Полный текст (214 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
المسلمين. فإن الإسلام صادف اليهود تحت ذمة الفرس. ولم يبقَ لهم مدينة ولا جيش إلا العرب المتهودة بخيبر.
وأشد على اليهود من جميع هذه الممالك ما نالهم من ملوكهم العصاة مثل أحاب وأحزيا وأمصيا وبهورام وبرعام بن نباط وغيرهم من الملوك الإسرائيليين الذين قتلوا الأنبياء، وبالغوا في تطلبهم ليقتلوهم، وعبدوا الأصنام، وأحضروا من البلاد سدنة الأصنام لتعظيمها وتعليم رسوم عبادتها، وابتنوا لها البيع والهياكل، وعكف على عبادتها الملوك ومعظم بني إسرائيل، وتركوا أحكام التوراة والشرع مدة طويلة وأعصارا متصلة.
فإذا كان هذا تواتر الآفات عليهم من قبل ملوكهم ومنهم على أنفسهم، فما ظنك بالآفات المتفننة التي تواترت عليهم من استيلاء الأمم فيما بعد، وقتلهم أئمتهم وإحراقهم كتبهم، ومنعهم إياهم عن القيام بشرائعهم، فإن الفرس كثيرا ما منعوهم عن الختان وكثيرا ما منعوهم عن الصلاة؛ لمعرفتهم بأن معظم صلوات هذه الطائفة دعاء على الأمم بالبوار وعلى العالم بالخراب سوى بلادهم التي هي أرض كنعان١.
الحواشي
(١) ١ جاء في سفر التثنية ٢٨/ ٥٨ - ٦٢: إن لم تحرص لتعمل بجميع كلمات هذا الناموس المكتوبة في هذا السفر يجعل الرب ضرباتك وضربات نسلك عجيبة ... فتبقون نفرا قليلا ...
٢٨/ ٦٣: وكما فرج الرب لكم ليحسن إليكم ويكثركم، كذلك يفرح الرب لكم ليفنيكم ويهلككم فتستأصلون من الأرض التي أنت داخل فيها لتمتلكها.
٢٨/ ٦٤: ويبددك الرب في جميع الشعوب من أقصاء الأرض إلى أقصائها ...
٢٨/ ٦٥: وفي تلك الأمم لا تطمئن، ولا يكون قرار لقدمك؛ بل يعطيك الرب هناك قلبا مرتجفا وكلال العينين وذبول النفس.
٢٨/ ٦٦: وتكون حياتك معلقة قدامك، وترتعب ليلا ونهارا، ولا تأمن على حياتك.
٢٨/ ٦٧: في الصباح تقول: يا ليته المساء، وفي المساء تقول: يا ليته الصباح من ارتعاب قلبك الذي ترتعب، ومن منظر عينيك الذي تنظر.стр. 142
فلما رأت اليهود الجِد من الفرس في منعهم من الصلاة، اخترعوا أدعية زعموا أنها فصول من صلاتهم، وسموها الخزانة، وصاغوا لها ألحانا عديدة، وصاروا يجتمعون في أوقات صلواتهم على تلحينها وتلاوتها.
والفرق بين هذه الخزانة وبين الصلاة أن الصلاة بغير لحن، وأن المصلي يتلو الصلاة وحده، ولا يجهر معه غيره. وأما الخزانة، فيشاركه جماعة في الجهر بالخزانة، ويعاونونه في الألحان. وكانت الفرس إذا أنكرت ذلك منهم زعمت اليهود أنهم يغنون أحيانا، وينوحون أحيانا على أنفسهم، فتركوهم وذاك.
ومن العجب أن دولة الإسلام لما جاءت مقرة لأهل الذمة على ديانتها، وصارت الصلاة مباحة لهم، صارت الخزانة عند اليهود من السنن المستحبة في الأعياد والمواسم والأفراح، يجعلونها عوضا عن الصلاة، ويستغنون بها عنها من غير ضرورة تبعثهم على ذلك.
стр. 143
فصل فيما يعتقدونه في دين الإسلام:
هم يزعمون أن المصطفى ﷺ كان قد رأى أحلاما تدل على أنه صاحب دولة، وأنه سافر إلى الشام في تجارة لخديجة ﵂ واجتمع بأحبار اليهود، وقص عليهم أحلامه، فعلموا أنه صاحب دولة -زعموا- فأصحبوه عبد الله بن سلام، فقرأ عليه علوم التوراة وفقهها مدة.
زعموا وأفرطوا في دعواهم، إلى أن نسبوا الفصاحة المعجزة التي في القرآن إلى تأليف عبد الله بن سلام١.
الحواشي
(١) ١ طفق أهل الكتاب قديما وحديثا يتهمون رسول الله ﷺ بأنه إنما تعلم من غيره، ثم لفَّق منه الدين الذي ادعاه: فزعمت النصارى أنه تعلم من الراهب بحيرا. وزعمت اليهود أنه تعلم من عبد الله بن سلام ﵁ كما ذكر المؤلف ﵀ والادعاء سهل، ولا سيما مع الضغن، لكن العقلاء إنما يعولون على الوقائع والبراهين. ومما يدل على بطلان دعواهم وتعسفهم فيها ما يلي:
١ - أن أخبار محمد ﷺ منذ ولد إلى أن بعثه الله بالنبوة والرسالة ثم توفاه مستفيضة مشهورة متواترة، فقد ظهر أمره، وانتشرت أخباره أكثر من سائر أولاد آدم.
وقد علم بالتواتر أنه ﷺ ولد في مكة المكرمة، ونشأ بها بعد أن =стр. 144
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = كان مسترضعا في بني سعد بن بكر. وكانت مكة من الصغر بحيث يعرف أهلها بعضهم أخبار بعض معرفة تامة محيطة.
ومن حكمة الله سبحانه أنه لم يكن فيها أحد من علماء أهل الكتاب مطلقا. بل كان قومه المشركون يرسلون في أول بعثته إلى البلاد التي فيها علماء من أهل الكتاب يسألونهم عن أمره. فيرسل اليهود إليهم بمسائل يمتحنون بها نبوته. والآيات التي نزلت في ذلك والأحاديث التي وردت كثيرة مشهورة.
إن قومه المعادين له -وهم أعرف الناس بحاله من مولده إلى مبعثه- يعلمون حق العلم أنه ﷺ لم يتعلم لا من أهل الكتاب ولا من غيرهم، ولم يجتمع بأحد من علماء أهل الكتاب ممن يعرف اللسان العربي؛ لأنهم يعلمون أنه لم يغادر مكة قبل البعثة إلا مرتين تحت سمعهم وبصرهم:
- مرة وهو صغير يقارب عمره اثني عشر عاما مع عمه أبي طالب في نفر من قريش، لم يفارقهم فيها حتى رآه الراهب بحيرا، فعرفه من صفاته، وألح على عمه أن يرده إلى مكة مخافة أن تعرفه يهود. فرده عمه إلى مكة.
أخرج ابن أبي شيبة وابن إسحاق أنه لما بلغ ﷺ اثنتي عشرة سنة خرج مع عمه أبي طالب -وعند رزين: في أشياخ من قريش- حتى بلغ بصرى، فرآه بحيرا الراهب -واسمه جرجس- فعرفه بصفته، فقال: هذا سيد العالمين، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين. فقال: وما علمك بذلك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبقَ حجر ولا شجر إلا وخر ساجدا. ولا تسجد إلا لنبي، وأقبل، وعليه غمامة تظله، وإني أعرفه بخاتم النبوة في أسفل غضروف كتفه مثل التفاحة، وإنا نجده في كتبنا. وسأل أبا طالب أن يرده خوفا عليه من اليهود، وعند رزين =стр. 145
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = والترمذي: وجعل يناشدهم ألا يذهبوا به. ويقول: إن رأوه عرفوه بالصفة وآذوه. ثم قال: أنشدكم أيكم وليه؟ قالوا: هذا -يعنوني- فمازال يناشدني حتى رددته مع رجال. وزوده الراهب كعكا وزيتا.
- ومرة أخرى وهو كبير مع ركب من قريش في تجارة، لم يفارقهم فيها أيضا، ولا خلا أو اجتمع بأحد دونهم، ولا سيما ميسرة غلام خديجة ﵂ فإنه كان مساعده في التجارة. ثم عاد وأخبر خديجة ﵂ بكل ما رآه من صدقه وأمانته وطيب نفسه وغير ذلك، مما مهد لزواجها منه فيما بعد.
فإذا كان لم يسافر إلا هاتين السفرتين، ولم يره بحيرا إلا بعض نهار مع نفر من قريش، ولم يكلمه إلا كلمات يسيرة، يستخبرها بها عن حاله في حضور عمه وغيره. فكيف يتعلم هذه العلوم في سفرتين صغيرتين من بحيرا أو من غيره؟!
علما بأن قومه المشركين كانوا أشد الناس عداوة له وحرصا على تكذيبه وإبطال أمره. ولو أنه تعلم من بشر لعلموا بذلك قطعا، ولطعنوا فيه وأظهروه لينفض عنه أتباعه بدلا من اضطهادهم أولا ثم محاربتهم. ولو حصل هذا بشهوده وبراهينه لتناقله الناس ووصل إلينا. فمع كمال علمهم بحاله يمتنع ألا يعلموا ذلك لو كان، ومع حرصهم على القدح فيه يمتنع ألا يقدحوا فيه، ولو قدحوا فيه من هذه الناحية لامتنع ألا يظهر ذلك ويصل إلينا؛ لأنه من أعظم ما تتوفر الدواعي على نقله وإشاعته. قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦]. الجواب الصحيح ١/ ١٤١، ٣/ ٢٤ و٢٩ - ٣٠ و٢٦٢، ٤/ ٢٩ و٣٤ و٥٤ - ٥٥، إظهار الحق ٢/ ٥١ - ٥٢.
٢ - أنه من الثابت في التاريخ، بل قد نقل بالتواتر أن =стр. 146
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = محمدا ﷺ كان أميا لا يعرفه الكتابة ولا القراءة باللغة العربية، فضلا عن أن يحسن غيرها أو يشتغل بمدارسة العلماء. قال سبحانه: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] فلم يقرأ في صحيفة، ولم يكتب شيئا بيده منذ ولد إلى أن توفاه الله. وإنما كان له كُتَّاب بعد البعثة، يكتبون له الوحي والرسائل. ولو كان ثمة شيء من ذلك لارتاب في أمره المبطلون من مشركي العرب فقالوا: لعله تعلمه من غيره، وكتبه بيده، ولارتاب أيضا المبطلون من أهل الكتاب فقالوا: إن الذي نجده في كتبنا أمي لا يكتب ولا يقرأ، وهذا يقرأ ويكتب.
ومن المعلوم أن من يتعلم من غيره، إما أن يأخذه تلقينا وحفظا منه، وإما أن يأخذه من كتابه. ومحمد ﷺ لم يتعلم شيئا من أحد في حضر أو سفر بشهادة قومه المعادين له، ولم يكن يقرأ شيئا من الكتب لا نسخا ولا حفظا؛ لأنه أمي. الحواب الصحيح ١/ ١٤١ و٤/ ٣٤، إظهار الحق ٢/ ٥١ - ٥٢، الكشاف للزمخشري ٢/ ٤٩٨.
ومن الجدير بالذكر أن التوراة وسائر أسفار العهد القديم لا يطلع عليها إلا علماء أهل الكتاب دون عوامهم كما هو معروف، وأن العهد القديم لم يكن مترجما إلى اللغة العربية في ذلك الوقت، إلا صفحات يسيرة كانت مع بعض علماء اليهود في الجزيرة العربية. وأول ترجمة إلى العربية جرت في أوائل العصر العباسي أو عند منصرم العصر الأموي. وليس ثمة قرائن تدل على وجود ترجمة عربية سابقة لظهور الإسلام كما ذكرت الموسوعة البريطانية. وقد قام بالترجمة عالم يهودي اسمه "سعدية بن يوسف" عاش ما بين عامي ٨٩٢ - ٩٤٢م في غير أن الترجمة كانت بأحرف عبرية. ثم قام من بعده "يافث بن علي" وهو يهودي من طائفة القرائين بترجمة ثانية إلى العربية في القرن العاشر الميلادي. وفي القرن =стр. 147
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الثالث عشر قام "أبو سعيد البركات" بترجمة ثالثة. غير أن تلك الترجمات تختلف عن بعضها كثيرا تبعا للأصل المترجم عنه. فقد يكون عبرانيا أو يونانيا أو سريانيا أو قبطيا أو لاتينيا كما فصلت الموسوعة البريطانية. التوراة بين الوثنية والتوحيد لسهيل ديب ص٢٦ - ٢٧.
٣ - أنه من المقطوع به أن المشركين من قريش وسائر العرب لم يكونوا يعرفون ما جاء به محمد ﷺ من أخبار وقصص وأحكام وتشريع وغير ذلك. بل كانوا أمة عارية حتى من العلوم العقلية. قل فيهم من يحسن القراءة والكتابة. قال : ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢].
أي: بعث في الأميين رسولا أميا مثلهم، يتلو عليهم آياته. ولو كان غير أمي، وقد نزلت هذه الآية وغيرها مما يدل على أنه أمي، لكذبه قومه، وفي مقدمتهم من آمن به.
ولم يكن يومئذ بمكة مدرسة ولا كِتَاب مدون. فقد كانوا جاهلين بعائد الملل وتاريخ الأمم وعلوم الشرائع والفلسفة، بعكس اليونان والمصريين والصينيين وغيرهم. فما جاء به محمد ﷺ من الدين التام والتشريع الكامل العادل والعقيدة الثابتة وغير ذلك من آيات الله والحكمة، لا يمكن أن يكون مكتسبا من بشر، أو مستنبطا من فكر. بل إنما هو محض وحي من رب العالمين. قال تعالى عقب قصة نوح: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩].
فإذا كان قومه لا يعلمون ذلك، وهو ﷺ لم يعاشر إلا قومه، فكيف يتعلم منهم؟! وقومه يعلمون أنه لم يعاشر غيرهم. فمن ثم قامت الحجة عليهم وعلى من بلغه الأمر من بعدهم. الجواب الصحيح ٤/ ٢٣ =стр. 148
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = و٥٣، إظهار الحق ٢/ ٥٢، الكشاف ٢/ ٤٩٨.
٤ - أنه لو تعلم هذه الأمور من أهل الكتاب مع عداوتهم له وعداوته لهم، لأخبروا بذلك وأظهروه، لا سيما بعد أن هاجر إلى المدينة، وتأججت العداوة بينه وبينهم، ثم نال منهم وأجلاهم. وكل ما في الأمر أنهم كانوا يسألونه عن الغيوب وغيرها مما لا يعلمه إلا نبي إحراجا وتعجيزا، فيخبرهم ويتلو عليهم ما يوحيه إليه ربه. فآمنت طائفة منهم به وكفرت طائفة. والطائفتان ليس فيهم من يقول: إن هذا تعلمه منا أو من نظرائنا، أو قرأه في كتبنا، لا سيما وهو يفعل فيهم ما يفعل لغدرهم وتآمرهم في الخفاء. ومن أسلم منهم، فإنما كان يقبل على الحرمان والمقاطعة. ولو أنهم قالوا ذلك لنقل إلينا وعرف، فإنه من الحوادث التي تتوافر الهمم والدواعي على نقلها. الجواب الصحيح ٣/ ٢٥ و٤/ ٥٧ - ٥٨.
عن صفوان بن عسال ﵁ قال: قال بعض اليهود لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي. فقال صاحبه: لا تقل: نبي. إنه لو سمعك كان له أربعة أعين. فأتيا رسول الله ﷺ فسألاه عن تسع آيات بينات؟ فقال لهم: "لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا محصنة، ولا تولوا الأدبار يوم الزحف، وعلكيم خاصة اليهود ألا تعدوا في السبت". فقبلا يده ورجله، وقالا: نشهد أنك نبي. فقال: ما يمنعكما أن تتبعاني؟ قالا: إن داود دعا ربه ألا يزال من ذريته نبي، وإنا نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا اليهود. أخرجه أحمد والنسائي والترمذي وقال: حسن صحيح.
٥ - لو أنه ﷺ تعلم من غيره لكان لا بد أن يعرفه ولو خواص الناس، وبالتالي لا بد أن يفشو ويشيع، حتى لو تواصوا بكتمانه عن =стр. 149
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = طريق الترغيب والترهيب. ولكان خواص أصحابه يعلمون في الباطن أنه كذاب، وإن صدقوه ظاهرا، مع أن الوقائع تثبت أن تصديقهم الظاهر والباطن له بلغ حد العجب لدى المشركين. وكان خواص أصحابه وأعلمهم بحاله أعظمهم محبة له وفداء، مع أنهم لاقوا باتباعه الأذى والحرمان، وعادى كثير منهم أباه وأخاه. بل إن رسول الله ﷺ بلغ الأنصار بأثرة يلقونها من بعده، وطلب منهم الصبر. ثم إن الصحابة ﵃ وقع بينهم خلف كبير بعد رسول الله ﷺ ولم يذكر أحد منهم شيئا من هذا القبيل البتة. الجواب الصحيح ٤/ ٢٥ و٥٥.
٦ - أن محمدا ﷺ أنزل عليه في القرآن ما لا وجود له عند أهل الكتاب مثل قصة هود وصالح وشعيب ﵈ ووردت كذلك بعض التفاصيل في القصص مما لا وجود له في كتبهم، مثل قصة إبراهيم وموسى، وإيمان امرأة فرعون، وسليمان، وعيسى وتكليمه الناس في المهد، ونزول المائدة على الحواريين وغير ذلك. حتى إنه قد نزل عليه ما صحح أخطاء لدى أهل الكتاب مثل نفي قتل المسيح وصلبه، وتبيان أن الذي صنع العجل لبني إسرائيل إنما هو السامري وليس هارون ﵇ وغير ذلك مما برئت به ساحة كثير من الأنبياء ﵈ ولو أن محمدا ﷺ كان يتعلم من أهل الكتاب لما زاد هذه الزيادات، ولما خطأهم في بعض ما ذكر في كتبهم حتى لا يفتح عليه باب معارضتهم؛ إذ لا يليق بالعاقل أن يقدم على فعل يمنعه من مطلوبه، ويبطل مقصوده من غير فائدة. الجواب الصحيح ٤/ ٥٤، إظهار الحق ٥١ - ٥٢.
ومخالفة القرآن لبعض ما في كبت أهل الكتاب، إنما يرجع إلى كون هذه الكتب غير أصلية. قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦]. =стр. 150
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = هذا. وقد قام العالم والمفكر الفرنسي الطبيب موريس بوكاي بمقارنة بين الروايات القرآنية وروايات التوراة فيما يختص بهذا الموضوع، فتبين له أن الآيات القرآنية لا صلة لها البتة بالعهد القديم، ولا علاقة لها بتلك الأوهام التي يبرزها المعلقون على التوراة. انظر كتابه "القرآن والتوراة والإنجيل والعلم" ص٤٠ - ٤٧ و٥٢ - ٥٤ و٢٤٤ - ٢٤٨ و٢٥٤ - ٢٧١.
أما عبد الله بن سلام ﵁ الذي يزعمون أنهم أصحبوه النبي ﷺ فقرأ عليه علوم التوراة وفقهها مدة، فهو أحد أحبار اليهود في المدينة، وهو من سبط يوسف بن يعقوب ﵉ وإذا كان النبي ﷺ لم يغادر مكة المكرمة قبل البعثة إلا مرتين تحت سمع قريش وبصرها كما سلف. ثم بعث في مكة بعد أن بلغ الأربعين، ومكث في مكة ينزل عليه القرآن أكثر من عشر سنوات. فأين كان عبد الله بن سلام؟ وفي بيت من كان يختبئ؟ ثم هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، فعادته يهود بمن فيهم عبد الله بن سلام.
أخرج البخاري عن أنس ﵁ قال: بلغ عبد الله بن سلام مقدم رسول الله ﷺ المدينة، فأتاه وقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه؟ ومن أي شيء ينزع إلى أخواله؟ فقال رسول الله ﷺ : "أخبرني بهن آنفا جبريل: أما أول أشراط الساعة، فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب. وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت. وأما الشبه في الولد، فإن الرجل إذا غشي المرأة، فسبقها ماؤه كان الشبه له، وإذا سبقت كان الشبه لها". قال: أشهد أنك رسول الله. ثم قال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت، فإن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني عندك. فجاءت =стр. 151
وزعموا أنه -أي عبد الله بن سلام- قرر في شرع النكاح أن الزوجة لا تستحل بعد الطلاق الثالث إلا بنكاح رجل آخر ليجعل
الحواشي
(١) = اليهود، ودخل عبد الله البيت. فقال رسول الله ﷺ : "أي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ " قالوا: أعلمنا وابن أعلمنا وأخيرنا وابن أخيرنا. فقال رسول الله ﷺ : "أفرأيتم إن أسلم عبد الله؟ " قالوا: أعاذه الله من ذلك -زاد في رواية: فأعاد عليهم فقالوا مثل ذلك- قال: فخرج عبد الله إليهم فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. فقالوا: شرنا وابن شرنا، ووقعوا فيه.
زاد في رواية: قال ابن سلام: هذا الذي كنت أخافه يا رسول الله.
وإنما أسلم في المدينة المنورة في وقت شدة من الأمر، وقلة من المسلمين وضعف وحاجة، وأهل الأرض مطبقون على عداوتهم، واليهود والمشركون هم أهل الشوكة والسلاح. ثم أعز الله الإسلام وأهله وحاربهم النبي ﷺ بسبب غدرهم وتآمرهم ونقضهم العهود. ولم يأل عبد الله ﵁ جهدا في محاربة قومه اليهود وإعلام رسول الله ﷺ بعاداتهم ومكرهم. مات سنة ٤٣هـ في خلافة معاوية ﵁ وكان الصحابة ﵃ يرون أن فيه نزلت هذه الآية: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾. الاستيعاب ٣/ ٩٢١.
فإذا كان رسول الله ﷺ لم يرَ عبد الله قبل الهجرة مطلقا. وقد نزل عليه أكثر الآيات فصاحة وإعجازا في مكة المكرمة. فكيف ينسبون الفصاحة المعجزة في القرآن إلى تأليف عبد الله بن سلام؟ ثم إن رسول الله ﷺ كانت تنزل عليه الآيات حضرا وسفرا بسبب سؤال ورد أو حادثة وقعت، وعبد الله بن سلام ﵁ بعيد كل البعد عن ذلك المكان، فكيف يعلمه؟!стр. 152
بزعمهم أولاد المسلمين "ممزيريم". وهذه كلمة جمع، واحده "ممزير"، وهو اسم لولد الزنى؛ لأن في شرعهم أن الزوج إذا راجع زوجته بعد أن نكحت غيره، كان أولادها معدودين في أولاد الزنى١.
الحواشي
(١) ١ جاء في سفر التثنية ٢٤/ ١: إذا أخذ رجل امرأة، وتزوج بها، فإن لم تجد نعمة في عينيه؛ لأن وجد فيها عيب شيء، وكتب لها كتاب طلاق، ودفعه إلى يدها، وأطلقها من بيته.
٢٤/ ٢: ومتى خرجت من بيته ذهبت وصارت لرجل آخر.
٢٤/ ٣: فإن أبغضها الرجل الآخر، وكتب لها كتاب طلاق، ودفعه إلى يدها، وأطلقها من بيته، أو إذا مات الرجل الأخير الذي اتخذها له زوجة.
٢٤/ ٤: لا يقدر زوجها الأول الذي طلقها أن يعود يأخذها لتصير له زوجة بعد أن تنجست؛ لأن ذلك رجس لدى الرب.
هذا ما عند اليهود. وذهب النصارى إلى منع الطلاق إلا لعلة الزنى:
جاء في إنجيل متى ١٩/ ٣ - ٩: وجاء إليه الفريسيون ليجربوه قائلين له: هل يجوز للرجل أن يطلق امرأته لكل سبب؟ فأجاب: أما قرأتم: أن الذي خلق من البدء خلقهما ذكرا وأنثى؟ وقال: من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه، ويلتصق بامرأته، ويكون الاثنان جسدا واحدا. فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان.
قالوا له: فلماذا أوصى موسى أن يُعطى كتاب طلاق فتطلق؟ قال لهم: إن موسى، من أجل قساوة قلوبكم أذن لكم أن تطلقوا نساءكم، ولكن من البدء لم يكن هذا. وأقول لكم: إن من طلق امرأته إلا بسبب الزنى، وتزوج بأخرى يزني، والذي يتزوج بمطلقة يزني.
وجاء في إنجيل مرقس ١٠/ ٢ - ١٢: فتقدم الفريسيون وسألوه: هل يحل للرجل أن يطلق امرأته؟ ليجربوه. =стр. 153
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = فأجاب: بماذا أوصاكم موسى؟ فقالوا: موسى أذن أن يكتب كتاب طلاق فتطلق. فأجاب يسوع: من أجل قساوة قلوبكم كتب لكم هذه الوصية. ولكن من بدء الخليقة ذكرا وأنثى خلقهما الله. من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه، ويلتصق بامرأته، ويكون الاثنان جسدا واحدا. فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان.
ثم في البيت سأله تلاميذه عن ذلك أيضا فقال لهم: من طلق امرأته وتزوج بأخرى يزني عليها، وإن طلقت امرأة زوجها وتزوجت بآخر تزني.
وجاء في إنجيل لوقا ١٦/ ١٨: كل من يطلق امرأته ويتزوج بأخرى يزني، وكل من يتزوج بمطلقه من رجل يزني. اهـ.
والحق الواقع أن في الطلاق هدما للأسرة وتمزيقا لشمل أفرادها، كما أن ضرره يتعدى الزوجين إلى الأولاد والأقارب. لكن إن لم تجد وسائل الإصلاح جميعها للتوفيق بين الزوجين كان الطلاق ضرورة لا مندوحة عنه. وذلك لدفع ضرر أكبر وتحصيل مصلحة أعظم، ألا وهي التفريق بين متباغضين من الخير أن يفترقا. لأن الشقاق والنزاع استحكم بينهما.
ولذلك أباح الله سبحانه في شريعة محمد ﷺ الطلاق وجعله مكروها إلا لضرورات قاهرة وظروف استثنائية ملحة تجعله دواء وعلاجا للتخلص من شقاء يمتد إلى الأسرة كلها.
وقد انفردت الشريعة الإسلامية بنظام المراجعة في الطلاق دون الشرائع الآخرى حرصا على إعادة الرباط بين الزوجين، وحفاظا على الذرية من الضياع والتشرد. قال : ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ =стр. 154
فلما كان النسخ مما لا ينطبع في عقولهم فهمه، ذهبوا إلى أن الحكم في شرع النكاح من موضوعات عبد الله بن سلام. قصد به أن يجعل أولاد المسلمين "ممزيريم" بزعمهم١.
الحواشي
(١) = يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٨ - ٢٣٠].
فالطلاق الذي تجوز به الرجعة مرتان. وقد دلت السنة المطهرة على أن تكون المرتان متفرقتين في طهرين، فيكون الزوج على بينة مما يأتي وما يذر. فإما أن يمسكها بالمعروف، فيحسن معاشرتها وصحبتها، وإما أن يدعها فتتزوج بمن شاءت لعلها تسعد بالزواج الثاني.
فإذا طلقها الثالثة بعد أن راجعها مرتين، فلا تحل له حتى تتزوج بعد رجلا آخر -وهي التي يسميها الفقهاء بينونة كبرى- ولن يتفرق بالطلاق بعد هذه الروية وهذه الأناة إلا زوجان من الخير ألا يجتمعا لصالحهما ولصالح أولادهما.
والمقصود من الزوج الثاني أن يكون راغبا في المرأة قاصدا دوام عشرتها كما هو مقتضي الزواج، دون التحليل الذي وردت الأحاديث بذمة ولعن فاعله؛ أي: أن يكون زواجا صحيحا عن رغبة في دوامه. فإن طلقها الثاني بعد أن جربت الحياة معه وانقضت عدتها منه، فلا بأس أن تعود إلى الأول إن كان ثمة دلائل على الوفاق وطرح النزاع.
هذه هي شريعة محمد ﷺ جمعت بين المثالية والواقعية دون أن يطغى جانب على جانب، فكان فيها العدل والاعتدال؛ ولذلك جعلها خاتمة الشرائع، فهي شريعة عامة شاملة أبدية دائمة ناسخة لكل ما خالفها من الشرائع السابقة.
١ من العجب أن يهود ينكرون على المسلمين في تشريعهم عودة المطلقة من زوجها الثاني بعد أن تنقضي عدتها إلى زوجها الأول، ويرون هذا العمل زنى. ولا ينكرون على أنفسهم ما يزعمون من أن الأخ إذا مات ولم يكن له عقب، فإن من الواجب على أخيه الآخر أن يدخل على زوجة المتوفى ويجامعها لتحمل منه، فإذا ولدت نسبوه إلى أخيه الميت، ودعوه ابنه كما سيأتي في فصل معرب عن بعض فضائحهم إن شاء الله.стр. 155
فأما دفعهم لإعجاز القرآن للفصحاء، فليست بأعجب منه؛ إذ كانوا لا يعرفون من العربية ما يفرقون به بين الفصاحة والعي، مع طول مكثهم فيما بين المسلمين.
وأما رسول الله ﷺ وشرف وكرم وعظم- فله فيما بينهم اسمان فقط. فعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين؛ أحدهما "فاسول". وتفسيره: الساقط. والثاني: "موشكاع". وتأويله: المجنون.
وأما القرآن العظيم، فإنه يسمى فيما بينهم "قالون" وهو اسم للسوءة بلسانهم. يعنون بذلك أنه عورة المسلمين وسوءتهم.
وبذلك وأمثاله صاروا أشد الناس عداوة للذين آمنوا. فكيف لا يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون؟! ١
الحواشي
(١) ١ من تتبع سيرة محمد ﷺ وتدبرها منذ ولد إلى أن بعثه الله نبيا، ومن حين بعث إلى أن انتقل إلى جوار ربه الكريم، وتدبر نسبه وأصله وفصله وما جرى معه وما انتهى إليه بتجرد وإنصاف، وصل إلى طمأنينة القلب بصدق هذا الرجل. فقد اجتمع له أمور لا يجتمع مثلها إلا لنبي. ومن ذلك ما يأتي:
١ - شرف نسبه: فقد كان النبي ﷺ من أشرف العرب نسبا، من صميم سُلالة إبراهيم ﵇ الذي جعل الله في ذريته النبوة والكتاب، ثم من قريش صفوة بني إبراهيم، ثم من بني هاشم صفوة قريش. =стр. 156
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وقد ذكر البخاري في ترجمة باب مبعث النبي ﷺ ونسبه فقال: هو محمد رسول الله ﷺ بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. اهـ.
ولا خلاف في أن عدنان من ولد إسماعيل بن إبراهيم ﵍.
٢ - أخلاقه الكريمة: كان ﷺ أكمل الناس تربية؛ فلم يزل معروفا بالصدق والأمانة والبر والعدل والشفقة والتواضع وسائر مكارم الأخلاق، منذ ولد إلى أن مات. ولم يعرف له شيء يعاب به، لا في أقواله ولا في أفعاله. شهد له بذلك جميع من يعرفه قبل النبوة وبعدها ممن آمن به أو كفر. كما شهد له بذلك ربه سبحانه فأنزل عليه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، فلولا أنه كذلك لكذبه قومه بهذا الوصف.
ولم يبعث بالنبوة إلى أن أكمل الله له أربعين سنة، وهي سن الكمال ورجاحة العقل وانتهاء نزوات الطيش والطموح.
٣ - آياته ومعجزاته التي أجرها الله على يديه: فالآيات والبراهين الدالة على نبوة محمد ﷺ كثيرة متنوعة. وهي أكثر وأعظم من آيات غيره من الأنبياء، كما أنها لا تختص بحياته. بل منها ما كان قبل مولده، كالإرهاصات وبشارات الأنبياء به. ومنها ما كان قبل البعثة كتسليم الحجر عليه. ومنها ما كان بعد البعثة كالمعجزات المادية والمعنوية التي أجراها الله على يديه. ومنها ما كان بعد مماته كإخباره بالغيب؛ فقد أخبر عن أمور كثيرة وحوادث تقع في المستقبل. فمنها ما وقع في زمانه ورآها أصحابه على الوجه الذي أخبر. ومنها ما وقع بعد =стр. 157
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = زمانه فأتت كما قال. ومنها ما لم يقع حتى الآن، والمسلمون ينتظرون وقوعه. وأكتفي منه بذكر أمرين أخبر عنهما، ونحن ننتظر وقوعهما:
عن أبي قبيل قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ وسئل: أي المدينتين تفتح أولا: القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبد لله بصندوق له حلق. قال: فأخرج منه كتابا. قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله ﷺ نكتب إذ سئل رسول الله ﷺ : أي المدينتين تفتح أولا: أقسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله ﷺ : "مدينة هرقل تفتح أولا" يعني قسطنطينية. أخرجه أحمد في المسند وابن أبي شيبة والدارمي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، وأخرجه المقدسي في كتاب العلم وقال: حسن الإسناد.
وقد تحقق الفتح الأول على يد السلطان العثماني محمد الثاني المعروف بالفاتح ﵀ فقد فتحها وسماها "إسلام بول" أي: مدينة الإسلام. أما رومية هي روما عاصمة إيطاليا اليوم ومقر بابا النصارى الكاثوليك. ولتفتحن بإذن الله كما أن الشمس تشرق كل يوم.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله، هذا يهودي خلفي، تعالَ فاقتله. إلا الغرقد، فإنه من شجر اليهود" رواه البخاري ومسلم.
ومن تقدير الله سبحانه أن الأوربيين عرضوا على اليهود أن يقيموا دولتهم في أستراليا فرضي بعضهم وأبَى أكثرهم، وأصروا على فلسطين واستكبروا استكبارا. وكان ما كان. ولا يعلم إلا الله متى يخلص المسلمون في جهادهم حتى يكون كله لله ليتحقق وعد الله. وإن ذلك =стр. 158
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = لكائن بإذن الله كما أن الشمس تشرق كل يوم. ومن الطريف ما حدثني به فلسطيني يتردد إلى الأرض المحتلة أن اليهود يكثرون من زراعة شجر الغرقد، ولا سيما في مداخل المدن للزينة. والله غالب على أمره.
ومن معجزاته الباقية إلى اليوم القرآن الكريم، بل هو معجزته الكبرى العلمية والعقلية؛ فهو كلام الله القديم، نزل به الروح الأمين على قلب محمد ﷺ ليكون من المنذرين، بلسان عربي مبين، المنقول بالتواتر، المتعبد بتلاوته، المتحدَّى بأقصر سورة من سوره.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر. وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي. فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة" رواه البخاري ومسلم.
ووجوه إعجاز القرآن الكريم كثيرة متنوعة أهمها ما يلي:
١ - الإعجاز اللغوي: فقد جاء القرآن في الدرجة العالية من الفصاحة والبلاغة التي لم يعهد مثلها في تراكيب العرب. عرفها فصحاؤهم بسليقتهم فتقاصرت عنها درجة بلاغتهم. وهذه المعجزة ظاهرة أيضا في هذا الزمان لأهل اللسان وماهري علم البيان. ومن كان أعرف بلغة العرب وفنون بلاغتها وأساليبها كان أعرف بإعجاز القرآن.
تحدى العرب الذين هم الغاية في الفصاحة مرة بعد مرة فعجزوا عن معاوضته:
أما تحديهم به، فقد تواترت الآيات والأخبار الدالة على ذلك؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨].
وأما عجزهم، فلأن الدواعي كانت متوفرة على الإتيان =стр. 159
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = بالمعارضة، وليس ثمة مانع منها، ولم يأتوا بها. فدل على عجزهم. مع أن الكلام والفصاحة فيه شعرا ونثرا كان شغلهم الشاغل قبل البعثة وبعدها.
فكانوا يعقدون لذلك الندوات ويقومون في الأسواق العامة والمواسم السنوية بخطبهم وشعرهم، يتحدى بعضهم بعضا ويتحاكمون إلى كبرائهم. حتى إنهم علقوا القصائد السبع أو العشر بباب الكعبة تحديدا لمعارضتها.
وإذا كانت معارضة القرآن الكريم مبطلة لأمر محمد ﷺ ودعوته، فما الذي صرفهم جميعا عن هذا التحدي القاسي؟ حتى رأوا أن سبيل الحرب والدماء أيسر عليهم من مقابلة تحدي القرآن.
ولو أنهم أتوا بالمعارضة لكان اشتهارها أولى من اشتهار القرآن نفسه؛ لأن القرآن يصير حينئذ كالشبهة، وتكون تلك المعارضة كالحجة المسقطة أُبهة المدعى.
٢ - الإعجاز المعنوي: إن القرآن الكريم كتاب مشتمل على أنواع كثيرة في العلوم؛ فقد جمع علومًا كلية ومعارف جزئية، كما نبه على طرق الحجج العقلية بشكل لم يعهد في علم الشرائع قبله.
والعلوم نوعان: دينية وغير دينية. والدينية تشمل علم العقائد وعلم الأعمال:
فعلم العقائد أخبر فيه عن الله سبحانه وأسمائه وصفاته وملائكته وكتبه ورسله وعن المعاد في اليوم الآخر والحساب والجنة والنار وغير ذلك. فليس في غيره من الكتب السماوية المتقدمة من خبر عن ذلك إلا وقد زاده بيانا وتفصيلا، وأتى به على أكمل وجه من دلائل وتفاريع وتفاصيل. بل قد أخبر عن أمور لا وجود لها في غيره من الكتب.
وعلم الأعمال هو علم التكاليف المتعلقة بالظاهر والباطن وغير =стр. 160
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ذلك من الأخلاق ونحوها. ويدخل في ذلك علم المعاملات وما يتبعها. وقد جاء في القرآن الكريم من مباحث هذا النوع ما لم يأت في غيره، كما سيأتي في الإعجاز التشريعي إن شاء الله.
أما العلوم غير الدينية، وهي العلوم التجريبية ونحوها، فقد بين الله سبحانه أنه سخر للإنسان ما في الأرض جميعا، وجعله خليفة فيها، وأمر بالنظر في السماوات والأرض والتفكر فيها، وضرب بعض الأمثلة العلمية، كما سيأتي في الإعجاز العلمي إن شاء الله.
والقرآن متجدد في معانيه عند من تدبره. وأنعم النظر فيه بصدق وإخلاص، تتجلى فيه براهين الخالق، لدى كل قراءة، فتزيد المتدبر إيمانا وخشوعا.
ويظهر تجدده من الدلائل اليقينية والأقيسة العقلية والأمثلة المضروبة، وغير ذلك مما أخبر عنه وبينه من الدلائل. فقد جادل المكذبين والمعاندين ورد على أرباب الضلالات بأنواع من الحجج والبراهين، وقرر الشرائع الكلية التي بعث بها الرسل. كل ذلك بعبارات سهلة المباني مختصرة المعاني. قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم: ٥٨].
والأمثال المضروبة في القرآن منها ما يصرح فيه بتسميته مثلا، ومنها ما لا يصرح فيه بذلك. فثبت أن القرآن الكريم جامع لجميع العلوم النقلية والعقلية أصولها وفروعها.
٣ - الإعجاز السماعي: والقرآن له إعجاز نفسي عجيب لدى القارئ والسامع، فهو متجدد عند قارئه يقرؤه فلا يسأمه، وعند سامعه يسمعه فلا يمله. بل إن تكراره يوجب زيادة محبته بخلاف غيره. أضف إلى ذلك الخشية التي تلحق قلوب سامعيه، والهيبة التي تعتري تاليه؛ ولذلك كان يأخذ العرب وغيرهم بروعته وبيانه، فلا يملكون أنفسهم عن =стр. 161
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = سماعه. قال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣] أي: إذا سمعوا القرآن فاضت أعينهم لمعرفتهم الحق وتأثرهم بكلام الله الجليل.
٤ - الإعجاز العلمي: إن وجوه إعجاز القرآن لا تقف عند الحد الذي ذكره الأقدمون. بل هو متجدد في معانيه كما سلف. وإن أهل العلم ليكتشفون كل يوم في الكون ما كان مجهولا بالأمس. فما يهل على الناس عصر حتى تتكشف لهم معاني القرآن في بعض النواحي أكثر مما تكشفت لأسلافهم. غير أن القرآن الكريم لا يهدف إلى عرض القوانين التي تسود نظام الكون في ميادين العلوم المتنوعة. بل إن له هدفا دينيا جوهريا معروفا في إسعاد الإنسان في حياتَيْه معا. ومع ذلك فإنه يذكر أنواعا كثيرة من الحقائق العلمية والظاهرات الطبيعية، أتت الاكتشافات العلمية الحديثة مؤيدة لها. مع أنها لم تكن في عصر التنزيل تخطر على قلب بشر. وإنما يرمي القرآن الكريم من ذكر هذه الوقائع العلمية أن تكون إشارات ودعوات للملاحظة الإنسانية كي تدرك من ورائها عظمة الخلاق الحكيم. قال سبحانه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، وقال جل شأنه: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١].
ومن الجدير بالذكر أن الحقيقة العلمية لا تتعارض مع الحقيقة القرآنية البتة؛ لأن الحقيقة العلمية بمعناها الصحيح مخلوقة من قبل الله وحده. والعلماء إنما يحاولون اكتشافها ومعرفتها واستغلالها. والقرآن الكريم كلام الله خالق الأكوان والعوالم. فأنَّى يأتي التعارض؟!
وإذا ما ظهر لأحد تعارض، فإن هذا ناتج عن خطأ في فهم إحدى =стр. 162
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الحقيقتين قطعا، ولا بد من إعادة النظر من جديد.
٥ - الإعجاز التشريعي: جاء القرآن بتشريع كامل شامل عادل صالح لكل زمان ومكان جمع بين المثالية والواقعية من غير أن تطغى إحداهما على الأخرى. فقد اشتمل على كثير من المبادئ السامية التي تدل على عظمته وأصالته كما شهد بذلك علماء القانون من مسلمين وغيرهم. ومن هذه المبادئ ما يلي:
أ- مبدأ حرية العقيدة والرأي: ويتجلى ذلك في حسن معاملة أهل الذمة وسائر المعاهدين وعدم المساس بمعتقداتهم وأعراضهم وأموالهم.
ب- قواعد عادلة في المعاملات بين الناس.
ج- تشريعات راسخة في النواحي المدنية "القانون المدني".
د- قوانين رحيمة حكيمة في الأحوال الشخصية.
هـ- تشريعات جمعت بين المثالية والواقعية في القصاص والحدود والتعزير "القانون الجزائي".
وأصول جمعت بين العدل والرحمة في معاملة الأمم الأخرى سلما وحربا "القانوني الدولي".
ز- إرشادات أخلاقية وسلوكية في معاملة الأرحام والجيران وغيرهم من أصحاب الحقوق.
أضف إلى ذلك أن القرآن الكريم يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويحل الطيبات من مأكل ومشرب ومنكح، ويحرم الخبائث منها. لم يبق معروف تعرف العقول السليمة أنه معروف إلا أتى به. ولا منكر تعرف العقول السليمة أنه منكر إلا نهى عنه. ولم يأمر بشيء، فقيل: ليته لم يأمر به، ولم ينه عن شيء، فقيل: ليته لم ينه عنه، وأحل الطيبات، لم يحرم شيئا منها كما حرم في غيره، وحرم الخبائث، لم يحل شيئا منها كما استحلها غير أتباعه. بل جمع محاسن كتب الأمم =стр. 163
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = السابقة كلها، فليس فيها إيجاب لعدل، وقضاء بفضل، وترغيب في حسنات إلا وقد جاء به وبما هو أحسن منه.
والمعجزة الكبرى إنما تتجلى في أنه كيف استطاع هذا الأمي الذي ولد في أمة أمية وعاش في بلدة ليس فيها مدرسة ولا كتاب مدون. كيف استطاع أن يأتي في القرآن والسنة المبينة له بنظام كامل عادل شامل للفرد والأسرة والمجتمع، وبنظام شامل أيضا للحكم وعلاقات الأمم، وبنظام لعلاقات الناس بينهم وبين ربهم، بشكل أعجز الخلق عن مجاراته في أي جانب من جوانبه أو ناحية من نواحيه. قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. الجواب الصحيح ٤/ ٧٤ و٧٨ و٨٣ - ٨٤، إظهار الحق ٢/ ٥٢ - ٥٤.стр. 164
افتراؤهم على الأنبياء:
ثم أكثر العجب منهم أنهم جعلوا داود النبي ﵇ "ممزير" من وجهين، وجعلوا منتظرهم "ممزير" من وجهين: وذلك أنهم لا يشكون في أن داود بن بشاي بن عابد. وأبو عابد يقال له "بوعز" من سبط يهوذا. وأمه يقال لها "روث" المؤابية من بني مؤاب١. وهذا مؤاب منسوب عندهم في نص التوراة في هذه القصة.
وهي أنه لما أهلك الله أمة لوط لفسادها، ونجا بابنتيه فقط، خالتا أن الأرض قد خلت ممن تستبقيان منه نسلا. فقالت الكبرى للصغرى: إن أبانا لشيخ، وإنسان لم يبق في الأرض، فهلمي بنا نسقي أبانا خمرا ونضاجعه، لنبتغي من أبينا نسلا، ففعلتا ذلك بزعمهم.
وجعلوا ذلك النبي قد شرب الخمر حتى سكر، ولم يعرف ابنتيه، ووطئهما فأحبلهما، وهو لا يعرفهما. فولدت إحداهما ولدا سمته
الحواشي
(١) ١ جاء في سفر أخبار الأيام الأول ٢/ ١ - ١٥: أن يهوذا بن يعقوب ولد فارص، وأن فارص ولد حصرون، وأن حصرون ولد رام، وأن رام ولد عميناداب، وأن عميناداب ولد نحشون، وأن نحشون ولد سلمو، وأن سلمو ولد بوعز، وأن بوعز ولد عوبيد، وأن عوبيد ولد يسى، وأن يسى ولد داود.стр. 165
"مؤاب" تعني أنه من الأب، والثانية سمت ولدها "بني عمون" تعني أنه من قبيلتها١.
الحواشي
(١) ١ إن أسفار العهد القديم التي ورثها النصارى عن اليهود، تنسب لكثير من الأنبياء من الفحش والأعمال القبيحة ما يتنافى مع وضعهم الديني والاجتماعي، ويمتنع أن يصدر عنهم عقلا وشرعا وعادة. بل إنه ليتعارض مع الخلق الكريم، ولا يمكن أن يتصور وقوعه إلا من سفلة الناس. مما يدل على أن هذه الأسفار قد لعبت بها الأيدي كثيرا. ومن ذلك ما يلي:
جاء في سفر التكوين ١٩/ ٣٠ - ٣٨: وصعد لوط من صوغر، وسكن في الجبل وابنتاه معه؛ لأنه خاف أن يسكن صوغر، فسكن في المغارة هو وابنتاه. وقالت البكر للصغيرة: أبونا قد شاخ، وليس في الأرض رجل ليدخل علينا كعادة كل الأرض، هلم نسقي أبانا خمرا ونضطجع معه، فنحيي من أبينا نسلا. فسقتا أباهما خمرا في تلك الليلة. ودخلت البكر، واضطجعت مع أبيها. ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها. وحدث في الغد أن البكر قالت للصغيرة: إني قد اضطجعت البارحة مع أبي. نسقيه خمرا الليلة أيضا، فادخلي اضطجعي معه، فنحيي من أبينا نسلا. فسقتا أباهما خمرا في تلك الليلة أيضا. وقامت الصغيرة واضطجعت معه. ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها. فحبلت ابنتا لوط من أبيهما، فولدت البكر ابنا، ودعت اسمه مؤاب. وهو أبو المؤابيين إلى اليوم. والصغيرة أيضا ولدت ابنا، ودعت اسمه بن عمي، وهو أبو بني عمون إلى اليوم. اهـ.
وعوبيد جد داود، واسم أمه راعوث كما في إنجيل متى ١/ ٥ - ٦، وراعوث مؤابيه. فهي من جدات سليمان وعيسى ﵉ ورحبعام بن سليمان من أجداد عيسى ﵇ كما في إنجيل متى ١/ ٧ - ١٦، واسم أمه نعمة العمونية كما في سفر الملوك الأول ١٤/ ٢١. فراعوث المؤابية جدة داود وسليمان وعيسى ﵈ ونعمة العمونية جدة عيسى ﵇ على حد زعم أهل الكتاب.стр. 166
وذلك الولدان عند اليهود من "الممزريم" ضرورة؛ لأنهما من الأب وابنتيه. فإن أنكروا ذلك لأن التوراة لم تكن نزلت لزمهم ذلك. لأن عندهم أن إبراهيم الخليل ﵇ لما خاف في ذلك العصر، من أن يقتله المصريون بسبب زوجته، أخفى نكاحها وقال: هي أختي. علما منه بأنه إذا قال ذلك لم يبقَ للظنون إليهما سبيل١.
الحواشي
(١) ١ جاء في سفر التكوين ١٢/ ١٠ - ٢٠: وحدث جوع في الأرض، فانحدر أبرام -إبراهيم- إلى مصر ليتغرب هناك؛ لأن الجوع في الأرض كان شديدا. وحدث لما قرب أن يدخل مصر أنه قال لساراي امرأته: إني قد علمت أنك امرأة حسنة المنظر، فيكون إذا رآكم المصريون أنهم يقولون: هذه امرأته. فيقتلونني ويستبقونك. قولي: إنك أختي، ليكون لي خير بسببك، وتحيا نفسي من أجلك.
فحدث لما دخل أبرام إلى مصر أن المصريين رأوا المرأة أنها حسنة جدا، ورآها رؤساء فرعون، ومدحوها لدى فرعون، فأخذت المرأة إلى بيت فرعون فصنع إلى أبرام خيرا بسببها، وصار له غنم وبقر وحمير وعبيد وإماء وأتن وجمال. فضرب الرب فرعون وبيته ضربات عظيمة بسبب ساراي امرأة أبرام. فدعا فرعون أبرام وقال: ما هذا الذي صنعت بي؟ لماذا لم تخبرني أنها امرأتك؟ لماذا قلت: هي أختي حتى أخذتها لي لتكون زوجتي؟ والآن هو ذا امرأتك، خذها واذهب. فأوصى عليه فرعون رجالا، فشيعوه وامرأته وكل ما كان له. اهـ.
وفي السفر نفسه ٢٠/ ١ - ١٨: أن هذه الحادثة تكررت أيضا مع ملك جرار أبيمالك.
وجاء في الفقرة "١٢": "وبالحقيقة أيضا هي أختي ابنة أبي. غير أنها ليس ابنة أمي، فصارت لي زوجة".
وجاء في التعليق على هذه الفقرة في الكتاب المقدس المطبوع ببيروت عام ١٩٨٣م: ومع ذلك فاللفظة العبرانية المترجمة بلفظ "أخت" معناها: ذات القرابة أيضا.стр. 167
وهذا دليل على أن حظر نكاح الأخت كان في ذلك الزمان مشروعًا. فما ظنك بنكاح البنت الذي لا يجوز ولا في زمن آدم ﵇؟
وهذه الحكاية منسوبة إلى لوط النبي ﵇ في التوراة الموجودة في أيدي اليهود، فلن يقدروا على جحدها، فيلزمهم من ذلك أن الولدين المنسوبين إلى لوط "ممزيريم"؛ إذ توليدهما على خلاف المشروع. وإذا كانت "روث" وهي من ولد مؤاب، جدة داود ﵇ وجدة مسيحهم المنتظر، فقد جعلوهما جميعا من نسل الأصل الذي يطعنون فيه.
وأيضا فمن أفحش المحال أن يكون شيخ كبير قد قارب المائة سنة، قد سقي الخمر حتى سكر سكرا حال بينه وبين معرفة ابنتيه، فضاجعته إحداهما واستنزلت منيه وقامت عنه، وهو لا يشعر، كما نطق كتابهم في قولهم: "ولو باداع بشنخباه ويقوماه" تفسيره: ولم يشعر باضطجاعهما وبقيامهما. وهذا حديث من لا يعرف الحبل؛ لأنه من المحال أن تعلق المرأة من شيخ طاعن في السن قد غاب عنه حسه لفرط سكره. ومما يؤكد استحالة ذلك، أنهم زعموا أن ابنته الصغرى فعلت به كذلك في الليلة الثانية، فعلقت أيضا. وهذا ممتنع من المشايخ الكبار أن تعلق المرأة من أحدهم في ليلة، وتعلق منه أيضا الأخرى في الليلة الثانية.
إلا أن العداوة التي ما زالت بين بني عمون ومؤاب وبين بني
стр. 168
إسرائيل بعثت واضع هذا الفصل على تلفيق هذا المحال؛ ليكون أعظم الأخبار فحشا في حق بين عمون ومؤاب١.
وأيضا فإن عندهم أن موسى ﵇ جعل الإمامة في الهارونيين، فلما ولي طالوت، وثقلت وطأته على الهارونيين، وقتل منهم مقتلة عظيمة، ثم انتقل الأمر إلى داود، بقي في نفوس الهارونيين التشوف إلى الأمر الذي زال عنهم.
وكان عزرا خادما لملك الفرس حظيا عنده، فتوصل إلى بناء بيت المقدس، وعمل لهم هذه التوراة التي بأيديهم. فلما كان هارونيا كره أن
الحواشي
(١) ١ جاء في الأبواب ٢٠، ٢١، ٢٢، ٢٣ من سفر العدد أن العمونيين والمؤابيين منعوا بني إسرائيل من المرور بأراضيهم عند خروجهم من مصر، ورفضوا تزويدهم بالماء والطعام، بل استعدوا عليهم بلعام بن بعور، وأغروه بالفضة إن حاربهم. لكنه لم يفعل.
وجاء في سفر التثنية ٢٣/ ٢: لا يدخل ابن زنى في جماعة الرب، حتى الجيل العاشر لا يدخل منه أحد في جماعة الرب.
٢٣/ ٣: لا يدخل عموني ولا مؤابي في جماعة الرب، حتى الجيل العاشر لا يدخل منهم أحد في جماعة الرب إلى الأبد.
٢٣/ ٤: من أجل أنهم لم يلاقوكم بالخبز والماء في الطريق عند خروجكم من مصر، ولأنهم استأجروا عليك بلعام بن بعور من فتور أرام النهرين لكي يلعنك.
٢٣/ ٦: لا تلتمس سلامهم ولا خيرهم كل أيامك إلى الأبد. اهـ.
والعجب كله من أهل الكتاب، كيف دخل داود وسليمان وعيسى في جماعة الرب؟! بل كيف صار عيسى ابنا لله ونسب ناسوته هكذا؟! وهل التعويل في النسب عندهم على الآباء أو الأمهات؟ وإذا كان على الآباء فمن أبوه؟стр. 169
يتولى عليهم في الدولة الثانية داودي، فأضاف إلى التوراة فصلين طاعنين في نسب داود؛ أحدهما قصة بنات لوط، والآخر قصة تامار. وسيأتي ذكرها.
ولقد بلغ -لعمري- غرضه. فإن الدولة الثانية التي كانت بنت لهم بيت المقدس لم يتملك عليهم فيها داوديون. بل كان ملوكهم هارونيين.
وهذا عزرا ليس هو العزيز كما يظن؛ لأن العزيز هو تعريب ألعازار. فأما عزرا فإنه إذا عرب لم يتغير عن حاله؛ لأنه اسم خفيف الحركات والحروف. ولأن عزرا عندهم ليس بنبي. وإنما يسمون عزرا "هوفير" وتفسير: الناسخ.
وأيضا فإن عندهم في التوراة قصة أعجب من هذه: وهي أن يهوذا بن يعقوب النبي ﵇ زوج ولده الأكبر من امرأة يقال لها: "تامار". وكان يأتيها مستدبرا، فغضب الله تعالى من فعله فأماته. فزوجها يهوذا من ولده الآخر. فكان إذا دخل بها أمنى على الأرض. علما منه بأنه إن أولدها كان أول الأولاد باسم أخيه، ومنسوبا إلى أخيه. فكره الله ذلك من فعله، فأماته أيضا. فأمرها يهوذا باللحاق بأهلها إلى أن يكبر "شيلا" ولده، ويتم عقله، حذرا أن يصيبه ما أصاب أخويه. فأقامت في بيت أبيها. فماتت بعدُ زوجةُ يهوذا. وأصعد إلى منزل يقال له "تمناث" ليجز غنمه. فلما أخبرت تامار بإصعاد حميها إلى تمناث، لبست زي الزاني، وجلست في مستشرف على طريقه لعلمها بشيمته. فلما مر بها خالها زانية فراودها، فطالبته بالأجرة، فوعدها بجدي، ورهن عندها عصاه وخاتمه، فدخل بها، فعلقت منه بفارص وزارح١.
الحواشي
(١) ١ جاء في سفر التكوين ٣٨/ ٦ - ٧: وأخذ يهوذا زوجة لعير بكره، اسمها =стр. 170
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ثامار. وكان عير بكر يهوذا شريرا في عيني الرب، فأماته الرب.
٣٨/ ٨: فقال يهوذا لأونان: ادخل على امرأة أخيك، وتزوج بها، وأقم نسلا لأخيك.
٣٨/ ٩: فعلم أونان أن النسل لا يكون له. فكان إذا دخل على امرأة أخيه أنه أفسد على الأرض لكيلا يعطي نسلا لأخيه.
٣٨/ ١٠: فقبح في عيني الرب ما فعله، فأماته أيضا.
٣٨/ ١١: فقال يهوذا لثامار كنته: اقعدي أرملة في بيت أبيك حتى يكبر "شيلة" ابني. لأنه قال: لعله يموت هو أيضا كأخويه. فمضت ثامار، وقعدت في بيت أبيها.
٣٨/ ١٢: ولما طال الزمان ماتت ابنة شوع امرأة يهوذا. ثم تعزى يهوذا، فصعد إلى جزاز غنمه في تمنة، هو وحيرة صاحبه العدلامي.
٣٨/ ١٣: فأخبرت ثامار، وقيل لها: هو ذا حموك صاعد إلى تمنة ليجز غنمه.
٣٨/ ١٤: فخلت عنها ثياب ترملها، وتغطت ببرقع، وتلففت وجلست في مدخل عينايم؛ لأنها رأت أن شيلة قد كبر، ولم تعط له زوجة.
٣٨/ ١٥: فنظرها يهوذا، وحسبها زانية؛ لأنها كانت قد غطت وجهها.
٣٨/ ١٦: فمال إليها على الطريق، وقال: هاتي أدخل عليك؛ لأنه لم يعلم أنها كنته. فقالت: ماذا تعطيني لكي تدخل علي؟
٣٨/ ١٧: فقال: إني أرسل جدي معزى من الغنم. فقالت: هل تعطيني رهنا حتى ترسله؟
٣٨/ ١٨: فقال: ما الرهن الذي أعطيك؟ فقالت: خاتمك وعصابتك وعصاك التي في يدك. فأعطاها ودخل عليها، فحبلت منه. =стр. 171
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ٣٨/ ١٩: ثم قامت ومضت وخلعت عنها برقعها، ولبست ثياب ترملها.
٣٨/ ٢٠: فأرسل يهوذا جدي المعزى بيد صاحبه العدلامي ليأخذ الرهن من يد المرأة، فلم يجدها.
٣٨/ ٢٤: ولما كان نحو ثلاثة أشهر، أخبر يهوذا، وقيل له: قد زنت ثامار كنتك، وها هي حبلى أيضا من الزنى. فقال يهوذا: أخرجوها فتحرق.
٣٨/ ٢٥: أما هي، فلما أخرجت أرسلت إلى حميها قائلة: من الرجل الذي هذه له أنا حبلى ...
٣٨/ ٢٦: فتحققها يهوذا وقال: هي أبر مني؛ لأني لم أعطها لشيلة ابني. فلم يعد يعرفها أيضا.
٣٨/ ٢٧: وفي وقت ولادتها، إذا في بطنها توءمان.
٣٨/ ٢٨ - ٣٠: وكان في ولادتها أن أحدهما أخرج يدا، فأخذت القابلة، وربطت على يده قرمزا قائلة: هذا خرج أولا. ولكن حين رد يده، إذا أخوه قد خرج، فقالت: لماذا اقتحمت؟ عليك اقتحام. فدعي اسمه فارص. وبعد ذلك خرج أخوه الذي على يده القرمز، فدعي اسمه زارح. اهـ.
وفارص هذا جد كل من داود وسليمان والمسيح ﵈ كما في سفر أخبار الأيام الأول ٢/ ١٢ - ١٥ وفي الباب الأول من إنجيل متى.
وهكذا يكون أهل الكتاب قد طعنوا في نسب هؤلاء الأنبياء من ناحيتين: من ناحية راعوث المؤابية، ومن ناحية جدهم فارص المولود بالزنى مع المحارم. وطعنوا في نسب المسيح من ناحية ثالثة ألا وهي نعمة العمونية أم رحبعام بن سليمان ﵇ وهو من أجداد المسيح ﵇ كما سلف.стр. 172
ومن نسل فارص هذا كان "بوعز" المتزوج بـ"روث" التي هي من نسل مؤاب. ومن ولدهما كان داود النبي ﵇.
وأيضا ففي هذه الحكاية دقيقة ملزمة بالنسخ: وهي أن يهوذا لما أخبر بأن كنته قد علقت من الزنى، أفتى بإحراقها، فبعثت إليه بخاتمه وعصاه، وقالت له: من رب هذين أنا حامل. فقال: صدقت، مني ذلك. واعتذر بأنه لم يعرفها. ولم يعاودها.
وهذا يدل على أن شريعة ذلك الزمان كانت مقتضية إحراق الزواني، وأن التوراة أتت بنسخ ذلك، وأوجبت الرجم عليهن.
وفيه أيضا من نسبتهم الزنى والكفر إلى أهل بيت النبوة ما يقارب ما نسبوه إلى لوط النبي ﵇ وهذا كله عندهم في نص كتابهم.
وهم يجعلون هذا نسبا لداود وسليمان ولمسيحهم المنتظر، ثم يرون أن المسلمين أحق بهذا اللقب من منتظرهم. وكذبهم في هذا القول من أظهر الأمور وأبينها.
стр. 173
فصل معرب عن بعض فضائحهم:
ومن الفضائح التي عندهم مذهبهم في قصة البياما والحالوص؛ وذلك أنهم أمروا إذا أقام أخوان في موضع واحد، ومات أحدهما ولم يعقب ولدا، فلا تخرج امرأة الميت إلى رجل أجنبي، بل ولد حميها ينكحها. وأول ولد يولد لها ينسب إلى أخيه الدارج. فإن أبى أن ينكحها شكته إلى مشيخة قومها قائلة: "قد أبى ابن حمي أن يستبقي لأخيه في إسرائيل، ولم يرد نكاحي". فيحضر الحاكم هناك، ويكلفه أن يقول: "لوحا فصتي لقتحاه". تفسيره: ما أردت نكاحها. فتتناول المرأة نعله، فتخرجها من رجله، وتمسكها بيدها، وتبصق في وجهه، وتنادي عليه: "كاخا ييأسي لا ايش اشير لو بيني اث بيت احيوا". تفسيره: كذا فليصنع بالرجل الذي لا يبني بيت أخيه. ويدعى اسمه فيما بعد بالمخلوع النعل. وينبز بيته بهذا اللقب -أعني بيت المخلوع النعل- هذا كله مفترض في التوراة عليهم١. وفيه حكمة ملجئة للرجل
الحواشي
(١) ١ جاء في سفر التثنية ٢٥/ ٥: إذا سكن إخوة معا، ومات واحد منهم، وليس له ابن، فلا تصير امرأة الميت إلى خارج لرجل أجنبي. أخو زوجها يدخل عليها، ويتخذها لنفسه زوجة، ويقوم بواجب أخي الزوج.
٢٥/ ٦: والبكر الذي تلده يقوم باسم أخيه الميت. لئلا يمحى اسمه من إسرائيل. =стр. 174
إلى نكاح زوجة أخيه الدارج. لأنه إذا علم أنه قد فرض على المرأة أن تشتكيه إلى نادي قومها، فذلك مما يحمله على نكاحها، فإن لم يردعه الحياء من ذلك فربما إذا حضر استحى أن يقول: ما أردت نكاحها. فإن لم يخجله ذلك فلربما يستحي من انتهاك العرض بخلع نعله، وكون المرأة تشيل نعله، وتبصق في وجهه، وتنادي عليه بقلة البركة والمروءة. فإن هو استهان بذلك فربما استعظم أن ينبز باللقب، ويبقى عليه وعلى آله من بعده عار وقبح اسمه، فيلجئه ذلك إلى نكاحها. فإن كان من الزهد فيها بحيث يهون عليه جميع ذلك، فقد فرق الشرع بينهما بعد ذلك.
الحواشي
(١) = ٢٥/ ٧: وإن لم يرض الرجل أن يأخذ امرأة أخيه، تصعد امرأة أخيه إلى الباب إلى الشيوخ وتقول: قد أبى أخو زوجي أن يقيم لأخيه اسما في إسرائيل، لم يشأ أن يقوم لي بواجب الزوج.
٢٥/ ٨ - ٩: فيدعونه شيوخ مدينته، ويتكلمون معه. فإن أصر وقال: لا أرضى أن أتخذها، تتقدم امرأة أخيه إليه أمام أعين الشيوخ، وتخلع نعله من رجله، وتبصق في وجهه، وتصرح وتقول: هكذا يفعل بالرجل الذي لا يبني بيت أبيه.
٢٥/ ١٠: فيدعى اسمه في إسرائيل: بيت مخلوع النعل.
وسبق في بحث "افتراؤهم على الأنبياء" ادعاؤهم أن يهوذا بن يعقوب أمر بنيه بمثل هذا، ثم زنى بكنته. لكن الطريف في تشريعهم ما في الفقرة التالية:
٢٥/ ١١ - ١٢: إذا تخاصم رجلان بعضهما بعضا رجل وأخوه، وتقدمت امرأة أحدهما لكي تخلص رجلها من يده ضاربه، ومدت يدها، وأمسكت بعورته، فاقطع يدها، ولا تشفق عينك. اهـ.
ومن العجيب أنهم لم يحكموا بقطع الممسوك أيضًا!стр. 175
وليس في التوراة غير هذا. ففرَّع فقهاؤهم على ذلك ما فيه خزيهم وفضيحتهم. وذلك أنه إذا زهدت المرأة في نكاح أخي زوجها المتوفى، أكرهوه على النزول عنها، ثم ألزموها الحضور عند الحاكم بمحضر من مشيختهم، ولقنوها أن تقول: "ميابن سيامي لها فيما حبوشيم يسرائيل". تفسيره: "أبى ابن حمي أن يقيم لأخيه اسما في إسرائيل، ولم يرد نكاحي". فيلزمونها بالكذب عليه؛ لأنه أراد فمنعته، وكان الامتناع منها والإرادة منه. وإذا لقنوها تلك الألفاظ فهم يأمرونها بالكذب، ويحضرونه ويأمرونه بأن يقول: "لوحا فاصتي لقحتاه" تفسيره: ما أردت نكاحها. ولعل ذلك خلاف سؤله ومناه. فيأمرونه أن يكذب.
وأما خلع نعله وبصقها في وجهه فغاية التعدي؛ لأنه ما كفاهم أن كذبوا عليه وألزموه بأن يكذب، حتى ألزموه عقابا على ذنب لم يجنه. فصاروا كما قال الشاعر:
وجرم جره سفهاء قوم ... فحل بغير جانيه العقاب
стр. 176
ذكر السبب في تشديدهم الإصر على أنفسهم:
تشديدهم الإصر على أنفسهم له سببان:
أحدهما: من جانب فقهائهم، وهم الذين يُدعون "الحاخاميم" وتفسيره: الحكماء.
وكانت اليهود في قديم الزمان تسمي الفقهاء بالحكماء. وكان لهم في الشأم والمدائن مدارس. وكان لهم ألوف من الفقهاء. وذلك في زمن دولة النبط البابليين والفرس ودولة الروم. حتى اجتمع لهم الكتابان اللذان اجتمعت فقهاؤهم على تأليفهما. وهما "المشنا والتلمود".
فأما المشنا: فهو الكتاب الأصغر. ومبلغ حجمه ثمانمائة ورقة.
وأما التلمود: فهو الكتاب الأكبر. ومبلغه نحو نصف حمل بغل لكثرته. ولم يكن الفقهاء الذين ألفوه في عصر واحد، وإنما ألفوه في جيل بعد جيل١.
الحواشي
(١) ١ تفرع عن دراسة التوراة لدى أحبار اليهود نوعان من الأسفار؛ هما: التلمود -أي التعاليم- والمدراش. وأسفار التلمود في الأصل روايات شفوية تناقلها الحاخامات من جيل إلى جيل. وهي قسمان: المشناة، وهو الأصل -أي المتن- والجمارا، وهو الشرح.
فالمشناة معناه المثنى أو المكرر؛ لأن ما فيها تكرار للشريعة =стр. 177
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وإيضاح لها وتكميل. وهي أول لائحة قانونية وضعها اليهود لأنفسهم بعد التوراة. وقد تكونت من بحوث أحبار اليهود وربانييهم وفقهائهم في شئون العقيدة والشريعة والتاريخ المقدس وغير ذلك خلال القرنين الأول والثاني بعد الميلاد. وعددها ثلاثة وستون سفرا. واختلفوا فيمن جمعها ودونها. فالمشهور أنه يهوذا هاناسي، وأنه قام بجمعها بين عامي ١٩٠ - ٢٠٠م. وقيل: يوضاس.
وأما الجمارا فهي شروح وتعليقات على المشناة، ألفت في فترة طويلة تمتد من القرن الثاني الميلادي إلى أواخر القرن السادس. وهي نوعان:
جمارا أورشليم: وهو سجل للمناقشات التي أجراها حاخامات فلسطين، أو بالأحرى علماء مدارس طبرية لشرح أصول المشناة. ويرجع ابتداء جمعه إلى عام ٤٠٠م.
جمارا بابل: وهو أيضا سجل مماثل للمناقشات حول تعاليم المشناة، دونها علماء اليهود، وانتهوا من جمعها عام ٥٠٠م.
والمشناة مع شرحه جمارا أورشليم يسمى"تلمود أورشليم"، ومع شرحه جمارا بابل يسمى "تلمود بابل". وكل منهما يطبع على حدة. وأكثرهما تداولا بين اليهود تلمود بابل. وهو المراد عن إطلاق اللفظ. فالتلمود -بمتنه المشناة وشرحه الجمارا- توضيح وتفصيل وتكميل لما ورد في التوراة. وقد أنزله معظم اليهود منزلة لا تقل عن التوراة؛ فهو يليها في قدسيته، ويتقدمها في أهميته، ويمتاز بسريته.
بل إن بعضهم ليضعه في مكان أسمى من التوراة نفسها. انظر: التلمود تاريخه وتعاليمه لظفر الإسلام خان ص٤٠ - ٤٩، الأسفار المقدسة لعلي عبد الواحد ص١٠ وص٢١ - ٢٢، اليهودية لأحمد شلبي ص٢٧٣ - ٢٧٤ وص٢٢٦ - ٢٢٧. =стр. 178
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وقد ألفت المشناة باللغة العبرية الربانية أو التلمودية، وهي تختلف عن عبرية العهد القديم اختلافا بينا. أما شروحها الجمارا فقد ألفت باللغة الآرامية، فكان يدون المتن "المشناة" بالعبرية والشرح "الجمارا" بالآرامية. وعن هاتين اللغتين ترجم التلمود إلى كثير من لغات العالم قديمها وحديثها. الأسفار المقدسة لعلي عبد الواحد ص١٠ - ١١ وص٢٢ - ٢٣.
وآخر هذه التراجم هي التي وضعها الدكتور "إيزودور إيشتاين" بين عامي ١٩٣٥ - ١٩٥٢م باللغة الإنكليزية. وقد اشتملت على خمسة وثلاثين مجلدا.
وقد جرى حديثا في فلسطين المحتلة إعادة طبع النسخة العبرية الأصل من تلمود بابل. وذلك بعد مائة سنة من آخر طبعة منها. وقام على طبعها الحاخام "آدين شتاينز". وقد أعلن وقتئذ أنه سيطبع ستة آلاف نسخة فقط، بينما تطبع الملايين من نسخ الكتاب المقدس. مما يدل على حرص اليهود على سرية التلمود.
ومن الجدير بالذكر أن التراجم العديدة للتلمود يحذف منها كلها الحواشي والفصول التي لا يجوز لغير الحاخامات المتقدمين في العلم الاطلاع عليها. وحدث أن طبع التلمود بشكله الأصلي في بعض البلدان التي توصل بها اليهود إلى شيء من السيطرة سابقا، فأدى ذلك إلى كثير من المتاعب والاضطهادات والحرق العلني لنسخ التلمود؛ بسبب ما حواه من أشياء مستنكرة. ومنذ ذلك الحين أصبح التلمود قطعا نادرا، حتى قيل: إن نصه الأصلي الكامل المطبوع في البندقية عام ١٩٢٠ - ١٩٢٣م لا يوجد منه سوى ثلاث نسخ فقط. التلمود لظفر الإسلام ص٤٠ - ٤٩، التوراة تاريخها وغاياتها تعريب سهيل ديب ص٨٢.
والتملود بشكل عام يتكون من ستة مباحث يسمونها "سيداريم" أي =стр. 179
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الأحكام. وهي:
١ - زيرائيم -أي البذور- ويتضمن اللوائح الزراعية.
٢ - موئيد -أي الأيام المقررة- ويحتوي على لوائح الأعياد والصيام.
٣ - نشيم -أي المرأة- ويتضمن قوانين الزواج والطلاق والنذور.
٤ - نزيكين -أي الأضرار- ويشمل القوانين المدنية والجنائية.
٥ - كواشيم -أي الأشياء المقدسة- ويبحث في الصلاة.
٦ - توهاروث -أي الطهارة- ويبحث في قواعد الطهارة والنجاسة. انظر التلمود لظفر الإسلام خان ص٤٠ - ٤٩.
وفي التلمود من عجائب الخيالات: فقد ورد في بعض أسفاره أن الله يقضي الساعات الثلاث الأولى من النهار في مذاكرة الشريعة، والثلاث الثانية في شئون الحكم بين الناس، والثلاث الثالثة في تدبير العيش لخلقه، والثلاث الأخيرة في اللعب مع الحوت ملك الأسماك. وأما ساعات الليل، فيقضيها في مذاكرة التلمود مع الملائكة ومع ملك الشياطين الذي يصعد كل ليلة إلى السماء ثم يهبط منها إلى الأرض بعد انتهاء الندوة العلمية.
غير أن هذا النظام تغير بعد هدم الهيكل وتشريد بني إسرائيل. فإن الله -كما يقول التلمود- قد اعترف بخطئه، وندم على ما فعل. فخصص ثلاثة أرباع الليل للبكاء، وكان إذا بكى سقطت من عينيه دمعتان في البحر، فيسمع دويهما في الآفاق، وتضطرب المياه، وترجف الأرض، وتحدث الزلازل. ويزعم التلمود أن الله يردد في أثناء بكائه ونحيبه عبارات الندم، فيقول: تبا لي أمرت بخراب بيتي وإحراق الهيكل وتشريد أولادي.
وتذكر بعض أسفار التلمود أن رجلا اسمه إسماعيل، سمع الله إثر =стр. 180
فلما نظر المتأخرون منهم إلى هذا التأليف، وأنه كلما مر جيل عليه زادوا فيه، وأن هذه الزيادات المتأخرة تناقض أوائل هذا التأليف؛ علموا أنهم إن لم يقطعوا ذلك، ويمنعوا من الزيادة فيه، أدى إلى الخلل الظاهر والتناقض الفاحش. فوقفوا الزيادة فيه، ومنعوا من ذلك، وحظروا على الفقهاء الزيادة فيه. وحرموا من يضيف إليه شيئا آخر. فوقف على ذلك المقدار.
وكانت أئمتهم قد حرموا عليهم في هذين الكتابين مؤاكلة الأجانب
الحواشي
(١) = خراب بيت المقدس يئن كما تئن الحمامة ويبكي وهو يقول: الويل لمن خرب بيته، وضعضع ركنه، وهدم قصره وموضع سكينته، وَيْلي على ما فرقت من بنيَّ وبناتي، قامتي منكسة حتى ابني بيتي، وأرد إليه بني وبناتي. فلما شعر بوجود إسماعيل بجواره أخذ بثيابه وقال له: أسمعتني يابني إسماعيل؟ فقال: لا يا رب. فقال له الرب: يابني إسماعيل بارك علي. فبارك عليه ومضى.
ويقرر التلمود كذلك أن الله سبحانه قد تستولي عليه نزوة الغضب، فيقسم ليأتين أفعالا شريرة، ثم يثوب إلى رشده، فيتحلل من يمينه.
ويستدل أيضا من أسفار التلمود على أنهم كانوا يخصصون عشرة أيام من أول شهر تشرين الثاني كل عام لعبادة الرب الصغير الملك "صندلفون" خادم التاج الذي في رأس معبودهم. فإن فيه ألف قنطار ذهب.
وأسفار التلمود تحث أيضا على ذبح الآدميين من غير بني جنسهم، وتقديمهم قربانا لإلههم، ومزج دمائهم بعجين الفطائر المقدسة التي يتناولونها في أعيادهم. الأسفار المقدسة لعلي ص٢٧ - ٣٠، الفصل لابن حزم ١/ ١٦٣ - ١٦٥، اليهودية لأحمد شلبي ص٢٧٥، التلمود شريعة إسرائيل ص١٧ - ١٨.следующие страницы →