← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10781

شرح مختصر الروضة

الطوفي

Полный текст (2 051 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «مِنْ» «إِلَى» «قَامَ» «قَعَدَ» . قَوْلُهُ: «وَهِيَ» يَعْنِي الْكَلِمَةَ «جِنْسُ أَنْوَاعِهِ: اسْمٌ وَفِعْلٌ وَحَرْفٌ. وَلِقِسْمَتِهَا» ، أَيْ لِهَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ «طُرُقٌ كَثِيرَةٌ» ، أَمَّا كَوْنُ الْكَلِمَةِ جِنْسًا لِلِاسْمِ وَالْفِعْلِ وَالْحَرْفِ، فَلِأَنَّهَا تُوجَدُ فِي حَدِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ، فَيُقَالُ: الِاسْمُ: كَلِمَةٌ دَلَّتْ عَلَى مَعْنًى فِي نَفْسِهَا غَيْرُ مُقْتَرِنَةٍ بِزَمَانِ ذَلِكَ الْمَعْنَى. وَالْفِعْلُ: كَلِمَةٌ دَلَّتْ عَلَى مَعْنًى فِي نَفْسِهَا وَعَلَى زَمَانِ ذَلِكَ الْمَعْنَى، نَحْوَ: قَامَ يَقُومُ. وَالْحَرْفُ: كَلِمَةٌ لَا تَدُلُّ عَلَى مَعْنًى إِلَّا فِي غَيْرِهَا. وَكُلُّ مَا أُخِذَ فِي حَدِّ شَيْءٍ، فَهُوَ جِنْسٌ لَهُ كَمَا سَبَقَ، وَلِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الْجِنْسَ أَعَمُّ مِنْ نَوْعِهِ، وَالنَّوْعَ أَخَصُّ مِنْ جِنْسِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْكَلِمَةَ أَعَمُّ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الِاسْمِ وَالْفِعْلِ وَالْحَرْفِ، وَكُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا أَخَصُّ مِنَ الْكَلِمَةِ، إِذْ كُلُّ اسْمٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ حَرْفٍ، فَهُوَ كَلِمَةٌ، وَلَيْسَ كُلٌّ اسْمًا، لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ فِعْلًا أَوْ حَرْفًا، وَلَا فِعْلًا، لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ اسْمًا أَوْ حَرْفًا، وَلَا حَرْفًا، لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ اسْمًا أَوْ فِعْلًا. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَلِمَةَ جِنْسٌ لِلْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ كُلَّ جِنْسٍ قُسِّمَ إِلَى أَنْوَاعِهِ، أَوْ نَوْعٌ قُسِّمَ إِلَى أَشْخَاصِهِ، فَاسْمُ الْمَقْسُومِ صَادِقٌ عَلَى الْمَقْسُومِ إِلَيْهِ، كَالْحَيَوَانِ الْمُقَسَّمِ إِلَى نَاطِقٍ وَغَيْرِهِ، وَكِلَاهُمَا حَيَوَانٌ، وَالْإِنْسَانُ الْمَقْسُومُ إِلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو

стр. 492

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَبَكْرٍ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَشْخَاصِ، وَكُلُّهُمْ إِنْسَانٌ، وَالْكَلِمَةُ صَادِقَةٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الِاسْمِ وَالْفِعْلِ وَالْحَرْفِ، فَهِيَ جِنْسٌ لَهَا وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا. وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ بِاللَّازِمِ الْمُسَاوِي، لِأَنَّ الْجِنْسَ يَسْتَلْزِمُ صِحَّةَ انْقِسَامِهِ إِلَى الْأَنْوَاعِ، وَالِانْقِسَامَ إِلَى الْأَنْوَاعِ يَسْتَلْزِمُ صِدْقَ إِطْلَاقِ اسْمِ الْمَقْسُومِ إِلَى الْمَقْسُومِ إِلَيْهِ. وَأَمَّا أَنَّ لِقِسْمَةِ الْكَلِمَةِ إِلَى الِاسْمِ وَالْفِعْلِ وَالْحَرْفِ طُرُقًا كَثِيرَةً، فَلِأَنَّ مِنْ تِلْكَ الطُّرُقِ: الطَّرِيقَةُ الْأُولَى، الْمَنْسُوبَةَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، الَّذِي أَنْشَأَ الْعَرَبِيَّةَ، وَهِيَ أَنَّ اللَّفْظَ وَالْكَلِمَةَ، إِمَّا أَنْ يَدُلَّ عَلَى ذَاتٍ، أَوْ عَلَى حَرَكَةِ ذَاتٍ، أَوْ عَلَى رَابِطَةٍ بَيْنَهُمَا. فَالْأَوَّلُ: الِاسْمُ، كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو. وَالثَّانِي: الْفِعْلُ، كَقَامَ وَقَعَدَ، لِأَنَّ الْأَفْعَالَ الْحَقِيقَةَ كَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ حَرَكَاتُ الْأَجْسَامِ، وَالْأَفْعَالَ الْمَجَازِيَّةِ، نَحْوَ: رَخُصَ السِّعْرُ، وَسَهُلَ الْأَمْرُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مُلْحَقٌ. وَالثَّالِثُ: الْحَرْفُ، نَحْوَ «مِنْ» وَ «إِلَى» وَ «قَدْ» وَ «هَلْ» لِأَنَّهُ إِنَّمَا أُتِيَ بِهِ لِيَرْبُطَ بَيْنَ الْأَسْمَاءِ وَالْأَفْعَالِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي.

стр. 493

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَمِنْهَا: طَرِيقَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَهِيَ أَنَّ الْكَلِمَةَ إِمَّا أَنْ تَدُلَّ عَلَى مَعْنًى فِي نَفْسِهَا أَوْ لَا، فَإِنْ دَلَّتْ، فَإِمَّا أَنْ لَا تَدُلَّ عَلَى زَمَنِ ذَلِكَ الْمَعْنَى أَوْ تَدُلَّ، فَالْأَوَّلُ: الِاسْمُ، وَالثَّانِي: الْفِعْلُ، وَالثَّالِثُ: الْحَرْفُ، وَهَذَا عَلَى مُرَاعَاةِ مَرَاتِبِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ. أَمَّا مَعَ مُرَاعَاةِ ذَلِكَ فَيُقَالُ: الْكَلِمَةُ إِمَّا أَنْ لَا تَدُلَّ عَلَى مَعْنًى فِي نَفْسِهَا وَهُوَ الْحَرْفُ، أَوْ تَدُلَّ، فَإِمَّا مَعَ الدَّلَالَةِ عَلَى زَمَانِ الْمَعْنَى، وَهُوَ الْفِعْلُ، أَوْ عَدَمِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الِاسْمُ. وَمِنْهَا: طَرِيقَةُ الْآمِدِيِّ: وَهِيَ أَنَّ اللَّفْظَ إِمَّا أَنْ يَصِحَّ تَرَكُّبُ الْقَضِيَّةِ الْخَبَرِيَّةِ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ لَا، فَإِنْ صَحَّ، فَهُوَ الِاسْمُ، كَقَوْلِنَا: زَيْدٌ قَائِمٌ. قَدْ تَرَكَّبَتِ الْقَضِيَّةُ مِنِ اسْمَيْنِ، وَجِنْسُهُمَا وَاحِدٌ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ تَرَكُّبُ الْقَضِيَّةِ مِنْ جِنْسِهِ، فَإِمَّا أَنْ يَصِحَّ أَنْ يَكُونَ رُكْنًا فِيهَا أَوْ لَا، فَإِنْ صَحَّ، فَهُوَ الْفِعْلُ، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَرَكُّبُ الْجُمْلَةِ الْمُفِيدَةِ مِنْهُ، كَقَوْلِنَا: قَامَ قَامَ، أَوْ قَامَ قَعَدَ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ رُكْنًا فِيهَا، نَحْوَ: قَامَ زَيْدٌ، وَقَعَدَ عَمْرٌو، إِذِ الْفِعْلُ أَحَدُ رُكْنَيِ الْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَكُونَ رُكْنًا فِيهَا، فَهُوَ الْحَرْفُ. وَمِنْهَا: طَرِيقَةُ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ وَغَيْرِهِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى انْحِصَارِ أَنْوَاعِ الْكَلِمَةِ، بَلْ أَجْزَاءُ الْكَلَامِ فِي الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَكُنْ مُنْحَصِرَةً فِي الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ، لَاخْتَلَّ مَقْصُودُ التَّفَاهُمِ بِالزِّيَادَةِ أَوِ النَّقْصِ، لَكِنَّ مَقْصُودَ التَّفَاهُمِ لَمْ يَخْتَلَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَدَلَّ عَلَى انْحِصَارِ أَجْزَاءِ الْكَلَامِ فِي الْكَلِمِ الثَّلَاثِ. وَذَلِكَ أَنَّ مَقْصُودَ التَّفَاهُمِ حُصُولُ أَلْفَاظٍ مُطَابِقَةٍ لِمَا فِي النُّفُوسِ، يُعَبَّرُ بِهَا عَنْهُ، فَلَوْ لَمْ تَنْحَصِرْ أَجْزَاءُ

стр. 494

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْكَلَامِ فِي الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ، لَكَانَتْ إِمَّا أَرْبَعَةٌ فَصَاعِدًا، فَيَبْقَى فِي اللُّغَةِ جُزْءٌ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ، فَتَكُونُ زِيَادَتُهُ عَبَثًا، لِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ مَحَلِّ الضَّرُورَةِ، وَمَا خَرَجَ عَنْ مَحَلِّ الضَّرُورَةِ يَكُونُ عَبَثًا. وَإِمَّا اثْنَيْنِ فَأَقَلَّ، فَيَبْقَى بَعْضُ أَغْرَاضِ النُّفُوسِ لَا يُعَبَّرُ عَنْهُ، فَيَكُونُ تَقْصِيرًا عَنِ الْوَفَاءِ بِالضَّرُورَةِ، وَهُوَ خَلَلٌ فِي الْحِكْمَةِ، فَلَمَّا رَأَيْنَا هَذِهِ الْأَقْسَامَ وَافِيَةً بِالتَّعْبِيرِ عَمَّا فِي النُّفُوسِ، مِنْ غَيْرِ إِفْرَاطٍ بِزِيَادَةٍ، وَلَا تَفْرِيطٍ بِنَقْصٍ، دَلَّ عَلَى انْحِصَارِهَا فِيهَا. وَمِنْهَا: طَرِيقَةٌ ذَكَرَهَا الشَّيْخُ عَبْدُ الْوَاحِدِ الْكُوفِيُّ فِي كَلَامِهِ عَلَى الْجُمَلِ، وَاسْتَضْعَفَهَا. وَوَجْهُ اسْتِضْعَافِهَا أَنَّهَا غَيْرُ حَاصِرَةٍ، لِأَنَّ الْقِسْمَةَ الْعَقْلِيَّةَ تَقْتَضِي قِسْمًا رَابِعًا، وَهُوَ الْمُخْبَرُ عَنْهُ لَا بِهِ. قُلْتُ: هُوَ كَذَلِكَ، لَكِنَّ هَذَا إِنَّمَا تُرِكَ لِعَدَمِ تَصَوُّرِهِ، لَا لِكَوْنِهِ أُهْمِلَ ذِكْرُهُ مَعَ إِمْكَانِهِ. وَوَجْهُ عَدَمِ تَصَوُّرِهِ أَنَّ كُلَّ مُخْبَرٍ عَنْهُ يَصِحُّ أَنْ يُخْبَرَ بِهِ وَلَا عَكْسَ، فَالْمُخْبَرُ عَنْهُ أَخَصُّ مِنَ الْمُخْبَرِ بِهِ، فَلَوْ وُجِدَ الْمُخْبَرُ عَنْهُ بِدُونِ الْمُخْبَرِ بِهِ، لَوُجِدَ الْأَخَصُّ بِدُونِ الْأَعَمِّ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَيَتَّضِحُ هَذَا بِأَنْ يُجْعَلَ مَكَانَ الْإِخْبَارِ الْإِسْنَادُ، فَنَقُولُ: اللَّفْظُ إِمَّا أَنْ يَصِحَّ أَنْ يَكُونَ مُسْنَدًا، وَمُسْنَدًا إِلَيْهِ، وَهُوَ الِاسْمُ، أَوْ لَا مُسْنَدًا وَلَا مُسْنَدًا إِلَيْهِ، وَهُوَ الْحَرْفُ، أَوْ مُسْنَدًا إِلَيْهِ، وَهُوَ الْفِعْلُ، أَوْ مُسْنَدًا إِلَيْهِ لَا مُسْنَدًا، وَهُوَ مُحَالٌ، لِأَنَّ كُلَّ مُسْنَدٍ إِلَيْهِ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُسْنَدًا إِلَى مِثْلِهِ، أَوْ أَقْوَى مِنْهُ، وَلَيْسَ كُلُّ مُسْنَدٍ يَصِحُّ

стр. 495

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَنْ يَكُونَ مُسْنَدًا إِلَيْهِ، لِجَوَازِ أَنْ يَحْتَاجَ لِضَعْفِهِ إِلَى أَنْ يُسْنَدَ، وَيَضْعُفَ لِذَلِكَ عَنْ أَنْ يُسْنَدَ إِلَيْهِ. وَاعْتُبِرَ ذَلِكَ بِالْمَحْسُوسَاتِ، فَالْمُسْنَدُ إِلَيْهِ أَخَصُّ مِنَ الْمُسْنَدِ، فَلَوْ وُجِدَ الْمُسْنَدُ إِلَيْهِ بِدُونِ صِحَّةِ كَوْنِهِ مُسْنَدًا، لَزِمَ وُجُودُ الْأَخَصِّ بِدُونِ الْأَعَمِّ، وَهُوَ مُحَالٌ.

стр. 496

وَ الْكَلَامُ مَا تَضَمَّنَ كَلِمَتَيْنِ بِالْإِسْنَادِ ، وَهُوَ نِسْبَةُ أَحَدِ الْجُزْئَيْنِ إِلَى الْآخَرِ لِإِفَادَةِ الْمُخَاطَبِ. وَقِيلَ: اللَّفْظُ الْمُرَكَّبُ الْمُفِيدُ بِالْوَضْعِ، وَشَرْطُهُ الْإِفَادَةُ. وَلَا يَأْتَلِفُ إِلَّا مِنِ اسْمَيْنِ، نَحْوَ زَيْدٌ قَائِمٌ. أَوْ فِعْلٍ وَاسْمٍ، نَحْوَ قَامَ زَيْدٌ. فَالْأُولَى جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ. وَالثَّانِيَةُ فِعْلِيَّةٌ، وَيَا زَيْدُ، وَالشَّرْطِيَّةُ، نَحْوَ إِنْ تَقُمْ أَقُمْ، فِعْلِيَّتَانِ. ــ قَوْلُهُ: " وَالْكَلَامُ مَا تَضَمَّنَ كَلِمَتَيْنِ بِالْإِسْنَادِ "، إِنَّمَا قَالَ: مَا تَضَمَّنَ، وَلَمْ يَقُلْ: مَا تَأَلَّفَ أَوْ تَرَكَّبَ مِنْ كَلِمَتَيْنِ لِيَدْخُلَ فِيهِ مِثْلُ: اضْرِبْ، وَنَحْوِهِ مِمَّا أَحَدُ جُزْئَيْهِ غَيْرُ مَلْفُوظٍ بِهِ، لَكِنَّهُ فِي ضِمْنِ الْمَلْفُوظِ بِهِ، وَالتَّضَمُّنُ أَخَصُّ مِنَ التَّرْكِيبِ وَالتَّأْلِيفِ، لِأَنَّ التَّرْكِيبَ وَالتَّأْلِيفَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ شَيْئَيْنِ يُرَكَّبُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ أَوْ يَأْلَفُهُ، بِخِلَافِ التَّضَمُّنِ، فَإِنَّهُ حُصُولُ شَيْءٍ فِي ضِمْنِ شَيْءٍ آخَرَ: فِي طَيِّهِ، فَقَدْ لَا يَكُونُ مَلْفُوظًا بِهِ، كَالْفَاعِلِ فِي فِعْلِ الْأَمْرِ، وَفِي الْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ إِذَا سَبَقَهُ ظَاهِرٌ يَرْجِعُ إِلَيْهِ، نَحْوَ: اضْرِبْ، وَزَيْدٌ ضَرَبَ وَيَضْرِبُ. فَقَوْلُهُ: " مَا تَضَمَّنَ كَلِمَتَيْنِ " يَشْمَلُ مَا كَانَ بِالْإِسْنَادِ وَبِدُونِهِ، كَالْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إِلَيْهِ، نَحْوَ: غُلَامُ زَيْدٍ، وَالصِّفَةِ وَالْمَوْصُوفِ، نَحْوَ: رَجُلٌ صَالِحٌ، لَكِنَّ هَذَا لَيْسَ بِكَلَامٍ مَا لَمْ يَكُنِ التَّضَمُّنُ الْمَذْكُورُ إِسْنَادِيًّا، فَلَمَّا قَالَ: " بِالْإِسْنَادِ " خَرَجَ ذَلِكَ، وَصَارَ الْحَدُّ مَقْصُورًا عَلَى التَّضَمُّنِ الْإِسْنَادِيِّ، نَحْوَ: زَيْدٌ قَائِمٌ، وَقَامَ زَيْدٌ. قَوْلُهُ: " وَهُوَ " يَعْنِي الْإِسْنَادَ، " نِسْبَةُ أَحَدِ الْجُزْئَيْنِ إِلَى الْآخَرِ إِفَادَةُ الْمُخَاطَبِ " فَائِدَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، يَحْسُنُ السُّكُوتُ عَلَيْهَا، فَفِي قَوْلِنَا: زَيْدٌ قَائِمٌ، قَدْ نَسَبْنَا أَحَدَ الْجُزْئَيْنِ، وَهُوَ قَائِمٌ، إِلَى الْجُزْءِ الْآخَرِ، وَهُوَ: زَيْدٌ، وَكَذَلِكَ فِي قَامَ زَيْدٌ: نَسَبْنَا

стр. 497

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَامَ، وَهُوَ الْفِعْلُ، إِلَى الْفَاعِلِ، وَهُوَ زَيْدٌ، هَذَا فِي الْإِثْبَاتِ. وَأَمَّا فِي قَوْلِنَا: زَيْدٌ لَيْسَ بِقَائِمٍ، وَمَا قَامَ زَيْدٌ، فَالنِّسْبَةُ كَذَلِكَ لَكِنَّهَا بِالنَّفْيِ. قَوْلُهُ: " وَقِيلَ: اللَّفْظُ "، أَيْ: وَقِيلَ: الْكَلَامُ هُوَ اللَّفْظُ " الْمُرَكَّبُ الْمُفِيدُ بِالْوَضْعِ ". هَذَا الْحَدُّ ذَكَرَهُ ابْنُ مُعْطِي فِي " الْفُصُولِ " وَغَيْرِهِ، وَالْأَوَّلُ ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ. فَقَوْلُهُ: " اللَّفْظُ ": احْتِرَازٌ مِنَ الْعَقْدِ، وَالْإِشَارَةِ، وَالْكِتَابَةِ، وَنَحْوِهَا مِمَّا لَيْسَ بِلَفْظٍ. وَقَوْلُهُ: " الْمُرَكَّبُ ": احْتِرَازٌ مِنَ اللَّفْظِ الْمُفْرَدِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِكَلَامٍ، إِذْ شَرْطُ الْكَلَامِ التَّرْكِيبُ، لِأَنَّهُ خَبَرٌ وَحَدِيثٌ، فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَقَلِّ مَا يَكُونُ مِنْ مُخْبَرٍ بِهِ، وَمُخْبَرٍ عَنْهُ، أَوْ مُحْدَثْ بِهِ، وَمُحْدَثٍ عَنْهُ، يُرَكَّبُ أَحَدُهُمَا مَعَ الْآخَرِ. وَقَوْلُهُ: " الْمُفِيدُ ": احْتِرَازٌ مِنَ الْمُرَكَّبِ غَيْرِ الْمُفِيدِ، كَالْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إِلَيْهِ، وَالْمَوْصُوفِ وَالصِّفَةِ. وَقَوْلُهُ: " بِالْوَضْعِ ": احْتِرَازٌ مِنَ الْمُفِيدِ لَا بِالْوَضْعِ، بَلْ بِالْعَقْلِ، كَدَلَالَةِ الصَّوْتِ عَلَى مُصَوِّتٍ وَرَاءَ حِجَابٍ، أَوْ بِالطَّبْعِ، كَدَلَالَةِ أَحْ عَلَى أَذَى الصَّدْرِ، وَأَخْ عَلَى الْهَمِّ وَالْغَمِّ. ثُمَّ هَاهُنَا بَحْثَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ بَيْنَ الْكَلَامِ وَالْكَلِمِ عُمُومًا وَخُصُوصًا، فَبَعْضُ الْكَلِمِ كَلَامٌ، وَهُوَ مَا إِذَا اشْتَمَلَ عَلَى الْإِسْنَادِ الْمُفِيدِ، نَحْوَ: زَيْدٌ فِي الدَّارِ، وَبَعْضُ الْكَلَامِ كَلِمٌ، وَهُوَ مَا إِذَا تَضَمَّنَ ثَلَاثَ كَلِمَاتٍ فَصَاعِدًا، لِأَنَّ الْكَلِمَ جَمْعٌ، وَأَقَلُّهُ ثَلَاثٌ، فَقَوْلُنَا: زَيْدٌ

стр. 498

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فِي الدَّارِ: كَلِمٌ وَكَلَامٌ، وَزَيْدٌ قَائِمٌ: كَلَامٌ لَا كَلِمٌ، وَزَيْدٌ مِنْ عَنْ هَلْ: كَلِمٌ لَا كَلَامٌ، وَمِنْ عَنْ: لَا كَلَامٌ وَلَا كَلِمٌ، لَا مُفِيدٌ، وَلَا ثَلَاثُ كَلِمَاتٍ، بَلْ هُوَ كَلِمَتَانِ. الْبَحْثُ الثَّانِي: زَعَمُوا أَنَّ الْكَلَامَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْكَلْمِ، وَهُوَ الْجُرْحُ، فَلِذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُفِيدًا، أَيْ: يُؤَثِّرُ فِي نَفْسِ السَّامِعِ فَائِدَةً، كَمَا يُؤَثِّرُ الْجُرْحُ فِي نَفْسِ الْمَجْرُوحِ أَلَمًا. وَهَذَا يَرُدُّ عَلَيْهِ الْكَلِمَ، فَإِنَّهُ مِنْ مَادَّةِ الْكَلَامِ، فَيَقْتَضِي أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِمَّا اشْتُقَّ مِنْهُ الْكَلَامُ، مَعَ أَنَّ الْكَلِمَ لَا يَسْتَلْزِمُ الْفَائِدَةَ. وَيُجَابُ عَنْهُ: بِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ بَعْضَ الْكَلِمِ، وَجَمِيعَ الْكَلَامِ مُفِيدٌ، فَاعْتُبِرَ فِي الِاشْتِقَاقِ الْأَكْبَرِ، وَهُوَ مُفِيدٌ، أَعْنِي الْكَلَامَ وَبَعْضَ الْكَلِمِ، وَهُوَ أَكْثَرُ الْأَلْفَاظِ، فَكَانَ غَالِبُهَا مُفِيدًا، فَصَحَّ الِاشْتِقَاقُ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ. قَوْلُهُ: " وَشَرْطُهُ الْإِفَادَةُ "، أَيْ: شَرْطُ الْكَلَامِ الْإِفَادَةُ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ مُقْتَضَى الِاشْتِقَاقِ، وَمِنْ كَوْنِهِ إِخْبَارًا، فَيَحْتَاجُ إِلَى مُخْبَرٍ بِهِ وَمُخْبَرٍ عَنْهُ. قَوْلُهُ: " وَلَا يَأْتَلِفُ إِلَّا مِنِ اسْمَيْنِ، نَحْوَ: زَيْدٌ قَائِمٌ، أَوْ فِعْلٍ وَاسْمٍ، نَحْوَ: قَامَ زَيْدٌ "، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَاصِلَ مِنْ تَرْكِيبِ الْكَلِمِ الثَّلَاثِ بَعْضُهَا مَعَ بَعْضٍ سِتَّةُ تَرَاكِيبَ بِلَا تَكْرَارٍ، وَتِسْعَةٌ مَعَ تَكْرَارِ ثَلَاثَةٍ مِنْهَا، لِأَنَّهَا ثَلَاثَةٌ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَكُونُ مُرَكَّبًا مَعَ

стр. 499

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِثْلِهِ، وَمَعَ قَسِيمَيْهِ، فَهِيَ ثَلَاثَةٌ فِي ثَلَاثَةٍ تِسْعَةٌ: الِاسْمُ مَعَ اسْمٍ، أَوْ فِعْلٍ، أَوْ حَرْفٍ. وَالْفِعْلُ مَعَ فِعْلٍ، أَوِ اسْمٍ، أَوْ حَرْفٍ. وَالْحَرْفُ مَعَ حَرْفٍ، أَوِ اسْمٍ، أَوْ فِعْلٍ. وَإِذَا سَقَطَ الْمُكَرَّرُ، عَادَتْ إِلَى اسْمٍ مَعَ اسْمٍ، أَوْ فِعْلٍ، أَوْ حَرْفٍ، وَفِعْلٍ مَعَ فِعْلٍ، أَوْ حَرْفٍ، وَحَرْفٍ مَعَ حَرْفٍ. وَالْكَلَامُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ مُسْنَدٍ إِلَيْهِ، فَالِاسْمُ مَعَ الِاسْمِ كَلَامٌ، لِوُجُودِ الْمُسْنَدِ وَالْمُسْنَدِ إِلَيْهِ جَمِيعًا مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ، وَالْفِعْلُ مَعَ الِاسْمِ كَلَامٌ، لِوُجُودِهِمَا مِنْ نَوْعَيْنِ، وَالِاسْمُ مَعَ الْحَرْفِ لَيْسَ بِكَلَامٍ، لِعَدَمِ أَحَدِهِمَا الْمُسْنَدِ أَوِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ، وَالْفِعْلُ مَعَ الْفِعْلِ كَذَلِكَ، لِعَدَمِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ، وَالْفِعْلُ مَعَ الْحَرْفِ كَذَلِكَ وَأَوْلَى، وَالْحَرْفُ مَعَ الْحَرْفِ كَذَلِكَ وَأَوْلَى. قَوْلُهُ: " فَالْأُولَى جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ "، يَعْنِي: زَيْدٌ قَائِمٌ، " وَالثَّانِيَةُ " جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ " يَعْنِي: قَامَ زَيْدٌ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ: أَنَّ الَّتِي أَوَّلُ جُزْئَيْهَا اسْمٌ: اسْمِيَّةٌ، وَإِنْ كَانَ آخِرُ جُزْئَيْهَا فِعْلًا، نَحْوَ: زَيْدٌ قَامَ، وَالَّتِي أَوَّلُ جُزْئَيْهَا فِعْلٌ: فِعْلِيَّةٌ، وَلَا يَكُونُ آخِرُ جُزْئَيْهَا إِلَّا اسْمًا، نَحْوَ قَامَ زَيْدٌ. وَقَوْلُهُ: " وَيَا زَيْدُ، وَالشَّرْطِيَّةُ نَحْوَ: إِنْ تَقُمْ أَقُمْ فِعْلِيَّتَانِ ". هَذَا عَلَى سَبِيلِ الضَّمِّ لِمُنْتَشِرِ الْجُمَلِ، وَرَدَّ الْجَمِيعَ إِلَى انْحِصَارٍ فِي الِاسْمِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ، وَدَفْعًا لِنَقْضِ قَوْلِنَا: إِنَّ الْكَلَامَ لَا يَأْتَلِفُ إِلَّا مِنِ اسْمَيْنِ، أَوْ فِعْلٍ وَاسْمٍ. بِقَوْلِهِمْ: يَا زَيْدُ، فَإِنَّهُ كَلَامٌ مُفِيدٌ، وَهُوَ مِنْ حَرْفٍ وَاسْمٍ.

стр. 500

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالْجَوَابُ أَنَّ يَا زَيْدُ وَإِنْ كَانَ حَرْفًا وَاسْمًا فِي اللَّفْظِ، فَإِنَّهُ فِعْلٌ وَاسْمٌ فِي الْمَعْنَى، فَإِنَّ " يَا " نَائِبَةٌ مَنَابَ أَدْعُو، أَوْ أُنَادِي، فَقَوْلُكَ: يَا زَيْدُ، تَقْدِيرُهُ: أَدْعُو زَيْدًا، أَوْ أُنَادِي زَيْدًا، وَلِهَذَا كَانَ الْمُنَادَى الْمَبْنِيُّ عَلَى الضَّمِّ، نَحْوَ: يَا زَيْدُ، وَيَا رَجُلُ، وَاقِعًا مَوْقِعَ الْمَنْصُوبِ، نَظَرًا إِلَى الْفِعْلِ الَّذِي نَابَتْ عَنْهُ " يَا "، فَلَوْ قِيلَ: لَا يَأْتَلِفُ الْكَلَامُ إِلَّا مِنِ اسْمَيْنِ، أَوْ فِعْلٍ وَاسْمٍ، لَفْظًا أَوْ تَقْدِيرًا، لَانْدَفَعَ هَذَا النَّقْضُ بِـ " يَا زَيْدُ "، لِأَنَّهُ فِعْلٌ وَاسْمٌ تَقْدِيرًا. وَأَمَّا ذِكْرُنَا لِلْجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ، فَلِأَنَّ النُّحَاةَ يَقُولُونَ: الْجُمْلَةُ إِمَّا اسْمِيَّةٌ، نَحْوَ: زَيْدٌ قَائِمٌ، أَوْ فِعْلِيَّةٌ، نَحْوَ: قَامَ زَيْدٌ، أَوْ ظَرْفِيَّةٌ، نَحْوَ: زَيْدٌ عِنْدَكَ، وَعَمْرٌو فِي الدَّارِ، أَوْ شَرْطِيَّةٌ نَحْوَ: إِنْ تَقُمْ أَقُمْ. وَعِنْدَ التَّحْقِيقِ يَظْهَرُ أَنَّ الظَّرْفِيَّةَ اسْمِيَّةٌ، وَالشَّرْطِيَّةَ فِعْلِيَّةٌ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّ الظَّرْفَ فِي الظَّرْفِيَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِالْخَبَرِ، وَهُوَ اسْمٌ أَوْ فِعْلٌ، فَالتَّقْدِيرُ: زَيْدٌ مُسْتَقِرٌّ عِنْدَكَ، أَوِ اسْتَقَرَّ عِنْدَكَ، وَعَمْرٌو مُسْتَقِرٌّ فِي الدَّارِ، أَوِ اسْتَقَرَّ فِي الدَّارِ. وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يَرْجِعُ إِلَى الِاسْمِيَّةِ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّ حَرْفَ الشَّرْطِ رَبَطَ بَيْنَ جُمْلَتَيْنِ فِعْلِيَّتَيْنِ، إِذِ التَّقْدِيرُ: إِنْ تَقُمْ أَنْتَ أَقُمْ أَنَا، وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْجُمْلَتَيْنِ مُرَكَّبَةٌ مِنْ فِعْلٍ وَفَاعِلٍ، فَهِيَ إِذًا رَاجِعَةٌ إِلَى الْفِعْلِيَّةِ.

стр. 501

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نَعَمْ هَاهُنَا تَنْبِيهٌ، وَهُوَ أَنَّ الْكَلَامَ يَخْرُجُ عَنِ الْإِفَادَةِ، تَارَةً بِالزِّيَادَةِ، وَتَارَةً بِالنَّقْصِ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَإِنَّ قَوْلَنَا: قَامَ زَيْدٌ، كَلَامٌ مُفِيدٌ، فَإِذَا أَدْخَلْنَا عَلَيْهِ حَرْفَ الشَّرْطِ، كَقَوْلِنَا: إِنْ قَامَ زَيْدٌ، أَوْ لَوْ قَامَ زَيْدٌ، خَرَجَ عَنِ الْإِفَادَةِ، وَبَقِيَ مُتَوَقِّفًا عَلَى تَتِمَّةٍ تَحْصُلُ فِيهِ الْفَائِدَةُ، وَهُوَ جَوَابُ الشَّرْطِ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَإِنَّ قَوْلَنَا: زَيْدٌ قَائِمٌ، أَوْ قَامَ زَيْدٌ، كَلَامٌ تَامٌّ، فَإِذَا أَسْقَطْنَا أَحَدَ جُزْأَيْهِ خَرَجَ عَنِ الْإِفَادَةِ. وَعَكْسُ هَذَا أَنَّ الْكَلِمَ يَخْرُجُ إِلَى الْفَائِدَةِ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَقَوْلُنَا: زَيْدٌ: لَيْسَ بِمُفِيدٍ فَإِذَا قُلْنَا: قَائِمٌ، أَوْ قَامَ. بَعْدَهُ، أَوْ قَبْلَهُ، صَارَ مُفِيدًا جُمْلَةً اسْمِيَّةً أَوْ فِعْلِيَّةً. وَأَمَّا الثَّانِي: فَقَوْلُنَا: إِنْ قَامَ زَيْدٌ، فَهُوَ غَيْرُ مُفِيدٍ، فَإِذَا أَسْقَطْنَا حَرْفَ الشَّرْطِ، بَقِيَ جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ مُفِيدَةٌ.

стр. 502

وَ الْكَلَامُ: نَصٌّ، وَظَاهِرٌ، وَمُجْمَلٌ . فَالنَّصُّ لُغَةً: الْكَشْفُ وَالظُّهُورُ، وَمِنْهُ نَصَّتِ الظَّبْيَةُ رَأْسَهَا، أَيْ: رَفَعَتْهُ وَأَظْهَرَتْهُ، وَمِنْهُ مِنَصَّةُ الْعَرُوسِ. وَاصْطِلَاحًا: الصَّرِيحُ فِي مَعْنَاهُ، وَقِيلَ: مَا أَفَادَ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ احْتِمَالٍ. وَحُكْمُهُ، أَنْ لَا يُتْرَكَ إِلَّا بِنَسْخٍ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى مَا تَطَرَّقَ إِلَيْهِ احْتِمَالٌ يُعَضِّدُهُ دَلِيلٌ، وَعَلَى الظَّاهِرِ، وَلَا مَانِعَ مِنْهُ، إِذِ الِاشْتِقَاقُ الْمَذْكُورُ يَجْمَعُهُمَا. ــ قَوْلُهُ: «وَالْكَلَامُ نَصٌّ وَظَاهِرٌ وَمُجْمَلٌ» . قُلْتُ: انْتَهَى مَا كَانَ اتَّفَقَ ذِكْرُهُ مِنْ كُلِّيَّاتِ مَبَاحِثِ الْعَرَبِيَّةِ وَمُقَدِّمَاتِهَا، وَالْكَلَامُ مِنَ الْآنَ فِي مَبَاحِثَ أُصُولِيَّةٍ، أَعْنِي: شَأْنُهَا فِي الْعَادَةِ أَنْ تُذْكَرَ فِي الْأُصُولِ، وَإِنْ كَانَ مَوْضُوعُهَا الْأَلْفَاظَ، فَهِيَ كَأَنَّهَا ذَاتُ وَجْهَيْنِ: مِنْ جِهَةِ الْعَادَةِ أُصُولِيَّةٌ، وَمِنْ جِهَةِ التَّحْقِيقِ لُغَوِيَّةٌ. وَوَجْهُ انْحِصَارِ الْكَلَامِ فِي النَّصِّ وَالظَّاهِرِ وَالْمُجْمَلِ: هُوَ أَنَّ اللَّفْظَ إِمَّا أَنْ يَحْتَمِلَ مَعْنًى وَاحِدًا فَقَطْ، أَوْ يَحْتَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ مَعْنًى وَاحِدٍ، وَالْأَوَّلُ النَّصُّ، وَالثَّانِي: إِمَّا أَنْ يَتَرَجَّحَ فِي أَحَدِ مَعْنَيَيْهِ أَوْ مَعَانِيهِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، أَوْ لَا يَتَرَجَّحَ، وَهُوَ الْمُجْمَلُ. قَوْلُهُ: «فَالنَّصُّ لُغَةً: الْكَشْفُ وَالظُّهُورُ» إِلَى آخِرِهِ. أَيِ: النَّصُّ فِي اللُّغَةِ هُوَ مَا ذُكِرَ «وَمِنْهُ: نَصَّتِ الظَّبْيَةُ رَأْسَهَا، أَيْ: رَفَعَتْهُ وَأَظْهَرَتْهُ، وَمِنْهُ: مِنَصَّةُ الْعَرُوسِ» : وَهُوَ الْكُرْسِيُّ الَّذِي تَجْلِسُ عَلَيْهِ لِظُهُورِهَا عَلَيْهِ. قُلْتُ: النَّصُّ فِي اللُّغَةِ: هُوَ الرَّفْعُ إِلَى غَايَةِ مَا يَنْبَغِي. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: قَوْلُهُمْ نَصَصْتُ نَاقَتِي، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: النَّصُّ: السَّيْرُ الشَّدِيدُ حَتَّى يَسْتَخْرِجَ أَقْصَى مَا

стр. 503

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عِنْدَهَا، قَالَ: وَلِهَذَا قِيلَ: نَصَصْتُ الشَّيْءَ: رَفَعْتُهُ، وَمِنْهُ مِنَصَّةُ الْعَرُوسِ، وَنَصَصْتُ الْحَدِيثَ إِلَى فُلَانٍ، أَيْ: رَفَعْتُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ: وَجِيدٍ كَجِيدِ الرِّيمِ لَيْسَ بِفَاحِشٍ ... إِذَا هِيَ نَصَّتْهُ وَلَا بِمُعَطَّلِ قَوْلُهُ: «وَاصْطِلَاحًا» ، أَيْ: وَالنَّصُّ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ هُوَ الصَّرِيحُ فِي مَعْنَاهُ. وَالصَّرِيحُ: الْخَالِصُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَمَعْنَى كَوْنِ النَّصِّ هُوَ «الصَّرِيحَ فِي مَعْنَاهُ» : كَوْنُهُ خَالِصَ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ، لَا يَشُوبُهُ احْتِمَالُ دَلَالَةٍ عَلَى غَيْرِهِ. وَقِيلَ: هُوَ «مَا أَفَادَ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ احْتِمَالٍ» ، فَقَوْلُهُ: مَا أَفَادَ بِنَفْسِهِ: احْتِرَازٌ مِمَّا لَا يُفِيدُ بِنَفْسِهِ، بَلْ بِانْضِمَامِ غَيْرِهِ إِلَيْهِ، كَالْقَرِينَةِ فِي الْمَجَازِ وَالْمُشْتَرَكِ، وَالْبَيَانِ فِي الْمُجْمَلِ. وَقَوْلُهُ: «مِنْ غَيْرِ احْتِمَالٍ» : احْتِرَازٌ مِمَّا أَفَادَ بِنَفْسِهِ مَعَ احْتِمَالِ غَيْرِ مَا أَفَادَهُ، كَالظَّاهِرِ عَلَى مَا قَدْ ذُكِرَ فِيهِ، وَهَذَانِ التَّعْرِيفَانِ لِلنَّصِّ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْعُلَمَاءِ فِي النَّصِّ ثَلَاثَةَ اصْطِلَاحَاتٍ: أَحَدُهَا: مَا دَلَّ عَلَى مَعْنًى قَطْعًا، وَلَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ قَطْعًا، كَأَسْمَاءِ الْأَعْدَادِ نَحْوَ: أَحَدٍ، اثْنَيْنِ، ثَلَاثَةٍ. وَالثَّانِي: مَا دَلَّ عَلَى مَعْنًى قَطْعًا، وَإِنِ احْتَمَلَ غَيْرَهُ، كَصِيَغِ الْجُمُوعِ فِي الْعُمُومِ، تَدُلُّ عَلَى أَقَلِّ الْجَمْعِ قَطْعًا، مَعَ احْتِمَالِهَا الِاسْتِغْرَاقَ.

стр. 504

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالثَّالِثُ: مَا دَلَّ عَلَى مَعْنًى كَيْفَ كَانَ. وَمَأْخَذُ هَذِهِ الِاصْطِلَاحَاتِ: أَنَّ مَنْ لَاحَظَ مَعْنَى النَّصِّ لُغَةً حَمَلَ عَلَيْهِ الِاصْطِلَاحَ الْأَوَّلَ، لِأَنَّهُ بَلَغَ مُنْتَهَى الْبَيَانِ وَغَايَتَهُ، وَلِهَذَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي «الْعُدَّةِ» : النَّصُّ، قِيلَ: مَا رُفِعَ فِي بَيَانِهِ إِلَى أَقْصَى غَايَتِهِ، وَمِنْهُ مِنَصَّةُ الْعَرُوسِ، لِأَنَّهَا تُرْفَعُ عَلَى سَائِرِ النِّسَاءِ. وَمَنْ لَاحَظَ أَصْلَ الظُّهُورِ وَالِارْتِفَاعِ، حَمَلَ عَلَيْهِ الِاصْطِلَاحَ الثَّالِثَ. وَمَنْ تَوَسَّطَ بَيْنَهُمَا، حَمَلَ عَلَيْهِ الِاصْطِلَاحَ الثَّانِيَ. قُلْتُ: الْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِاللُّغَةِ، وَهُوَ مُرَادُ أَصْحَابِنَا بِقَوْلِهِمْ: نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، أَوْ هُوَ مَنْصُوصُ أَحْمَدَ، وَالثَّالِثُ هُوَ الْغَالِبُ فِي اسْتِعْمَالِ الْفُقَهَاءِ فِي الِاسْتِدْلَالِ، حَيْثُ يَقُولُونَ: لَنَا النَّصُّ وَالْمَعْنَى، وَدَلَّ النَّصُّ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ. قَوْلُهُ: «وَحُكْمُهُ» ، أَيْ: وَحُكْمُ النَّصِّ، أَيْ: قَضَاءُ الشَّرْعِ فِيهِ «أَنْ لَا يُتْرَكَ إِلَّا بِنَسْخٍ» ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّسْخَ رَافِعٌ لِحُكْمِ الْمَنْسُوخِ، نَصًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، أَمَّا مَعَ عَدَمِ النَّسْخِ وَنُصُوصِيَّةِ اللَّفْظِ، فَتَرْكُهُ يَكُونُ عِنَادًا وَمُرَاغَمَةً لِلشَّرْعِ، فَيَدْخُلُ تَارِكُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٣٤] ، إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٣٦] ، وَأَشْبَاهِهَا مِنَ الْآيَاتِ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا سَوَاءً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ إِلَّا أَنَّ بَيْنَهُمَا قَدْرًا مُشْتَرَكًا، وَهُوَ التَّرْكُ مُرَاغَمَةً وَاجْتِرَاءً عَلَى الشَّرْعِ. قَوْلُهُ: «وَقَدْ يُطْلَقُ» ، يَعْنِي النَّصَّ، «عَلَى مَا تَطَرَّقَ إِلَيْهِ احْتِمَالٌ يُعَضِّدُهُ دَلِيلٌ» وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاحْتِمَالَ الْمَذْكُورَ مَعَ الدَّلِيلِ الْعَاضِدِ لَهُ صَارَ كَالظَّاهِرِ، وَالظَّاهِرُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ لَفْظُ النَّصِّ، كَمَا يَأْتِي بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 505

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَمِثَالُهُ قَوْلُهُ : ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦] ، بِكَسْرِ اللَّامِ، هُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ فَرْضَ الرِّجْلَيْنِ الْمَسْحُ مَعَ احْتِمَالِهِ الْغَسْلَ، فَاحْتِمَالُهُ الْغَسْلَ مَعَ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَيْهِ يُسَمَّى نَصًّا، لِأَنَّهُ صَارَ مُسَاوِيًا لِلظَّاهِرِ فِي الْمَسْحِ، وَرَاجِحًا عَلَيْهِ، كَمَا تَقَرَّرَ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، حَتَّى إِنَّهُ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَقُولَ: ثَبَتَ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ بِالنَّصِّ. وَقَوْلُهُ: «مَا تَطَرَّقَ إِلَيْهِ احْتِمَالٌ يُعَضِّدُهُ دَلِيلٌ» : احْتِرَازٌ مِمَّا تَطَرَّقَ إِلَيْهِ احْتِمَالٌ مُجَرَّدٌ، لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ نَصٌّ وَلَا ظَاهِرٌ، وَذَلِكَ كَاحْتِمَالِ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَسْحِ الرُّءُوسِ غَسْلُهَا، فِي قَوْلِهِ : ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ ، إِذْ لَا دَلِيلَ عَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ. فَأَمَّا اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ غَسْلَ الرَّأْسِ هَلْ يُجْزِئُ عَنْ مَسْحِهِ أَمْ لَا؟ فَلَيْسَ بِنَاءً عَلَى الِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ، بَلْ عَلَى أَنَّ الرَّأْسَ اخْتُصَّ بِالْمَسْحِ تَعَبُّدًا، أَوْ تَخْفِيفًا لِمَشَقَّةِ غَسْلِهِ غَالِبًا، لِمُلَازَمَةِ الْحَالِ لَهُ عَادَةً. قَوْلُهُ: «وَعَلَى الظَّاهِرِ» ، أَيْ: وَيُطْلَقُ النَّصُّ عَلَى الظَّاهِرِ أَيْضًا، «وَلَا مَانِعَ مِنْهُ» ، أَيْ: مِنْ إِطْلَاقِ لَفْظِ النَّصِّ عَلَيْهِ، «إِذِ الِاشْتِقَاقُ الْمَذْكُورُ يَجْمَعُهُمَا» ، يَعْنِي اشْتِقَاقَ النَّصِّ مِنْ مَعْنَى الِارْتِفَاعِ وَالظُّهُورِ يَجْمَعُ النَّصَّ وَالظَّاهِرَ، أَيْ: يَلْتَقِيَانِ فِيهِ عَلَى حَدٍّ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا مِنْهُ، فَالنَّصُّ مُرْتَفِعٌ ظَاهِرٌ فِي الدَّلَالَةِ، وَالظَّاهِرُ كَذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّ النَّصَّ

стр. 506

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَشَدُّ ظُهُورًا وَارْتِفَاعًا، فَبِاعْتِبَارِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا مِنَ الِارْتِفَاعِ وَالظُّهُورِ، جَازَ إِطْلَاقُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، كَمَا جَازَ إِطْلَاقُ الْعِلْمِ عَلَى الظَّنِّ، لِمَا اشْتَرَكَا فِيهِ مِنَ الرُّجْحَانِ كَمَا سَبَقَ، وَهَذَا قَدْ سَبَقَ نَحْوُهُ عِنْدَ ذِكْرِ الِاصْطِلَاحَاتِ فِي النَّصِّ.

стр. 507

وَ الظَّاهِرُ: حَقِيقَةً، هُوَ الِاحْتِمَالُ الْمُتَبَادِرُ، وَاسْتِعْمَالًا، اللَّفْظُ الْمُحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ فَأَكْثَرَ، هُوَ فِي أَحَدِهَا أَظْهَرُ، أَوْ مَا بَادَرَ مِنْهُ عِنْدَ إِطْلَاقِهِ مَعْنًى مَعَ تَجْوِيزِ غَيْرِهِ، وَلَا يُعْدَلُ عَنْهُ إِلَّا بِتَأْوِيلٍ، وَهُوَ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ لِدَلِيلٍ يَصِيرُ بِهِ الْمَرْجُوحُ رَاجِحًا. ــ قَوْلُهُ: «وَالظَّاهِرُ حَقِيقَةً» أَيْ: فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، هُوَ الشَّاخِصُ الْمُرْتَفِعُ، وَمِنْهُ قِيلَ لِأَشْرَافِ الْأَرْضِ: ظَوَاهِرُ. وَالظَّاهِرُ خِلَافُ الْبَاطِنِ، وَلِذَلِكَ قَابَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي صِفَاتِهِ الْكَرِيمَةِ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الْحَدِيدِ: ٣] ، وَكَمَا أَنَّ الْمُرْتَفِعَ مِنَ الْأَشْخَاصِ هُوَ الظَّاهِرُ الَّذِي تُبَادِرُ إِلَيْهِ الْأَبْصَارُ، فَكَذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُتَبَادِرُ مِنَ اللَّفْظِ، هُوَ الظَّاهِرُ الَّذِي تُبَادِرُ إِلَيْهِ الْبَصَائِرُ وَالْأَفْهَامُ. أَمَّا إِطْلَاقُ الظَّاهِرِ عَلَى اللَّفْظِ الْمُحْتَمَلِ أُمُورًا، هُوَ فِي أَحَدِهَا أَرْجَحُ، فَهَذَا اصْطِلَاحٌ لَا حَقِيقَةٌ. قَوْلُهُ: «وَاسْتِعْمَالًا» ، أَيْ: وَالظَّاهِرُ فِي اسْتِعْمَالِ الْفُقَهَاءِ: هُوَ «اللَّفْظُ الْمُحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ فَأَكْثَرَ هُوَ فِي أَحَدِهَا أَظْهَرُ» وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: هُوَ فِي أَحَدِهَا أَرْجَحُ دَلَالَةٍ، لِئَلَّا يَصِيرَ تَعْرِيفًا لِلظَّاهِرِ بِنَفْسِهِ، كَمَا سَبَقَ فِي تَعْرِيفِ الْعِلْمِ، بِأَنَّهُ مَعْرِفَةُ الْمَعْلُومِ. فَقَوْلُنَا: هُوَ اللَّفْظُ الْمُحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: احْتِرَازٌ مِنَ اللَّفْظِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا مَعْنًى وَاحِدًا، فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ النَّصُّ كَمَا سَبَقَ. وَقَوْلُنَا: فَأَكْثَرَ. لِأَنَّ اللَّفْظَ قَدْ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ وَمَعَانِيَ، وَلِهَذَا قُلْنَا: هُوَ فِي أَحَدِهَا

стр. 508

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَرْجَحُ، لِأَنَّ الْمَعْنَيَيْنِ فَأَكْثَرَ جَمْعٌ لَا تَثْنِيَةٌ، فَكَانَ ذَلِكَ أَجْوَدَ مِنْ قَوْلِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ: مَا احْتَمَلَ مَعْنَيَيْنِ هُوَ فِي أَحَدِهِمَا أَظْهَرُ. قَوْلُهُ: «أَوْ مَا بَادَرَ مِنْهُ عِنْدَ إِطْلَاقِهِ مَعْنًى، مَعَ تَجْوِيزِ غَيْرِهِ» . هَذَا تَخْيِيرٌ بَيْنَ التَّعْرِيفَيْنِ، أَيِ: الظَّاهِرُ هُوَ اللَّفْظُ الْمُحْتَمَلُ، إِلَى آخِرِهِ، أَوِ اللَّفْظُ الْمُتَبَادِرُ مِنْهُ مَعْنًى، مَعَ تَجْوِيزِ غَيْرِهِ، بِأَيِّهِمَا شِئْتَ عَرِّفْهُ، لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ. فَقَوْلُنَا: «مَا بَادَرَ مِنْهُ عِنْدَ إِطْلَاقِهِ» احْتِرَازٌ مِمَّا لَا يَتَبَادَرُ مِنْهُ عِنْدَ إِطْلَاقِهِ مَعْنًى، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُجْمَلُ، كَالْقُرْءِ عِنْدَ إِطْلَاقِهِ، لَا يَتَبَادَرُ مِنْهُ حَيْضٌ وَلَا طُهْرٌ. وَقَوْلُنَا: عِنْدَ إِطْلَاقِهِ: احْتِرَازٌ مِمَّا كَانَتْ مُبَادَرَةُ الْمَعْنَى مِنْهُ لَا عِنْدَ إِطْلَاقِهِ فَقَطْ، بَلْ مَعَ قَرِينَةٍ أَوْ دَلِيلٍ آخَرَ، فَإِنَّ ذَلِكَ، وَإِنَّ سُمِّي ظَاهِرًا بِاعْتِبَارِ ظُهُورِ الْمُرَادِ مِنْهُ، إِلَّا أَنَّهُ مَجَازٌ، إِذْ لَيْسَ ظَاهِرًا بِذَاتِهِ، بَلْ بِالدَّلِيلِ الْخَارِجِ، وَنَحْنُ كَلَامُنَا فِي الظَّاهِرِ بِذَاتِهِ. فَلَوْ قِيلَ: مَا بَادَرَ مِنْهُ لِذَاتِهِ مَعْنًى مَعَ تَجْوِيزِ غَيْرِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ النَّصُّ كَمَا سَبَقَ. قَوْلُهُ: «وَلَا يُعْدَلُ عَنْهُ» ، أَيْ: عَنِ الظَّاهِرِ «إِلَّا بِتَأْوِيلٍ» ، أَيْ: حُكْمُ الظَّاهِرِ ذَلِكَ، كَمَا أَنَّ حُكْمَ النَّصِّ ذَلِكَ أَيْضًا، فَإِنَّ تَرْكَ الِاحْتِمَالِ الظَّاهِرِ الرَّاجِحِ إِلَى الِاحْتِمَالِ الْخَفِيِّ الْمَرْجُوحِ كَتَرْكِ النَّصِّ إِلَى غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي أَقْبَحَ وَأَفْحَشَ، إِلَّا أَنَّهُمَا مُشْتَرِكَانِ فِي قَدْرٍ مِنَ الْقُبْحِ وَالْفُحْشِ وَالتَّحْرِيمِ، وَهَذَا كَمَنْ يَقُولُ: إِنَّ قَوْلَهُ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَالْأَنْصَابِ وَالْأَزْلَامِ: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾

стр. 509

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَاجْتَنِبُوهُ، هَذَا الْأَمْرُ عَلَى النَّدْبِ، وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٩١] ، هُوَ صِيغَةُ اسْتِفْهَامٍ لَا يُفِيدُ الْأَمْرَ، فَيَكُونُ الْخَمْرُ عَلَى هَذَا مَكْرُوهًا لَا حَرَامًا، فَإِنَّ هَذَا مُرَاغَمَةٌ لِخِطَابِ الشَّرْعِ، إِذِ الْأَمْرُ بِاجْتِنَابِ ذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي الْإِيجَابِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَوَامِرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَصِيغَةُ: هَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ: هِيَ فِي عُرْفِ اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ بِمَعْنَى: انْتَهُوا، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُوا لِي صَاحِبِي، يَعْنِي الصِّدِّيقَ ﵁، أَيِ: اتْرُكُوهُ وَلَا تُؤْذُوهُ. وَلَا فَرْقَ عِنْدَنَا فِي هَذَا بَيْنَ الْفُرُوعِ الْعَمَلِيَّةِ، وَالْأُصُولِ الْعِلْمِيَّةِ الِاعْتِقَادِيَّةِ. فَالظَّوَاهِرُ الْوَارِدَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي صِفَاتِ الْبَارِئِ ﷻ ، لَنَا أَنْ نَسْكُتَ عَنْهَا، وَلَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ فِيهَا، فَإِنْ سَكَتْنَا عَنْهَا قُلْنَا: تَمُرُّ كَمَا جَاءَتْ، كَمَا نُقِلَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ وَسَائِرِ أَعْيَانِ أَئِمَّةِ السَّلَفِ، وَإِنْ تَكَلَّمْنَا فِيهَا، قُلْنَا: هِيَ عَلَى ظَوَاهِرِهَا مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ، مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ يَتَرَجَّحُ عَلَيْهَا بِالتَّأْوِيلِ، لَكِنَّ الْكَلَامَ يَبْقَى فِي ظَوَاهِرِهَا مَا هِيَ؟ فَالْجَهْمِيَّةُ لِقُصُورِ نَظَرِهِمْ وَمَعْرِفَتِهِمْ بِالْأَحْكَامِ الْإِلَهِيَّةِ، لَمْ يَفْهَمُوا مِنْهَا إِلَّا الظَّاهِرَ الْمُشَاهَدَ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، مِنْ يَدٍ، وَقَدَمٍ وَوَجْهٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ حَرَّفُوهَا عَنْ ظَوَاهِرِهَا إِلَى مَجَازَاتٍ بَعِيدَةٍ. وَنَحْنُ نَقُولُ: الْمُرَادُ بِظَوَاهِرِ النُّصُوصِ مَعَانٍ، هِيَ حَقَائِقُ فِيهَا، ثَابِتَةٌ لِلَّهِ

стр. 510

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ، مُخَالِفَةٌ لِلْمَعَانِي الْمَفْهُومَةِ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، وَذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الِاشْتِرَاكِ. فَإِنْ قِيلَ: الْأَصْلُ عَدَمُ الِاشْتِرَاكِ، قُلْنَا: وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْمَجَازِ. فَإِنْ قِيلَ: إِذَا تَعَارَضَ الْمَجَازُ وَالِاشْتِرَاكُ، فَالْمَجَازُ أَوْلَى، قُلْنَا: هَذَا تَرْجِيحٌ ظَنِّيٌّ، أَيْ: إِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الظَّنِّيَاتِ، فَإِنْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ ظَنِّيَّةً، فَلِمَ يَغْلُونَ فِي الدِّينِ، وَيَكْفُرُونَ بِهَا، أَوْ يَفْسُقُونَ، ثُمَّ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَجَازَ أَوْلَى، بَلِ الِاشْتِرَاكُ. سَلَّمْنَاهُ، لَكِنَّ الْمَجَازَ أَوْلَى مِنَ الِاشْتِرَاكِ الْمُطْلَقِ، أَوْ مِنَ الِاشْتِرَاكِ الْمُقْتَرِنِ بِقَرِينَةٍ؟ الْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ، وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ، وَنَحْنُ قَدْ دَلَّتْنَا قَرِينَةُ إِجْمَاعِ السَّلَفِ عَلَى عَدَمِ التَّأْوِيلِ، وَكَثْرَةُ الظَّوَاهِرِ وَنُصُوصِيَّةُ بَعْضِهَا فِي الْمَقْصُودِ عَلَى أَنَّهَا مَقُولَةٌ عَلَى اللَّهِ وَخَلْقِهِ بِالِاشْتِرَاكِ، وَرُبَّمَا تَعَرَّضْنَا لِلْكَلَامِ فِي هَذَا فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: «وَهُوَ» ، يَعْنِي التَّأْوِيلَ الَّذِي لَا يُتْرَكُ الظَّاهِرُ إِلَّا بِهِ، هُوَ «صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ لِدَلِيلٍ يَصِيرُ بِهِ الْمَرْجُوحُ رَاجِحًا» ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ فِي الشَّرْعِ مَعْرِفَةُ الْحَقِّ، وَالْحَقُّ قَدْ يَكُونُ دَلِيلُهُ قَاطِعًا لَا نِزَاعَ فِيهِ، فَيُوصِلُ إِلَى الْحَقِّ قَطْعًا، كَإِثْبَاتِ الصَّانِعِ وَتَوْحِيدِهِ، وَإِرْسَالِ الرُّسُلِ وَنَحْوِهِ. وَقَدْ يَكُونُ دَلِيلُهُ غَيْرَ قَاطِعٍ، فَلَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إِلَى الْحَقِّ قَطْعًا، فَيَكُونُ الْمَطْلُوبُ هُوَ الْأَرْجَحَ فَالْأَرْجَحَ، وَذَلِكَ هُوَ الْغَالِبُ فِي أَحْكَامِ الْفُرُوعِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الضَّعِيفَ قَدْ يَقْوَى بِغَيْرِهِ، حَتَّى يَصِيرَ أَقْوَى مِمَّا كَانَ

стр. 511

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَقْوَى مِنْهُ، كَمَا قِيلَ فِي الْمَثَلِ: لَا تُخَاصِمْ بِوَاحِدٍ أَهْلَ بَيْتٍ ... فَضَعِيفَانِ يَغْلِبَانِ قَوِيَّا وَهَذَا أَمْرٌ مُدْرَكٌ بِالْحِسِّ، فَكَذَلِكَ فِي دَلَالَةِ الْأَلْفَاظِ، قَدْ يَكُونُ أَحَدُ مَدْلُولَيِ اللَّفْظِ أَرْجَحَ مِنَ الْآخَرِ، لَكِنَّ ذَلِكَ الْمَدْلُولَ الْمَرْجُوحَ قَدْ يُوَافِقُهُ دَلِيلٌ مِنْ خَارِجٍ، فَإِذَا انْضَمَّ إِلَيْهِ صَارَا جَمِيعًا مُسَاوِيَيْنِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى الرَّاجِحِ، فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ عَلَى الْمُرَجَّحِ أَوِ الرَّاجِحَيْنِ عَلَيْهِ، فَيَجِبُ تَرْكُهُ وَالْعُدُولُ إِلَيْهِمَا. وَمِثَالُهُ قَوْلُهُ ﷺ : الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، فَهُوَ ظَاهِرٌ فِي ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ لِلْجَارِ الْمُلَاصِقِ وَالْمُقَابِلِ أَيْضًا، مَعَ احْتِمَالِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَارِ الشَّرِيكُ الْمُخَالِطُ، إِمَّا حَقِيقَةً، أَوْ مَجَازًا، لَكِنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ ضَعِيفٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الظَّاهِرِ، فَلَمَّا نَظَرْنَا إِلَى قَوْلِهِ ﵇: إِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِفَتِ الطُّرُقُ، فَلَا شُفْعَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، صَارَ هَذَا الْحَدِيثُ مُقَوِّيًا لِذَلِكَ الِاحْتِمَالِ الضَّعِيفِ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ، حَتَّى تَرَجَّحَا عَلَى ظَاهِرِهِ، فَقَدَّمْنَاهُمَا، وَقُلْنَا: لَا شُفْعَةَ إِلَّا لِلشَّرِيكِ الْمُقَاسِمِ. وَحَمَلْنَا عَلَيْهِ الْجَارَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ سَائِغٌ فِي اللُّغَةِ.

стр. 512

ثُمَّ قَدْ يَبْعُدُ الِاحْتِمَالُ، فَيَحْتَاجُ فِي حَمْلِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ إِلَى دَلِيلٍ قَوِيٍّ، وَقَدْ يَقْرُبُ، فَكَيْفِيَّةُ أَدْنَى دَلِيلٍ، وَقَدْ يَتَوَسَّطُ، فَكَيْفِيَّةُ مِثْلِهِ. وَالدَّلِيلُ قَرِينَةٌ، أَوْ ظَاهِرٌ آخَرُ، أَوْ قِيَاسٌ. ــ قَوْلُهُ: «ثُمَّ قَدْ يَبْعُدُ الِاحْتِمَالُ، فَيَحْتَاجُ فِي حَمْلِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ إِلَى دَلِيلٍ قَوِيٍّ، وَقَدْ يَقْرُبُ، فَيَكْفِيهِ أَدْنَى دَلِيلٍ، وَقَدْ يَتَوَسَّطُ فَيَكْفِيهِ مِثْلُهُ» . مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الِاحْتِمَالَ الْمَرْجُوحَ الْمُقَابِلَ لِلرَّاجِحِ الظَّاهِرِ، قَدْ يَكُونُ بَعِيدًا عَنِ الْإِرَادَةِ، وَقَدْ يَكُونُ قَرِيبًا مِنْهَا، وَقَدْ يَكُونُ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ الْبَعِيدِ عَنْهَا وَالْقَرِيبِ مِنْهَا، فَالِاحْتِمَالُ الْبَعِيدُ يَحْتَاجُ فِي حَمْلِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ إِلَى دَلِيلٍ قَوِيٍّ، لِتَجْبُرَ قُوَّةُ الدَّلِيلِ ضَعْفَ الِاحْتِمَالِ، فَيَقْوَيَانِ عَلَى الِاسْتِيلَاءِ عَلَى الظَّاهِرِ، وَالِاحْتِمَالُ الْقَرِيبُ يَكْفِيهِ فِي ذَلِكَ أَدْنَى دَلِيلٍ، وَهَذَا إِطْلَاقٌ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، بَلْ يَكْفِيهِ دُونَ مَا يَكْفِي الِاحْتِمَالَ الْبَعِيدَ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ هَذَا الدَّلِيلُ الَّذِي إِذَا انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ الِاحْتِمَالِ الْقَرِيبِ تَرَجَّحَا جَمِيعًا عَلَى الظَّاهِرِ، وَإِلَّا، فَأَدْنَى دَلِيلٍ قَدْ لَا يَكُونُ إِذَا انْضَمَّ إِلَى الِاحْتِمَالِ الْقَرِيبِ مُؤَثِّرًا فِي اسْتِيلَائِهِمَا عَلَى الظَّاهِرِ، فَيَكُونُ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ سَوَاءً، وَالِاحْتِمَالُ الْمُتَوَسِّطُ بَيْنَ الِاحْتِمَالَيْنِ قُرْبًا وَبُعْدًا يَكْفِيهِ دَلِيلٌ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ قُوَّةً وَضَعْفًا. وَبِالْجُمْلَةِ: فَالْغَرَضُ مِنْ دَلِيلِ التَّأْوِيلِ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ إِذَا انْضَمَّ إِلَى احْتِمَالِ اللَّفْظِ الْمُؤَوَّلِ اعْتَضَدَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، وَاسْتَوْلَيَا عَلَى الظَّاهِرِ، وَقُدِّمَا عَلَيْهِ، فَمَا

стр. 513

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كَانَ فِي احْتِمَالِ اللَّفْظِ مِنْ ضَعْفِ جَبْرٍ بِاعْتِبَارِ قُوَّةٍ فِي الدَّلِيلِ، وَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ قُوَّةٍ سُومِحَ بِقَدْرِهِ فِي الدَّلِيلِ، وَالْمُعْتَمَدُ قُبَالَةَ الْمُعْتَدِلِ فَهُمَا يُحَصِّلَانِ الْغَرَضَ، وَالْكَلَامُ فِي هَذَا الْمَكَانِ كَالْمِيزَانِ، فَلَوْ فَرَضْنَا مِيزَانًا فِي إِحْدَى كِفَّتَيْهِ عَشَرَةُ أَرْطَالٍ، وَفِي الْكِفَّةِ الْأُخْرَى ثَلَاثَةُ أَرْطَالٍ، احْتَجْنَا لِتَعْدِيلِهِمَا إِلَى سَبْعَةِ أَرْطَالٍ، وَهُوَ نَظِيرُ الِاحْتِمَالِ الْمَرْجُوحِ مَعَ الدَّلِيلِ الْقَوِيِّ، وَإِنْ كَانَ فِي الْكِفَّةِ الْمَرْجُوحَةِ سَبْعَةُ أَرْطَالٍ، احْتَجْنَا فِي تَعْدِيلِهِمَا إِلَى ثَلَاثَةِ أَرْطَالٍ، وَهُوَ نَظِيرُ الِاحْتِمَالِ الرَّاجِحِ مَعَ الدَّلِيلِ اللَّيِّنِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْكِفَّةِ الْمَرْجُوحَةِ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ أَوْ سِتَّةُ أَرْطَالٍ احْتَجْنَا فِي التَّعْدِيلِ إِلَى خَمْسَةٍ أَوْ أَرْبَعَةِ أَرْطَالٍ، فَالتَّفَاوُتُ هَاهُنَا مُتَوَسِّطٌ، وَهُوَ نَظِيرُ الِاحْتِمَالِ الْمُتَوَسِّطِ مَعَ الدَّلِيلِ الْمُتَوَسِّطِ، وَسَيَأْتِي لِهَذَا أَوْ بَعْضِهِ أَمْثِلَةٌ فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: «وَالدَّلِيلُ قَرِينَةٌ، أَوْ ظَاهِرٌ آخَرُ، أَوْ قِيَاسٌ» أَيْ: دَلِيلُ التَّأْوِيلِ الَّذِي يَقْوَى بِهِ الِاحْتِمَالُ الْمَرْجُوحُ عَلَى الظَّاهِرِ، قَدْ تَكُونُ قَرِينَتُهُ مُتَّصِلَةً بِالظَّاهِرِ، أَوْ مُنْفَصِلَةً، وَقَدْ يَكُونُ ظَاهِرًا آخَرَ، أَوْ نَصًّا يُوَافِقُ الِاحْتِمَالَ الْمَرْجُوحَ، وَقَدْ يَكُونُ قِيَاسًا، لِأَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا أَدِلَّةٌ تَصْلُحُ لِلتَّرْجِيحِ، إِذْ مَقْصُودُهُ حَاصِلٌ بِهَا. فَالْقَرِينَةُ الْمُتَّصِلَةُ، كَالْمُنَاظَرَةِ الَّتِي حَصَلَتْ بَيْنَ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ ﵄. قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَحَنْبَلٍ: كَلَّمْتُ الشَّافِعِيَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، يَعْنِي أَنَّ الْوَاهِبَ لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيمَا وَهَبَ، لِقَوْلِهِ ﵇: الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ

стр. 514

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فِي قَيْئِهِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ - وَكَانَ يَرَى أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ -: لَيْسَ بِمُجْرِمٍ عَلَى الْكَلْبِ أَنْ يَعُودَ فِي قَيْئِهِ قَالَ أَحْمَدُ: فَقُلْتُ لَهُ: فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، فَسَكَتَ، يَعْنِي الشَّافِعِيَّ. قُلْتُ: فَالشَّافِعِيُّ تَمَسَّكَ بِالظَّاهِرِ، وَهُوَ أَنَّ الْكَلْبَ لَمَّا لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ فِي قَيْئِهِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاهِبَ إِذَا رَجَعَ مِثْلُهُ فِي عَدَمِ التَّحْرِيمِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنَ التَّشْبِيهِ اسْتِوَاءُ الْمُشَبَّهِ وَالْمُشَبَّهِ بِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَفْتَرِقَا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ احْتِمَالًا قَوِيًّا جِدًّا، فَضَعُفَ حِينَئِذٍ جَانِبُ أَحْمَدَ فِي الِاسْتِدْلَالِ جِدًّا، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا احْتِمَالٌ ضَعِيفٌ جِدًّا، فَقَوَّاهُ بِالْقَرِينَةِ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ ﵇ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ: لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ وَهِيَ دَلِيلٌ قَوِيٌّ، وَجُعِلَ ذَلِكَ مُقَدَّمًا عَلَى الْمَثَلِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ دَلِيلُ الِاهْتِمَامِ بِهِ، فَأَفَادَ ذَلِكَ لُغَةً وَعُرْفًا، أَنَّ الرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ مَثَلُ سَوْءٍ، وَقَدْ نَفَاهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ، وَمَا نَفَاهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ يَحْرُمُ إِثْبَاتُهُ، فَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ جَوَازَ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ يَحْرُمُ إِثْبَاتُهُ، فَيَجِبُ نَفْيُهُ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. وَمِثَالُ الْقَرِينَةِ الْمُنْفَصِلَةِ: مَا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ جَاءَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ بِمُشْرِكٍ، فَادَّعَى أَنَّهُ أَمَّنَهُ، فَأَنْكَرَهُ الْمُسْلِمُ، وَادَّعَى أَسْرَهُ، فَفِيهِ أَقْوَالٌ: ثَالِثُهَا: الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ ظَاهِرُ الْحَالِ صِدْقُهُ، فَلَوْ كَانَ الْكَافِرُ أَظْهَرَ قُوَّةً وَبَطْشًا وَشَهَامَةً مِنَ الْمُسْلِمِ، جُعِلَ

стр. 515

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذَلِكَ قَرِينَةً فِي تَقْدِيمِ قَوْلِهِ، مَعَ أَنَّ قَوْلَ الْمُسْلِمِ لِإِسْلَامِهِ وَعَدَالَتِهِ رَاجِحٌ، وَقَوْلَ الْكَافِرِ مَرْجُوحٌ، لَكِنَّ الْقَرِينَةَ الْمُنْفَصِلَةَ عَضَّدَتْهُ، حَتَّى صَارَ أَقْوَى مِنْ قَوْلِ الْمُسْلِمِ الرَّاجِحِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَمِثَالُ الظَّاهِرِ: أَنَّ قَوْلَهُ : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٣] ، ظَاهِرٌ فِي تَحْرِيمِ جِلْدِهَا، دُبِغَ أَوْ لَمْ يُدْبَغْ، مَعَ احْتِمَالِ أَنَّ الْجِلْدَ غَيْرُ مُرَادٍ بِالْعُمُومِ احْتِمَالًا مُتَرَدِّدًا، لَهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ إِضَافَةَ التَّحْرِيمِ إِلَى الْمَيْتَةِ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الْأَكْلِ، وَالْجِلْدُ غَيْرُ مَأْكُولٍ، فَيَقْتَضِي عَدَمَ تَنَاوُلِ الْجِلْدِ، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّ عُمُومَ اللَّفْظِ قَوِيٌّ، مُتَنَاوِلٌ لِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا، يَقْتَضِي تَنَاوُلَ الْجِلْدِ، فِي نَظَرِنَا فِي قَوْلِهِ ﵇: أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ فَهُوَ عُمُومٌ وَظَاهِرُهُ، يَتَنَاوَلُ إِهَابَ الْمَيْتَةِ، فَكَانَ هَذَا الظَّاهِرُ مُقَوِّيًا لِاحْتِمَالِ عَدَمِ إِرَادَةِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ مِنَ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي التَّحْرِيمِ. وَمِثَالُ النَّصِّ: قَوْلُهُ ﵇ فِي شَاةِ مَوْلَاةِ مَيْمُونَةَ: أَلَا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ، فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، قَالَ: إِنَّمَا حُرِّمَ مِنَ الْمَيْتَةِ أَكْلُهَا، فَهَذَا نَصٌّ فِي طَهَارَةِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ. وَمِثَالُ الْقِيَاسِ: أَنَّ تَرْكَهُ ذِكْرَ الْإِطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ، ظَاهِرٌ فِي عَدَمِ وُجُوبِهِ، إِذْ لَوْ وَجَبَ، لَذَكَرَهُ كَمَا ذَكَرَ التَّحْرِيرَ وَالصِّيَامَ. هَذَا مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا مَسْكُوتًا عَنْهُ، يَسْتَخْرِجُهُ الْمُجْتَهِدُونَ، ثُمَّ رَأَيْنَا إِثْبَاتَ الْإِطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ،

стр. 516

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِالْقِيَاسِ عَلَى إِثْبَاتِهِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالصِّيَامِ وَالْيَمِينِ مُتَّجِهًا، لِأَنَّ الْكَفَّارَاتِ حُقُوقٌ لِلَّهِ تَعَالَى، وَحُكْمُ الْأَمْثَالِ وَاحِدٌ، فَثُبُوتُ الْإِطْعَامِ فِي تِلْكَ الْكَفَّارَاتِ تَنْبِيهٌ عَلَى ثُبُوتِهِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ، وَقَدْ ذُكِرَ هَذَا فِي بَابِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِيَاسِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِالْقِيَاسِ، وَهُوَ كَذَلِكَ وَلَا شَكَّ.

стр. 517

وَكُلُّ مُتَأَوِّلٍ يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ الِاحْتِمَالِ الْمَرْجُوحِ وَعَاضِدِهِ. وَقَدْ يَدْفَعُ الِاحْتِمَالَ مَجْمُوعُ قَرَائِنِ الظَّاهِرِ، دُونَ آحَادِهَا، كَتَأْوِيلِ الْحَنَفِيَّةِ الْمُفَارَقَةَ فِي قَوْلِهِ ﵇ لِغَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ حَيْثُ أَسْلَمَ عَلَى عَشْرِ نِسْوَةٍ: «أَمْسِكْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ» ، عَلَى تَرْكِ نِكَاحِهِنَّ ابْتِدَاءً، وَعَضَّدُوهُ بِالْقِيَاسِ، وَهُوَ عَدَمُ أَوْلَوِيَّةِ بَعْضِهِنَّ بِالْإِمْسَاكِ دُونَ بَعْضٍ، أَوْ نَحْوِهِ. ــ قَوْلُهُ: «وَكُلُّ مُتَأَوِّلٍ يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ الِاحْتِمَالِ الْمَرْجُوحِ وَعَاضِدِهِ» أَيْ: وَكُلُّ مَنْ أَرَادَ تَأْوِيلَ ظَاهِرٍ مِنَ الظَّوَاهِرِ، فَعَلَيْهِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: بَيَانُ الِاحْتِمَالِ الْمَرْجُوحِ مَعَ الظَّاهِرِ. الثَّانِي: بَيَانُ عَاضِدِهِ، أَيْ: عَاضِدِ الِاحْتِمَالِ الْمَرْجُوحِ، أَيْ: لِدَلِيلِ الَّذِي يُعَضِّدُهُ وَيُقَوِّيهِ، حَتَّى يُقَدَّمَ عَلَى الظَّاهِرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يُبَيِّنِ الِاحْتِمَالَ الْمَرْجُوحَ، لَمْ يَكُنْ بَيَانُ الدَّلِيلِ الْعَاضِدِ لِلِاحْتِمَالِ الْمَرْجُوحِ وَلَمْ نَتَحَقَّقِ التَّأْوِيلَ، إِذْ شَرْطُهُ الدَّلِيلُ، فَيَبْقَى الِاحْتِمَالُ الْمَرْجُوحُ مُجَرَّدًا، وَهُوَ لَا يُقَاوِمُ الظَّاهِرَ. قَوْلُهُ: «وَقَدْ يَدْفَعُ الِاحْتِمَالَ مَجْمُوعُ قَرَائِنِ الظَّاهِرِ دُونَ آحَادِهَا» ، يَعْنِي أَنَّ الظَّاهِرَ وَالِاحْتِمَالَ الْمَرْجُوحَ إِذَا تَقَابَلَا، فَقَدْ يَحْتَفُّ بِالظَّاهِرِ قَرَائِنُ تَدْفَعُ ذَلِكَ الِاحْتِمَالَ وَتُبْطِلُهُ، ثُمَّ قَدْ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَرَائِنِ دَافِعَةً لِلِاحْتِمَالِ وَحْدَهَا، وَقَدْ لَا يَنْدَفِعُ إِلَّا بِمَجْمُوعِ تِلْكَ الْقَرَائِنِ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ قُوَّةِ الْقَرَائِنِ وَظُهُورِهَا، وَمُقَاوَمَتِهَا

стр. 518

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لِذَلِكَ الِاحْتِمَالِ، وَقُصُورِهَا عَنْهُ، فَقَدْ تُقَاوِمُهُ قَرِينَةٌ وَاحِدَةٌ، أَوْ قَرِينَتَانِ، فَتَدْفَعُهُ، وَقَدْ لَا تُقَاوِمُهُ إِلَّا جَمِيعُهَا، فَلَا يَنْدَفِعُ بِدُونِهَا. قَوْلُهُ: «كَتَأْوِيلِ الْحَنَفِيَّةِ الْمُفَارَقَةَ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا مِثَالٌ لِدَفْعِ الِاحْتِمَالِ الْمَرْجُوحِ بِالْقَرَائِنِ الْمُحْتَفَّةِ بِالظَّاهِرِ، وَذَلِكَ أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ الثَّقَفِيَّ ﵁ أَسْلَمَ وَلَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَتَخَيَّرَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَفِي لَفْظٍ يَتَدَاوَلُهُ الْفُقَهَاءُ قَالَ لَهُ: أَمْسِكْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ، وَعَلَيْهِ اتَّجَهَ النِّزَاعُ: فَالْحَنَفِيَّةُ قَالُوا: إِنَّ مَنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، فَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ بَطَلَ نِكَاحُهُنَّ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ شَيْئًا، وَإِنْ تَزَوَّجَهُنَّ مُتَعَاقِبَاتٍ، اخْتَارَ مِنَ الْأَوَّلِ أَرْبَعًا، وَتَرَكَ الْبَاقِيَ. وَالْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ: عَلَى أَنَّهُ يَخْتَارُ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا مُطْلَقًا. وَلَمَّا كَانَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ مُخَالِفًا لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، إِذْ ظَاهِرُ الْإِمْسَاكِ فِيهِ اسْتِدَامَةُ نِكَاحِ أَرْبَعَةٍ، وَظَاهِرُ الْمُفَارَقَةِ تَسْرِيحُ الْبَاقِيَاتِ، احْتَاجُوا إِلَى تَأْوِيلِهِ، فَحَمَلُوا الْإِمْسَاكَ عَلَى ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ، كَأَنَّهُ قَالَ: أَمْسِكْ أَرْبَعًا بِأَنْ تَبْتَدِئَ نِكَاحَهُنَّ، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ بِأَنْ لَا تَبْتَدِئَ الْعَقْدَ عَلَيْهِنَّ، وَلَوْ ثَبَتَ لَهُمْ هَذَا التَّأْوِيلُ، لَوَافَقَ الْحَدِيثَ مَذْهَبُهُمْ، إِذْ

стр. 519

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ أَنَّ بِإِسْلَامِ غَيْلَانَ يَبْطُلُ نِكَاحُ زَوْجَاتِهِ، فَإِمْسَاكُهُ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ يَكُونُ بِابْتِدَاءِ الْعَقْدِ عَلَيْهِنَّ، وَفِرَاقُهُ لِلْبَوَاقِي يَكُونُ بِتَرْكِ نِكَاحِهِنَّ، وَعَضَّدُوا هَذَا التَّأْوِيلَ بِالْقِيَاسِ، وَهُوَ أَنَّ بَعْضَ النِّسْوَةِ لَيْسَ بِأَوْلَى بِالْإِمْسَاكِ مِنْ بَعْضٍ، إِذْ هُوَ تَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجَّحٍ، أَوْ بِنَحْوِ هَذَا الْقِيَاسِ.

стр. 520

وَرُدَّ بِأَنَّ السَّابِقَ إِلَى فَهْمِنَا وَفَهْمِ الصَّحَابَةِ ﵃ مِنَ الْمُفَارَقَةِ التَّسْرِيحُ، لَا تَرْكُ النِّكَاحِ، وَبِأَنَّهُ فَوَّضَ إِلَيْهِ ذَلِكَ مُسْتَقِلًّا بِهِ، وَابْتِدَاءُ النِّكَاحِ لَا يَسْتَقِلُّ بِهِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ رِضَى الْمَرْأَةِ، وَبِأَنَّ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ لَا يَخْتَصُّ بِهِنَّ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: انْكِحْ أَرْبَعًا مِمَّنْ شِئْتَ، فَهَذِهِ قَرَائِنُ تَدْفَعُ تَأْوِيلَهُمْ. ــ قَوْلُهُ: «وَرُدَّ» ، أَيْ: تَأْوِيلُ الْحَنَفِيَّةِ الْمَذْكُورُ بِوُجُوهٍ دَلَّ عَلَيْهَا الْحَدِيثُ: أَحَدُهَا: أَنَّ السَّابِقَ إِلَى فَهْمِنَا وَفَهْمِ الصَّحَابَةِ ﵃ مِنَ الْإِمْسَاكِ الِاسْتِدَامَةُ، لَا ابْتِدَاءُ النِّكَاحِ، وَمِنَ الْمُفَارَقَةِ التَّسْرِيحُ، لَا تَرْكُ النِّكَاحِ، فَيَكُونُ هَذَا مَدْلُولَ اللَّفْظِ وَمُقْتَضَاهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ [هَذَا] السَّابِقُ إِلَى فَهْمِنَا مِنَ الْحَدِيثِ، ذَلِكَ الْوُجْدَانُ مِنَّا، وَالتَّأْوِيلُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ ظَاهِرًا فِيمَا قُلْنَاهُ، لَمَا احْتَاجُوا إِلَى تَأْوِيلِهِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ السَّابِقَ إِلَى فَهْمِنَا مِنَ الْحَدِيثِ ذَلِكَ الْوُجْدَانُ، ثَبَتَ أَنَّهُ السَّابِقُ إِلَى فَهْمِ الصَّحَابَةِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ، وَعَدَمُ التَّغْيِيرِ فِي الْأَلْفَاظِ وَالْمَوْضُوعَاتِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَوَّضَ ذَلِكَ - يَعْنِي الْإِمْسَاكَ وَالْفِرَاقَ - إِلَى غَيْلَانَ مُسْتَقِلًّا بِهِ، حَيْثُ قَالَ: أَمْسِكْ وَفَارِقْ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ ابْتِدَاءً لِنِكَاحٍ، لَمَا اسْتَقَلَّ بِهِ بِالِاتِّفَاقِ، إِذْ لَا بُدَّ مِنْ رِضَى الزَّوْجَةِ، وَمِنَ الْوَلِيِّ عِنْدَنَا، فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَقُولَ: أَمْسِكْ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ إِنْ رَضِينَ، وَيُبَيِّنَ لَهُ شَرَائِطَ النِّكَاحِ، لِأَنَّ ذَلِكَ بَيَانٌ فِي وَقْتِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ، كَمَا قُرِّرَ فِي مَوْضِعِهِ، خُصُوصًا لِمَنْ هُوَ حَدِيثُ عَهْدٍ

стр. 521

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِجَاهِلِيَّةٍ، دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ، فَهُوَ أَحْوَجُ إِلَى الْبَيَانِ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ تَقْدِيرَ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِمُ: انْكِحْ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ، وَاتْرُكْ نِكَاحَ سَائِرِهِنَّ، أَيْ: وَلَا تَنْكِحْ سَائِرَهُنَّ، وَالْأَمْرُ دَائِرٌ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ، وَالنَّهْيُ دَائِرٌ بَيْنَ الْكَرَاهَةِ وَالْحَظْرِ، وَابْتِدَاءُ النِّكَاحِ لَا يَخْتَصُّ بِالنِّسْوَةِ اللَّاتِي أَسْلَمَ عَلَيْهِنَّ وُجُوبًا وَلَا نَدْبًا، بَلْ هُنَّ كَغَيْرِهِنَّ فِيهِ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: انْكِحْ أَرْبَعًا مِمَّنْ شِئْتَ، لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالنِّكَاحِ مِنْهُنَّ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا، وَلَيْسَ الْحُكْمُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَذَلِكَ، فَكَانَ يَكُونُ إِبْهَامًا فِي الدِّينِ، وَتَلْبِيسًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ إِنَّمَا بُعِثَ لِلْإِيضَاحِ وَالتَّبْيِينِ، وَكَذَلِكَ الْبَوَاقِي بَعْدَ نِكَاحِ الْأَرْبَعِ، لَا اخْتِصَاصَ لَهُنَّ بِالنَّهْيِ عَنْ نِكَاحِهِنَّ، وَهُوَ مُوهِمٌ ذُلَّهُ، خُصُوصًا عِنْدَ مَنْ يَرَى مَفْهُومَ اللَّقَبِ، فَيَكُونُ اخْتِصَاصُهُنَّ بِالنَّهْيِ عَنْ نِكَاحِهِنَّ مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ، لِانْعِقَادِهِ عَلَى تَحْرِيمِ مَنْ سِوَى الْأَرْبَعِ اللَّاتِي أُمْسِكْنَ بِالنِّكَاحِ. فَهَذِهِ قَرَائِنُ احْتَفَّتْ بِالْحَدِيثِ تَدْفَعُ تَأْوِيلَ الْحَنَفِيَّةِ الْمَذْكُورَ، وَتُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْحَدِيثِ مَا فَهِمَهُ الْجُمْهُورُ مِنْ أَنَّ الْإِمْسَاكَ: الِاسْتِدَامَةُ، وَالْمُفَارَقَةَ: التَّسْرِيحُ. وَمَا يَقُولُونَهُ: مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ بَعْضُ النِّسْوَةِ أَوْلَى بِالْإِمْسَاكِ مِنْ بَعْضٍ مَرْدُودٌ، بِأَنَّ الْأَوْلَى بِهِ مِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَهُ الزَّوْجُ، وَاخْتِيَارُهُ هُوَ الْمُرَجَّحُ، وَمَا فَصَلُوهُ مِنْ أَنَّهُ إِنْ كَانَ عَقَدَ عَلَيْهِنَّ مَعًا بَطَلَ نِكَاحُهُنَّ، وَإِنْ كَانَ عَقَدَ مُتَعَاقِبًا، أَمْسَكَ الْأُولَى فَالْأُولَى مِنْهُنَّ،

стр. 522

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَرْدُودٌ بِقَوْلِهِ ﵇ لِفَيْرُوزٍ الدَّيْلَمِيِّ وَقَدْ أَسْلَمَ عَلَى أُخْتَيْنِ: أَمْسِكْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ وَفَارِقِ الْأُخْرَى، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْإِمْسَاكَ ظَاهِرٌ فِي الِاسْتِدَامَةِ، مَعَ الْمَعِيَّةِ فِي الْعَقْدِ، وَإِنْ كَانَ عَقَدَ عَلَيْهِمَا مُتَعَاقِبَتَانِ، فَقَدْ خَيَّرَهُ فِي إِمْسَاكِ أَيَّتِهِمَا شَاءَ، وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهُ الْأُولَى. فَالنُّصُوصُ مُخَالِفَةٌ لِقَوْلِهِمْ بِكُلِّ حَالٍ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَثَارَ النِّزَاعِ فِي الْمَسْأَلَةِ هُوَ أَنَّ الْإِمْسَاكَ هُوَ الْحِفْظُ لِلشَّيْءِ، لِكَوْنِهِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ آلَةٍ يَحْصُلُ بِهَا الْإِمْسَاكُ، فَالنَّبِيُّ ﷺ أَمَرَهُ بِالْإِمْسَاكِ وَأَمْسَكَ عَنْ آلَتِهِ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا، إِذِ الْإِمْسَاكُ - الَّذِي هُوَ هَاهُنَا حِفْظُ نِكَاحِ الْأَرْبَعِ - يَصِحُّ حُصُولُهُ بِالِاسْتِدَامَةِ، وَالِاسْتِبْقَاءِ، وَالِاسْتِصْحَابِ كَمَا قُلْنَاهُ، وَيَصِحُّ حُصُولُهُ بِابْتِدَاءِ النِّكَاحِ كَمَا قَالُوهُ، لَكِنْ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى، لِمَا سَبَقَ، وَلِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرِ بُطْلَانِ النِّكَاحِ، ثُمَّ تَصْحِيحِهِ بِابْتِدَاءِ عَقْدِهِ عَلَيْهِنَّ، وَعَلَى مَا قَالُوهُ يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ، وَهُوَ مِنْ ضَرُورَتِهِ، فَكَانَ مَا قُلْنَاهُ كَاللَّفْظِ الْمُسْتَقِلِّ بِنَفْسِهِ، بِدُونِ إِضْمَارٍ، وَمَا ذَكَرُوهُ كَاللَّفْظِ الَّذِي لَا يَتِمُّ إِلَّا بِإِضْمَارٍ، وَلَا نِزَاعَ فِي أَنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى، فَكَانَ مَا أَشْبَهَهُ فِي مَسْأَلَتِنَا أَوْلَى، وَهُوَ تَأْوِيلُنَا. قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَالْإِنْصَافُ أَنَّ ذَلِكَ، يَعْنِي تَأْوِيلَ الظَّوَاهِرِ، يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَإِلَّا فَلَسْنَا نَقْطَعُ بِبُطْلَانِ تَأْوِيلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ مَعَ هَذِهِ الْقَرَائِنِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ تَذْلِيلُ الطَّرِيقِ لِلْمُجْتَهِدِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 523

وَكَتَأْوِيلِهِمْ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَنْكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلَيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» عَلَى الْأَمَةِ، ثُمَّ صَدَّهُمْ: «فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا» ، إِذْ مَهْرُ الْأَمَةِ لِسَيِّدِهَا، لَا لَهَا فَتَأَوَّلُوهُ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ، وَهُوَ تَعَسُّفٌ، إِذْ هَذَا عَامٌّ فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ تَأْوِيلٌ ضَعِيفٌ. ــ قَوْلُهُ: «وَكَتَأْوِيلِهِمْ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَنْكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلَيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ عَلَى الْأَمَةِ» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: وَكَتَأْوِيلِ الْحَنَفِيَّةِ قَوْلَهُ ﵇: أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَنْكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلَيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ أَيْ: أَيْضًا مِنْ أَمْثِلَةِ دَفْعِ الِاحْتِمَالِ الْمَرْجُوحِ بِقَرَائِنِ الظَّاهِرِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ لَمَّا اعْتَقَدُوا أَنَّ الْمَرْأَةَ لَهَا أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا، لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى بَعْضِ مَنَافِعِهَا، فَاسْتَقَلَّتْ بِهِ، كَإِجَارَةِ نَفْسِهَا، وَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ صَرِيحًا فِي اشْتِرَاطِ إِذْنِ وَلِيِّهَا، وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِدُونِهِ، احْتَاجُوا إِلَى دَفْعَةٍ عَنْهُمْ بِالتَّأْوِيلِ، فَحَمَلُوهُ عَلَى الْأَمَةِ، لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لِسَيِّدِهَا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَتَصَرَّفَ فِي نَفْسِهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَلَيْسَتِ الْحُرَّةُ مُرَادَّةً مِنَ الْحَدِيثِ «ثُمَّ صَدَّهُمْ» عَنْ إِطْلَاقِ هَذَا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ ﵇ فِي تَمَامِ الْحَدِيثِ: فَإِنْ دَخَلَ بِهَا، فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنَّهُ أَضَافَ الْمَهْرَ إِلَيْهَا بِلَامِ التَّمْلِيكِ، فَيَقْتَضِي أَنَّهُ مَلَكَهَا، وَالْأَمَةُ لَا تَمْلِكُ مَهْرَهَا، بَلْ هُوَ مِلْكٌ لِسَيِّدِهَا، فَخَصَّصُوا التَّأْوِيلَ، وَحَمَلُوهُ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ، لِأَنَّ فِيهَا شَوْبًا مِنَ الرِّقِّ، فَلَا تَسْتَقِلُّ بِتَزْوِيجِ نَفْسِهَا، كَالْأَمَةِ

стр. 524

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْقِنِّ، وَشَوْبًا مِنَ الْحُرَّةِ، فَيَكُونُ مَهْرُهَا لَهَا كَالْحُرَّةِ. قَوْلُهُ: «وَهُوَ» ، أَيْ: هَذَا التَّأْوِيلُ، «تَعَسُّفٌ» ، وَهُوَ سُلُوكٌ غَيْرُ الطَّرِيقِ الْمَعْرُوفِ، لِأَنَّ النَّصَّ «عَامٌّ فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ هَذَا التَّأْوِيلُ الضَّعِيفُ» وَبَيَانُ قُوَّةِ عُمُومِ النَّصِّ الْمَذْكُورِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ صَدَّرَهُ بِلَفْظَةِ: أَيُّ، وَهِيَ مِنْ أَلْفَاظِ الشَّرْطِ. الثَّانِي: أَنَّهُ أَكَّدَهَا بِمَا فِي قَوْلِهِ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ» وَهِيَ مِنْ مُؤَكِّدَاتِ الْعُمُومِ وَغَيْرِهِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ رَتَّبَ بُطْلَانَ النِّكَاحِ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ الْمُفِيدِ لِلْعُمُومِ فِي مَعْرِضِ الْخَبَرِ، وَقَرَائِحُ ذَوِي الْفَصَاحَةِ لَا تَسْمَحُ فِي الْعُمُومِ بِأَبْلَغَ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ، وَلَا أَجْزَلَ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ. وَأَمَّا ضَعْفُ تَأْوِيلِهِمْ، فَإِنَّهُ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، لِأَنَّهُمْ خَصُّوا الْعُمُومَ بِالْأُمَّةِ، فَقَصَرُوهُ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَصَرُوا الْأَمَةَ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ، وَهِيَ صُورَةٌ نَادِرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذَا الْعُمُومِ الْمُؤَكَّدِ، وَإِطْلَاقُ مِثْلِ هَذَا الْعُمُومِ، وَإِرَادَةُ مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ النَّادِرَةِ يُعَدُّ عِنْدَ الْفُصَحَاءِ إِلْغَازًا فِي الْكَلَامِ، وَهَذْرًا مِنَ الْقَوْلِ، بَلْ لَوْ قَالَ الْمُتَكَلِّمُ بِمِثْلِ هَذَا الْعُمُومِ: لَمْ أُرِدِ الْمُكَاتَبَةَ، وَلَمْ تَخْطُرْ بِبَالِي، لَمْ يُسْتَنْكَرْ ذَلِكَ مِنْهُ لِقِلَّتِهَا وَنُدُورِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَدْلُولِ صِيغَةِ الْعُمُومِ، وَهُوَ جَمِيعُ النِّسَاءِ، فَمَا يَبْلُغُ مِنَ الْقِلَّةِ وَالنُّدْرَةِ

стр. 525

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إِلَى حَيْثُ لَا يَخْطُرُ عِنْدَ التَّلَفُّظِ بِالْكَلِمِ بِبَالِ الْمُتَكَلِّمِ، كَيْفَ يَجُوزُ قَصْرُ الْعُمُومِ عَلَيْهِ، وَإِلْغَاءُ أَضْعَافِ أَضْعَافِهِ مِنْ مَدْلُولِهِ؟

стр. 526

وَقَدْ قِيلَ فِي حَمْلِ: «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ» عَلَى صَوْمِ الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ: إِنَّهُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، لِوُجُوبِهِمَا بِسَبَبٍ عَارِضٍ، فَهُوَ كَالْمُكَاتَبَةِ فِي حَدِيثِ النِّكَاحِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا لَيْسَا مِثْلَهَا فِي النُّدْرَةِ وَالْقِلَّةِ. فَقَصْرُ مَضْمُونِ الْحَدِيثِ عَنْ صَوْمِ رَمَضَانَ، يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ قَوِيٍّ، فَحَصَلَ مِنْ هَذَا، أَنَّ إِخْرَاجَ النَّادِرِ قَرِيبٌ، وَالْقَصْرَ عَلَيْهِ مُمْتَنِعٌ، وَبَيْنَهُمَا دَرَجَاتٌ مُتَفَاوِتَةٌ، بُعْدًا وَقُرْبًا. وَالْمُجْمَلُ يَأْتِي ذِكْرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ــ قَوْلُهُ: «وَقَدْ قِيلَ فِي حَمْلِ: لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ عَلَى صَوْمِ الْقَضَاءِ» ، إِلَى آخِرِهِ. مَعْنَى هَذَا: أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ حَمَلُوا قَوْلَهُ ﵇: لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ عَلَى صَوْمِ الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ، فَقَالُوا: يَجِبُ تَبْيِيتُ النِّيَّةِ لَهُمَا، دُونَ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَالْفَرْقُ أَنَّ زَمَنَ رَمَضَانَ مُتَعَيِّنٌ لِصِيَامِهِ فَرْضًا، بِخِلَافِ الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ، فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ فِي الْبُعْدِ وَالنُّدْرَةِ، كَتَأْوِيلِ حَدِيثِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ: «لَا صِيَامَ» صِيغَةُ عُمُومٍ، فَيَتَنَاوَلُ الْوَاجِبَ وَالتَّطَوُّعَ، فَإِذَا خَصَّ مِنْهَا التَّطَوُّعَ بِدَلِيلٍ جَازَ، وَكَانَ قَرِيبًا، لِقِلَّةِ التَّطَوُّعِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى أَصْنَافِ الصِّيَامِ. أَمَّا إِذَا قَصَرَ هَذَا الْعُمُومُ عَلَى الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ، كَانَ بَعِيدًا نَادِرًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّفْلَ يَخْرُجُ مِنَ الْعُمُومِ بِاتِّفَاقٍ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ الَّذِي هُوَ أَعْلَى الصِّيَامِ رُتْبَةً عِنْدَ الْخَصْمِ مُتَعَيِّنٌ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْقَضَاءُ، وَالنَّذْرُ، وَصَوْمُ الْكَفَّارَاتِ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ بِأَسْبَابٍ عَارِضَةٍ، فَهُوَ لِذَلِكَ نَادِرٌ، كَالْمُكَاتَبَةِ فِي حَدِيثِ النِّكَاحِ، وَالْمَعْرُوفُ مِنْ عَادَاتِ

стр. 527

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النَّاسِ - الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ - أَنَّهُمْ يَهْتَمُّونَ بِمَا هُوَ الْأَصْلُ وَالْأَهَمُّ، فَيُضَمِّنُونَهُ كَلَامَهُمْ، وَيُرِيدُونَهُ مِنْهُ، كَرَمَضَانَ مِنْ عُمُومِ الصِّيَامِ، وَالْحُرَّةِ مِنْ عُمُومِ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَنْكَحَتْ» . أَمَّا إِرَادَةُ الْأُمُورِ الْعَارِضَةِ، وَقَصْرُ الْكَلَامِ عَلَى إِرَادَتِهَا دُونَ الْأُمُورِ الْأَصْلِيَّةِ، فَهُوَ مِمَّا تَأْبَاهُ الْأَفْهَامُ، وَلَمْ تَجْرِ بِهِ عَادَةُ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي الْكَلَامِ. هَذَا تَقْرِيرُ الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِنَا: وَقَدْ قِيلَ. قَوْلُهُ: «وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا لَيْسَا مِثْلَهَا فِي النُّدْرَةِ وَالْقِلَّةِ» . أَيِ الصَّحِيحُ أَنَّ الْقَضَاءَ وَالنَّذْرَ، اللَّذَيْنِ قَصَرَ عَلَيْهِمَا حَدِيثُ: لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ لَيْسَا فِي النُّدْرَةِ وَالْقِلَّةِ، كَالْمُكَاتَبَةِ الَّتِي قَصَرَ عَلَيْهَا حَدِيثُ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَنْكَحَتْ نَفْسَهَا لِأَنَّ الْعُمُومَ هُنَاكَ أَقْوَى مِنَ الْعُمُومِ هُنَا، وَالْمُكَاتَبَةَ هُنَاكَ أَقَلُّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعُمُومِ مِنَ الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ هُنَا. أَمَّا أَنَّ الْعُمُومَ هُنَاكَ أَقْوَى، فَلِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ فِي قُوَّتِهِ وَتَأَكُّدِهِ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ النَّاسِ. وَأَمَّا صِيغَةُ «لَا صِيَامَ» وَنَحْوَهَا، فَالْخِلَافُ فِيهَا مَشْهُورٌ مُتَّجِهٌ، لِأَنَّهَا تَحْتَمِلُ نَفْيَ كَمَالِ الصَّوْمِ لَا صِحَّتَهُ، وَبِتَقْدِيرِ نَفْيِ صِحَّتِهِ، فَأَصْنَافُ الصَّوْمِ خَمْسَةٌ، قَدْ قَصَرَ عَلَى ثَلَاثَةٍ مِنْهَا: وَهِيَ صَوْمُ الْقَضَاءِ، وَالنَّذْرِ، وَالْكَفَّارَاتِ. وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا التَّطَوُّعُ

стр. 528

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَلَيْسَ نِسْبَةُ ثَلَاثَةٍ إِلَى خَمْسَةٍ، كَنِسْبَةِ نَوْعِ الْمُكَاتَبَةِ إِلَى جِنْسِ النِّسَاءِ. قَوْلُهُ: «فَقَصْرُ مَضْمُونِ الْحَدِيثِ عَنْ صَوْمِ رَمَضَانَ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ قَوِيٍّ» . مَضْمُونُ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وُجُوبُ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ لِكُلِّ صِيَامٍ، وَقَوْلُهُمْ: لَا يَجِبُ تَبْيِيتُ النِّيَّةِ لِصَوْمِ رَمَضَانَ، قَصْرٌ لِمَضْمُونِ الْحَدِيثِ عَنْ صَوْمِ رَمَضَانَ، أَيْ: حَبْسٌ لَهُ عَنْهُ حَتَّى لَا يَتَنَاوَلَهُ، فَيَحْتَاجُ ذَلِكَ إِلَى دَلِيلٍ قَوِيٍّ، لِكَوْنِ صَوْمِ رَمَضَانَ أَسْبَقَ إِلَى الْفَهْمِ مِنْ إِطْلَاقِ لَفْظِ الصِّيَامِ فِيهِ، لِأَنَّهُ آكَدُ الصَّوْمِ وَأَعْلَى رُتْبَةً، وَلَا يَبْطُلُ بِالْكُلِّيَّةِ، كَبُطْلَانِ قَصْرِ حَدِيثِ النِّكَاحِ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ. قَوْلُهُ: «فَحَصَلَ مِنْ هَذَا» ، إِلَى آخِرِهِ. أَيْ: فَحَصَلَ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ فِي أَمْثِلَةِ التَّأْوِيلِ وَالتَّخْصِيصِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ إِخْرَاجَ النَّادِرِ مِنَ الْعَامِّ قَرِيبٌ، كَإِخْرَاجِ الْمُكَاتَبَةِ مِنْ عُمُومِ حَدِيثِ النِّكَاحِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ، وَقَصْرُ الْعُمُومِ عَلَى النَّادِرِ مُمْتَنِعٌ، كَقَصْرِ حَدِيثِ النِّكَاحِ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ، وَبَيْنَهُمَا، أَيْ: بَيْنَ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ دَرَجَاتٌ مُتَفَاوِتَةٌ فِي الْبُعْدِ وَالْقُرْبِ، كَقَصْرِ حَدِيثِ الصِّيَامِ عَلَى النَّذْرِ وَالْقَضَاءِ، فَإِنَّهُ دُونَ إِخْرَاجِ النَّادِرِ مِنَ الْعَامِّ فِي الْقُرْبِ، وَدُونَ قَصْرِ حَدِيثِ النِّكَاحِ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ فِي الْبُعْدِ. وَبِالْجُمْلَةِ: فَالصُّوَرُ تَتَفَاوَتُ فِي الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ فَتَتَفَاوَتُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِخْرَاجِهَا مِنَ الْعُمُومِ، وَقَصْرِهِ عَلَيْهَا فِي الْبُعْدِ وَالْقُرْبِ.

стр. 529

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «وَالْمُجْمَلُ يَأْتِي ذِكْرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى» . يَعْنِي أَنَّا ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَحْثِ، أَنَّ الْكَلَامَ نَصٌّ وَظَاهِرٌ وَمُجْمَلٌ، وَلَمْ نَتَكَلَّمْ إِلَّا عَلَى النَّصِّ وَالظَّاهِرِ، لِقُرْبِ مَبَاحِثِهِمَا مِنْ مَبَاحِثِ مَبَادِئِ اللُّغَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْبَحْثِ. وَأَخَّرْتُ الْكَلَامَ فِي الْمُجْمَلِ إِلَى مَوْضِعِهِ فِي عَادَةِ الْأُصُولِيِّينَ، وَهُوَ بَعْدَ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ، لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِهِ. وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ اسْتَوْعَبَ الْكَلَامَ عَلَيْهِ مَعَ إِخْوَتِهِ فِي بَابِ تَقَاسِيمِ الْأَسْمَاءِ، وَهُوَ بَابُ اللُّغَاتِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.

стр. 530

الْأُصُولُ الْأُصُولُ: الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَالْإِجْمَاعُ، وَاسْتِصْحَابُ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ. وَمَصْدَرُهَا اللَّهُ ، إِذِ الْكِتَابُ قَوْلُهُ، وَالسُّنَّةُ بَيَانُهُ، وَالْإِجْمَاعُ دَالٌّ عَلَى النَّصِّ. وَمَدْرَكُهَا الرَّسُولُ ﷺ إِذْ لَا سَمَاعَ لَنَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا جِبْرِيلَ. وَاخْتُلِفَ فِي أُصُولٍ يَأْتِي ذِكْرُهَا. وَكِتَابُ اللَّهِ كَلَامُهُ الْمُنْزَلُ لِلْإِعْجَازِ بِسُورَةٍ مِنْهُ، وَهُوَ الْقُرْآنُ، وَتَعْرِيفُهُ بِمَا نُقِلَ بَيْنَ دَفَّتَيِ الْمُصْحَفِ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا، دَوْرِيٌّ. وَقَالَ قَوْمٌ: الْكِتَابُ غَيْرُ الْقُرْآنِ. وَرُدَّ: بِحِكَايَةِ قَوْلِ الْجِنِّ: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا﴾ ، ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا﴾ وَالْمَسْمُوعُ وَاحِدٌ، وَبِالْإِجْمَاعِ عَلَى اتِّحَادِ مُسَمَّى اللَّفْظَيْنِ. وَالْكَلَامُ عِنْدَ الْأَشْعَرِيَّةِ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الْحُرُوفِ الْمَسْمُوعَةِ وَالْمَعْنَى النَّفْسِيِّ، وَهُوَ نِسْبَةٌ بَيْنَ مُفْرَدَيْنِ قَائِمَةٌ بِالْمُتَكَلِّمِ، وَعِنْدَنَا لَا اشْتِرَاكَ، وَالْكَلَامُ الْأَوَّلُ وَهُوَ قَدِيمٌ، وَالْبَحْثُ فِيهِ كَلَامِيٌّ. ــ قَوْلُهُ «الْأُصُولُ» : قَدْ كُنَّا ذَكَرْنَا فِي صَدْرِ «الْمُخْتَصَرِ» أَنَّا نَتَكَلَّمُ عَلَى أُصُولِ الْفِقْهِ أَصْلًا أَصْلًا، بَعْدَ ذِكْرِ مُقْدِمَةٍ تَشْتَمِلُ عَلَى فُصُولٍ، وَقَدِ انْتَهَى الْكَلَامُ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ بِفُصُولِهَا الْأَرْبَعَةِ ; فَوَجَبَ الْكَلَامُ عَلَى الْأُصُولِ كَمَا وَعَدْنَا. قَوْلُهُ «الْكِتَابُ» : أَيِ الْأُصُولُ هِيَ: الْكِتَابُ «وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَاسْتِصْحَابُ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ» . وَتَحْقِيقُ مَفْهُومَاتِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَاللَّامُ فِي الْأُصُولِ لِلْعَهْدِ ; لِأَنَّهُ قَدْ سَبَقَ ذِكْرُهَا مُنَكَّرَةً فِي قَوْلِنَا فِي أَوَّلِ «الْمُخْتَصَرِ» : فَلْنَتَكَلَّمْ عَلَيْهَا أَصْلًا أَصْلًا. أَوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: الْأُصُولُ الَّتِي وَعَدْنَا بِالْكَلَامِ عَلَيْهَا هِيَ هَذِهِ. وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْأُصُولَ هِيَ الْأَدِلَّةُ، وَأُصُولُ الْفِقْهِ أَدِلَّتُهُ
следующие страницы →