمنضج: هُوَ الدَّوَاء الَّذِي من شَأْنه أَن يُفِيد الْخَلْط نضجاً لِأَنَّهُ مسخّن باعتدال وَفِيه قُوَّة قابضة تحبس الْخَلْط إِلَى أَن ينضج وَلَا يتحلّل بعنف فيفترق رطبه من يابسه وَهُوَ الاحتراق. والهاضم: هُوَ الدَّوَاء الَّذِي من شَأْنه أَن يُفِيد الْغذَاء هضماً وَقد عَرفته فِيمَا سلف. وكاسر الرِّيَاح: هُوَ الدَّوَاء الَّذِي من شَأْنه أَن يَجْعَل قوام الرّيح رَقِيقا هوائياً
стр. 319
بحرارته وتجفيفه فيستحيل وينتفض عَمَّا يحتقن فِيهِ مثل بزر السذاب. والمقطع: هُوَ الدَّوَاء الَّذِي من شَأْنه أَن ينفذ بلطافته فِيمَا بَين سطح الْعُضْو والخلط اللزج الَّذِي التزق بِهِ فيبريه عَنهُ وَلذَلِك يحدث لأجزائه سطوحاً متباينة بِالْفِعْلِ بتقسيمه إِيَّاهَا فيسهل اندفاعها من الْموضع المتشتث بِهِ مثل الْخَرْدَل والسكنجبين والمقطّع بِإِزَاءِ اللزج الملتزق كَمَا أَن الْمُحَلّل بِإِزَاءِ الغليظ والملطّف لإزاء المكثّف وَبعد كل مِنْهَا الَّذِي قرن بِهِ فِي الذّكر وَلَيْسَ من شَرط المقطع أَن يفعل فِي قوام الْخَلْط شَيْئا بل فِي اتِّصَاله فَرُبمَا فرقه أَجزَاء وكل وَاحِد مِنْهَا على مثل القوام الأوّل. والجاذب: هُوَ الدَّوَاء الَّذِي من شَأْنه أَن يُحَرك الرطوبات إِلَى الْموضع الَّذِي يلاقيه وَذَلِكَ للطافته وحرارته مثل الجندبيدستر. والدواء الشَّديد الجذب هُوَ الَّذِي يجنب من العمق نَافِع جدا لعرق النسا وأوجاع المفاصل الغائرة ضماداً بعد التنقية وَبهَا ينْزع الشوك والسلاء من محابسها. واللاذع: هُوَ الدَّوَاء الَّذِي لَهُ كَيْفيَّة نفّاذة جدا لَطِيفَة تحدث فِي الِاتِّصَال تفرّقاً كثير الْعدَد مُتَقَارب الْوَضع صَغِيرا متغير الْمِقْدَار فَلَا يحسّ كل وَاحِد بِانْفِرَادِهِ وتحسّ الْجُمْلَة كالموضع الْوَاحِد مثل ضماد الْخَرْدَل بالخلّ أَو الخلّ نَفسه. والمحمر: هُوَ الدَّوَاء الَّذِي من شَأْنه أَن يسخّن الْعُضْو الَّذِي يلاقيه تسخيناً قَوِيا حَتَّى يجذب قوى الدَّم إِلَيْهِ جذباً قَوِيا يبلغ ظَاهره فيحمرّ وَهَذَا الدَّوَاء مثل الْخَرْدَل والتين والفودنج والقردمانا والأدوية المحمرة تفعل فعلا مقارباً للكي. والمحك: هُوَ الدَّوَاء الَّذِي من شَأْنه - بجذبه وتسخينه - أَن يجذب إِلَى المسام أخلاطاً لذاعة حاكّة وَلَا يبلغ أَن يقرح وَرُبمَا أَعَانَهُ شوك زغبية صلاب الأجرام غير محسوسة كالكبيكج. والمقرح: هُوَ الدَّوَاء الَّذِي من شَأْنه أَن يفني ويحلّل الرطوبات الْوَاصِلَة بَين أَجزَاء الْجلد ويجذب الْمَادَّة الرَّديئَة إِلَيْهِ حَتَّى يصير قرحَة مثل البلاذر. والمحرق: هُوَ الدَّوَاء الَّذِي من شَأْنه أَن يحلل لطيف الأخلاط وَتبقى رماديتها مثل الفربيون. والأكال: هُوَ الدَّوَاء الَّذِي يبلغ من تَحْلِيله وتقريحه أَن ينقص من جَوْهَر الدَّم مثل الزنجار. والمفتت: هُوَ الدَّوَاء الَّذِي إِذا صَادف خلطاً متحجراً صغر أجزاءه ورضه مثل مفتّت الْحَصَاة من حجر الْيَهُودِيّ وَغَيره.
стр. 320
والمعفن: هُوَ الدَّوَاء الَّذِي من شَأْنه أَن يفْسد مزاج الْعُضْو أَو مزاج الرّوح الصائر إِلَى الْعُضْو ومزاج رطوبته بالتحليل حَتَّى لَا يصد أَن يكون جُزْءا لذَلِك الْعُضْو وَلَا يبلغ أَن يحرقه أَو يَأْكُلهُ ويحفل رطوبته بل يبْقى فِيهِ رُطُوبَة فَاسِدَة يعْمل فِيهَا غير الْحَرَارَة الغريزية فيعفن وَهَذَا مثل الزرنيج والثافسيا وَغَيره. والكاوي: هُوَ الدَّوَاء الَّذِي يَأْكُل اللَّحْم وَيحرق الْجلد إحراقاً مجففاً ويصلبه ويجعله كالحممة فَيصير جَوْهَر ذَلِك الْجلد سدا لمجرى خلط سَائل لَو قَامَ فِي وَجهه وَيُسمى خشكريشة وَيسْتَعْمل فِي حبس الدَّم من الشرايين وَنَحْوهَا مثل الزاج والقلقطار. والقاشر: هُوَ الدَّوَاء الَّذِي من شَأْنه لفرط جلائه أَن يجلو أَجزَاء الْجلد الْفَاسِدَة مثل الْقسْط والمبرٌ د: مَعْرُوف. والمقوي: هُوَ الدَّوَاء الَّذِي من شَأْنه أَن يعدل قوام الْعُضْو ومزاجه حَتَّى يمْتَنع من قبُول الفضول المنصبة إِلَيْهِ والآفات إِمَّا لخاصية فِيهِ مثل الطين الْمَخْتُوم والترياق وَإِمَّا لاعتدال مزاجه فيبرد مَا هُوَ أسخن ويسخن مَا هُوَ أبرد على مَا يرَاهُ جالينوس فِي دهن الْورْد. والرادع: هُوَ مضاد الجاذب وَهُوَ الدَّوَاء الَّذِي من شَأْنه لبرده أَن يحدث فِي الْعُضْو بردا فيكثفه بِهِ ويضيق مسامه وَيكسر حرارته الجاذبة ويجمد السَّائِل إِلَيْهِ أَو يخثره فيمنعه عَن السيلان إِلَى الْعُضْو وَيمْنَع الْعُضْو عَن قبُوله مثل عِنَب الثَّعْلَب فِي الأورام. والمغلظ: هُوَ مضاد الملطف وَهُوَ الدَّوَاء الَّذِي من شَأْنه أَن يصير قوام الرُّطُوبَة اغلظ إِمَّا بإجماده وَإِمَّا بإخثاره وَإِمَّا لمخالطته. والمفحج: هُوَ مضاد الهاضم والمنضج وَهُوَ الدَّوَاء الَّذِي من شَأْنه أَن يبطل لبرده فعل
следующие страницы →