Полный текст (348 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
قلوسنا، وما معها إلى بحرى طنبدا، ولبنى حدو خاص الكفور وسفط «١» وجرجة «٢» وأهريت «٣» وبنو مجد وبنو على أمراء وهم بنى زعازع ومزورة، فيهم بنو وركان وبنو فغراس وبنو حمان وبنو الحكم وبنو الوليد وبنو الحجاج وبنو المحرينة.
ويقال: إن بنى الحجاج من بنى خماس؛ ولهذا كانوا يودون معهم القطائع وبنو نزار في إمارة بنى زعازع وهم من بنى ندية ومنهم نصف بنى عامر والحماسنة والضباعنة، وأفرد قوم منهم الإمارة تاج الملك عزيز بن ضبعان ثم ولده، ومنهم بنو زيد وأمراؤهم أولاد قريش ومساكنهم نويرة دلاص وكان قريش عبدا صالحا كثير الصدقة وهو والد سعد الملك.
وفي المنوفية «٤» من لوانة بن يحيى والوسوة وعبدة ومصلحة، وبنو مختار ومعهم في البلاد أحلاف من مزاتة وزنارة وهوارة وبنى الشعرية في أقوام آخرين ومن زنارة مزديش وبنو صالح وبنو مسام وزمران وورديغة وعرمان ولقان ومن هوارة بنو محريش وبنو سرات، وبنو قطران وبنو كبريت، وهوارة يقال: إنهم من هوّار واسمه المثنى فيقال: هوار بن المثنى، ويقال: ابن المثنى بن نمحصب وقيل:
المثنى بن المسور بن المثنى بن خلاع بن أيمن بن دعين بن سعد بن حمير الأصغر بن سبأ الأصغر وأنه خرج المسور بن المثنى من مصر في طلب إبل قد فقدها فذهبت نحو المغرب وهو في أثرها، فإنه كان من أجناد مصر الذين أسكنهم التبابعة بها، لما طوفوا الأرض، فلما دخل أفريقية فقال: تهورنا، والتهوّر: الحمق، فنزل على قوم من رتانة فتزوج العرجاء أم صنهاج ولمط ابنى الأكبر، وقد مات زوجها فمات عنها وكانت جميلة فكثر نسله فهم الهواريون.
وقيل: هوارة وكتامة وصنهاجة إخوة وهم أولاد قيس بن ذرعة بن ذهير بن أيمن بن همشيع بن حمير الأكبر بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وقيل:
стр. 142
بل هوارة وصنهاجة وكنانة ودنهاج وثلكان وتركوت وسيساج وعجيس من أولاد كان ابن صالوت أحد بنى شكلرجيم بن مصريم بن حام بن نوح ﵇.
وقيل: هوارة من ولد قبط من قوط بن حام بن نوح ﵇، ويقال:
جالوت بن بربر بن قبط بن مصر بن قوط، ويقال: إن مصر هو ابن يبصر بن حام بن نوح ﵇ وأن تركوت هى ابنة أحد أولاد يمن وأن بعلها كان يعرف بكاهن بن جالوت وأنه أبو البربر، وأن من ولد تركوت هذه إبراهيم جد على بن يوسف بن تاشفين بن إبراهيم ملك الملثمين، ومن ولد تركوت أيضا ملوك كزولة الجبل المعروف بجبل الكسّة وهم يزيدون على ثلاثمائة قبيلة، كل قبيلة ثلاثون ألف نسمة، ومنهم انسكات ومصلات واريش وبنو طريف وبنو جابر وبنو وعردة ومستوكة وارغتان.
وقيل: إن ولد صهناج يلرن وهم الملثمون وتزكيك ومسرفة ومسطوفة وهم صنّاع در اللمط وملتة بنت صنهاج، وعرفوا بأمهم، ومنير وجزوم وهوارة يزعمون أنهم من البربر «١» وأن مزّاتة ولوانة كانوا منهم فانقطعوا عنهم وفارقوا ديارهم وصاروا إلى برقة وغيرها، وتزعم هوارة أيضا أنها من قوم من أهل اليمن جهلوا أنسابهم وكل هذه الأقوال لا تثبت [أى شىء] «٢» بالصواب أنهم من ولد هوّار بن أوريغ بن برنس بن صرى بن وجيك بن مادغش بن برّ بن بديان بن كنعان بن حام ابن نوح ﵇ كما تقدم.
وهوّارة تتناسب بطونها كما تنتسب العرب وأصل ديارها من آخر عمل سوت إلى طرابلس ثم قدم منهم طوائف إلى أرض مصر وتركوا بلاد البحيرة وملكوها من قبل السلطان هوارة التى ببلاد الصعيد، أنزلهم الظاهر برقوق بعد واقعة بدر بن سلام هناك في سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة تخمينا؛ وذلك أنه أقطع إسماعيل بن مازن منهم ناحية جرجا وكانت خرابا فعمرها وأقام بها حتى قتله على بن غريب فولى بعده عمر بن عبد العزيز الهوارى حتى مات.
стр. 143
فولى بعده ابنه محمد المعروف بأبى الشون، وفخم أمره وكثرت أمواله، فإنه أكثر من زراعة النواحى وإقامة دواليب السكر واعتصاره حتى مات، فولى بعده أخوه يوسف بن عمر ثم لخم. واسم لخم مالك بن عدى بن الحارث ابن مرّة بن أدد بن زيد بن كملان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
وفي لخم بطون كثيرة منها بالبر الشرقى من أرض مصر بنو سماك، وهم بنو مزو وبنو مليح وبنو يتهان وبنو عبس وبنو كريم وبنو بكر وديارهم من طارف ببا «١» إلى منحدر دير الجميزة في البر الشرقى، ومنهم بنو حدان وهم بنو محمد وبنو على وبنو سالم وبنو مدلج وبنو رعيس وديارهم من دير الجميزة إلى ترعة صون، ومنهم بنو راشد وهم بنو معمر وبنو واصل وبنو مرا وبنو حيّان وبنو معاذ وبنو النيص وبنو حجرة وبنو شتوة، وديارهم من مسجد موسى إلى أشكو ونصف بلاد إتفيح «٢» ولبنى النيص الحى الصغير، ولبنى أشتوه من ترعة شريف إلى معصرة بوش «٣» .
ومنهم بنو جعد وهم بنو مسعود وبنو حرير وبنو زبير وبنو ثمال وبنو نصّار وسكنهم ساحل إتفيح. ومنهم بنو عدى وهم بنو موسى وبنو محرب ومساكنهم تلى بنى جعد، ومنهم بنو بحر وهم بنو سهل وبنو معطار وبنو فهم وبنو عشير وبنو مسند وبنو سباع ومسكنهم الحى الكبير، ومنهم قسيس «٤» ، وسكنهم بلاد أشكر، ولبنى غنم منهم العدوية ودير الطين «٥» إلى جسر مصر، ولبنى عمر ومنهم نصف حلوان، ولبنى حجرة النصف الآخر من حلوان ونصف طرا بالبحيرة والغربية طوائف من مزّاتة وبقليوب طوائف من قرارة ومنهم بنو نقاية وفيهم أعيان، ودارهم أطراف الشرقية وبالمنوفية فرقة من لوانة من مزانة.
стр. 144
ومن زنارة ومن هوارة كما تقدم وبقطب الأخارسة وبنو بياضة، وهم من ثعلبة ومنهم بنو صدر بالبدرية وهى طريق البر من الشام إلى مصر وإليهم تنسب قلعة صدر، وفي الطينة- وهي طينة تنيس عرب كانوا بعمل تنيس يقال لهم: بنو عذر- بضم العين المهملة وفتح الذال العجمة- وبنو عذر بن سعد بن دافع بن مالك بن جشم بن خيران بن نوف بن همدان وهؤلاء النفر الذين بالطينة قوم لا خلاق لهم ولا ذمام.
وبأرض مصر حرام وحرام في جزام وفيهم أفخاذ وعشائر، وقليل في عرب مصر من يعرفها، ومنهم بنو صبرة بن غطفان بن سعد بن إياس بن حرام بن جذام والى بنى صبرة درك بركة الحاج وفي الخزرج ثم في سلمة بنو حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد بن على بن أسد بن شاددة بن يزيد بن جشم بن الخزرج، منهم جابر بن عبد الله الأنصارى رضى الله عنهما، ويقال: إن حرام القاطنة بمصر من الخزرج وهم بنو حية وبنو ذبيان وهم أشتات، فيهم مشايخ بلاد وخولة وقضاة وفقهاء، وليست دار خاصة ولا مكان معروف.
وفي الدقهلية والمرتاحية عرب يدعون الحمارسة وقوم ينسبون إلى قريش وهم نفر من بنى عذرة وهم من كنانة بن عذرة لا كنانة بن خزيمة، وهم بنو كنانة بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن نؤر بن كلب بن دبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة.
وفيهم بنو شهاب وبنو زيدة والرواشدة «١» وهم غير رواشدة هلبا سويد وبنو عصا وبنو محمد وبنو سنان وبنو حمرة وبنو فراس وهم بمنية محمود ومنية عدلان، وبنو لام وليسوا بلام الحجاز وبنو شمش والفضليون وقرارتهم كوم الثعالب وبها طوائف من عمرو وزهير المقدم ذكرهم، والحصينين ورذالة الأحامدة وليسوا أبا حامدة هلبا والجمازية وهم بنو جماز وبعضهم أصحاب أقطاع.
стр. 145
وفي بنى زهير هؤلاء بنو عربز وبن سبيب وبنو عبد الرحمن وبنو مالك وبنو عبيد غير بنى عبيد المقدم ذكرهم، وبنو عبد القوى وبنو شاكر وهم غير شاكر عقبة وبنو حسن وبنو شما، وهم غير شما آل ربيعة، وبنو سليم وهم مرقيس وهم ولد سليم بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس غيلان وإليه يرجع كل سلمى.
وكان نزول سليم وعدة قبائل من قيس في أرض مصر سنة تسع ومائة وأمير مصر إذ ذاك الوليد بن رفاعة بن خالد بن ثابت بن طاعن الفهمى، ولم يكن بأرض مصر أحد من قيس قبل ذلك إلا من كان منهم عدوان فإنهما من قيس في جديلة وهما ابنا عمرو بن قيس غيلان اسما جديلة بنت مراخت تميم بن مرة، وفهم هذا قتله أخوه عدوان واسمه الحارث، فسمى عدوانا؛ لأنه عدا على أخيه منهم فوفد عبيد الله الجنحاب بن مولى بن سلول عامل هشام بن عبد الملك على خراج مصر على هشام، فسأله أن ينقل إليها من قيس أبياتا فأذن له هشام في إلحاق ثلاثة آلاف منهم وتحويل ديوانهم على مصر على أن لا ينزلوا بالفسطاط ففرض لهم أبن الجنحاب وقدم بهم فأنزلهم الحوف الشرقى وفرّقهم فيه، وعن الهيثم بن عدى قال:
حدثنى غير واحد أن عبيد الله بن الجنحاب لما ولاه هشام مصر، قال: ما لدى قيس فيها حظ إلا لناس من جديلة، وهم فهم وعدوان، فكتب إلى هشام أن أمير المؤمنين- أطال الله بقاه- قد شرف هذا الحى من قيس ونعشهم ورفع من ذكرهم وإنى قدمت مصر فلم أر لهم فيها حظا إلا أبياتا من فهم وفيها كور ليس فيها أحد وليس يضر بأهلها نزولهم معهم، ولا يكثر ذلك خراجا وهى بلبيس، فإن رأى أمير المؤمنين أن ينزلهما هذا الحى من قيس فليفعل، فكتب إليه هشام أنت ورأيك.
فبعث إلى البادية فقدم عليه مائة أهل بيت من بنى نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن ومائة أهل بيت من بنى عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس غيلان بن مضر البطن المشهورة التى منها بنو كلاب وجعدة وعقيل وقشير والبكا وعجلان وعبد الله وربيعة وسواة وهلال ونمير ومائة أهل بيت من هوازن بن منصور «١» بن عكرمة بن حفصة بن قيس غيلان،
стр. 146
فأنزلهم ببلبيس وأمرهم بالزرع ونظر إلى الصدقة من العشور «١» فصرفها إليهم فاشتروا إبلا فكانوا يحملون الطعام إلى القلزم فكان الرجل يصيب في الشهر العشرة دنانير وأكثر ثم أمرهم بشراء الخيول فجعل الذى يشترى المهر لا يمكث إلا شهرا حتى يركب وليس عليهم مؤنة في أعلاف إبلهم ولا خيلهم لجودة مرعاهم، فلما بلغ ذلك عامّة قومهم تحمل إليهم خمسمائة أهل بيت من البادية فكانوا على مثل ذلك فأقاموا سنة فأتاهم نحو من خمسمائة بيت من البادية فكانوا على مثل ذلك، وبلبيس ألف وخمسمائة أهل بيت من قيس، حتى إذا كان في زمن مروان ابن محمد وولى الحوثرة بن سهيل الباهلى مصر، أشالت إليه قيس فمات مروان وبها ثلاثة آلاف أهل بيت ثم توالدوا، وقدم عليهم من البادية من قدم، فأحصوا في ولاية محمد بن سعيد فوجدوا خمسمائة ألف ومائتين ما بين صغير وكبير.
وفي هذه القبيلة قبيلة سليم بطون وأفخاذ وعشائر كبنى ذكوان وهلال وعوف والحرث ورفاعة وعصبة وظفر وعميرة وبهز وغيرهم، ومساكن سليم هذه ببرقة مما يلى مصر، وكانت في غالبة نجد بالقرب من خيبر ومنها حرة بن سليم وحرة النار بين وادى القرى وبنها ثم تحولوا إلى مصر وأفريقية ولم يبق لهم عدد ولا بقية في بلادهم وصار لهم بأفريقية عدد عظيم، فمنهم بها بنو الشريد لهم صولة وشوكة، وبنو زغب بن مالك بن بهتة كانوا بين الحرمين فصاروا إلى أفريقية في جوار إخوانهم بنى رباب بن مالك ثم صاروا في جوار بنى كعب، ومن سليم: بنو رباب من مالك ينزلون ما بين قابس وبرقة وهم ببرقة بجوار هيب، ومنهم بنو سليمان بن ذياب في جبهة فزان وودان وروساد- باب الآن ما بين طرابلس وقابس، وبينهم بنو صابر والمحامد بنواحى قابس وبينهم في بنى رجاب بن محمود، ومن سليم بن عوف بن بهثة أخوة عوف بن بهمه ما بين السدرة من برقة إلى حدود إسكندرية، وبنو أحمد منهم، منهم باجد أبيه لهم عدد ويرجعون إلى شماخ ولها العز في هيب، ومن هيب: سيال ومحارب ورياستهما في بنى عزاز ولهيب في سليم عزة لاستيلائهما على أقليم طويل خرّبت مدته وصارت ولايته لأشياخهم ونحت أيديهم
стр. 147
خلق من البر، وفيهم الأبطال والأنجاب والإمرة فيهم وفي أولاد عزاز بن مقدام، وكان فريد بن عزاز جليل القدر معظّما في الدولة، وبنو زايد وحمدان وزيّان كلهم كرام.
أما أبو خالد عطا الله بن عمر بن عزاز كان كريما مطاعا في قومه وبنوه معز وعمر. ومنهم علوى بن إبراهيم بن عزاز وسلطان بن زيان بن عزاز وعمر بن مشعل بن عزاز وجماعة بن مليح المنصورى أصحاب غازى بن يحج، وعليان بن عويف وبلبوش وكان قد هرب من السلطان الملك الظاهر فاتخذ جيشا وراءه فقاتلوه وأخذوه أسيرا فاعتقله مرّة ثم أفرج عنه، وهو والد زيد بن بلبوش.
ومنهم جماعة سعيد بن العريب بن الأحمر وجماعة محمد الهوارى وكانت الإمرة على عربان البحيرة في أيام الناصر محمد بن قلاوون فيهم وهى لقايد بن مقدم وخالد بن أبى سليمان وكانا أميرين سيدين ذوى كرم وأمن وشجاعة.
وفيما بين الإسكندرية والعقبة الكبرى جماعة فايد وزنارة ومزاتة وخفاجة وهوازة وسماك ولبيد جماعة سلام وفزارة ومحارب وقضاب والزعافته وبشر والجواشنة والبعاجنة والقبايص وأولاد سليمان والقصاص والعلاونة ومنازلهم من العقبة الكبرى إلى سوسة ثم جماعة جعفر بن عمر وهم المثانية والياسة وعرعره والعظمة والعكمة والمزايل والمغزة، ومن المعزة الجعافرة جماعة جعفر بن عمر، ومنهم البدادى أيضا ومنهم السهاونة والجلدة وأولاد أحمد ومنازلهم من سوسة إلى بئر السدرة وهى آخر حدود ديار مصر ومسافتها من الإسكندرية نحو شهر بسير القوافل.
وأما طريق مكة- شرّفها الله تعالى- فإن من القاهرة إلى عقبة أيلة للعائد ومن العقبة إلى داما بالقرب من عينونة لبنى عقبة، ومن داما إلى أكدى ليلى، ومن أكدى إلى ثما وهى آخر الوعرات الجهنية.
ومن تما إلى نهاية بدر على الفرعا إلى نهاية الصفرا على نقب لبنى حسن أصحاب بدر إلى رملة عالج في طرف قاع البزوة، ومن الصغرى إلى الجحفة ورابغ لزبيد الحجاز. ومن الجحفة على قديد وما حولها إلى عقبة السويق لسليم، ومن عقبة السويق إلى خلص إلى عسفان للرشيف حسار من بنى حسن، ومن ثنية عسفان إلى المخاطب لبنى جابر وهم في طاعة صاحب مكة، ومن المخاطب لصاحب
стр. 148
مكة وبنى حسن في برقة أحياء من بنى جعفر.
وكان شيخهم أبو ذويب وأخوة حامد بن كميل وهم ينسبون إلى العرب فتارة فى بنى كعب بن سليم وتارة في فزارة، والصحيح أنهم من مسراتة إحدى بطون هوارة.
وفيما بين برقة والعقبة أولاد سلام، وما بين العقبة الكبيرة والإسكندرية أولاد مقدم وهم بطنان: أولاد التركية وأولاد فايد مقدم وسلام معا، وهم ينسبون إلى لبيد بن على بن هبة بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر وهم ثلاثة إخوة: لبيد وحديد وزبيد بنو على بن هبة بن جعفر، ومن حديد: محارب، وبقال وأولاد مقدم من ربيعة بن نزار، وقيل: لبيد بن سليم، وفيهم هيب ورواحة وفزارة وهؤلاء يقال: إنهم من غطفان، والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
قال مؤلفه: حرره جهد الطاقة مؤلفه وجامعه أحمد بن على المقريزى الشافعى فى ذى القعدة سنة إحدى وأربعين وثمانمائة.
والحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبى بعده وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 149
النقود القديمة الإسلامية
стр. 150
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وأصحابه والتابعين وبعد:
فقد تمكنا من تحرير رسالة لطيفة في أمر النقود الإسلامية وأسأل الله التوفيق بمنه وكرمه آمين.
فصل في النقود
ذكر أبو بكر بن أبى شيبة في مصنفه عن كعب أن أول من ضرب الدينار والدرهم آدم ﵇ وقال: لا تصلح المعيشة إلا بهما.
اعلم أن النقود التى كانت للناس على وجه الدهر، على نوعين: السود الوافية والطبرية والعتق، وهما ما كان البشر يتعاملون به. فالوافية هى البغلية «١» وهى دراهم فارس- الدرهم وزنه زنة المثقال الذهب، والدراهم الجواز تنقص في العشرة ثلاثة فكل سبعة بغلية، عشرة بالجواز «٢» ، وكان لهم أيضا دراهم تسمى جوراقية «٣» ، وكانت نقود العرب في الجاهلية التى تدور بينها: الذهب والفضة لا غير، ترد إليها من المماليك، ودنانير الذهب قيصرية «٤» من قبل الروم.
ودراهم «٥» الفضة على نوعين............... ............... ...
стр. 151
سود وافية «١» وطبرية «٢» عتق، وكان وزن الدراهم والدنانير في الجاهلية مثل وزنها فى الإسلام مرتين: ويسمى المثقال من الفضة درهما ومن الذهب دينارا «٣» . ولم يكن شىء من ذلك يتعامل به أهل مكة في الجاهلية، وكانوا يتبايعون بأوزان، اصطلحوا عليها فيما بينهم، وهو الرطل الذى هو اثنتا عشرة أوقية، والأوقية هى أربعون درهما فيكون الرطل «٤» ثمانين وأربعمائة درهم. والنص، وهو نصف الأوقية حوّلت صاده شينا فقيل: «نشّ» «٥» وهو عشرون درهما والنواة «٦» وهي خمسة دراهم، والدرهم الطبرى ثمانية دوانيق، والدرهم البغلى أربعة دوانيق، وقيل العكس، والدرهم الجوراقى أربعة دوانيق ونصف والدانق ثمانى حبات وخمسا حبة من حبات الشعير المتوسطة التى لم تقشر، وقد قطع من طرفيها ما امتد.
وكان الدينار يسمى لوزنه دينارا وإنما هو تبر «٧» ، ويسمى الدرهم لوزنه درهما، وإنما هو تبر، وكانت زنة كل عشرة دراهم ستة مثاقيل. والمثقال زنة اثنين وعشرين قيراطا «٨» إلا حبّة «٩» وهو أيضا بزنة اثنتين وسبعين حبة شعير، مما تقدم ذكره،
стр. 152
وقيل: إن المثقال منذ وضع لم يختلف في جاهلية ولا إسلام، ويقال: إن الذى اخترع الوزن في الدهر الأول، بدأه بوضع المثقال أولا فجعله ستين حبة، زنة الحبة مائة من حب الخردل البرى المعتدل، ثم ضرب صنجة «١» بزنة مائة من حب الخردل، وجعل بوزنها مع المائة الحبة صنجة ثالثة، حتى بلغ مجموع الصنج خمس صنجات، فكانت صنجته نصف سدس مثقال ثم أضعف وزنها حتى صارت ثلث مثقال فركب منها نصف مثقال، ثم مثقالا وعشرة وفوق ذلك، فعلى هذا تكون زنة المثقال الواحد ستة آلاف حبة.
ولما بعث الله نبينا محمدا ﷺ أقرّ أهل مكة على ذلك كله وقال: «الميزان ميزان أهل مكة» وفي رواية «ميزان المدينة» وقد ذكرت طرق هذا الحديث والكلام عليه في مجاميعى.
وفرض رسول الله ﷺ زكاة الأموال، فجعل في كل خمس أواق من الفضة الخالصة التى لم تغشّ خمسة دراهم وهى النواة، وفرض في كل عشرين دينارا نصف دينار، كما هو معروف في مظنّته من كتب الحديث.
النقود الإسلامية
قد تقدم ما فرضه رسول الله ﷺ في نقود الجاهلية من الزكاة وأنه أقر النقود فى الإسلام على ما كانت عليه، فلما استخلف أبو بكر الصديق رضى الله عنه، عمل في ذلك بسنّة رسول الله ﷺ ولم يغيّر منه شىء، حتى إذا استخلف أمير المؤمنين أبو حفص عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وفتح الله على يديه مصر والشام والعراق لم يعترض لشىء من النقود بل أقرها على حالها.
فلما كانت سنة ثمانى عشرة من الهجرة وهى السنة الثامنة من خلافته أتته الوفود، منهم: وفد البصرة، وفيهم الأحنف بن قيس، فكلم عمر بن الخطاب رضى الله عنه في مصالح أهل البصرة، فبعث معقل بن يسار فاحتقر «نهر معقل» الذى قيل فيه: «إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل» .
стр. 153
ووضع الجريب «١» والدرهمين في الشهر، فضرب حينئذ عمر رضى الله عنه، الدراهم على نقش الكسروية «٢» وشكلها بأعيانها غير أنه زاد في بعضها «الحمد لله» وفي بعضها «محمّد رسول الله» ، وفي بعضها «لا إله إلا الله وحده» وفي آخر مدة عمر وزن كل عشرة دراهم ستة مثاقيل، فلما بويع أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى الله عنه ضرب في خلافته دراهم نقشها «الله أكبر» .
فلما اجتمع الأمر لمعاوية بن أبى سفيان رضى الله عنه، وجمع لزياد بن أبيه الكوفة والبصرة، قال: «يا أمير المؤمنين إن العبد الصالح أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه صغّر الدرهم وكبّر القفيز «٣» ، وصارت تؤخذ عليه ضريبة أرزاق الجند وترزق عليه الذرّية طلبا للإحسان إلى الرعية، فلو جعلت أنت عيارا دون ذلك العيار، ازدادت الرعية به مرفقا ومضت لك السنة الصالحة.
فضرب معاوية رضى الله عنه تلك الدراهم السود الناقصة من ستة دوانيق فتكون خمسة عشر قيراطا تنقص حبّة أو حبتين وضرب منها زياد، وجعل وزن كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، وكتب عليها فكانت تجرى مجرى الدراهم.
وضرب معاوية أيضا دنانير عليها تمثال متقلدا سيفا، فوقع منها دينار ردىء في يد شيخ من الجند فجاء به إلى معاوية، وقال: يا معاوية، أنا وجدت ضربك شر ضرب، فقال له معاوية: لأحرمنّك عطاءك، ولأكسونّك القطيفة.
فلما قام عبد الله بن الزبير- رضى الله عنه- بمكة ضرب دراهم مدوّرة، وكان أول من ضرب الدراهم المستديرة، وكان ما ضرب منها قبل ذلك ممسوحا غليظا قصيرا، فدورها عبد الله، ونقش على أحد وجهى الدراهم «محمد رسول الله» وعلى الآخر «أمر الله بالوفاء والعدل» .
وضرب أخوه مصعب بن الزبير دراهم بالعراق، وجعل كل عشرة منها سبعة مثاقيل، وأعطاها الناس في العطاء حتى قدم الحجاج بن يوسف العراق، من قبل أمير
стр. 154
المؤمنين عبد الله بن مروان، فقال: «ما تبقى من سنة الفاسق أو المنافق شيئا» فغيرها.
فلما استوثق الأمر لعبد الملك بن مروان بعد مقتل عبد الله ومصعب ابنى الزبير فحص عن النقود والأوزان والمكاييل، وضرب الدنانير والدراهم في سنة ست وسبعين من الهجرة فجعل وزن الدينار اثنين وعشرين قيراطا إلا حبة بالشامى، وجعل وزن الدرهم خمسة عشر قيراطا سوى، والقيراط أربع حبات، وكل دانق قيراطين ونصفا.
وكتب إلى الحجاج وهو بالعراق أن اضربها قبلى، فضربها وقدمت مدينة رسول الله ﷺ وبها بقايا الصحابة رضى الله عنهم أجمعين، فلم ينكروا منها سوى نقشها، فإن فيها صورة، وكان سعيد بن المسيب- ﵀ يبيع بها ويشترى ولا يعيب من أمرها شيئا.
وجعل عبد الملك الذهب الذى ضربه دنانير، على المثقال الشامى وهى الميالة الوازنة المائة دينارين، وكان سبب ضرب عبد الملك الدنانير والدراهم كذلك أن خالد بن يزيد بن معاوية بن أبى سفيان قال له: يا أمير المؤمنين، إن العلماء من أهل الكتاب الأول يذكرون أنهم يجدون في كتبهم أن أطول الخلفاء عمرا من قدس الله تعالى في درهمه، فعزم على ذلك ووضع السكة الإسلامية.
وقيل: إن عبد الملك كتب في صدر كتابه إلى ملك الروم: قل هو الله أحد، وذكر النبى ﷺ في ذكر التاريخ، فأنكر ملك الروم ذلك، وقال: إن لم تتركوا هذا وإلا ذكرنا نبيكم في دنانيرنا بما تكرهون، فعظم ذلك على عبد الملك واستشار الناس، فأشار عليه يزيد بن خالد بضرب السكة وترك دنانيرهم.
وكان الذى ضرب الدراهم رجل يهودى من تيماء: يقال له سمير نسبت الدراهم إذ ذاك إليه، وقيل لها: الدراهم السميرية «١» .
وبعث عبد الملك بالسكّة «٢» إلى الحجاج فسيّرها الحجاج إلى الآفاق لتضرب
стр. 155
الدراهم بها، وتقدم إلى الأمصار كلها أن يكتب إليه منها في كل شهر بما يجتمع قبلهم من المال كى يحصيه عندهم وأن تضرب الدراهم في الآفاق على السكة الإسلامية، وتحمل إليه، أولا فأولا، وقدّر في كل مائة درهم درهما عن ثمن الحطب وأجر الضرّاب، ونقش على أحد وجهى الدرهم: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
وعلى الآخر: «لا إله إلا الله» ، وطوّق الدرهم على وجهيه بطوق وكتب في الطوق الواحد «ضرب هذا الدرهم بمدينة كذا» وفي الطوق الآخر «محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون» ، وقيل:
الذى نقش فيها: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
هو الحجاج.
وكان الذى دعا عبد الملك إلى ذلك، أنه نظر للأمة، وقال: هذه الدراهم السود، الوافية الطبرية، العتق، تبقى مع الدهر. وقد جاء في الزكاة أن في كل مائتين، وفي كل خمس أوراق خمسة دراهم، واتفق أن يجعلها كلها على مثال السود العظام مائتى عدد يكون قد نقص من الزكاة، وإن عملها كلها على مثال الطبرية، ويحمل المعنى على أنها إذا بلغت مائتى عدد وجبت الزكاة فيها، فإن فيه حيفا «١» وشططا، على أرباب الأموال فاتخذ منزلة بين منزلتين، يجمع فيها كمال الزكاة من غير بخس ولا إضرار بالناس مع موافقة ما سنّه رسول الله ﷺ وحده من ذلك.
وكان الناس قبل عبد الملك يؤدون زكاة أموالهم شطرين، من الكبار والصغار، فلما اجتمعوا مع عبد الملك على ما عزم عليه، عهد إلى درهم واف فوزنه فإذا هو ثمانية دوانيق، وإلى درهم من الصغار فإذا هو أربعة دوانيق، فجمعهما وكمّل وزن الأكبر على نقص الأصغر وجعلهما درهمين متساويين زنة كل منهما ستة دوانيق سوى.
واعتبر المثقال أيضا فإذا هو لم يبرح فى آباد «٢» الدهر، موفى محدودا، كل عشرة دراهم منها ستة دوانيق فإنها سبعة مثاقيل سوى، فأقرّ ذلك وأمضاه من غير أن يعرض لتغييره، فكان فيما صنع عبد الملك في الدراهم ثلاث فضائل:
الأولى: أن كل سبعة مثاقيل زنة عشرة دراهم.
стр. 156
والثانية: أنه عدّل صغارها وكبارها حتى اعتدلت وصار الدرهم ستة دوانيق.
الثالثة: أنه موافق لما سنّه رسول الله ﷺ في فريضة الزكاة بغير وكس «١» ولا اشتطاط، قضت بذلك السنة واجتمعت عليهما الأمة.
وضبط هذا الدرهم الشرعى المجمع عليه أنه كما مرّ زنة العشرة منه سبعة مثاقيل، وزنة الدرهم الواحد خمسون حبة وخمسا، حبة من الشعير الذى تقدم ذكره آنفا.
ومن هذا الدرهم تركب الرّطل «٢» والقدح «٣» والصاع «٤» وما فوقه، ولنلمع بذلك من طرف مما ذكرته في كتاب «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» عند ذكر دار العيار، فأقول:
إنما جعلت العشرة من الدراهم الفضية بوزن سبعة مثاقيل من الذهب؛ لأن الذهب أوزن من الفضة وأثقل وزنا، فأخذت حبة فضة وحبّة ذهب ووزنتا فرجحت حبة الذهب على حبة الفضة ثلاثة أسباع، فجعل من أجل ذلك كل عشرة دراهم زنة سبعة مثاقيل، فإن ثلاثة أسباع الدرهم إذا أضيفت عليه بلغت مثقالا، والمثقال إذا نقص منه ثلاثة أعشار بقى درهما وكل عشرة مثاقيل تزن أربعة عشر درهما، وسبعى درهم.
فلما ركّب الرطل، جعل الدرهم من ستين حبة، لكن كل عشرة دراهم تعدل زنة سبعة مثاقيل، فتكون زنة الحبة سبعين حبة من حب الخردل، ومن ذلك تركب
стр. 157
الدرهم فركب الرطل ومن الرطل تركب المد، ومن المد تركب الصاع وما فوقه، وفي ذلك طرق حسابية مبرهنة بأشكال هندسية ليس هذا موضع إيرادها.
وكان مما ضرب الحجاج الدراهم البيض ونقش عليها «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ»
فقال القرّاء: قاتل الله الحجاج، أى شىء صنع للناس!! الآن يأخذ الدرهم الجنب والحائض.
وكانت الدراهم قبل منقوشة بالفارسية، فكره ناس من القراء مسّها وهم على غير طهارة وقيل لها: المكروهة، فعرفت بذلك.
ووقع في المدينة أن مالكا- ﵀ سئل عن تغيير كتابة الدنانير والدراهم لما فيها من كتاب الله . فقال: أول ما ضربت على عهد عبد الملك بن مروان، والناس متوافرون، فما أنكر أحد ذلك وما رأيت أهل العلم أنكروه، ولقد بلغنى أن ابن سيرين كان يكره أن يبيع بها ويشترى، ولم أر أحدا من ذلك ههنا، يعنى- رحمه الله تعالى- أهل المدينة النبوية.
وقيل لعمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: «هذه الدراهم البيض، فيها كتاب الله تعالى، يقبلها اليهودى والنصرانى والجنب والحائض، فإن رأيت أن تأمر بمحوها فقال: أردت أن تحتج علينا الأمم أن غيّرنا توحيد ربنا واسم نبينا ﷺ .
مات عبد الملك والأمر على ما تقدم، فلم يزل من بعده في خلافة الوليد ثم سليمان بن عبد الملك ثم عمر بن عبد العزيز إلى أن استخلف يزيد بن عبد الملك فضرب الهبيريّة «١» بالعراق عمر بن هبيرة على عيار ستة دوانيق، فلما قام هشام بن عبد الملك وكان جموعا للمال، أمر خالد بن عبد الله القسرى في سنة ست ومائة من الهجرة أن يعيد العيار إلى وزن سبعة، وأن يبطل السكك من كل بلدة، إلا واسطا «٢» فضرب الدراهم بواسط فقط، وكبّر السكة فضربت الدراهم على السكة الخالدية حتى عزل خالد في سنة عشرين ومائة، وتولى من بعده يوسف بن عمر الثقفى، فصغّر السّكة وأجراها على وزن ستة وضربها بواسط وحدها حتى قتل الوليد بن يزيد في سنة ست وعشرين ومائة.
стр. 158
فلما استخلف مروان بن محمد الجعدى، آخر خلائف بنى أمية، ضرب الدراهم بالجزيرة على السكة بحرّان إلى أن قتل.
وأتت دولة بنى العباس، فضرب عبد الله بن محمد السفاح الدراهم بالأنبار «١» ، وعملها على نقش الدنانير، وكتب عليها السكة العباسية، وقطع منها ونقصها حبّة ثم نقصها حبتين.
فلما قام من بعده أبو جعفر المنصور نقصها ثلاث حبات، فصارت تلك الدراهم ثلاثة أرباع قيراط؛ لأن القيراط أربع حبات، فكانت الدراهم كذلك، وحدثت الهاشمية على المثاقيل البصرى فكان يقطع على المثاقيل الميالة الوازنة التامة فأقامت الهاشمية على المثاقيل والعتق على نقصان ثلاثة أرباع قيراط مدة أيام أبى جعفر وإلى سنة ثمان وخمسين ومائة.
فضرب المهدى محمد بن جعفر فيها سكّة مدوّرة فيها نقطه، ولم يكن لموسى الهادى بن محمد سكّة تعرف، وتمادى الأمر على ذلك إلى شهر رجب من سنة ثمان وسبعين ومائة، فصار نقصانها قيراطا غير ربع حبة، فلما صيّر هارون الرشيد السكك إلى جعفر بن يحيى البرمكى، كتب اسمه بمدينة السلام «٢» وبالمحمدية «٣» من الرى على الدنانير والدراهم وصير نقصان الدرهم قيراطا إلا حبة.
وضرب الأمين دنانير ودراهم وأسقط منها.
ثم أخوه محمد المأمون فلم تجز مدة، وسميت: الرباعيات، وكان ضرب ذلك بمرو «٤» قبل قتل أخيه.
وهارون الرشيد أول خليفة ترفع عن مباشرة العيار بنفسه، وكان الخلفاء من قبله يتولون النظر في عيار الدراهم والدنانير بأنفسهم.
وكان هذا مما نوّه باسم جعفر بن يحيى؛ إذ هو شىء لم يتشرف به أحد قبله.
стр. 159
واستمر الأمر كما ذكر إلى شهر رمضان سنة أربع وثمانين ومائة، فصار النقص أربعة قراريط وحبة ونصف حبة، وصارت لا تجوز إلا في المجموعة أو بما فيها ثم بطلت، فلما قتل هارون الرشيد جعفرا، صير السكك إلى السندى، فضرب الدراهم على مقدار الدنانير، وكان سبيل الدنانير في جميع ما تقدم ذكره سبيل الدراهم، وكان خلاص السندى جيدا أشد الناس خلاصا للذهب والفضة.
فلما كان شهر رجب سنة ١٩٢ نقصت الدراهم الهاشمية نصف حبة، وما زال الأمر في ذلك كله عصرا يجوز جواز المثاقيل ثم ردت إلى وزنها، حتى كان أيام الأمين محمد بن هارون الرشيد، فصيّر دور الضرب إلى العباس بن الفضيل بن الربيع، فنقش في السّكة بأعلى السطر: «ربى الله» ومن أسفلها «العباس بن الفضل» .
فلما عهد الأمين إلى ابنه موسى ولقبه: (الناطق بالحق المظفر بالله) ضرب الدنانير والدراهم باسمه، وجعل زنة كل واحد عشرة ونقش عليه:
كل عز ومفخر ... فلموسى المظفّر
ملك خص ذكره ... فى الكتاب المسطّر
فلما قتل الأمين واجتمع الأمر لعبد الله المأمون، لم يجد أحدا ينقش الدراهم فنقشت بالمخراط «١» كما تنقش الخواتم، وما برحت النقود على ما ذكر، أيام المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل، فلما قتل المتوكل وتغلبت الموالى من الأتراك وتناثر سلك الخلافة وبقيت الدولة العباسية في الترف، وقوى عامل كل جهة على ما يليه، وكثرت النفقات وقلت المجابى «٢» بتغلّب الولاة على الأطراف، وحدثت بدع كثيرة من حينئذ، ومن جملتها غش الدراهم.
ويقال: إن أول من غش الدراهم وضربها زيوفا «٣» : عبيد الله بن زياد حين فرّ من البصرة في سنة أربع وستين من الهجرة ثم فشت في الأمصار «٤» أيام دولة
стр. 160
العجم من بنى بوية «١» وبنى سلجوق «٢» والله أعلم.
نقود مصر
أما مصر من بين الأمصار، فما برح نقدها المنسوب إليه قيم الأعمال وأثمان المبيعات، ذهبا في سائر دولها، جاهلية وإسلاما، يشهد لذلك بالصحة أن خراج مصر فى قديم الدهر وحديثه إنما هو الذهب كما ذكرته في (كتاب المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار) فإنى أوردت فيه مبلغ خراج مصر، منذ مصرّت بعد الطوفان، إلى زماننا هذا، ويكفى من الدلالة على صحة ذلك، ما رويته من طريق مسلم وأبى داود رحمهما الله تعالى، من حديث أبى هريرة رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «منعت العراق درهمها وقفيزها «٣» ، ومنعت الشام مدّها ودينارها، ومنعت مصر إردبّها ودينارها» الحديث «٤» فذكر رسول الله ﷺ كل بلد وما تختص به من كيل، ونقد، وأشار إلى أن نقد مصر: الذهب. وكأن في هذا الحديث ما يشهد بصحة فعل عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فإنه لما افتتح العراق في ست عشرة من الهجرة، بعث عثمان بن حنيف رضى الله عنه ففرض على أهل السواد «٥» على كل جريب «٦» من الكرم عشرة دراهم، وعلى جريب النخل ثمانية دراهم، وعلى جريب القصب والشجر ستة دراهم، وعلى جريب البر أربعة دراهم، وعلى جريب الشعير درهمين، وكتب بذلك إلى عمر رضى الله عنه فارتضاه.
ولما فتحت مصر سنة ٢٠ على القول الراجح، فرض عمرو بن العاص رضى
стр. 161
الله عنه على جميع من بها من القبط البالغين من الرجال دون النساء والصبيان والشيوخ دينارين على كل رأس، فجبيت أول عام اثنا عشر ألف ألف دينار، وقد روى أنها جبيت ستة عشر ألف ألف دينار، وهما روايتان معروفتان، فأقر ذلك عمر ابن الخطاب رضى الله عنه.
ومن أنعم النظر في أخبار مصر عرف أن نقدها وأثمان مبيعاتها وقيم أعمالها لم يكن إلا من الذهب فقط إلى أن ضعفت مملكتها باستيلاء الفرنج عليها فحدث حينئذ اسم الدراهم، وسأبين فيما يأتى طرفا من ذلك.
ومع هذا، فإن مصر لم تزل منذ فتحت دار إمارة، وسكّتها إنما هى سكّة بنى أمية ثم من بنى العباس، إلا أن الأمير أبا العباس أحمد بن طولون ضرب بمصر دنانير عرفت بالأحمدية، وكان سبب ضربها أنه ركب يوما إلى الأهرام فأتاه الحجّاب بقوم عليهم ثياب صوف ومعهم المساحى «١» والمعاول، فسألهم عما يعملون فقالوا:
نحن قوم نتبع المطالب. فقال لهم: لا تخرجوا بعد هذا إلا بمشورة ورجل من قبلى، وسألهم عمّا وقع إليهم من الصفات فذكروا له أن في سمت «٢» الأهرام مطلبا قد عجزوا عنه؛ لأنهم يحتاجون في إحاثته»
إلى قدر كبير من المال، ونفقات واسعة، فأمر بعض أصحابه أن يكون معهم، وتقدم إلى عامل معونة الجيزة «٤» ، فى دفع جميع ما يحتاجون إليه من المال والنفقات، فأقام القوم يعملون إلى أن ظهرت لهم العلامات، فركب أحمد بن طولون حتى وقف على الموضع وهم يحفرون فجدّوا في الحفر وكشفوا عن حوض مملوء دنانير وعليه غطاء مكتوب عليه بالبربوية «٥» فأحضر من قرأه ففسره فقال:
«أنا فلان بن فلان، الملك الذى ميّز الذهب من غشّه ودنسه، فمن أراد أن يعلم فضلى وفضل ملكى على ملكه، فلينظر إلى فضل عيار دينارى على ديناره،
стр. 162
فإن تخلص الذهب من الغش تخلص في حياته وبعد وفاته» .
فقال أحمد بن طولون: الحمد لله على ما نبهتنى عليه هذه الكتابة فإنه أحب إلىّ من المال، ثم أمر لكل رجل كان يعمل بمائتى دينار منه، وأنفذ بأن يوفّى الصنّاع أجرهم ووهب لكل رجل منهم خمسة دنانير، وأطلق للرجل الذى أقام معهم من أصحابه ثلاثمائة دينار، وقال لخادمه نسيم: خذ لنفسك منه ما شئت.
فقال: ما أمرنى به مولاى أخذته. فقال: خذ ملء كفيك جميعا و؟؟ عد من بيت المال مثل ذلك كرّتين، فبسط نسيم كفيه فحصل على ألف دينار.
وحمل أحمد بن طولون ما بقى فوجده أجود عيارا من عيار السندى بن هاشك ومن عيار المعتصم، فتشدد حينئذ أحمد بن طولون في العيار حتى لحق ديناره بالعيار المعروف له- وهو الأحمدى الذى كان لا يصاب بأجود منه.
ولما دخل القائد أبو الحسين جوهر الكاتب الصقلى إلى مصر بعساكر الإمام المعز لدين الله في سنة ٣٥٨ هـ، وبنى القاهرة المعزّية حيث كان مناخه الذى نزل فيه، صارت مصر من يومئذ دار ملكه، وضرب جوهر القائد الدينار المعزّى ونقش عليه فى أحد وجهيه ثلاثة أسطر، أحدها: «دعى الإمام المعز لتوحيد الأحد الصمد» وتحته سطر فيه «ضرب هذا الدينار بمصر سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة» وفي الوجه الآخر «لا إله إلا الله، محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون على أفضل الوحيين وزير خير المرسلين» .
وكثر ضرب الدينار المعزى حتى أن المعز لما قدم إلى مصر سنة ثنتين وستين وثلاثمائة ونزل بقصره من القاهرة، أقام يعقوب بن كلس بن عسلوج بن الحسن لقبض الخراج، فامتنع أن يأخذ إلا دينارا معزيا، فاتضع الدينار الراضى وانحط ونقص من صرفه، أكثر من ربع دينار، وكان صرف الدينار المعزى خمسة عشر درهما ونصفا.
وفي أيام الحاكم بأمر الله- أبى على المنصور بن المعزّ- تزايد أمر الدراهم في شهر ربيع الأول سنة تسع وتسعين وثلاثمائة فبلغت أربعة وثلاثين درهما بدينار، ونزل السعر واضطربت؟؟ أمور الناس، فرفعت تلك الدراهم وأنزل من القصر عشرون صندوقا فيها دراهم جدد فرفعت للصيارف، وقرئ سجل يمنع المعاملة بالدراهم الأولى وترك من في يده شىء منها ثلاثة أيام، وأن يورد جميع ما تحصل
стр. 163
منها إلى دار الضرب، فاضطرب الناس وبلغت أربعة دراهم بدرهم جديد، وتقرر أمر الدارهم الجدد على ثمانية عشر درهما بدينار.
فلما زالت الدولة الفاطمية بدخول الفرس الشام ومصر على يد الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، فى سنة تسع وستين وخمسمائة، قرّرت السّكة بالقاهرة باسم المرتضى بأمر الله وباسم الملك العادل نور الدين محمود بن زنكى، صاحب بلاد الشام، فرسم اسم كل منهما في وجه، وفيها عمت بلوى المصارف بأهل مصر؛ لأن الذهب والفضة خرجا منها وما رجعا وعدما، فلم يوجدا، ولهج الناس بما غمّهم من ذلك وصاروا إذا قيل: دينار أحمر، فكأنما ذكرت حرمة له، وإن حصل في يده فكأنما جاءت بشارة الجنة له، ومقدار ما حدث أنه خرج من القصر ما بين درهم ودينار، ومصاغ وجوهر ونحاس، وملبوس، وأثاث وقماش وسلاح ما لا يفى به ملك الأكاسرة ولا تتصوره الخواطر ولا تشتمل على مثله الممالك ولا يقدر على حسابه إلا من يقدر على حساب الخلق في الآخرة.
نقلت ما هذا نصه من خط القاضى الفاضل عبد الرحيم، ثم لما استبد الملك صلاح الدين، بعد موت الملك العادل نور الدين، أمر في شوال سنة ٥٨٣ بأن تبطل نقود مصر، وضرب الدينار ذهبا مصريا، وأبطل الدرهم الأسود، وضرب الدراهم الناصرية وجعلها من فضة خالصة ومن نحاس، نصفين بالسوى، فاستمر ذلك بمصر والشام إلى أن دخل الملك الكامل ناصر الدين محمد بن العادل أبى بكر محمد بن أيوب، فأبطل الدرهم الناصرى، وأمر في ذى القعدة من سنة ٦٢٢ بضرب دراهم مستديرة، وتقدم أنه لا يتعامل الناس بالدراهم المصرية العتق، وهى التى تعرف في مصر والإسكندرية بالزيوف.
وجعل الدرهم الكامل ثلاثة أثلاث، ثلثيه من فضة، وثلثيه من نحاس، فاستمر ذلك بمصر والشام مدة أيام ملوك بنى أيوب.
فلما انقرضوا وقامت الأتراك من بعدهم أبقوا سائر شعارهم واقتدوا في جميع أحوالهم وأقروا نقدهم على حاله، من أجل أنهم كانوا يفتخرون بالانتماء إليهم، حتى أنى شاهدت المراسيم التى كانت تصدر عن الملك المنصور قلاوون وفيها بعد البسملة «الملكى الصالحى» وتحت ذلك بخطه «قلاوون» .
стр. 164
فلما ولى الملك الظاهر ركن الدين ببيرس البندقدارى، الصالحى، النجمى، وكان من أعظم ملوك الإسلام، وممن يتعين على كل ملك معرفة سيرته، ضرب دراهم ظاهرية وجعلها كل مائة درهم من سبعين درهما فضة خالصة وثلاثين نحاسا رنكة «١» على الدرهم، وهو صورة سبع، فلم تزل الدراهم الظاهرية والكاملية بديار مصر والشام إلى أن فسدت في سنة ٧٨١، بدخول الدراهم الحموية «٢» فكثر تعنت الناس منها، وكان ذلك في إمارة الظاهر برقوق، فلما وصل الأمر إليه وأقام الأمير محمود بن على أستادارا «٣» أكثر من ضرب الفلوس، وأبطل ضرب الدراهم فتناقصت، حتى صارت عرضا ينادى عليه في الأسواق بحراج حراج «٤» وغلبت الفلوس إلى أن قدم الملك المؤيد شيخ عز نصرة من دمشق في رمضان سنة ٨١٧، بعد قتل الأمير نوروز الحافظى نائب دمشق، فوصل مع العسكر وأتباعهم شىء كثير من الدراهم البندقية «٥» والدراهم النوروزية «٦» فتعامل الناس بها وحسن موقعها لبعد العهد بالدراهم.
فلما ضرب الملك المؤيد شيخ عز نصرة الدراهم المؤيدية «٧» فى شوال منها نودى فى القاهرة بالمعاملة بها في يوم السبت ٢٤ صفر سنة ٨١٨ فتعامل الناس بها، وقد قال مسدّد: حدثنا خالد بن عبد الله: حدثنا مالك عن يحيى بن سعيد، عن سعيد ابن المسيب، قال: قطع الدينار والدرهم من الفساد في الآخرة يعنى كسرهما، وأنا أقول: إن في ضرب الملك المؤيد الدراهم المؤيدية ست فضائل:
الأولى: موافقة سنّة رسول الله ﷺ في فريضة الزكاة؛ لأنه قال ﵊، إنما فرضتها في الفضة الخالصة لا المغشوشة.
الثانية: اتباع سبيل المؤمنين، وذلك أنه اقتدى في عملها خالصة بالخلفاء
стр. 165
الراشدين، وقد تقدم بيان ذلك فلا حاجة إلى إعادته.
الثالثة: أنه لم يتبع سنّة المفسدين الذين نهى الله عن اتباعهم بقوله :
وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ
«١» وبيان ذلك: أن الدراهم لم تغشّ إلا عند تغلب المارقين الذين اتبعوا قوما قد ضلوا كما مرّ آنفا.
الرابعة: أنه نكب عن الشره في الدنيا، وذلك أن الدرا؟؟ هم لم تغشّ إلا للرغبة في الازدياد منها.
الخامسة: أنه أزال الغش عملا بقوله ﷺ : «من غشنا فليس منا» «٢» .
السادسة: أنه فعل ما فيه نصح لله ولرسوله، وقد علم قوله عليه أفضل الصلاة والسلام: الدين النصيحة. الحديث «٣» . ويمكن أن يتلمح لها فوائد أخر.
وإنه ليكثر تعجّبى من كون هذه الدراهم المؤيدية ولها من الشرف والفضل ما ذكر، وللملك المؤيد من عظيم القدر، وفخامة الأمر ما هو معروف، ومع ذلك تكوم مضافة ومنسوبة إلى الفلوس، التى لم يجعلها الله تعالى قط نقدا في قديم الدهر وحديثه، إلى أن راجت في أيام أقبح الملوك سيرة وأردأهم سريرة: الناصر فرج، وقد علم كل من رزق فهما وعلما أنه حدث من رواجها خراب الإقليم، وذهاب نعمة أهل مصر وأن هذا في الحقيقة كعكس للحقائق، فإن الفضة هى نقد شرعى، لم تزل في العالم والفلوس، إنما هى أشبه بلا شىء، فيصير المضاف مضافا إليه، اللهم ألهم مولانا الملك المؤيد بحسن السفارة الكريمة، أن يألف من أن يكون نقده مضافا إلى غيره، وأن يجعل نقده تضاف إليه النقود، كما جعل الله تعالى اسمه الشريف يضاف إليه اسم كل من رعيته، بل كل ملك من مجاورى ملكه، والأمر في ذلك سهل إن شاء الله تعالى.
стр. 166
وذلك أنه برز المرسوم الشريف، لموالينا قضاة القضاة، أعز الله بهم الدين، أن يلزموا شهود الحوانيت، بأن لا يكتب سجل أرض، ولا إجارة دار ولا صداق امرأة ولا مسطور بدين، إلا ويكون المبلغ من الدنانير المؤيدية، ويبرز أيضا للدواوين الملكية ودواوين الأمراء، والأوقاف ألا يكتبوا في دفاتر حساباتهم متحصلا ولا مصروفا إلا من الدراهم المؤيدية، فتصير الدراهم المؤيدية ينسب إليها ما عداها من النقود، كما جعل الله تعالى الملك المؤيد عزّ نصرة، يضاف إليه ويتشرف به كل من انتسب أو انتمى إليه، والله تعالى أعلم.
وأما الفلوس، فإنه لم تزل سنة الله في خلقه وعادته المستمرة، منذ كان الملك إلى أن حدثت الحوادث والمحن بمصر، منذ سنة ست وثمانمائة، فى جهات الأرض كلها- عند كل أمة من الأمم، كالفرس، والروم، وبنى إسرائيل، واليونان والقبط والنبط، والتبابعة، وأفيال اليمن، والعرب العاربة والعرب المستعربة، ثم في الدولة الإسلامية، من حين ظهورها. على اختلاف دولها التى قامت بدعوتها، كبنى أمية بالشام والأندلس وبنى العباس بالعراق، والعلويين بطبرستان وبلاد المغرب، وديار مصر والشام وبلاد الحجاز واليمن ودولة بنى بويه، ودولة الترك بنى سلجوق، ودولة الأكراد بمصر والشام، ودولة بنى مرين بالمغرب، ودولة بنى نصر بالأندلس، ودولة بنى حفص بتونس، ودولة بنى رسول باليمن، ودولة الحطى بالحبشة، ودولة بنى تيمورلنك بسمرقند، ودولة بنى عثمان بالجانب الشمالى الشرقى- أن التى تكون إثمانا للمبيعات، وقيم الأعمال، إنما هى الذهب والفضة فقط.
ولا يعلم في خبر صحيح ولا سقيم عند أمة من الأمم، ولا طائفة من طوائف البشر، أنهم اتخذوا أبدا في قديم الزمان ولا حديثه نقدا غيرهما، إلا أنه لما كانت فى المبيعات محقرات تقل عن أن تباع بدرهم، أو بجزء منه، احتاج الناس من أجل هذا في القديم والحديث من الزمان إلى شىء سوى الذهب والفضة، يكون بإزاء تلك المحقرات، ولم يسمّ أبدا ذلك الشىء الذى جعل للمحقرات نقدا البتة، فيما عرف من أخبار الخليقة، ولا أقيم قط بمنزلة أحد النقدين، واختلفت مذاهب البشر وآراؤهم فيما يجعلونه بإزاء تلك المحقرات، ولم يزل بمصر والشام وعراقى العرب والعجم وفارس والروم في أول الدهر وآخره، ملوك هذه الأقاليم،
стр. 167
لعظمهم وشدة بأسهم، ولعزة ملكهم وكثرة شأوهم وخنزوانية «١» سلطانهم، يجعلون بإزاء هذه المحقرات نحاسا يضربون منه قطعا صغارا تسمى فلوسا «٢» لشراء ذلك، ولا يكاد يوجد منها إلا اليسير، ومع ذلك فإنها لم تقم أبدا في شىء من هذه الأقاليم، بمنزلة أحد النقدين قط.
وقد كانت الأمم في الإسلام وقبله، لهم أشياء يتعاملون بها بدل الفلوس كالبيض والكسر من الخبز والورق ولحاء «٣» الشجر والودع «٤» الذى يستخرج من البحر ويقال له: الكورى وغير ذلك.
وقد استقصيت ذكره في كتاب (إغاثة الأمة بكشف الغمّة) وكانت الفلوس لا يشترى بها شىء من الأمور الجليلة وإنما هى لنفقات الدور، ومن أنعم النظر «٥» فى أخبار الخليفة عرف ما كان الناس فيه بمصر والشام والعراق من رخاء الأسعار، فيصرف الواحد العدد اليسير من الفلوس في كفاية يومه.
فلما كانت أيام محمود بن على، أستادار الملك الظاهر برقوق، استكثر من الفلوس، وصارت الفرنج تحمل النحاس الأحمر رغبة في فائدته، واشتهر الضرب فى الفلوس عدة أعوام والفرنج تأخذ ما بمصر من الدراهم إلى بلادهم، وأهل البلد تسبكها، لطلب الفائدة حتى عزّت وكادت تفقد، وراجت الفلوس رواجا عظيما حتى نسب إليها سائر المبيعات وصار يقال: كل دينار بكذا من الفلوس.
وتالله، إن هذا الشىء يستحيا من ذكره لما فيه من عكس الحقائق إلا أن الناس لطول تمرنهم عليه ألفوه، إذ هم أبناء العوائد، وإلا فهو في غاية القبح، والمرجو أن يزيل الله عن بلاد مصر هذا العار، بحسن السفارة الكريمة، أرجو إن شاء الله تعالى أن يكون الأمر فيه هينا، وذلك أن ينظر إلى النحاس الأحمر القرص المجلوب من بلاد الفرنج كم سعر القنطار منه، ويضاف إلى ثمن القنطار جملة ما يصرف عليه بدار الضرب إلى أن يصير فلوسا، فإذا جمل ذلك عرف كم يصرف لكل دينار
стр. 168
من الفلوس، وإذا عرف كم كل دينار منها، عرف بكم كل درهم مؤيدى وفي هذا سر شريف، وهو أنه من استقرى سير فضلاء الملوك، فإنه يجدهم يأنفون أن يبقى لغيرهم ذكر، ويحرصون على تفردهم بالمجد فإذا ضرحت «١» هذه الفلوس صار نقدا للناس، بين درهم مؤيدى وفلوس مؤيدية.
وكفاك إشارة وتنبيها على شرف بقاء الذكر مدى الدهر، قول الله تعالى عن إبراهيم الخليل، صلوات الله وسلامه عليه: وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ
«٢» .
وقوله تعالى في معرض الامتنان على نبينا محمد ﷺ : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ
«٣» .
وقوله تعالى: وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ
«٤» .
وهذه رتبة لا يرغب عنها إلا خسيس القدر وضيع النفس، ومقام الملوك يجل عن أن يشاركهم أحد في رتبة عزّ أو منصب رفعة، وإنى لأرجو الله سبحانه أن يصلح الله بحسن سفارتكم ما قد فسد، إن شاء الله تعالى.
ولولا خوف الإطالة لذكرت ما كان من ضرب الملوك للفلوس وأنها لم تزل بالعدد إلى أن أمر الأمير يلبغا السالمى- رحمة الله عليه- أن تكون بالميزان وذلك فى سنة ٨٠٦ وللبلاد قوانين وعوائد متى اختلت فسد نظامها.
والله تعالى يختم بخير أعمالنا، والحمد الله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. انتهى.
стр. 169
معرفة ما يجب لآل البيت النبوى من الحق على من عداهم
стр. 170
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله حق حمده، وصلى الله على محمد رسوله وعبده، وآله وصحبه وأتباعه وجنده.
وبعد: فإنى لما رأيت أكثر الناس في حق آل البيت مقصرين، وعمّا لهم من الحق معرضين، ولمقدارهم مضيعين، وبمكانتهم من الله تعالى جاهلين، أحببت أن أقيّد في ذلك نبذة تدل على عظيم مقدارهم، وترشد المتقى لله تعالى على جليل أقدارهم، ليقف عنده حده، ويصدق بما وعدهم الله ومنّ [به] «١» عليهم من صادق وعده.
والله أسأل الهداية، وأعوذ به من الضلال والغواية، إنه قريب مجيب.
[فصل في تفسير آية التطهير وبيان المراد بأهل البيت في الآية المباركة]
(فصل) قال الله ﷻ : إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
«٢» .
قال الأستاذ أبو الحسن على بن إسماعيل بن سيده «٣» ﵀:
الرّجس: القذر.
وقال ابن دريد «٤» : ورجل مرجوس، ورجس: نجس، وأحسبهم قد قالوا:
رجس: نجس، وهى الرجاسة «٥» .
стр. 171
والنجاسة والرجس: العذاب، كالرجز، ورجس الشيطان وسوسته «١» .
وقال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى «٢» ﵀: يقول الله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ
أى السوء والفحشاء يا أهل البيت، بيت محمد، ويطهركم من الدنس الذى يكون في أهل معاصى الله تطهيرا.
وذكر بسنده عن [سعيد عن] «٣» قتادة قوله: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
: فهم أهل بيت طهرهم الله من السوء وخصهم برحمة منه.
وعن ابن وهب قال نقلا عن [ابن] «٤» زيد قال: الرجس هاهنا الشيطان وسوى ذلك من الرجس الشر [ك] «٥» ، واختلف أهل التأويل في الذين عنوا بقوله: أَهْلَ الْبَيْتِ
فقال بعضهم: عنى به رسول الله ﷺ ، وعلىّ، وفاطمة، والحسن والحسين، رضى الله عنهم، ثم ذكر من حديث مندل عن الأعمش عن عطية، عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ :
«نزلت هذه الآية في خمسة: فىّ وفي على، وحسن، وحسين، وفاطمة ...
إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
«٦» .
ومن حديث زيد، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة رضى الله عنها قالت:
كان النبى ﷺ عندى وعلى وفاطمة والحسن والحسين، فجعلت لهم خزيرة «٧»
стр. 172
فأكلوا وناموا وغطى عليهم كساء، أو قطيفة، ثم قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتى، أذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرا» .
ومن حديث [يونس] «١» بن إسحاق قال: أخبرنى أبو داود عن أبي الحمراء قال: رابطت المدينة سبعة أشهر على عهد النبى ﷺ قال: رأيت النبى ﷺ إذا طلع الفجر جاء إلى باب على، وفاطمة، رضى الله عنهما، فقال: «الصلاة الصلاة، إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
» .
ومن حديث أبى نعيم الفضل بن ركين قال: حدثنا عبد السلام بن حرب، عن كلثوم المحاربى، عن أبى عمار قال، إنى لجالس عند واثلة بن الأسقع- رضى الله عنه- وذكروا عليا- رضى الله عنه- فشتموه، فلما قاموا قال: اجلس حتى أخبرك عن هذا الذى شتموه، إنى عند رسول الله ﷺ إذ جاءه على، وفاطمة، وحسن، وحسين، فألقى عليهم كساء له، ثم قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتى، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، قلت: يا رسول الله، وأنا، قال: وأنت، قال: فو الله إنها لمن أوثق عمل عندى.
ومن الحديث الوليد بن مسلم قال: حدثنا ابن عمرو قال: حدثنى شدّاد أبو عمار قال: سمعت واثلة بن الأسقع يحدث قال: سألت عن على بن أبى طالب، رضى الله عنه، في منزله، فقالت فاطمة، رضى الله عنها: قد ذهب يأتى برسول الله ﷺ ، إذ جاء، فدخل رسول الله ﷺ ، ودخلت، فجلس رسول الله ﷺ على الفراش، وأجلس فاطمة عن يمينه وعليا عن يساره، وحسنا، وحسينا رضوان الله عليهم، بين يديه، فلقع عليهم بثوبه، وقال: «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
، اللهم هؤلاء أهلى، اللهم أهلى أحق» قال واثلة فقلت: من ناحية البيت: وأنا يا رسول الله من أهلك؟ قال: «وأنت من أهلى» قال واثلة: إنها لمن أرجى ما أرتجى.
ومن حديث وكيع، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب عن أم سلمة، رضى الله عنها، قالت: لما نزلت الآية: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
دعا رسول الله ﷺ عليا، وفاطمة، وحسنا
стр. 173
وحسينا فجلّل عليهم «١» بكساء خيبرى «٢» وقال: «اللهم هؤلاء أهل بيتى، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا» قالت أم سلمة: ألست منهم؟ قال: «أنت إلىّ خير» .
ومن حديث سعيد بن زربى، عن محمد بن سيرين، عن أبى هريرة، رضى الله عنه، عن أم سلمة رضى الله عنها، قالت: جاءت فاطمة رضى الله عنها إلى رسول الله ﷺ ببرمة «٣» لها قد صنعت فيها عصيدة تحملها على طبق، فوضعتها بين يديه، فقال: أين ابن عمك، وابناك؟ فقالت: في البيت. فقال: ادعيهم.
فجاءت عليا فقالت: أجب النبى ﷺ أنت وابناك. قالت أم سلمة: فلما رآهم مقبلين مد يده إلى كساء كان على المنامة «٤» ، فمده، وبسطه، فأجلسهم عليه، ثم أخذ بأطراف الكساء الأربعة بشماله فضمه فوق رؤوسهم وأومأ بيده اليمنى إلى ربه تعالى، ذكر، ثم قال: «اللهم هؤلاء أهل البيت، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا» .
ومن حديث فضيل بن مروزق، عن عطية، عن أبى سعيد، عن أم سلمة زوج النبى ﷺ ؛ أن هذه الآية نزلت في بيتها: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
قالت: وأنا جالسة على باب البيت، فقلت: أنا يا رسول الله، ألست من أهل البيت؟ قال: إنك إلى خير، أنت من أزواج النبى.
قالت: وفي البيت رسول الله ﷺ [وعلى] «٥» وفاطمة، والحسن والحسين.
ومن حديث هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبى وقاص، عن عبد الله بن وهب ابن زمعة قال: أخبرتنى أم سلمة رضى الله عنها، أن رسول الله ﷺ جمع فاطمة، والحسن والحسين، رضى الله عنهم، ثم أدخلهم تحت ثوبه، ثم جأر «٦» إلى الله تعالى و [قال] «٧» : «اللهم هؤلاء أهل بيتى» فقالت أم سلمة: يا رسول الله، أدخلنى معهم. قال: إنك من أهلى.
стр. 174
ومن حديث محمد بن سليمان [بن] «١» الأصبهانى، عن يحيى بن عبيد المكى عن عطاء عن عمر بن أبى سلمة قال: نزلت هذه الآية على النبى ﷺ وهو في بيت أم سلمة إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
فدعا حسنا، وحسينا، وفاطمة، فأجلسهم بين يديه، ودعا عليا فأجلسه خلفه، فتجلّل «٢» هو وهم بالكساء، ثم قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتى فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا» قالت أم سلمة: أنا معهم؟ قال: «أنت [على] «٣» مكانك، وأنت على خير» .
ومن طريق السدّى، عن أبي الدّيلم قال: قال على بن الحسين- ﵀ لرجل من أهل الشام: أما قرأت في الأحزاب: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
. قال: ولأنتم هم؟ قال: نعم.
ومن حديث بكير بن أسماء قال: سمعت عامر بن سعد قال: قال سعد: قال رسول الله ﷺ حين نزل عليه الوحى، فأخذ عليا وابنيه، وفاطمة، فأدخلهم تحت ثوبه ثم قال: «رب هؤلاء أهلى، وأهل بيتى» .
ومن حديث عبد الله بن عبد القدوس عن الأعمش عن حكيم بن سعد قال:
ذكرنا على بن أبى طالب عند أم سلمة رضى الله عنها فقالت: في بيتى نزلت:
إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
قالت أم سلمة: جاء النبى ﷺ إلى بيتى فقال: لا تأذن لأحد. فجاءت فاطمة، رضى الله عنها، فلم أستطع أن أحجبها عن أبيها، ثم جاء الحسن، رضى الله عنه، فلم أستطع أن أمنعه أن يدخل على جده وأمه، ثم جاء الحسين فلم أستطع أن أحجبه، فاجتمعوا حول النبى ﷺ على بساط، فجللهم النبى ﷺ بكساء كان عليه، ثم قال: «هؤلاء أهل بيتى فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا» .
هذه الآية نزلت حين اجتمعوا على البساط. قالت أم سلمة: فقلت: يا رسول الله، وأنا؟ قالت: فو الله ما أنعم «٤» وقال: إنك إلى خير.
وقال آخرون: بل عنى بذلك أزواج النبى ﷺ .
ثم ذكر من طريق الأصبغ [عن علقمه] «٥» قال: كان عمر رضى الله عنه
стр. 175
ينادى في السوق: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً.
قال: نزلت في نساء النبى ﷺ خاصة.
وقال العلامة أبو محمد ابن عطية «١» :
والرجس اسم يقع على الإثم وعلى [العذاب] «٢» ، وعلى النجاسات والنقائص، فأذهب الله تعالى جميع ذلك عن أهل البيت [ونصب أهل البيت] «٣» على المدح.
أو على النداء للمضاف أو بإضمار: أعنى.
واختلف الناس في أهل البيت من هم؟ فقال عكرمة، ومقاتل، وابن عباس [رضى الله عنهم] «٤» : هم زوجاته خاصة لا رجل معهم «٥» ، وذهبوا إلى أن البيت أريد به مساكن النبى ﷺ .
قال أبو سعيد الخدرى، رضى الله عنه، قال رسول الله ﷺ : نزلت هذه الآية في خمسة: فىّ، وفي على، وفاطمة، والحسن، والحسين.
ومن حجة الجمهور قوله: عَنْكُمُ
، ويُطَهِّرَكُمْ
بالميم، ولو كان للنساء خاصة لقال: «عنكن» .
قال ابن عطية: والذى يظهر [لى] «٦» أن زوجاته لا يخرجن عن ذلك البتة، فأهل البيت: زوجاته، وبنته وبنوها، وزوجها، وهذه الآية تقتضى أن الزوجات من أهل البيت؛ لأن الآية فيهن، والمخاطبة لهن. أما [أن] «٧» أم سلمة، رضى الله عنها قالت: نزلت هذه الآية في بيتى، فدعا «٨» رسول الله ﷺ عليا،
стр. 176
وفاطمة، وحسنا، وحسينا، فدخل معهم «١» تحت كساء خيبرى، وقال: «هؤلاء أهل بيتى، وقرأ الآية، وقال: اللهم أذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرا» .
قالت أم سلمة: فقلت: وأنا يا رسول الله؟ فقال: «أنت من أزواجى وأنت إلى خير» .
وقال الثعلبى «٢» : قيل: هم بنو هاشم، فهذا على [أن] «٣» البيت يراد به بيت النسب، فيكون العباس وأعمامه [وبنو أعمامه] «٤» منهم، وروى نحوه عن زيد بن أرقم، رضى الله عنه.
وقال الشيخ أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبى «٥» : إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ
قال الزجاج: قيل: يراد به نساء النبى ﷺ ، وقيل:
يراد به نساؤه وأهله الذين هم أهل بيته. وأهل [البيت] «٦» : نصب على المدح قال: وإن شئت على البدل. قال: ويجوز الرفع والخفض. قال [النحاس] «٧» : إن خفض على أنه بدل من الكاف والميم لم يجز عند أبي العباس محمد بن يزيد «٨» قال: لا يبدل من المخاطب، ولا من المخاطب؛ لأنهما لا يحتاجان إلى تبيين «ويطهركم تطهيرا» مصدر فيه معنى التوكيد.
стр. 177
قوله: وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ
«١» . هذه الألفاظ تعطى أن أهل البيت: نساؤه.
ومن اختلف أهل العلم في أهل البيت من هم؟
فقال عطاء وعكرمة وابن عباس: هم زوجاته خاصة لا رجل معهن، وذهبوا إلى أن البيت أريد به مساكن النبى ﷺ لقوله تعالى: وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَ.
وقال فرقة منهم الكلبى: هم على وفاطمة والحسن والحسين خاصة، وفي هذا أحاديث عن النبى ﷺ ، واحتجوا بقوله تعالى: لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
بالميم، ولو كان للنساء خاصة لكان: «عنكن» و «يطهركن» إلا أنه يحتمل أن يكون خرج على لفظ الأهل، يقول الرجل لصاحبه: كيف أهلك؟ أى امرأتك ونساؤك. فيقول: هم بخير. قال تعالى: أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ
«٢» .
[والذى يظهر من الآية أنها عامة في جميع أهل البيت] «٣» من الأزواج وغيرهم، وإنما قال: وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
؛ لأن رسول الله ﷺ ، وعليا وحسنا وحسينا كانوا فيهم. وإذا اجتمع المذكر والمؤنث، غلب المذكر، فاقتضت الآية أن الزوجات من أهل البيت؛ لأن الآية فيهن، والمخاطبة لهن، يدل عليه سياق الكلام والله أعلم.
أما أن أم سلمة رضى الله عنها قالت: نزلت هذه الآية في بيتى، فدعا رسول الله ﷺ عليا، وفاطمة، وحسنا، وحسينا، فدخل معهم تحت كساء خيبرى، وقال: «هؤلاء أهل بيتى، وقرأ الآية، وقال: اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا» فقالت أم سلمة، وأنا معهم يا نبى الله؟ قال: «أنت على مكانك وأنت على خير» .
أخرجه الترمذى «٤» وغيره «٥» وقال: هذا حديث غريب.
стр. 178
وفي رواية: وقالت أم سلمة: أدخلت رأسى في الكساء وقلت: وأنا منهم؟
قال: نعم.
وقال الثعلبى: هم بنو هاشم، فهذا [يدل] «١» على أن البيت يراد به بيت النسب، فيكون العباس وأعمامه وبنو أعمامه منهم، وروى نحوه عن زيد بن أرقم.
وعلى قول الكلبى، يكون قوله: وَاذْكُرْنَ
ابتداء مخاطبة أمر الله تعالى أزواج النبى ﷺ على جهة الموعظة وتعديد النعمة بذكر ما يتلى في بيوتكن من آيات الله تعالى والحكمة.
قال أهل العلم بالتأويل: آيات الله: القرآن، والحكمة: السنّة.
والصحيح أن قوله: وَاذْكُرْنَ
منسوق «٢» على ما قبله، وقال: عَنْكُمُ
كقوله: أَهْلَ
فالأهل مذكر، فسماهن- وإن كن إناثا- باسم التذكير، فلذلك صار «عنكم» ، ولا اعتبار بقول الكلبى وأشباهه فإنه توجد له أشياء من هذا التفسير ما [لو] «٣» كان في [زمن] «٤» السلف الصالح لمنعوه وحجروا عليه.
فالآيات كلها من قوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ
إلى قوله: إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً
«٥» ، منسوق بعضا على بعض، فكيف صار في الوسط كلاما منفصلا لغيرهن؟ وإنما هذا شىء جرى في الأخبار أن رسول الله ﷺ لما نزلت هذه الآية دخل عليه على، وفاطمة، والحسن، والحسين، رضى الله عنهم، فعمد النبى ﷺ إلى كساء فلفها عليهم، ثم ألوى «٦» بيده إلى السماء فقال: «اللهم هؤلاء أهل بيتى، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا» «٧» .
فهذه دعوة رسول الله ﷺ بعد نزول الآية، أحب أن يدخلهم في الآية التى خوطب بها [الأزواج] «٨» ، فذهب الكلبى وطائفة أنها لهم خاصة، وإنما هى دعوة لهم خارجة عن التنزيل والله أعلم.
стр. 179
وقال العلامة نجم الدين سليمان بن عبد القوى بن عبد الكريم الطوفى «١» فى كتاب «الإشارات الإلهية في المباحث الأصولية» قوله : إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
احتج بها الشيعة على أن أهل البيت معصومون، ثم على أن إجماعهم حجة، وكل من كان كذلك فهو معصوم.
أما الأولى: فلنص هذه الآية.
وأما الثانية: فلأن الرجس اسم جامع لكل شر ونقص، والخطأ وعدم العصمة بالجملة شر ونقص، فيكون ذلك مندرجا تحت عموم الرجس الذاهب عنهم، فتكون الإصابة في القول والفعل والاعتقاد، والعصمة بالجملة ثابتة لهم، وأيضا فلأن الله طهرهم، وأكد تطهيرهم بالمصدر حيث قال: وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
أى ويطهركم من الرجس وغيره تطهيرا؛ إذ هى تقتضى عموم تطهيرهم من كل ما ينبغى التطهر منه عرفا أو عقلا، أو شرعا؛ والخطأ وعدم العصمة داخل تحت ذلك، فيكونون مطهرين منه، ويلزم من ذلك عموم إصابتهم وعصمتهم.
ثم أكدوا دليل عصمتهم من الكتاب والسنة في علىّ رضى الله عنه وحده، وفي فاطمة ﵍ وحدها، وفي جميعهم. أما دليل العصمة في على رضى الله عنه [فلما] «٢» ثبت أن النبى ﷺ لما أرسله إلى اليمن قاضيا قال: يا رسول الله، كيف تبعثنى قاضيا ولا علم لى بالقضاء؟ قال: [اذهب] «٣» فإن الله سيهدى قلبك، ويسدد لسانك، ثم ضرب صدره وقال: «اللهم اهد قلبه وسدد لسانه» . قالوا:
قد دعا له بهداية القلب [وسداد] «٤» اللسان، وأخبره بأن سيكونان له، ودعاؤه مستجاب، وخبره حق وصدق، ونحن لا نعنى بالهداية إلا هداية القلب، ونطق اللسان بالصدق، فمن كان عنده للعصمة معنى غير هذا أو ما يلازمه فليذكره.
وأما دليل العصمة في جميعهم، أعنى في فاطمة رضى الله عنها، فقوله صلى الله عليه وسلّم
стр. 180
«فاطمة بضعة منى يريبنى ما رابها، ويؤذينى ما آذاها» «١» والنبى ﷺ معصوم، فبضعته- أى جزؤه، والقطعة منه يجب أن تكون معصومة.
وأما دليل العصمة في جميعهم، أعنى عليا وفاطمه وولديهما، فلقوله ﷺ :
«إنى تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتى أهل بيتى، وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض» رواه الترمذى «٢» .
ووجه دلالته أنه لازم بين أهل بيته، والقرآن المعصوم، وما لازم المعصوم فهو معصوم. قالوا: وإذا ثبت عصمة أهل البيت وجب أن يكون إجماعهم حجة لامتناع الخطأ والرجس عليهم بشهادة السمع المعصوم، وإلا لزم وقوع الخطأ فيه وإنه محال.
واعترض الجمهور بأن قالوا: لا نسلم أن أهل البيت في الآية من ذكرتم بل هم نساء النبى ﷺ بدليل سياقها وانتظام ما استدللتم به معه، فإن الله تعالى قال:
يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَ
«٣» الآية.
ثم استطردها إلى أن قال: وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ
الآية.
فخطاب نساء النبى ﷺ ، مكتنف لذكر أهل البيت قبله وبعده، منتظم له، فاقتضى أنهن المراد به، وحينئذ لا يكون لكم في الآية متعلق أصلا، ويسقط الاستدلال بها بالكلية، سلمناه، لكن لا نسلم أن المراد بالرجس ما ذكرتم، بل المراد به رجس الكفر، أو نحوه من المسميات الخاصة.
وأما ما أكدتم به عصمتهم من السنة فأخبار آحاد لا تقولون بها مع أن دلالتها ضعيفة.
следующие страницы →