← Адаб

Адаб · id 10709

الرسائل السياسية

الجاحظ

Полный текст (400 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[مقدمة التحقيق] مقدمة عامة هذه عشر رسائل انتهت الينا من مؤلفات الجاحظ السياسية العديدة. وقد ضاعت سائر الكتب التي عالجت موضوع السياسة ولا يعرف سوى عناوينها الواردة في لائحة كتبه. (انظر «كشاف آثار الجاحظ» الذي نشرناه) . وتدور الرسائل حول ست مسائل أساسية. المسألة الاولى هي مفهوم السياسة واصولها وطريقة اقامة الرئيس. لقد فهم الجاحظ السياسة بمعنى التدبير، تدبير شؤون الناس ومعاشهم. وكثيرا ما يستعمل لفظة السياسة مقترنة بلفظة التدبير. وترجع السياسة الى اصلين هما الترغيب والترهيب. وفي ذلك تتفق السياسة الدنيوية مع السياسة الدينية: فكما رغب الله عباده بالجنة وخوفهم من النار، هكذا ينبغي ان يفعل الحاكم مع الرعية لكسب طاعتهم، عليه ان يرغبهم بما يحبونه، ويوفره لهم، كما عليه ان يحذرهم مما يكرهونه وينفذ ما حذر منه. وهذان الاصلان يقابلان أحد مبادىء المعتزلة الخمسة وهو الوعد والوعيد. وقد اوضح الجاحظ مفهوم السياسية واصولها في رسالة المعاش والمعاد التي وجهها الى احد اولي الأمر، وهو قاضي القضاة محمد بن احمد بن ابي دؤاد الذي يشرف على الولاة والقضاة في الدولة العباسية. وبصدد اقامة الرئيس، رئيس الدولة، جاء الجاحظ بنظرية جديدة تقول

стр. 2

ان العامة لا تصلح لاختيار الامام لجهلها وغلبة الا هواء عليها. وهذه المهمة ملقاة على عاتق الخاصة التي بوسعها معرفة من يستحق الامامة دون سواه. والامام يفرض نفسه على الناس بسيرته واعماله ومواقفه واقواله، بحيث يدفعهم للاقرار بفضله وتقديمه على نحو ما قدم عمرو بن عبيد عند المعتزلة، ومرداس بن ادية عند الخوارج. وقد وردت هذه الآراء مفصلة في رسالة العثمانية ورسالة الحكمين. المسألة الثانية هي الوطنية. وهي تعني تعلق الانسان بالارض التي يعيش عليها، بحيث يفضلها على غيرها من البلدان، ويتعصب لها ويدافع عنها ضد الاعداء او المغتصبين. عالج ابو عثمان هذه المسألة في رسالة الاوطان والبلدان، وعاد الى الحديث عليها في رسالة الترك وعامة جند الخلافة. ويمكن اعتبار الجاحظ رائدا في هذه القضية التي اكتسبت أهمية عظمى في العصر الحديث. والمسألة الثالثة هي الصراع الحزبي الذي شغل ثلاث رسائل: العثمانية، والحكمين، والعباسية. كان يوجد ثلاثة احزاب هامة تصطرع على السلطة هي: الشيعة والعباسية والعثمانية. وقد شرح الجاحظ نظرية الشيعة في الامامة في رسالة استحقاق الامامة التي نشرناها ضمن رسائل الجاحظ الكلامية لأنه يعالجها هناك من منطلق كلامي. وعاد الى معالجة النظرية من منطلق سياسي في رسالة الحكمين ورسالة العثمانية. وشرح نظرية العباسية او حزب بني العباس في رسالة العباسية، كما شرح نظرية العثمانية او حزب ابي بكر وعمر وعثمان واتباعهم في رسالة العثمانية ورسالة العباسية. وهناك فئة من العثمانية سماهم الجاحظ بالسفيانية والغيلانية والمروانية والنابتة ايدوا خلافة معاوية، سرد آراءهم في رسالة الحكمين ورسالة النابتة التي نشرناها ضمن رسائل الجاحظ الكلامية لأنها تنطوي على قضايا تخص علم الكلام. والمسألة الرابعة هي الصراع القبلي التمثل بالمنافسة القديمة التي ترقى الى العصر الجاهلي بين بطنين من بطون قريش على الحكم هما عبد شمس وهاشم.

стр. 3

وقد عرض الجاحظ صورة عن هذا الصراع في رسالة فضل هاشم على عبد شمس. والمسألة الخامسة هي الشعوبية. ويبدو أنها استفحلت في عصر الجاحظ فحاول أن يكبح جماحها فخصص لها رسالة مناقب الترك، ورسالة فخر السودان على البيضان. كما تطرق اليها في كتاب البيان والتبيين. ونجد في هذه الكتب عرضا مفصلا لدعاوى الشعوب الاعجمية في تفوقهم على العرب والاشادة بماضيهم وخصالهم وافعالهم. والمسألة السادسة والاخيرة تعتبر ملحقة بالسياسة لانها تدور حول عمل الموظفين الذين يساعدون الخليفة في ادارة الدولة وهم الحجاب والكتاب. ولا نجد للجاحظ آراء اصيلة حول هذه المسألة. لم نحقق الرسائل السياسية، اذ سبقنا الى أداء هذا العمل العديد من الباحثين (انظر كتابنا كشاف آثار الجاحظ، الذي يتحدث على الطبعات المختلفة واصولها) . ولكننا قمنا بكتابة مقدمات لها تحللها وتلقي الضوء على فكر الجاحظ المتشعب المرامي والانحاء. كما وضعنا عناوين لفقرها تسهل القاء نظرة شاملة عليها وتبرز مطالبها، وشرحنا افكار الجاحظ وعلقنا عليها وربطناها فيما بينها، وغايتنا هي اماطة اللثام عن الجاحظ المتفلسف والمتكلم المتبحر، وهي الناحية التي اهملها الباحثون المحدثون. وقد اعتمدنا في رسائل المعاش والمعاد، والاوطان والبلدان، ومناقب الترك، وفخر السودان على البيضان، والحجاب، وذم اخلاق الكتاب، على طبعة عبد السلام هارون الصادرة في القاهرة عن مكتبة الخانجي سنة ١٩٦٤ و ١٩٧٩ م، في اربعة اجزاء، بعنوان «رسائل الجاحظ» ، وقد اعتمد بدوره على مخطوطة مكتبة داماد ابراهيم بتركيا، رقم ٩٤٩، وعلى مخطوطة المتحف البريطاني رقم ١١٢٩، وعلى مخطوطة المكتبة التيمورية المودعة بدار الكتب المصرية رقم ١٩. وفي رسالة العثمانية اعتمدنا على طبعة عبد السلام هارون الصادرة في

стр. 4

القاهرة عن مطابع دار الكتاب العربي سنة ١٩٥٥ م، وقد عول فيها على مخطوطة كوبريلي بتركيا، رقم ٨١٥. وفي رسالة الحكمين عدنا الى طبعة المستشرق الفرنسي شارل بلا المنشورة في مجلة المشرق، عدد تموز- تشرين الاول، سنة ١٩٥٨. وقد عاد فيها الى مخطوطة ميلان رقم ١٢٩.. اما في رسالة فضل هاشم على عبد شمس ورسالة العباسية فقد اعتمدنا على طبعة حسن السندوبي الصادرة عن المطبعة الرحمانية بمصر سنة ١٩٣٣ م.

стр. 5

١- مقدمة رسالة المعاش والمعاد الرسالة موجهة الى محمد بن احمد بن ابي دؤاد قاضي بغداد بعد والده احمد بين سنتي ٢٣٣ و ٢٣٧ هـ-. ولي وعزل من قبل المتوكل. وقد توثقت صلة الجاحظ بابيه وبه. وقد حاول الجاحظ أن يرشده ويوجهه نظرا لحداثة سنه فكتب اليه عدة رسائل منها رسالة المعاش والمعاد. يستهل الرسالة بمقدمة اضافية يمتدح بها رجاحة عقل القاضي وكرم خلقه ويتزلف اليه قائلا «وخرجت نسيج وحدك أو حديا في عصرك، حكمت وكيل الله عندك- وهو عقلك- على هواك-..» . ويشكره على النعمة: «وكان من تمام شكري لربي ولي كل نعمة، والمبتدىء بكل احسان الشكر لك والقيام بمكافأتك بما امكن من قول او فعل» . ويهديه كتابا في الأدب جامعا لعلم كثير من المعاد والمعاش وعلل الاشياء. ثم يحدد موضوع الكتاب بانه وصف للطبائع التي ركب عليها الخلق واسباب شهواتهم وكيف تستمال قلوبهم، وكيف يصرفون الطبائع المذمومة الى الشيم المحمودة. ويعلن قاعدة عامة ينبغي مراعاتها هي الوحدة بين آداب الدين والدنيا لأن الآداب آلات) تصلح ان تستعمل في الدين كما تصلح ان تستعمل في الدنيا. فما

стр. 6

صح من اصول التدبير في الدين صح في الدنيا وما فسد هنا فسد هناك «وانما الفرق بين الدين والدنيا اختلاف الدارين من الدنيا والآخرة فقط، والحكم ها هنا الحكم هناك، ولولا ذلك ما قامت مملكة ولا ثبتت دولة ولا استقامت سياسة» . والآداب وضعت على اساس الطبائع، واهم الطبائع اثنان هما حب المنافع وكره المضار. ويدخل في حب المنافع حب الراحة والدعة والازدياد والعلو والعز والغلبة وما تستلذ الحواس من المناظر والروائح والطعوم والاصوات والملامس. ويدخل في المكاره اضداد هذه. وإذا ترك الناس وطبائعهم انساقوا مع الهوى وابتعدوا عن الفضائل نظرا للانانية المستولية عليهم، فكان لا بد من وازع او رادع، ومن تربية وتأديب. والتأديب يقوم على اصلين هما الترغيب والترهيب. وهذا الاصلان يصلحان في الدين والدنيا لأنهما اصلا كل تدبير وعليهما مدار كل سياسة كما يقول الجاحظ «فإذا كانوا لم يصلحوا لخالقهم ولم ينقادوا لأمره الا بما وصفت لك من الرغبة (بالجنة) والرهبة (من النار) ، فاعجز الناس رأيا وأخطأهم تدبيرا، واجهلهم بموارد الأمور ومصادرها، من أمل او ظن او رجا ان احدا من الخلق- فوقه او دونه او من نظرائه- يصلح له ضميره، او يصح له بخلاف ما دبرهم الله عليه، فيما بينه وبينهم، فالرغبة والرهبة اصلا كل تدبير وعليهما مدار كل سياسة عظمت او صغرت» . بيد ان الرهبة والرغبة لا تصلحان الا اذا قرنتا بالعدل. فالعدل هو الاصل الثالث للسياسة. وهو يعني الانصاف والمساواة. يضاف الى العدل الوعد والوعيد وهو الاصل الرابع في السياسة. وهذا يعني التنفيذ والاثابة على العمل الصالح والعقوبة على العمل الطالح «ليعمل كل عامل على ثقة مما وعده واعده» وتعلق قلوب العباد بالرغبة والرهبة، ويطرد التدبير وتستقيم السياسة لموافقتهما ما في الفطرة، وأخذهما بمجامع المصلحة» . ولهذا يوصي الجاحظ القاضي بالتزام العدل في معاملة الناس. كما يوصيه بالجود مع

стр. 7

تثمير المال وتجنب الفقر «لأن تثمير المال آلة للمكارم وعون على الدين والدنيا ومتألف للاخوان، ولان من فقد المال قلت الرغبة منه ومن لم يكن بموضع رغبة او رهبة استهان الناس بقدره» . اما في معاملة العدو فينصح ابو عثمان بثلاث خلال: ان يبتدىء عدوه بالحسنى عله يحوله عن عداوته لأن كثرة الاعداء كريهة. وأن يكتم اسراره عنه ولا يطلعه على تدبيره، وان يستعد لمواجهته. وفي معاملة الصديق ينصحه كما نصح ابن المقفع قبله بالاكثار من الاصدقاء لانهم جند معدون له وعون في الشدائد. ثم ان يحافظ عليهم. ويحذره من ثلاث خلال هي الكذب الذي هو جماع كل شر، ثم الغضب لأنه لؤم وسوء مقدرة، ثم الجزع عند المصيبة التي لا ارتجاع لها. كما يحذره من المفاخرة بالانساب لانها تورث العداوة بين الاخوان. ومن العتاب لأنه سبب للقطيعة، ومن المزاح لأن الافراط فيه يذهب بالبهاء. ثم الاعتداد بالنفس لان نشر المحاسن من صاحبها لا يليق به ولا يقبل. ثم حذره من ان يولي اموره الجسيمة امرأ لا يكون صلاحه متعلقا بصلاح الحاكم. وفي النهاية يحث الجاحظ القاضي على استعمال الأدب والنصح في معاملة السلطان العادل، وعلى استعمال الحيلة والرفق في معاملة السلطان الاخرق.

стр. 8

٢- مقدمة الاوطان والبلدان يزعم الجاحظ في مقدمة الكتاب انه وضعه نزولا عند رغبة شخص سأله ان يكتب له كتابا في تفاضل البلدان وقناعة النفس بالاوطان، وأثر ملازمتها في الفشل والنقص، وأثر مبارحتها في التجارب والعقل. ولكن الجاحظ يرى ان تأثير البلدان لا يقتصر على الفقر والغنى والمكاسب واغناء العلم بالتجارب، بل يتعداه الى الاخلاق والآداب واللغات والهيئات والصور لأنه يعتقد ان للبيئة دورا هاما في الانسان بمختلف قواه الجسمية والعاطفية والعقلية، وقد أوضح ذلك في اماكن عديدة من كتبه لأنه كان فيلسوفا طبيعيا. [١] ان حب الاوطان طبيعة فطرها الله في الانسان ليعمر البلدان، فلولاها لما سكن الناس الفيافي والادغال وقلل الجبال والقفار الموحشة والبلدان المجدبة القاحلة، والاصقاع الباردة او الحارة. ولطلبوا جميعا السكن في البلاد المعتدلة المناخ، الخصية التربة.

стр. 9

ولو راموا جميعا «اختيار ما هو ارفع ورفض ما هو اوضع من اسم او كنية وفي تجارة وصناعة، ومن شهوة وهمة، لذهبت المعاملات وبطل التمييز، ولوقع التجاذب والتغالب، ثم التحارب، ولصاروا عرضا للتفاني واكلة للبوار» . فالجاحظ يربط حب الاوطان مهما كانت خصائصها من الرفعة او الضعة ومن الجمال او القبح ومن الصلاح او الطلاح بمبدأ عام يرجع الى حكمة الله في خلقه، هو الطبائع التي فطر عليها الناس. وفي هذا الرأي يعبر عن فلسفة الطبيعة احسن تعبير. وحب الاوطان هو الذي يحفز الناس على الذود عنها والقتال في سبيل استرجاعها اذا اغتصبت. والى ذلك اشارت الآية الكريمة وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا (البقرة: ٢٤٦) . وبما ان حب الاوطان فطرة طبيعية لذا يستوي فيها الانسان والحيوان. ويلاحظ الجاحظ ان صاحب المنزل اذا هجر منزله واختار غيره لم يتبعه فرس ولا بغل ولا حمار ولا ديك ولا دجاجة ولا حمامة ولا هر ولا شاة ولا عصفور. ويخصص الجاحظ قسما كبيرا من الرسالة للحديث عن مكة ولكنه يستطرد من ذكر مكة الى الكلام عن خصال قريش فخصال هاشم وهو يعترف بهذا الاستطراد المخل بالتأليف- والاستطراد سمة من سمات أسلوب الجاحظ في جميع لتبه- ويقول: «ولم يكن قصدنا في اول هذا الكتاب الى ذكر هاشم، وقد كان صدنا الاخبار عن مكة بما قد كتبناه في صدر هذا الكتاب، ولكن خصال مكة بر ذكر خصال قريش، وذكر خصال قريش جر ذكر خصال هاشم» . كما بقول انه عالج هذا الموضوع اي خصال هاشم في كتاب آخر، ذلك الكتاب هو على الارجح «فضل هاشم على عبد شمس» . ان الخصال التي امتازت بها قريش عن سائر العرب هي رغبة جميع القبائل لانتساب اليها في حين لا نجد قرشيا انتسب الى قبيلة من قبائل العرب.

стр. 10

ومن صفات قريش انها اعز العرب واقواها لذلك لا نجد سبية من قريش، ولم تنهزم قريش في المعارك التي خاضتها مثل معركة الفجار وذات كهف. ومن صفات قريش انهم تركوا الغزو وعملوا بالتجارة ومع ذلك لم يعترهم البخل الذي عرف به التجار لأن البخل خلقة في الطباع. وفي هذا القول يطبق الجاحظ فلسفة الطبيعة القائلة بان الاخلاق طباع. من صفات قريش سمو الخلق ورجاجة العقل والحلم والوداعة والبعد عن الجفاء والغلظة، وطيب المأكل. ومن صفاتها ايضا جمعها بين التدين والفروسية على عكس ما نرى في الروم والترك، فان هؤلاء عندما اعتنقوا النصرانية التي تنهي عن القتل والقتال والثأر صارت حالهم الى الجبن والقعود عن القتال. اما قريش فقد ظلوا رغم تشددهم في التدين وعزوفهم عن الغزو واشتغالهم بالتجارة على بسالتهم وفروسيتهم. ويحاول الجاحظ أن يستخرج قانونا يحكم العلاقة بين التدين والبسالة ويطبقه على الخوارج الذين اشتهروا ببسالتهم في القتال فيقول ان سبب ذلك هو عقيدتهم الدينية التي تدعو الى الجهاد وبذل الروح للتخلص من الحاكم الظالم. وهذا ما يفسر لنا استواءهم في النجدة والفروسية رغم اختلاف بلدانهم واعراقهم ولم يتوقف الجاحظ طويلا عند خصال هاشم لانه افاض بها في كتاب فضل هاشم على عبد لمس. وهو يختصر هنا ما اسهب به هناك. ان اهم خصال هاشم «النبوة التي هي جماع خصال الخير واعلاها وافضلها واجلها واسناها» . ومن خصالهم الملك، وملكهم من مغرس النبوة لأن العباسيين استمدوا ملكهم من جدهم العباس، والعباس هو عم النبي، والعم وارث كالأب. ومن خصال هاشم طول سني ملكهم الذي يناهز، عدا حكم علي بن ابي

стр. 11

طالب حتى ايام الجاحظ، مائة وست عشرة سنة. ومن خصال هاشم ان الأذكار فيهم غالب، مع كثرة الولد وقد احصي آل ابي طالب فكانوا نحو الفين وثلاثماية. أما في سائر البلدان عدا خرسان فلا نجد الا مئناثا. ولذا كان عدد الاناث اكثر من عدد الذكور ولهذا السبب احل الله للرجل ان يتزوج اربع حرائر وما ملكت يمينه من الاماء لكي لا تبقى امرأة دون زوج. ومن خصال هاشم الشجاعة ومنازلة الاقران والتقى. فكان علي بن ابي طالب اشجع الناس واكثرهم فتكا بالرؤساء والسادة والقادة. وكان اسبقهم الى الاسلام وازهدهم في الاموال. اما مكة فهي المدينة المقدسة، وفيها بيت الله الحرام الذي يضم الحجر الاسود. وفيها ايضا بئر زمزم الذي يشرب منها البدو والحضر. وبسبب قدسيتها لم يطأها عدو ظالم الا قهره الله. فصاحب الحبشة رام تدنيسها فارسل الله على جيشه جماعات الطير ترميهم بالحجارة. ولذا عاش اهلها احرارا لم يخضعوا لطاغية او غاز ولا يؤدون الاتاوة لأحد. واذا دخلها ملك فلاجل تأدية فريضة الحج او التبرك والتعظيم كما فعل تبع ملك اليمن وبعض ملوك غسان ولخم. ان الجاحظ يكتب صفحة من تاريخ مكة يحاول ان يظهر فيها ان تلك المدينة المحرمة لم تقهر ولم تغلب ولم تدسها اقدام الطغاة منذ القدم. وأن اهلها من قريش أعز الناس وأفضلهم أخلاقا. بعد مكة يتحدث ابو عثمان عن المدينة، فيلاحظ انها تختص بخاصة فريدة هي طيب تربتها وهوائها. فان من يمر بها يشم رائحة زكية تفوح من حيطانها وارضها لا تشبهها رائحة في الدنيا. ولذا صنعوا الخرز والعقود من بلحها واترجها تحملها الصبيان والنساء في اعناقها. ولذا سميت طيبة.

стр. 12

وثمة ميزة اخرى للمدينة هي خلوها من الطاعون والجذام وهذا راجع الى طيب هوائها. والميزة الثالثة التي نقع عليها في المدينة هي شهرتها في الفقه حتى قال عبد الملك بن مروان يمدح روح بن زنباع: «جمع ابو زرعة فقه الحجاز، ودهاء العراق، وطاعة اهل الشام» . والبلد الثالث الذي تكلم عليه ابو عثمان هو مصر التي ورد ذكرها في القرآن.. وكان ملكها القديم يدعى فرعونا. وتشتهر مصر بمنف او قصر فرعون المصنوع من الحجر الصلد. كما تشتهر بمهارة اهلها في السحر. ويشير الجاحظ الى خراجها الضخم الذي يدل على خصبها والبالغ اربعة آلاف دينار. وبعد مصر تحدث ابو عثمان على الكوفة والبصرة في العراق. واورد قول زياد الجامع في صفاتهما: «الكوفة جارية جميلة لا مال لها، فهي تخطب لجمالها، والبصرة عجوز شوهاء ذات مال فهي تخطب لمالها» . والبصرة خير من الكوفة لأنها اوسع ارضا واكثر عددا وادنى الى البحر وانقى هواء واخصب تربة واكثر عمرانا. وماء البصرة عذب صاف عندما يبيت في القلى. والآجر الذي تصنع منه البيوت اصفر، وبين الآجر يوضع الجص الابيض فتبدوا المنازل اقرب الى الفضة بين تضاعيف الذهب. وماء الكوفة أسرع الى الجفاف. ومعظم الكوفة خراب يباب تشبه قرية من القرى يسمع قربها ضباح الثعالب واصوات السباع. ونخيل البصرة اكثف واجمل ولا تجد نخلة في الكوفة الا واعوجت كالمنجل. واسواق الكوفة تدل على فقر اهلها، وهم يكرهون اهل البصرة اكثر مما يكرههم هؤلاء. وأهل البصرة احسن جوارا واقل بذخا واقل فخرا» .

стр. 13

ويتحدث الجاحظ على الأوضاع الاقتصادية في البصرة والكوفة ويقارنها باوضاع الشام ومصر وبغداد وغيرها. فيجد الأموال غزيرة في الشامات والاشياء رخيصة لبعد المنقل وقلة عدد السكان، ولأن ما تنتجه ارضهم يفضل عن حاجتهم اما الاهواز وبغداد والعسكر فكثيرة الدراهم والمبيع لكثرة عدد السكان. واما في البصرة فالاثمان مقبولة ويكلف بناء الدور نصف ما يكلف بناء مثلها في بغداد. ويدخل ميناءها كل يوم نحو الفي سفينة. ويوجز خصائص البصرة بقوله: «ولم نر بلدة قط تكون اسعارها ممكنة مع كثرة الجماجم بها الا البصرة: طعامهم اجود الطعام، وسعرهم أرخص الاسعار، وتمرهم أكثر التمور، وريع دبسهم اكثر، وعلى طول الزمان أصبر، يبقى تمرهم الشهريز عشرين سنة..» . وفي آخر الرسالة شيء عن الحرة في العراق، وهي لا تحظى برضا الجاحظ، إنها بيضاء اللون، وتربتها غبراء مشربة سوادا، وهي باردة الطبقس شتاء، حارة صيفا. ولا يرى فيها دارا تذكر سوى دار عون النصراني العبادي. وللجاحظ رسالة أخرى عنوانها «الحنين الى الاوطان» . وقد شك السندوبي في نسبتها الى الجاحظ بينما اكد عبد السلام هارون تلك النسبة ولم يقطع بروكلمان في الأمر. ويبدو لي انها منحولة لأن موضوعها أي تعلق الانسان بوطنه قد طرقه الجاحظ في كتاب: الأوطان والبلدان، وتناوله في القسم الأول منه. وليس من الحكمة في شيء اعادة معالجته مجددا. وهذه الرسالة اعني الحنين الى الاوطان تخلو من الاصالة الفكرية التي نلفيها في كتاب «الأوطان والبلدان» حيث نجد الجاحظ ينم عن عمق في التفكير وحرص على ربط الظواهر باسبابها. اما في الرسالة فلا شيء سوى جمع اقوال واشعار وأحاديث تتعلق بحب الانسان وطنه. وفي الرسالة نعرة شعوبية، والجاحظ كان خصما عنيدا للشعوبية. وهذه النعرة تبدو من قول منسوب الى اعرابي موجه للجاحظ ظاهر الاضطراب

стр. 14

والتناقض. فهو يقول للجاحظ: «لعن الله ارضا ليس بها عرب» ثم يقول: «ان هذه العريب في جميع الناس كمقدار القرحة في جلد الفرس، فلولا ان الله رق عليهم فجعلهم في حشاة لطمست هذه العجم آثارهم. أترى الاعيار اذا رأت العتاق لا ترى لها فضلا والله ما امر الله نبيه ﷺ بقتلهم، اذ لا يدينون بدين، الا لضنه بهم، ولا ترك قبول الجزية منهم الا تنزيها لهم» . وهو يتهمهم بالضعف: ولولا الفلاة التي تحميهم لقضى عليهم العجم، كما يتهمهم بالكفر. ولو كان الكتاب للجاحظ لرد على هذا الاعرابي. او اعترض على مزاعمه. وتبدو الشعوبية في ناحية أخرى من الرسالة هي تمجيد الفرس واليهود وذكر مآثرهم واخبارهم وحبهم لاوطانهم رغم استيلائهم على بلدان كثيرة غريبة. وثمة دليل آخر على نحل الكتاب هو كلف صاحبه بالالفاظ الغريبة المتكلفة التي يكرهها الجاحظ ويدعو الى الفصاحة في اللفظ، والابتعاد عن الاغراب والوحشية والتكلف البياني، مثل الجناس والطباق. وهذا التكلف يبدو في كلام الاعرابي «اني والله غاوي إعباب، لاصق القلب بالحجاب، مالي عهد بمضاغ الا شلو يربوع وجد معمعة مني، فانسلت، فاخذت منه بنافقائه وقاصعائه ودامائه وراهطائه..» .

стр. 15

٤- مقدمة رسالة الحكمين وتصويب أمير المؤمنين علي بن ابي طالب في حكمه . موضوع الرسالة سياسي، وهو الخلاف الذي نشب بين الامام علي بن ابي طالب ومعاوية بن ابي سفيان حول الخلافة بعد مقتل عثمان بن عفان الخليفة الثالث، والذي بلغ ذروته في معركة صفين وما آلت اليه من التحكيم الفاشل. ويسارع الجاحظ الى التأكيد على انه لا يريد ان يبخس معاوية خصاله من العقل والحلم والدهاء والفهم والجزم والبيان وكتابة الوحي وتولية عمر اياه ارباع الشام وتثبيت عثمان ذلك له وتزكيته في حسن تدبيره الأمور. ولكن هذه الخصال لا تكفي لاستحقاق الامامة. فالامامة لا تستوجب الا بالتقدم في الفضل والسوابق، على ان يكون ذلك الفضل ظاهرا ومشهورا عند الناس، او بالشورى، أو بالميراث، او بالوصية، او باجتماع القرابة وحرمة العترة بالاضافة الى الخصال الكريمة. هذه الوجوه الخمسة لاقامة الامام عددها الجاحظ لانها تمثل آراء اهم الفرق في عصره. فالمعتزلة قالوا بالوجه الأول وقد عرضه الجاحظ في رسالة العثمانية، والعباسيون قالوا بالوجه الثالث وقد بسطه الجاحظ في رسالة العباسية، والشيعة الامامية قالوا بالوجه الرابع، والزيدية قالوا بالوجه الخامس. اما الوجه الثاني او الشورى فقد نادى به اهل السنة والجماعة.

стр. 16

ومعاوية لا ينطبق عليه وجه من هذه الوجوه الخمسة، فهو لم يتقدم في الاسلام وليس من اصحاب السوابق وانما هو رجل من عرض المسلمين ومن الطلقاء، واذا كتب الوحي فقد شاركه فيه وسبقه اليه العديدون امثال ابن ابي سرح وزيد بن ثابت وحنظلة الأسدي وعلي ابن ابي طالب ولم يدع احدهم الامامة بسبب الكتابة. وليس من اهل الشورى ولا الميراث ولم يوص له بها. وقد ادعى معاوية الخلافة زاعما انه اولى الناس بالمطالبة بدم عثمان ومن يطالب بدم الخليفة أحق الناس بالخلافة. وليس هذا سببا كافيا للامامة. وقد اعتمد معاوية على القوة والبطش للوصول الى الخلافة، كما استند الى موقف سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر بن الخطاب. واستغل للوصول الى غايته انتشار جند علي وعدم تماسك جنده؛ ولجأ الى الترغيب بالمال والمناصب ليستميل الناس اليه. واحتال برفع المصاحف على رؤوس الرماح ليخدع جند علي ويشق صفوفهم، واستفاد من دهاء عمرو بن العاص ومواقف ابي موسى الاشعري في التحكيم او انقلابه على علي. ويتوقف الجاحظ عند دور ابي موسى في التحكيم، ويرى كما رأى النظام قبله ان ابا موسى لم يكن غبيا كما يقول الشيعة بل كان عاقلا صحيح التدبير سديد الكيد متفقها في الدين عالما بالقياس والحجج مشهورا بالحلم وكان واليا ناجحا للخلفاء السابقين وقائدا للفتوح. كما يرى أنه خلع عليا في التحكيم لأنه انقلب عليه ومال الى موقف سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت ومحمد بن مسلمة وصهيب بن سنان وأسامة بن زيد من النهي عن القتال وتحريمه، واسر ان تصير الخلافة الى عبد الله بن عمر بن الخطاب. وفضل قحطان على عدنان. واذا كان ابو موسى على هذه الحال فلم اختاره علي ليمثله في التحكيم؟. وهنا يرفض الجاحظ كما رفض النظام استاذه دعوى الشيعة بانه حمل على القبول به حملا لا خيار له فيه نزولا عند رغبة اليمانية المؤيدين لابي موسى، لأن ابا موسى لم يكن له أنصار اقوياء يفرضونه فرضا على الخليفة، ولم يكن علي ضعيف

стр. 17

الرأي ليقبل ان يمثله في التحكيم عدو مرصد. وانما قبل علي بالتحكيم تلافيا للشقاق يدب في صفوف عسكره بسبب رفع المصاحف ويوم نادى منادي معاوية: «اخرجوا الينا قتلة عثمان» ، فابتلي علي «بعقد لا سبيل الى حله وبقفل لا حيلة في فتحه» فلو سلمهم قتلة عثمان لا متنعوا بعشائرهم الذين قالوا «كلنا قتال عثمان» ولتواثب بعض عسكره على بعض، ولا نقضّ عليهم معاوية وفتك بهم. ولو قال كذبوا لم يكن ذلك تدبيرا لأن السواد الأعظم ومنهم اصحاب الحديث والقضاة والنوابت استنكروا قتل عثمان وطالبوا بالاقتصاص من قتلته. وان قال صدقوا خلعه من يرى الوقوف في عثمان وعلي، ومن يرى تبرئة علي ويدعي ان قتل عثمان من طاعات الله وهم أشد أنصاره. فكان قبول التحكيم هو المخرج الوحيد المفتوح امامه. والمسألة الثانية بعد التحكيم التي وقف عندها الجاحظ هي ترك علي للقتال. وقد اتهمه خصومه بانه ترك القتال اما جبنا واما طمعا في توبة معاوية وعمرو واما ندما على ما اراق من دماء. وكل هذا من سوء التدبير والعجز. بيد ان الجاحظ يرد جميع هذه التهم لأن عليا «اشد الناس قلبا واشرا واكثرهم للاقران قتلا» . ولأنه كان يدرك خدعة معاوية وعمرو وقد حذر اتباعه في خطبه منها ودعاهم الى مواصلة القتال. ويرى ان عليا ترك القتال عندما تحقق من تفكك عسكره ومللهم الحرب، وسأمهم مقارعة الشر، وبعدهم عن اوطانهم وعيالهم، بعد ما قال كبراؤهم: «لا نعود حتى نشمر الكراع ونحد السلاح ونجبي المال» . والمسألة الثالثة التي عالجها الجاحظ هي «كتاب القضية» وهو الاتفاق الذي زعم خصوم علي انه تم بين علي ومعاوية على تحكيم عمرو بن العاص وابي موسى الاشعري في ما شجر بينهما. وقد أثبت الجاحظ هذا النص وحلله فوجد انه مدخول وغير صحيح. فالفاظه تخلو من الفصاحة والبلاغة ويشيع فيها اللحن مما يدل على انها من كلام المولدين. والشهود مشكوك في نسبهم ومختلف في

стр. 18

إسمائهم، والسنة التي ارادوا الرجوع اليها لم يردنا ان الحكمين تذاكرا فيها أبدا. والمسألة الرابعة التي توسع فيها الجاحظ هي احتجاجات السفيانية، اتباع معاوية، لحقه بالخلافة. لقد ذهبوا الى ان الخلافة شورى كما ارتأى عمر بن الخطاب عندما اختار ستة رجال وامرهم باختيار الخليفة بعده، منهم. ولم يبق منهم سوى اربعة وكلهم لا يصلحون للخلافة. فسعد بن ابي وقاص لا يستحقها لأنه «جليس لا يرى ان يدفع ضيما ولا يمنع حريما» . وطلحة والزبير لا يصلحان لها لأنهما بايعا عليا ثم نكثا البيعة. واما علي بن ابي طالب فقد سقط حقه فيها لاشتراكه بدم عثمان وحمايته قتلته ولأنه لم يعمل بالشورى ولم تجمع عليه. الناس. ومعاوية برأي اتباعه اولى بالخلافة من بقية الشورى لأنه ابرأهم ساحة من العيوب التي رموا بها ولأنه اولى من انتدب لحسم الخلاف وتسلم مقاليد الملك وتفريج الكرب عن الناس، ولأن عمر ولاه وعثمان زكاه، ولأنه اولى الناس بالمطالبة بدم عثمان الخ ... وقد رد الجاحظ على هذه الحجج بقوله ان معاوية لم يدل بهذه الحجج التي تلهج بها السفيانة. ولو احتج بها معاوية لرواها اصحاب الاخبار والسير امثال الزهري ومحمد بن اسحق وقتادة وغيرهم. ويرى ان هذه الاحتجاجات من عمل المتكلمين المتأخرين. ثم ان حجة السفيانية بان خلافة علي باطلة بسبب عدم توافر الاجماع عليها لا قيمة لها. لأن الاصل في القضية هو توافر الفضيلة، فاذا وجدت فعلى الناس الاجماع على صاحبها، فان اختلفوا فالحق لا يزول وعلى صاحبه الصبر. وقد كان فضل علي ظاهرا، واذا كانوا اختلفوا فيه فقد أصاب الموافق واخطأ المخالف ولم يضم ذلك عليا. وكذلك حجة السفيانية بان خلافة علي باطلة لانها لم تنل بالشورى لأن

стр. 19

عليا لم يجمع بقية الشورى ليختاروه، ساقطة ايضا، لأن تلك الشورى ارتآها عمر وليس علي ملزما بالعمل بها. واما حجة السفيانية بان حق علي بالخلافة قد سقط لاشتراكه بدم عثمان فتجن مطلق، لأن عليا لم يشترك بدم عثمان ولم يحرض على قتله ولم يعن عليه. بقي الاعتراف بحق علي بالخلافة للقدم في الاسلام والفضائل التي انماز بها من زهد وفقه وشجاعة وتضحية في سبيل الدين اضف الى ذلك الرواية والقرابة. واذا كان السفيانية قد ضلوا السبيل في موقعهم من علي ومناصبتهم إياه، فان الشيعة والخوارج قد غفلوا بدورهم عن تدبيره. فالشيعة اخطأوا في تأويلهم لتدبيره في قضية الحكمين وحرب صفين كما مر معنا، والخوارج جهلوا تدبيره ايضا مرتين الاولى عندما دعاهم الى مواصلة القتال إثر رفع المصاحف فاحجموا وقالوا لنحكم كتاب الله بيننا، والثانية عندما دعوه بعد التحكيم الى استئناف القتال فرفض لتشتت جيشه، فكفروه وحاربوه. اما موقف الجاحظ الخاص فقد حدده بقوله انه ينطلق من مبدأ المعتزلة في المنزلة بين المنزلتين، اي التوسط في الاحكام بين الافراط والتفريط، وبين الايمان والكفر في حق مرتكب الكبيرة. فالمعتزلة لا يغلون كالخوارج فيكفرون عليا، ولا يقصرون كالمرجئة فيعلقون الحكم ويتركون الامر لله. وانما يقتصدون ويتوسطون «وهذا الاشتقاق، وهو التوسط والاقتصاد هو الاعتزال لغو من غلا وتقصير من قصر؛ والاصل الذي نبني عليه امورنا فيمن ليس عندنا كعلي وسابقته وأرومته وكامل خصاله بل في ادنى رجل من اوليائنا، انا متى وجدنا له عملا يحتمل الخطأ والصواب لم يكن لنا ان نجعل عمله خطأ حتى يعيينا فيه وجه الصواب، وليس لنا بعد ان قضينا بانه خطأ ان نقضي بانه خطيئة حتى يعيينا القدر بانه سليم من طريق المآثم، فان قضينا بانه اثم فليس لنا ان نقضي بانه ضلال ونحن نجد لصرف الدفع عنه انه ضلال الى الاثم متحملا، وان قضينا بانه ضلال فليس لنا

стр. 20

ان نقضي بانه كفر الا بعد ان نجد من ذلك بدا فيكون الحق احق ما قضي به وصبر عليه. فمن كانت- حفظك الله- هذه سيرته وطريقته في ادنى اوليائه، فكيف تظنه في ارفع اوليائه؟ فهذا ما لا يحل لي ان اظنه بعلي بن ابي طالب، فان كان عندك برهان واضح ودليل بين يكشف لنا عن الحال حتى يتبين به انه كان سببا في اراقة دمه، فعلينا السمع واليقين والاقرار، وعليك البيان والافهام بالدليل والحرص» . لقد اوضح الجاحظ في هذا المقطع طريقة المعتزلة في الحكم على الناس بمن فيهم علي. وهي طريقة تتسم بالاعتدال وتتجنب الغلو والتقصير، وتضع درجات في سلم الأعمال تتوسط بين الكفر والايمان وهذه الدرجات هي الصواب والخطأ والخطيئة والاثم والضلال. ثم تلتزم بعدم اصدار الحكم الا بعد توافر الادلة التي تفضي الى اليقين. وبناء على هذه القاعدة لا يجد الجاحظ دليلا كافيا يتبين منه ان عليا كان سببا في اراقة دم عثمان، فيصدر عليه حكما بالكفر. اما معاوية فلا يستحق الامامة لعدم توافر اسبابها فيه، وقد اغتصبها بالقوة والخديعة ومختلف الوسائل التي توافق الكتاب والسنة وتخالفهما على عكس علي الذي كان يلتزم الكتاب والسنة ولا يلجأ الى المكائد. واذا كان الجاحظ لم يجهر بالكفار معاوية في رسالة الحكمين فانه كفره صراحة في رسالة النابتة. لقد فسق وضل لاغتصابه الخلافة وكفر حين جحد حكم الرسول في ولد الفراش وادعى ان زياد بن سمية أخوه (انظر رسالة النابتة، ضمن رسائل الجاحظ الكلامية، التي نشرناها) . والجاحظ يؤكد انه يلزم الحياد بين العلويين والعثمانيين وانه ليس ممن «يميل في شق عن شق، ويتعصب لبعض على بعض، ومن يبخس حق الدون، فكأنك به قد تبخس حق من فوقه حتى تصير الى أئمته المهتدين وخلفائه الراشدين، لست عمريا دون ان اكون علويا، ولا علويا دون ان اكون عثمانيا، اللهم الا بما اخص به العترة بسبب القرابة، واما في غير ذلك فليس

стр. 21

شأني الا محبة الجميع والتوفير على الكل ودفع الظلامة عن الكبير والضعيف على فدر ما شاهدنا عليه من الحالات..» . وهو يعلن ان كتابه هذا ليس من كتب اصحاب الاهواء او المتكسبين او المتقربين، او من كتب المنافقين والمموهين للباطل. وان غايته هي تبيان الحق والدعوة اليه.

стр. 22

٥ و ٦- مقدمة رسالة فضل هاشم على عبد شمس ورسالة العباسية في هاتين الرسالتين يصور الجاحظ الصراع المستحكم بين فخذين من افخاذ قريش على الخلافة. هذان الفخذان هما بنو هاشم وبنو عبد شمس. ويبدو الخلاف بينهما واضحا منذ العصر الجاهلي في تنافسهما على مقاليد السلطة في مكة الممثلة باللواء والندوة والسقاية والرفادة وزمزم والحجابة.. وحسم هذا الخلاف لصالح بني هاشم عندما ظهر النبي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشي يحمل رسالة الاسلام ويبشر بها وينشرها. وبانتصاره على المشركين الذين كان يتزعمهم ابو سفيان بن حرب بن امية بن عبد شمس القرشي. والذي توج بفتح مكة وتسلم النبي محمد مفتاحها. بيد أن الامويين سكتوا على مضض حتى اذا خلف عثمان بن عفان قبضوا على مقاليد السلطة وتوزعوها فيما بينهم لأن عثمان ولى اقرباءه الامويين على الامصار واعتمد عليهم في الحكم. وعندما قتل عثمان على ايدي الثوار وبويع علي أعلن معاوية بن أبي سفيان الأموي العصيان وتمرد على سلطة الخليفة الهاشمي، وبعد حروب طويلة استتب الأمر لمعاوية على اثر مصرع علي على يد عبد الرحمن بن ملجم الخارجي. ولم ييأس بنو هاشم وراحوا يبثون دعوتهم سرا سحابة حكم بني أمية الذي دام زهاء قرن من الزمان

стр. 23

واستطاعوا اخيرا ان يعلنوا الثورة على الامويين ويقوضوا احكمهم سنة ٧٥٠ م ويبطشوا ببني امية بطشا شديدا. وقد انقسم الهاشميون فرعين: ابناء علي بن أبي طالب، وابناء العباس عم النبي وكل منهما كان يدعو لنفسه ويدعي انه احق بالخلافة من الآخر. وقد اطلق على ابناء علي اسم العلويين وسمى انصارهم بالشيعة. واطلق على ابناء العباس اسم العباسيين. وقد استطاع العباسيون الاستئثار بالسلطة دون العلويين وتأسيس دولتهم الشامخة القوية التي عاشت نحو خمسة قرون من الزمان وانتهت على يد المغول سنة ١٢٥٦ م. وإبان الحكم العباسي لم يكف انصار الامويين عن النضال في سبيل السلطة والقضاء على الدولة العباسية. وكان هذا النضال يتخذ شكل الدعاية الفكرية السرية، او شكل الثورات العلنية الدموية. ويبدو من رسائل الجاحظ أن انصار الأمويين نشطوا في القرن التاسع الذي عاش فيه الجاحظ فكان يطلق عليهم اسم النابتة او العثمانية او العمرية او البكرية. فبادر العباسيون للرد عليهم ونقض حججهم، ولا سيما المأمون والمعتصم وتطوع الجاحظ للاضطلاع بمهمة الرد. فكتب عدة رسائل حول هذا الموضوع، منها رسالة النابتة، ومنها رسالة العباسية، ومنها رسالة فضل هاشم على عبد الشمس. وقد فعل ذلك تقربا من العباسيين اصحاب السلطان. وقد تكلمنا على رسالة النابتة في مقدمة رسائل الجاحظ الكلامية وقلنا ان الثابتة ينتصرون لبني امية ويحنون الى دولتهم، ويزينون أعمالهم ويدعون لهم. فرد عليهم الجاحظ مبينا سيئاتهم وتهافت حجج انصارهم النابتة. اما رسالة العباسية فقد وضعها الجاحظ ليبين ان العباسيين احق بالخلافة من سواهم. وبما أنهم أسندوا هذا الحق الى الوراثة، لذا يركز الجاحظ على هذا المبدأ ليوضح صحته. لقد اعتبر العباسيون الخلافة ارثا تحدر اليهم عن النبي، وهم احق بذلك الأرث من ابناء فاطمة بنت النبي لأن البنات لا يرثن الآباء، بينما الاعمام واولاد الاعمام يرثون.

стр. 24

وقد أنكر العثمانية او البكرية مبدأ الارث في الخلافة وقالوا إنها شورى، وان النبي لا يورث. واعتمدوا على موقف ابي بكر من فاطمة عندما منعها الأرث إثر موت والدها وقال لها عندما الحت بالطلب واحتجت وتظلمت إنه سمع رسول الله يقول «انا معاشر الانبياء لا نورث ما تركناه، فهو صدقة» . وهم يرون موقف أبي بكر من الأرث صحيحا والدليل على صحته ان الصحابة لم يستنكروه. فتجيب العباسية انه اذا كان ترك النكير دليلا على صدق دعوى ابي بكر وعمر، فان ترك النكير على المتظلمين والمحتجين والمطالبين دليل على صحة دعواهم او استحسانها. وقد طالبت فاطمة ابابكر بميراث والدها فمنعها إياه، فاحتجت والحت وشكت ووجدت ودعت على أبي بكر فلم يردعها احد من الصحابة ولم يصرفها عن الخطأ اذا كانت على خطأ. وثمة دليل آخر على ان ترك النكير ليس حجة على صدق الدعوى، موقف عمر من المتعة وحصر الخلافة في قريش. لقد قال عمر من على المنبر: متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ ، متعة النساء ومتعة الحج، انا انهى عنهما، واعاقب عليهما. فلم ينكر عليه أحد قوله ولا خطأه. وقال يوم السقيفة ان الخلافة في قريش لأن النبي قال: «الأئمة في قريش» . ولكنه خالف هذا المبدأ عندما قال شاكيا من الستة الذين حصر فيهم الشورى بعده «لو كان سالم حيا ما تخالجني فيه شك» وسالم ليس قريشا، بل هو عبد لامرأة من الانصار. ومع ذلك لم ينكر عليه أحد موقفه او دعواه. وثمة دليل على صدق دعوى ابي بكر بمنع الأرث عن فاطمة أورده البكرية خصوم العباسيين هو احجام الصحابة عن خلعه والثورة عليه. ولو كان على خطأ لفعلوا به كما فعلوا بعثمان عندما وثبوا عليه وقتلوه. هذا الدليل باطل بنظر العباسين لأن ابا بكر عندما منع الارث عن فاطمة لم يجحد التنزيل ولكنه ادعى حديثا نسبه الى النبي ليس محالا في العقل ولم يثر به الناس لأنهم صدقوه في حديثه لحسن ظنهم به. وقد ثاروا على عثمان ولم يثوروا

стр. 25

على ابي بكر لأن العامة والسفلة لم تهب عثمان كما هابت ابا بكر وعمر، ولم يستأثر ابو بكر وعمر بالفيء كما استأثر عثمان. هذه حفنة من الآراء التي أدلى بها كل من العباسية والبكرية أو العثمانية حول أحقية الخلافة. ولم يصلنا من رسالة العباسية سوى بضع صفحات، ولكنها كافية لا عطائنا فكرة عن الرسالة كلها. إنها تدور حول موضوع واحد هو حق العباسيين في الخلافة دون سواهم، وان سياقها واحد هو الجدل وقرع الحجة بالحجة بين خصمين هما العباسيون من جهة وخصومهم العثمانية من جهة ثانية. اما رسالة فضل هاشم على عبد شمس فمناظرة بين الهاشميين والامويين، كل منهم يفتخر بالرجال الذين انجبهم ويعد مآثرهم. فهاشم هو الجد المشترك للعلويين والعباسيين. وكان اسمه عمرا وهاشم لقب كريم لقب به لأنه كان يهشم الثريد لقومه في السنين العجاف. وابنه عبد المطلب سيد الوادي واجمل الناس واجودهم، وصاحب الفيل وزمزم وساقي الحجيج، وقد ظهرت على يديه كرامات ككرامات الانبياء. فقد دعا الله ان ينصره على الاحباش الذين غزوا مكة فارسل الله عليهم طيرا ابابيل ترميهم بحجارة من سجيل واستجاب الله لدعائه. وانجبت هاشم محمدا لنبي المصطفى. والنبوة اعظم هبة واقدسها. ولا يضارعها شيء. كما انجبت عبد الله بن عباس وعليا ابن ابي طالب، والمنصور والرشيد والمأمون والمعتصم وغيرهم من الخلفاء العظام. واذا افتخر بنو أمية بانه خرج منهم ملوك كبار امثال معاوية ومروان بن الحكم وعبد الملك بن مروان ويزيد بن عبد الملك والوليد بن يزيد بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز. اجاب بنو هاشم بأن سني ملكهم اطول لأن دولة امية لم تعمر سوى اربع وتسعين سنة. وان اساس ملكهم امتن لأنهم بنوه على الميراث وحق العصبة والعمومة، وبناه الامويون على النسب القرشي.

стр. 26

ويلخص الجاحظ أسباب الخلافة التي نادى بها طلابها في عصره: فالعلويون جعلوا الوصية والقرابة والسابقة سببا في الخلافة، والعباسيون جعلوا الوراثة سببا في الخلافة، والخوارج جعلوا السوابق والاعمال والجهاد سببا في الخلافة. وفي جميع هذه الاحوال ليس للامويين فيها نصيب اذ ليس لهم قدم مذكور ولا يوم مشهور. اضف الى ذلك أن ملوك بني امية اتوا من الشرور والآثام والظلم الشيء الكثير. لقد حاربوا عليا وسموا الحسن وقتلوا الحسين وحملوا النساء على الجمال حواسر وكشفوا عن عورة علي بن الحسين وضربوا علي بن عبد الله بن عباس بالسياط الخ. وهدموا الكعبة وحولوها وغيروا اوفات الصلاة. وبسبب ما ارتكب بنو امية من مخاز وفجور دالت دولتهم بسرعة وانتزع العباسيون الملك من أيديهم بالبطش والحيلة. اما المفاخر التي يعتز بها بنو هاشم فهي كثيرة العدد فان عدد اولاد علي بن عبد الله بن العباس يناهز عدد جميع ابناء امية وكذلك عدد ابناء الحسين بن علي إبن ابي طالب. ويفخر بنو هاشم ايضا بالرأي السديد والعلم والفقه والتأويل والخطابة وقد نبغ منهم في ذلك كثيرون امثال عبد الله بن عباس وعلي بن ابي طالب. ويفخرون بالفروسية والشجاعة وقد اطلعوا امثال حمزة بن عبد المطلب وعلي بن ابي طالب. ويفخرون بالكرم والسماح وقد اشتهر منهم فيهما امثال عبد الله بن جعفر ابن ابي طالب، وعبيد الله بن العباس بن عبد المطلب. ولم يكتف الجاحظ بايراد مفاخر الهاشميين بل اورد ايضا مفاخر الامويين المقابلة؛ لقد افتخر هؤلاء بانهم انجبوا نوادر الرجال في العقل والدهاء امثال

стр. 27

معاوية بن ابي سفيان وزياد ابن ابيه. وعبد الملك بن مروان. وفخر الامويون برجال أجواد كانوا مضرب المثل امثال سعيد ابن العاص وعبد الله بن عامر. وفخر الامويون بالفتوح التي تمت في دولتهم والحروب التي خاضوها في ارمينية وافريقيا والسند والهند. كما افتخروا بنبوغهم في الشعر واهتمامهم بالعلوم. فكان يزيد بن معاوية شاعرا، والوليد بن يزيد شاعرا، ومروان بن الحكم وعبد الرحمن بن الحكم شاعرين. اما خالد بن يزيد بن معاوية فكان حكيما وهو اول من أجاز التراجمة والفلاسفة ليترجموا له الطب والكيمياء والآلات. وفاخر الامويون بخطبائهم أمثال معاوية بن ابي سفيان وعبد الملك بن مروان وزياد ابن ابيه وسليمان بن عبد الملك والوليد بن يزيد بن عبد الملك بن معاوية، وعمر بن عبد الغزير. وافتخر الامويون بالملك ولا سيما بمعاوية الذي حكم اربعين سنة منها عشرون واليا وعشرون خليفة. وعبد الملك بن مروان الذي انجب اربعة خلفاء هم الوليد وسليمان ويزيد وهشام. وفاخر الامويون بالحسن الذي عرف به عبد الله بن عمرو بن عثمان الذي لقب بالمطرف لجماله. والمؤمل بن العباس بن الوليد بن عبد الملك. لم يقتصر الهاشميون على تعداد مفاخرهم بل عمدوا الى تسفيه مفاخر خصومهم الامويين. فالدهاء الذي عرف به بنو أمية هو من اسماء فجار العقلاء. والذين عدوهم من الدهاة ابعد الناس عن التقى. ولم تكن حيل معاوية لتخفى على علي بن ابي طالب «ولكن الرجل الذي يحارب ولا يستعمل الا ما يحل له اقل مذاهب في وجوه الحيل والتدبير من الرجل الذي يستعمل ما يحل وما لا يحل» .

стр. 28

واذا ذكر الامويون في الجود سعيد بن العاص وعبد الله بن عامر فاين جودهما من جود عبد الله بن جعفر وعبيد الله بن العباس والحسن بن علي وجود خلفاء بني العباس كالمهدي والرشيد والمأمون. وفي الخطابة لم ينبغ أحد من اولاد امية بن عبد شمس ولا يضارع أحد فيها علي بن ابي طالب وعبد الله بن العباس. وفي الورع لا أحد يضاهي علي بن ابي طالب في زهده ودينه. وفي النسك ليس من شبيه لزين العابدين علي بن الحسين. وفي الفقه والتفسير والتأويل ليس لاحد فيه أن ينافس علي بن ابي طالب وعبد الله بن عباس وجعفر الصادق. وفي الشجاعة ليس من ند لعلي بن ابي طالب وحمزة ابن عبد المطلب، والحسين بن علي وزيد بن علي بن الحسين بن ابي طالب والمعتصم وعبد الله بن علي عم المنصور. وفي الحسن لم يكن أحد أجمل من العباس بن عبد المطلب من بسطة جسمه وتمام قوامه. واذا فاخرت أمية بعاتكة بنت يزيد بن معاوية، فاخرت هاشم بفاطمة بنت رسول الله سيدة نساء العالمين وبامها خديجة. ويبدو ان الأمويين ارادوا إظهار الاعتدال فدعوا الى التسوية وقالوا ليس من احد افضل من الآخر، ونحن لا ننكر فضل هاشم في الاسلام، ولا فرق بيننا في الجاهلية فنحن وهاشم ابناء اب واحد وام واحدة.. ان عبد مناف هو جدنا المشترك، ولم يفرق الرسول بين هاشم وعبد شمس. ولكن هاشم أبت التسوية وقالت ان أمية ليسوا اكفاءنا من كل وجه وان جمعنا جد واحد. وقد ميز الرسول بين هاشم عشيرته وسائر العشائر وقال الله في ذلك وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ.

стр. 29

٧- مقدمة مناقب الترك وعامة جند الخلافة وضع الجاحظ قسما من هذا الكتاب في خلافة المعتصم ووضع القسم الثاني في خلافة المتوكل. والقسم الاول وجهه الى المعتصم فلم يصل اليه لاسباب لم يفصح عنها الجاحظ. اما القسم الثاني فوجهه الى وزير المتوكل الفتح بن خاقان التركي الاصل والذي عرف بادبه وشاعريته، وذكرت له بعض الكتب مثل كتاب اخلاق الملوك، وكتاب الروضة والزهر وكتاب الصيد والجارح. وقد قتل مع المتوكل سنة ٢٤٧ هـ. ويصفه الجاحظ في مقدمة الرسالة بحسن اطاعته الخليفة، والدراية بالتدبير، والحرص من الوقوع في الهفوات التي يعاب بها. والغرض الذي رمى اليه الجاحظ من الكتاب هو الألفة بين قلوب ابناء الشعوب التي تشكل الدولة العباسية. كانت تلك الدولة المترامية الاطراف تضم عدة شعوب مختلفة الاصل واللغة والاخلاق ولم يستطع الاسلام الذي اجتمعت عليه أن يصهرها صهرا كاملا في بوتقته، فظل كل شعب منها متعلقا بتراثه وماضيه ولغته وطباعه، ونشأت الخصومات بينهم على الصعيدين الفكري والعسكري. واهم تلك الشعوب التي كونت الدولة العباسية العرب والفرس والاتراك والسودان اضف الى ذلك شعبين مولدين هما الموالي والأبناء. وكل من تلك

стр. 30

الشعوب يعتز بخصائصه ويتمسك بها ويدل فيها على الشعوب الأخرى. وقد تمثل ذلك في الجيش الذي كان يضم الخراساني والتركي والمولى والعربي والبنوي. ويمكن ان نقسم الكتاب قسمين: قسما يتناول مفاخر كل شعب من هذه الشعوب، وقسما يحدد السياسة التي ينبغي أن تتبع للتقريب بينهم وتوحيد كلمتهم. وفي القسم الاول نجد الخراسانيين يفخرون بانهم اصحاب الدعوة العباسية لأنها انطلقت من خراسان وقضت على دولة الامويين. فهم شيعة العباسيين وجنودهم وحملة راياتهم السوداء. كما يفخرون بعظم اجسامهم وطول سواعدهم وكثرة نسلهم وعددهم. ويعتزون بشجاعتهم وبلائهم في الحروب وانتصاراتهم وقدرتهم على قلب الدول. ولا ينسون براعتهم في الصناعات والعلوم والحكمة والأدب والحساب والهندسة والموسيقى والفقه والرواية. اما العرب فيفخرون بانهم اهل الدولة واقدم الشعوب اسلاما. وهم اقدر الناس على نظم الشعر الموزون المقفى الذي لا يفنى ويخلد المآثر والاخبار، واحفظهم للانساب، واخطبهم على منبر بلسان امضى من السنان وارهف من السيف. ويفتخرون ايضا بانهم قواد الدعوة العباسية لأنهم قدموا النقباء «وهل اكثر النقباء الا من صميم العرب ومن صليبة هذا النسب» ولم يقض على عمال الامويين وخليفتهم الأخير مروان بن محمد الا عرب الدعوة. ولم يفتح الهند الا موسى بن كعب، ولم يفتح افريقية الا محمد بن الاشعث وكلهم عرب أقحاح. وبذا تسقط دعوى الفرس بانهم أصحاب الدعوة. فاذا استمعنا الى الموالي نراهم يمتدحون انفسهم بالنصيحة والاخلاص في الخدمة وعدم افشاء السر والطاعة. وبانهم اطلعوا العديد من النقباء امثال ابي منصور مولى خزاعة. ولا يعابون من جهة النسب لأن الولاء لحمة كلحمة

стр. 31

النسب وبذا جمعوا بين النسب العربي والاصل الاعجمي. اما الأبناء فيقولون أن أصلهم خراسان وفرعهم بغداد. وخراسان هي منبع الدعوة وبغداد مستقر الخلافة. ولذا فهم اعرق من الموالي والعرب. وهم قوام السلطة القائمة في بغداد وقد اجتمع لهم الاقدام في الحروب والاحتجاج والعقل والصبر على الزمان. ويبدو من كلام الجاحظ ان الابناء كانوا يسيطرون على بغداد وكان الخليفة يعتمد عليهم في فرض سلطته ونسمعه يقول «ولنا بغداد باسرها، تسكن ما سكنا، وتتحرك ما تحركنا، والدنيا كلها معلقة بها ... ونحن بعد تربية الخلفاء وجيران الوزراء، ولدنا في افنية ملوكنا، ونحن اجنحة خلفائنا..» . والابناء مولدون من آباء فرس وامهات عربيات. وننتهي اخيرا الى الاتراك الذين ذكر خصالهم في القسم الأخير من الكتاب واطال الحديث عنهم. والصفة الرئيسة التي يفتخرون بها هي البسالة في الحروب والبلاء في المعارك وهم يتفوقون بها على الخوارج الاعراب وعلى جميع الأمم. واذا عرف الخارجي بصدق الشدة عند الهجوم، والصبر على السير، وادراك ما يطلب، وقلة الامتعة فان التركي احمد شدة، واسرع حركة، واصعب مراما. واذا كان الخوارج يقاتلون عن عقيدة دينية فان الاتراك لا يقاتلون على دين او تأويل او ملك او خراج او عصبية او وطن. بل يقاتلون على السلب. ويعرف التركي بحب وطنه والحنين اليه. وهذا طبع في جميع الناس ولكنه في الترك اغلب. وبعد عرض مفاخر الشعوب المختلفة يبدي الجاحظ رأيه الشخصي. إن سبب اختلاف الأمم في الخصال عائد الى طباع خصهم الله بها دون غيرهم. وهذا ما يفسر لنا حذق اهل الصين في الصناعة، واليونانيين في الحكمة والعلم، والعرب في الأدب، والفرس بالملك، والاتراك في الحروب. فاليونانيون لم يكونوا تجارا ولا صناعا ولا فلاحين، فصرفوا همهم الى التفكير والتأمل فتوصلوا الى الطب والحساب والهندسة والموسيقى وآلات الحرب والساعات الخ كما انتجوا

стр. 32

الحكمة والعلم. اما سكان الصين فقد مهروا بالسبك والصياغة والأصباغ العجيبة. وكذلك العرب لم يكونوا تجارا ولا صناعا ولا اطباء ولا حسابا ولا اصحاب فلاحة وزرع لخوفهم من صغار الجزية، وانما اتجهوا نحو قرض الشعر وبلاغة القول، كما اهتموا بقيافة الأثر وحفظ النسب والبصر بالخيل فبلغوا شأوا عظيما. والترك مثل العرب سكان فياف وقفار لذا دعوا باعراب العجم فلم يهتموا بصناعة او تجارة او هندسة او بنيان او زراعة، وصرفوا همهم الى ركوب الخيل ومقارعة الاعداء وطلب الغنائم فاشتهروا بالفروسية والحرب. ان لكل امة حظا من الكمال ومقدارا من النقص، ولا تخلو أمة من النقص فتبلغ الكمال كله، «وانما يتفاضل الناس بكثرة المحاسن وقلة المساوىء» . ثم ان السياسة تقضي بالامتناع عن التفاخر والتنابذ لأن الاسراف فيها يؤدي الى التناحر والتباغض بين جند الخلافة وبين ابناء مختلف الشعوب التي تتكون منها الخلافة. ويرى الجاحظ أن الناس- وان تباينت اعراقهم وصورهم- متفقون في حقيقتهم. فالمولى الاعجمي يصبح عربيا بالولاء وليس هذا بعجيب لأنهم جعلوا الخال والدا «والحليف من الصميم» . كما جعلوا «ابن الاخت من القوم» واسماعيل الاعجمي الوالدين عربيا. ثم ان الجميع من خلق الله، فله «ان يجعل من عباده من شاء عربيا ومن شاء عجميا ومن شاء قرشيا ومن شاء زنجيا، كما له ان يجعل من شاء ذكرا ومن شاء انثى ومن شاء خنثى. وقد قسم الله الطبائع والخصال والصفات والقدرات بين الناس كما قسم طينة الأرض فجعل بعضها حجرا وبعضها ياقوتا وبعضها ذهبا وبعضها نحاسا الخ..

стр. 33

وينتهي الجاحظ الى التسوية والتوحيد بين الخراساني والبنوي والمولى والعربي قائلا: «واذا كان الأمر على ما وصفنا فالبنوي خراساني، واذا كان الخراساني مولى، والمولى عربي، فقد صار الخراساني والبنوي والمولى والعربي واحدا» . وعلى هذا الاساس تصبح اسباب القربى والوفاق بين هذه الشعوب اكثر من اسباب الخلاف. «بل هم في معظم الأمر وفي كبر الشأن وعمود النسب متفقون. والأتراك خراسانية، وموالي الخلفاء قصرة، فقد صار التركي الى الجميع راجعا، وصار شرفه الى شرفهم زائدا» . ويترتب على ذلك انتفاء الخلاف، وغلبة التسامح، وازالة الأضغان.

стр. 34

٨- مقدمة فخر السودان على البيضان هذا الكتاب يشبه كتاب مناقب الترك وعامة جند الخلافة في الموضوع والنوع. فهو يعدد مفاخر العرق الاسود كما عدد كتاب مناقب الترك وعامة جند الخلافة مفاخر البيضان من خراسانيين وعرب واتراك وابناء وموال. وهو ينطوي مع كتاب مناقب الترك في الغاية التي يرمي اليها الجاحظ وهي التسوية بين العرب وسائر الشعوب التي تشتمل عليها الدولة العباسية والتقريب بينها واستئصال الاحقاد من قلوب ابنائها، لتستطيع العيش بوئام وسلام. وهذه هي القاعدة التي تقوم عليها سياسة بني العباس والتي يؤيدها الجاحظ. غير ان رسالة فخر السودان على البيضان كرسالة الترك تصور لنا الحركة الشعوبية تصويرا واضحا. ان هذه الشعوب تحاول ان تثبت وجودها وتمايزها وفضائلها ومآثرها وتفوقها على العرب. ويوجه الجاحظ الكلام في مقدمة الرسالة الى شخص لم يذكر اسمه سأله ان يكتب كتابا في مفاخر السودان فيلبي الجاحظ طلبه ويؤلف هذه الرسالة التي يبدي فيها عطفا ظاهرا على السودان لأنه كان اسود اللون يمت اليهم بصلة القرابة. وهو يعدد اولا الرجال العظام الذين انجبهم السودان، منهم لقمان الحكيم، وسعيد بن جبير المحدث الذي عاش في العصر الاموي وقتله الحجاج

стр. 35

في السنة التي مات بها. ومنهم بلال الحبشي مؤذن الرسول، ومنهم المقداد الذي عاش في عصر الرسول، ووحشي الذي قتل مسيلمة الكذاب. ومنهم مكحول الفقيه المتوفي سنة ١١٢ هـ. ومنهم الحيقطان الشاعر والخطيب الذي عاش في العصر الاموي. ومنهم جليبيب الفارس الذي عاش في عصر الرسول، ومنهم عكيم الحبشي الشاعر. ويذكر اسماء السودان الذين اشتهروا بالفروسية امثال خفاف بن ندبة، وعباس بن مرداس، وعنترة بن شداد، وسيلك بن السلكة، وعمير بن الحباب والحجاف بن حكيم وعامر بن فهيرة، والفداف ومريح الاشرم والمغلول وافلح الخ. ثم يذكر ثانيا خصال السودان واهمها السخاء الذي يغلب عليهم ولا تنافسهم فيها أمة أخرى. ومن خصالهم الرقص الموقع الموزون، فهم اطبع الناس على الايقاع والضرب بالطبل. ومن خصالهم خفة لغتهم وذرابة السنتهم وخلوهم من الفأفأة والعي. وهم اخطب الشعوب، يقف الخطيب طوال النهار يتكلم دون تعب. ومن خصال السودان قوة الابدان حتى ليستطيع الواحد منهم رفع الاثقال التي يعجز عنها جماعة الاعراب. ومن خصالهم دماثة الخلق وطيب النفس وحسن الظن والنأي عن الأذى. واجادة الطبخ، والامانة في الاعمال المصرفية. وقد اعترض قوم على سخائهم فقالوا انه نتيجة ضعف عقولهم. فرد السودان قائلين لو كان الأمر كذلك لكان الصبيان والنساء اكرم من الرجال لانهم اضعف منهم عقولا. والعكس هو الصحيح. ويرى الزنج وهم عرق من السودان انهم كانوا اكفاء العرب في الجاهلية

стр. 36

ولذا اكثروا من التزوج منهم، وفي الاسلام انكر العرب فضل السودان عليهم على الرغم من ضرب الامثال بملوك السودان وتقدمهم على ملوك العرب امثال ابرهة وابي يكسوم. ثم انتقل الجاحظ الى الحديث عن اللون الاسود وقيمته ومنشئه وجماله، وأتى بآراء اجتماعية ونفسية طريفة. فهو يرى ان اللون الأسود اشد مهابة من اللون الابيض. والحيوانات والاشياء السوداء تتصف بالقوة والبهاء، فالخيل الدهم ابهى واقوى، والبقر السود احسن وجلودها اثمن وابقى وادسم لبنا. وكل حجر اسود يكون اصلب، واشهى التمور واحلاها الاسود. واعلى العيدان واسلمها الأبنوس الاسود. واجمل الشعر الاسود، وحدقة العين السوداء أحسن ما في العين، والكحل الذي يكتحل به للتزين اسود اللون، وسويداء القلب اعز ما فيه، واطيب ما في المرأة شفتاها السوداوان. وقد قال الرسول: «بعثت الى الاحمر والاسود» ومعنى ذلك انه بعث الى السودان. والحجر الاسود اشرف ما في الكعبة. وام اسماعيل قبطية سوداء. وعالج الجاحظ ناحية أخرى اجتماعية هي كثرة عدد السودان واتساع بلادهم في افريقيا وما وراء بلاد الحبشة. ويعزو الجاحظ ذلك الى قوة خصوبتهم وكثرة تناسلهم. «فالزنجية تلد نحوا من خمسين بطنا في نحو من خمسين عاما، في كل بطن اثنان فيكون ذلك اكثر من تسعين» . ويلاحظ الجاحظ قلة الاقبال على الزواج من الزنجيات في المجتمع العباسي لأن الزنجية لا تكاد تنشط لغير الزنجي ولأن الأبيض لا ينشط للزنجية. ويعلل الجاحظ هذه الظاهرة بالعادة والتقليد. ولذا نرى اهل البصرة يحبون من النساء الهنديات، واهل اليمن يحبون منهن الحبشيات، واهل الشام يؤثرون الروميات. فكل قوم يشتهون جلبهم وسبيهم. وثمة سبب آخر لكثرة السودان هو ترامي اصقاعهم. فاذا كان البيضان يسكنون بلاد فارس وخراسان والروم وفرنجة، فالسودان يملأون بلاد الزنج

стр. 37

والحبشة وفزان وبربر والقبط والنوبة والسند والهند والصين. ثم ان العرب يعدون من السودان لأن لونهم اقرب اليهم من البيضان. ويبحث الجاحظ اخيرا مسألة فلسفية خطيرة هي علة اختلاف الناس في ألوانهم. ويذهب الى ان الله لم يجعل السودان سودا والبيضان بيضا وانما البيئة الطبيعية التي يعيشون فيها هي التي تحيل الوانهم او تصبغ جلودهم بالوان مختلفة. ويقول على لسان السودان «ان الله تعالى لم يجعلنا سودا تشويها بخلقنا، ولكن البلد فعل ذلك بنا. والحجة في ذلك ان في العرب قبائل سودا كبني سليم ابن منصور. وكل من نزل الحرة من غير بني سليم كلهم سود» . وقد يأتي بنو سليم برعاة من الروم البيض فلا يمضي ثلاثة أجيال حتى يصبحون سودا، ثم ان جميع الحيوانات التي تعيش في الحرة من نعام وهوام وذباب وثعالب وشاء وحمير وخيل وطير، سود. وثمة دليل آخر على اثر البيئة في تشكيل الالوان هو اننا نرى جراد البقل وديدانه خضرا، كما نرى قمل الرأس الاسود سوداء، وقمل الرأس الاشيب بيضاء. وينتهي الجاحظ الى القول: «والسواد والبياض انما هما من قبل خلقة البلد وما طبع الله عليه الماء والتربة، ومن قبل قرب الشمس وبعدها وشدة حرها ولينها، وليس ذلك من قبل مسخ او عقوبة، ولا تشويه ولا تقصير» .

стр. 38

٩- مقدمة كتاب الحجاب يستهل الجاحظ الكتاب بمقدمة تقليدية يدعو فيها لمن يوجه اليه الكلام- وهو شخص لا يسميه- بطول البقاء والسعادة والهداية. ويحدد موضوع الكتاب وهو جمع «ما جاء في الحجاب من خبر وشعر ومعاتبة وعذر وتصريح وتعريض..» . والغاية التي يرمي اليها الارشاد والتنبيه الى مساوىء الحجاب. الكتاب إذن عبارة عن مجموعة اخبار واشعار حول الحجاب، ولا ينطوي على افكار أصيلة ذات شأن ادى اليها تفكير الجاحظ. ولكنه يطلعنا على نظرة العرب الى هذا الموضوع السياسي. فنحن نستشف من خلال الاخبار والاقوال والاشعار التي ساقها الجاحظ كره العرب للحواجز التي توضع بين الحاكم والشعب- ومنها الحجاب- ورغبتهم في تمتين الصلة بينهما، وفي ذلك دلالة واضحة على الروح الديمو قراطية التي يصدرون عنها. تلك الروح التي تتجلى في اعتبار الحاكم ذا سلطة مستمدة من الشعب بموجب البيعة التي هي ضرب من الاقتراع. وقد عبر هانىء بن قبيصة عن هذه الروح في قوله ليزيد بن معاوية الذي احتجب عنه اياما ثم لقيه وهو راكب للصيد: «يا يزيد، ان الخليفة ليس بالمحتجب المتخلي، ولا المتطرف المتنحي، ولا الذي ينزل على الغدران والفلوات، ويخلو للذات والشهوات. وقد وليت امرنا فاقم بين اظهرنا، وسهل

стр. 39

اذننا، واعمل بكتاب الله فينا، فان كنت قد عجزت عما هنا فاردد بيعتنا نبايع من يعمل فينا ويقيمه لنا ثم عليك بخلواتك وصيدك وكلابك» . فالخليفة واحد من ابناء الشعب بايعه الناس ليدبر امورهم فاذا عجز عن ذلك او احجم او انصرف الى اللهو والملذات او ابتعد عنهم واحتجب دونهم، وجب خلعه واقامة آخر مكانه. وقد لخص النبي واجبات الحاكم بقوله «ثلاث من كن فيه من الولاة اضطلع بامانته وامره: اذا عدل في حكمه، ولم يحتجب دون غيره، واقام كتاب الله في القريب والبعيد» . فعلى الحاكم أن يعدل ويقيم احكام القرآن ولا يستكبر على الناس. وشدد عمر بن الخطاب على ضرورة بقاء الحاكم قريبا من الشعب، بعيدا عن الأبهة والبذخ قائلا لعماله: اياكم والاحتجاب وركوب البرذون واتخاذ الحاجب ولبس الكتان واكل الدرمك. وقد راعى خلفاء الامويين والعباسيين هذا الأمر ولم يتشبهوا فيه بملوك الروم والفرس الذين احاطوا الملك بمظاهر الابهة والعظمة. فقال الخليفة العباسي موسى الهادي لحاجيه: «لا تحجب الناس عني فان ذلك يزيل التزكية ... ويهلك المملكة» . وتحدث الجاحظ على واجبات الحاجب، فقال انه العين الذي ينظر فيها الحاكم، فعليه بالنظر الى الناس وابلاغهم عن الحاكم وابلاغ الحاكم عنهم، اي يكون صلة الوصل بين الحاكم والشعب. ومن واجبات الحاجب احترام الناس ومعرفة اقدارهم وعدم احتقار احد لرثاثة ثوبه او دمامة وجهه. وعليه ان يقابل الناس بوجه بشوش ولسان طلق ولا يميز بين الناس فيأذن لبعضهم ويمنع البعض الآخر، لأن الممنوع ينكسر خاطره ويضمر الحقد.

стр. 40

ثم تكلم على شروط الحاجب وقد لخصها المنصور في خطاب وجهه الى المهدي: «لا ينبغي ان يكون الحاجب جهولا، ولا غبيا، ولا عييا، ولا ذهولا، ولا متشاغلا، ولا خاملا، ولا محتقرا، ولا جهما ولا عبوسا..» . والى هذا المعنى ذهب عبد الملك بن مروان عندما قال لأخيه عبد العزيز «انظر من تجعل حاجبك، ولا تجعله الا عاقلا فهما مفهما، صدوقا لا يورد عليك كذبا، يحسن الاداء اليك والاداء عنك. ومره الا يقف ببابك أحد من الاحرار الا اخبرك حتى تكون انت الآذن له او المانع، فانه ان لم يفعل كان هو الأمير وانت الحاجب. واذا خرجت الى اصحابك فسلم عليهم يأنسوا بك. واذا هممت بعقوبة فتأن بها فانك على استدراكها قبل فوتها اقدر منك على انتزاعها بعد فوتها» . ويخصص الجاحظ القسم الأخير من كتابه لسرد اخبار واشعار كثيرة في العتاب والهجاء والمديح بسبب الحجاب. منها عدة قصائد للشاعر والكاتب العباسي ابي علي البصير، الفضل بن جعفر النخعي الذي عاش في عهد المتوكل وادرك المعتز. ومنها ابيات للبحتري، ودعبل وابي تمام وابي العتاهية وحماد عجره وغيرهم من الشعراء المغمورين.
следующие страницы →