← Медицина

Медицина · id 10706

القانون في الطب

ابن سينا

Полный текст (2 115 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

القلقطار خَمْسَة مَثَاقِيل تدق هَذِه الْأَدْوِيَة دقاً نَاعِمًا وتُعجن بشراب عفص وتقرّص وَإِذا احْتِيجَ إِلَيْهَا ديف الْوَاحِد مِنْهَا بخل ممزوج بِمَاء الْورْد ويطلى على الصدغين. والصداع الْحَار فِي الحميات يكره اسْتِعْمَال الْأَدْوِيَة العاطفة للأبخرة عَلَيْهِ ويعافيه كَثْرَة استنشاق الْخلّ وَمَاء الْورْد. فصل فِي علاج الصداع الْبَارِد بِغَيْر مَادَّة أَو بمادة بلغمية أَو سوداوية: ينفع من ذَلِك التكميد بِمَا هُوَ مسخن بِالفعل من الْخرق المسخنة وَمن الجاورس المسخن وَالْملح المسخّن. والجاورس ألطف وَأَعْدل وَقد ينفع جَمَاعَتهمْ وخصوصاً المصرودين مِنْهُم إِذا كَانَت أبدانهم نقية وَلم يخْش مِنْهُم حَرَكَة الأخلاط أَن يحسروا عَن رؤوسهم فِي الشَّمْس مقيمين فِي شرقها إِلَى أَن يعافوا وينحلّ صداعهم. والمصرود يجب أَن يقلل غذاؤه وتسهل طَبِيعَته وَلَو بالحقن ويحال بَينه وَبَين الحركات الْبَدَنِيَّة والنفسانية والفكرية وَيمْنَع الشَّرَاب الْبَارِد وَيحرم عَلَيْهِ البروز للبرد. وينفع جَمِيع من بِهِ صداع من الْبرد بعد التنقية - إِن احْتِيجَ إِلَيْهَا - المروخات والسعوطات والنشوقات والشمومات والنطولات والأضمدة المسخنة الْمَذْكُورَة. وَمِمَّا يَنْفَعهُمْ سقِِي الشَّرَاب الريحاني الرَّقِيق الْقوي مَعَ البزور أَعنِي مثل بزر الكرفس وبزر الرازيانج وبزر الجزر والأنيسون والكمّون

стр. 772

والدوقو وَفطر اساليون وَمَا جرى مجْرى ذَلِك. وَهَذَا عِنْدَمَا يؤمّن حُصُول أخلاط فِي الْمعدة مستعدة للثور وعندما لَا يكون بالعليل حمى فيخاف أَن تشتد. وينفعهم ضماد الْخَرْدَل وَجَمِيع الأضمدة المحمّرة وخصوصاً إِذا وَقع فِيهَا خَرْدَل وثافسيا وَقد جرب الرماد بالخلّ طلاء وَكَذَلِكَ الْعُرُوق بدهن اللوز المر مروخاً كل ذَلِك بعد الْحلق. وكل الثوم أَيْضا مِمَّا يقطع الصداع الْبَارِد. فَأَما علاج الصداع الْبَارِد مَعَ مَادَّة بلغمية فَهُوَ أَن يستفرغ الْبدن إِن كَانَ الْخَلْط مُشْتَركا فِيهِ ثمَّ يسْتَعْمل تقليل الْغذَاء أَو تلطيفه وَيسْتَعْمل الأبازير الَّتِي لَيست مصدعة وَيسْتَعْمل المنضجات الْمَذْكُورَة والاستفراغات المحدودة مبتدئاً من الْأَقَل فالأقل ثمَّ المعالجات الْأُخْرَى الموصوفة فِي القانون. وَيسْتَعْمل أَيْضا مَا يسكّن أوجاعها وَجَمِيع مَا يجب أَن يسْتَعْمل فِي علاجي الْبَارِد وَالرّطب. وَاسْتِعْمَال الترياقات من المعاجين فِي الْأُسْبُوع مرّة وَاحِدَة نَافِع. وَأما علاج الصداع الْبَارِد مَعَ مَادَّة سوداوية فَإِن الْوَاجِب فِيهَا أَيْضا أَن يعْمل على حسب مَا قيل فِي القانون من الفصد إِن احْتِيجَ إِلَيْهِ لكَون الدَّم غَالِبا أَو فَاسِدا والاستفراغات بدرجاتها بعد الإنضاجات المفصّلة ثمَّ تَبْدِيل المزاج بالطرق الْمَذْكُورَة وَاسْتِعْمَال مَا يُولد دَمًا لطيفاً مَحْمُودًا رطبا رَقِيقا وَقد وفى الْكَلَام فِيهِ. وَمِمَّا ينفع مِنْهُ جيّداً حب القرنفل وَنَذْكُر هَهُنَا أَيْضا مَا ذكره أركاغانيس فِي بَاب فصد الكابل وَقد أوردناه. صفة أطلية نافعة للصداع الْبَارِد: يَنْبَغِي أَن يبْدَأ بحلق الرَّأْس أوّلاً ثمَّ يُؤْخَذ مثقالان من أوفربيون ومثقال من بورق ومثقالان من السذاب الْبري ومثقال من بزر الحرمل ومثقالان من الْخَرْدَل تدق وتعجن بِمَاء المرزنجوش ويطلى بِهِ الرَّأْس. أُخْرَى: وَمن الأطلية الجيدة النافعة أَن يُؤْخَذ فلفل مِثْقَال ثقل دهن الزَّعْفَرَان

стр. 773

مِثْقَال وَثلث أوفربيون حَدِيث مِثْقَال زبل الْحمام مثقالان يجمع الْجَمِيع بعد السحق الشَّديد بالخل الثقيف ثمَّ يطلى بِهِ مَوضِع التحمير. وَأَيْضًا طلاء من مرّ وأوفربيون وملح وبورق. وَأَيْضًا فربيون ومرّ وصبر وصمغ عَرَبِيّ وجندبيدستر وزعفران وأفيون وأنزروت وقسط وكندر يتّخذ مِنْهُ طلاء بِمَاء السذاب. أُخْرَى: وَمن الأطلية الجيدة لكل من الخوذة والشقيقة الباردين أَن يطلى بِالْحجرِ الْمصْرِيّ فَإِنَّهُ شَدِيد النَّفْع جدا. أُخْرَى: يُؤْخَذ فلفل أَبيض وزعفران من كل وَاحِد دِرْهَمَانِ فربيون دِرْهَم خرء الْحمام البرّي وزن دِرْهَم وَنصف يعجن بخلّ ويطلى بِهِ الْجَبْهَة. أُخْرَى: يُؤْخَذ صَبر وَمر وفربيون وجندبيدستر وأفيون وقسط وعاقر قرحا وفلفل يطلي بشراب عَتيق. وَأَيْضًا دَوَاء زبل الْحمام وَهُوَ قوي. أُخْرَى: فلفل وخلط الزَّعْفَرَان أَي قرص الزَّعْفَرَان الْمَذْكُور من كل وَاحِد مثقالان فربيون نصف مِثْقَال زبل الْحمام مِثْقَال وَنصف مداد مِثْقَال وَنصف الخلّ مِقْدَار الْحَاجة وَهَذِه الْأَدْوِيَة تَارَة تسْتَعْمل مَكْسُورَة بالدقيق أَو بمزاج لين أَو بَيَاض بيض وَتارَة صفرَة ودرجات ذَلِك مُخْتَلفَة. صفة سعوطات نافعة للصداع الْبَارِد: مِنْهَا سعوط الشونيز الْمَذْكُور فِي الْمُفْردَات وَمِنْهَا المومياء مَعَ الجندبيدستر والمسك. وَزعم بَعضهم أَنه إِذا سعط بِسبع وَرَقَات

стр. 774

سعتر وَسبع حبات خَرْدَل مسحوقة بدهن البنفسج كَانَ نَافِعًا. وَمِمَّا جرّب مسك وميعة وَعَنْبَر وَيُؤْخَذ عدسة مِنْهُ ويسعط بِهِ كل وَقت. وَمِمَّا يسعط بِهِ لذَلِك فيسخّن ويستفرغ دهن شَحم الحنظل أَو دهن ديف فِيهِ عصارة قثاء الْحمار وَمَا زعم قوم أَنه شَدِيد النَّفْع من ذَلِك أَن يُؤْخَذ عصارة ورق الْحَاج معتصراً بِلَا مَاء ويسعط مِنْهُ فِي الْأنف ثَلَاث قطرات على الرِّيق ثمَّ يتبع بدهن البنفسج بعد سَاعَة ويحسى إسفيدباجاً كثير الدسم. وَمِمَّا يمدح لهَذَا الشَّأْن أَن يُؤْخَذ من مرَارَة الثور الْأَشْقَر وزن ثَلَاثَة دَرَاهِم وَمن المومياء وزن دِرْهَمَيْنِ وَمن الْمسك دِرْهَم وَمن الكافور وَزن نصف دِرْهَم ويسعط مِنْهُ. أُخْرَى: يُؤْخَذ ثافسيا مِثْقَال وَنصف أصل السوسن مِثْقَال فربيون مِثْقَال وَنصف عسل مصفى مِثْقَال وَنصف يجمع الْجَمِيع بعصارة أصل السلق ويسعط مِنْهُ بِحَبَّة جاورس مقطراً من طرف الْميل. أُخْرَى: يُؤْخَذ فربيون وثلثاه خضَض هندي ويعجن بعصارة السلق ويقطر فِي الْأنف. أُخْرَى: يُؤْخَذ بخور مَرْيَم يَابِس ثَمَانِيَة مَثَاقِيل بورق وسماق من كل وَاحِد أَرْبَعَة

стр. 775

مَثَاقِيل ليسحق صحقاً نَاعِمًا وينفخ فِي الْأنف. بأنبوبة وَيرْفَع العليل رَأسه ويستنشقه بِقُوَّة. أُخْرَى: يُؤْخَذ شونيز أَرْبَعَة مَثَاقِيل عصارة قثاء الْحمار مثقالان نوشادر مثقالان يعجن بدهن الحنا وبدهن قثاء الْحمار يطلى بِهِ دَاخل الْأنف ويستنشق العليل رِيحه بِقُوَّة فَإِذا نزل من سَاعَته من رَأسه شَيْء كثير فَحِينَئِذٍ يغسل الْأنف بِمَاء حَار. صفة أدهان يمرخ بهَا رَأس من بِهِ صداع بَارِد: وَذَلِكَ أَنه ينفع مِنْهُ جَمِيع الأدهان الحارة والأدهان الَّتِي قد طبخ فِيهَا مثل الشبث والفودنج والمرزنجوش والشيح والنمام والسذاب وورق الْغَار وَمَا قد ذَكرْنَاهُ فِي القانون. وَأما دهن البلسان فحاله مَا قد عَرفته هُنَاكَ وَهَذِه أَيْضا تصلح سعوطات وقطورات فِي الْأذن. صفة نفوخ نَافِع من الصداع المزمن: وَهُوَ أَن يُؤْخَذ عصارة قثاء الْحمار وشونيز وَقَلِيل ثافسيا ويسحق وينفخ فِي الْأنف أَو بخور مَرْيَم ونطرون وعصارة قثاء الْحمار. فِي علاج الصداع الْيَابِس: أما الْيَابِس الَّذِي يكون مَعَ مَادَّة صفراوية أَو دموية فقد مضى الْكَلَام فِيهِ وَإِنَّمَا بَقِي الْكَلَام فِي الصداع الْيَابِس بِلَا مَادَّة فَأول علاجه تَدْبِير العليل بالأغذية المرطبة الجيّدة الكيموس وخصوصاً الْكَثِيرَة الْغذَاء مثل محّ الْبيض ومثلا مرق الفراريج السمينة والقباج والطياهيج والأحساء الدسمة بالأدهان الرّطبَة ثمَّ يمال من جِهَة الْحَار والبارد إِلَى مَا هُوَ أوفق. وَمِمَّا ينْتَفع بِهِ اسْتِعْمَال السعوطات المرطبة بالأدهان المحمودة كدهن اللوز

стр. 776

ودهن القرع وَغير ذَلِك. وَإِن احْتِيجَ فِي شَيْء مِنْهَا إِلَى تَعْدِيل مزاج بتبريد أَو تسخين مزج بِهِ من الأدهان مَا يعدّله وَرُبمَا أوقع اليبس نُقْصَانا بَينا فِي جَوْهَر الدِّمَاغ وهيأه للأوجاع. وَيجب هُنَالك أَن يستعملوا السعوطات بالأمخاخ المنقّاة من عِظَام سوق الْغنم والعجاجيل وشحوم الدَّجَاج والدراريج والطياهيج والتدارج والزبد زبد الْبَقر والماعز. وَمِمَّا يَنْفَعهُمْ تضميد الرَّأْس بالفالوذج الرَّقِيق المتّخذ من سميذ الْحِنْطَة الشّعير بِحَسب الْحَاجة وبالسكر الْأَبْيَض ودهن اللوز أَو القرع أَو صبّ الرَّقِيق مِنْهُ على اليافوخ وَقد طوق بإكليل من عجين يحبس مَا يصبّ على الرَّأْس. فِي علاج الصداع الورمي: وَأما علاج أَصْنَاف الصداع الْكَائِن عَن الأورام فَنَذْكُر كل وَاحِد فِي بَاب مُفْرد فِي الْمقَالة الَّتِي بعد هَذِه. فِي علاج صداع السدّة: وَأما صداع السدة فعلاجه بالإنضاج بِمَا تعلم ثمَّ الاستفراغ وَاسْتِعْمَال الشبيارات ثمَّ التَّحْلِيل بالنطولات والأضمدة والشمومات والغرغرات ثمَّ بالإنضاج ثمَّ الاستفراغ ثمَّ التَّحْلِيل حَتَّى يَزُول وَقد علم كَيْفيَّة ذَلِك فِي مَوْضِعه فَإِن كَانَ المزاج فِي الرَّأْس حاداً والسدّة غَلِيظَة صَعب عَلَيْك العلاج فَيجب أَن يسْتَعْمل التفتيح ثمَّ إِذا هاج صداع أَو تضرّر الرَّأْس بالعلاج الْحَار تداركت ذَلِك بالمبرّدات الَّتِي مَعهَا إرخاء وَلَا قبض فِيهَا ثمَّ إِذا سكن عاودت لَا تزَال تفعل ذَلِك حَتَّى تفتح السدّة وَقد فصلنا كل هَذَا. فصل فِي علاج الصداع الْكَائِن من ريَاح وأبخرة محتقنة فِي الرَّأْس لَيست من خَارج أما الْكَائِن عَن ريَاح غَلِيظَة فيعالج أَولا باجتناب كل مَا يبخر وينفخ مثل الْجَوْز وَالتَّمْر والخردل حاراً كَانَ أَو بَارِدًا وَيسْتَعْمل النطولات والضمّادات

стр. 777

الْمَذْكُورَة والشمومات والسعوطات الموصوفة فِي القانون ويشم الجندبيدستر والمسك خَاصَّة. ولدخول الْحمام على الرِّيق مَنْفَعَة فِي هَذَا الْبَاب وَإِن كَانَ مبدؤها من الْمعدة اسْتعْملت فِي علاجها الاستفراغات الْمَذْكُورَة وخاصة النّسخ الَّتِي يَقع فِيهَا دهن الخروع وبدله الزَّيْت الْعَتِيق واستعملت الكموني وَمَا يجْرِي مجْرَاه مِمَّا يذكر فِي علل الْمعدة وقويت الرَّأْس بعد المعالجة بدهني الآس واللاذن ودهن السوسن وبعصارة السرو والأثل والسعد وَمَا فِيهِ تسخين وَقبض وَيسْتَعْمل أَيْضا فِي الْأَطْرَاف ليجذب إِلَى الْخلاف. وَأما الْكَائِن عَن الأبخرة فَإِن كَانَ تولّدها فِي الرَّأْس نَفسه وَلم يكن العليل يجد فِي الْمعدة نفخاً وقراقر وَلَا كَانَ ذَلِك يزْدَاد وينتقص بِحَسب الامتلاء والفراغ وبحسب الأغذية المبخرة وقليلة البخار فعلاجهم النطولات المفشّشة الْمَعْرُوفَة وتقوية الرَّأْس بالأضمدة المحلّلة وفيهَا قبض يسير والمشمومات الملطّفة وَبهَا كِفَايَة. وَإِن كَانَ من الْمعدة فَمَا ينفعها مَا يقوّي الْمعدة كالمصطكي والجلنجبين ثمَّ الكمّوني وَمَا أشبهه. وَإِذا تنَاول الطَّعَام وَأخذ يبخر ويصدع فليتناول عَلَيْهِ لعاب بزر قطونا أَو الكزبرة الْيَابِسَة مَعَ السكر وَإِن خَافَ برد الْمعدة من لعاب بزر قطونا اسْتعْمل لعاب بزر كتّان مَعَ الكزبرة الْيَابِسَة. وتقوّي الرَّأْس بِمَا عَرفته بعد أَن تعالجه فتسكنه بِمَا يجب من النطولات والشمومات الموصوفة وخصوصاً المرزنجوش فَرُبمَا كَانَ هُوَ وَحده سَببا للخلاص التَّام وَيسْتَعْمل الجذب إِلَى الْخلاف. وَإِذا أحسست أَن فِي الْمَادَّة البخارية فضل حرارة بِمَا تَجِد من عَلَامَات الْحَرَارَة اجْتنب المحلّلات الْكَثِيرَة التسخين كالأوفربيون وَغَيره اجتنابا شَدِيدا بل ابتدأت أَولا بالجذب إِلَى الْخلاف والتنقية بالغراغر ثمَّ اسْتعْملت النطولات المعتدلة فِي الْحمام.

стр. 778

فصل فِي علاج الصداع الْحَادِث من ريح نفذت إِلَى دَاخل الرَّأْس عَن خَارج وَأما الصداع الْحَادِث من ريح نفذت إِلَى دَاخل الرَّأْس من خَارج فيتأمّل هَل كَانَت الرّيح حارة صيفية أَو بَارِدَة شتوية ثمَّ يتَأَمَّل مَوضِع دُخُولهَا فَإِن كَانَت حارة ومدخلها الْأذن قطر فِيهَا دهن البابونج مفتر أوَ دهن الخيري أَو دهن الشبث مكسوراً بدهن الْورْد الْقَلِيل وَكَذَلِكَ إِن كَانَ مدخلها الْأنف قطر ذَلِك فِي الْأنف وَاسْتعْمل التنطيل بِمَا يحلل بِرِفْق مِمَّا ذَكرْنَاهُ فَإِن تعقبه سوء مزاج حَار عولج بالرفق وابتدئ بِمَا هُوَ أقلّ بردا فَإِن لم ينفع زيد. وَأما إِن كَانَ بَارِدًا جعلت الأدهان من أَي الطَّرِيقَيْنِ وَجب اسْتِعْمَالهَا حارة وفيهَا جندبيدستر أَو مسك ويقلل وَيكثر بِمِقْدَار الْحَاجة وَيسْتَعْمل النطولات والضمّادات الْمَذْكُورَة بِحَسب ذَلِك محلّلة حارة ويجتنب كل مَا ينْفخ ويليّن الطبيعة. فصل فِي علاج الصداع الْحَادِث من أبخرة رَدِيئَة أَصَابَت الرَّأْس من خَارج وَكَذَلِكَ علاج البخارات الرَّديئَة الْوَاصِلَة من خَارج وَإِنَّمَا تكون بَارِدَة فِي الْأَقَل مثل بخارات الْمَوَاضِع المتكرجة الحمامية وَأما فِي الْأَكْثَر فَتكون حارة وتحللها بالنطولات المعتدلة إِن احْتبسَ مِنْهَا شَيْء كثير وتخيل سدر ودوار ويتشمم الروائح الطّيبَة المعتدلة مثل مَاء الْورْد ودهنه والنيلوفر والبنفسج وَإِن أحسّ بحرارة شَدِيدَة فالكافور والصندل. وَيسْتَعْمل تحميم الرَّأْس فِي الْحمام بِالْمَاءِ الْحَار والخطمي. وَأما الْبَارِدَة فينفع مِنْهَا شمّ الْمسك والجندبيدستر وَذَلِكَ كَاف فَإِن كَانَت الأبخرة دخانية احْتَاجَ إِلَى ترطيب شَدِيد بالادهان الْمَذْكُورَة وبالمرطّبات المعدودة واحتيل فِي غسل الْأنف بِمثل هَذِه الأدهان يستنشق مِنْهَا استشناقاً شَدِيدا جاذباً إِلَى فَوق حَافِظًا فِيهِ ثمَّ يخلى لينصب ثمَّ يجدّد يعْمل ذَلِك دَائِما وَكَذَلِكَ بِمَاء الْورْد وَمَاء الْخلاف وَمَاء القرع وليكب على أبخرة هَذِه الْمِيَاه إكباباً كثيرا فَإِن تولد مِنْهَا آفَة وَسُوء مزاج كَمَا يكون عَن دُخان الكبريت ودخان الزرنيخ وَمَا أشبهه اسْتعْمل الكافور فِي دهن القرع ليرطب أحمدهما ويبرد الآخر وَكَذَلِكَ يسْتَعْمل الكافور فِي دهن الخسّ ودهن البنفسج ويفرش الْموضع بأوراق الْخلاف والرياحين المرطّبة.

стр. 779

فصل فِي علاج الصداع الْحَادِث من الروائح الطّيبَة أما الْكَائِن عَن الروائح الطّيبَة فَإِن كَانَت حارة وضرت بحرارتها لَا باليبوسة وَحدهَا عولج بالروائح الطّيبَة الْبَارِدَة مثل مَا أَن الضَّرَر اللَّاحِق من شمّ الْمسك والزعفران يعالج بالكافور والصندل واللاحق من الكافور يعالج بالمسك والزعفران والزعفران وَإِن كَانَت إِنَّمَا تضرّ مَعَ ذَلِك بالتجفيف واليبس فالعلاج أَن لَا يقْتَصر فِي علاج ضَرَر الْمسك مثلا بالكافور بل إِن أمكن أَن يتدارك بإسعاط الأدهان الرّطبَة مبردة فقد كفى وَإِلَّا فَمَعَ الكافور مدوفاً فِيهَا وَكَذَلِكَ بِالْعَكْسِ. فصل فِي علاج الصداع الْحَادِث من الروائح المنتنة وَأما الصداع الْكَائِن عَن الروائح المنتنة فعلاجه بالطيبة المضادة لَهَا فِي المزاج فَإِن كَانَ لتِلْك الروائح تجفيف احتيل أَن تكون الروائح الَّتِي تقَابل بهَا مرطبة مثل رَوَائِح النيلوفر والبنفسج الذكيين ولدهن الْخلاف الذكي مزية على جَمِيع الروائح لمقابلة الروائح الطّيبَة والمنتنة الضارة بِالْحرِّ لتعلم ذَلِك. فصل فِي علاج الصداع الْحَادِث من الْخمار وَأما صداع الْخمار فأوّل مَا يجب فِيهِ أَن يسْتَعْمل تنقية الْمعدة إِمَّا بقيء بسكنجبين وبزر الفجل أَو بالسكنجبين وعصارة الفجل أَو بالسكنجبين بِمَاء فاتر وبالمقيئات اللينة والمتوسطة مِمَّا تعلمه فِي الاقراباذين وَإِن لم يجب الْقَيْء أَو أُبْقِي اسْتِعْمَاله أسهلت بأيارج مقوى بسقمونيا لِئَلَّا يطول لبثه وَإِن كَانَ هُنَاكَ مَانع عَن اسْتِعْمَال مَا هُوَ حَار من مرض حاراً أطلقت بطبيخ الهليلج الكابلي أَو شراب الْفَوَاكِه الْمُطلق وَإِن كرهت النَّفس أَمْثَال هَذِه الْأَشْيَاء أطلقت بِمَاء الرمانين مَعَ الشَّحْم على مَا نقُوله فِي القراباذين مقوى بسقمونيا يسير. وَلَا تبال من حرارته فَإِن كَانَ عَن الاستفراغات بِأَيّ وَجه كَانَ حَائِل ألزمتهم النّوم إِلَى أَن يهضم مَا فِي معدهم من الشَّرَاب وَيظْهر ذَلِك بتلون الْبَوْل وانصباغه وتدلك مِنْهُم الرجل بالملح وَثمن البنفسج وتصب على الْأَطْرَاف مِنْهُم نطول البابونج ثمَّ ليدخلوا الْحمام وليغرقوا رؤوسهم بدهن الْورْد مبرّداً غير شَدِيد التبريد ويغذوا بالعدس والحصرم وَمَا أشبهه وبالكرنب لخاصية فِيهِ يمْنَع بهَا البخار

стр. 780

عَن الرَّأْس. قَالَ جالينوس: فَإِن غذوته بفراخ الْحمام لم تخط وَيُشبه أَن يكون السَّبَب رقة الدَّم الْمُتَوَلد مِنْهُ وقوته على تَحْلِيل الأبخرة وَيجب أَن تعطيهم الْفَاكِهَة القابضة وَليكن الشَّرَاب المَاء لَا غير اللَّهُمَّ إِلَّا أَن تكون الْمعدة ضَعِيفَة وَيخَاف استرخاؤها فتمنعه الاستكثار من شرب المَاء الْبَارِد وتسقيه مَاء الرُّمَّان الحامض والريباس خَاصَّة وربه وحماض الأترج وربه خَاصَّة والسفرجل والتفاح وَمَا أشبهه. واستفاف الكزبرة الْيَابِسَة مَعَ السكر وزنا بِوَزْن نَافِع لَهُ ثمَّ تنوّمه وتسكنه فَهُوَ الأَصْل فِي علاجه وَإِن لم يسكن بذلك عاودته بِهِ من يَوْمه وَمن الْغَد وَجعلت غذاءه مَا يبرد ويرطب أَو يلطف بِمثل صفرَة الْبيض وصببت عَلَيْهِ مَاء حاراً كثيرا ليحلل واشتغل بتنويمه مَا اسْتَطَعْت. ثمَّ إِذا زَالَ الغثيان إِن كَانَ وَبَقِي الصداع قطعت دَوَاء الْورْد عَنهُ فَإِنَّهُ ضار لَهُ بعد ذَلِك إِذْ كَانَت الْحَاجة إِلَيْهِ أَولا لتقوية الرَّأْس وَمنع البخار وَقد زَالَت الْآن. وَيجب أَن تسْتَعْمل الْآن دهن البابونج مَكَانَهُ غرقاً لتحلل فَإِن لم يزل بذلك فَإِن السوسن فَإِنَّهُ غَايَة ومجرب. ثمَّ إِذا جعل الْخمار يخفّ وينحطّ مشيته يَسِيرا يَسِيرا ورجحته واغذه حِينَئِذٍ أَيْضا بالسمك الرضراضي وَخصي الديوك والفراريج بالبقول الْبَارِدَة وَيَنْبَغِي أَن لَا يمشي على الطَّعَام بل بعد ثَلَاث سَاعَات. وَبِالْجُمْلَةِ الأولى أَن ينْتَظر الهضم بِالنَّوْمِ أَو بِالسُّكُونِ الطَّوِيل حَتَّى تَجف معدته قَلِيلا ثمَّ يسْتَعْمل السكنجبين السكرِي إِن كَانَ محروراً أَو العسلي إِن كَانَ مرطوباً وَيقبل على ذَلِك قَدَمَيْهِ ثمَّ يمشي مشياً غير مُتْعب أَو يُحَرك حَرَكَة أُخْرَى غير متعبة وعَلى أَنه يَنْبَغِي أَن يجْتَنب الْخلّ الساذج والمري وَإِن لم يكن بُد فليصطبغ بِغَيْر الحاذق مِنْهُ وَإِذا مشيته قَلِيلا فَاسْتعْمل لَهُ الأبزن. وَالْحمام أَيْضا ثمَّ يجب آخر الْأَمر أَن تنطله بالنطولات المعتدلة التَّحْلِيل وتغذوه بِمَا يخف من اللحوم. صفة دَوَاء جيد للخمار: الهندبا وبزر الكرنب والأمير باريس منقى من حبّه والسماق والعدس المقشر والورد والطباشير بِالسَّوِيَّةِ يجمع الْجَمِيع وَيشْرب مِنْهُ وزن ثَلَاثَة دَرَاهِم مَعَ قِيرَاط كافور وأوقية مَاء الرُّمَّان وأو مَاء الريباس أَو مَاء حماض الأترج أَو ربه. فصل فِي علاج الصداع الْحَادِث من الْجِمَاع هَذَا الصداع يحدث إِمَّا بِسَبَب مَا يورثه ذَلِك من اليبس وعلاجه مَا ذَكرْنَاهُ فِي بَاب معالجة الصداع الْيَابِس بعد أَن يمال بالمرطبات. وَأما بِسَبَب امتلاء فِي الْبدن فطرأ عَلَيْهِ الْحَرَكَة الجماعية المركبة من الْبَدَنِيَّة والنفسية فتثير الأبخرة الخبيثة فَيجب لمن يَعْتَرِيه ذَلِك عقيب الْجِمَاع وَبِه امتلاء أَن يبْدَأ بالفصد ثمَّ بالإسهال إِن وَجب

стр. 781

كل وَاحِد مِنْهُمَا أَو أَحدهمَا ثمَّ يُقَوي الدِّمَاغ بالأدهان المقويّة مثل دهن الْورْد ودهن الآس وبالمياه المقوية الْمَطْبُوخ فِيهَا مثل الْورْد والآس ويتغذّى بِمَا يسْرع هضمه ويجود كيموسه ويهجر الْجِمَاع فَإِن لم يجد مِنْهُ بدا فَلَا يجامعن على الخواء. فصل فِي علاج الصداع الْكَائِن عَن ضَرْبَة أَو سقطة وتدبير من يعرض لَهُ زعزعة الدِّمَاغ والشجة: يجب أَن يكون قصاراك وَغَايَة قصدك فِي معالجة من بِهِ صداع حَادث عَن ضَرْبَة أَو سقطة أَن تسكن الوجع مَا أمكن وتبعد الْمَادَّة عَن مَوضِع الْأَلَم إِمَّا باستفراغ وإمّا بجذب إِلَى الْخلاف لِئَلَّا يرم وتعالج الْجراحَة إِن حدثت لتندمل وَلَا يُمكن أَن تندمل وَسُوء المزاج ثَابت بل يجب أَن يعدل فِي إدمالها مزاج ناحيتها. وَاعْلَم أَنه إِذا ظَهرت بِصَاحِب هَذِه الآفة حمى وَاخْتَلَطَ الْعقل فقد أَخذ فِي التورم فَأول مَا يَنْبَغِي أَن يعْمل فِي علاجه هُوَ فصد القيفال أَو الأكحل لتمنع التورّم وَإِن كَانَ هُنَاكَ امتلاء فَيجب أَن يسْتَعْمل الحقن الحارة وَلَو بشحم الحنظل إِلَّا أَن يكون بِهِ حمى فيعدل الحقن وَإِن لم يجب الحقن وَجب أَن يستفرغ بِمثل حبّ القوقايا إِن لم يكن حمّى وَإِن كَانَ هُنَاكَ حرارة مَا دون الْحمى لم تتْرك سقيه فَلَا بُد من تَعْدِيل الْموضع فِي مزاجه حَتَّى يقبل العلاج وَإِن لم يكن ضمد الْموضع بِمَا يُقَوي مثل أضمدة مياه الآس وَالْخلاف وأدهانهما وأدهان الآس والسوسن والورد وأخلاطها وَمَا فِيهِ قبض لطيف وَتَحْلِيل يسير مثل الْورْد وإكليل الْملك وقصب الذريرة والبابونج والطين الأرمني والشبّ الْيَمَانِيّ بشراب ريحاني وَرُبمَا اقْتصر مِنْهَا على الأدهان وَقد يُصِيب من يستعملها مفترة وَرُبمَا أوجب الوجع وَخَوف الورم أَن يبرد سَرِيعا. وَيجب أَن يحذر الْحمام وَالشرَاب وَالْغَضَب والمبخرات والمسخّنات من الأغذية وَإِن ابْتَدَأَ الْموضع يرم فَلَا بُد حِينَئِذٍ من اسْتِعْمَال القوابض القوية الْقَبْض والتبريد مثل قشر الرُّمَّان والجلنار والعدس والورد وينطل الرَّأْس بمياهها ويضمد بأثقالها ثمَّ بعد ذَلِك ينْتَقل إِلَى مَا فِيهِ مَعَ ذَلِك تلطيف مَا مثل السرو والطرفا والسفرجل والكندر وَإِذا كَانَت الضَّرْبَة مزعزعة الرَّأْس فَيَنْبَغِي أَن تبادر إِلَى سقِِي الأسطوخودوس بِمَاء أَو شراب الْعَسَل فَإِنَّهُم يتخلّصون بِهِ. وَاعْلَم أَن الْأَلَم إِذا وصل إِلَى حجب الدِّمَاغ كَانَ فِيهِ خطر وَإِذا خرج بِسَبَب الضَّرْبَة دم من الدِّمَاغ فَيجب أَن يسقى صَاحبه أدمغة الدَّجَاج مَا أمكن ثمَّ يسقى عَلَيْهِ مَاء الرُّمَّان الحامض وَإِذا حللت الورم أَكثر من سقِِي الأدمغة إِلَى بعد الثَّالِث وَبعد الفصد.

стр. 782

فصل فِي علاج الصداع الْكَائِن عَن ضعف الرَّأْس علاجه تَبْدِيل سوء المزاج الَّذِي بِهِ وتقويته بمقويات الرَّأْس من الْأَدْوِيَة العطرية الَّتِي فِيهَا تلطيف وَقبض باجتماع الْأَسْبَاب المحركة وَكَثِيرًا مَا يكون السَّبَب الْفَاعِل الْمُقَارن للسبب المنفعل الضعفي اجْتِمَاع أخلاط رَدِيئَة حارة أَو غير حارة فِي الْمعدة فَيجب أَن نستفرغ بِمَا يَلِيق بهَا وَأَن تورد غذَاء يجمع إِلَى حمد مَا يتولّد عَنهُ قُوَّة محللة وقبولاً للانهضام وَإِن لم يُوجد الخلتان الأخيرتان فآثر الأولى عَلَيْهِمَا. وأجود وَقت يغذى فِيهِ بعد دُخُول الْحمام وَيجب أَن يُخَفف عشاؤهم وَأَن يختموا طعامهم بِمثل الْقصب وَالزَّيْتُون مَعَ الْخبز ليقوي فَم الْمعدة مِنْهُم. وبقراط يرخص لَهُم فِي شرب الشَّرَاب مُطلقًا وجالينوس يُؤثر أَن يكون ممزوجاً أَو رَقِيقا ريحانياً أَو جَامعا لِذَيْنِك وليتناولوه بالخبز. فصل فِي علاج الصداع الْكَائِن من قُوَّة حسّ الرَّأْس علاجه أَن يبلد الْحس يَسِيرا مِمَّا يغلظ غذَاء الدِّمَاغ من الأغذية كالهرايس المتخذة من الْحِنْطَة وَالشعِير وَلُحُوم الْبَقر إِن كَانَ الهضم قويّاً أَو بالأغذية المتخذة بالخسّ والعرفج وَلحم السّمك وَرُبمَا اسْتعْمل شَيْء من المخدّرات مثل شراب الخشخاش وَمثل بزر الخس وَقد يسْتَعْمل طلاء. فصل فِي علاج الصداع الْكَائِن عرضا للحميّات والأمراض الحادة من هَذَا مَا يعرض مَعَ اشتداد الْمَرَض أَو النّوبَة ثمَّ يَزُول. وَمِنْه مَا يبْقى بعد زَوَال الْمَرَض أَو إقلاع النّوبَة وَالَّذِي يعرض مِنْهُ فِي الحميات فقد يقلق الْمَرِيض حَتَّى يزِيد فِي سَببه الَّذِي هُوَ الْحمى وَقد يدل عَلَيْهِ أَيْضا إبيضاض الْبَوْل دفْعَة واستحالته إِلَى مشاكلة بَوْل الْحمير. لَكِن لمشابهته لبول الْحمير رُبمَا دلّ على كَونه فِي الْحَال وَرُبمَا دلّ على الانحلال فَيجب أَن يرجع إِلَى سَائِر الدَّلَائِل. وَأما صَوَاب علاجه فَأن يغرق الرَّأْس فِي زَيْت الأنفاق متخذاً مِنْهُ دهن الْورْد الْمُعْتَاد أَو بدهن الْورْد مخلخلاً بالخل مفتّراً فِي الشتَاء وَفِي لين الْحمى مبرداً فِي الصَّيف وَفِي شدَّة الحمّى وينفع مِنْهُ النطول من طبيخ الشّعير والخشخاش والبنفسج والورد إِن كَانَت الأبخرة توفّي بحدّتها. وَإِن آذت بكثرتها فَلَا تفعل من ذَلِك شَيْئا بل استفرغ وَاسْتعْمل مَا يحلل بالرفق مثل زَيْت قد طبخ فِيهِ النمام وعصا الرَّاعِي ومرزنجوش مَعَ عَصا الرَّاعِي إِن رَأَيْت أَن تحلل وَحَتَّى إِن بعض القدماء رأى أَن يُطلى ببابونج. وَإِن اضطررت لشدَّة الوجع إِلَى المخدرات والمنومات فعلت مَعَ حذر وتقية وَقد يمْنَع ارْتِفَاع الْموَاد فِيهِ بالسويق وبزر القطونا فِي الِابْتِدَاء ويسقيان أَيْضا. وَقد يمْنَع بالكزبرة ودهن الْورْد وَقد يحتجم فِيهِ. وَأما ربط الْأَطْرَاف ودلكها وَاسْتِعْمَال تَدْبِير المخمور فِيهِ فصواب جدا وَإِذا اسْتعْملت ربط الْأَطْرَاف فَيجب أَن تضعها عِنْد الْخلّ فِي مَاء حَار فَإِن لم يسكن بِجَمِيعِ ذَلِك حُلق الرَّأْس وضُمِّد بالبابونج والخطمي

стр. 783

والبنفسج والحسك مخيضة وَذَلِكَ بعد حلق الرَّأْس وَرُبمَا احتجنا إِلَى الْحجامَة والعلق وَرُبمَا بَقِي الصداع بعد الْحمى وَبعد الْأَمْرَاض الحادة. وعلاجه تبريد الأغذية وترطيبها وتقوية الرَّأْس بدهن الْورْد مَعَ دهن البابونج وَأَن يصبّ على الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ مَاء حَار فِي الْيَوْم مرَّتَيْنِ غدْوَة وَعَشِيَّة ويمرخ بدهن البنفسج ثمَّ يعان بالملطفات إِذا ظهر الانحطاط الْبَين حسب مَا تعلم العلامات. فصل فِي علاج الصداع البحراني أما الصداع البحراني فَينْظر هَل يجد العليل غثياناً وتقلب نفس واختلاجاً فِي الشّفة ودواراً وَبِالْجُمْلَةِ عَلَامَات ميل الطبيعة بالمادة إِلَى فَوق فيعان على الْقَيْء بالسكنجبين المسخن وبالمقيئات الْبَارِدَة أَو هَل يجد قراقر ونفخاً فِي الجنبين وَبِالْجُمْلَةِ عَلَامَات ميل الطبيعة بالمادة إِلَى تَحت فيعان على تليين الطبيعة بالمزلقات الْخَفِيفَة مثل شراب الإجاص. والإجاص المنقع فِي الْجلاب بعد غرغرة ليربو وشراب البنفسج وشراب التَّمْر الْهِنْدِيّ والشرخشت وزنا غير كثير بل مِقْدَار خَمْسَة دَرَاهِم وَمَا جرى مجْرى ذَلِك. أَو هَل يجد ثقلاً فِي نواحي الكلى وَتَحْت أضلاع الْخلف إِلَى خلف وَبِالْجُمْلَةِ عَلَامَات ميل الحادة إِلَى طَرِيق الْبَوْل فيعالج بالإدرار بالسكنجبين ملقى عَلَيْهِ وزن دِرْهَمَيْنِ بزر الْبِطِّيخ وبزر الْخِيَار مُنَاصَفَة وَيطْعم السفرجل فَإِنَّهُ يمْنَع البخار ويدر. أَو هَل يجد شعاعاً وَحُمرَة قُدَّام الْعين وخيالات صفر أَو تطاولاً وَلَا يرعف فيعطس بالخل وبخاره وينفخ فِي أَنفه ويخلخل أَنفه بِبَعْض الخشونات أَو يُقَابل بِعَيْنِه شُعَاع الشَّمْس إِن أمكن مغافصة ويتأملها ثمَّ يتْركهُ. وَإِن وجد نبضاً مرخياً وَوجد لينًا فِي الْجلد اسْتعْمل المعرقات دلكا وشرباً ونطلاً على الرَّأْس وَيجب أَن تكون معتدلة وَإِن وجد شبه لذع ووجع اعْتَادَ تَحت أُذُنه أَو فِي إبطه أَو فِي أرنبته اسْتعْمل عَلَيْهِ الأضمدة الحارة الجاذبة كالنعناع والكرفس مَعَ السّمن الْعَتِيق وَرُبمَا احْتَاجَ أَن يضع المحاجم بِلَا شَرط لتندفع الْمَادَّة من الدِّمَاغ إِلَى مَا مَالَتْ إِلَيْهِ وتو. فصل فِي علاج الصداع الَّذِي يَدعِي أَنه يكون بِسَبَب الدُّود يجب أَن يبْدَأ بتنقية الْبدن والدماغ ثمَّ يسعط بأيارج فيقرا قَلِيل ويكرّر ذَلِك فِي الْأُسْبُوع مرَارًا وَيسْتَعْمل جَمِيع الْأَدْوِيَة الَّتِي تذكر فِي بَاب نَتن الْأنف وَجَمِيع مَا يقتل الدُّود فِي الْبَطن مثل عصارة ورق الخوخ وعصارة أصل

стр. 784

التوت وَالصَّبْر وَيتبع بالسعوطات والعطوسات المنقية حَسْبَمَا تعلم جَمِيع ذَلِك. فصل فِي علاج الصداع الَّذِي يهيج بعقب النّوم وَالنُّعَاس يجب أَن ينقّى مَعَه الْبدن وَالرَّأْس بِمَا قد علمت وينفع مِنْهُ أَن يضمّ الصدغان والجبهة برماد وخل. وَأفضل الرماد لَهُ رماد خشب التِّين. فصل فِي تَدْبِير أَصْنَاف الصداع الْكَائِن بالمشاركة نبتدئ بِكَلَام جَامع فِيهَا فَنَقُول: يجب فِي جَمِيع أَصْنَاف الصداع الْكَائِن بمشاركة أَعْضَاء أَن يُعتنى يتلك الْأَعْضَاء وَأَن يستفرغها بِمَا يخصّها وَأَن يُبدل مزاجها وَمَعَ ذَلِك يُقَوي الرَّأْس بالمقوّيات لِئَلَّا يقبل فَإِن كَانَ فِي الِابْتِدَاء فبالباردة كدهن الْورْد والخل. وَأما يعد ذَلِك فَإِن كَانَت الْمَادَّة حارة أَو الكيفيّة حارة عملت ذَلِك الْعَمَل بِعَيْنِه دَائِما وَإِن كَانَت بَارِدَة انْتَقَلت إِلَى دهن البابونج مَعَ دهن الآس أَو دهن ديف فِيهِ صمغ السرو أَو اتخذ بورق السرو وعصارته أَو الأثل وَإِذا فرغت من الْعُضْو تأمّلت هَل اسْتَحَالَ الْعرض مَرضا بِنَفسِهِ وَهل صَار سَبَب الصداع راسخاً فِي الرَّأْس وتتعرف الْمَادَّة والكيفية فتفعل مَا عَلمته. وَالَّذِي يكون بمشاركة السَّاق ويحسّ صَاحبه كَأَن شَيْئا يرْتَفع من سَاقيه فجب إِذا كَانَ هُنَاكَ امتلاء أَن تفصد الصَّافِن أَو تحجم السَّاقَيْن وتنقي بدنه بالأسطمخيقون وَإِن لم يكن هُنَاكَ امتلاء ظَاهر فَشد السَّاقَيْن إِلَى الأربية ودلك قَدَمَيْهِ بملح ودهن خيري وَإِن عرف الْموضع الَّذِي مِنْهُ كواه وَاسْتعْمل عَلَيْهِ دَوَاء مقرحاً ليقرح ويتقيح. وَأما علاج الصِّنْف الْكَائِن بِسَبَب أبخرة تتصاعد من أَعْضَاء الْبدن فَإِن كَانَ السَّبَب بخارات تصعد فَيتَنَاوَل قبل الدّور الْفَاكِهَة فَإِن لم تحضر فالماء الْبَارِد وَلَو على الرِّيق وَأكْثر الْفَوَاكِه مُوَافقَة هُوَ السفرجل. والكزبرة مِمَّا ينْتَفع بِهِ وَهُوَ مِمَّا يمْنَع صعُود البخارات وَكَذَلِكَ حَال مَا يكون بمشاركة الكبد وينفع من ذَلِك خَاصَّة الإدرار وتضميد وَأما علاج الصِّنْف الْكَائِن بمشاركة الْمعدة أمّا مَا يكون مِنْهُ بِسَبَب ضعف الْمعدة وخصوصاً ضعف فمها حَتَّى تقبل الْموَاد وتفسد فِيهَا الكيموسات وَذَلِكَ إِنَّمَا يهيج فِي الْأَكْثَر على الخواء فليلقم لقماً مغموسة فِي مَاء الحصرم وَمَاء الريباس وَمَا أشبه ذَلِك أَو فِي ربوب الْفَوَاكِه القابضة الطيّبة الرَّائِحَة وليحسُ حساء من خبز أَو دَقِيق الْحِنْطَة

стр. 785

محمضاً بِمثل حبّ الرُّمَّان وَنَحْوه فإنّه إِذا استكثر من هَذَا قوي فَم معدته وَإِلَى أَن يعْمل ذَلِك فَإِن وجد غثياناً تقيأ ليقذف الصَّفْرَاء المنصب ويستريح. فَإِن كَانَت الْمعدة مَعَ ذَلِك بَارِدَة اسْتعْملت هَذِه الْأَشْيَاء مبزّرة بالأفاويه الطيّبة الرَّائِحَة الحارة أَو اتخذ لَهُ جلاّب بالأفاويه وليغمس اللقم فِيمَا يتّخذ لَهُ من ذَلِك. وَإِن كَانَت الحموضة واللذع لَا تلائمها وتهيّج من أذاها اقْتصر على لقم فِي الجلاّب إِمَّا ساذجاً وَإِمَّا بأفاويه بِحَسب الْحَاجة. وَهَذَا الْإِنْسَان ينْتَفع جدا بِأَن يُبَادر قبل الصداع فليلقم لقماً أَو يتحسّى حسواً وَإِذا حسّ بانحدار طَعَامه وانهضامه تنَاول شَيْئا مِمَّا فِيهِ قبض كلقم خبز فِي ربّ فَاكِهَة أَو نفس الْفَاكِهَة أَو خبز بقسب أَو زيتون. وَأما مَا يكون بِسَبَب أخلاط فِيهَا فأوّل مَا يجب أَن يُبَادر إِلَيْهِ التنقية وَبعد ذَلِك وَمَعَهُ أَن يغتذي بالأغذية اللطيفة المحمودة الْخَفِيفَة الهضم الجيدة الكيموس ثمَّ يمِيل بالكيفية إِلَى الْوَاجِب فَيكون مَعَ ذَلِك فِيهِ تَحْلِيل وهضم وَإِطْلَاق وَإِن لم يجد الْحَمد وتوليد الدَّم الجيّد مُقَارنًا للجنسين الآخرين آثر الْحَمد وتوليد الدَّم الْجيد عَلَيْهِمَا. وَأحمد ذَلِك أَن يكون بعد دُخُول الْحمام وَيجب لهَؤُلَاء أَن يجفف بخارهم فَإِن كَانَت الأخلاط مرارية فعالج بِمَا علمناك فِي القانون من المعالجات مَعَ تَقْوِيَة الدِّمَاغ بدهن الْورْد أَو دهن الآس وَإِن كَانَت الأخلاط بلغمية بَارِدَة تهيج مِنْهَا ريَاح شَدِيدَة فالمقيئات الَّتِي هِيَ أقوى والملطفات فَإِن لم تزل فالأيارجات الْكِبَار بطبيخ الأفتيمون وينفع فِي ذَلِك قطع شرياني الصدغ أَو كيّتان خفيفتان على الصدغين بِحَيْثُ لَا يحرق الرَّأْس وَلَكِن يضيق على الشرايين. وَكَثِيرًا مَا يسل الشريان أَو يقطع أَو يُكوى. وَأصْلح الكي أَن يكْشف عَن الشريان ثمَّ يُكوى الشريان نَفسه حَتَّى لَا يَقع أثر على الْجلد والمكاوي مِسَلات محماة. وَأما مَا أمكن أَن يدافع لَا سيّما فِي الصَّيف دوفع وَيجب أَن يَجْعَل غذاؤه أحساء وَلَا يمضغ شَيْئا إِلَى عشرَة أَيَّام وَتَكون وَقت تغذيته فِي الصَّيف وَقت الْبرد. ويجّب أَيْضا أَن لَا يكثر الْكَلَام وَكَذَلِكَ أَن يلصق القوابض على الشرايين ويخلط بهَا الأنزروت والزعفران وَنحن نصفهَا فِي الأقرباذين وَقد يوضع عَلَيْهَا الأسرب ويُشدّ بعصابة لِئَلَّا ينبض فيوجع وَكَذَلِكَ الْخشب. وَأما الكيّ الْقوي الْمَذْكُور لهَذَا فَثَلَاثَة على أم الرَّأْس وَاثْنَانِ على الصدغين وَوَاحِد فَوق النقرة وَعند مُؤخر الرَّأْس. وَيجب أَن يجْتَنب الْخمر على كل حَال وَإِن كَانَ السَّبَب أبخرة تصعد من الْمعدة فَهُوَ على جملَة مَا أمرنَا بِهِ فِي علاج الصداع الْكَائِن عَن أبخرة تصعد إِلَى الدِّمَاغ من الْأَعْضَاء الْأُخْرَى وَمن هَذَا الْقَبِيل علاج الصداع الَّذِي يهيج مَعَ شرب المَاء فإنّ هَذَا أَيْضا يكون لضعف الْمعدة. وأجود العلاج لَهُ أَن يسقى صَاحبه شرابًا ريحانياً قَلِيلا يمزج أَيْضا بِهِ مَاؤُهُ الَّذِي يشربه لِئَلَّا ينكى فِي الْمعدة. وَأما الْكَائِن بمشاركة الْكُلية والمراق وَالرحم وَغير ذَلِك فَيَكْفِي فِي تَدْبيره مَا قدمْنَاهُ فِي أول الْبَاب وصداع الحمّيات قد قُلْنَا فِيهِ.

стр. 786

فصل فِي علاج ثقل الرَّأْس ينفع مِنْهُ الاستفراغ وَاسْتِعْمَال الشبيار. وَإِن كَانَ دموياً فعلاجه بالفصد ثمَّ فصد عرق الْجَبْهَة خُصُوصا إِن كَانَ الثّقل إِلَى خلف وَأَيْضًا فصد عرق الحشا والشريان الَّذِي خلف الْأذن وخصوصاً إِذا كَانَ الثّقل إِلَى قُدَّام. فصل فِي الصداع الْمَعْرُوف بالبيضة والخودة هَذَا النَّوْع من الصداع يسمّى بَيْضَة وخودة لاشْتِمَاله على الرَّأْس كُله وَهُوَ صداع مُشْتَمل لابث ثَابت مزمن وتهيج صعوبته كل سَاعَة ولأدنى سَبَب من حَرَكَة أَو شرب خمر أَو تنَاول مبخر ويهيجه الصَّوْت الشَّديد وَرُبمَا هاجه الصَّوْت الْمُتَوَسّط. حَتَّى أَن صَاحبه يبغض الصَّوْت والضوء والمخالطة مَعَ النَّاس وَيُحب الْوحدَة والظلمة والراحة والاستلقاء. ويختلفون فِيمَا يؤذيهم من الْأَسْبَاب الْمَذْكُورَة فبعضهم يُؤْذِيه شَيْء من ذَلِك وَبَعْضهمْ شَيْء آخر ويحسّ كل سَاعَة كأنّ رَأسه يطْرق بِمِطْرَقَةٍ أَو يجذب جذباً أَو يشق شقاً ويتأدى وَجَعه إِلَى أصُول الْعين. وجالينوس يَجْعَل السَّبَب الجالب لهَذِهِ العلّة ضعف الدِّمَاغ أَو شدَّة حسه. وَالسَّبَب المولّد لَهَا خلط رَدِيء أَو ورم حَار أَو بَارِد. على أَنه كثيرا مَا يكون عَن ورم سوداوي أَو صلب وَأكْثر مَا يكون فِي وسط الْحجاب إِمَّا الْخَارِج من القحف وَإِمَّا الدَّاخِل وَقد علمت أَنه إِذا كَانَ السَّبَب ورماً أَو غَيره إِنَّمَا هُوَ فِي الْحجاب الدَّاخِل فِي القحف أحس الوجع ممتداً إِلَى الْعين لِأَن ذَلِك الغشاء يشْتَمل على الْعِصْمَة المجوفة ويمتد جُزْء مِنْهُ إِلَى الحدقة. وَإِذا كَانَ فِي الْحجاب الْخَارِج أحس الوجع بمسّ الْيَد وَكره صَاحبه وُقُوع المسّ عَلَيْهِ بالعنف. وَأكْثر مَا يحدث عَن أمراض سبقت فضعف جَوْهَر الدِّمَاغ وحجبه الدَّاخِلَة والخارجة حَتَّى صَارَت تتأذى بالحركات الْيَسِيرَة من حركات الْبدن الغذائية والبخارية والحركات الْخَارِجَة وَيقبل الفضول المؤذية. وَمن الْأَطِبَّاء من لَا يرْعَى فِي الْبَيْضَة هَذِه الشَّرَائِط بل يَقُول بَيْضَة لكل وجع يشْتَمل على الرَّأْس كُله خَارج القحف أَو دَاخِلا كَانَ سَببه من بخارات فِي الْمعدة أَو بخارات فِي الرَّأْس أَو مواد أَو فلغموني فِي نفس الدِّمَاغ أَو حجبه فَيكون مَعَ ثقل وضربان أَو حمرَة وَيكون مَعَ تلهب ولذع بِلَا كثير ثقل أَو عَن الأخلاط الْأُخْرَى إِن لم تكن حمرَة وَكَانَ ثقل وَكَانَ هُنَاكَ عَلَامَات الأخلاط الْبَارِدَة. ويعالج كلا بِحَسبِهِ إِلَّا أَن اسْم الْبَيْضَة فِي الْحَقِيقَة مُسْتَعْمل عِنْد المهرة من الْأَطِبَّاء على مَا هُوَ بالشرائط الْمَذْكُورَة. العلاج: إِن علمت أَن دَمًا كثيرا وَأَن سَببه الأول أَو سَببه المحرّك هُوَ الدَّم فصدت. وَأما إِن قَامَت الدَّلَائِل على أَن الأخلاط بَارِدَة وَكَانَت الْمدَّة طَالَتْ على الْعلَّة وَكنت قد اسْتعْملت فِي الأول أَيْضا مَا يرح فَاسْتعْمل النطولات بمياه فِيهَا محللات يسيرَة مسخنة مَعَ قمع يسير

стр. 787

وَقبض مثل فقاح الأذخر والبابونج والنعنع وَسَائِر مَا عَلمته فِي القانون وتدرج إِلَى القوية واستفرغ بِمَا يَلِيق بِهِ. وَاسْتِعْمَال حب الصنوبر بالمصطكى مِمَّا هُوَ نَافِع جدا فِيهِ وتتعهده كل ثَلَاث لَيَال وَيسْتَعْمل القوقايا فِي استفراغاته إِن احْتِيجَ إِلَيْهَا وَإِلَى الْقوي مِنْهَا ثمَّ يسقى طبيخ الْخِيَار شنبر مَعَ أَرْبَعَة مَثَاقِيل دهن الخروع. وَاعْلَم أَنَّك إِذا استفرغت فقد بَقِي لَك أَن تنقتي الدِّمَاغ وحجبه بالأشياء الَّتِي تقوّيه مِمَّا عَلمته وَمن ذَلِك شمومات الْمسك والعنبر والكافور أَيْضا يخلط بهما وَرُبمَا خلطوا مَعَ ذَلِك الصَّبْر ليجمعوا مَعَ التقوية التَّحْلِيل وألزمه الضمادات الحارة والمخدرة الَّتِي علمتها فَإِذا انحط فَاسْتعْمل الْحمام والأضمدة القوية وَأما مَا دَامَ فِي الِابْتِدَاء وَعلمت أَن الْموَاد حارة فدبر بِمَا بَين لَك وعلمته فِي قانون تَدْبِير الدِّمَاغ وواتر سقيه لبّ الْخِيَار شنبر مَعَ دهن اللوز أَيَّامًا وَاعْلَم أَن الْبَيْضَة إِذا طَالَتْ فقد استحالت إِلَى مزاج الْبرد وَإِن كَانَ عَن سَبَب حَار. وَاعْلَم أَن الْبَيْضَة المزمنة لَا يقلعها إِلَّا مَا هُوَ قوي التَّحْلِيل والإسخان وَقد يَنْفَعهُمْ أَن يسعطوا بأقراص الْكَوْكَب وشيليثا ودواء الْمسك وَمَا يجْرِي مجْراهَا يداف أَي

стр. 788

ذَلِك كَانَ فِي لبن مُرْضِعَة جَارِيَة وخصوصاً عِنْد اشتداد الوجع وَغَلَبَة السهر. وَأما الكي وفصد الشرايين وقطعها وعرق الْجَبْهَة فِي الْبَيْضَة فعلى مَا كَانَ فِي الصداع الْعَتِيق. وَأما الْغذَاء فَمَا لَا يخبر كَمَا علمت حَتَّى العدس بدهن اللوز للحار وَكَذَلِكَ مرق الْبُقُول وَلَا بَأْس أَن تغذي المبرود مِنْهُم بِمثل ذَلِك بِسَبَب قلَّة بخاره. وَأما الأطلية فَيجب أَن تمال تَارَة إِلَى مَا يخدر مليلاً وَيكون الْغَرَض الْأَعْظَم التَّحْلِيل وَمن هَذِه الأطلية أفيون وَدم الْأَخَوَيْنِ وزعفران وصمغ يطلى بِهِ من الصدغ إِلَى الصدغ عِنْد الضَّرُورَة المحوجة إِلَى التخدير وَمِنْهَا الزَّعْفَرَان والعفص وأقراص الْكَوْكَب فَإِن ذَلِك إِذا طلي بِهِ جَمِيع الْجَبْهَة كَانَ نَافِعًا وارجع إِلَى الأقرباذين وَإِلَى أَلْوَاح الْأَدْوِيَة المفردة. فصل فِي الشَّقِيقَة فَنَقُول هِيَ وجع فِي أحد جَانِبي الرَّأْس يهيج ويحدها جالينوس بِأَنَّهَا الساترة المتوسطة وَرُبمَا كَانَ سَببه من دَاخل القحف وَرُبمَا كَانَ فِي الغشاء المجلِّل للقحف وَأكْثر مَا يكون يكون فِي عضل الصدغ وَمَا كَانَ خَارِجا فقد يبلغ إِلَى أَن لَا يحْتَمل الْمس وَتَكون الْموَاد واصلة إِلَى مَوْضِعه إِمَّا من الأوردة والشرايين الْخَارِجَة وَإِمَّا من الدِّمَاغ نَفسه وحجبه فيصعد أَكثر ذَلِك من طَرِيق الدروز وَقد يكون من بخارات تنْدَفع من الْبدن كُله أَو عُضْو من ذَلِك الشق. وَأكْثر مَا تكون الشَّقِيقَة تكون ذَات أدوار وَإِنَّمَا تكون على الْأَغْلَب عَن الأخلاط وَلَا تكون شَقِيقَة لَهَا قدر من سوء مزاج مُفْرد. وَالَّتِي تكون من الأخلاط فقد تكون من أخلاط حارة وَمن أخلاط بَارِدَة وَمن ريَاح وبخارات. وَقد علمت العلامات وتجد مَعَ الْبَارِد سكوناً بالتسخين وتمدداً قَرِيبا وَمَعَ الْحَار سخونة بالملمس وضرباناً فِي الأصداغ وراحة بالمبردات وَأَيْضًا فَإِن الْبَارِد يحسّ مَعَه بِبرد والحار يحس مَعَه بَحر وَذَلِكَ عِنْد اشتداد الوجع. العلاج: علاجها الفصد على نَحْو مَا علمت فِي الْبَيْضَة وَغَيرهَا وخصوصاً عرق الْجَبْهَة والصدغ والإسهال والحقن والجذب كل بِحَسبِهِ على مَا حد لَك فِي القانون. وَمِمَّا ينفع الحارة نَقِيع الصَّبْر فِي مَاء الهندبا الْمَذْكُور فِي الأقراباذين. والشربة مِنْهُ مَا بَين أُوقِيَّة إِلَى سِتّ أَوَاقٍ وينفع فِيهَا فصد الْجَبْهَة وفصد عرق الْأنف جدا وَإِذا كَانَ دوراً فَيجب أَن ينقّى الْبدن قبله ويبدل المزاج بعد التنقية فَإِن كَانَت الْمَادَّة حارة جعلت المخدرات

стр. 789

على الصدغين من الأفيون وقشور أصل اللفاح والشب والبنج والكافور وَبَردت الْموضع بِمَا تَدْرِي مِمَّا ذكر فِي القانون وَقد يَنْتَفِعُونَ بمداد الْكتاب يطلى بِهِ الشق الَّذِي فِيهِ الشَّقِيقَة وَمن أطلية جباه أَصْحَاب الشَّقِيقَة الزَّعْفَرَان وينتفعون بضماد متّخذ من سذاب ونعنع بِخبْز ودهن ورد وَكَذَلِكَ الطلاء بأقراص بولس الْمَذْكُورَة فِي الأقراباذين وَكَذَلِكَ اسْتِعْمَال ضمّاد حب الْغَار وورق السذاب جُزْء جُزْء خَرْدَل نصف جُزْء يجمع بِالْمَاءِ وَيسْتَعْمل. وأبلغ مِنْهُ قيروطي متّخذ من الذراريح حَتَّى ينفط الْموضع أَو من ثافثيا وَهُوَ مقرّح يحاكي مَنْفَعَة الكيّ وَإِن كَانَت الْمَادَّة الْبَارِدَة شَدِيدَة الْبرد جدا ضمدت بفربيون وخردل وعاقر قرحا وَمَا أشبه ذَلِك. وَأما المزمن الَّذِي طالبت مدَّته فَهُوَ بَارِد على كل حَال وَيحْتَاج إِلَى التَّحْلِيل وَإِلَى مَا يسخّن بِقُوَّة. وَقد ذكرنَا أطلية ونطولات مُشْتَركَة وخاصة بالشقيقة فِي الأقراباذين فيستعمل ذَلِك لماذا اسْتعْملت الأطلية وَكنت قد استفرغت الْبدن ونقيته فتقدّم بتمريخ عضل الصدغ فِي جِهَة الوجع بأصابعك وبمنديل خشن عِنْد وَقت الدّور ثمَّ اطلِ وَإِذا احتجت إِلَى التخدير واشتدّ الوجع الضرباني فقد ينفع أَن يطلى على الشريان فِي الصدغ الَّذِي يَلِي الْموضع بأفيون مَعَ الأنزروت والقوابض وَأَن يشدّ الآنك أَو خَشَبَة مهندمة عَلَيْهِ لتمنع من النبض الْقوي الْمُحدث للوجع الضرباني كَمَا قد بَيناهُ فِيمَا سلف من القانون فِي الكي. وَقد ذكر بعض المتقدّمين علاجاً للشقيقة المزمنة مجرباً نَافِعًا مأخوذاً من امْرَأَة وَذَلِكَ أَن يطْبخ أصُول قثاء الْحمار وأفسنتين فِي مَاء وزيت حَتَّى يتهربا ثمَّ تنطل شقّ الْأَلَم بِالْمَاءِ وَالزَّيْت حارين وتضمّد بالثقل وَكَانَ كَمَا اسْتعْمل هَذَا أَبْرَأ الشَّقِيقَة كَانَت بحمّى أَو بِغَيْر حمى وَلَيْسَ من الأضمدة كضمّاد الْخَرْدَل وَإِذا طَالَتْ الْعلَّة ضمّدت بثافسيا وقشور أصل الْكبر والعنصل والفربيون مسحوقة منخولة معجونة بشراب ريحاني فَإِنَّهُ علاج عَظِيم النَّفْع مِنْهَا. وَمِمَّا يَنْتَفِعُونَ بِهِ أَن يتبدئوا فيدخلوا الْحمام ويكثروا الإكباب على المَاء الْحَار ثمَّ يسعطوا بدهن الفستق فَإِن ذَلِك يخدر الوجع إِلَى الْكَتِفَيْنِ من سَاعَته والتقط النّسخ الْمَكْتُوبَة فِي الأقراباذين والمفردات الموردة فِي أَلْوَاح الْأَدْوِيَة المفردة.

стр. 790

الْمقَالة الثَّالِثَة أورام الرَّأْس وتفرق اتصالاته فصل فِي قرانيطس وَهُوَ السرسام الْحَار: يُقَال قرانيطس للورم الْحَار فِي حجاب الدِّمَاغ الرَّقِيق أَو الغليظ دون جرمه وَإِن كَانَ جرمه قد يعرض لَهُ ورم وَلَيْسَ كَمَا ظنّ بعض المتطبّبين أَن الدِّمَاغ لَا يرم بِنَفسِهِ محتجاً بِأَن مَا كَأَن ليّناً كالدماغ أَو طلبا كالعظام فَإِنَّهُ لَا يتمدّد. وَمَا لَا يتمدّد فَإِنَّهُ لَا يرم فَإِن هَذَا الْكَلَام خطأ وَذَلِكَ لِأَن اللين اللزج يتمدّد وَالْعِظَام أَيْضا ترم. وَقد أقرّ بِهِ جالينوس وسنبيّن القَوْل فِيهِ فِي بَاب الْأَسْنَان بل نقُول أَن كل مَا يتغذي فَإِنَّهُ يتمدد ويزداد بالغذاء وَكَذَلِكَ يجوز أَن يتمدد ويزداد بِالْفَضْلِ وَذَلِكَ هُوَ الورم وَلكنه وَإِن كَانَ الدِّمَاغ قد يتورّم فَإِن قرانيطس والسرسام اسْم مَخْصُوص بورم حجاب الدِّمَاغ إِذا كَانَ حاراً وَإِن كَانَ فِي بعض المواض قد أُطلق أَيْضا على ورم جَوْهَر الدِّمَاغ وَهُوَ الِاسْتِعْمَال الْخَاص لهَذَا الِاسْم إِلَّا أَنه مَنْقُول من اسْم الْعرض الَّذِي يلْزمه وَهُوَ الهذيان واختلاط الْعقل مَعَ حرارة محرقة فالاسم العاميّ وَاقع على هَذَا الْعرض والصناعيّ على هَذَا الورم. وَهَذَا النَّقْل شَبيه بِنَقْل اسْم الْعرض وَهُوَ النسْيَان إِلَى مرض يُوجِبهُ ويقتضيه وَهُوَ السرسام الْبَارِد وَإِذا اسْتعْمل السرسام بِالِاسْتِعْمَالِ العاميّ دخل فِيهِ السرسام الدماغي وَهُوَ هَذَا. وَمن النَّاس مِمَّن لَا يعرف اللُّغَات يحْسب أَن البرسام اسْم لهَذَا الورم وَأَن السرسام أخفّ مِنْهُ وَلَيْسَ ذَلِك بِشَيْء فَإِن البرسام هُوَ فَارسي والبرّ هُوَ الصَّدْر والسام هُوَ الورم والسرسام أَيْضا فَارسي والسر هُوَ الرَّأْس والسام هُوَ الورم وَالْمَرَض والسرسام الْكَائِن فِي الحميات والكائن لأخلاط فِي فِم الْمعدة محرقة وَالَّذِي رُبمَا كَانَ لأورام فِي نواحي الرَّأْس خَارِجَة أَو فِي الغشاء الْخَارِج. والسرسام الْكَائِن مَعَ البرسام وَهُوَ الَّذِي يكون بمشاركة الْحجاب وأورامه وَسَائِر عضلات الصَّدْر والكائن فِي ورم المثانة وَالرحم والمعدة. والاشتراك الْوَاقِع فِي هَذَا الِاسْم تخْتَلف أَوْصَاف المصنفين لَهُ كَمَا تخْتَلف أَوْصَاف المصنّفين لليثرغس الَّذِي هُوَ السرسام الْبَارِد الَّذِي يُسمى النسْيَان لَكِن السرسام الْحَقِيقِيّ بِحَسب الِاسْتِعْمَال الصناعي هُوَ مَا قُلْنَاهُ وَرُبمَا ورم مَعَه جَوْهَر الدِّمَاغ أَيْضا مُشَاركَة أَو انتقالاً وَذَلِكَ شَدِيد الرداءة يقتل فِي الرَّابِع فَإِن جاوزه نجا وَأكْثر من يَمُوت بالسرسام يَمُوت لآفة فِي النَّفس. وَلِهَذَا الورم مَوَاضِع مُخْتَلفَة بِحَسب أَجزَاء الدِّمَاغ الْمُخْتَلفَة وَرُبمَا اشْترك فِيهِ جزءان أَو عمّ الْمَوَاضِع كلهَا. وَأكْثر مَا يكون إِنَّمَا يسْتَقرّ عموده إِلَى مَا يَلِي التجويف الْمُقدم وَإِلَى الْأَوْسَط ومبدأه دم أَو صفراء صَحِيحَة أَو حَمْرَاء صَحِيحَة أَو محرقة ضاربة إِلَى السَّوْدَاء وَهُوَ رَدِيء جدا وَكَأَنَّهُ لَيْسَ يكون فِي الْأَكْثَر إِلَّا عَن دم مراري دون الدَّم النقي أَو عَن صفراء وَكَأَنَّهُ لَا يَنْقَضِي إِلَّا بعرق أَو رُعَاف وَكَثِيرًا مَا

стр. 791

يرم الْحجاب وَالْعُرُوق الَّتِي تخرج من الرَّأْس حَتَّى تكَاد تتفتّح الشؤون مَعَه. وَمَا كَانَ مِنْهُ اخْتِلَاط عقل مركب من بكاء وَضحك سَاعَة بعد أُخْرَى فَهُوَ رَدِيء وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ انتقالاً من ذَات الرئة لِأَنَّهُ يدلِّ على شدَّة حرارة الْخَلْط وَكَذَلِكَ لَو انْتقل إِلَى غير الْحَقِيقِيّ وَإِذا كَانَ عرض أَن دَامَ الثّقل فِي نواحي الرَّأْس والرئة ثمَّ عرض تشنّج وقيء زنجاري مَاتَ العليل فِي سَاعَته وأطول مهلته يَوْم أَو يَوْمَانِ إِن كَانَت الْقُوَّة قَوِيَّة وأرجى أَصْنَاف قرانيطس أَن يذكر العليل مَا كَانَ يهذي بِهِ بعد خفّ حمّاه وَإِذا عرض لَهُم هموريذوس كَانَ دَلِيلا مَحْمُودًا وَإِذا شخص المبرسم فتقيأ مرَارًا أَحْمَر وَهُوَ ضَعِيف فَإِنَّهُ يَمُوت فِي يَوْمه أَو قوي فَبعد يَوْمَيْنِ. وَمَا رُؤِيَ أحد بِهِ ورم فِي نواحي الدِّمَاغ يكون بَوْله مائياً فيخلص وَكَثِيرًا مَا ينْحل قرانيطس بالبواسير إِذا سَالَتْ وَقد يبرد وينتقل إِلَى ليثرغس وَرُبمَا تخلّص عَنهُ فأوقع فِي دق أَو جُنُون وَكَثِيرًا مَا ينْتَقل الْغَيْر الْحَقِيقِيّ إِلَى الْحَقِيقِيّ وقلما يتَخَلَّص الْمَشَايِخ من عِلّة قرانيطس. وَقد زعم بعض المتطببين أَنه رُبمَا عرض مرض شَبيه بقرانيطس من غير حمّى وَكَونه من غير حمّى دَلِيل على خلوّه من الورم. قَالَ: لكنه يكون شَدِيد القلق والتوثّب لَا يملك صَاحبه قراراً ويكاد يتسلّق الْحِيطَان ويشتد ضجره وغمه عطشه وضيق نَفسه وَإِذا شرب المَاء شَرق بِهِ وقذفه قيل: وَهُوَ قَاتل من يَوْمه فِي الْأَكْثَر وَرُبمَا امتدّ إِلَى أَرْبَعَة أَيَّام وَلنْ ينجو مِنْهُ أحد بل يعرض لَهُم أَن يسوّد وُجُوههم وألسنتهم وَتَكون أَعينهم جامدة وحالتهم كحالة الملهوفين ثمَّ تلين حركاتهم وَيسْقط نبضهم ويموتون وَأكْثر مَوْتهمْ بالاختناق وتراه يعدو ثمَّ ترَاهُ إِثْر ذَلِك قد سقط وَمَات. أَقُول: لَا يبعد أَن يكون السَّبَب فِي ذَلِك مُشَاركَة من الدِّمَاغ لعضو آخر كريم مثل عضل النَّفس إِذا عرض لَهُ تشنّج عَظِيم أَو فَسَاد آخر ينحو نَحْو الخناق ويتأدّى إِلَى الدِّمَاغ فيشوّشه ويفسده ويخلط الْعقل ويعطش بتجفيف نواحي الْحلق والصدر. أما علاماته الْمُشْتَركَة لأصنافه الْحَقِيقِيَّة فحمى لَازِمَة يابسة تشتدّ فِي الظهائر على الْأَكْثَر وهذيان يفرط تَارَة وَيَنْقَطِع أُخْرَى كَرَاهَة للْكَلَام وكسلاً عَنهُ ويختلط الْعقل وَأَكْثَره بِقرب الرَّابِع وعبث الْأَطْرَاف وَنَفس مُضْطَرب غير مُنْتَظم وَلكنه عَظِيم وامتداد من الشراسيف إِلَى فَوق كثيرا واختلاج أَعْضَاء مَعَه وَقَبله ينذر بِهِ وَرُبمَا كَانَ مَعَه نوم مُضْطَرب ينتبهون عَنهُ فيصيحون وَتارَة ينامون وَتارَة يسهرون وَيكون فِي الْأَكْثَر نومهم مضطرباً مشوّشاً مَعَ خيالات وأحلام فَاسِدَة هائلة وانتباه مشوّس مَعَ صياح

стр. 792

وَيكون هُنَاكَ وقاحة وجسارة وَغَضب فَوق الْمَعْهُود ويبغضون الشعاع ويعرضون عَنهُ وتضطرب ألسنتهم اضطراباً شَدِيدا وتخشن ويعضون عَلَيْهَا وَرُبمَا ورمت. وَكَثِيرًا مَا يَنْقَطِع صوتهم ويشتهون المَاء فيشربون مِنْهُ قَلِيلا لَا يكثرون وَلَيْسَ أَيْضا شهوتهم لَهُ كَثِيرَة. وَكَثِيرًا مَا تبرد أَطْرَافهم من غير برد من خَارج يُوجِبهُ. وَأما أبوالهم فَتكون مائلة إِلَى الرقّة واللطافة وَأما نبضهم فَيكون صلباً بِسَبَب كَون الورم فِي عُضْو عصبي صَعب لصلابة الْعرق وَضعف الْقُوَّة مضغوطاً للمادة فِي نبضهم قُوَّة مَا إِلَّا أَن يقاربوا الْخطر لِأَن اليبس يجمع ويشد. وَيكون آخر الانقباض وَأول الانبساط أسْرع وَلَا تَخْلُو منشاريته عَن موجية مَا لِأَن الدِّمَاغ جَوْهَر رطب. وَقد يعرض لنبضهم أَن يعرض مرَارًا أَو يعظم للْحَاجة وَأَن يتواتر وَأَن يخْتَلف فِي أَجزَاء الْوَضع ويرتعش وَذَلِكَ مِمَّا ينذر بغشي اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون جِنْسا من الِاخْتِلَاف والارتعاش والارتعاد توجبه صلابة الْعرق وَقُوَّة الْقُوَّة فَلَا ينفر بِهِ. وَقد يعرض للنبض مِنْهُم أَن يكون تشنجياً فينذر بتشنّج. وَإِذا رَأَيْت عَلَامَات أمراض حادة وحميات صعبة واعتقلت الطبيعة فَإِن ذَلِك ينذر بسرسام وَكَأَنَّهُ من المنذرات القوية ويتقدّم قرانيطس نِسْيَان للشَّيْء الْقَرِيب وحرن بِلَا علّة وأحلام رَدِيئَة وصداع كثير وَثقل وامتلاء ويتقدمه فِي الْأَكْثَر صفار الْوَجْه وسهر طَوِيل ونوم مُضْطَرب. وتشتدّ هَذِه الْأَعْرَاض مَا دَامَت الْموَاد تتَوَجَّه إِلَى الدِّمَاغ وتدور فِي عروقه وتترقرق. وَإِذا قربوا مِنْهُ وتشرب الدِّمَاغ الْمَادَّة وجدوا ابْتِدَاء وجع من خلف الرَّأْس عِنْد الْقَفَا وخصوصاً فِي الصفراوي. وَإِذا وَقَعُوا فِيهَا وورم الدِّمَاغ تيبّست أَولا أَعينهم يبساً شَدِيدا ثمَّ أخذت تَدْمَع وخصوصاً من إِحْدَى الْعَينَيْنِ ورمصت وَكَثِيرًا مَا يعرض أَن تحمر عروقها حمرَة شَدِيدَة وَرُبمَا عقبه قطرات دم من الْأنف وَكَثِيرًا مَا يدلكون أَعينهم ومالوا إِلَى سُكُون وهدوّ فِي أَكثر الْبدن إِلَّا فِي الْيَدَيْنِ فَإِنَّهُ رُبمَا يعبث بهما ويلقط التِّبْن والزئبر. وَقد يكون ذَلِك فِي الْأَكْثَر مَعَ تغميض وَقد يكون مَعَ تحديق وضجر وَرُبمَا كسلوا عَن الْكَلَام الفصيح لَا يزِيدُونَ على تَحْرِيك اللِّسَان وَرُبمَا حدث بهم تقطير بَوْل بِمَعْرِِفَة مِنْهُم أَو بِغَيْر معرفَة. وَهُوَ فِي الحميات من الدلالات القوية على السرسام الْحَاضِر ويغفلون عَن الآلام إِن كَانَت بهم فِي أعضائهم بل لَو مس شَيْء من أعضائهم الألمة بعنف لم يشعروا بِهِ. ونزيد فَنَقُول: إِذا وَقع الورم فِي الْجَانِب الْمُقدم أفسد التخيل فَأخذُوا يلقطون الزئبر من الثِّيَاب والتبن وَمَا أشبهه من الْحِيطَان وتخيلوا أشباحاً لَا وجود لَهَا. وَإِن كَانَ إِلَى الْوسط أفسد الْفِكر فخلط فِيمَا يُعلمهُ ويلفظ الهذيان الْكثير وَإِذا وَقع إِلَى مَا يَلِي خلف نسي مَا يرَاهُ ويفعله فِي الْحَال حَتَّى أَنه رُبمَا دَعَا بالشَّيْء فَيقدم إِلَيْهِ فَلَا يذكر أَنه طلبه وَرُبمَا دَعَا بالطشت ليبول فِيهِ فيقدّم إِلَيْهِ فينساه وَإِن اشْتَمَل الورم على الْجِهَات كلهَا ظَهرت هَذِه العلامات كلهَا وَإِن تورّم مَعَه الدِّمَاغ إحمرّ الْوَجْه وَالْعين وجحظت العينان جحوظاً شَدِيدا أَو احمرتا إِن كَانَت الْمَادَّة المورمة دَمًا واصفرتا إِن كَانَت الْمَادَّة المورمة صفراء صرفا.

стр. 793

وَأما الْكَائِن من الِاخْتِلَاط بالمشاركة فيدلّ عَلَيْهِ وُقُوعهَا دفْعَة وتابعاً لسوء حَال عُضْو آخر ونائباً مَعَ نَوَائِب اشتداد ينقص لنُقْصَان فِي حَال غَيره وتزيد بزيادتها. والكائن عَن السرسام الدماغي يحدث قَلِيلا قَلِيلا وَيلْزم. وعلامات السرسام الْحَقِيقِيّ تتقدّم ثمَّ يعرض الْمَرَض وَأما الْغَيْر الْحَقِيقِيّ فتتقدّمه أمراض أَعْضَاء أُخْرَى ثمَّ تظهر علاماته. وَأما الْكَائِن من جِهَة الْحجاب الحاجز وعضلات الصَّدْر فتتقدّمه عَلَامَات السرسام وَذَات الْجنب من وجع ناخس فِي الْجنب عِنْد التنفّس وضيق نفس ونبض منشاري وسعال يَابِس أَولا ثمَّ يرطب فِي الْأَكْثَر وينفث وَيكون مَعَ حمّى لَازِمَة أَكثر حَرَارَتهَا فِي نواحي الصَّدْر وَفِي الْحَقِيقِيّ فِي نواحي الرَّأْس وَيكثر فِيهِ تمدد الشراسيف إِلَى فَوق ويختصّ بِهِ حسّ وجع فَوق الجمجمة غير شَامِل وَلَا تكون العلامات الْمَذْكُورَة فِيمَا سلف قَوِيَّة كَثِيرَة وَنَفسه يكون مُخْتَلفا يضعف مرّة فيتواتر ويعظم أُخْرَى وَيكون ميله إِلَى الصغر والضعف أَكثر وَيكون مرّة كالزفرة. وَأما فِي قرانيطس الحقّ فَيكون النَّفس أعظم بل عَظِيما ويشترك السرسامان فِي قُوَّة الِاخْتِلَاط وَلَكِن يُفَارق السرسام التَّابِع للسرسام الحقّ بِأَنَّهَا تتبع فِي قوتها قُوَّة الْحمى وتخفا مَعَه خفَّة الْحمى. وَأما الْكَائِن لخلط فِي فَم الْمعدة فَإِنَّهُ يحسّ مَعَه بلذع فِي فَم الْمعدة وغثيان وعطش ومرارة فَم. والكائن بِسَبَب أورام أَعْضَاء أُخْرَى فَيعلم مَا يظْهر من أحوالها فَإِنَّهَا مَا لم تكن ظَاهِرَة جلية لم تُؤَد إِلَى اخْتِلَاط الْعقل والسرسام الْبَين ليعلم ذَلِك. فصل ولنذكر الْآن عَلَامَات أَصْنَاف الْحَقِيقِيّ فِي السرسام: فَنَقُول: أما الْكَائِن عَن الدَّم فَأول علاماته أَن عَامَّة عوارضه الْمَذْكُورَة الْمُشْتَركَة تعرض مَعَ الضحك وَتعرض لَهُ قطرات رُعَاف ويعظم نفَسُهُ وتدمع عينه وترمص وَلَا يكون السهر الَّذِي يَعْتَرِيه بذلك وَتَكون خشونة اللِّسَان فِيهِ إِلَى حمرَة مائلة إِلَى السوَاد ثمَّ يسود وَيكون اللِّسَان فِيهِ ثقيلاً وَرُبمَا كسل عَن الْكَلَام لثقل اللِّسَان وَتَكون خيالات الَّتِي تتشنج لَهُ حمراً وَتَكون عروق وَجهه حمراً وعينه ممتلئة ويعرض لَهُ تَوَاتر قعُود وَقيام من غير حَاجَة إِلَيْهِمَا. وَأما الْكَائِن عَن صفراء صَحِيحَة فَإِنَّهُ يسهر كثيرا وتجف مَعَه العينان شَدِيدا جدا ويخشن اللِّسَان شَدِيدا ويصفر أَولا ثمَّ يسود وتشتد الْحمى وَيكثر الولوع بمسح

стр. 794

الْعَينَيْنِ ويتخيلون أَشْيَاء صفراً وَتدْخل فِي أَخْلَاقهم سبعية وسوران وحرص على الْخِصَام وَكَأَنَّهُ فِي هَيْئَة من يُرِيد أَن يُقَاتل وتدق أنوفهم خُصُوصا فِي أطرافها ويعرض لجباههم انجذاب شَدِيد إِلَى فَوق. وَأما الْكَائِن من صفراء محترقة وَهُوَ الرَّدِيء المهلك فَأول علاماته أَن عَامَّة عوارضه تعرض مَعَ جُنُون وضجر وَنَفس عَظِيم وعبث وَتَكون أَعينهم كدرة وتشبه صبار أَو كَأَنَّهُ هُوَ. وَأما عَلَامَات انْتِقَاله فَإِن كَانَ ينْتَقل إِلَى ليثرغس - وَذَلِكَ أجْرى لَهُم - رَأَيْت الْعين تغور والتغميض يَدُوم والريق يسيل والنبض يبطئ ويلين. وَأما عَلَامَات انْتِقَاله إِلَى سفاقلوس والورم الدماغي: أَن تظهر عَلامَة سفاقلوس ويغيب سَواد الْعين وَيظْهر الْبيَاض فِي الأحيان ويأبى الِاضْطِجَاع إِلَّا مُسْتَلْقِيا وينتفخ بَطْنه وتمتد شراسيفه وَيكثر اخْتِلَاج أَعْضَائِهِ. وعلامة انْتِقَاله إِلَى الدقّ غؤور الْعَينَيْنِ وهدو الْحمى وقحل الْبدن وَصغر النبض وصلابته. وَأما عَلَامَات انْتِقَاله إِلَى التشنّج فقد أوردناه فِي بَاب التشنج. أما الْمُشْتَرك لأصنافه الْحَقِيقِيَّة فالفصد من القيفال وَإِخْرَاج دم صَالح بل كثير جدا وتبادر إِلَى ذَلِك كَمَا تبتدئ الأخلاط إِن لم يمْنَع من ذَلِك مَانع قوي وَيجب أَن يكون فصده مَعَ احْتِيَاط فِي تعرّف حَاله من الغشي هَل وَقع فِيهِ أَو قرب مِنْهُ وَيحبس الدَّم عِنْد الْقرب من الغشي ويحتال فِي معرفَة ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يظْهر فيهم حَال الْإِفَاقَة من حَال الغشي ظهوراً كثيرا وَلَكِن النبض قد يدل عَلَيْهِ فَإِنَّهُ إِذا ارتعش أَو انخفض وَاخْتلف بِلَا نظام حَتَّى تَجِد وَاحِدَة عَظِيمَة وَأُخْرَى صَغِيرَة دلّ على قرب الغشي. وَيجب أَن يحْتَاط فِي عصب الْعِصَابَة عَلَيْهِ حَتَّى يكون موثقًا لَا تحله حركاته واضطراباته الَّتِي لَا عقل لَهُ مَعهَا فَرُبمَا حلّه وأرسله بِنَفسِهِ بخيال فَاسد يستدعيه إِلَيْهِ ثمَّ بعد ذَلِك يفصد عرق الْجَبْهَة إِن كَانَت الْقُوَّة قَوِيَّة وأوجبته الْحَال وَقُوَّة الْمَرَض وَأما إِن لم تساعد الْقُوَّة وَالْأَحْوَال على فصده الْكُلِّي من يَده أَو لم يُمَكَنْكَ من يَده وأحوجه مَا يُرَاوِد عَلَيْهِ من ذَلِك إِلَى قلق وضجر شَدِيد فافصده من الْجَبْهَة وَاجعَل على رَأسه فِي الِابْتِدَاء دهن الْورْد مَعَ الْخلّ مبرداً وَسَائِر مَا عددنا لَك من العصارات المبرّدة وَينْتَفع الصفراوي بتضميد رَأسه بورق العلّيق جدا وَأَسْكَنَهُ بَيْتا معتدل الْهَوَاء ساذجاً لَا تزاويق وَلَا تصاوير فِيهِ فَإِن خيالاته تولع بهَا بتأملها وَذَلِكَ مِمَّا يُؤْذِي دماغه وحجب دماغه. وَيجب أَن يكون فِي مَسْكَنه وبالقرب مِنْهُ من المشمومات الْبَارِدَة مثل النيلوفر والبنفسج والورد والكافور

стр. 795

وَالَّتِي عددناها لَك فِي القانون. وأصْحِبْة أصدقاءه الظرفاء المَحبوبين إِلَيْهِ المشفقين عَلَيْهِ وَمن يستحي مِنْهُ فيكف بِسَبَبِهِ عَن تخليطه واضطرابه الضارين واجتهد فِي تنويمه وَلَو بتقريب شَيْء من الأفيون من جَبينه وَأَنْفه إِن كَانَت الْقُوَّة قَوِيَّة وَإِلَّا فإياك وَذَلِكَ فَإِنَّهُ مهلك بل اسْتعْمل مثل شراب الخشخاش وضمّد رَأسه بالخس واسقه بزر الخشخاش فِي مَاء الشّعير. على أَن الأصوب أَن يدافع بالفصد إِن احتمله الْوَقْت وَلم يكن فِي تَأْخِيره خطر تفعل ذَلِك فِي الِابْتِدَاء يَوْمَيْنِ أَو ثَلَاثَة ثمَّ إِذا افتصد لم يُبَالغ إِن أمكن حَتَّى يبْقى فِي الْبدن دم تقوى بِهِ الطبيعة على مصارعة البحرانات وعَلى فقد الْغذَاء إِن أوجبه الْوَقْت وَبعد فصدك إِيَّاه فَإِن من الصَّوَاب أَن تحقنه بحقنة ليّنة جدا مثل دهن ورد مَعَ مَاء شعير أَو المَاء وَالزَّيْت وَإِن احتجت إِلَى مَا هُوَ أقوى من هَذَا بعد أَن يكون فِي دَرَجَة اللّينة فعلت واجذب الْموَاد إِلَى أَسْفَل من كل وَجه من دلك الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ وغمزهما وصبّ المَاء الْحَار عَلَيْهِمَا بل بالعَصْبِ والشدّ الْمَذْكُورين بل بتعليق المحاجم عَلَيْهِمَا وخصوصاً فِي حَال هبوط الْحمى وَقبل اشتدادها إِن كَانَ لَهَا ذَلِك. وَرُبمَا وَجب فِي ابْتِدَاء الْعلَّة أَن تلْزم المحجمة كَاهِله وخذه أَولا بغاية تلطيف الْغذَاء حَتَّى يقْتَصر على السكنجبين السكرِي ثمَّ بعد ذَلِك بِيَوْم أَو يَوْمَيْنِ فانقله إِلَى مَاء الشّعير الرَّقِيق مَعَ السكنجبين ثمَّ الغليظ وراع فِي ذَلِك الْقُوَّة والعلّة وَكلما رَأَيْت أَعْرَاض الْعلَّة أشدّ فحدّه بتلطيف الْغذَاء أَكثر إِلَّا أَن يخَاف سُقُوط الْقُوَّة فيغذوا وجنّبهم المَاء الشَّديد الْبرد خَاصَّة إِن كَانَ فِي الْحجاب الحاجز ورم أَو فِي الأحشاء وَكلما ترى العلّة تنحطّ فدرج فِي الْغذَاء وَزِدْ مِنْهُ واجعله من القرع والبقول الْبَارِدَة والماش والحبوب الْبَارِدَة إمَّا إسفيذباجة وَإِمَّا محمّضة بالفواكه الْبَارِدَة وَفِي هَذَا الْوَقْت يَنْتَفِعُونَ بالخبز السميذ منقوعاً فِي مَاء بَارِد جدا أَو جلاب مبرّد بالثلج جدا. وَيجب أَن يسْتَعْمل فِي الِابْتِدَاء الرادعات الصرفة إلاّ أَن يكون من الْجِنْس الْعَظِيم الَّذِي ترم فِيهِ الْعُرُوق الَّتِي تخرج من الرَّأْس مُشَاركَة للحجاب فهناك يحْتَاج أَن يبْدَأ بِمَا فِيهِ قَلِيل إرخاء وتسكين وجع ثمَّ القوابض وتلتجئ إِلَى الحقن التجاء شَدِيدا ثمَّ اسْتعْمل فِي الْأَكْثَر نطولات مبرّدة لَيست بقابضة وَاجعَل فِيهَا قَلِيل خشخاش لينوم وَقَلِيل بابونج أَيْضا ليقاوم الخشخاش ويحلّل أدنى تَحْلِيل. وَإِذا انتقصت العلّة بِهَذِهِ العلاجات وَبَقِي الهذيان فاحلب على الرَّأْس اللَّبن من الضَّرع والثدي أما إِن كَانَت الْقُوَّة قَوِيَّة فلبن الماعز وَإِن كَانَت ضَعِيفَة فلبن النِّسَاء وكل حلبة أَتَت عَلَيْهَا سَاعَة فاعقبها غسلة بالنطولات المعتدلة الَّتِي يَقع فِيهَا بنفسج وأصل السوسن وبابونج مَعَ سَائِر المبردات كَمَا قَالَ بقراط فِي القراباذين. فَإِن طَالَتْ العلّة وَلم تزل بِهَذِهِ المعالجات أَو كَانَت ثَقيلَة سباتية وَجَاوَزَ حد الِابْتِدَاء وَكَانَ السّكُون فِيهَا أَكثر من الحركية فجنبه المبرّدات الشَّدِيدَة التبريد وخاصة الخشخاش وزد فِي النطولات حِينَئِذٍ بعد السَّابِع نماماً وفودنجاً وسذاب وعصارة النعناع وإكليل الْملك وَاجعَل على الرَّأْس لعاب بزر الْكَتَّان بالزيت وَالْمَاء وعرق الْبدن فِي أدهن مسخّن دَائِما.

стр. 796

وَإِذا أردْت أَن تحفظ الْقُوَّة بعد طول الْعلَّة ومجاوزة السَّابِع فَمَا فَوْقه فلك أَن تسقيه قَلِيل شراب ممزوج. وَكَثِيرًا مَا يعرض لَهُم الْقَيْء فينتفعون بِهِ وَرُبمَا سقِِي بَعضهم مَاء ممزوجاً بدهن بَارِد رطب فيسهّل قذفهم ويرطبهم وَإِذا لم يبولوا لفقدان الْعقل وَضعف الحسّ مرخت مثانتهم بدهن فاتر وأفضله الزَّيْت أَو نطلتها بِمَاء حَار أَو بِمَاء طبخ فِيهِ البابونج ثمَّ غمرت عَلَيْهَا حَتَّى يحرّ الْبَوْل واعتن بِهَذَا مِنْهُم كل وَقت واغمر مثانتهم فِي كل حِين يتَوَقَّع فِيهِ بَوْله فَإِن لم يجب بذلك اسْتعْمل النطولات على مَا ذكر وَيجب أَن تشدهم رِبَاطًا إِن وَجَدتهمْ يكثرون التقلب فِي الِاضْطِرَاب ويتضررون بِهِ تضرراً شَدِيدا وخاصة إِذا كنت فصدتهم وَلم يلتحم الشقّ بعد ثمَّ إِذا أَمْعَنُوا فِي الانحطاط وَخَرجُوا عَن عَمُود الْعلَّة أَكثر الْخُرُوج دبرتهم تَدْبِير الناقهين وألزمتهم الأرجوحات وجنبتهم الأهوية والرياح الرَّديئَة والحارة والسموم وَالشَّمْس لِئَلَّا ينتكسوا وَإِن أردْت تحمّمهم حممهم فِي مياه عذبة تحميمات خَفِيفَة لتنوِّمَهُمْ فَفِي تنويمهم مَنَافِع كَثِيرَة وأطعمهم اللحوم الْكَثِيرَة الْخَفِيفَة. فَهَذَا هُوَ القَوْل الْكُلِّي فِي علاجهم. وَأما الَّذِي يخْتَلف فِيهِ الصفراوي والدموي فَإِن الصفراوي يحْتَاج فِي علاجه إِلَى إسهال الصَّفْرَاء أَكثر وفصد أقلّ وَيكون إسهال الصَّفْرَاء مِنْهُ بِمَا يسهِّل شرباً من المزلقات اللطيفة الْمَذْكُورَة والمنقِّيات للدم وَلَك أَن تجْعَل فِيهَا الشاهترج إِن علمت أَن الطبيعة تجيب على كل حَال وَرُبمَا جعلُوا فِيهَا سقمونيا إِذا كَانُوا على ثِقَة من إِجَابَة الطبيعة بِحَسب عَادَة العليل وَلَا يبلغ الصفراوي عِنْد الفصد قرب الغشي بل يفصد فصداً صَالحا مَعَ تحرز من ذَلِك ثمَّ يستفرغ بالإسهال وَأَيْضًا لتجعل أدويته بَارِدَة رطبَة. وَأما أغذية الدموي فباردة وَيجوز أَن تكون قابضة إِذا وَقع الْفَرَاغ من الإسهال والحقن مثل الحصرمية والرمانية والسفرجلية والتفاحية. وَأما الصفراوي فَلَا تصلح لَهُ هَذِه بل مثل القرعية والكشكية أَعنِي المتّخذ من الشّعير المقشر والإسفيدباجية والقطفية والمُحِّية وَمَا أشبه ذَلِك وَيكون تحميضها بخل وسكر أَو بالنيشوق أَو بالإجاص وَمَا أشبه ذَلِك. وَاعْلَم أَن الصفراوي مُحْتَاج إِلَى تطفئة أَكثر والدموي إِلَى تَحْلِيل أَكثر وَلَا تحذر فِي الصفراوي من التبريد كل الحذر الَّذِي تحذر فِي الدموي وَلَا تجنبه المَاء الْبَارِد كل ذَلِك التجنب وَيجب أَن تعتني فِيهِ بالتنويم أَكثر وَذَلِكَ بِمثل النطولات المرطّبة وباستعمال أدهان الخسّ والقرع وَمَا أشبههما سعوطات وَمَا كَانَ من الصفراوي صفراؤه محترقة أكثرت الْعِنَايَة بالترطيب واستعملت فصل فِي الفلغموني الْعَارِض لنَفس جَوْهَر الدِّمَاغ أَكثر مَا يعرض هَذَا يعرض من دم عفن يورم الدِّمَاغ وَرُبمَا فرق الشؤون

стр. 797

وخلخل الشبكة ويكاد الرَّأْس مَعَه أَن ينصاع وينشق ويشتدّ مَعَه الوجع وتحمرّ العيان وتجحظان جدا وتحمرّ الوجنتان جدا وَرُبمَا عرض مَعَه قيء وغثيان بمشاركة الْمعدة ويميل إِلَى الاستلقاء جدا على خلاف الْمُعْتَاد من الاستلقاء وعَلى خلاف النظام وَهُوَ يقتل فِي الْأَكْثَر فِي الثَّالِث فَإِن جاوزه رُجي. وَأعلم أَن العلّة لَيست بصعبة جدا وَإِلَّا لما احتملها عُضْو بِهَذَا القوام وَبِهَذَا الشّرف. وعلاجه علاج السرسام وَأقوى وينفع مِنْهُ فصد الْعرق الَّذِي تَحت اللِّسَان مَنْفَعَة شَدِيدَة وَذَلِكَ بعد فصد الْعرق الْمُشْتَرك وَالْعُرُوق الْأُخْرَى. فصل فِي الْحمرَة فِي الدِّمَاغ والقوباء رُبمَا عرض أَيْضا فِي الدِّمَاغ نَفسه حمرَة وقوباء وَيكون الوجع شَدِيدا والالتهاب شَدِيدا لَكِن الْوَجْه يعرض فِيهِ برد لكمون الْحَرَارَة وصغره لذَلِك وخاصة فِي الْعين ثمَّ يسخن دفْعَة ويحمر وَأما فِي الْأَغْلَب فَيكون إِلَى الصُّفْرَة وَالْبرد وَيكون اليبس شَدِيدا فِي الْفَم وَلَا يكون مَعَه من السّبات كَمَا فِي الفلغموني وَلَكِن الْأَعْرَاض فِيهِ أهول والحمّى أشدّ. وعلاجه علاج صباري وَأَكْثَره قَاتل فِي الثَّالِث فَإِن لم يقتل نجا. ويعرض للصبيان الْحمرَة فِي الدِّمَاغ فيغور مَعَه اليافوخ والعينان وتصفرّ الْعين وييبس الْبدن كُله فيعالجون بمخ الْبيض مَعَ دهن الْورْد مبرّداً مبدّلاً كل سَاعَة وبالعصارات والبقول الرّطبَة الْبَارِدَة على الرَّأْس خَاصَّة القرع وقشور الْبِطِّيخ والقثاء وَغير ذَلِك حسب مَا تعلم. فصل فِي صباري يُقَال صباري لجنون مفرط يعرض مَعَ سرسام حَار صفراوي حَتَّى يكون الْإِنْسَان - مَعَ أَنه مسرسم - يهذي مَجْنُونا مضطرباً مشوّشاً والقرانيطس الساذج يكون بعد هذيان واختلاط عقل وَلَا يكون مَعَه جُنُون فَإِن كَانَ فَهُوَ صباري وَأَيْضًا كَأَنَّهُ مانيا مركّب مَعَ قرانيطس. كَمَا أَن قرانيطس كَأَنَّهُ مالنخوليا مركب مَعَ ورم وَحمى وَكَثِيرًا مَا يتقدّم فِيهِ الْجُنُون ثمَّ يعقبه الورم والحمى. وَإِنَّمَا يكون صباري إِذا كَانَ قرانيطس عَن الْحَمْرَاء الصّرْف والمحترقة فَإِنَّهَا إِذا اندفعت إِلَى الدِّمَاغ وأحدثت جنوناً بِأول وصولها وأحدثت مَعَه أَو بعده ورماً كَانَت سَبَب صباري. وَفِي قرانيطس يكون الْجُنُون عارضاً عَن الورم وَفِي صباري

стр. 798

الْجُنُون والورم حادثان مَعًا عَن الْمَادَّة لَيْسَ أَحدهمَا سَببا للْآخر مِنْهُ وجد الآخر وَإِن كَانَ رُبمَا صَار كل وَاحِد مِنْهُمَا سَببا للزِّيَادَة فِي الآخر وِإذا جعل صباري يظْهر كَانَ سهر طَوِيل ونوم مُضْطَرب وفزع فِي النّوم ووثب ونَفس كثير متواتر ونسيان وَجَوَاب غير شَبيه بالسؤال واحمرار الْعَينَيْنِ واضطرابهما وَثقل فيهمَا وكأنهما قذيتان وَرُبمَا كَانَ فيهمَا على نَحْو مَا ذَكرْنَاهُ اصفرار وَيكون هُنَاكَ إحساس تمدد عِنْد الْقَفَا ووجع لتصاعد البخار وَيكون أَيْضا فيهمَا سيل من الدمع بِغَيْر إِرَادَة من عين وَاحِدَة ثمَّ إِذا استقرّ الْمَرَض صلبت الحمّى وخشن اللِّسَان ويبس ثمَّ فِي آخِره تسكن حركات الجفون للضعف وتثقل الْحَرَكَة حَتَّى تَحْرِيك الجفون وَيبقى من الْجُنُون الهذيان المتقطّع مَعَ عجز عَن الْكَلَام وقلّة مِنْهُ وَيقبل فِي الْأَكْثَر على الْتِقَاط الزيبر والتبن ويزداد النبض ضعفا وصغراً وصلابة لليبس. وَقد يَقع منَ صباري مَا لَيْسَ بمحض صرف فتختلف حالاته من الْكَلَام وَالذكر والحركات فَتكون تَارَة منتظمة وَتارَة غير منتظمة. وعلاجه بِعَيْنِه علاج السرسام الصفراوي مَعَ زِيَادَة فِي الترطيب كَثِيرَة وَيجب أَن يدام ربط أَطْرَافه. (فصل فِي ليثرغس) وَهُوَ السرسام الْبَارِد وترجمته النسْيَان: يُقَال ليثرغس للورم البلغمي الْكَائِن دَاخل القحف وَهُوَ السرسام البلغمي وَأَكْثَره يكون فِي مجاري جَوْهَر الدِّمَاغ دون الْحجب والبطون وجرم الدِّمَاغ لأنّ البلغم قلّما يجْتَمع وَينفذ فِي الأغشية لصلابتها وَلَا فِي جَوْهَر الدِّمَاغ للزوجته كَمَا أَن ذَات الْجنب أَيْضا فِي الْأَكْثَر صفراوية وفلما تكون بلغمية لقلَّة نُفُوذ البلغم فِي جَوْهَر صفاقي عصبي صلب. على أَنه يُمكن أَن يكون ذَلِك الْأَقَل مِنْهُمَا جَمِيعًا فَيمكن أَن يَقع هَذَا الورم فِي جَوْهَر الدِّمَاغ وَفِي حجبه. وَهَذِه العفَة مُسَمَّاة باسم عرضهَا لِأَن تَرْجَمَة ليثرغس هُوَ النسْيَان وَهَذِه الْعلَّة يلْزمهَا النسْيَان. وَمن اسْمهَا أَخطَأ فِيهَا كثير من الْأَطِبَّاء فَلم يعرفوا أَن الْغَرَض فِيهَا هُوَ الْمَرَض الْكَائِن من ورم بَارِد بل حسبوا أَن هَذِه الْعلَّة هِيَ نفس النسْيَان وعَلى أَن بعض الْأَطِبَّاء يُسَمِّي ليثرغس كل ورم بَارِد فِي الدِّمَاغ سوداوياً كَانَ أَو بلغمياً إِلَّا أَن كثر الْمُتَقَدِّمين يخصّون بِهَذَا الِاسْم البلغمي وَلَك أَن تَسْقِي بِهِ كليهمَا. ومادة هَذِه الْعلَّة قريبَة من مَادَّة السدر لَكِنَّهَا أشدّ استحكاماً وَهَذِه الْعلَّة تتولد عَن كل مَا يُولد خلطاً بلغمياً وَفِيه تبخير وَلذَلِك كثيرا مَا تتولد عَن أكل البصل وتتولّد عَن التُّخمَة الْكَثِيرَة وَكَثْرَة الشّرْب وَكَثْرَة أكل الْفَوَاكِه. الْعَلامَة: صداع خَفِيف وَحمى لينَة فَإِنَّهُ لَا بُد من الْحمى فِي كل ورم عَن خلط عفن وَبِذَلِك يُفَارق السُبات لَكِنَّهَا تكون لينَة لِأَن الْمَادَّة بلغمية وَهَذِه الْحمى رُبمَا لم يحس بهَا

стр. 799

وَيكون مَعهَا سُبَات ثقيل كلما يفتح صَاحبه الْعين يغمض وَيكون مَعهَا نِسْيَان ونَفَس متخلخل بطيء وجدا ضَعِيف وَكله مَعَ ضيق يسير وبزاق وَكَثْرَة تثاؤب وَفتح فَم وضمه وَرُبمَا بَقِي فَمه بعد التثاؤب وَنَحْوه مَفْتُوحًا لنسيانه أَنه يجب أَن يضم أَو لكسله عَنهُ وَإِن أَرَادَهُ وَيكون بِهِ فوَاق لمشاركة الْمعدة وَبَيَاض فِي اللِّسَان وكسل عَن الْجَواب وَعَن حَرَكَة الأجفان واختلاط عقل وَيكون البرازقي الْأَكْثَر رطبا وَإِن جف جف جفافاً معتدلاً وَالْبَوْل كبول الْحمير. وَرُبمَا عرض لَهُم الارتعاش وعرق الْأَطْرَاف. وهم بِخِلَاف أَصْحَاب قرانيطس يتصدعون وَيكون النبض عَظِيما متفاوتاً بطيئاً زلزلياً متموجاً بنبض ذَات الرئة أشبه لكنه أقلّ عرضا وطولاً وَأَبْطَأ وأشدّ تَفَاوتا وَأَقل اخْتِلَافا لِأَن تأذي الْقلب بِهِ أقل وَيَقَع فِي نبضه الْوَاقِع فِي الْوسط أَكثر لِأَن الْقُوَّة الحيوانية فِيهِ أسلم والحمى مَعَه أقل لبعده من الْقلب وسباته أَكثر لِأَن الْمَادَّة هَهُنَا فِي نفس الدِّمَاغ وَفِي ذَات الرئة متصاعدة من ورم الرئة. وَأما إِن قيل للسوداوي أَنه ليثرغس فعلامته أَن الوجع يكون أَشد وَيكون مَعَه ضجر وهذيان وَتَكون الْعين مَفْتُوحَة مبهوتة وَإِذا كَانَ الليثرغس فِي جَوْهَر الدِّمَاغ كَانَ السبات أَشد وَعسر الحركات أَكثر وَبَيَاض اللِّسَان فِيهِ شَدِيدا جدا وَالْعين إِلَى الجحوظ وعسر الْحَرَكَة والوجع إِلَى الرخاوة. وَإِن كَانَ فِي الْحجاب كَانَ الوجع أَشد والحركات أخف وَيَقَع فِيهِ كثيرا احتباس الْبَوْل للنسيان ولضعف العضل المبولة. وَمن عَلَامَات مصير الْإِنْسَان إِلَى ليثرغس كَثْرَة اخْتِلَاج رَأسه مَعَ كسل وَثقل وَإِذا اشتدت أَعْرَاض ليثرغس وَكثر الْعرق جدا فَهُوَ قَاتل لإِسْقَاط الْعرق للقوّة وَإِذا اتَّسع النَّفس وجاد وانحطت الْأَعْرَاض فَهُوَ إِلَى السَّلامَة وخصوصاً إِن ظَهرت أورام خلف الْأذن فإنَ كثيرا من بحراناته تكون بهَا. العلاج: إِن لم يعق عائق فصدت أَولا ثمَّ اسْتعْملت الحقن الحارة وجذبت الْموَاد إِلَى أَسْفَل وقيأته بريشة لطختها خردلاً وَعَسَلًا وأسكنته بَيْتا مضيئاً ومنعته الِاسْتِغْرَاق فِي السبات ملحاً عَلَيْهِ بالانتباه ومنعت الْمَادَّة فِي أول الْأَمر بدهن الْورْد والخل ثمَّ بعد يَوْمَيْنِ من ابْتِدَائه تخلط بِهِ جندبيدستر وَتجْعَل الخلّ خل العنصل وَلم تسقه المَاء الْبَارِد إِلَّا قَلِيلا وَفِي الِابْتِدَاء خَاصَّة وَعند الِانْتِهَاء وخاصة فِي آخِره تَمنعهُ ذَلِك منعا ثمَّ يمرخ الْبدن بِزَيْت ونطرون وبزر الأنجرة وبزر المازريون وفلفل وعاقر قرحا وَمَا أشبهه وتستعمل النطولات القوية التَّحْلِيل والشمومات والعطوسات وغراغر ملطفة فِيهَا حاشا وزوفا وفودنج وصعتر وغراغر بِعَسَل وعنصل وَسَائِر مَا عَلمته فِي القانون. وَإِذا اسْتعْملت العنصل على رَأسه - خُصُوصا الرطب - انْتفع بِهِ جدا وَيسْتَعْمل أَيْضا سَائِر المحمرات على الرَّأْس ولطوخ

стр. 800

الْخَرْدَل وتديم دلك أَطْرَافه وتغمزها حَتَّى تحمر وتتألم فَإِنَّهُ عَظِيم المنعة. وَإِذا غرقوا فِي السبات مددت شُعُور رؤوسهم وتنفف بَعْضهَا وتضع على أقفائهم عِنْد النقرة محاجم كَثِيرَة بِنَار من غير شَرط وَرُبمَا احتجت إِلَى شَرط عِنْدَمَا كَانَ مُحْتَاجا إِلَى استفراغ دم وَإِذا غذوت أحدا مِنْهُم غفوته بِمثل مَاء الترمس وَمَاء الحمص مَعَ مَاء الكشك وَإِذا غفوته فَأقبل على غمز أَطْرَافه سَاعَات لِئَلَّا ينجذب البخار إِلَى فَوق فَإِن احتجت لطول الْعلَّة أَن تسقيه مسهلاً - وخاصة إِذا ظهر بِهِ ارتعاش - سقيته ثُلثي مِثْقَال جندبيدستر مَعَ قَلِيل سقمونيا أقل من دانق فَإِن خفت إفراطاً فِي الْحمى اجْتنب السقمونيا وَاقْتصر على جندبيدستر وعَلى تَبْدِيل المزاج دون الاستفراغ وَأولى الاستفراغات بِهِ مَا يكون بالحقن فَإِن اضطررت إِلَى غَيرهَا سقيت أيارج فيقرا وزن دِرْهَم مَعَ ربع دِرْهَم شَحم الحنظل وَثلث دِرْهَم هليلج ودانق مصطكي إِن لم تكن الْحمى شَدِيدَة الْحَرَارَة وَكنت على ثِقَة من أَنه يسهل فَإِن لم تثق بذلك فَحَمله حمولاً أَو شيافة ليتعاون السببان على ذَلِك ثمَّ نبّهه وكلفه أَن يتَكَلَّف البرَاز وَإِذا عرض لَهُ نِسْيَان البرَاز وَالْبَوْل نطلت الحالبين والبطن بالمياه الْمَطْبُوخ فِيهَا بابونج وإكليل الْملك وبنفسج وأصول السوسن وغمزت المثانة ليبول ثمَّ إِذا انْتَبَهت الْعلَّة اسْتعْملت الأراجيح وَالْحمل ثمَّ الرياضة الْيَسِيرَة وتدبير الناقهين حسب مَا أَنْت تعلم ذَلِك. فصل فِي المَاء دَاخل القحف إِنَّه قد تَجْتَمِع رطوبات مائية دَاخل القحف وخارجه فَإِن كَانَ خَارج القحف دلّ عَلَيْهِ مَا سَنذكرُهُ عَن قريب وان كَانَ دَاخل القحف - وموضعه فَوق الغشاء الصلب - أحس بثقل دَاخل وعسر مَعَه تغميض الْعين فَلَا يُمكن وترطبت الْعين جدا ودمعت دَائِما وشخصت وَلَا حِيلَة فِي مثله. فصل فِي الأورام الْخَارِجَة من القحف قد يعرض فِي الْحجب الَّتِي من خَارج الرَّأْس أورام حارة وباردة وَقد يعرض - وخصوصاً للصبيان - علّة هِيَ اجْتِمَاع المَاء فِي الرَّأْس وَقد يعرض للكبار أَيْضا هَذِه الْعلَّة وَهَذِه العلّة هِيَ رطوبات تحتبس بَين القحف وَبَين الْجلد أَو بَين الحجابين الخارجين مائية فَيعرض انخفاض فِي ذَلِك الْموضع من الرَّأْس وبكاء وسهر. أما الصّبيان فَيعرض لَهُم ذَلِك فِي أَكثر الْأَمر إِذا أَخْطَأت الْقَابِلَة فغمزت الرَّأْس ففرقته وَفتحت أَفْوَاه الْعُرُوق وسال إِلَى مَا تَحت الْجلد دم مائي وَقد يكون أخلاط أُخْرَى غير الرطوبات المائية فَإِن كَانَ لون الْجلد

стр. 801

بِحَالهِ وَكَانَ متعالياً متغمزاً مندفعاً فَهُوَ المَاء فِي الرَّأْس وَإِن كَانَ اللَّوْن متغيراً واللمس مُخَالفا وَثمّ قوّة وَامْتِنَاع على الدّفع أَو يحسّ بلذع ووجع فَهُوَ ورم من خَارج القحف وَأما فِي الصّبيان وَغَيرهم إِذا كَانَ فِي رُؤْسهمْ مَاء وَأكْثر مَا يكون هَذَا للصبيان فَيجب أَن يتعرف هَل هُوَ كثير وَهل هُوَ مندفع من خَارج إِلَى دَاخل إِذا قهر فَإِن كَانَ كَذَلِك فَلَا يعالج وَإِن كَانَ قَلِيلا ومستمسكاً بَين الْجلد والقحف فَاسْتعْمل إِمَّا شقاً وَاحِدًا فِي الْعرض وَإِمَّا إِن كَانَ كثيرا شقّين متقاطعين أَو ثَلَاثَة شقوق متقاطعة إِن كَانَ أَكثر وتفرغ مَا فِيهِ ثمَّ تشد وتربط وَتجْعَل عَلَيْهِ الشَّرَاب وَالزَّيْت إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ تحلّ الرِّبَاط وتعالج بالمراهم والفتل إِن احتجت إِلَيْهَا أَو بالخيط والدرزان كفى ذَلِك وَلم تحتج إِلَى مراهم وَإِن أَبْطَأَ نَبَات اللَّحْم فقد أمروا بِأَن يُجرد الْعظم جردا خَفِيفا لينبت اللَّحْم وَإِن كَانَ المَاء قَلِيلا جدا كَفاك أَن تحل الْخَلْط الْمَانِع بالأضمدة. وَأما الأورام الحارة فَأَنت تعرف حارها وباردها باللمس واللون وبموافقة مَا يصل إِلَيْهِ وتحسّ فِي كلهَا بألم ضاغط للقحف فَإِذا لمست أصبت الْأَلَم وتعالجه بأخفّ من علاج السرسام على أَنَّك فِي اسْتِعْمَال الْقوي فِيهِ آمن والحجامة تَنْفَع فِيهِ أَكثر من الفصد قطعا وَأما عطاس الصّبيان فَيَنْبَغِي أَن تَسْقِي الْمُرْضع مَاء الشّعير أَو مَاء سويقه إِن كَانَ بِالصَّبِيِّ إسهال وتسقي حِينَئِذٍ شَيْئا من الطباشير المقلو وبزر البقلة مقلواً فَإِن الأسهال فِي هَذِه الْعلَّة رَدِيء ولتجتنب الْمُرْضع التحميم وَيجْعَل على يَافُوخه بنفسج مبرد. فصل فِي السبات السهري قد يسْقِيه بعض الْأَطِبَّاء الشخوص وَلَيْسَ بِهِ بل الشخوص نوع من الجمود فَنَقُول: هَذِه عِلّة سرسامية مركبة من السرسام الْبَارِد والحار لِأَن الورم كَائِن من الخلطين مَعًا أَعنِي من البلغم والصفراء وَسَببه امتلاء وَلَده النهم وإكثار الْأكل وَالشرب وَالسكر وَقد يعتدل الخلطان وَقد يغلب أَحدهمَا فتغلب علاماته فَإِن غلب البلغمي سقِِي سباتاً سهرياً وَإِن غلب الصفراوي سمي سهراً سباتياً وَقد يتَّفق فِي مرض وَاحِد بِالْعدَدِ أَن يكون لكل وَاحِد مِنْهُمَا كرة على الآخر فَتَارَة يغلب البلغم فيفعل فِيهِ البلغم سباتاً وثقلاً وكسلاً وتغميضاً ويشق عَلَيْهِ الْجَواب عَمَّا يُخَاطب بِهِ فَيكون جَوَابه جَوَاب متمهل متفكر. وَتارَة تغلب فِيهِ الصَّفْرَاء فتفعل فِيهِ أرقاً وهذياناً وتحديقاً مُتَّصِلا وَلَا تَدعه يسْتَغْرق فِي السبات بل يكون سباته سباتاً يُنَبه عَنهُ إِذا نبه. وعندما يغلب عَلَيْهِ البلغم يثقل السبات ويتغمّض الجفن إِذا فَتحه وعندما تغلب الصَّفْرَاء يتَنَبَّه بِسُرْعَة إِذا نبه ويهذي ويقصد الْحَرَكَة وَيفتح الْعين بِلَا طرف وَلَا تغميض بل ينجذب طرفه الْأَعْلَى كَمَا يعرض لأَصْحَاب السرسام ويشتهي أَن يكون مُسْتَلْقِيا وَيكون استلقاؤه غير طبيعي ويتهيّج وَجهه ويميل إِلَى الخضرة والحمرة وعَلى أَنه فِي أغلب حالاته ينجذب جفْنه إِلَى فَوق ويغط فَإِذا فتح عينه فتح فتحا كفتح أَصْحَاب الشخوص والجمود بِلَا طرف وَإِذا نطق لم يكن لكَلَامه نظام ويشرق بِالْمَاءِ حَتَّى إِنَّه رُبمَا رَجَعَ المَاء من منخره وَكَذَلِكَ يشرق بالإحساء وَهَذِه عَلامَة رداءته.

стр. 802

وَكَثِيرًا مَا يعرض فِيهِ احتباس الْبَوْل وَالْبرَاز مَعًا أَو قلتهما ويعرض لَهُ ضيق نفس وَقد يشبه فِي كثير من أَحْوَال اختناق الرَّحِم وَلَكِن الْوَجْه يكون فِي اختناق الرَّحِم بِحَالهِ وَيكون سَائِر عَلَامَات اختناق الرَّحِم الْمَذْكُور فِي بَابه وَهَهُنَا يُمكن أَن يجْبر فِيهِ العليل على الْكَلَام بِشَيْء مَا وَأَن يكلّف التفهم. والمختنق رَحمهَا لَا يُمكن ذَلِك فِيهَا مَا دَامَت فِي الاختناق وَهَذِه العلّة تشبه ليثرغس أَيْضا وَلَكِن تُفَارِقهُ بِأَن الْوَجْه فِيهَا لَا يكون بِحَالهِ كَمَا فِي أَصْحَاب ليثرغس وَأَيْضًا يعرض لَهُم سهر وتفتيح عين غير طارف والحمّى فِيهِ أشدّ وتشبه قرانيطس وَلَكِن يُفَارِقهُ بِأَن السبات فِيهِ أَكثر والهذيان أقلّ وَأما بالنبض فنبضه سريع متواتر بِسَبَب الورم والاختلاط الْحَمَوِيّ فيخالف نبض ليثرغس وعريض وقصير بِسَبَب البلغم وورمه فيخالف قرانيطس وقصره لعرضه ثمَّ هُوَ أقوى من نبض ليثرغس وأضعف من نبض قرانيطس وَيكون النبض غير متمدّد متشنّج متفاوت كَمَا فِي اختناق الرَّحِم وَلَا تكون الْقُوَّة فِيهِ بَاقِيَة وَلَا خَارِجَة عَن النّظم كل ذَلِك الْخُرُوج كَمَا تكون فِي اختناق الرَّحِم بل تكون القوّة سَاقِطَة والنبض متواتر. العلاج: أما العلاج الْمُشْتَرك فالفصد كَمَا علمت ثمَّ الحقن تزيد فِي حدّتها ولينها بِقدر مَا تَجِد عَلَيْهِ الْمَادَّة بالعلامات الْمَذْكُورَة حِين يتعرف هَل الْغَالِب مرّة أَو بلغم وَيمْنَع الْغذَاء أَيْضا على مَا فِي قرانيطس وخاصة إِن كَانَ سَببه إكثار الطَّعَام وَإِن كَانَ سَببه إكثار الطَّعَام قيأت الْمَرِيض ونقّيت مِنْهُ الْمعدة وَإِن كَانَ سَببه السكر لم يعالج الْبَتَّةَ حَتَّى يَنْقَطِع السكر ثمَّ يقْتَصر على مرطبات رَأسه ثمَّ يعالج أخيراً بِمَا يعالج بِهِ آخر الْخمار. وتشترك أصنافه فِي النطولات والضمّادات والعطوسات الْمَذْكُورَة والاستفراغات اللطيفة بِمَا يشرب ويحقن مِمَّا علمت وَتَكون هَذِه الْأَدْوِيَة فِيهِ لَا فِي حدّ مَا يُؤمر بِهِ فِي قرانيطس من الْبرد وَلَا فِي حدّ مَا يُؤمر بِهِ فِي ليثرغس من السخونة بل تكون مركبة مِنْهُمَا ويغلب فيهمَا مَا يجب بِحَسب مَا يظْهر من أَن أيّ الخلطين أغلب. وَقد سبق لَك فِي القانون جَمِيع مَا يجب أَن تعمله فِي مثل هَذَا وَيجب أَن تجْعَل فِي نطولاته إِن كَانَت المرّة غالبة أوراق الْخلاف والبنفسج وأصول السوسن وَالشعِير مَعَ بابونج وإكليل الْملك وشبث وَرُبمَا سقيته شراب الخشخاش إِن لم تخف عَلَيْهِ من غَلَبَة البلغم. وَالْغَرَض فِي سقيه إِيَّاه هُوَ التنويم فَإِن كَانَت المادتان متساويتين زيد فِيهِ الشيح والمرزنجوش وَإِن كَانَ البلغم غَالِبا زيد فِيهِ ورق الْغَار والسذاب والفودنج والزوفا والجندبادستر والصعتر وَكَذَلِكَ الْحَال فِي الأضمدة والحقن على حسب هَذَا القانون ويمكنك التقاطها لَهُ من القراباذين. وَأما فِي آخر الْمَرَض وَبعد أَن تنحطّ العلّة فجنبه النطولات الْبَارِدَة وَاقْتصر على الملطّفات الَّتِي علمتها ثمَّ حمّمه وَدبره تَدْبِير الناقهين.

стр. 803

فصل فِي الشجّة وَقطع جلد الرَّأْس وَمَا يجْرِي مجْرَاه التفرّق الْوَاقِع فِي الرَّأْس أما فِي الْجلد وَاللَّحم وَأما فِي الْعظم مُوضحَة أَو هاشمة أَو مثقلة أَو سمحاقاً. وَمن السمحاق الْفطْرَة وَهُوَ أَن يبرز الْحجاب إِلَى خَارج ويرم ويسمن ويصبر كفطرة وَمِنْهَا الآمة والجائفة وفيهَا خطر. وَيحدث فِي الْجِرَاحَات الْوَاصِلَة إِلَى غشاء الدِّمَاغ استرخاء فِي جَانب الْجراحَة وتشتج فِي مُقَابِله وَإِذا لم يصل الْقطع إِلَى الْبُطُون بل إِلَى حدّ الْحجاب الرَّقِيق كَانَ أسلم وَإِذا وصل الْقطع إِلَى الدِّمَاغ ظهر حمّى وقيء مراري وَلَيْسَ مِمَّا يفلح إِلَّا الْقَلِيل. وأقربه إِلَى السَّلامَة مَا يَقع من الْقطع فِي البطنين المقدّمين إِذا تدورك بِسُرْعَة فيضم. واللذان فِي البطنين المؤخرين أصعب وَالَّذِي فِي الْأَوْسَط أصعب من الَّذِي فِي الْمُؤخر وَأبْعد أَن يرجع إِلَى الْحَالة الطبيعية إِلَّا أَن يكون قَلِيلا يَسِيرا وَتَقَع الْمُبَادرَة إِلَى ضمّه وإصلاحه سَرِيعا. وَأما العلاج فالمبادرة إِلَى منع الورم بِمَا يحْتَمل. فَأَما تَفْصِيله فقد ذكرنَا علاج الْجراحَة الشجيّة الَّتِي فِي الْجلد وَاللَّحم حَيْثُ ذكرنَا القروح فِي الْكتاب الرَّابِع وَذكرنَا علاج الكسِر مِنْهَا فِي بَاب الْكسر والجبر. وللأطباء فِي كسر القحف المنقلع الَّذِي هُوَ المنقلة مذهبان مَذْهَب من يمِيل إِلَى الْأَدْوِيَة الهادئة الساكنة الشَّدِيدَة التسكين للألم وَمذهب من يرى اسْتِعْمَال الْأَدْوِيَة الشَّدِيدَة التجفيف ويستعملون نبعد قطع المنكسر وَقلع المنقلع وجذب انكساره بالأدوية الجذابة من المراهم وَغَيرهمَا على الْموضع من فَوْقه من خَارج لطخاً من خلّ وَعسل وَكَانَت السَّلامَة على أَيدي هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخِّرين مِنْهَا أَكثر مِنْهَا على أَيدي الأوّلين الْمقَالة الرَّابِعَة أمراض الرَّأْس وَأكْثر مضرتها فِي أَفعَال الْحس والسياسة فصل فِي السبات وَالنَّوْم يُقَال سبات للنوم المفرط الثقيل لَا لكل مفرط ثقيل وَلَكِن لما كَانَ ثقله فِي المدّة والكيفية مَعًا حَتَّى تكون مدّته أطول وهيئته أقوى فيصعب الانتباه عَنهُ وَإِن نبّه فالنوم مِنْهُ طبيعي فِي مِقْدَاره وكيفيته وَمِنْه ثقيل وَمِنْه سبات مُسْتَغْرق. وَالنَّوْم على الْجُمْلَة رُجُوع الرّوح النفساني عَن آلَات الحسّ وَالْحَرَكَة إِلَى مبدأ تتعطل مَعَه آلاتها عَن الرُّجُوع بِالْفِعْلِ فِيهَا إِلَّا مَا لَا بدّ مِنْهُ فِي بَقَاء الْحَيَاة وَذَلِكَ فِي مثل آلَات النَّفس. وَالنَّوْم الطبيعي على الْإِطْلَاق مَا كَانَ رُجُوعه مَعَ غور الرّوح الحيواني إِلَى بَاطِن لإنضاج الْغذَاء فيتبعه الرّوح النفساني كَمَا يَقع فِي حركات الْأَجْسَام اللطيفة

стр. 804

الممازجة لضَرُورَة الْخَلَاء وَمَا كَانَ أَيْضا للراحة وليجتمع الرّوح إِلَى نَفسه ريثما يغتذي وينمى ويزداد جوهره وينال عوض مَا تحلّل فِي الْيَقَظَة مِنْهُ وَقَرِيب من هَذَا مَا يعرض لمن شَارف الإقبال من مَرضه فَإِنَّهُ يعرض لَهُ نوم غرق فَيدل على سُكُون مَرضه لكنه لَا يدِلّ فِي الأصحّاء على خير. وَقد يعرض أَيْضا من هَذَا الْقَبِيل لمن استفرغ كثيرا بالدواء وَذَلِكَ النّوم نَافِع لَهُ رادّ لقوّته وَقد يعرض نوم لَيْسَ طبيعياً على الْإِطْلَاق وَذَلِكَ إِذا كَانَ الرُّجُوع إِلَى المبدأ لفرط تحلّل من الرّوح لَا يحْتَمل جوهره الانبساط لفقد زِيَادَته على مَا يَكْفِي الْأُصُول بِسَبَب التحلّل الْوَاقِع من الْحَرَكَة فيغور كَمَا يكون حَال التَّعَب والرياضة القوية وَذَلِكَ لإستفراغ مفرط يعرض للروح النفساني فتحرص الطبيعة على إمْسَاك مَا فِي جوهرها إِلَى أَن يلْحقهَا من الْغذَاء مدد. وَالْفرق بَين هَذَا وَبَين الَّذِي قبله كالفرق بَين طلب الْبدن الصَّحِيح للغذاء ليقوم بدل التحلّل الطبيعي مِنْهُ وَطلب الْبدن المدنف بالإسهال والنزف للغذاء فَإِن الأوّل من النومين يطْلب بدل تَحْلِيل الْيَقَظَة وَهُوَ أَمر طبيعي وَالثَّانِي يطْلب بدل تَحْلِيل التَّعَب وَهُوَ غير طبيعي. وَقد يعرض نوم غير طبيعي على الْإِطْلَاق أَيْضا وَهُوَ أَن يكون رُجُوع الرّوح النفساني عَن الْآلَات بِسَبَب مبرّد مضادّ لجوهر الرّوح إِمَّا من خَارج وَإِمَّا من الْأَدْوِيَة المبرّدة فتكتسب الْآلَات بردا منافياً لنفوذ الرّوح الحيواني فِيهَا على وَجهه أَو مخدراً للتصبّب الْحَاصِل فِيهَا من الرّوح النفساني يفْسد المزاج الَّذِي بِهِ يقبل الْقُوَّة النفسانية عَن المبدأ فَيَعُود الْبَاقِي غائراً من الضدّ ويتبلّد عَن الانبساط لبرد المزاج وَهَذَا هُوَ الخدر. وَقد يعرض أَيْضا بِسَبَب مرطّب للآلات مكدر لجوهر الرّوح سادّ لمسالكه مُرَخ لجواهر العصب والعضل إرخاء يتبعهُ سدد وانطباق فَيكون مَانِعا لنفوذ الرّوح لِأَن جَوْهَر الرّوح نَفسه قد غلظ وتكدر لِأَن الْآلَات قد فَسدتْ بالرطوبة ولاسترخائها جَمِيعًا وَهَذَا نوم السكر. وَقَرِيب من هَذَا مَا يعرض بِسَبَب التُّخمَة وَطول لبث الطَّعَام فِي الْمعدة وَهَؤُلَاء يَزُول سباتهم بالقيء. وَهَذَانِ السببان هما بعينهما سَببا أَكثر مَا يعرض من السبات إِذا استحكما وَقد يجْتَمع الْبرد والرطوبة مَعًا فِي أَسبَاب النّوم إِلَّا أَن السَّبَب المقدّم مِنْهُمَا حِينَئِذٍ يكون هُوَ الْبرد وتعينه الرُّطُوبَة كَمَا يجْتَمع فِي السهر الْحر واليبوسة وَيكون السَّبَب الْحَقِيقِيّ هُوَ الحَر وتعينه اليبوسة. وللسبات أَسبَاب أخر من ذَلِك اشتداد نَوَائِب الحمّى وإقبال الطبيعة بكنهها على الْعلَّة وانضغاطها تَحت الْمَادَّة فيتبعها الرّوح النفساني كَمَا قيل وخصوصاً إِن كَانَت مَادَّة الحمّى بلغمية بَارِدَة وَإِنَّمَا سخنت بالعفونة. وَقد يكون لرداءة الأخلاط والبخارات المتصعّدة إِلَى مقدّم الدِّمَاغ من الْمعدة والرئة فِي عللهما وَسَائِر الْأَعْضَاء. وَقد يكون من كَثْرَة الديدان وحبّ القرع وَقد يكون من انضغاط الدِّمَاغ نَفسه تَحت عظم القحف أَو صفحه أَو قشره إِذا أصَاب الدِّمَاغ ضَرْبَة.

стр. 805

وَأَشد الْبُطُون إسباتاً عِنْد الْقطع هُوَ أشدّها مِنْهُ إسباتاً عِنْد الضغط وَقد يكون لوجع شَدِيد من ضَرْبَة تصيب عضلات الصدغ أَو على مشاركته لأَذى فِي فَم الْمعدة أَو فِي الرَّحِم فينقبض مِنْهُ الدِّمَاغ وتنسدّ مسالك الرّوح الحساس انسداداً تعسر مَعَه حَرَكَة الرّوح إِلَى بارز وَقد يكون لشدّة ضعف الرّوح وتحلله فيعسر انبساطه. ولأنّ أول الْحَواس الَّتِي تتعطل فِي النّوم والسبات هُوَ الْبَصَر والسمع فَيجب أَن تكون الآفة فِي السبات فِي مقدم الدِّمَاغ وبمشاركة فَسَاد التَّحْلِيل فَإِنَّهُ لَو كَانَ قد سلم مقدم الدِّمَاغ وَإِنَّمَا عرض الْفساد لمؤخره لم يجب أَن يُصِيب الْبَصَر والسمع تعطل وَلم يكن نوم بل كَانَ بطلَان حَرَكَة أَو لمس وَحده ولكانت الْحَواس الْأُخْرَى بِحَالِهَا كَمَا يَقع ذَلِك فِي أمراض الجمود والشخوص وَلم يكن ضَرَر السبات بالحسّ فَوق ضَرَره بالحركة فَإِنَّهُ يبطل الْحس أصلا وَلَا يبطل الْحَرَكَة أصلا فَإِنَّهَا تبقى فِي التنفس سليمَة. وَيجب أَن تكون السدة الْوَاقِعَة فِي السبات لَيست بتامّة وَلَا بكثيفة جدا وَإِلَّا لأضرت بالتنفس. وكل سبات يتَعَلَّق بمزاج فَهُوَ للبرد أَولا وللرطوبة ثَانِيًا وَقد ينْتَقل إِلَى السبات من مثل ذَات الْجنب وَذَات الرئة وَنَحْو ذَلِك. وَمن النَّاس من تكون أخلاطه مَا دَامَ جَالِسا منكسرة غير مؤذية فيغلبه النعاس فَإِذا طرح نَفسه غارت الْحَرَارَة الغريزية فتثوّرت وهاجت أبخرة إِلَى الدِّمَاغ فَلم يغشه النّوم لَا سِيمَا فِي يَابِس المزاج. وَإِذا كثر غشيان النّوم أنفر بِمَرَض وَقيل: مَاء الرُّمَّان مِمَّا يبطئ فِي الْمعدة وَيحبس البخارات ويخلص من السهر. وَقد ذكرنَا كَيفَ يَنْبَغِي أَن تكون هيئات المضطجع على الْغذَاء. ونقول الْآن: إِن اسْتِعْمَال الاستلقاء للغذاء كثيرا يوهن الظّهْر ويرخيه وعلاجه اسْتِعْمَال الانتصاب الْكثير. وَالنَّوْم فِي الشَّمْس وَفِي الْقَمَر على الرَّأْس مخوف مِنْهُ مورث لتنخّع الدَّم لما يُحَرك من الأخلاط والخرخرة سَببهَا انطباق فَم القصبة فَلَا يخرج النَّفس إِلَّا بِضَرْب رُطُوبَة. عَلَامَات أَصْنَاف السبات: أما إِذا كَانَ السبات من برد ساذج من خَارج فعلامته أَن يكون بعقب برد شَدِيد يُصِيب الرَّأْس من خَارج أَو لبرد فِي دَاخل الْبدن والدماغ وَلَا يجد فِي الْوَجْه تهيجاً وَلَا فِي الأجفان وَيكون اللَّوْن إِلَى الخضرة والنبض متمدد إِلَى الصلابة مَعَ تفَاوت شَدِيد وَإِن كَانَ السبات من برد شَيْء مشروب من الْأَدْوِيَة المخدرة وَهُوَ الأفيون والبنج وأصل اليبروح وبزر اللفاح وَجوز ماثل وَالْفطر وَاللَّبن المتجبن فِي الْمعدة والكزبرة الرّطبَة وبزر قطونا الْكثير ويستدلّ عَلَيْهِ بالعلامات الَّتِي نذكرها لكل وَاحِد مِنْهَا فِي بَاب السمُوم وَبِأَن يكون السبات مَعَ أَعْرَاض أُخْرَى من اختناق وخضرة أَطْرَاف

стр. 806

وبردها وورم لِسَان وَتغَير رَائِحَة وَيكون النبض سَاقِطا نملياً ضَعِيفا لَيْسَ بمتفاوت بل متواتر تَوَاتر الدودي والنملي. وَإِن كَانَ متفاوتاً لم يكن لَهُ نظام وَلَا ثبات بل يعود من تفَاوت إِلَى تَوَاتر وَمن تَوَاتر إِلَى تفَاوت وَمن النَّاس من قَالَ: إِن سبات الْبرد الساذج أخفّ من سبات الْمَادَّة الرّطبَة وَلَيْسَ ذَلِك بالْقَوْل السديد الصِّحَّة بل رُبمَا كَانَ قَوِيا جدا وَجَمِيع أَصْنَاف السبات الْكَائِن عَن برد الدِّمَاغ فِي جوهره أَو لدواء مشروب فَإِنَّهُ يتبعهُ فَسَاد فِي الذّكر والفكر. وَأما إِن كَانَ السبات من رُطُوبَة ساذجة فعلامته أَن لَا يرى عَلَامَات الدَّم وَلَا ثقل البلغم. وَأما الْكَائِن من البلغم فَيعلم ذَلِك من تقدم امتلاء وتخمة وَكَثْرَة شرب ولين نبض وموجية مَعَ عرض وَيعلم باستغراق السبات وَثقله وَبَيَاض اللَّوْن فِي الْوَجْه وَالْعين وَاللِّسَان وَثقل الرَّأْس وَمن التهتج فِي الأجفان وَبرد اللَّمْس وَالتَّدْبِير الْمُتَقَدّم وَالسّن والبلد وَغير ذَلِك. وَأما الْكَائِن عَن الدَّم فَيعلم ذَلِك من انتفاخ الْأَوْدَاج وَحُمرَة الْعَينَيْنِ والوجنتين وَحُمرَة اللِّسَان وحس الْحَرَارَة فِي الرَّأْس وَمَا أشبه ذَلِك مِمَّا علمت. وَإِن كَانَ الدَّم أَو البلغم مَعَ ذَلِك مجتمعاً اجْتِمَاع الأورام رَأَيْت عَلَامَات قرانيطس أَو ليثرغس أَو السبات السهري. وَإِن كَانَ السَّبَب فِيهِ بخارات تَجْتَمِع وترتفع من الْبدن فِي حمّيات وخاصة عِنْد وجع الرئة والورم فِيهَا الْمُسَمّى ذَات الرئة والبخارات من الْمعدة علمت كلا بعلاماته فَإِنَّهُ إِن كَانَ من الْمعدة تقدّمه سدر ودوار ودوي وطنين وخيالات وَكَانَ يخفّ مَعَ الْجُوع وَيزِيد مَعَ الامتلاء وَإِن كَانَ من نَاحيَة الرئة والصدر تقدّمه الوجع الثقيل أَو الوجع فِي نواحي الصَّدْر وضيق النَّفس والسعال وأعراض ذَات الْجنب وَذَات الرئة. وَكَذَلِكَ إِن كَانَ من الكبد تقدّمه دَلَائِل مرض فِي الكبد وَإِن كَانَ من الرَّحِم تقدمه علل الرَّحِم وامتلاؤها. وَالَّذِي يكون من ضَرْبَة على الهامة أَو على الصدغ فَيعرف بدليله. وَالْفرق بَين السبات وَبَين السكتة أَن المسبوت يُمكن أَن يفهم وينبه وَتَكون حركاته أسلس من إحساسه والمسكوت معطل الحسّ وَالْحَرَكَة. وَجُمْلَة الْفرق بَين المسبوت وَبَين المغشي عَلَيْهِ لضعف الْقلب أَن نبض المسبوت أقوى وأشبه بنبض الأصحاء ونبض المغشي عَلَيْهِ أَضْعَف وأصلب والغشي

стр. 807

يَقع يَسِيرا يَسِيرا مَعَ تغير اللَّوْن إِلَى الصُّفْرَة وَإِلَى مشاكلة لون الْمَوْتَى وتبرد الْأَطْرَاف. وَأما السبات فَلَا يتَغَيَّر فِيهِ لون الْوَجْه إِلَّا إِلَى مَا هُوَ أحسن وَلَا ينحف رقْعَة الْوَجْه وَالْأنف وَلَا يتَغَيَّر عَن سحنة النوام إِلَّا بِأَدْنَى تهيج وانتفاخ. وَالْفرق بَين المسبوت وَبَين المختنقة الرَّحِم أَن المسبوت يُمكن أَن يفهم وَيتَكَلَّم بالتكلف والمختنقة الرَّحِم تفهم بعسر وَلَا تَتَكَلَّم الْبَتَّةَ وَتَكون الْحَرَكَة - خَاصَّة حركت الْعُنُق وَالرَّأْس وَالرجل - أسهل على المسبوت والحس وَفتح الأجفان أسهل على المختنق رَحمهَا وَيكون اختناق الرَّحِم سَببا يَقع دفْعَة وَيَقْضِي سُلْطَانه وينقضي أَو يقتل. والسبات قد يَمْتَد وَيكون الدُّخُول فِي الِاسْتِغْرَاق فِيهِ متدرجاً ويبتدئ بنوم ثقيل إِلَّا أَن يكون سَببه بردا يُصِيب دفْعَة أَو دَوَاء يشرب فَيعلم علاج السبات وَالنَّوْم الثقيل الْكَائِن فِي الحميات: أما السبات الَّذِي هُوَ عرض مرض فِي بعض الْأَعْضَاء فطريق علاجه فصد ذَلِك الْعُضْو بِالتَّدْبِيرِ ليتنقى وَيَزُول مَا بِهِ ويقويه الدِّمَاغ حَتَّى لَا يقبل الْمَادَّة وَذَلِكَ بِمثل دهن الْورْد والخل الْكثير لِئَلَّا ينوم الدّهن إِذا انْفَرد وَحده وبعصارات الْفَوَاكِه المقوية وَبعد ذَلِك النطولات المبردة ثمَّ ينْتَقل إِلَى المحللة إِن كَانَ احْتبسَ فِي الدِّمَاغ شَيْء وَقد عرفت جَمِيع ذَلِك فِي القانون الَّذِي يكون فِي الحميات وَفِي ابْتِدَاء الأدوار فَيجب أَن يُبَادر إِلَى ربط الْأَطْرَاف وتحريك العطاس دَائِما وتشميم الْخلّ وبخاره وتعريق الرَّأْس بدهن الْورْد والخل الْكثير أَو مَاء الحصرم وَالرُّمَّان والقوابض الَّتِي تكون لشرب المخدرات فيعالج بِحَسب ذَلِك المخدر وَسقي ترياقه كَمَا نقُول فِي الْكتاب الْخَامِس. وَأما السبات الْكَائِن من برد يصل من خَارج فعلاجه سقِِي الترياق والمثروديطوس ودواء السّمك وتنطيل الرَّأْس بالمياه الْمَطْبُوخ فِيهَا سذاب وجندبيدستر وعاقر قرحا وتمريخ الرَّأْس بدهن البان ودهن الناردين مَعَ جندبيدستر ودهن الْمسك ودهن الْقسْط مَعَ جندبيدستر وَكَذَلِكَ الضمّاد الْمُتَّخذ من جندبيدستر والعنصل والمسك من جندبيدستر جزءان وَمن العنصل جُزْء وَمن الْمسك قدر قَلِيل ويشمم الْمسك دَائِما وَيسْتَعْمل مَا قيل فِي تسخين مزاج وَأما الْكَائِن لغَلَبَة الدَّم فَيجب أَن يُبَادر إِلَى الفصد من القيفال وحجامة السَّاق أَو فصد الصَّافِن وَيسْتَعْمل الحقنة المعتدلة ويلطف الْغذَاء وَيسْتَعْمل مَاء حمص وَأما الْكَائِن لغَلَبَة الرُّطُوبَة الساذجة الَّتِي لَيست مَعَ مَادَّة فَيجب أَن يعالج بالضمادات المتخذة من جندبيدستر وفقاح الأذخر والقسط وَجوز السرو والأبهل والفربيون والعاقر قرحا ويخفف الْغذَاء ويجتنب الأدهان والنطولات إِلَّا بِالِاحْتِيَاطِ فَإِن الترطيب الَّذِي فِي

стр. 808

الأذهان رُبمَا غلب قُوَّة الْأَدْوِيَة إِلَّا أَن يكون قَوِيا جدا وَيجب أَن يسْتَعْمل تمريخ الرَّأْس وتخميره وتشميم الْمسك وَإِن كَانَت الرُّطُوبَة مَعَ مَادَّة بلغم فَيجب أَن يستفرغ بالحقن القوية أَولا ويحتال لَهُ ليتقيأ وَأكْثر مَا يكون عَن بلغم فِي الْمعدة أَيْضا فَيجب أَن تنقيه بِمَا ينفع البلغم مِمَّا نذكرهُ فِي مَوْضِعه وَيسْتَعْمل النطولات المنضجة القوية والسعوطات والعطوسات والغرغرات وَسَائِر مَا علمت فِي القانون كَمَا مضى لَك. وَمن معالجاته أَنه يسمع صَاحبه وَيرى مَا يغمّه فَإِن الغمّ فِي أَمْثَال هَذِه الْأَمْرَاض الَّتِي يضعف فِيهَا الْفِكر ويجمد فَهُوَ مِمَّا يُحَرك النَّفس وَيَردهُ إِلَى الصّلاح. وَمن الْأَدْوِيَة الْمَشْهُورَة طلي المنخر بالقلقند وَمسح الْوَجْه بالخلّ وَشد الْأَعْضَاء السافلة وَاسْتِعْمَال المعطسات. فصل فِي الْيَقَظَة والسهر أما الْيَقَظَة فحال للحيوان عِنْد انتصاب روحه النفساني إِلَى آلَات الحسّ وَالْحَرَكَة يستعملها وَأما السهر فإفراط فِي الْيَقَظَة وَخُرُوج عَن الْأَمر الطبيعي وَسَببه المزاجي وَهُوَ الْحر واليبس لأجل نارية الرّوح فيتحرّك دَائِما إِلَى خَارج والحرّ أشدّ إِيجَابا للسهر وأقدم إِيجَابا وَقد يكون السهر من بورقية الرُّطُوبَة المكتنة فِي الدِّمَاغ أَو للوجع أَو للفكر الْعَامَّة. وَمن السهر مَا يكون بِسَبَب الضَّوْء واستنارة الْموضع إِذا وَقع مثله للمستعد للسهر وَمن السهر مَا يكون بِسَبَب سوء الهضم وَكَثْرَة الامتلاء وَمن السهر مَا يكون بِسَبَب مَا ينْفخ ويشوش الأخلاط والأحلام ويفزع فِي النّوم مثل الباقلا وَنَحْوه وَمن السهر مَا يكون فِي الحمّيات لتصعّد بخارات يابسة لاذعة إِلَى الدِّمَاغ والوجع الَّذِي يعرض للمشايخ من السهر فَهُوَ لبورقية أخلاطهم وملوحتهما ويبس جَوْهَر دماغهم وَمن السهر مِمَّا يكون بِسَبَب ورم سوداوي أَو سرطان فِي نَاحيَة الدِّمَاغ. وَقد قيل: إِن من اشْتَدَّ بِهِ السهر ثمَّ عرض لَهُ سعال مَاتَ وَقد ذكرنَا فِي بَاب النّوم مَا يجب أَن يتَذَكَّر. العلامات: أما عَلامَة مَا يكن من يبس ساذج بِلَا مَادَّة وَلَا مُقَارنَة حرّ فَهِيَ خفَّة الْحَواس وَالرَّأْس وجفاف الْعين وَاللِّسَان والمنخر وَأَن لَا يحسّ فِي الرَّأْس بَحر وَلَا برد وَأما مَا يكون من حرارة مَعَ يبوسة فعلامته وجود عَلامَة اليبس مَعَ التهاب وحرقة وَرُبمَا كَانَ مَعَ عَطش واحتراق فِي أصل الْعين وَمَا كَانَ من بورقية الأخلاط فعلامته وجود بلة فِي المنخر ورمص فِي الْعين وإحساس ثقل يسير وَسُرْعَة انتباه عَن النّوم ووثوب ويستدلّ عَلَيْهِ بِالتَّدْبِيرِ الْمَاضِي والسنّ. وَمَا كَانَ من استضاءة الْموضع أَو من الْغذَاء فعلامته أَيْضا سَببه وَأما كَانَ من ورم سوداوي فعلاماته العلامات الْمَذْكُورَة مرَارًا وَأما مَا كَانَ من وجع أَو أفكار عَامَّة أَو حمّيات حادّة فعلامته سَببه.

стр. 809

المعالجات: أما مَا كَانَ سَببه اليبس فَيَنْبَغِي أَن يسْتَعْمل صَاحبه الْغذَاء المرطّب والاستحمامات المعتدلة خَاصَّة فَإِن لم ينوّمه الْحمام فَهُوَ غير معتدل الْبدن وَلَا جيّد المزاج وَإِن هُوَ إِلَّا فِي سُلْطَان اليبس أَو فِي سُلْطَان أخلاط رديئه يثيرها الْحمام وَيجب أَن يهجر الْفِكر وَالْجِمَاع والتعب وَيسْتَعْمل السّكُون والراحة وإدامة تعريق الرَّأْس بالأدهان الْمَذْكُورَة وحلب اللَّبن على الرَّأْس والنطولات المرطبة الْمَذْكُورَة واستنشاق الأدهان واستسعاطها وتقطيرها فِي الْأذن وخصوصاً دهن النيلوفر لَا سِيمَا سعوطاً وَذَلِكَ أَسْفَل الْقدَم. وَأما مَا كَانَ من حر مَعَ ذَلِك فتدبيره الزِّيَادَة فِي تَدْبِير هَذِه الْأَدْوِيَة واستعمالها مثل جَرَادَة القرع والبقلة الحمقاء ولعاب بزر قطونا وعصا الرَّاعِي وَحي الْعَالم وَمَا أشبه ذَلِك. وَمن المنوّمات الْغناء اللذيذ الرَّقِيق الَّذِي لَا إزعاج فِيهِ وإيقاعه ثقيل أَو هزج متساو وَلأَجل ذَلِك مَا صَار خرير المَاء وحفيف الشّجر منوماً. وَأما مَا كَانَ من وجع فتدبيره تسكين الوجع وعلاجه بِمَا يخصّ كل وجع فِي بَابه. وَأما مَا كَانَ فِي الحميات فكثيراً مَا يسقى صَاحبه الديافود الساذج فينوم وَيجب أَن يسْتَعْمل صَاحبه غسل الْوَجْه والنطولات وتفريق الصدغ والجبهة بدهن الخشخاش والخس وَأَن تجْعَل فِي أحشائه بزر الخشخاش الْأَبْيَض وَرُبمَا بخر بالمخدرات الَّتِي نسختها فِي الأقراباذين وأقراص الزَّعْفَرَان الْمَذْكُورَة فِي بَاب الصداع الْحَار إِذا ديفت فِي عصارة الخشخاش أَو مَاء ورد طبخ فِيهِ الخشخاش أَو مَاء خس وطلي على الْجَبْهَة كَانَ نَافِعًا. وَمِمَّا جرِّب فِي ذَلِك أَن يُؤْخَذ السليخة والأفيون والزعفران فيداف بدهن الْورْد وَيمْسَح بِهِ الْأنف وَكَذَلِكَ الطلاء المتّخذ من قشور الخشخاش وأعمل اليبروح على الصدغين والاشتمام مِنْهُ أَيْضا. وَمن أَخذ من هَؤُلَاءِ قدر حبّة كرسنّة نَام نوماً معتدلاً وَإِن كَانَ الْخَلْط المتصاعد إِلَيْهِ غليظ أضمدّت الْجَبْهَة بإكليل الْملك مَعَ بابونج وميبختج. وَمِمَّا ينوم أَصْحَاب الحميات وَغَيرهم أَن يرْبط أَطْرَاف الساهر مِنْهُم ربطاً موجعاً وَيُوضَع بَين يَدَيْهِ سراج وَيُؤمر الْحُضُور بالإفاضة فِي الحَدِيث وَالْكَلَام ثمَّ يحل الرِّبَاط بَغْتَة وَيرْفَع السراج وَيُؤمر الْقَوْم بِالسُّكُوتِ بَغْتَة فينام. وَأما الْكَائِن من رُطُوبَة بورقية مالحة فَيجب أَن يجْتَنب تنَاول كل حريف ومالح ويغتذي بالسمك الرضراضي واللحوم اللطيفة شورباجة قَليلَة الْملح ويستفرغ بحب الشبيار ويديم تَفْرِيق الرَّأْس بالأدهان العذبة المفتّرة. وَإِذا عرض هَذَا النَّوْع من السهر فِي سنّ الشيخوخة كَانَ علاجه صعباً وَلَكِن يَنْبَغِي أَن يسْتَعْمل صَاحبه التنطيل بِمَاء طبخ فِيهِ الصعتر والبابونج والأقحوان لَا غير كل لَيْلَة فَإِنَّهُ ينوّم تنويماً حسنا وَكَذَلِكَ ينشق من دهن الأقحوان أَو دهن الإيرسا أَو دهن الزَّعْفَرَان وَرُبمَا اضطررنا إِلَى أَن نسقي صَاحب السهر المفرط الَّذِي يخَاف انحلال قوته قيراطاً وَنَحْوه من الأفيون لينوّمه.

стр. 810

وَمن لَيْسَ سهره بذلك المفرط فَرُبمَا كَفاهُ أَن يتعب ويرتاض ويستحم ثمَّ يشرب قبل الطَّعَام بعض مَا يسدد وَيَأْكُل الطَّعَام فَإِنَّهُ ينَام فِي الْوَقْت نوماً معتدلاً. فصل فِي آفَات الذِّهْن إِن أَصْنَاف الضَّرَر الْوَاقِعَة فِي الْأَفْعَال الدماغية هِيَ لسببين وتتعرف من وُجُوه ثَلَاثَة فَإِنَّهُ إِذا كَانَ الْحق من الْإِنْسَان سليما وَكَانَ يتخيل أشباح الْأَشْيَاء فِي الْيَقَظَة وَالنَّوْم سليما ثمَّ كَانَت الْأَشْيَاء وَالْأَحْوَال الَّتِي رَآهَا فِي يقظته أَو نَومه مِمَّا يُمكن أَن يعبر عَنْهَا وَقد زَالَت عَنهُ وَإِذا سَمعهَا أَو شَاهدهَا لم يبْق عِنْده فَذَاك آفَة فِي الذّكر وَفِي مُؤخر الدِّمَاغ. فَإِن لم يكن فِي هَذَا آفَة وَلَكِن كَانَ يَقُول مَا لَا يَنْبَغِي أَن يُقَال ويستحسن مَا لَا يَنْبَغِي أَن يُستحسَن ويرجو مَا لَا يجب أَن يُرْجَى ويَطلب مَا لَا يجب أَن يُطلب ويصنع مَا لَا يجب أَن يُصنع ويحذر مَا لَا يَنْبَغِي أَن يُحذر وَكَانَ لَا يَسْتَطِيع أَن يروي فِيمَا يروي فِيهِ من الْأَشْيَاء فالآفة فِي الفكرة وَفِي الْجُزْء الْأَوْسَط من الدِّمَاغ. فَإِن كَانَ ذكره وَكَلَامه كَمَا كَانَ وَلم يكن يحدث فِيمَا يَفْعَله ويقوله شَيْئا خلاف السديد وَكَانَ يتخيل لَهُ أَشْيَاء محسوسة ويلتقط الزئبر وَيرى أشخاصاً كَاذِبَة ونيراناً ومياهاً أَو غير ذَلِك كَاذِبَة أَو كَانَ ضَعِيف التخيل لأشباح الْأَشْيَاء فِي النّوم واليقظة فالآفة فِي الخيال وَفِي الْبَطن الْمُقدم من الدِّمَاغ. لِأَن اجْتمع اثْنَان من ذَلِك أَو ثَلَاثَة فالآفة فِي البطنين أَو الثَّلَاثَة وَلِأَن يمرض الْفِكر وَيَقَع فِيهِ تَقْصِير بمشاركة آفَة فِي الذّكر سبقت أَولا اسهل من أَن يمرض الْفِكر فيتبعه مرض الذّكر. وَمَا كَانَ من هَذَا يمِيل إِلَى النُّقْصَان فَهُوَ من الْبرد وَمَا كَانَ يمِيل إِلَى التشوش وَالِاضْطِرَاب فَهُوَ من الْحر. وَزعم بَعضهم أَنه قد يمِيل إِلَى النُّقْصَان لنُقْصَان جَوْهَر الدِّمَاغ وَلَيْسَ هَذَا بِبَعِيد وَجَمِيع ذَلِك فَأَما أَن يكون سَببه بدياً فِي الدِّمَاغ نَفسه وَإِمَّا من عُضْو آخر وَقد يكون من خَارج كَضَرْبَة أَو سقطة. فَأَما المعالجات فَيجب أَن يعول فِيهَا على الْأُصُول الَّتِي ذكرت فِي القانون وتلتقط من أَلْوَاح أمراض أَعْضَاء الرَّأْس. وَفِي الْكتاب الثَّانِي أدوية نافعة من جَمِيع ذَلِك لتستعملها عَلَيْهِ وتتأمل مِنْهَا وَمن الأغذية مَا يَضرهَا فيجتنبها فِيهِ. أما اخْتِلَاط الذِّهْن والهذيان من بَين ذَلِك فالكائن بِسَبَب الدِّمَاغ نَفسه فَهُوَ إِمَّا مرّة سَوْدَاء وَإِمَّا دم حَار ملتهب وَإِمَّا مرّة صفراء وَإِمَّا مرّة حَمْرَاء إِمَّا حرّ ساذج وَإِمَّا بخار حَار وَذَلِكَ مِمَّا تخفّ الْمُؤْنَة فِي مثله وَإِمَّا يبس
следующие страницы →