← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10781

شرح مختصر الروضة

الطوفي

Полный текст (2 051 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٦٤] ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي سَبَبِهِ وَمُصَحِّحِهِ، وَهُوَ النِّعْمَةُ. قَوْلُهُ: «يَا مَنَّانُ» نِدَاءٌ لِلَّهِ ، وَوَصْفٌ لَهُ بِصِفَتِهِ الْجَمِيلَةِ، وَهِيَ الْمَنُّ وَالْإِنْعَامُ، لِأَنَّ الْمَسْؤُولَ إِذَا دُعِيَ بِجَمِيلِ صِفَاتِهِ كَانَ أَجْدَرَ بِإِجَابَةِ السُّؤَالِ، وَالْمَنَّانُ: الْكَثِيرُ الْمَنِّ وَالْإِفْضَالِ الْمُتَكَرِّرِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مُقْتَضَى صِيغَةِ فَعَّالٍ. قَوْلُهُ: «وَتُلْحِقَنِي بِالنَّبِيِّ الْأَفْضَلِ» يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ ، وَهُوَ أَفْضَلُ الْخَلْقِ عَلَى الْإِطْلَاقِ. قَوْلُهُ: «وَالرَّسُولُ الْمُكَمَّلُ الْأَكْمَلُ» ، هَهُنَا بَحْثَانِ: أَحَدُهُمَا: ذِكْرُ لَفْظِ النَّبِيِّ وَالرَّسُولِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: دَفْعًا لِتَكْرَارِ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ. الثَّانِي: أَنَّ لَفْظَ الرَّسُولِ هُنَا مُنَاسِبٌ لِذِكْرِ التَّكْمِيلِ، لِأَنَّهُ مِنْ لَوَازِمَ الرِّسَالَةِ، بِخِلَافِ النَّبِيِّ، فَإِنَّهُ لَا يُكْمِلُ أَحَدًا، وَلِهَذَا جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ ﷺ ، جَعَلَ يَمُرُّ بِالنَّبِيِّ وَالنَّبِيَّيْنِ وَمَعَهُمُ الْقَوْمُ، وَالنَّبِيِّ وَالنَّبِيَّيْنِ وَمَعَهُمُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيِّ وَالنَّبِيَّيْنِ وَلَيْسَ مَعَهُمْ أَحَدٌ الْحَدِيثُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ

стр. 37

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَصَحَّحَهُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّبِيِّ وَالرَّسُولِ، قِيلَ: بِأَنَّ النَّبِيَّ يُوحَى إِلَيْهِ مَنَامًا، وَالرَّسُولَ عَلَى لِسَانِ الْمَلَكِ يَقَظَةً، وَهُوَ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ نَبِيَّنَا ﷺ أُوحِيَ إِلَيْهِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ مَنَامًا فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ رَسُولًا، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: بِأَنَّ الرَّسُولَ نَبِيٌّ خَاصٌّ، فَكَانَ الْوَحْيُ إِلَيْهِ مَنَامًا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ نَبِيًّا، وَيَكُونُ الْوَحْيُ قَدْ تَرَاخَى عَنْهُ تِلْكَ الْمُدَّةَ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ رَسُولًا، كَمَا انْقَطَعَ عَنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا حِينَ سُئِلَ عَنْ أَهْلِ الْكَهْفِ وَالْإِسْكَنْدَرِ، وَعَنِ الرُّوحِ، فَقَالَ: غَدًا أُخْبِرُكُمْ وَلَمْ يَسْتَثْنِ، وَالْقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ. وَقِيلَ: بِأَنَّ الرَّسُولَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ ، وَالنَّبِيَّ لَا يَلْزَمُ فِيهِ ذَلِكَ بَلْ تَكُونُ نُبُوَّتُهُ وَحْيًا يَخْتَصُّ بِهِ، وَمُنَاجَاةً بَيْنِهِ وَبَيْنَ رَبِّهِ. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ السَّلَفِ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا إِذَا عَبَدَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً أُوحِيَ إِلَيْهِ، فَعَبَدَ بَعْضُهُمُ اللَّهَ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ، وَكَانَ يَرَى نَفْسَهُ فَرَجَعَ يَلُومُهَا وَيَقُولُ: يَا نَفْسُ مَا أُتِيتُ إِلَّا مِنْ قِبَلِكِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: الْآنَ حَيْثُ اعْتَرَفْتَ بِالتَّقْصِيرِ أَهَّلْتُكَ لِلْوَحْيِ، أَوْ كَمَا قَالَ. وَحَاصِلُ هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ الرِّسَالَةَ مَعْنًى مُتَعَدٍّ، وَالنُّبُوَّةَ تَكُونُ لَازِمَةً وَمُتَعَدِّيَةً، وَذَكَرَ يَعْقُوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْإِسْفَرَايِينِيُّ فِي «دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ» : أَنَّ النَّبِيَّ مَنْ أَتَاهُ الْوَحْيُ مِنَ اللَّهِ

стр. 38

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَعَالَى، وَالرَّسُولَ مَنْ أَتَى بِشَرْعٍ ابْتِدَاءً وَبِنَسْخِ بَعْضِ أَحْكَامِ شَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَهُ، وَهَذَا نَحْوُ الَّذِي قَبْلَهُ. الْبَحْثُ الثَّانِي: أَنَّ الْمَوْجُودَاتِ بِحَسَبِ الْقِسْمَةِ الْعَقْلِيَّةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: إِمَّا كَامِلٌ مُكَمِّلٌ، أَوْ لَا كَامِلٌ وَلَا مُكَمِّلٌ، أَوْ كَامِلٌ غَيْرُ مُكَمِّلٍ، أَوْ مُكَمِّلٌ غَيْرُ كَامِلٍ، وَهَذَا الْقِسْمُ مُحَالٌ لَا يُتَصَوَّرُ، لِأَنَّ تَكْمِيلَ الْغَيْرِ فَرْعُ كَمَالِ الذَّاتِ، فَإِذَا انْتَفَى الْأَصْلُ، اسْتَحَالَ وُجُودُ الْفَرْعِ، وَلِأَنَّ كَمَالَ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ مَبْدَأُ تَكْمِيلِهِ لِغَيْرِهِ، وَالْمُحْدَثُ بِدُونِ مَبْدَأٍ مُحَالٌ، وَنَظِيرُهُ أَنَّ التَّعْلِيمَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَطَهُورِيَّةَ الْمَاءِ بِدُونِ طَهَارَتِهِ مُحَالٌ. أَمَّا الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ، فَأَعْلَاهَا الْكَامِلُ الْمُكَمِّلُ - بِكَسْرِ الْمِيمِ - وَلَهُ مَرَاتِبُ أَعْلَاهَا فِي ذَلِكَ رُتْبَةُ الْبَارِي، ﷻ ، فَإِنَّهُ الْكَامِلُ فِي ذَاتِهِ لِذَاتِهِ لَا لِمُكَمِّلِ غَيْرِهِ، وَهُوَ الْمُكَمِّلُ لِمَنْ سِوَاهُ مُطْلَقًا، لَكِنْ لِبَعْضِهِمْ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، كَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ وَالْأَوْلِيَاءِ الْمُحْدَثِينَ الْمُلْهَمِينَ، وَلِبَعْضِهِمْ بِوَاسِطَةِ هَؤُلَاءِ كَتَكْمِيلِ الْأُمَمِ بِالْأَنْبِيَاءِ، وَبَعْضِ أَشْخَاصِ الْأُمَمِ بِبَعْضٍ كَالتِّلْمِيذِ بِالْمُعَلِّمِ، وَالْقَاضِي بِالْإِمَامِ يُوَلِّيهِ الْحُكْمَ، وَالْعَدْلِ بِالْقَاضِي يَعْدِلُهُ، وَالشَّاهِدِ بِالْمُزَكِّي، وَالْمُوَلَّى عَلَيْهِ بِالْوَلِيِّ. ثُمَّ يَلِي هَذَا الْقَسَمَ فِي الرُّتْبَةِ الْكَامِلُ غَيْرُ الْمُكَمِّلِ، كَالرَّجُلِ الصَّالِحِ الْعَارِفِ بِرَبِّهِ، لَكِنْ لَيْسَ لَهُ قُوَّةٌ تُعَرِّفُهُ غَيْرَهُ، وَالْعَالِمِ بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي عَمَلِهِ وَتَعَبُّدَاتِهِ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ فَضْلُ عِلْمٍ يُعَلِّمُهُ غَيْرَهُ، أَوْ لَيْسَ عِنْدَهُ قُوَّةٌ يُوصَلُ بِهَا إِلَى فَهْمِ غَيْرِهِ، فَهَذَا كَالْمَاءِ الطَّاهِرِ غَيْرِ الطَّهُورِ، وَالَّذِي قَبْلَهُ كَالطَّهُورِ.

стр. 39

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالْقِسْمُ الْآخَرُ الَّذِي لَيْسَ بِكَامِلٍ وَلَا مُكَمِّلٍ، هُوَ كَالْمَاءِ النَّجِسِ الَّذِي لَا هُوَ طَاهِرٌ فِي نَفْسِهِ، وَلَا مُطَهِّرٌ لِغَيْرِهِ، وَقَدْ سُلِبَ صِفَتَيِ الطَّهَارَةِ وَالطَّهُورِيَّةِ، فَهُوَ كَالْفَاسِقِ الَّذِي لَيْسَ هُوَ عَدْلًا، وَلَا تُقْبَلُ تَزْكِيَتُهُ لِمَنْ يُرِيدُ التَّعْدِيلَ، وَكَالْكَافِرِ الشَّيْطَانِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ خَيْرٌ، وَلَا يَأْمُرُ غَيْرَهُ بِخَيْرٍ. إِذَا عُرِفَ هَذَا، فَكَمَالُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، وَهُوَ مُتَفَاوِتٌ فِي مَرَاتِبِهِ، فَكَمَالُ الْمُحْدَثِ دُونَ كَمَالِ الْقَدِيمِ، وَكَمَالُ الْعَرَضِ دُونَ كَمَالِ الْجَوْهَرِ، وَكَمَالُ الْجَمَادِ دُونَ كَمَالِ النَّامِي، وَكَمَالُ النَّامِي دُونَ كَمَالِ الْحَسَّاسِ، وَكَمَالُ الْحَسَّاسِ - وَهُوَ الْحَيَاةُ - دُونَ كَمَالِ الْإِنْسَانِ، ثُمَّ يَتَفَاوَتُ الْإِنْسَانُ فِي مَرَاتِبِ الْكَمَالِ بِحَسَبِ الْمَعَانِي وَالصِّفَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّفَاوُتِ، فَلِهَذَا قَالَ: «وَالرَّسُولِ الْمُكَمِّلِ الْأَكْمَلِ» : أَيِ الْمُكَمِّلِ لِغَيْرِهِ بِالْهِدَايَةِ وَالْإِرْشَادِ وَالدُّعَاءِ إِلَى سُبُلِ الرَّشَادِ، الْأَكْمَلِ مِنْ جَمِيعِ أَشْخَاصِ نَوْعِهِ وَغَيْرِهِ، فَالْكَامِلُ مِنْهُمْ مُشَارِكٌ لَهُ فِي مُطْلَقِ الْكَمَالِ، وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِرُتْبَةِ الْأَكْمَلِيَّةِ. وَقَوْلُهُ: «الَّذِي خَتَمَ النُّبُوَّةَ وَأَكْمَلَ» هَذَا وَصْفٌ لِلرَّسُولِ بِأَنَّهُ خَتَمَ النُّبُوَّةَ وَأَكْمَلَهَا، بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مُحْتَاجَةً إِلَيْهِ ﷺ ، كَمَا رَوَى جَابِرٌ رَضِيَ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي كَرَجُلٍ بَنَى دَارًا، فَأَكْمَلَهَا وَأَحْسَنَهَا إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَدْخُلُونَهَا وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْهَا وَيَقُولُونَ: لَوْلَا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ أَخْرَجَاهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ: فَكُنْتُ أَنَا تِلْكَ اللَّبِنَةَ، ﷺ . قَوْلُهُ: «وَمَنْ تَبِعَهُ بِإِحْسَانٍ» .

стр. 40

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هَذَا عَطْفٌ عَلَى النَّبِيِّ الْأَفْضَلِ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ بِالْبَاءِ، تَقْدِيرُهُ: وَأَنْ تُلْحِقَنِي بِالنَّبِيِّ وَبِمَنْ تَبِعَهُ بِإِحْسَانٍ، وَهُمُ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، مِمَّنْ أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ وَالْقِيَامَ بِأَمْرِهِ.

стр. 41

وَأَسْأَلُكَ التَّسْدِيدَ فِي تَأْلِيفِ كِتَابٍ فِي الْأُصُولِ. حَجْمُهُ يَقْصُرُ وَعِلْمُهُ يَطُولُ. مُتَضَمِّنٌ مَا فِي الرَّوْضَةِ الْقُدَامِيَّةِ، الصَّادِرَةِ عَنِ الصِّنَاعَةِ الْمَقْدِسِيَّةِ. غَيْرَ خَالٍ مِنْ فَوَائِدَ زَوَائِدَ، وَشَوَارِدَ فَرَائِدَ، فِي الْمَتْنِ وَالدَّلِيلِ، وَالْخِلَافِ وَالتَّعْلِيلِ. ــ قَوْلُهُ: «وَأَسْأَلُكَ التَّسْدِيدَ» هَذَا عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: «أَحْمَدُكَ» ، أَيْ أَحْمَدُكَ وَأَسْأَلُكَ التَّسْدِيدَ، وَهُوَ التَّوْفِيقُ لِلسَّدَادِ، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَمِنْهُ تَسْدِيدُ السَّهْمِ إِلَى الْغَرَضِ، أَيْ: تَصْوِيبُهُ، وَأَصْلُهُ مِنَ السَّدَادِ وَالسَّدَدِ وَهُوَ الِاسْتِقَامَةُ. وَالسَّهْمُ وَالرُّمْحُ الْمُسَدَّدُ: الْمُقَوَّمُ، وَرَأْيٌ سَدِيدٌ: صَائِبٌ مُسْتَقِيمٌ. قَوْلُهُ: «فِي تَأْلِيفِ كِتَابٍ فِي الْأُصُولِ» التَّأْلِيفُ: تَفْعِيلُ مِنْ أَلِفَ الشَّيْءُ الشَّيْءَ، وَالطَّائِرُ الْوَكْرَ، إِذَا انْضَمَّ إِلَيْهِ دَائِمًا أَوْ غَالِبًا، وَتَأْلِيفُ الْكِتَابِ: ضَمُّ بَعْضِهِ إِلَى بَعْضٍ حُرُوفًا وَكَلِمَاتٍ وَأَحْكَامًا، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْأَجْزَاءِ، وَالْكِتَابُ: فِعَالُ مِنَ الْكَتْبِ، وَهُوَ الْجَمْعُ، يُقَالُ: كَتَبْتَ الْقِرْبَةَ: إِذَا خَرَزْتَهَا، وَالْكُتْبَةُ - بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ التَّاءِ: الْخَرَزَةُ، وَكَتَبْتُ الْبَغْلَةَ: جَمَعْتُ بَيْنَ شُفْرَيْهَا بِحَلْقَةٍ، وَكَتَبْتُ النَّاقَةَ: صَرَرْتُهَا، وَتَكَتَّبَتِ الْخَيْلُ: تَجَمَّعَتْ، وَالْكَتِيبَةُ: جَمَاعَةُ الْخَيْلِ. وَالْأُصُولُ: جَمْعُ أَصْلٍ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: «حَجْمُهُ» أَيْ حَجْمُ الْكِتَابِ الْمُؤَلَّفِ «يَقْصُرُ» ، أَيْ: يَقِلُّ وَيَسْهُلُ، وَإِنَّمَا اسْتَعْمَلَ فِيهِ لَفْظَ الْقِصَرِ مُقَابَلَةً لِقَوْلِهِ: «وَعِلْمُهُ يَطُولُ» فَإِنَّ الطِّبَاقَ يُحَسِّنُ الْكَلَامَ، وَهُوَ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَدِيعِ، وَحَجْمُ الشَّيْءِ: نُتُوُّهُ، يُقَالُ: لِمَرْفَقِهِ حَجْمٌ، أَيْ: نُتُوٌّ، وَالْمُرَادُ بِهِ مِنَ الْكِتَابِ ثَخَانَتُهُ، وَهُوَ بُعْدُ مَا بَيْنَ طَرَفَيْ سِوَارَيْهِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ

стр. 42

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كَثِيرُ الْمَعْنَى، قَلِيلُ اللَّفْظِ، وَهُوَ الْإِيجَازُ الْمُسْتَحْسَنُ، إِذْ خَيْرُ الْكَلَامِ مَا قَلَّ وَدَلَّ، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الِاخْتِصَارِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ ﵇: أُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَاخْتُصِرَ لِي الْكَلَامُ اخْتِصَارًا أَيْ أُوتِيتُ الْمَعَانِيَ الْكَثِيرَةَ الْجَلِيلَةَ فِي الْأَلْفَاظِ الْيَسِيرَةِ الْقَلِيلَةِ، وَأَصْلُ الِاخْتِصَارِ: هُوَ مِنْ خَصْرِ الْإِنْسَانِ: وَهُوَ مَا اسْتَدَقَّ فَوْقَ مَتْنِهِ، أَوْ مِنَ اخْتِصَارِ الطَّرِيقِ، وَهُوَ سُلُوكُ أَقْرَبِهِ، وَخُصُورِ الرَّمْلِ: مَا اسْتَدَقَّ مِنْهُ وَاطْمَأَنَّ، فَسُلُوكُهُ أَقْرَبُ. قَوْلُهُ: «مُتَضَمِّنٍ» هُوَ مَجْرُورٌ صِفَةً لِكِتَابٍ، أَيْ فِي تَأْلِيفِ كِتَابٍ مُتَضَمِّنٍ، أَيْ: فِي ضِمْنِهِ، أَيْ بَاطِنِهِ، «مَا فِي الرَّوْضَةِ الْقُدَامِيَّةِ، الصَّادِرَةِ عَنِ الصِّنَاعَةِ الْمَقْدِسِيَّةِ» يَعْنِي كِتَابَ «الرَّوْضَةِ» ، تَأْلِيفِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْعَلَّامَةِ مُوَفَّقِ الدِّينِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قُدَامَةَ الْمَقْدِسِيِّ، فَالْقُدَامِيَّةُ نِسْبَةٌ إِلَى جَدِّهِ، وَبِهِ يُعْرَفُ نَسَبًا، لِأَنَّهُ أَشْهَرُ آبَائِهِ وَأَعْرَفُهَا لَفْظًا، فَهُوَ إِذَا نُسِبَ إِلَى الْأَبِ قِيلَ: ابْنُ قُدَامَةَ، وَإِذَا نُسِبَ إِلَى الْبَلَدِ قِيلَ: الْمَقْدِسِيُّ، فَوَقَعَتِ النِّسْبَةُ هَاهُنَا إِلَيْهِمَا. وَالصَّادِرَةُ: النَّاشِئَةُ، وَمَصْدَرُ الشَّيْءِ مَبْدَؤُهُ وَمَنْشَؤُهُ. وَالصِّنَاعَةُ: مَلَكَةٌ نَفْسَانِيَّةٌ يَصْدُرُ عَنْهَا آثَارٌ عِلَاجِيَّةٌ لِإِفَادَةِ كَمَالٍ فِي مَحِلٍّ،

стр. 43

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَاسْتِعْمَالُ الصِّنَاعَةِ فِي الْعُلُومِ مَجَازٌ عُرْفِيٌّ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ بِاعْتِبَارِ الْمُبَادَرَةِ الذِّهْنِيَّةِ وَالِاسْتِعْمَالِ الْعَامِّ لِمَا تَضَمَّنَ عِلَاجًا بَدَنِيًّا كَالنِّجَارَةِ وَالْخِيَاطَةِ. قَوْلُهُ: «غَيْرَ خَالٍ مِنْ فَوَائِدَ زَوَائِدَ» غَيْرَ مَنْصُوبٍ عَلَى الْحَالِ مِنْ كِتَابٍ فِي قَوْلِهِ: تَأْلِيفِ كِتَابٍ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ نَكِرَةً إِلَّا أَنَّهُ وُصِفَ بِصِفَاتٍ خَصَّصَتْهُ حَتَّى قَارَبَ الْمَعْرِفَةَ جِدًّا، وَالْعَامِلُ فِي الْحَالِ تَأْلِيفٌ، لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ دَلَّ عَلَى فِعْلِهِ، وَأَبْيَنُ مِنْ هَذَا التَّقْدِيرِ وَأَسْلَمُ أَنْ تَكُونَ «غَيْرَ» صِفَةً لِكِتَابٍ عَلَى الْمَعْنَى، لِأَنَّ التَّأْلِيفَ مَصْدَرٌ مُقَدَّرٌ بِأَنْ وَالْفِعْلِ. وَكِتَابٌ حَقُّهُ النَّصْبُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ: فَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ: أَسْأَلُكَ التَّسْدِيدَ فِي أَنْ أُؤَلِّفَ كِتَابًا غَيْرَ خَالٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «غَيْرَ» مَجْرُورَةً نَعْتًا لِكِتَابٍ عَلَى اللَّفْظِ، وَالنَّصْبُ الْمُخْتَارُ نَعْتًا عَلَى الْمَحَلِّ. وَالْفَوَائِدُ: جَمْعُ فَائِدَةٍ، وَهِيَ فَاعِلَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْفُؤَادِ، لِأَنَّهَا تُرَدُّ عَلَيْهِ اسْتِفَادَةً، وَتَصْدُرُ عَنْهُ إِفَادَةً، أَعْنِي أَنَّ الْإِنْسَانَ يَعْقِلُ مَا يَسْتَفِيدُهُ بِفُؤَادِهِ، وَالْمُرَادُ قَلْبُهُ الَّذِي يُشْرِقُ عَلَيْهِ نُورُ عَقْلِهِ، أَوْ هُوَ مَحِلُّ عَقْلِهِ عَلَى خِلَافٍ سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَيَصْدُرُ مَا يُفِيدُهُ غَيْرُهُ عَنْ فُؤَادِهِ أَيْضًا، قَالَ اللَّهُ : ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً﴾ [الْأَحْقَافِ: ٢٦] يَعْنِي يَفْهَمُونَ بِهَا. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٧٨] ، أَيْ: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ قَدْرَ نِعْمَتِهِ عَلَيْكُمْ، فَتَشْكُرُونَهُ عَلَيْهَا. وَزَوَائِدُ: جَمْعُ زَائِدَةٍ، أَيْ: فَائِدَةٌ زَائِدَةٌ عَمَّا فِي «الرَّوْضَةِ» الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْمُخْتَصَرِ.

стр. 44

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «وَشَوَارِدَ فَرَائِدَ» هُوَ جَمْعُ شَارِدَةٍ، أَيْ: فَائِدَةٌ أَوْ نُكْتَةٌ شَارِدَةٌ يَعْنِي خَارِجَةً عَنِ الرَّوْضَةِ لَيْسَتْ فِيهَا، أَوْ عَنْ فَهْمِ كَثِيرٍ مِنْ مُؤَلِّفِي الْكُتُبِ، وَالنَّاسُ لَمْ يَنْتَبِهُوا لَهَا، يُقَالُ: شَرَدَ الْبَعِيرُ وَالنَّاقَةُ: إِذَا نَفَرَا، وَالشَّرِيدُ الطَّرِيدُ، وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْخُرُوجِ، وَهَذَا مُسْتَعَارٌ مِنْ ذَلِكَ. وَالْفَرَائِدُ: جَمْعُ فَرِيدَةٍ، أَيْ: مُنْفَرِدَةٌ بِالْحُسْنِ فِي بَابِهَا. قَوْلُهُ: «فِي الْمَتْنِ وَالدَّلِيلِ، وَالْخِلَافِ وَالتَّعْلِيلِ» هَذَا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: زَوَائِدَ، أَيْ هَذِهِ الزَّوَائِدُ هِيَ تَارَةً فِي الْمَتْنِ أَعْنِي الْمَسَائِلَ الْمُسْتَدَلَّ عَلَيْهَا، وَتَارَةً فِي الدَّلِيلِ عَلَى الْأَحْكَامِ، وَتَارَةً فِي نَقْلِ الْخِلَافِ فِي الْأَحْكَامِ، وَتَارَةً فِي تَعْلِيلِهَا، أَيْ: تَقْرِيرِ عِلَلِهَا نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، وَالتَّعْلِيلُ أَخَصُّ مِنَ الدَّلِيلِ، إِذْ كُلُّ تَعْلِيلٍ دَلِيلٌ، وَلَيْسَ كُلُّ دَلِيلٍ تَعْلِيلًا، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ وَجْهَ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ بَيْنَهُمَا لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ ذِكْرَ التَّعْلِيلِ مَعَ الدَّلِيلِ تَكْرَارٌ. وَالْمَتْنُ فِي الْأَصْلِ الْجِسْمُ، وَمَتْنَا الظَّهْرِ: مُكْتَنِفَا الصُّلْبِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ مِنْ عَصَبٍ وَلَحْمٍ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَهُ الْمُحَدِّثُونَ فِي الْكَلَامِ الْمَرْوِيِّ بِالْإِسْنَادِ وَقَابَلُوا بَيْنَهُمَا، فَقَالُوا: الْمَتْنُ وَالْإِسْنَادُ، وَوَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَتْنِ الْحَيَوَانِ أَنَّهُ لَا ثُبُوتَ لِلْحَدِيثِ بِدُونِ مَتْنِهِ، كَمَا لَا ثُبُوتَ لِلْحَيَوَانِ بِدُونِ مَتْنِهِ، وَاسْتَعْمَلْتُهُ أَنَا هَاهُنَا فِيمَا ذَكَرْتُ، لِأَنَّ نِسْبَةَ حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ إِلَى دَلِيلِهَا نِسْبَةُ لَفْظِ الْحَدِيثِ إِلَى إِسْنَادِهِ، مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِدَلِيلِهِ، كَمَا أَنَّ اللَّفْظَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِإِسْنَادِهِ.

стр. 45

مَعَ تَقْرِيبِ الْإِفْهَامِ عَلَى الْأَفْهَامِ، وَإِزَالَةِ اللَّبْسِ عَنْهُ مَعَ الْإِبْهَامِ. حَاوِيًا لِأَكْثَرَ مِنْ عِلْمِهِ، فِي دُونِ شَطْرِ حَجْمِهِ، مُقِرًّا لَهُ غَالِبًا عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ التَّرْتِيبِ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ إِلَى قَلْبِي بِحَبِيبٍ وَلَا قَرِيبٍ. سَائِلًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وُفُورَ النَّصِيبِ، مِنْ جَمِيلِ الْأَجْرِ، وَجَزِيلِ الثَّوَابِ، وَدُعَاءٍ مُسْتَجَابٍ، وَثَنَاءٍ مُسْتَطَابٍ، اللَّهُمَّ فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ. ــ قَوْلُهُ: «مَعَ تَقْرِيبِ الْإِفْهَامِ» هُوَ مَكْسُورُ الْهَمْزَةِ، وَهُوَ التَّفْهِيمُ أَيْضًا، يُقَالُ: أَفْهَمْتُهُ إِفْهَامًا، وَفَهَّمْتُهُ تَفْهِيمًا، فَهُمَا مَصْدَرَانِ لِفِعْلَيْنِ مِنَ الْمَادَّةِ، كَالْإِكْرَامِ وَالتَّكْرِيمِ، غَيْرَ أَنَّ التَّفْهِيمَ وَالتَّكْرِيمَ يُفِيدُ الْمُبَالَغَةَ وَالتَّكْرِيرَ عَلَى الْأَفْهَامِ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ فَهْمٍ، وَهُوَ الْقُوَّةُ الَّتِي يُدْرَكُ بِهَا مَعْنَى الْكَلَامِ، وَالْمَعْنَى: أَنِّي مَعَ اخْتِصَارِ الْكِتَابِ لَفْظًا وَالزِّيَادَةِ فِيهِ مَعْنًى، قَرَّبْتُهُ عَلَى الْأَفْهَامِ بِتَسْهِيلِ أَلْفَاظِهِ وَوَضْعِهَا مَوَاضِعَهَا، بِحَيْثُ إِنَّ مَنْ سَمِعَ ظَوَاهِرَ أَلْفَاظِهِ مُطْلَقًا أَوْ غَالِبًا، فَهِمَ بَاطِنَ مَعَانِيهِ، وَرُبَّ عِبَارَةٍ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، بَلْ يُحْتَاجُ فِي تَنْزِيلِهَا عَلَى الْمُرَادِ إِلَى تَكَلُّفٍ وَتَعَسُّفٍ، وَهَذَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: «وَإِزَالَةِ الْإِبْهَامِ» بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ أَسْفَلَ، وَفِيهِ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ لَبْسٌ، لَكِنَّهُ مِنْ حَيْثُ الْقَرِينَةُ وَسِيَاقُ الْكَلَامِ زَائِلٌ. أَمَّا وَجْهُ اللَّبْسِ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: «مَعَ الْإِبْهَامِ» يُحْتَمَلُ أَنِّي أَزَلْتُ اللَّبْسَ وَالْإِبْهَامَ فَاصْطَحَبَا فِي الزَّوَالِ عَنِ الْكَلَامِ وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ، وَعَلَيْهِ دَلَّ سِيَاقُ

стр. 46

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْكَلَامِ وَقَرِينَتُهُ، لِأَنَّهُ وَصَفَهُ بِالتَّقْرِيبِ وَالظُّهُورِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِذَلِكَ. وَيُحْتَمَلُ أَنِّي أَلَّفْتُ الْكِتَابَ مَعَ الْإِبْهَامِ، فَيَكُونُ الِاصْطِحَابُ بَيْنَ التَّأْلِيفِ وَالْإِبْهَامِ فِي الْوُقُوعِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ مُرَادًا، لِأَنَّهُ يُنَافِي سِيَاقَ الْكَلَامِ، وَيُنَاقِضُ قَوْلَهُ: «مَعَ تَقْرِيبِ الْإِفْهَامِ عَلَى الْأَفْهَامِ» وَأَمَّا زَوَالُ اللَّبْسِ مِنْ حَيْثُ الْقَرِينَةُ فَبِمَا ذَكَرْتُهُ. وَالْإِبْهَامُ: هُوَ اشْتِبَاهُ جِهَاتِ الْحَقِّ، فَلَا تُعْلَمُ عَيْنُ جِهَتِهِ يُقَالُ: أَمْرٌ مُبْهَمٌ: لَا يُدْرَى مَا وَجْهُهُ. قَوْلُهُ: «حَاوِيًا لِأَكْثَرَ مِنْ عِلْمِهِ» أَيْ لِأَكْثَرَ مِنْ عِلْمِ كِتَابِ «الرَّوْضَةِ» «فِي دُونِ شَطْرِ حَجْمِهِ» أَيْ: نِصْفُ مِقْدَارِهِ، وَهَذَا التَّقْدِيرُ مَعْرُوفٌ بِالْعِيَانِ لِمَنْ قَابَلَ بَيْنَ الْكِتَابَيْنِ. وَ «حَاوِيًا» : مَنْصُوبٌ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي قَوْلِهِ: «غَيْرَ خَالٍ» وَيَجُوزُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ فِيهِ. قَوْلُهُ: «مُقِرًّا لَهُ غَالِبًا عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ التَّرْتِيبِ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ إِلَى قَلْبِي بِحَبِيبٍ وَلَا قَرِيبٍ» مُقِرًّا: فِي إِعْرَابِهِ الْوُجُوهُ الثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي «غَيْرَ خَالٍ» . وَمَعْنَى الْكَلَامِ: أَنَّ غَالِبَ تَرْتِيبِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ فِي «الرَّوْضَةِ» أَقْرَرْتُهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ لَمْ أُغَيِّرْهُ، وَإِنْ كَانَ تَرْتِيبُهُ لَيْسَ بِحَبِيبٍ إِلَيَّ، وَلَا قَرِيبٍ إِلَى قَلْبِي، لِمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَذَلِكَ لِأَنِّي مُخْتَصِرٌ لِكِتَابِهِ، وَحَقِيقَةُ الِاخْتِصَارِ: هُوَ ذِكْرُ جَمِيعِ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ، وَتَغْيِيرُ التَّرْتِيبِ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، غَيْرَ أَنِّي تَصَرَّفْتُ فِي تَرْتِيبِهِ تَصَرُّفًا مَا، بِحَسَبِ مَا يَنْبَغِي وَيَقْرُبُ عَلَى الْفَهْمِ. فَمِنْ ذَلِكَ تَقْدِيمُ الْمُقَدِّمَةِ الْمَذْكُورَةِ أَوَّلَهُ، لِاشْتِمَالِهَا عَلَى فُصُولٍ هِيَ كُلِّيَّاتٌ لِلْكِتَابِ، أَوْ كَالْكُلِّيَّاتِ، وَتَقْدِيمُ الْأُمُورِ الْكُلِّيَّةِ عَلَى الْجُزْئِيَّةِ مَعْلُومُ الْحُسْنِ بِمُنَاسَبَةِ الْعَقْلِ، لِأَنَّ الْكُلِّيَّاتِ هِيَ قَوَاعِدُ يُرَدُّ إِلَيْهَا، وَيَنْبَنِي عَلَيْهَا جُزْئِيَّاتُ الْعِلْمِ الْمُتَكَلَّمِ

стр. 47

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فِيهِ. وَوَجْهُ عَدَمِ مَحَبَّتِي لِتَرْتِيبِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ وَقُرْبِهِ مِنْ قَلْبِي أَنَّهُ رَتَّبَ كِتَابَهُ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَبْوَابٍ، هَكَذَا: حَقِيقَةُ الْحُكْمِ وَأَقْسَامِهِ، ثُمَّ تَفْصِيلُ الْأُصُولِ الْأَرْبَعَةِ، ثُمَّ بَيَانُ الْأُصُولِ الْمُخْتَلِفِ فِيهَا، ثُمَّ تَقَاسِيمُ الْأَسْمَاءِ، ثُمَّ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ، وَالْعُمُومُ وَالِاسْتِثْنَاءُ، وَالشَّرْطُ، وَدَلِيلُ الْخِطَابِ، وَنَحْوِهِ، ثُمَّ الْقِيَاسُ، ثُمَّ حُكْمُ الْمُجْتَهِدِ، ثُمَّ التَّرْجِيحُ. وَقَدْ كَانَ الْقِيَاسُ تَقْدِيمَ تَقَاسِيمِ الْأَسْمَاءِ، وَهُوَ الْكَلَامُ فِي اللُّغَاتِ لِتَوَقُّفِ مَعْرِفَةِ خِطَابِ الشَّرْعِ عَلَى فَهْمِهَا، لِوُرُودِهِ بِهَا، لَكِنَّ الْعُذْرَ لِلشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَنْ هَذَا أَنَّهُ تَابِعٌ فِي كِتَابِهِ الشَّيْخَ أَبَا حَامِدٍ الْغَزَالِيَّ فِي «الْمُسْتَصْفَى» حَتَّى فِي إِثْبَاتِ الْمُقَدِّمَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ فِي أَوَّلِهِ، وَحَتَّى قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ رَأَى الْكِتَابَيْنِ: إِنَّ «الرَّوْضَةَ» مُخْتَصَرُ «الْمُسْتَصْفَى» وَيَظْهَرُ ذَلِكَ قَطْعًا فِي إِثْبَاتِهِ الْمُقَدِّمَةَ الْمَنْطِقِيَّةَ، مَعَ أَنَّهُ خِلَافُ عَادَةِ الْأُصُولِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ، وَمِنْ مُتَابَعَتِهِ عَلَى ذِكْرِ كَثِيرٍ مِنْ نُصُوصِ أَلْفَاظِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ. فَأَقُولُ: إِنَّ الشَّيْخَ أَبَا مُحَمَّدٍ الْتَقَطَ أَبْوَابَ «الْمُسْتَصْفَى» ، فَتَصَرَّفَ فِيهَا بِحَسَبِ رَأْيِهِ، وَأَثْبَتَهَا، وَبَنَى كِتَابَهُ عَلَيْهَا، وَلَمْ يَرَ الْحَاجَةَ مَاسَّةً إِلَى مَا اعْتَنَى بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ مِنْ دَرْجِ الْأَبْوَابِ تَحْتَ أَقْطَابِ الْكِتَابِ، أَوْ أَنَّهُ أَحَبَّ ظُهُورَ الِامْتِيَازِ بَيْنَ الْكِتَابَيْنِ بِاخْتِلَافِ التَّرْتِيبِ، لِئَلَّا يَصِيرَ مُخْتَصِرًا لِكِتَابِهِ، وَهُوَ إِنَّمَا يَصْنَعُ كِتَابًا مُسْتَقِلًّا فِي غَيْرِ الْمَذْهَبِ الَّذِي وَضَعَ فِيهِ أَبُو حَامِدٍ كِتَابَهُ، لِأَنَّ أَبَا حَامِدٍ أَشْعَرِيٌّ شَافِعِيٌّ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ حَنْبَلِيٌّ أَثَرِيٌّ، وَهُوَ طَرِيقَةُ الْحُكَمَاءِ الْأَوَائِلِ وَغَيْرِهِمْ، لَا تَكَادُ تَجِدُ لَهُمْ كِتَابًا فِي طِبٍّ أَوْ فَلْسَفَةٍ إِلَّا وَقَدْ ضُبِطَتْ مَقَالَاتُهُ وَأَبْوَابُهُ فِي أَوَّلِهِ، بِحَيْثُ يَقِفُ النَّاظِرُ الذَّكِيُّ مِنْ مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ عَلَى مَا فِي أَثْنَائِهِ مِنْ تَفَاصِيلِهِ.

стр. 48

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَبُو حَامِدٍ الْمَنْهَجُ، وَجَعَلَ كِتَابَهُ دَائِرًا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْطَابٍ: الْأَوَّلُ: فِي الْأَحْكَامِ وَالْبِدَايَةِ بِهَا، لِأَنَّهَا الثَّمَرَةُ الْمَطْلُوبَةُ. وَالثَّانِي: فِي الْأَدِلَّةِ الْمُثْمِرَةِ لِلْأَحْكَامِ، إِذْ لَيْسَ بَعْدَ مَعْرِفَةِ الثَّمَرَةِ أَهَمُّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْمُثْمِرِ. الثَّالِثُ: فِي طَرِيقِ الِاسْتِثْمَارِ، وَهُوَ بَيَانُ وَجْهِ دَلَالَةٍ عَلَى الْأَحْكَامِ فِي الْمَنْطُوقِ وَغَيْرِهِ. الرَّابِعُ: فِي الْمُسْتَثْمِرِ، وَهُوَ الْمُجْتَهِدُ الْمُسْتَخْرِجُ لِلْحُكْمِ مِنَ الدَّلِيلِ. وَلَمَّا كَانَ الْمُقَلِّدُ يُقَابِلُهُ، وَجَبَ بَيَانُ حُكْمِهِ عِنْدَهُ، ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ انْدِرَاجِ تَفَاصِيلِ أُصُولِ الْفِقْهِ مَعَ كَثْرَتِهَا تَحْتَ هَذِهِ الْأَقْطَابِ الْأَرْبَعَةِ بَيَانًا ثَانِيًا أَبْسَطَ مِنْ هَذَا، وَهُوَ وَاضِحٌ ظَاهِرٌ، وَلَمْ أَذْكُرْهُ لِطُولِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَفَاصِيلَ ذَلِكَ بَيَانًا ثَالِثًا عَلَى عَادَةِ الْأُصُولِيِّينَ فِي اسْتِيفَاءِ التَّفْصِيلِ. وَقَدْ يُورِدُ عَلَى أَبِي حَامِدٍ فِي تَرْتِيبِهِ أَنَّهُ كَانَ يُقَدِّمُ الْأَدِلَّةَ، ثُمَّ الْأَحْكَامَ، ثُمَّ وَجْهَ الِاسْتِدْلَالِ بِالْأَدِلَّةِ، ثُمَّ أَحْكَامَ الْمُجْتَهِدِينَ، لِأَنَّ التَّرْتِيبَ الْوُجُودِيَّ فِي اجْتِنَاءِ الْأَثْمَارِ مِنَ الْأَشْجَارِ الَّذِي جَعَلَهُ نَظِيرًا لِاسْتِخْرَاجِ الْأَحْكَامِ مِنَ الْأَدِلَّةِ كَذَلِكَ، لِأَنَّ الشَّجَرَةَ قَبْلَ الثَّمَرَةِ، ثُمَّ إِذَا وُجِدَتِ الثَّمَرَةُ تَوَصَّلَ الْمُجْتَنِي إِلَى تَحْصِيلِهَا، غَيْرَ أَنَّ أَبَا حَامِدٍ قَدْ نَبَّهَ عَلَى جَوَابِ هَذَا بِقَوْلِهِ: لِأَنَّهَا الثَّمَرَةُ الْمَطْلُوبَةُ، إِشَارَةً إِلَى تَقْدِيمِ مَا هُوَ مَطْلُوبٌ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ الْأَدِلَّةُ وَوَجْهُ دَلَالَتِهَا.

стр. 49

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَأَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الْمَنْطِقِيَّةُ فَقَدْ بَيَّنَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ أَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِعِلْمِ الْأُصُولِ، بَلْ هِيَ آلَةٌ لِكُلِّ عِلْمٍ، وَإِنَّمَا هِيَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ كَالْعِلَاوَةِ أَلْحَقَهَا بَعْضُ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْكَلَامُ بِهِ لِشِدَّةِ الْفَهْمِ لَهُ، وَالْفِطَامُ عَنِ الْمَأْلُوفِ شَدِيدٌ، وَلِذَلِكَ كُلُّ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ عِلْمٌ وَأَلِفَهُ، مَزَجَ بِهِ سَائِرَ عُلُومِهِ، يُعْرَفُ ذَلِكَ بِاسْتِقْرَاءِ تَصَانِيفِ النَّاسِ، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا مُحَمَّدٍ كَانَ فِي كِتَابِهِ مُتَابِعًا لِأَبِي حَامِدٍ، لِأَنَّ الشَّيْخَ أَبَا مُحَمَّدٍ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا وَلَا مَنْطِقِيًّا حَتَّى يُقَالَ: غَلَبَ عَلَيْهِ عِلْمُهُ الْمَأْلُوفُ، فَلَمَّا أَلْحَقَ الْمُقَدِّمَةَ بِكِتَابِهِ، دَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لِمَحْضِ الْمُتَابَعَةِ، وَقَدْ أَخْبَرَنَا الثِّقَاتُ أَنَّ الشَّيْخَ إِسْحَاقَ الْعَلْثِيَّ عَاتَبَ أَبَا مُحَمَّدٍ فِي إِلْحَاقِهِ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةَ، وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ، فَأَسْقَطَهَا مِنَ «الرَّوْضَةِ» بَعْدَ أَنِ انْتَشَرَتْ بَيْنَ النَّاسِ فَلِهَذَا تُوجَدُ فِي نُسْخَةٍ دُونَ نُسْخَةٍ، فَتَرْكِي لِاخْتِصَارِهَا فِي جُمْلَةِ الْكِتَابِ كَانَ لِأُمُورٍ: أَحَدُهَا: مَا صَحَّ عَنْهُ مِنْ رُجُوعِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ النُّسْخَةَ الَّتِي اخْتَصَرْتُ مِنْهَا لَمْ تَكُنِ الْمُقَدِّمَةُ فِيهَا. وَالثَّالِثُ: وَهُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ أَنِّي أَنَا لَا أُحَقِّقُ ذَلِكَ الْعِلْمَ، وَلَا الشَّيْخُ أَيْضًا كَانَ يُحَقِّقُهُ، فَلَوِ اخْتَصَرْتُهَا لَظَهَرَ بَيَانُ التَّكْلِيفِ عَلَيْهَا مِنَ الْجِهَتَيْنِ، فَلَا يَتَحَقَّقُ

стр. 50

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الِانْتِفَاعُ بِهَا لِلطَّالِبِ، وَيَقْطَعُ عَلَيْهِ الْوَقْتَ، فَمَنْ أَرَادَ ذَلِكَ الْعِلْمَ فَعَلَيْهِ بِأَخْذِهِ مِنْ مَظَانِّهِ مِنْ شُيُوخِهِ وَكُتُبِهِ، وَإِذَا كَانَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يُعْلَمْ أَحَدٌ قَبْلَهُ أَلْحَقَ الْمَنْطِقَ بِأُصُولِ الْفِقْهِ، اقْتَصَرَ فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِهِ، وَأَحَالَ مَنْ أَرَادَ الزِّيَادَةَ فِي ذَلِكَ عَلَى كِتَابَيْهِ: «مِعْيَارِ الْعِلْمِ» وَ «مِحَكِّ النَّظَرِ» فَمَنْ هُوَ تَبَعٌ لَهُ فِي ذَلِكَ أَوْلَى بِالْإِحَالَةِ عَلَى كُتُبِ الْفَنِّ، وَلَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا تَابَعَ أَبَا حَامِدٍ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى إِلْحَاقِ الْمَنْطِقِ بِالْأُصُولِ إِلَّا ابْنَ الْحَاجِبِ، وَحَسْبُكَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْإِمَامَ فَخْرَ الدِّينِ الَّذِي هُوَ إِمَامُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي الْمَنْطِقِ وَالْكَلَامِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي كُتُبِهِ الْأُصُولِيَّةِ شَيْئًا مِنْهُ. وَقَدْ رَتَّبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ أُصُولَ الْفِقْهِ تَرْتِيبًا حَسَنًا، فَمِنْهُمُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ ﵀ عَلَى مَا حَكَيْنَا عَنْهُ، وَمِنْهُمُ الشَّيْخُ سَيْفُ الدِّينِ الْآمِدِيُّ ﵀ فِي «الْمُنْتَهَى» وَغَيْرِهِ، فَإِنَّهُ رَتَّبَهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أُصُولٍ: الْأَوَّلُ: فِي تَحْقِيقِ مَبَادِئِهِ. الثَّانِي: فِي الدَّلِيلِ وَأَقْسَامِهِ وَأَحْكَامِهِ. الثَّالِثُ: فِي أَحْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ وَالْمُفْتِينَ وَالْمُسْتَفْتِينَ. الرَّابِعُ: فِي تَرْجِيحَاتِ طُرُقِ الْمَطْلُوبَاتِ. وَهُوَ تَرْتِيبٌ مُخْتَصَرٌ جَامِعٌ انْتَظَمَ جَمِيعَ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي هَذَا الْعِلْمِ، عَلَى مَا فَصَّلَهُ فِي كِتَابِهِ، وَيَقَعُ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ عِنْدَ ذِكْرِنَا تَقْسِيمَ غَيْرِهِ. وَمِنْهُمُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي «اللُّمَعِ» حَيْثُ قَالَ: وَأَمَّا أُصُولُ الْفِقْهِ، فَهِيَ الْأَدِلَّةُ الَّتِي يُبْنَى عَلَيْهَا الْفِقْهُ، وَمَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى الْأَدِلَّةِ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ. وَالْأَدِلَّةُ هَاهُنَا: خِطَابُ اللَّهِ ، وَخِطَابُ رَسُولِهِ ﷺ ، وَأَفْعَالُهُ وَإِقْرَارُهُ،

стр. 51

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، وَالْقِيَاسُ، وَالْبَقَاءُ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ عِنْدَ عَدَمِ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ، وَفُتْيَا الْعَالِمِ فِي حَقِّ الْعَامَّةِ. وَمَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى الْأَدِلَّةِ، فَهَذَا الْكَلَامُ عَلَى تَفْصِيلِ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ وَوُجُوبِهَا وَتَرْتِيبِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ. وَأَوَّلُ مَا نَبْدَأُ بِهِ: الْكَلَامُ فِي خِطَابِ اللَّهِ وَخِطَابِ رَسُولِهِ ﷺ ، لِأَنَّهُمَا أَصْلٌ لِمَا سِوَاهُمَا مِنَ الْأَدِلَّةِ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ أَقْسَامُ الْكَلَامِ، وَالْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ، وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ، وَالْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ، وَالْمُجْمَلُ وَالْمُبَيَّنُ، وَالنَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ. ثُمَّ الْكَلَامُ فِي أَفْعَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِقْرَارِهِ، لِأَنَّهَا تَجْرِي مَجْرَى أَقْوَالِهِ فِي الْبَيَانِ. ثُمَّ الْكَلَامُ فِي الْأَخْبَارِ لِأَنَّهَا طَرِيقٌ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ. ثُمَّ الْكَلَامُ فِي الْإِجْمَاعِ، لِأَنَّهُ ثَبَتَ كَوْنُهُ دَلِيلًا بِخِطَابِ اللَّهِ ، وَخِطَابِ نَبِيِّهِ ﷺ ، وَعَنْهُمَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ. ثُمَّ الْكَلَامُ فِي الْقِيَاسِ لِأَنَّهُ ثَبَتَ كَوْنُهُ دَلِيلًا بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ وَإِلَيْهَا يَسْتَنِدُ. ثُمَّ ذَكَرَ حُكْمَ الْأَشْيَاءِ فِي الْأَصْلِ، لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ إِنَّمَا يُفْزَعُ إِلَيْهِ عِنْدَ عَدَمِ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ. ثُمَّ نَذْكُرُ فُتْيَا الْعَالِمِ، وَصِفَةَ الْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَصِيرُ طَرِيقًا لِلْحُكْمِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ. ثُمَّ نَذْكُرُ الِاجْتِهَادَ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، هَذَا كَلَامُ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ بِلَفْظِهِ. وَمِنْهُمُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ ﵀، قَالَ فِي «الْمَحْصُولِ» : الْفَصْلُ الْعَاشِرُ فِي ضَبْطِ أَبْوَابِ أُصُولِ الْفِقْهِ: وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّ أُصُولَ الْفِقْهِ عِبَارَةٌ عَنْ

стр. 52

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَجْمُوعِ طُرُقِ الْفِقْهِ، وَكَيْفِيَّةِ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا، وَكَيْفِيَّةِ حَالِ الْمُسْتَدِلِّ بِهَا. أَمَّا الطُّرُقُ: فَهِيَ إِمَّا عَقْلِيَّةٌ، وَلَا مَجَالَ لَهَا عِنْدَنَا فِي الْأَحْكَامِ، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ حَيْثُ قَالُوا: حُكْمُ الْعَقْلِ فِي الْمَنَافِعِ الْإِبَاحَةُ، وَفِي الْمَضَارِّ التَّحْرِيمُ. أَوْ سَمْعِيَّةٌ، وَهِيَ إِمَّا مَنْصُوصَةٌ أَوْ مُسْتَنْبَطَةٌ. أَمَّا الْمَنْصُوصَةُ: فَهِيَ إِمَّا قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ يَصْدُرُ عَمَّنْ لَا يَجُوزُ الْخَطَأُ عَلَيْهِ، وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ وَمَجْمُوعُ الْأُمَّةِ، وَالصَّادِرُ عَنِ الرَّسُولِ وَعَنِ الْأُمَّةِ إِمَّا قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ، وَالْفِعْلُ لَا يَدُلُّ إِلَّا مَعَ الْقَوْلِ، فَتَكُونُ الدَّلَالَةُ الْقَوْلِيَّةُ مُقَدَّمَةً عَلَى الدَّلَالَةِ الْفِعْلِيَّةِ، وَالدَّلَالَةُ الْقَوْلِيَّةُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ النَّظَرُ فِي ذَاتِهَا، وَهِيَ الْأَوَامِرُ وَالْمَنَاهِي. وَإِمَّا فِي عَوَارِضِهَا، إِمَّا بِحَسَبِ مُتَعَلِّقَاتِهَا، وَهِيَ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ، أَوْ بِحَسَبِ كَيْفِيَّةِ دَلَالَتِهَا، وَهِيَ الْمُجْمَلُ وَالْمُبَيَّنُ، وَالنَّظَرُ فِي الذَّاتِ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّظَرِ فِي الْعَوَارِضِ، فَلَا جَرَمَ بَابُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مُقَدَّمٌ عَلَى بَابِ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ. ثُمَّ النَّظَرُ فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ نَظَرٌ فِي مُتَعَلِّقِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالنَّظَرُ فِي الْمُجْمَلِ وَالْمُبَيَّنِ نَظَرٌ فِي كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِتِلْكَ الْمُتَعَلِّقَاتِ، وَمُتَعَلِّقُ الشَّيْءِ مُقَدَّمٌ عَلَى النِّسَبِ الْعَارِضَةِ بَيْنَ الشَّيْءِ وَمُتَعَلِّقِهِ، فَلَا جَرَمَ قُدِّمَ بَابُ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ عَلَى بَابِ الْمُجْمَلِ وَالْمُبَيَّنِ، وَبَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ لَا بُدَّ مِنْ بَابِ الْأَفْعَالِ. ثُمَّ هَذِهِ الدَّلَالَةُ تَارَةً تَرِدُ لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ، وَتَارَةً لِرَفْعِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ بَابِ النَّسَخِ، وَإِنَّمَا قَدَّمْنَاهُ عَلَى بَابِ الْإِجْمَاعِ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَنْسَخُ وَلَا يُنْسَخُ بِهِ، وَكَذَا الْقِيَاسُ، ثُمَّ ذَكَرْنَا بَعْدَهُ بَابَ الْإِجْمَاعِ، ثُمَّ هَذِهِ الْأَقْوَالُ وَالْأَفْعَالُ قَدْ يَحْتَاجُ إِلَى التَّمَسُّكِ بِهَا مَنْ لَمْ يُشَاهِدْ مَنْ صَدَرَتْ عَنْهُ، وَلَا أَهْلَ لِلْإِجْمَاعِ فَلَا تَصِلُ إِلَيْهِ هَذِهِ الدَّلَالَةُ إِلَّا

стр. 53

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِالنَّقْلِ، فَلَا بُدَّ مِنَ الْبَحْثِ عَنِ النَّقْلِ الَّذِي يُفِيدُ الْعِلْمَ، وَالنَّقْلِ الَّذِي يُفِيدُ الظَّنَّ، وَهُوَ بَابُ الْأَخْبَارِ. وَهَذِهِ جُمْلَةُ أَبْوَابِ أُصُولِ الْفِقْهِ بِحَسَبِ الدَّلَائِلِ الْمَنْصُوصَةِ. وَلَمَّا كَانَ التَّمَسُّكُ بِالْمَنْصُوصَاتِ إِنَّمَا يُمْكِنُ بِوَاسِطَةِ اللُّغَاتِ وَجَبَ تَقْدِيمُ بَابِ اللُّغَاتِ عَلَى الْكُلِّ. وَأَمَّا الدَّلِيلُ الْمُسْتَنْبَطُ فَهُوَ الْقِيَاسُ. فَهَذِهِ أَبْوَابُ طُرُقِ الْفِقْهِ. أَمَّا أَبْوَابُ كَيْفِيَّةِ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا، فَهُوَ بَابُ التَّرْجِيحِ. وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ حَالِ الْمُسْتَدِلِّ بِهَا، فَالَّذِي يَنْزِلُ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ، إِنْ كَانَ عَالِمًا فَلَا بُدَّ لَهُ مِنَ الِاجْتِهَادِ، وَهُوَ بَابُ شَرَائِطِ الِاجْتِهَادِ وَأَحْكَامِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَإِنْ كَانَ عَامِّيًّا، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنَ الِاسْتِفْتَاءِ، وَهُوَ بَابُ الْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي. ثُمَّ نَخْتِمُ الْأَبْوَابَ بِذِكْرِ أُمُورٍ اخْتَلَفَ الْمُجْتَهِدُونَ فِي كَوْنِهَا طُرُقًا إِلَى الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ. فَهَذِهِ مَجْمُوعُ أَبْوَابِ أُصُولِ الْفِقْهِ: أَوَّلُهَا اللُّغَاتُ، ثُمَّ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ، ثُمَّ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ، ثُمَّ الْمُجْمَلُ وَالْمُبَيَّنُ، ثُمَّ الْأَفْعَالُ، ثُمَّ النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ، ثُمَّ الْإِجْمَاعُ، ثُمَّ الْأَخْبَارُ، ثُمَّ الْقِيَاسُ، ثُمَّ التَّرْجِيحُ، ثُمَّ الِاجْتِهَادُ، ثُمَّ الِاسْتِفْتَاءُ، ثُمَّ الْأُمُورُ الْمُخْتَلَفُ فِي كَوْنِهَا طُرُقًا لِلْأَحْكَامِ، فَهِيَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ بَابًا. هَذَا كَلَامُهُ بِلَفْظِهِ إِلَّا أَحْرُفًا يَسِيرَةً لَخَّصْتُهَا مِنْهُ. وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُطْلَقَ وَالْمُقَيَّدَ، لِأَنَّهُ أَدْرَجَهُ فِي كِتَابِ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ، وَهَذَا تَقْسِيمٌ وَتَرْتِيبٌ لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ. وَمِنْهُمُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَوْحَدُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ الْمَالِكِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِالْقَرَافِيِّ، جَعَلَ كِتَابَهُ «التَّنْقِيحَ» مُشْتَمِلًا عَلَى مِائَةِ فَصْلٍ وَفَصْلَيْنِ يَجْمَعُهَا عِشْرُونَ بَابًا.

стр. 54

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي الِاصْطِلَاحَاتِ، ثُمَّ فِي مَعَانِي الْحُرُوفِ، ثُمَّ فِي تَعَارُضِ مُقْتَضَيَاتِ الْأَلْفَاظِ، ثُمَّ فِي الْأَوَامِرِ، ثُمَّ فِي النَّوَاهِي، ثُمَّ فِي الْعُمُومَاتِ، ثُمَّ فِي أَقَلِّ الْجَمْعِ، ثُمَّ فِي الِاسْتِثْنَاءِ، ثُمَّ فِي الشُّرُوطِ، ثُمَّ فِي الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ، ثُمَّ فِي دَلِيلِ الْخِطَابِ، ثُمَّ فِي الْمُجْمَلِ وَالْمُبَيَّنِ، ثُمَّ فِي فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ فِي النَّسْخِ، ثُمَّ فِي الْإِجْمَاعِ، ثُمَّ فِي الْأَخْبَارِ، ثُمَّ فِي الْقِيَاسِ، ثُمَّ فِي التَّعَارُضِ وَالتَّرْجِيحِ، ثُمَّ فِي الِاجْتِهَادِ، ثُمَّ فِي أَدِلَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ. وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ التَّرْتِيبِ قَبْلَهُ وَمُقْتَضَبٌ مِنْهُ، وَهُوَ كَثِيرًا مَا يَأْتَمُّ بِالْإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيِّ فِيمَا يَصِحُّ عِنْدَهُ، عَلَى جِهَةِ التَّأَدُّبِ وَالِاعْتِرَافِ بِالْفَضِيلَةِ. وَمِنْهُمْ مِنْ مَشَايِخِ أَصْحَابِنَا الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى ﵀، قَالَ فِي «الْعُدَّةِ» : الَّذِي نَقُولُ: إِنَّ أُصُولَ الْفِقْهِ وَأَدِلَّةَ الشَّرْعِ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ: أَصْلٌ، وَمَفْهُومُ أَصْلٍ، وَاسْتِصْحَابُ حَالٍ. وَالْأَصْلُ: ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ: الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ. وَالْكِتَابُ ضَرْبَانِ: مُجْمَلٌ وَمُفَصَّلٌ. وَالسُّنَّةُ ضَرْبَانِ: مَسْمُوعٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَمَنْقُولٌ عَنْهُ. وَالْكَلَامُ فِي الْمَنْقُولِ، فِي سَنَدِهِ مِنْ حَيْثُ التَّوَاتُرُ وَالْآحَادُ، وَفِي مَتْنِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ أَوْ إِقْرَارٌ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَالْإِجْمَاعُ يُذْكَرُ. وَمَفْهُومُ الْأَصْلِ: ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ: مَفْهُومُ الْخِطَابِ، وَدَلِيلُهُ، وَمَعْنَاهُ. وَاسْتِصْحَابُ الْحَالِ: ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: اسْتِصْحَابُ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، وَالثَّانِي: اسْتِصْحَابُ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ بَعْدَ الْخِلَافِ. هَذَا حَاصِلُ كَلَامِهِ لَخَّصْتُهُ أَنَا، وَفِي ظَاهِرِ لَفْظِهِ مُنَاقَشَةٌ، وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ فِي مَتْنِ الْحَدِيثِ: إِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: قَوْلٌ، وَفِعْلٌ، وَإِقْرَارٌ عَلَى قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ. وَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ لَا ضَرْبَانِ، فَلَعَلَّهُ جَعَلَ الْإِقْرَارَ نَوْعًا مِنَ الْفِعْلِ، وَجَعَلَهُمَا

стр. 55

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جَمِيعًا قَسِيمَ الْقَوْلِ، فَصَارَ تَقْدِيرُهُ: الْمَتْنُ، إِمَّا قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ، وَالْفِعْلُ يَنْقَسِمُ إِلَى مُبَاشَرَةٍ، وَإِقْرَارٍ عَلَى مُبَاشَرَةٍ، وَلَا يَسْتَقِيمُ كَلَامُهُ إِلَّا بِهَذَا. قَالَ الْقَاضِي: وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ أُصُولَ الْفِقْهِ وَأَدِلَّةَ الشَّرْعِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا طَرِيقُهُ الْأَقْوَالُ، وَالْآخَرُ: الِاسْتِخْرَاجُ. فَأَمَّا الْأَقْوَالُ: فَهِيَ النَّصُّ وَالْعُمُومُ وَالظَّاهِرُ وَمَفْهُومُ الْخِطَابِ وَفَحْوَاهُ وَالْإِجْمَاعُ. وَأَمَّا الِاسْتِخْرَاجُ: فَهُوَ الْقِيَاسُ. قَالَ الْقَاضِي: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّهُ أَعَمُّ لِوُجُودِ دَلِيلِ الْخِطَابِ وَاسْتِصْحَابِ الْحَالِ فِيهِ، وَذَلِكَ حُجَّةٌ عِنْدَنَا. قَالَ: وَلَمْ أَذْكُرْ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ إِذَا لَمْ يُخَالِفْهُ غَيْرُهُ، لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ عَنْ أَحْمَدَ ﵀، وَسَأَذْكُرُهُ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ، هَذَا مَعْنَى كَلَامِ الْقَاضِي. وَالضَّبْطُ الَّذِي اخْتَارَهُ وَحَكَاهُ عَنْ غَيْرِهِ كِلَاهُمَا نَاقِصُ ضَبْطٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا ذَكَرْنَاهُ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ وَالْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ. وَمِنْهُمُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَوْحَدُ نَجْمُ الدِّينِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ الصَّيْقَلِ الْحَرَّانَيُّ الْحَنْبَلِيُّ، ضَبَطَ مَقَالَاتِ أُصُولِ الْفِقْهِ ضَبْطًا حَسَنًا مُحَقَّقًا، فَقَالَ: أُصُولُ الْفِقْهِ: هُوَ الْعِلْمُ بِأَدِلَّةِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَوُجُوهِ دَلَالَتِهَا إِجْمَالًا لَا تَفْصِيلًا. وَقَدِ اشْتَمَلَ هَذَا الْحَدُّ عَلَى ذِكْرِ الْعِلْمِ وَالْأَدِلَّةِ وَالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَوُجُوهِ دَلَالَتِهَا، وَهِيَ أَجْزَاءُ الْحَدِّ الْمَذْكُورِ، فَوَجَبَ أَنْ يُفْرَدَ لِكُلِّ جُزْءٍ مِنْهَا مَقَالَةٌ، فَاشْتَمَلَ كِتَابُنَا لِهَذَا الْمَعْنَى عَلَى أَرْبَعِ مَقَالَاتٍ: الْمَقَالَةُ الْأُولَى: فِي الْعِلْمِ. الْمَقَالَةُ الثَّانِيَةُ: فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ.

стр. 56

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْمَقَالَةُ الثَّالِثَةُ: فِي الْأَدِلَّةِ. الْمَقَالَةُ الرَّابِعَةُ: فِي وُجُوهِ دَلَالَتِهَا. قَالَ: وَقَدَّمْنَا النَّظَرَ فِي الْعِلْمِ، لِأَنَّهُ كَالتَّمْهِيدِ لِسَائِرِ الْمَقَالَاتِ، لَا يُوقَفُ عَلَيْهَا إِلَّا بَعْدَ تَحْقِيقِ الْقَوْلِ فِي الْعِلْمِ. وَقَدَّمْنَا النَّظَرَ فِي الْأَحْكَامِ عَلَى الْأَدِلَّةِ، لِأَنَّ الدَّلِيلَ يُرَادُ لِلْإِيصَالِ إِلَى مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ، وَالْحُكْمُ يُرَادُ لِذَاتِهِ، فَكَانَ تَقْدِيمُ مَا يُرَادُ لِذَاتِهِ عَلَى مَا يُرَادُ لِغَيْرِهِ أَوْلَى. وَقَدَّمْنَا النَّظَرَ فِي الْأَدِلَّةِ عَلَى النَّظَرِ فِي وُجُوهِ دَلَالَتِهَا، لِأَنَّهَا حَالَةٌ لِلدَّلِيلِ، فَكَانَ النَّظَرُ فِيمَا لَهُ الْحَالُ مُقَدَّمًا عَلَى النَّظَرِ فِي الْحَالَةِ. قَالَ: وَالنَّظَرُ فِي هَذِهِ الْمَقَالَاتِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِقْصَاءِ مُتَسَرِّبٌ إِلَى جَمِيعِ مَسَائِلِ الْأُصُولِ. قُلْتُ: ذَكَرَ هَذَا فِي كِتَابِ «النُّكَتِ وَالْإِشَارَاتِ فِي الْأُصُولِ النَّظَرِيَّاتِ» وَجَدْتُ مِنْهُ إِلَى مَسْأَلَةِ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ. وَهَذَا الضَّبْطُ وَالتَّقْسِيمُ عَلَى إِجْمَالٍ فِيهِ، شَبِيهٌ فِي التَّلْخِيصِ وَالِاخْتِصَارِ بِضَبْطِ الشَّيْخِ سَيْفِ الدِّينِ الْآمِدِيِّ ﵃ أَجْمَعِينَ. هَذَا الَّذِي تَهَيَّأَ لِي الْوُقُوفُ عَلَيْهِ مِنْ ضَبْطِ النَّاسِ لِأُصُولِ الْفِقْهِ، وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِيهِ بِمَا لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ، وَالْكُلُّ مُوصِلٌ إِلَى الْمَقْصُودِ، لَكِنَّ الْكَلَامَ فِي أَحْسَنِ الطُّرُقِ إِيصَالًا. وَأَخْصَرُ مَا حَكَيْنَاهُ مِنَ الطُّرُقِ طَرِيقَةُ الْآمِدِيِّ، وَابْنِ الصَّيْقَلِ. وَأَبْيَنُهُ وَأَبْسَطُهُ طَرِيقَةُ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَالْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ. وَلِي فِيهِ طَرِيقَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ جَامِعَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَخْرُجُ عَنْ حَقِيقَةِ مَا قَالُوهُ، لَكِنَّ

стр. 57

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْكَيْفِيَّةَ مُتَغَايِرَةٌ، وَهُوَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ وَضْعِ الشَّرِيعَةِ: امْتِثَالُ الْمُكَلَّفِينَ لِأَحْكَامِهَا قَوْلًا وَعَمَلًا. فَالْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ لَهُ مَصْدَرٌ، وَهُوَ الشَّرْعُ، وَمَوْرِدٌ، وَهُوَ الْمُكَلَّفُ الَّذِي يَتَلَقَّاهُ لِيَمْتَثِلَهُ. ثُمَّ مَوْرِدُ الْحُكْمِ - وَهُوَ الْمُكَلَّفُ - قَدْ يَكُونُ مُجْتَهِدًا يَسْتَقِلُّ بِمَعْرِفَةِ الْحُكْمِ عَنْ دَلِيلِهِ، فَلَا حَاجَةَ لَهُ إِلَى وَاسِطَةٍ، وَقَدْ يَكُونُ قَاصِرًا عَنْ ذَلِكَ، وَحُكْمُهُ التَّقْلِيدُ لِلْمُجْتَهِدِ، فَهُوَ وَاسِطَةٌ بَيْنَ الْمُقَلِّدِ وَالشَّرْعِ فِي إِيصَالِ الْحُكْمِ، فَوَجَبَ لِذَلِكَ النَّظَرُ فِي الْحُكْمِ وَدَلِيلِهِ وَمَوْرِدِهِ. وَهُوَ ضَرْبَانِ: الْمُجْتَهِدُ، وَالْمُقَلِّدُ، وَالنَّظَرُ فِي الْحُكْمِ يَسْتَلْزِمُ النَّظَرَ فِي مُتَعَلِّقَاتِهِ، وَهِيَ الْحَاكِمُ، وَهُوَ الشَّارِعُ، وَالْمَحْكُومُ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمُكَلَّفُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُكَلَّفٌ، لَا مِنْ حَيْثُ هُوَ مُجْتَهِدٌ وَلَا مُقَلِّدٌ، وَالْمَحْكُومُ فِيهِ، وَهُوَ الْأَفْعَالُ الْمُتَّصِفَةُ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ مِنْ وُجُوبٍ وَنَدْبٍ وَكَرَاهَةٍ وَحَظْرٍ وَصِحَّةٍ وَفَسَادٍ. وَالنَّظَرُ فِي الدَّلِيلِ يَسْتَدْعِي النَّظَرَ فِي أَقْسَامِهِ، وَهِيَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ وَالِاسْتِحْسَانُ وَالِاسْتِصْلَاحُ وَاسْتِصْحَابُ الْحَالِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا زَادَ فِيهِ الْمُجْتَهِدُونَ وَنَقَصُوا. وَالنَّظَرُ فِي مَوْرِدِ الْحُكْمِ يَسْتَدْعِي الْكَلَامَ فِي الِاجْتِهَادِ وَالتَّقْلِيدِ وَالْمُجْتَهِدِ وَالْمُقَلِّدِ مِنْ حَيْثُ هُمَا كَذَلِكَ. فَهَذَا ضَبْطٌ جَامِعٌ، مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الْإِجْمَالِ الْمُخِلِّ وَالْبَيَانِ الْمُمِلِّ، وَهِيَ طَرِيقَةٌ غَرِيبَةٌ لَا تُوجَدُ إِلَّا هَاهُنَا. أَمَّا تَرْتِيبُ كِتَابِنَا هَذَا الْمُخْتَصَرِ، فَسَتَرَاهُ عَنْ قَرِيبٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: «سَائِلًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وُفُورَ النَّصِيبِ» أَيْ أَلَّفْتُ هَذَا الْكِتَابَ سَائِلًا، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: فِي تَأْلِيفِ كِتَابٍ. وُفُورُ النَّصِيبِ: كَمَالُهُ، أَيْ أَنْ يُكْمِلَ

стр. 58

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نَصِيبِي «مِنْ جَمِيلِ الْأَجْرِ وَجَزِيلِ الثَّوَابِ» . سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُحْسِنَ لَهُ الْأَجْرَ فِي كَيْفِيَّتِهِ بِكَوْنِهِ جَمِيلًا، وَفِي كَمِّيَّتِهِ بِكَوْنِهِ جَزِيلًا، أَيْ: كَثِيرًا. وَالْأَجْرُ وَالثَّوَابُ وَاحِدٌ، لَكِنْ سَهَّلَ تِكْرَارَهُ اخْتِلَافُ اللَّفْظِ. قَوْلُهُ: «وَدُعَاءٍ مُسْتَجَابٍ، وَثَنَاءٍ مُسْتَطَابٍ، اللَّهُمَّ فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ» أَيْ: وُفُورَ النَّصِيبِ مِنْ دُعَاءٍ مُسْتَجَابٍ، وَثَنَاءٍ مُسْتَطَابٍ، أَيْ: يَدْعُو لِي مَنْ رُبَّمَا يَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، فَيَسْتَجِيبُ اللَّهُ مِنْهُ فِيَّ. وَلَقَدْ طَالَمَا نَظَرْتُ فِي كُتُبِ الْفُضَلَاءِ، فَإِذَا رَأَيْتُ فَائِدَةً مُسْتَغْرَبَةً، أَوْ حَلَّ أَمْرٍ مُشْكِلٍ، أَقْرَأُ لِمُصَنِّفِ الْكِتَابِ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ، وَأَجْعَلُ لَهُ ثَوَابَهُ عَلَى مَذْهَبِنَا فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْمُصَنِّفُ مِمَّنْ لَا يَعْتَقِدُ وُصُولَهُ، فَأَنَا أَرْجُو مِنَ النَّاسِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُقَالُ: كَمَا تَكُونُوا يُوَلَّى عَلَيْكُمْ. أَمَّا قَوْلِي: «وَثَنَاءٍ مُسْتَطَابِ» فَلَفْظٌ أَثْبَتُّهُ عِنْدَ اخْتِصَارِ الْكِتَابِ، وَنَفْسِي تَنْفِرُ مِنْهُ، إِذْ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِي حِينَئِذٍ إِلَّا ثَنَاءُ النَّاسِ، وَذَلِكَ مَحْضُ الرِّيَاءِ الْمَذْمُومِ، وَالَّذِي جَرَّأَنِي عَلَى ذَلِكَ التَّأَسِّي بِصَاحِبِ «الْمُفَصَّلِ» حَيْثُ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ: أَنْشَأْتُ هَذَا الْكِتَابَ مُنَاصَحَةً لِمُقْتَنِيهِ، أَرْجُو أَنْ أَجْتَنِيَ مِنْهَا ثَمَرَتَيْ دُعَاءٍ يُسْتَجَابُ وَثَنَاءٍ يُسْتَطَابُ.

стр. 59

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَأَمَّا الْآنَ - وَقْتَ الشَّرْحِ - فَإِنَّهُ خَطَرَ لِي تَخْرِيجُهَا عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ، وَهُوَ طَلَبُ الثَّنَاءِ مِنَ اللَّهِ ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لِكَرَمِهِ قَدْ يَشْكُرُ مِنَ الْعَبْدِ مَا هُوَ دُونَ هَذَا، وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِهِ، إِذَا عَلِمَ نِيَّتَهُ فِيهِ، وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ. فَإِنْ صَحَّ لِي هَذَا التَّأْوِيلُ مَعَ تَرَاخِي الزَّمَانِ هَذَا التَّرَاخِيَ، وَإِلَّا فَأَنَا أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، وَلَا عَلَى مَنْ كَتَبَ هَذَا الْمُخْتَصَرِ أَنْ يُسْقِطَهَا. «اللَّهُمَّ فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ» . خَتَمْتُ الْخُطْبَةَ بِلَفْظِ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ تَبَرُّكًا.

стр. 60

فَنَقُولُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ: أُصُولُ الْفِقْهِ: أَدِلَّتُهُ، فَلْنَتَكَلَّمْ عَلَيْهَا أَصْلًا بَعْدَ ذِكْرِ مُقْدِمَةٍ تَشْتَمِلُ عَلَى فُصُولٍ. ــ فَنَقُولُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ: أُصُولُ الْفِقْهِ: أَدِلَّتُهُ ". هَكَذَا قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَعْرِيفِ الْأَصْلِ مِنْ أَنَّهُ مَا مِنْهُ الشَّيْءُ، أَوِ اسْتَنَدَ الشَّيْءُ فِي وُجُودِهِ إِلَيْهِ، لِأَنَّ الْفِقْهَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْأَدِلَّةِ، وَهُوَ مُسْتَنِدٌ فِي وُجُودِهِ إِلَيْهَا، وَلِهَذَا مَزِيدُ تَحْقِيقٍ عَنْ قَرِيبٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ " فَلْنَتَكَلَّمْ عَلَيْهَا ": أَيْ عَلَى الْأُصُولِ " أَصْلًا أَصْلًا، بَعْدَ ذِكْرِ مُقَدِّمَةٍ تَشْتَمِلُ عَلَى فُصُولٍ ". أَيْ: فَلْنَتَكَلَّمْ عَلَى أُصُولِ الْفِقْهِ أَصْلًا بَعْدَ أَصْلٍ، عَلَى تَرْتِيبِهَا فِي الشَّرَفِ لَا فِي الْقُوَّةِ. فَهِيَ فِي الشَّرَفِ: الْكِتَابُ، ثُمَّ السُّنَّةُ، ثُمَّ الْإِجْمَاعُ، لِأَنَّ الْكِتَابَ كَلَامُ اللَّهِ ، وَهُوَ أَجَلُّ وَأَشْرَفُ وَأَعْظَمُ مِنَ النَّبِيِّ الَّذِي السُّنَّةُ كَلَامُهُ، وَالنَّبِيُّ ﷺ أَشْرَفُ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ الَّذِينَ الْإِجْمَاعُ هُوَ اتِّفَاقُهُمْ. وَأَمَّا فِي الْقُوَّةِ، فَالْإِجْمَاعُ، ثُمَّ الْكِتَابُ، ثُمَّ السُّنَّةُ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يُنْسَخُ، بِخِلَافِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنَّهُمَا يُنْسَخَانِ، فَيَجُوزُ أَنَّ الْآيَةَ أَوِ الْخَبَرَ الْمُعَارِضَ لِإِجْمَاعٍ يَكُونُ مَنْسُوخًا. وَالْكِتَابُ أَقْوَى مِنَ السُّنَّةِ لِأَنَّهُ مُتَوَاتِرٌ مَحْفُوظُ الْأَلْفَاظِ لَا يَدْخُلُهُ تَبْدِيلُ قَارِئٍ، وَلَا تَحْرِيفُ رَاوٍ، بِخِلَافِ السُّنَّةِ، فَإِنَّ غَالِبَهَا آحَادٌ، وَالْمُتَوَاتِرُ مِنْهَا غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ أَنَّهُ عَيْنُ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ ، لَا سِيَّمَا مَعَ تَجْوِيزِ الْجُمْهُورِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ الرِّوَايَةَ

стр. 61

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِالْمَعْنَى. وَأَمَّا تَقْدِيمُنَا عَلَى ذَلِكَ مُقَدِّمَةً، فَلِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّهَا اشْتَمَلَتْ عَلَى أُمُورٍ كُلِّيَّةٍ، فَكَانَ تَقْدِيمُهَا مُنَاسِبًا، وَهِيَ تَعْرِيفُ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَتَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِيهَا، ثُمَّ التَّكْلِيفُ وَمَسَائِلُهُ، ثُمَّ الْأَحْكَامُ وَأَقْسَامُهَا، ثُمَّ اللُّغَاتُ الَّتِي هِيَ كَالْبَابِ لِلْكِتَابِ عَلَى مَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُ ذَلِكَ كُلِّهِ. فَائِدَةٌ: تَضَمَّنَتِ الْجُمْلَةُ الْمَذْكُورَةُ أَلْفَاظًا يَلِيقُ التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا: أَحَدُهَا: قَوْلُهُ: فَلْنَتَكَلَّمْ، هَذِهِ صِيغَةُ أَمْرٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ لِنَفْسِهِ، وَهُوَ فِي التَّحْقِيقِ مُتَعَذِّرٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأَمْرَ يَسْتَدْعِي آمِرًا وَمَأْمُورًا مُتَغَايِرَيْنِ، كَالْإِخْبَارِ يَسْتَدْعِي مُخْبِرًا وَمُخْبَرًا، وَالضَّرْبِ يَقْتَضِي ضَارِبًا وَمَضْرُوبًا، وَنَحْوُ ذَلِكَ كَثِيرٌ، لَكِنَّهُ يَصِحُّ مِنْ جِهَةِ التَّقْدِيرِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ نَزَّلَ نَفْسَهُ مَنْزِلَةَ أَجْنَبِيٍّ يَأْمُرُهُ بِمَا يُرِيدُ، وَهَذَا مَشْهُورٌ شَائِعٌ فِي أَلْسِنَةِ الْعَرَبِ وَمَنْ تَكَلَّمَ بِلُغَتِهِمْ نَظْمًا وَنَثْرًا. الثَّانِي: قَوْلُهُ: فَلْنَتَكَلَّمْ عَلَيْهَا، وَمَعْنَى عَلَى: الِاسْتِعْلَاءُ، وَحَقِيقَتُهُ لَا يَصِحُّ هَاهُنَا، إِذْ لَا يَصِحُّ إِلَّا فِي الْأَجْسَامِ، وَالْكَلَامُ عَرَضٌ، وَالْأُصُولُ الْمُرَادُ بِهَا هَاهُنَا عَرَضٌ أَيْضًا، وَهُوَ السُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ وَنَحْوُهَا، فَالِاسْتِعْلَاءُ إِنَّمَا يَصِحُّ هُنَا تَقْدِيرًا، وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الْأَدِلَّةَ لَمَّا كَانَتْ مَوْضِعَ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْعِلْمِ، صَارَ الْكَلَامُ فِيهَا كَالْمُسْتَعْلِي عَلَيْهَا اسْتِعْلَاءَ اللَّوْنِ عَلَى الْجِسْمِ الَّذِي هُوَ مَوْضِعُهُ. الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: أَصْلًا أَصْلًا لِنَصْبِهِ وَجْهَانِ:

стр. 62

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ حَالٌ، أَيْ نَتَكَلَّمُ عَلَيْهَا حَالَ كَوْنِهَا مُرَتَّبَةً أَصْلًا بَعْدَ أَصْلٍ. الثَّانِي: أَنَّهَا مَنْصُوبَةٌ عَلَى أَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِمُفْرَدٍ هُوَ صِفَةُ مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، التَّقْدِيرُ: نَتَكَلَّمُ عَلَيْهَا كَلَامًا مُرَتَّبًا فِي أَصْلٍ بَعْدَ أَصْلٍ، وَحَقِيقَةُ الْأَصْلِ لُغَةً وَعُرْفًا تُذْكَرُ عَنْ قَرِيبٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الرَّابِعُ: قَوْلُهُ: " مُقَدِّمَةٍ "، هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ مُقَدِّمَةِ الْجَيْشِ بِكَسْرِ الدَّالِ، وَهِيَ أَوَّلُهُ، لَمْ يَحْكِ الْجَوْهَرِيُّ فِيهَا غَيْرَ الْكَسْرِ، لَكِنَّهُ ذَكَرَ فِي قَادِمَتَيِ الرَّحْلِ مُقَدَّمَةً بِفَتْحِ الدَّالِ، وَهِيَ أَوَّلُهُ مِمَّا يَلِي وَجْهَ الرَّاكِبِ، وَهِيَ مُقَابِلَةٌ آخِرَ الرَّحْلِ، وَهَذِهِ الْمَادَّةُ تَرْجِعُ تَرَاكِيبُهَا إِلَى مَعْنَى الْأَوَّلِيَّةِ، فَمُقَدِّمَةُ الْكِتَابِ أَيْضًا أَوَّلُهُ، وَيَجُوزُ فِيهَا كَسْرُ الدَّالِ عَلَى صِيغَةِ الْفَاعِلِ، وَفَتْحُهَا عَلَى صِيغَةِ الْمَفْعُولِ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ صِفَةٌ، ثُمَّ اسْتَعْمَلُوهَا اسْمًا فِي كُلِّ مَا وُجِدَ فِيهِ التَّقْدِيمُ نَحْوَ مُقَدِّمَةِ الْجَيْشِ وَالْكِتَابِ، وَمُقَدِّمَةِ الدَّلِيلِ وَالْقِيَاسِ، وَهِيَ الْقَضِيَّةُ الَّتِي تُنْتِجُ ذَلِكَ مَعَ قَضِيَّةٍ أُخْرَى، نَحْوَ: كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ، وَنَحْوَ ذَلِكَ: كُلُّ وُضُوءٍ عِبَادَةٌ، وَكُلُّ عِبَادَةٍ يُشْتَرَطُ لَهَا النِّيَّةُ، وَنَحْوَ: الْعَالِمُ مُؤَلَّفٌ، وَكُلُّ مُؤَلَّفٍ مُحْدَثٌ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ. الْخَامِسُ: قَوْلُهُ: " فُصُولٍ ": هُوَ جَمْعُ فَصْلٍ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ فَصَلَ يَفْصِلُ فَصْلًا، إِذَا قَطَعَ، وَمَادَّةُ " ف ص ل " تَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى الْقَطْعِ وَالْإِبَانَةِ، ثُمَّ سُمِّيَ بِالْمَصْدَرِ الْمَذْكُورِ كُلُّ مَا بَيَّنَ وَمَيَّزَ شَيْئًا مِنْ شَيْءٍ وَقَطَعَهُ عَنْهُ، فَمِنْهَا الْفُصُولُ فِي الْكُتُبِ الْمُدَوَّنَةِ، لِأَنَّهَا تُمَيِّزُ جُمَلَ الْكَلَامِ بَعْضَهَا مِنْ بَعْضٍ، وَمِنْهَا فُصُولُ الْأَجْنَاسِ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ فِي الْحُدُودِ، كَالنَّاطِقِ فِي حَدِّ الْإِنْسَانِ فِي قَوْلِهِمْ: حَيَوَانٌ نَاطِقٌ، وَالْحَسَّاسُ فِي حَدِّ الْحَيَوَانِ فِي قَوْلِهِمْ: جِسْمٌ حَسَّاسٌ مُتَحَرِّكٌ بِالْإِرَادَةِ، وَمِنْهَا يَوْمُ الْفَصْلِ، وَفَصْلُ الْقَضَاءِ، لِأَنَّهُ يَقْطَعُ النِّزَاعَ بَيْنَ الْخُصُومِ.

стр. 63

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي تَعْرِيفِ أُصُولِ الْفِقْهِ: وَهُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ مُضَافٍ وَمُضَافٍ إِلَيْهِ. وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَتَعْرِيفُهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُرَكَّبٌ إِجْمَالِيٌّ لَقَبِيٌّ، وَبِاعْتِبَارِ كُلٍّ مِنْ مُفْرَدَاتِهِ تَفْصِيلِيٌّ. ــ قَوْلُهُ: «الْأَوَّلُ» يَعْنِي مِنْ فُصُولِ الْمُقَدِّمَةِ «فِي تَعْرِيفِ أُصُولِ الْفِقْهِ» . التَّعْرِيفُ: هُوَ تَصْيِيرُ الشَّيْءِ مَعْرُوفًا بِمَا يُمَيِّزُهُ عَمَّا يُشْتَبَهُ بِهِ بِذِكْرِ جِنْسِهِ وَفَصْلِهِ، أَوْ لَازِمٍ مِنْ لَوَازِمِهِ الَّتِي لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهِ، أَوْ شَرْحِ لَفْظِ الْغَرِيبِ بِلَفْظٍ مَشْهُورٍ مَأْلُوفٍ. مِثَالُ الْأَوَّلِ: قَوْلُنَا: مَا الْإِنْسَانُ؟ فَيُقَالُ: حَيَوَانٌ نَاطِقٌ، وَهُوَ الْحَدُّ التَّامُّ. وَمِثَالُ الثَّانِي: قَوْلُنَا فِيهِ: حَيَوَانٌ ضَاحِكٌ، أَوْ قَابِلٌ لِصَنْعَةِ الْكِتَابَةِ، وَفِي الْخَمْرِ: إِنَّهُ مَائِعٌ مُزِيلٌ، وَهُوَ رَسْمِيٌّ. وَمِثَالُ الثَّالِثِ: قَوْلُنَا: مَا الْغَضَنْفَرُ وَالدَّلَهْمَسُ؟ فَيُقَالُ: الْأَسَدُ، وَمَا الرَّحِيقُ وَالسَّلْسَبِيلُ فَيُقَالُ: الْخَمْرُ، وَهُوَ لَفْظِيٌّ. وَبَاقِي أَحْكَامِ التَّعْرِيفِ مُسْتَوْفًى فِي مَوْضِعِهِ. وَحَقِيقَةُ التَّعْرِيفِ: هُوَ فِعْلُ الْمُعَرِّفِ، ثُمَّ أُطْلِقَ فِي الِاصْطِلَاحِ عَلَى اللَّفْظِ الْمُعَرَّفِ بِهِ مَجَازًا، لِأَنَّهُ أَثَرُ اللَّافِظِ كَمَا أَنَّ التَّعْرِيفَ أَثَرُ الْمُعَرِّفِ، وَالتَّعْرِيفُ أَعَمُّ مِنَ الْحَدِّ، لِأَنَّ التَّعْرِيفَ يَحْصُلُ بِذِكْرِ لَازِمٍ، أَوْ خَاصَّةٍ، أَوْ لَفْظٍ يَحْصُلُ مَعَهُ الِاطِّرَادُ

стр. 64

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالِانْعِكَاسُ، وَالْحَدُّ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِذِكْرِ الْجِنْسِ وَالْفَصْلِ الْمُتَضَمِّنِ لِجَمِيعِ ذَاتِيَّاتِ الْمَحْدُودِ، فَكُلُّ حَدٍّ تَعْرِيفٌ، وَلَيْسَ كُلُّ تَعْرِيفٍ حَدًّا، لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَتَضَمَّنُ جَمِيعَ الذَّاتِيَّاتِ. قَوْلُهُ: «وَهُوَ» يَعْنِي أُصُولَ الْفِقْهِ، رَدَّ إِلَيْهِ ضَمِيرَ الْمُذَكَّرِ، «مُرَكَّبٌ مِنْ مُضَافٍ وَمُضَافٍ إِلَيْهِ» ، فَالْمُضَافُ هُوَ أَصُولُ، وَالْمُضَافُ إِلَيْهِ هُوَ الْفِقْهُ. وَالتَّرْكِيبُ فِي اللُّغَةِ: هُوَ ضَمُّ شَيْءٍ إِلَى غَيْرِهِ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَمِنْهُ تَرْكِيبُ الْفَصِّ فِي الْخَاتَمِ، وَالنَّصْلِ فِي السَّهْمِ، وَمِنْهُ رُكُوبُ الدَّابَّةِ، لِأَنَّ الرَّاكِبَ يَنْضَمُّ إِلَيْهَا، وَيُلَابِسُهَا. وَهُوَ فِي الِاصْطِلَاحِ، مُشْتَمِلٌ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، غَيْرَ أَنَّ التَّرَاكِيبَ فِيمَا يَظْهَرُ أَخَصُّ مِنَ التَّأْلِيفِ، لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ أَلِفَ فُلَانٌ فُلَانًا، وَأَلِفَ الطَّائِرُ وَكْرَهُ يَأْلَفُهُ أَلَفًا، إِذَا لَازَمَهُ وَلَمْ يُؤْثِرْ مُفَارَقَتَهُ، وَذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ الِانْضِمَامَ وَالْمُلَابَسَةَ، بَلْ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْمُقَارَبَةِ، بِخِلَافِ التَّرْكِيبِ، فَإِنَّهُ تَفْعِيلٌ مِنَ الرُّكُوبِ وَالْمُمَاسَّةِ، وَالْمُلَابَسَةُ فِيهِ لَازِمَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا الْإِضَافَةُ، فِيهِ فِي اللُّغَةِ: الْإِمَالَةُ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: أَضَفْتُ الشَّيْءَ إِلَى الشَّيْءِ، أَيْ: أَمَلْتُهُ. قُلْتُ: وَبَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ النُّحَاةِ يَقُولُ: الْإِضَافَةُ الْإِسْنَادُ، وَمِنْهُ أَضَفْتُ ظَهْرِي إِلَى الْحَائِطِ، أَيْ: أَسْنَدْتُهُ، وَيَحْتَجُّونَ بِقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ:

стр. 65

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَلَمَّا دَخَلْنَاهُ أَضَفْنَا ظُهُورَنَا ... إِلَى كُلِّ حَارِيٍّ قَشِيبٍ مُشَطَّبِ يَعْنِي أَسْنَدْنَا، وَهَذَا أَيْضًا فِيهِ مَعْنَى الْإِمَالَةِ، غَيْرَ أَنَّ الْإِسْنَادَ أَخَصُّ، فَكُلُّ مُسْنَدٍ مُمَالٌ، وَلَيْسَ كُلُّ مُمَالٍ مُسْنَدًا عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرٌ مُشَاهَدٌ. فَعَلَى الْأَوَّلِ: اللَّفْظُ الْمُضَافُ يَمِيلُ بِهِ الْمُتَكَلِّمُ إِلَى الْمُضَافِ إِلَيْهِ، لِيُعَرِّفَهُ أَوْ يُخَصِّصَهُ، إِذْ ذَلِكَ فَائِدَةُ الْإِضَافَةِ، أَعْنِي التَّعْرِيفَ، نَحْوَ: غُلَامُ زِيدٍ، أَوِ التَّخْصِيصَ، نَحْوَ: غُلَامُ رَجُلٍ، فَغُلَامٌ تُعَرَّفُ فِي الْأَوَّلِ بِزَيْدٍ، وَتُخَصَّصُ فِي الثَّانِي بِرَجُلٍ عَنْ أَنْ يَكُونَ غُلَامَ امْرَأَةٍ. وَعَلَى الثَّانِي: اللَّفْظُ الْمُضَافُ يُسْنِدُهُ الْمُتَكَلِّمُ إِلَى الْمُضَافِ إِلَيْهِ فِي تَعْرِيفِهِ أَوْ تَخْصِيصِهِ، وَقَدْ حَصَلَ فِي الْإِضَافَةِ اللَّفْظِيَّةِ الضَّمُّ الَّذِي هُوَ حَقِيقَةُ التَّرْكِيبِ، لِأَنَّ الْمُضَافَ مَضْمُومٌ إِلَى الْمُضَافِ إِلَيْهِ لِفَائِدَةِ الْإِضَافَةِ الْمَذْكُورَةِ. قَوْلُهُ: «وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَتَعْرِيفُهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُرَكَّبٌ إِجْمَالِيٌّ لَقَبِيٌّ، وَبِاعْتِبَارِ كُلٍّ مِنْ مُفْرَدَاتِهِ تَفْصِيلِيٌّ» يَعْنِي مَا كَانَ مِنَ الْمُسَمَّيَاتِ مُرَكَّبًا تَرْكِيبَ إِضَافَةٍ، كَقَوْلِنَا: أُصُولُ الْفِقْهِ، وَأُصُولُ الدِّينِ، فَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: كَذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِ: وَهُوَ مُرَكَّبٌ، أَيْ: وَمَا كَانَ مُرَكَّبًا، فَتَعْرِيفُهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُرَكَّبٌ، أَيْ: فَتَعْرِيفُهُ بِاعْتِبَارِ مَجْمُوعِ لَفْظِهِ الَّذِي تَرَكَّبَ مِنْهُ إِجْمَالِيٌّ لَقَبِيٌّ، أَيْ: يُسَمَّى بِذَلِكَ فِي الِاصْطِلَاحِ، وَتَصِحُّ تَسْمِيَتُهُ بِذَلِكَ لِمَنْ سَمَّاهُ. وَقَوْلُهُ: «إِجْمَالِيٌّ لَقَبِيٌّ» لَفْظَانِ مَنْسُوبَانِ إِلَى الْإِجْمَالِ وَاللَّقَبِ.

стр. 66

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالْإِجْمَالُ، هُوَ جَعْلُ الشَّيْءِ جُمْلَةً، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي بَابِ الْمُجْمَلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَاللَّقَبُ: هُوَ اللَّفْظُ الْمُطْلَقُ عَلَى مُعَيَّنٍ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الْعَلَمِ. غَيْرَ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا: أَنَّ اللَّقَبَ عَلَمٌ يَكْرَهُ مَنْ وُضِعَ عَلَيْهِ أَنْ يُخَاطَبَ بِهِ لِقُبْحٍ فِيهِ، كَقَوْلِهِمْ: أَنْفُ النَّاقَةِ، وَعَائِدُ الْكَلْبِ، وَنَحْوُهُمَا مِنَ الْأَلْقَابِ، وَلِهَذَا سُمِّيَ التَّخَاطُبُ بِهِ تَنَابُزًا وَنَبْزًا، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: اللَّقَبُ وَاحِدُ الْأَلْقَابِ، وَهِيَ الْأَنْبَازُ، وَقَالَ فِي نَبَزَ: النَّبْزُ: اللَّقَبُ. قُلْتُ: وَلَفْظُ النَّبْزِ مُشْعِرٌ بِكَرَاهَةٍ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّازِقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الْحُجُرَاتِ: ١١] قَالَ: لَا تَقُلْ لِأَخِيكَ الْمُسْلِمِ: يَا فَاسِقٌ، يَا مُنَافِقٌ. وَرَوَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: كَانَ الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ يُسَلِّمُ، فَيَقُولُونَ لَهُ: يَا يَهُودِيُّ يَا نَصْرَانِيُّ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. قُلْتُ: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْتُهُ مِنْ أَنَّ اللَّقَبَ عَلَمٌ يَكْرَهُهُ الْمُخَاطَبُ بِهِ، بِخِلَافِ الْعَلَمِ، فَإِنَّهُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، أَيْ: قَدْ يَكُونُ مِمَّا يَكْرَهُ التَّخَاطُبَ بِهِ وَهُوَ اللَّقَبُ، وَقَدْ لَا يَكُونُ الْعَلَمُ لَقَبًا كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو. وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ وَهِيَ قَوْلُنَا: «مِنْ حَيْثُ هُوَ مُرَكَّبٌ» تَقَعُ كَثِيرًا فِي كَلَامِ الْأُصُولِيِّينَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَقَدْ يَغْمُضُ مَعْنَاهَا عَلَى بَعْضِ النَّاسِ مِمَّنْ لَمْ يُعَانِ تِلْكَ الْعِبَارَاتِ. وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ: الْحُكْمُ عَلَى هَذَا الشَّيْءِ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَا، أَيْ: مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ كَذَا، لِأَنَّ حَيْثُ فِي اللُّغَةِ ظَرْفُ مَكَانٍ، وَالْمَكَانُ مُجَاوِرٌ لِلْجِهَةِ فِي الْحَقِيقَةِ

стр. 67

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالتَّصَوُّرِ، لِأَنَّ الْجِهَةَ مَقْصِدُ الْمُتَحَرِّكِ، فَلَا تَنْفِكُّ عَنِ الْمَكَانِ حَقِيقَةً وَتَصَوُّرًا. فَقَوْلُنَا: «فَتَعْرِيفُهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُرَكَّبٌ إِجْمَالِيٌّ» أَيْ: مِنْ جِهَةِ تَرْكِيبِهِ، أَوْ مِنَ الْجِهَةِ الَّتِي هُوَ مِنْهَا مُرَكَّبٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ كُلَّ مُرَكَّبٍ، فَلَهُ مِنْ حَيْثُ حَقِيقَتُهُ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا جِهَةُ أَجْزَائِهِ الَّتِي تَرَكَّبَ مِنْهَا، وَالثَّانِي جِهَةُ حَقِيقَتِهِ الْمُجْتَمِعَةِ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ، وَيَخْتَلِفُ النَّظَرُ فِيهِ وَالْحُكْمُ عَلَيْهِ بِاخْتِلَافِ جِهَتِهِ. مِثَالُهُ: أَنَّا إِذَا عَرَفْنَا الْحِبْرَ مِنْ جِهَةِ تَرْكِيبِهِ مِنْ مُفْرَدَاتِهِ الَّتِي هِيَ الْعَفْصُ وَالزَّاجُ وَالصَّمْغُ، قُلْنَا: الْحِبْرُ مَائِعٌ أَسْوَدُ يُكْتَبُ بِهِ، وَإِذَا عَرَّفْنَاهُ بِاعْتِبَارِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ مُفْرَدَاتِهِ، قُلْنَا: الْعَفْصُ: جَوْهَرٌ نَبَاتِيٌّ مُسْتَدِيرٌ، خَشِنُ الظَّاهِرِ مُضَرَّسٌ، وَالزَّاجُ: جَوْهَرٌ مُسْتَحْجَرٌ أَبْيَضُ، طَبْعُهُ التَّسْوِيدُ. وَالصَّمْغُ: جَوْهَرٌ تَدْفَعُهُ طَبِيعَةُ الشَّجَرِ فَيَسِيلُ عَلَى ظَاهِرِهِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُنَا: الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ، فَإِذَا عَرَّفْنَا مُفْرَدَاتِ أَجْزَائِهِ، قُلْنَا: الْيَدُ عُضْوٌ آلِيٌّ مُعَدٌّ لِلْبَطْشِ، وَالرِّجْلُ كَذَلِكَ لَكِنَّهُ مُعَدٌّ لِلْمَشْيِ. فَقَدْ رَأَيْتُ اخْتِلَافَ الْأَحْكَامِ عَلَى الْحَقَائِقِ بِاخْتِلَافِ جِهَاتِهَا. إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَمَعْنَى قَوْلِنَا: إِنَّ تَعْرِيفَ الْمُرَكَّبِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مُرَكَّبًا إِجْمَالِيٌّ، أَيْ: فِيهِ إِجْمَالٌ وَعُمُومٌ وَغُمُوضٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَعْرِيفِهِ مِنْ جِهَةِ تَفْصِيلِهِ وَمُفْرَدَاتِ تَرْكِيبِهِ، كَمَا يَتَبَيَّنُ فِيمَا بَعْدُ، وَسَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 68

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَمَعْنَى تَسْمِيَةِ هَذَا التَّعْرِيفِ لَقَبًا أَنَّهُ مِنْ جِهَةِ كَوْنِ الْمُعَرَّفِ لَقَبًا عَلَى مَفْهُومِهِ، مِثَالُهُ: أَنَّ لَفْظَ أُصُولِ الْفِقْهِ لَقَبٌ عَلَى مَدْلُولِهِ، وَهُوَ الْعِلْمُ بِالْقَوَاعِدِ الَّتِي تُسْتَنْبَطُ بِهَا الْأَحْكَامُ، وَالتَّفْصِيلِيُّ مَنْسُوبٌ إِلَى التَّفْصِيلِ، أَيْ تَعْرِيفُهُ مِنْ جِهَةِ تَفْصِيلِ مُفْرَدَاتِهِ. وَقَوْلُهُ: «بِاعْتِبَارِ كُلٍّ مِنْ مُفْرَدَاتِهِ» أَيْ بِاعْتِبَارِ كُلِّ وَاحِدٍ، أَوْ كُلِّ مُفْرَدٍ مِنْ مُفْرَدَاتِهِ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ لِدَلَالَةِ مَا بَعْدَهُ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٧٩] ، ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النِّسَاءِ: ٩٥] ، ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النَّحْلِ: ٨٧] . وَمِثَالُ أُصُولِ الْفِقْهِ فِي تَعْرِيفِهِ الْإِجْمَالِيِّ وَاللَّقَبِيِّ: أُصُولُ الدِّينِ فِيهِمَا. فَنَقُولُ فِي تَعْرِيفِهِ الْإِجْمَالِيِّ: هُوَ الْعِلْمُ الْكَاشِفُ عَنْ أَحْكَامِ الْعَقَائِدِ، أَوِ الْقَوَاعِدُ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الْعَقَائِدِ. وَنَقُولُ فِي تَعْرِيفِهِ التَّفْصِيلِيِّ: الْأُصُولُ: الْأَدِلَّةُ، كَمَا قُلْنَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَالدِّينُ فِي اللُّغَةِ: الطَّاعَةُ وَالْعَادَةُ وَالشَّأْنُ وَالْجَزَاءُ وَالْمُكَافَأَةُ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ: هُوَ الشَّرِيعَةُ الْوَارِدَةُ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَبِالضَّرُورَةِ هَذَا أَدْخَلُ فِي الْبَيَانِ مِنَ الْأَوَّلِ.

стр. 69

فَأُصُولُ الْفِقْهِ بِالِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ: الْعِلْمُ بِالْقَوَاعِدِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ مِنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ. ــ قَوْلُهُ: «فَأُصُولُ الْفِقْهِ بِالِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ» أَيْ بِاعْتِبَارِ تَعْرِيفِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُرَكَّبٌ: هُوَ «الْعِلْمُ بِالْقَوَاعِدِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ مِنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ» . الْعِلْمُ: سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ آخِرَ الْفَصْلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْقَوَاعِدُ: جَمْعُ قَاعِدَةٍ وَهِيَ أَسَاسُ الْبُنْيَانِ، وَفِي اصْطِلَاحِ الْعُلَمَاءِ حَيْثُ يَقُولُونَ: قَاعِدَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَالْقَاعِدَةُ فِي هَذَا الْبَابِ كَذَا: هِيَ الْقَضَايَا الْكُلِّيَّةُ الَّتِي تُعْرَفُ بِالنَّظَرِ فِيهَا قَضَايَا جُزْئِيَّةٌ، كَقَوْلِنَا مَثَلًا: حُقُوقُ الْعَقْدِ تَتَعَلَّقُ بِالْمُوَكِّلِ دُونَ الْوَكِيلِ، وَقَوْلِنَا: الْحِيَلُ فِي الشَّرْعِ بَاطِلَةٌ، فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَاتَيْنِ الْقَضِيَّتَيْنِ تُعْرَفُ بِالنَّظَرِ فِيهَا قَضَايَا مُتَعَدِّدَةٌ. كَقَوْلِنَا: عُهْدَةُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْمُوَكِّلِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا، فَوَكَّلَ فِيهِ حَنِثَ، وَلَوْ وَكَّلَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا فِي شِرَاءِ خَمْرٍ، أَوْ خِنْزِيرٍ، لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ أَحْكَامَ الْعَقْدِ تَتَعَلَّقُ بِالْمُوَكِّلِ. وَقَوْلُنَا: لَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْمُحَلِّلِ، وَلَا تَخْلِيلُ الْخَمْرِ عِلَاجًا، وَلَا بَيْعُ الْعِينَةِ، وَلَا الْحِيلَةُ عَلَى إِبْطَالِ الشُّفْعَةِ، لِأَنَّ الْحِيَلَ بَاطِلَةٌ، فَكَانَتْ تِلْكَ الْقَضِيَّةُ الْكُلِّيَّةُ لِهَذِهِ الْقَضَايَا الْجُزْئِيَّةِ أُسًّا تَسْتَنِدُ إِلَيْهَا وَتَسْتَقِرُّ عَلَيْهَا. وَهَكَذَا قَوْلُنَا: الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَلِلْفَوْرِ، وَدَلِيلُ الْخِطَابِ حُجَّةٌ، وَقِيَاسُ الشَّبَهِ دَلِيلٌ

стр. 70

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ صَحِيحٌ، وَالْحَدِيثُ الْمُرْسَلُ يُحْتَجُّ بِهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ مَسَائِلِ أُصُولِ الْفِقْهِ هِيَ قَوَاعِدُ لِلْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ. وَالتَّوَصُّلُ: هُوَ قَصْدُ الْوُصُولِ إِلَى الْمَطْلُوبِ بِوَاسِطَةٍ فَهُوَ كَالتَّوَسُّلِ. وَاسْتِنْبَاطُ الْأَحْكَامِ: اسْتِخْرَاجُهَا، وَكَذَا اسْتِنْبَاطُ الْمَاءِ، يُقَالُ: نَبَطَ الْمَاءُ يَنْبُطُ - بِضَمِّ الْبَاءِ وَكَسْرِهَا - نُبُوطًا: إِذَا نَبَعَ، وَالنَّبِيطُ: الْمَاءُ الْخَارِجُ مِنْ قَعْرِ الْبِئْرِ إِذَا حُفِرَتْ. وَالْأَحْكَامُ: يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَالشَّرْعِيَّةُ: الصَّادِرَةُ عَنِ الشَّرْعِ، وَهُوَ الطَّرِيقُ الْإِلَهِيُّ الْمَعْلُومُ بِوَاسِطَةِ النَّبِيِّ ﷺ . وَالْفَرْعِيَّةُ مَنْسُوبَةٌ إِلَى الْفَرْعِ، وَهُوَ مَا اسْتَنَدَ فِي وُجُودِهِ إِلَى غَيْرِهِ اسْتِنَادًا ثَابِتًا، وَهَذَا احْتِرَازٌ مِنَ الْمَشْرُوطِ وَنَحْوِهُ، مِمَّا اسْتِنَادُ وَجُودِهِ إِلَى غَيْرِهِ عَرَضِيٌّ، لِاقْتِضَاءِ الْعَقْلِ أَوِ الشَّرْعِ تَوَقُّفُهُ عَلَى وُجُودِهِ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ ذَاتِهِ، كَالْغُصْنِ مِنَ الشَّجَرَةِ، وَنَحْوِهِ، هَذَا حَقِيقَةُ الْفَرْعِ. أَمَّا قَوْلُ الْفُقَهَاءِ: هَذَا مِنْ فُرُوعِ الدِّينِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فَرْعٌ عَلَى كَذَا، فَهُوَ مَجَازٌ، إِذْ لَيْسَ فِيهِ تَبْعِيضٌ وَلَا اسْتِنَادٌ ذَاتِيٌّ. وَالْمُرَادُ بِالْأَحْكَامِ الْفَرْعِيَّةِ: الْقَضَايَا الَّتِي لَا يَتَعَلَّقُ بِالْخَطَأِ فِي اعْتِقَادِهِ مُقْتَضَاهَا وَلَا الْعَمَلِ بِهِ قَدْحٌ فِي الدِّينِ، وَلَا الْعَدَالَةُ فِي الدُّنْيَا، وَلَا وَعِيدٌ فِي الْآخِرَةِ، كَمَسْأَلَةِ

стр. 71

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النِّيَّةِ فِي الطَّهَارَةِ، وَبَيْعِ الْفُضُولِيِّ، وَالنِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ، وَقَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ، وَالْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ، وَأَنَّ الْحُكْمَ لَا يُنَفَّذُ بَاطِنًا. بِخِلَافِ مَا يَقْدَحُ مِنْ ذَلِكَ فِي الدِّينِ، كَاعْتِقَادِ قِدَمِ الْعَالَمِ، وَنَفْيِ الصَّانِعِ، وَإِنْكَارِ الْمُعْجِزَاتِ، وَإِبْطَالِ النُّبُوَّاتِ، أَوْ يَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ، أَوِ الدِّينِ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ، كَالْمَسَائِلِ الَّتِي بَيْنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَالْأَثَرِيَّةِ، كَمَسْأَلَةِ الْكَلَامِ وَالرُّؤْيَةِ وَالْجِهَةِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَمَسَائِلُ الشَّرِيعَةِ، إِمَّا مُكَفِّرٌ قَطْعًا كَنَفْيِ الصَّانِعِ، أَوْ غَيْرِ مُكَفِّرٍ قَطْعًا كَاسْتِبَاحَةِ النَّبِيذِ بِالِاجْتِهَادِ، أَوْ وَاسِطَةٍ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ تَحْتَمِلُ الْخِلَافَ، كَمَا حَقَّقْتُهُ فِي آخِرِ كِتَابِ «إِبْطَالِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ» . فَإِنْ قِيلَ: يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرْتَ أَنَّ شُرْبَ الْحَنْبَلِيِّ لِلنَّبِيذِ، وَأَكْلَ الْحَنَفِيِّ لَحْمَ الْخَيْلِ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ لَيْسَ مِنَ الْأَحْكَامِ الْفَرْعِيَّةِ، بَلْ مِنَ الْأُصُولِيَّةِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَيْهِمَا وَيَأَثَمَانِ بِهِ، وَيَقْدَحُ فِي عَدَالَتِهِمَا. قِيلَ: نَعَمْ، هُوَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ هَذَا شَيْءٌ يَتَعَلَّقُ بِمُخَالَفَةِ الْمُعْتَقَدِ، فَخَرَجَ عَنْ حَدِّ الْفُرُوعِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَفْعَالِ. قَوْلُهُ: «مِنْ أَدِلَّتِهَا» : أَيِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ مِنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ، أَيِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى جِهَةِ التَّفْصِيلِ، كَمَا سَنُبَيِّنُ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 72

وَبِالثَّانِي: الْأُصُولُ: الْأَدِلَّةُ الْآتِي ذِكْرُهَا، وَهِيَ جَمْعُ أَصْلٍ، وَأَصْلُ الشَّيْءِ مَا مِنْهُ الشَّيْءُ، وَقِيلَ: مَا اسْتَنَدَ الشَّيْءُ فِي وُجُودِهِ إِلَيْهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْفِقْهَ مُسْتَمَدٌّ مِنْ أَدِلَّتِهِ، وَمُسْتَنِدٌ فِي تَحَقُّقِ وَجُودِهِ إِلَيْهَا. ــ قَوْلُهُ: «وَبِالثَّانِي» : أَيْ وَأُصُولُ الْفِقْهِ بِالِاعْتِبَارِ الثَّانِي، وَهُوَ تَعْرِيفُهُ بِاعْتِبَارِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ مُفْرَدَاتِهِ [الْأُصُولُ الْأَدِلَّةُ] ، لِأَنَّ الْمَادَّةَ الَّتِي تَرَكَّبَ مِنْهَا لَفْظُ أُصُولِ الْفِقْهِ، هِيَ الْأُصُولُ وَالْفِقْهُ، فَهُمَا مُفْرَدَا ذَلِكَ الْمُرَكَّبِ، فَيَحْتَاجُ فِي تَعْرِيفِهِ التَّفْصِيلِيِّ إِلَى تَعْرِيفِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَّتِهِ. فَالْأُصُولُ: «الْأَدِلَّةُ الْآتِي ذِكْرُهَا» يَعْنِي: الْكِتَابَ وَالسَّنَةَ وَالْإِجْمَاعَ وَالْقِيَاسَ، وَمَا فِي خِلَالِ ذَلِكَ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ. قَوْلُهُ: «وَهِيَ» : يَعْنِي الْأُصُولَ، «جَمْعُ أَصْلٍ» ، هَذَا بَيَانٌ لَهَا مِنْ حَيْثُ جَمْعُهَا وَإِفْرَادُهَا، وَمَا كَانَ مِنَ الْأَسْمَاءِ عَلَى فِعْلٍ - سَاكِنِ الْعَيْنِ - فَبَابُهُ فِي جَمْعِ الْقِلَّةِ عَلَى أَفْعُلٍ، نَحْوَ أَفْلُسٍ وَأَكْلُبٍ، وَفِي الْكَثْرَةِ عَلَى فِعَالٍ وَفُعُولٍ، نَحْوَ حَبْلٍ وَحِبَالٍ، وَكَلْبٍ وَكِلَابٍ، وَكَعْبٍ وَكِعَابٍ، وَفَصْلٍ وَفُصُولٍ، وَأَصْلٍ وَأُصُولٍ، وَفَرْعٍ وَفُرُوعٍ. وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ اشْتِقَاقُهُ اللُّغَوِيُّ، فَلَمْ أَرَ فِيهِ شَيْئًا فِيمَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ، غَيْرَ أَنِّي أَحْسَبُ أَنَّهُ مِنَ الْوَصْلِ ضِدَّ الْقَطْعِ، وَأَنَّ هَمْزَتَهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوٍ، لِمَا فِي الْأَصْلِ مِنْ مَعْنَى الْوَصْلِ، وَهُوَ اتِّصَالُ فُرُوعِهِ، كَاتِّصَالِ الْغُصْنِ بِالشَّجَرَةِ حِسًّا، وَالْوَلَدِ بِوَالِدِهِ نَسَبًا وَحُكْمًا، وَالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِدَلِيلِهِ عَقْلًا. قَوْلُهُ: «وَأَصْلُ الشَّيْءِ مَا مِنْهُ الشَّيْءُ، وَقِيلَ: مَا اسْتَنَدَ الشَّيْءُ فِي وُجُودِهِ إِلَيْهِ» .

стр. 73

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هَذَانِ تَعْرِيفَانِ لِلْأَصْلِ، فَالْأَوَّلُ ذَكَرَهُ فِي «الْحَاصِلِ» ، وَالثَّانِي هُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْآمِدِيِّ: أَصْلُ كُلِّ شَيْءٍ: مَا يَسْتَنِدُ تَحَقُّقُ ذَلِكَ الشَّيْءِ إِلَيْهِ، وَزَادَ فِي غَيْرِ «الْمُنْتَهَى» : مِنْ غَيْرِ تَأْثِيرٍ احْتِرَازًا مِنَ اسْتِنَادِ الْمُمْكِنِ إِلَى الْمُؤَثِّرِ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ أَصْلًا لَهُ. وَالتَّعْرِيفُ الثَّانِي أَعَمُّ مِنَ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ مَا كَانَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَيْهِ فِي وُجُودِهِ، وَلَيْسَ كُلُّ مُسْتَنِدٍ فِي وُجُودِهِ إِلَى شَيْءٍ يَكُونُ مِنْهُ. قَوْلُهُ: «وَلَا شَكَّ أَنَّ الْفِقْهَ مُسْتَمَدٌّ مِنْ أَدِلَّتِهِ، وَمُسْتَنِدٌ فِي تَحَقُّقِ وَجُودِهِ إِلَيْهَا» . هَذَا بَيَانٌ وَتَقْرِيرٌ لِكَوْنِ التَّعْرِيفَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ مُتَطَابِقَيْنِ لِلْمُعَرَّفِ بِهِمَا، وَهُوَ الْأَصْلُ، لِأَنَّ الْفِقْهَ يُسْتَمِدُّ مِنْ أَدِلَّتِهِ، بِمَعْنَى أَنَّهَا مَادَّةٌ لَهُ بِاعْتِبَارِ جِنْسِ الْمَعْنَى، لَا بِاعْتِبَارِ خُصُوصِ تَرْكِيبِ الْأَلْفَاظِ، فَقَوْلُنَا: الْمَاءُ الْبَاقِي عَلَى إِطْلَاقِهِ طَهُورٌ، سَوَاءٌ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، أَوْ نَبَعَ مِنَ الْأَرْضِ، هُوَ مُسْتَمَدٌّ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الْفَرْقَانِ: ٤٨] ، ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الْأَنْفَالِ: ١١] ، لِأَنَّ مَعْنَاهَا وَاحِدٌ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ تَرَاكِيبُ الصِّيَغِ، لَكِنَّ الْأَلْفَاظَ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ لِذَاتِهَا، بَلْ لِإِظْهَارِ الْمَعَانِي. فَعَلَى هَذَا «مِنْ» فِي قَوْلِهِ: مَا مِنْهُ الشَّيْءُ: لِلتَّبْعِيضِ، أَيْ: مَا بَعْضُهُ الشَّيْءُ، وَالْفَرْعُ بَعْضُ أَصْلِهِ، كَالْوَلَدِ مِنَ الْوَالِدِ، وَالْغُصْنُ مِنَ الشَّجَرَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا: أَنَّ الْفِقْهَ مُقْتَطَعٌ مِنْ أَدِلَّتِهِ اقْتِطَاعَ الْوَلَدِ مِنَ الْوَالِدِ، وَالْغُصْنِ مِنَ الشَّجَرَةِ، أَوْ نَحْوَهُ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «مِنْ» فِيهِ: لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّ أَدِلَّةَ الْفِقْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ وَنَحْوِهَا، هِيَ مَبْدَأُ ظُهُورِهِ، وَمِنْهَا ابْتِدَاءُ بَيَانِهِ، وَهَذَا أَظْهَرُ الْمَعْنَيَيْنِ فِي «مِنْ» ، وَكَذَلِكَ بِالنَّظَرِ إِلَى التَّعْرِيفِ الثَّانِي،

стр. 74

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْفِقْهُ مُسْتَنِدٌ فِي وُجُودِهِ إِلَى أَدِلَّتِهِ، بِمَعْنَى أَنَّهَا لَوْ لَمْ تُوجَدْ هِيَ لَمْ يُوجَدْ هُوَ، إِذْ لَوْ لَمْ يُوجَدْ قَوْلُهُ ﵇: مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ لَمْ يُحْكُمْ بِقَتْلِ الْمُرْتَدِّ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَوْ لَمْ تُوجَدْ أَدِلَّتُهَا لَمْ يُحْكَمْ بِهَا. وَالِاسْتِنَادُ، هُوَ اعْتِمَادُ الشَّيْءِ إِلَى غَيْرِهِ، بِحَيْثُ لَوْ زَالَ ذَلِكَ الْغَيْرُ لَمْ يَسْتَقِرَّ ذَلِكَ الشَّيْءُ، وَكَذَلِكَ الْفِقْهُ مَعَ أَدِلَّتِهِ، لَوْ زَالَتْ لَمْ يَسْتَقِرَّ الْفِقْهُ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ كَثِيرًا فِي الْأَحْكَامِ الْمَنْسُوخَةِ، كَانَتْ ثَابِتَةً قَبْلَ النَّسْخِ لِبَقَاءِ أَدِلَّتِهَا مُحْكَمَةً، فَلَمَّا زَالَتِ الْأَدِلَّةُ الَّتِي هِيَ مُسْتَنَدُ الْأَحْكَامِ لَمْ تَسْتَقِرَّ الْأَحْكَامُ، بَلْ زَالَتْ بِزَوَالِهَا، وَوِزَانُ ذَلِكَ مِنَ الْمَحْسُوسَاتِ مَنِ اسْتَنَدَ إِلَى جِدَارٍ، فَمَالَ الْجِدَارُ وَوَقَعَ، فَإِنَّ الْمُسْتَنِدَ إِلَيْهِ يَقَعُ بِالضَّرُورَةِ. هَذَا الْكَلَامُ عَلَى أَلْفَاظِ الْمُخْتَصَرِ. وَقَالَ فِي «الْمَحْصُولِ» : الْأَصْلُ هُوَ الْمُحْتَاجُ إِلَيْهِ. وَرُدَّ، بِأَنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَحْتَاجُ إِلَى مَا لَيْسَ أَصْلًا لَهُ، كَالْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ وَالْمَلْبُوسِ، وَالزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَالْمُحْتَاجُ إِلَيْهِ أَعَمُّ مِنَ الْأَصْلِ؛ إِذْ كَلُّ أَصْلٍ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ، وَلَيْسَ كُلُّ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ أَصْلًا. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ - وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ -: أُصُولُ الْفِقْهِ، هِيَ الْأَدِلَّةُ الَّتِي يُبْنَى عَلَيْهَا الْفِقْهُ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي «الْعُدَّةِ» : أُصُولُ الْفِقْهِ، عِبَارَةٌ عَمَّا تُبْنَى عَلَيْهِ مَسَائِلُ الْفِقْهِ

стр. 75

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَتُعْلَمُ أَحْكَامُهَا بِهِ، لِأَنَّ أَصْلَ الشَّيْءِ مَا تَعَلَّقَ بِهِ، وَعُرِفَ مِنْهُ، إِمَّا بِاسْتِخْرَاجٍ أَوْ تَنْبِيهٍ. قُلْتُ: مَا ذَكَرَهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ صَحِيحٌ، أَمَّا قَوْلُهُ: أَصْلُ الشَّيْءِ مَا تَعَلَّقَ بِهِ، فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ، إِذْ قَدْ يَتَعَلَّقُ الشَّيْءُ بِمَا لَيْسَ أَصْلًا لَهُ، كَتَعَلُّقِ الْحَبَلِ بِالْوَتَدِ فِي الْمَحْسُوسَاتِ، وَتَعَلُّقِ السَّبَبِ بِالْمُسَبِّبِ، وَالْعِلَّةِ بِالْمَعْلُولِ فِي الْمَعْقُولَاتِ. وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: أَصْلُ الشَّيْءِ: مَا مِنْهُ الشَّيْءُ لُغَةً، وَرُجْحَانُهُ وَدَلِيلُهُ اصْطِلَاحًا، يَعْنِي أَنَّ أَصْلَ الشَّيْءِ فِي اللُّغَةِ مَادَّتُهُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا، نَحْوَ قَوْلِنَا: أَصْلُ السُّنْبُلَةِ الْبُرَّةُ، أَيْ: هِيَ مَادَّتُهَا. وَأَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ، فَيُطْلَقُ الْأَصْلُ عَلَى رُجْحَانِ الشَّيْءِ، نَحْوَ: الْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، أَيْ: هُوَ رَاجِحٌ، وَلِهَذَا احْتِيجَ فِي دَعَاوَى الْحُقُوقِ إِلَى الْبَيِّنَاتِ، لِيَصِيرَ جَانِبُ الْمُدَّعِي رَاجِحًا بَعْدَ أَنْ كَانَ مَرْجُوحًا، وَكَقَوْلِنَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النِّسَاءِ: ٤٣] : الْمُرَادُ حَقِيقَةُ الْمُلَامَسَةِ بِالْيَدِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمَجَازِ. وَالْمُتَيَمِّمُ إِذَا رَأَى الْمَاءَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ، وَالْعَبْدُ الْغَائِبُ تَجِبُ فِطْرَتُهُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ. وَالْمُرَادُ فِي هَذَا كُلِّهِ، أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الرَّاجِحُ، أَوْ أَنَّ الرُّجْحَانَ الْأَصْلُ. وَيُطْلَقُ أَيْضًا فِي الِاصْطِلَاحِ، عَلَى الدَّلِيلِ، نَحْوَ: أُصُولُ الْفِقْهِ أَدِلَّتُهُ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَرَافِيُّ تَوَسُّطٌ جَيِّدٌ، وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْمَادَّةُ، وَفِي الِاصْطِلَاحِ
следующие страницы →