← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10781

شرح مختصر الروضة

الطوفي

Полный текст (2 051 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ النَّصَّ أَثْبَتَ أَنَّ الْقُرْآنَ عَرَبِيٌّ مَحْضٌ، وَلَوْ كَانَ فِيهِ مُعَرَّبٌ لَمْ يَكُنْ عَرَبِيًّا مَحْضًا. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِقَوْلِهِ : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يُوسُفَ: ٢] ، ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ [الْأَحْقَافِ: ١٢] ، ﴿قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٨] ، وَنَحْوُهُ كَثِيرٌ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَمَحُضَّ عَرَبِيَّتِهِ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّ مَا اشْتَمَلَ عَلَى عِدَّةِ أَلْفَاظٍ أَعْجَمِيَّةِ الْأَصْلِ، لَا يَكُونُ كُلُّهُ عَرَبِيًّا مَحْضًا بِالضَّرُورَةِ، كَمَا أَنَّ الْجَيْشَ مِنَ الْعَرَبِ، إِذَا كَانَ فِيهِ آحَادُ فُرْسَانٍ مِنَ الْعَجَمِ، لَا يَكُونُ جَيْشًا عَرَبِيًّا مَحْضًا، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْقُرْآنُ عَرَبِيًّا، لَزِمَ خِلَافُ النَّصِّ عَلَى كَوْنِهِ عَرَبِيًّا مَحْضًا. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ : ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ الْآيَةَ [فُصِّلَتْ: ٤٤] ، هَذَا ظَاهِرٌ فِي إِنْكَارِ الْمُعَرَّبِ بِتَقْدِيرِ وُقُوعِهِ ; لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْآيَةِ: أَنَّا إِنَّمَا جَعَلْنَا الْقُرْآنَ عَرَبِيًّا ; لِأَنَّا لَوْ جَعَلْنَاهُ أَعْجَمِيًّا لَأَنْكَرْتُمُوهُ أَيُّهَا الْكُفَّارُ، وَقُلْتُمْ كَيْفَ يَكُونُ قُرْآنٌ أَعْجَمِيٌّ وَنَبِيٌّ عَرَبِيٌّ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ ذَلِكَ وَأَنْكَرُوهُ لَكَانَ لَهُمْ فِيهِ الْحُجَّةُ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ عَرَبِيٌّ مَحْضٌ، لِتَقُومَ بِهِ الْحُجَّةُ، وَلَا يَتَّجِهَ لَهُمْ إِنْكَارُهُ. قَوْلُهُ: " وَلَا حُجَّةَ فِي مَنْعِ صَرْفِ " إِسْحَاقَ " وَنَحْوِهِ "، إِلَى آخِرِهِ، هَذَا جَوَابٌ مِنْ مُنْكِرِي الْمُعَرَّبِ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ لِمُثْبِتِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ فِي الْقُرْآنِ أَلْفَاظًا أَعْجَمِيَّةَ الْأَصْلِ، أَنَّ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقَ، وَإِسْمَاعِيلَ، وَيَعْقُوبَ وَنَحْوَهَا، غَيْرُ مُنْصَرِفَةٍ لِاجْتِمَاعِ الْعَلَمِيَّةِ وَالْعُجْمَةِ فِيهَا، وَمَا اتَّصَفَ بِالْعُجْمَةِ ; فَهُوَ

стр. 562

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَعْجَمِيٌّ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَتِ الْعَرَبُ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ عَلَى نَهْجِ لُغَتِهَا ; فَصَارَتْ أَعْجَمِيَّةً مُعَرِّبَةً، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. فَأَجَابَ النَّافُونَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ مَنْعَ صَرْفِ إِسْحَاقَ وَنَحْوِهِ، لَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَى أَنَّ فِي الْقُرْآنِ مُعَرَّبًا ; لِأَنَّ هَذِهِ أَعْلَامٌ، وَلَيْسَ النِّزَاعُ فِي الْأَعْلَامِ، إِنَّمَا النِّزَاعُ فِي غَيْرِهَا وَهِيَ أَسْمَاءُ الْأَجْنَاسِ، نَحْوَ: دِيبَاجَ، وَفِرِنْدَ، وَنَيْرُوزَ، وَآجُرَّ، وَإِبْرَيْسَمَ، وَإِهْلِيلِجَ، وَإِطْرَيْفَلَ وَلِجَامَ وَنَحْوِهِ. قَوْلُهُ: وَالْأَلْفَاظُ الْمَذْكُورَةُ، إِلَى آخِرِهِ، هَذَا جَوَابٌ مِنْ مُنْكِرِي الْمُعَرَّبِ عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ مُثْبِتُوهُ مِنْ لَفْظِ نَاشِئَةٍ، وَمِشْكَاةٍ، وَإِسْتَبْرَقٍ، وَسِجِّيلٍ، وَنَحْوِهِ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لَيْسَتْ أَعْجَمِيَّةً، بَلْ هِيَ عَرَبِيَّةٌ وَافَقَتْ أَلْفَاظَ الْعَجَمِ فَاتَّفَقَتْ فِيهَا اللُّغَتَانِ الْمَعْرُوفَتَانِ عِنْدَنَا فِي اللُّغَتَيْنِ جَمِيعًا، وَسَنَذْكُرُ جُمْلَةً مِنْ ذَلِكَ آخِرَ الْمَسْأَلَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ فِي الْأَلْفَاظِ الْمَذْكُورَةِ حُجَّةٌ عَلَى وُقُوعِ الْمُعَرَّبِ فِي الْقُرْآنِ ; لِأَنَّهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ لَيْسَتْ مُعَرَّبَةً، بَلْ عَرَبِيَّةً وَافَقَتْ أَلْفَاظَ الْعَجَمِ. قَوْلُهُ: " وَأُجِيبَ " أَيْ: عَنِ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا الْمَانِعُونَ. أَمَّا عَنِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ: تَحَدِّي الْعَرَبِ بِغَيْرِ لُغَتِهِمْ مُمْتَنِعٌ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ وُقُوعَ الْمُعَرَّبِ فِي الْقُرْآنِ يَسْتَلْزِمُ تَحَدِّيَهُمْ بِغَيْرِ لُغَتِهِمْ ; لِأَنَّ الْوَاقِعَ مِنَ الْمُعَرَّبِ فِي الْقُرْآنِ أَلْفَاظٌ يَسِيرَةٌ، دَخِيلَةٌ مِنْ غَيْرِ لُغَتِهِ، وَهِيَ لَا تَنْفِي تَمَحُّضَ الْعَرَبِيَّةِ فِيهِ عُرْفًا، كَأَشْعَارِ كَثِيرٍ مِنَ الْعَرَبِ الْفُصَحَاءِ، هِيَ عَرَبِيَّةٌ عُرْفًا بِاتِّفَاقٍ، مَعَ تَضَمُّنِهَا أَلْفَاظًا أَعْجَمِيَّةً، وَإِذَا

стр. 563

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لَمْ يَكُنِ الْمُعَرَّبُ الْوَاقِعُ فِي الْقُرْآنِ نَافِيًا لِتَمَحُّضِهِ عَرَبِيًّا ; فَمَا تَحَدَّاهُمْ إِلَّا بِلُغَتِهِمْ ; لِأَنَّ تِلْكَ الْأَلْفَاظَ الدَّخِيلَةَ لِقِلَّتِهَا لَا تَأْثِيرَ لَهَا، وَلَيْسَ هَذَا كَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ تَكْلِيفِ الْعَجَمِيِّ الْمَحْضِ إِنْشَاءَ مِثْلِ السَّبْعِ الطِّوَالِ وَنَحْوِهَا، لِكَثْرَتِهِ وَقِلَّةِ الْمُعَرَّبِ فِي الْقُرْآنِ بِالضَّرُورَةِ. أَوْ نَقُولُ: إِنَّ تَحَدِّيَهُمْ كَانَ بِلُغَتِهِمْ فَقَطْ لَا بِالْمُعَرَّبِ، وَفِي الْقُرْآنِ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمَحْضَةِ مَا هِيَ كَافِيَةٌ بِتَعْجِيزِهِمْ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِنَا: " وَتَحَدِّيهِمْ بِلُغَتِهِمْ فَقَطْ ". قَوْلُهُ: " أَوْ لَمَّا عُرِّبَتْ صَارَ لَهَا حُكْمُ الْعَرَبِيَّةِ، هَذَا جَوَابٌ آخَرُ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ، أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهَا أَعْجَمِيًّا، إِلَّا أَنَّ الْعَرَبَ لَمَّا اسْتَعْمَلَتْهَا فِي لُغَتِهَا، صَارَ لَهَا حُكْمُ الْعَرَبِيَّةِ فِي الْإِعْجَازِ وَالتَّحَدِّي وَمُخَاطَبَةِ الْعَرَبِ بِهَا ; فَمَا تَحَدَّاهُمْ إِلَّا بِلُغَتِهِمْ ". فَحَاصِلُ الْأَمْرِ مَنْعُ أَنَّهُ تَحَدَّاهُمْ بِغَيْرِ لُغَتِهِمْ ; إِمَّا لِأَنَّ الْمُخَالِفَ لِلُغَةِ الْقُرْآنِ فِيهِ قَلِيلٌ، لَا حُكْمَ لَهُ فِي نَفْيٍ تَمَحُّضِهِ عَرَبِيًّا، أَوْ لِأَنَّهُ بِالتَّعْرِيبِ صَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْعَرَبِيِّ، ثُمَّ إِنَّ أَصْلَ الدَّلِيلِ مَبْنِيٌّ عَلَى امْتِنَاعِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ كَمَا سَبَقَ، وَقَدْ حَصَلَ الْجَوَابُ عَنِ الْوَجْهِ الثَّانِي، وَهُوَ أَنَّ وُقُوعَ الْمُعَرَّبِ فِي الْقُرْآنِ يَنْفِي كَوْنَهُ عَرَبِيًّا مَحْضًا. ثُمَّ نُرِيدُ الطَّعْنَ فِي مُقَدِّمَةِ دَلِيلِهِ، وَهُوَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ النَّصَّ أَثْبَتَ أَنَّ الْقُرْآنَ عَرَبِيٌّ مَحْضٌ، وَقَوْلُهُمْ: إِنَّ قَوْلَهُ : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يُوسُفَ: ٢]

стр. 564

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَنَحْوَهُ يَقْتَضِي تَمَحُّضَ عَرَبِيَّتِهِ مَمْنُوعٌ، بَلْ يَقْتَضِي أَنَّهُ عَرَبِيٌّ فِي غَالِبِ أَلْفَاظِهِ، وَأَنَّهُ عَرَبِيٌّ حُكْمًا لَا حَقِيقَةً، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَنْفِ أَنَّهُ لَا مُعَرَّبَ فِيهِ، أَوْ أَنَّهُ عَرَبِيٌّ عُرْفًا، وَالْقُرْآنُ مَعَ الْمُعَرَّبِ الَّذِي فِيهِ يُسَمَّى عَرَبِيًّا عُرْفًا كَمَا بَيَّنَّا، وَالْقَوْلُ فِيمَا اسْتَشْهَدُوا بِهِ مِنَ الْجَيْشِ الْعَرَبِيِّ فِيهِ آحَادٌ مِنَ الْعَجَمِ كَذَلِكَ، اعْتِبَارًا بِالْأَكْثَرِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا ; فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ آحَادَ الْفُرْسَانِ لَمْ يَحْدُثْ فِيهَا مَا يُصَيِّرُ حُكْمَهَا حُكْمَ الْعَرَبِ، بِخِلَافِ الْأَلْفَاظِ الْمُعَرَّبَةِ ; فَإِنَّهُ حَدَثَ فِيهَا مِنْ تَعْرِيبِ الْعَرَبِ لَهَا مَا صَيَّرَ حُكْمَهَا حُكْمَ أَلْفَاظِ الْعَرَبِ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الثَّالِثِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٤] ; فَقَدْ أَجَبْتُ عَنْهُ فِي " الْمُخْتَصَرِ " بِقَوْلِي: " وَ ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ مُتَأَوَّلٌ عَلَى خِلَافِ مَا ذَكَرْتُمْ ". وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ بِنَحْوِ مَا سَبَقَ، وَهُوَ أَنَّ حُجَّةَ الْكُفَّارِ ; إِنَّمَا كَانَتْ تَقُومُ لَوْ كَانَ جَمِيعُ الْقُرْآنِ أَعْجَمِيًّا، أَمَّا وَغَالِبُهُ عَرَبِيٌّ بِلُغَتِهِمْ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَلْفَاظٌ يَسِيرَةٌ مِنْ غَيْرِهِ ; فَلَا، وَحِينَئِذٍ يَصِيرُ تَأْوِيلُ الْآيَةِ: وَلَوْ جَعَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ، أَيْ جَمِيعَهُ، قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا ; لَأَنْكَرُوهُ، وَلَقَامَتْ حُجَّتُهُمْ، لَكِنْ مَا جَعَلْنَا جَمِيعَهُ أَعْجَمِيًّا ; فَلَيْسَ لَهُمْ إِنْكَارُهُ، وَلَا تَقُومُ لَهُمْ بِإِنْكَارِهِ حُجَّةٌ، وَهُوَ صَحِيحٌ ; لِأَنَّهُمْ لَوْ قَالُوا لَهُ أَنْتَ أَتَيْتِنَا بِأَلْفَاظٍ لَيْسَتْ مِنْ لُغَتِنَا كَالْمِشْكَاةِ، وَسِجِّيلٍ، وَنَحْوِهِ، وَنَحْنُ لَا نَعْرِفُ إِلَّا لُغَتَنَا، لَقَالَ لَهُمْ: أَنَا لَا أَتَحَدَّاكُمْ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ، بَلْ بِالْأَلْفَاظِ الْعَرَبِيَّةِ الْمَحْضَةِ، الَّتِي هِيَ مِنْ لُغَتِكُمْ ; فَأْتُوا بِمِثْلِهَا إِنَّ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.

стр. 565

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّ مِشْكَاةً وَنَحْوَهَا مِمَّا اتَّفَقَ فِيهِ اللُّغَتَانِ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ اتِّفَاقَ اللُّغَتَيْنِ بَعِيدٌ فِي الْعَادَةِ، وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا لِذَاتِهِ. الثَّانِي: سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِبَعِيدٍ، لَكِنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ ; فَحَمْلُكُمُ الْأَلْفَاظَ عَلَيْهِ، مَعَ نَقْلِ الْعُلَمَاءِ الْمُعْتَبَرِينَ أَنَّهَا مُعَرَّبَةٌ، حَمْلٌ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِنْ رِيَاضِيَّاتِ هَذَا الْعِلْمِ ; فَهِيَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي مَبْدَأِ اللُّغَاتِ، لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا كَبِيرُ أَمْرٍ فِي فِقْهِ اللُّغَاتِ. تَنْبِيهٌ: ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي، وَابْنُ فَارِسٍ فِي فِقْهِ اللُّغَةِ، الْمُسَمَّى بِـ الصَّاحِبِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النِّزَاعَ فِي الْمَسْأَلَةِ لَفْظِيٌّ. وَحَاصِلُهُ: أَنَّ فِي اللُّغَةِ أَلْفَاظًا أَصْلُهَا أَعْجَمِيٌّ، كَمَا قَالَ الْفُقَهَاءُ، لَكِنِ اسْتَعْمَلَتْهَا الْعَرَبُ ; فَعَرَّبَتْهَا بِأَلْسِنَتِهَا، وَحَوَّلَتْهَا عَنْ أَلْفَاظِ الْعَجَمِ إِلَى أَلْفَاظِهَا ; فَصَارَتْ عَرَبِيَّةً، ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ وَقَدِ اخْتَلَطَتْ بِكَلَامِ الْعَرَبِ ; فَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا عَرَبِيَّةٌ ; فَهُوَ صَادِقٌ، يَعْنِي بِاعْتِبَارِ التَّعْرِيبِ الطَّارِئِ. وَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا أَعْجَمِيَّةٌ ; فَهُوَ صَادِقٌ، يَعْنِي بِاعْتِبَارِ أَصْلِهَا. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَإِنَّمَا سَلَكْنَا هَذَا الطَّرِيقَ لِئَلَّا يُظَنَّ بِالْفُقَهَاءِ الْجَهْلُ بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَهُمْ كَانُوا أَعْلَمَ بِالتَّأْوِيلِ، وَأَشَدَّ تَعْظِيمًا لِلْقُرْآنِ.

стр. 566

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَائِدَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْمَسْأَلَةِ: قَالَ الثَّعَالِبِيُّ فِي فِقْهِ اللُّغَةِ وَأَسْرَارِ الْعَرَبِيَّةِ: فَصْلٌ فِي ذِكْرِ أَسْمَاءٍ قَائِمَةٍ فِي لُغَتَيِ الْعَرَبِ وَالْفُرْسِ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ: التَّنُّورُ، الْخَمِيرُ، الرُّمَّانُ، الدِّينُ، الْكَنْزُ، الدِّينَارُ، وَالدِّرْهَمُ. ثُمَّ قَالَ: فَصْلٌ فِي أَسْمَاءٍ تَفَرَّدَتْ بِهَا الْفَرَسُ دُونَ الْعَرَبِ ; فَاضْطُرَّتِ الْعَرَبُ إِلَى تَعْرِيبِهَا، أَوْ تَرْكِهَا كَمَا هِيَ ; فَمِنْهَا فِي الْأَوَانِي: الْكُوزُ، الْجَرَّةُ، الْإِبْرِيقُ، الطَّسْتُ، الْخُوَانُ، الطَّبَقُ، الْقَصْعَةُ، السُّكُرُّجَةُ. وَمِنَ الْمَلَابِسِ: السَّمُّورُ، السِّنْجَابُ، الْخَزُّ، الدِّيبَاجُ، السُّنْدُسُ، التَّاخُتْجُ، الرَّاخُتْجُ. وَمِنَ الْجَوَاهِرِ: الْيَاقُوتُ، الْفَيْرُوزَجُ، وَالْبِلَّوْرُ. وَمِنَ الْمَأْكُولَاتِ: السَّمِيذُ، الْجَرْذَقُ، وَالدَّرْمَكُ، وَالْكَعْكُ وَالسِّكْبَاجُ، وَالْمَزَيَرَبَاجُ، وَالطَّبَاهَجُ، وَالْجُوذَابُ، الزُّمَاوَرَدُ، الْفَالُوذَجُ، اللَّوْزَينْجُ، الْجَوْزَيْنَجُ، السَّكَنْجَبِينُ، الْجَكَنْجَبِينُ.

стр. 567

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَمِنَ الْأَفَاوِيهِ وَالرَّيَاحِينِ: الْقِرْفَةُ، الدَّارَصِينِيُّ، الْفُلْفُلُ، الْكَرَاوِيَا، الزَّنْجَبِيلُ، الْخُولَنْجَانُ، النَّرْجِسُ، الْبَنَفْسَجُ، النَّسْرِينُ، السَّوْسَنُ، الْمَرْزَنْجُوشُ، الْيَاسَمِينُ، الْجُلَّنَارُ، الْعَنْبَرُ، الْكَافُورُ، الصَّنْدَلُ، الْقَرَنْفُلُ. وَذَكَرَ فَصْلًا فِيمَا نِسْبَةُ فَارِسِيَّتِهِ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ، وَفَصْلًا فِي أَسْمَاءٍ عَرَبِيَّةٍ تَتَعَرَّبُ فَارِسِيَّةً أَكْثَرُهَا، وَأَشْيَاءَ غَيْرَ ذَلِكَ. وَلَمْ أَسْتَوْفِ مَا ذَكَرَهُ خَشْيَةَ الْإِطَالَةِ، وَكُلُّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِي اللُّغَةِ وَالْقُرْآنِ مُعَرَّبًا، وَطَرِيقُ الْجَمْعِ وَالتَّوْفِيقِ مَا قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَلَعَلَّ نَاظِرًا يَنْظُرُ فِي هَذَا الْكِتَابِ ; فَيَظُنُّ حِكَايَتَنَا لِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ خُرُوجًا عَنِ الْمَقْصُودِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ مُحَقِّقٌ لِلْمَقْصُودِ وَمُكَمِّلٌ لَهُ، وَإِنَّمَا يَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ خُرُوجٌ بَطَّالٌ يَقْنَعُ بِحِكَايَةِ مَا يَجِدُهُ فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ، وَإِنَّمَا الْحَزْمُ أَخْذُ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ مَظِنَّتِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَيْتَ الشَّخْصَ يَصِلُ إِلَى تَحْقِيقِ الْمُرَادِ، لَكِنَّهُ كُلَّمَا كَانَ اجْتِهَادُهُ أَبْلَغَ، كَانَ بِالتَّحْقِيقِ أَجْدَرُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 568

الْخَامِسَةُ: فِيهِ الْمُحْكَمُ وَالْمُتَشَابِهُ، وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِمَا أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ، وَأَجْوَدُ مَا قِيلَ فِيهِ: إِنَّ الْمُحْكَمُ الْمُتَّضِحُ الْمَعْنَى، وَالْمُتَشَابِهَ مُقَابِلُهُ، لِاشْتِرَاكٍ، أَوْ إِجْمَالٍ، أَوْ ظُهُورِ تَشْبِيهٍ. وَالْأَظْهَرُ الْوَقْفُ عَلَى إِلَّا اللَّهُ، لَا ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ ، خِلَافًا لِقَوْمٍ. قَالُوا: الْخِطَابُ بِمَا لَا يُفْهَمُ بَعِيدٌ. قُلْنَا: لَا بُعْدَ فِي تَعَبُّدِ الْمُكَلَّفِ بِالْعَمَلِ بِبَعْضِ الْكِتَابِ، وَالْإِيمَانِ بِبَعْضٍ، وَالْكَلَامُ فِي هَذَا مُسْتَقْصًى فِي كِتَابِ «بُغْيَةِ السَّائِلِ» . ــ الْمَسْأَلَةُ «الْخَامِسَةُ فِيهِ» : أَيْ: فِي الْقُرْآنِ، «الْمُحْكَمُ وَالْمُتَشَابِهُ. وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِمَا» ، أَيْ: فِي الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ «أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ» . قُلْتُ: سَأَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَا تَيَسَّرَ مِنْهَا آخِرَ الْمَسْأَلَةِ، وَيَنْبَغِي الْكَلَامُ فِي لَفْظِ الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ وَمَعْنَاهُ. أَمَّا لَفْظُهُ: فَالْمُحْكَمُ: مُفْعَلٌ مِنْ أَحْكَمْتُ الشَّيْءَ أُحْكِمُهُ إِحْكَامًا ; فَهُوَ مُحْكَمٌ: إِذَا أَتْقَنْتُهُ ; فَكَانَ عَلَى غَايَةِ مَا يَنْبَغِي مِنَ الْحِكْمَةِ. وَمِنْهُ بَنَّاءٌ مُحْكَمٌ، أَيْ: ثَابِتٌ مُتْقَنٌ، يَبْعُدُ انْهِدَامُهُ. وَالْمُتَشَابِهُ: مُتَفَاعِلٌ مِنَ الشِّبْهِ، وَالشَّبَهِ، وَالشَّبِيهِ، وَهُوَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ أَمْرٌ مُشْتَرِكٌ ; فَيَشْتَبِهُ وَيَلْتَبِسُ بِهِ. وَأَمَّا مَعْنَاهُ: فَأَجْوَدُ مَا قِيلَ فِيهِ: إِنَّ الْمُحْكَمَ الْمُتَّضِحُ الْمَعْنَى، كَالنُّصُوصِ وَالظَّوَاهِرِ ; لِأَنَّهُ مِنَ الْبَيَانِ فِي غَايَةِ الْإِحْكَامِ وَالْإِتْقَانِ. وَ «الْمُتَشَابِهَ مُقَابِلُهُ» : أَيْ: مُقَابِلُ الْمُحَكِّمِ، وَهُوَ غَيْرُ الْمُتَّضِحِ الْمَعْنَى ; فَتَشْتَبِهُ بَعْضُ

стр. 569

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مُحْتَمَلَاتِهِ بِبَعْضٍ لِلِاشْتِرَاكِ، أَيْ: تُشَابِهُهُ. وَعَدَمُ اتِّضَاحِ مَعْنَاهُ: إِمَّا لِاشْتِرَاكٍ، كَلَفْظِ الْعَيْنِ وَالْقُرْءِ، وَنَحْوِهِمَا مِنَ الْمُشْتَرِكَاتِ، أَوْ لِإِجْمَالٍ ; وَهُوَ إِطْلَاقُ اللَّفْظِ بِدُونِ بَيَانِ الْمُرَادِ مِنْهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٤١] ، وَلَمْ يُبَيِّنْ مِقْدَارَ الْحَقِّ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْمُجْمَلِ وَالْمُبَيَّنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. أَوْ لِظُهُورِ تَشْبِيهٍ فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، كَآيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَخْبَارِهَا نَحْوَ: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٢٧] ، ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] ، ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦٤] ، يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا تُغِيضُهَا النَّفَقَةُ، فَيَضَعُ الْجَبَّارُ قَدَمَهُ، فَيَظْهَرُ لَهُمْ فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَهَا، خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، مِمَّا هُوَ كَثِيرٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ; لِأَنَّ هَذَا اشْتَبَهَ الْمُرَادُ مِنْهُ عَلَى النَّاسِ ; فَلِذَلِكَ قَالَ قَوْمٌ بِظَاهِرِهِ ; فَجَسَّمُوا وَشَبَّهُوا، وَفَرَّ قَوَّمَ مِنَ التَّشْبِيهِ ; فَتَأَوَّلُوا وَحَرَّفُوا ; فَعَطَّلُوا، وَتَوَسَّطَ قَوْمٌ ; فَسَلَّمُوا

стр. 570

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَأَمَرُّوهُ كَمَا جَاءَ، مَعَ اعْتِقَادِ التَّنْزِيهِ ; فَسَلِمُوا، وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ. قَوْلُهُ: «وَالْأَظْهَرُ الْوَقْفُ عَلَى إِلَّا اللَّهُ، لَا ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٧] ، خِلَافًا لِقَوْمٍ» ، هَذَا تَرْجِيحٌ لِمَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي التَّسْلِيمِ وَتَرْكِ التَّأْوِيلِ. وَمَعْنَى الْكَلَامِ: أَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ مِنْ الْمُتَشَابِهِ فِي الْقُرْآنِ آيَاتِ الصِّفَاتِ، الَّتِي ظَاهِرُهَا الْمُشَاهَدُ التَّشْبِيهُ ; فَالْحُكْمُ فِيهِ عِنْدَنَا التَّسْلِيمُ، مَعَ اعْتِقَادِ التَّنْزِيهِ، وَعَدَمِ التَّأْوِيلِ الْمُفْضِي إِلَى التَّعْطِيلِ، وَلَمَّا كَانَ مَأْخَذُ الْخِلَافِ بَيْنَ أَهْلِ التَّسْلِيمِ وَالتَّأْوِيلِ هُوَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ: ٧] ، احْتِيجَ إِلَى الْكَلَامِ عَلَيْهَا لِيَظْهَرَ الْحَقُّ. وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ قَالُوا: الْوَقْفُ التَّامُّ فِي الْآيَةِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ أَيْ: تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ إِلَّا اللَّهُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ مُبْتَدَأٌ مُسْتَأْنَفٌ، يَقُولُونَ خَبَرُهُ. وَإِذَا كَانَ الْمُتَشَابِهُ لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، وَجَبَ أَنْ لَا يَعْلَمَهُ الْخَلْقُ ; فَيَجِبُ عَلَيْنَا الْإِيمَانُ بِهِ، وَالتَّسْلِيمُ لَهُ، مَعَ اعْتِقَادِ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ كُلِّ مَا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، جَمْعًا بَيْنَ الْمُتَشَابِهِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾

стр. 571

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الشُّورَى: ١١] ; فَأَثْبَتَ وَنَزَّهَ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ. وَقَالَتِ الْمُؤَوِّلَةُ، وَهُمُ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْأَشْعَرِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ: الْوَقْفُ التَّامُّ فِي الْآيَةِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ ، أَيْ: يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى ; فَأَثْبَتَ لَهُ تَأْوِيلًا، وَأَخْبَرَ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ يَعْلَمُونَهُ. وَإِذَا كَانَ لَهُ تَأْوِيلٌ مَعْلُومٌ لِأَهْلِ الْعِلْمِ، وَجَبَ أَنْ لَا يُحْمَلَ عَلَى ظَاهِرِهِ الْمُوهِمِ لِلتَّشْبِيهِ، الْمُسْتَحِيلِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِبَرَاهِينِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ حَمْلٌ لَهُ عَلَى مُرَادِ اللَّهِ مِنْهُ. قَوْلُهُ: «قَالُوا: الْخِطَابُ بِمَا لَا يُفْهَمُ بَعِيدٌ هَذَا دَلِيلُ الْمُؤَوِّلَةِ.» وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّهُ لَوِ اخْتُصَّ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِ تَأْوِيلِ الْمُتَشَابِهِ دُونَ أَهْلِ الْعِلْمِ، لَكَانَ خِطَابُهُ لِلنَّاسِ بِهِ خِطَابًا لَهُمْ بِمَا لَا يَفْهَمُونَهُ، وَالْخِطَابُ بِمَا لَا يُفْهَمُ بَعِيدٌ، بَلْ رُبَّمَا كَانَ مُحَالًا ; لِأَنَّ فَائِدَةَ الْخِطَابِ الْإِفْهَامُ، فَإِذَا وَقَعَ الْخِطَابُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ الْإِفْهَامُ، خَلَا عَنْ فَائِدَتِهِ الَّتِي وُضِعَ لَهَا ; فَيَكُونُ عَبَثًا، وَالْعَبَثُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ. قَوْلُهُ: «قُلْنَا:» لَا بُعْدَ فِي تَعَبُّدِ الْمُكَلَّفِ بِالْعَمَلِ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَالْإِيمَانِ بِبَعْضٍ «» ، هَذَا جَوَابٌ عَنْ دَلِيلِهِمُ الْمَذْكُورِ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ بَعْدَ مَا ذَكَّرْتُمُوهُ، إِذْ لَا بُعْدَ فِي أَنْ يَتَعَبَّدَ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِإِنْزَالِ كِتَابِهِ عَمَلًا وَإِيمَانًا، بِأَنْ يُنْزِلَهُ مُحْكَمًا يَتَعَبَّدُهُمْ بِالْعَمَلِ بِهِ، وَمُتَشَابِهًا يَتَعَبَّدُهُمْ بِالْإِيمَانِ بِهِ، تَسْوِيَةً بَيْنَ الْأَبْدَانِ وَالنُّفُوسِ فِي التَّعَبِ وَالتَّكْلِيفِ ; لِأَنَّ التَّكْلِيفَ إِلْزَامُ مَا فِيهِ مَشَقَّةٌ كَمَا سَبَقَ ; فَالْمَشَقَّةُ عَلَى الْأَبْدَانِ بِمَا تُعَانِيهِ مِنْ حَرَكَاتِ التَّكْلِيفِ وَنَحْوِهَا، كَالصَّلَاةِ، وَالْحَجِّ، وَالْجِهَادِ. وَمَشَقَّةِ النُّفُوسِ وَالْعُقُولِ بِمَا تُعَانِيهِ مِنْ

стр. 572

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ التَّصْدِيقِ بِمَا لَا يُدْرِكُهُ، وَهُوَ أَعْظَمُ الْمَشَقَّتَيْنِ، كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي «الْقَوَاعِدِ الصُّغْرَى» ، وَلِهَذَا قَدَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ بِالْغَيْبِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٣] ، وَأَيْضًا: فَإِنَّ التَّكْلِيفَ عَمَلِيٌّ وَاعْتِقَادِيٌّ، ثُمَّ الْعَمَلِيُّ مِنْهُ مَعْقُولٌ، وَمِنْهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، كَالْوُضُوءِ، وَالْغُسْلِ، وَأَشْبَاهِهِمَا، وَأَفْعَالِ الْحَجِّ مِنْ رَمَلٍ وَاضْطِبَاعٍ، وَتَجَرُّدٍ وَنَحْوِهِ. فَمَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ التَّكْلِيفُ الِاعْتِقَادِيُّ أَيْضًا مُشْتَمِلًا عَلَى مَا يُفْهَمُ وَمَا لَا يُفْهَمُ؟ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ أَجْدَرُ بِحُصُولِ فَائِدَةِ التَّكْلِيفِ، وَهِيَ تُبَيِّنُ الْمُطِيعَ مِنَ الْعَاصِي. فَائِدَةٌ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ ; فَقَالَ الطَّنْزِيُّ - بِالنُّونِ وَالزَّايِ الْمُعْجَمَةِ - فِي تَفْسِيرِ الْمُحْكَمَاتِ: قِيلَ: هِيَ الْآيَاتُ الثَّلَاثُ فِي آخِرِ الْأَنْعَامِ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا﴾ إِلَى آخِرِهِنَّ [الْأَنْعَامِ: ١٥١ - ١٥٣] ، وَقِيلَ: مَا لَمْ يُنْسَخْ، وَقِيلَ: النَّصُّ، وَقِيلَ: غَيْرُ الْمُجْمَلِ، ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ ، أَيْ: أَصْلُهُ. ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ ، هِيَ ضِدُّ الْمُحْكَمِ عَلَى الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ. هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ. وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ فِيهِ أَقْوَالًا: أَحَدُهَا - وَهُوَ قَوْلُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ الشَّعْبِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَغَيْرِهِمَا -: الْمُحْكَمَاتُ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ مَا عُرِفَ تَأْوِيلُهُ، وَفُهِمَ مَعْنَاهُ وَتَفْسِيرُهُ، وَالْمُتَشَابِهُ: مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ دُونَ خَلْقِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ سَبِيلٌ إِلَى عِلْمِهِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَذَلِكَ كَالْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ، وَوَقْتِ خُرُوجِ الدَّجَّالِ، وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَوَقْتِ قِيَامِ السَّاعَةِ.

стр. 573

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهِ. قُلْتُ: وَهُوَ مَعْنَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» . الثَّانِي: يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: الْمُحْكَمَاتُ: نَاسِخُهُ، وَحَرَامُهُ، وَفَرَائِضُهُ، وَمَا نُؤْمِنُ بِهِ وَنَعْمَلُ بِهِ. وَالْمُتَشَابِهَاتُ: الْمَنْسُوخَاتُ، وَمُقَدَّمُهُ، وَمُؤَخَّرُهُ، وَأَمْثَالُهُ، وَأَقْسَامُهُ، وَمَا نُؤْمِنُ بِهِ وَلَا نَعْمَلُ بِهِ. الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَتَادَةَ، وَالرَّبِيعِ، وَالضَّحَّاكِ: الْمُحْكَمَاتُ: النَّاسِخَاتُ، وَالْمُتَشَابِهَاتُ: الْمَنْسُوخَاتُ. الرَّابِعُ: وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَمُجَاهِدٍ، وَابْنِ إِسْحَاقَ -: الْمُحْكَمَاتُ هِيَ الَّتِي فِيهَا حُجَّةُ الرَّبِ، وَعِصْمَةُ الْعِبَادِ، وَدَفْعُ الْخُصُومِ وَالْبَاطِلِ، وَلَيْسَ لَهُنَّ تَحْرِيفٌ وَلَا تَصْرِيفٌ عَمَّا وُضِعْنَ عَلَيْهِ، وَالْمُتَشَابِهَاتُ: لَهُنَّ تَصْرِيفٌ، وَتَحْرِيفٌ، وَتَأْوِيلٌ، ابْتَلَى اللَّهُ فِيهِنَّ الْعِبَادَ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهُوَ أَحْسَنُ الْأَقْوَالِ فِي الْآيَةِ. الْخَامِسُ: قَالَ النُّحَاسُ: أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهِ: إِنَّ الْمُحْكَمَ مَا كَانَ قَائِمًا بِنَفْسِهِ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى رَدِّهِ إِلَى غَيْرِهِ، نَحْوَ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الْإِخْلَاصِ: ٤] ، ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ [طه: ٨٢] ، وَالْمُتَشَابِهَاتُ نَحْوَ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ ، يَرْجِعُ فِيهِ إِلَى قَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ وَإِلَى قَوْلِهِ : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النِّسَاءِ: ٤٨] . وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ: الْمُحْكَمُ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ الَّتِي لَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ إِلَّا بِهَا. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ: هُوَ سُورَةُ الْإِخْلَاصِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إِلَّا التَّوْحِيدُ فَقَطْ.

стр. 574

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَقَالَ ابْنُ خُوَيْزَمَنْدَادُ: لِلْمُتَشَابِهِ وُجُوهٌ، وَالَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ، أَيُّ الْآيَتَيْنِ نَسَخَتِ الْأُخْرَى، كَمَا ذَهَبَ عُمَرُ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَغَيْرُهُمْ، ﵃ ; إِلَى أَنَّ عِدَّةِ الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا تَنْقَضِي بِوَضْعِ الْحَمْلِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ : ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطَّلَاقِ: ٤] ; نَسَخَتْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٣٤] ، وَقَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ، ﵃: لَمْ تَنْسَخْهَا، وَتَعْتَدُ بِأَطْوَلِ الْأَجَلَيْنِ، وَكَاخْتِلَافِهِمْ فِي الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ ; نُسِخَتْ أَمْ لَا، وَكَتَعَارُضِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النِّسَاءِ: ٢٣] بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَالْأُخْرَيَانِ يَقْتَضِيَانِ جَوَازَهُ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ بَعْدَ الْقَوْلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي، ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ أُخَرَ: أَحَدُهَا: قَوْلُ ابْنِ عَقِيلٍ: الْمُتَشَابِهُ: هُوَ مَا غَمُضَ عِلْمُهُ عَلَى غَيْرِ الْعُلَمَاءِ الْمُحَقِّقِينَ، كَالْآيَاتِ الَّتِي ظَاهِرُهَا التَّعَارُضُ، نَحْوَ: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ: ٣٥] ، مَعَ الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢] .

стр. 575

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الثَّانِي: قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ: الْمُتَشَابِهُ: الْحُرُوفُ الْمُقَطَّعَةُ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ، وَالْمُحْكَمُ: مَا عَدَاهُ. الثَّالِثُ: قَوْلُ بَعْضِهِمْ: الْمُحْكَمُ: الْوَعْدُ، وَالْوَعِيدُ، وَالْحَرَامُ، وَالْحَلَالُ، وَالْمُتَشَابِهُ: الْقَصَصُ، وَالْأَمْثَالُ. قُلْتُ: وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنَّ الْقُرْآنَ كُلُّهُ مُحْكَمٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هُودٍ: ١] : وَقَالَ آخَرُونَ: كُلُّهُ مُتَشَابِهٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزُّمَرِ: ٢٣] ذَكَرَهُمَا الْقُرْطُبِيُّ، وَلَيْسَا مِمَّا نَحْنُ فِيهِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِـ ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ : يَعْنِي: فِي نَظْمِهَا، وَوَضْعِهَا، وَجَزَالَةِ لَفْظِهَا، حَتَّى بَلَغَ حَدَّ الْإِعْجَازِ. وَمُتَشَابِهُ الْكِتَابِ: تَصْدِيقُ بَعْضِهِ بَعْضًا، لِتَشَابُهِ مَعَانِيهِ وَمَضْمُونَاتِهِ ; فَهُوَ غَيْرُ مُتَنَاقِضٍ بِحَيْثُ يُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا. فَأَمَّا التَّشَابُهُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ ; فَهُوَ التَّشَابُهُ الِاحْتِمَالِيُّ الْإِجْمَالِيُّ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٧٠] ، أَيْ: إِنَّ لَفْظَ الْبَقَرِ يَحْتَمِلُ أَشْخَاصًا كَثِيرَةً مِنَ الْبَقَرِ، لَا نَعْلَمُ أَيَّهَا الْمُرَادُ. وَلِهَذَا قِيلَ: إِنَّ الْمُتَشَابِهَ مَا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا، ثُمَّ إِذَا رُدَّتِ الْوُجُوهُ إِلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَأُبْطِلَ الْبَاقِي، صَارَ الْمُتَشَابِهُ مُحْكَمًا. وَالْمُحْكَمُ: مَا لَا الْتِبَاسَ فِيهِ، وَلَا يَحْتَمِلُ إِلَّا وَجْهًا وَاحِدًا. قُلْتُ: هَذِهِ جُمْلَةٌ صَالِحَةٌ مِمَّا ذُكِرَ فِي الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ. وَذَكَرَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ تَقْسِيمًا أَدْرَجَ فِيهِ النَّصَّ، وَالظَّاهِرَ، وَالْمُجْمَلَ، وَالْمُؤَوَّلَ، وَالْمُحْكَمَ، وَالْمُتَشَابِهَ. وَمَعْنَى تَقْسِيمِهِ وَحَاصِلُهُ: أَنَّ اللَّفْظَ الْمُفِيدَ لِمَعْنًى ; إِمَّا أَنْ لَا يَحْتَمِلَ غَيْرَ ذَلِكَ

стр. 576

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْمَعْنَى، وَهُوَ النَّصُّ، أَوْ يَحْتَمِلَ غَيْرَهُ ; فَإِمَّا عَلَى السَّوَاءِ، وَهُوَ الْمُجْمَلُ، أَوْ مَعَ رُجْحَانِ أَحَدِ مَعَانِيهِ ; فَالرَّاجِحُ ظَاهَرٌ، وَالْمَرْجُوحُ مُؤَوَّلٌ. فَالنَّصُّ وَالظَّاهِرُ يَشْتَرِكَانِ فِي رُجْحَانِ الْإِفَادَةِ، غَيْرَ أَنَّ النَّصَّ مَانِعٌ مِنَ احْتِمَالِ غَيْرِهِ، وَالْقَدْرُ الْمُشْتَرِكُ بَيْنَهُمَا هُوَ الْمُحْكَمُ، وَالْمُؤَوَّلُ وَالْمُجْمَلُ يَشْتَرِكَانِ فِي عَدَمِ الرُّجْحَانِ، غَيْرَ أَنَّ الْمُؤَوَّلَ مَرْجُوحٌ ; وَالْمُجْمَلَ غَيْرُ مَرْجُوحٍ، وَالْقَدْرُ الْمُشْتَرِكُ بَيْنَهُمَا هُوَ الْمُتَشَابِهُ. قُلْتُ: هَذَا مَا لَمْ أَعْلَمْهُ لِغَيْرِهِ، وَأَحْسَبُهُ مِنَ اصْطِلَاحَاتِهِ مَعَ نَفْسِهِ، مَعَ أَنَّ مَا قَالَهُ يُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ، وَيَكُونُ مِنْ بَعْضِ الْأَقْوَالِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ. وَالْمُخْتَارُ مِنَ الْأَقْوَالِ كُلِّهَا مَا ذَكَرْنَاهُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، وَأَنَّ مُتَشَابِهَ الْقُرْآنِ، أَعْنِي آيَاتِ الصِّفَاتِ وَنَحْوَهَا، لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ، لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ أَمَّا فِي لُغَةِ الْعَرَبِ لِتَفْصِيلِ الْجُمَلِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يُذْكَرَ فِي سِيَاقِهَا قِسْمَانِ: لَفْظًا: وَهُوَ أَكْثَرُ مَا يُوجَدُ مِنْ مَوَارِدِهَا، أَوْ تَقْدِيرًا، نَحْوَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ [الْقَصَصِ: ٦٧] . وَلَمْ يَذْكُرِ الْقِسْمَ الْآخَرَ لِدَلَالَةِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ عَلَيْهِ، إِذْ قَدْ فُهِمَ مِنْهُ ; فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ، وَيَعْمَلْ صَالِحًا ; فَلَا يُفْلِحُ، وَلَهُ نَظَائِرُ، وَقَدْ قَالَ هَاهُنَا: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٧] ، هَذَا تَمَامُ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ الْمَذْكُورِ فِي سِيَاقِ «أَمَّا» فَاقْتَضَى وَضْعُ اللُّغَةِ وَعُرْفُهَا وَاسْتِعْمَالُهَا ذِكْرَ قِسْمٍ آخَرَ ; فَكَانَ تَقْدِيرُهُ: وَأَمَّا الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ; فَيَقُولُونَ: آمَنَّا بِهِ، لَكِنْ دَلَّتْ أَمَّا الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ ; فَحُذِفَتْ لِوُجُودِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهَا، ثُمَّ

стр. 577

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حُذِفَتِ الْفَاءُ مِنْ جَوَابِهَا ; لِأَنَّهَا فَرْعٌ عَلَيْهَا. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا إِضْمَارٌ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ؟ قُلْنَا: قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ اللُّغَوِيُّ وَضْعًا، وَاسْتِعْمَالًا، وَعُرْفًا، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ اقْتِضَاءِ «أَمَّا» قِسْمَيْنِ فَصَاعِدًا بَعْدَهَا. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْوَاوَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ ، وَإِنِ احْتَمَلَتْ أَنْ تَكُونَ غَيْرَ عَاطِفَةٍ، غَيْرَ أَنَّ هَاهُنَا مَا يُرَجِّحُ كَوْنَهَا اسْتِئْنَافِيَّةً مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْعَطْفَ، لَقَالَ: وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ. عَطْفًا لِـ «يَقُولُونَ» عَلَى «يَعْلَمُونَ» الْمُضْمَرِ، إِذِ التَّقْدِيرُ: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَهُ، وَيَقُولُونَ: آمَنَّا بِهِ، أَوْ وَيَعْلَمُهُ الرَّاسِخُونَ وَيَقُولُونَ. فَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّ «يَقُولُونَ» جُمْلَةٌ فِي اللُّغَةِ ; لِأَنَّهُ نَصْبٌ لِلْحَالِ، مَعَ إِضْمَارِ فِعْلِهَا الْعَامِلِ فِيهَا، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ: عَبْدُ اللَّهِ رَاكِبًا، بِمَعْنَى: أَقْبَلَ ; فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ: وَالرَّاسِخُونَ قَائِلِينَ، بِتَقْدِيرِ: يَعْلَمُونَهُ قَائِلِينَ. الْوَجْهُ الثَّانِي: مَا رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي «تَفْسِيرِهِ» عَنْ [مَعْمَرٍ عَنْ] ابْنِ طَاوُوسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَؤُهَا: «وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَيَقُولُ الرَّاسِخُونَ [فِي الْعِلْمِ] : آمَنَّا بِهِ» . فَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ بَيَّنَتْ إِجْمَالَ الْوَاوِ فِي الْآيَةِ،

стр. 578

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَأَنَّهَا اسْتِئْنَافِيَّةٌ لَا عَاطِفَةٌ، ثُمَّ إِنْ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ سَمِعَهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَهِيَ تَفْسِيرٌ مِنْهُ لِلْآيَةِ، وَقَامَتِ الْحُجَّةُ بِتَفْسِيرِ مَنْ فُوِّضَ إِلَيْهِ بَيَانُ الْقُرْآنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَمِعَهَا مِنْهُ ; فَهُوَ مُرَجِّحٌ لِقَوْلِنَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ قَدْ وُجِدَ لَهُ مُبَيِّنٌ مُرَجِّحٌ، وَهُوَ قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، الْمَذْكُورَةُ، وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ مُجَرَّدُ احْتِمَالٍ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ الرَّاسِخُونَ مَعْطُوفٌ عَلَى اسْمِ اللَّهِ ، وَأَنَّهُمْ دَاخِلُونَ فِي عِلْمِ الْمُتَشَابِهِ، وَقَالَهُ الرَّبِيعُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَغَيْرُهُمْ. قُلْنَا: هَذَا لَا يَثْبُتُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَثُبُوتِ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ بِالسَّنَدِ الصَّحِيحِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّمَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ نَسَقَ «الرَّاسِخُونَ» عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَزَعَمَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَهُ. قُلْتُ: ثُمَّ لَوْ ثَبَتَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمَنْ ذَكَرُوهُ غَيْرَهُ، لَكَاَنَ مَا ذَكَرُوهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنَ الْعَطْفِ مُعَارَضًا بِمَا رَوَيْنَاهُ مِنَ الِاسْتِئْنَافِ، وَأَمَّا الْمَذْكُورُونَ مَعَهُ مِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ الْعَطْفُ ; فَقَوْلُهُمْ مُعَارَضٌ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَغَيْرِهِمْ ﵃، قَالُوا بِالِاسْتِئْنَافِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْكِسَائِيِّ، وَالْفَرَّاءِ، وَالْأَخْفَشِ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَرَوَاهُ يُونُسُ عَنِ الْأَشْهَبِ عَنْ مَالِكٍ ; فِيمَا حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ، وَقَالَ أَبُو نَهِيكٍ الْأَسَدِيُّ: إِنَّكُمْ تَصِلُونَ هَذِهِ الْآيَةَ، وَإِنَّهَا مَقْطُوعَةٌ،

стр. 579

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَمَا انْتَهَى عِلْمُ الرَّاسِخِينَ إِلَّا إِلَى قَوْلِهِمْ: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا. وَقَالَ مِثْلَ هَذَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَهَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْعَرَبِيَّةِ وَالْقِرَاءَةِ وَالْأَحْكَامِ، وَهُمْ أَكْثَرُ وَأَشْهَرُ مِمَّنْ ذَكَرْتُمْ ; فَيَتَرَجَّحُ بِذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْقِرَاءَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الِاسْتِئْنَافِ مَرْوِيَّةٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَمَوْضِعُهُ مِنْ عِلْمِ الْقُرْآنِ غَيْرُ خَفِيٍّ، خُصُوصًا وَقَدْ دَعَا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْحِكْمَةِ وَمَعْرِفَةِ التَّأْوِيلِ ; فَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ تَأْوِيلٌ مِنْهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ سَمِعَهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَتُقَدَّمُ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ فِي تَرْجِيحِ كَوْنِهَا اسْتِئْنَافِيَّةً: أَنَّ بِتَقْدِيرِ ذَلِكَ تَكُونُ الْجُمْلَةُ حَالًا، وَالْحَالُ: فَضْلَةٌ خَارِجَةٌ عَنْ رُكْنِ الْجُمْلَةِ، وَكَوْنُ الْجُمْلَةُ رُكْنًا أَقْوَى مِنْ كَوْنِهَا فَضْلَةً، وَإِذَا دَارَ أَمْرُ اللَّفْظَةِ بَيْنَ أَقْوَى الْحَالَيْنِ وَأَضْعَفِهِمَا، كَانَ حَمْلُهُ عَلَى الْأَقْوَى أَوْلَى. الْوَجْهُ الرَّابِعُ مِنْ أَصْلِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ سِيَاقَ الْآيَةِ دَلَّ عَلَى ذَمِّ مُبْتَغِي الْمُتَشَابِهِ، إِذْ وُصِفُوا بِزَيْغِ الْقُلُوبِ، وَابْتِغَاءِ الْفِتْنَةِ، وَقَدْ صَرَّحَتِ السُّنَّةُ بِذَمِّهِمْ ; فَرَوَى الْقَاسِمُ وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ: ٧] ; فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ; فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ ; فَاحْذَرُوهُمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ،

стр. 580

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. وَإِذَا ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَنَّ مُتَّبِعَ الْمُتَشَابِهِ مَذْمُومٌ ; فَلَوْ كَانَ تَأْوِيلُ الْمُتَشَابِهِ مَعْلُومًا لِأَهْلِ الْعِلْمِ، لَمْ يَكُنْ مُتَّبِعُهُ مَذْمُومًا ; لِأَنَّ الِاتِّبَاعَ لِلْمُتَشَابِهِ ; إِمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الِاقْتِدَاءُ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣] ، أَوْ يَتَّبِعُهُ بِمَعْنَى السُّؤَالِ عَنْ مَعَانِيهِ وَمُشْكِلَاتِهِ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ ; فَالْمُتَّبِعُ لَهُ: إِمَّا مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَإِنْ كَانَ مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ ; فَقَدْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ ; فَهُوَ يَسْتَحِقُّ الْمَدْحَ لَا الذَّمَّ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الرَّاسِخِينَ ; فَقَدْ قَلَّدَ الرَّاسِخِينَ فِي أَمْرِ دِينِهِ، وَهَذَا شَأْنُ الْمُقَلِّدِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٤٣] . وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالِاتِّبَاعِ التَّتَبُّعَ وَالسُّؤَالَ ; فَهَذَا السَّائِلُ يَتَعَرَّفُ تَأْوِيلَ الْقُرْآنِ مِنْ أَهْلِهِ - الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ - وَتَعَلُّمُ التَّأْوِيلِ مِنْ أَهْلِهِ أَقَلُّ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ مَنْدُوبًا ; فَلَا يَكُونُ مَذْمُومًا، فَلَمَّا رَأَيْنَاهُ قَدْ أَطْلَقَ ذَمَّ مُبْتَغِي تَأْوِيلِ الْمُتَشَابِهِ، عَلِمْنَا أَنَّ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ يُزَاحِمُ الْبَارِئَ ﷻ فِيمَا اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهِ، وَقَدْ قِيلَ فِي الْمَثَلِ: إِذَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِشَيْءٍ فَالْهَ عَنْهُ. نَعَمْ، قَدْ قِيلَ: اتِّبَاعُ الْمُتَشَابِهِ قَدْ يَكُونُ لِلتَّشْكِيكِ فِي الْقُرْآنِ، وَإِضْلَالِ الْعَوَامِّ، وَهُوَ زَنْدَقَةٌ حُكْمُ فَاعِلِهِ الْقَتْلُ، وَقَدْ يَكُونُ لِاعْتِقَادِ ظَاهِرِهِ مِنَ التَّجْسِيمِ

стр. 581

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالتَّشْبِيهِ، وَالْأَصَحُّ فِيهِ كُفْرُ فَاعِلِهِ، إِذْ هُوَ كَعَابِدِ الصَّنَمِ، وَقَدْ يَكُونُ عَلَى جِهَةِ الْإِكْثَارِ مِنْهُ لَا لِلتَّشْكِيكِ وَلَا لِلتَّشْبِيهِ، كَمَا فَعَلَ صَبِيغُ بْنُ عِسْلٍ حِينَ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَحُكْمُهُ التَّأْدِيبُ، كَمَا أَدَّبَ عُمَرُ ﵁ صَبِيغًا، وَقَدْ يَكُونُ عَلَى جِهَةِ الْبَحْثِ عَنْ تَأْوِيلِهِ وَإِيضَاحِ مَعْنَاهُ، وَفِي جَوَازِهِ قَوْلَانِ بَيْنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَإِجْمَاعُ السَّلَفِ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ، وَتَفْوِيضِ أَمْرِهِ إِلَى اللَّهِ ، فَإِنْ حُمِلَ اتِّبَاعُهُ فِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ عَلَى أَحَدِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْمُومَةِ، لَمْ يَكُنْ فِي ذَمِّ مُتَّبِعِ الْمُتَشَابِهِ حُجَّةٌ عَلَى أَنَّ الرَّاسِخِينَ لَا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ، لَكِنَّ الذَّمَّ وَرَدَ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ ; فَيَقْتَضِي عُمُومَ الِاتِّبَاعِ. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: إِنَّ قَوْلَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ: آمَنَّا بِهِ، يَدُلُّ عَلَى تَفْوِيضٍ مِنْهُمْ، وَتَسْلِيمٍ لِمَا لَمْ يَقِفُوا عَلَى حَقِيقَةِ الْمُرَادِ بِهِ، وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ الَّذِي مُدِحَ عَلَيْهِ أَهْلُهُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [الْقَصَصِ: ٥٢ - ٥٣] ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي التَّسْلِيمِ لِمُرَادِ اللَّهِ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يُنَافِي فَهْمَهُمُ الْمُرَادَ بِهِ، نَعَمْ قَوْلُهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ، بَعْدَ قَوْلِهِمْ: آمَنَّا بِهِ، يَدُلُّ دَلَالَةً قَوِيَّةً عَلَى التَّفْوِيضِ لِمُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْهُ، وَصَارَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْمُحْكَمَ الَّذِي يُفْهَمُ الْمُرَادُ مِنْهُ، وَالْمُتَشَابِهَ الَّذِي لَا يُفْهَمُ الْمُرَادُ بِهِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْقِسْمَيْنِ هُوَ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ; فَنَحْنُ نُؤْمِنُ بِهِمَا عَنْ فَهْمٍ وَتَعَقُّلٍ فِي الْمُحْكَمِ، وَتَفْوِيضٍ وَتَسْلِيمٍ فِي الْمُتَشَابِهِ. وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ فِي الْوَاوِ بِالْعَطْفِ بِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَمُجَاهِدٍ، أَنَّهُمَا قَالَا: نَحْنُ مِمَّنْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ، يَعْنِي الْمُتَشَابِهَ.

стр. 582

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الثَّانِي: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: ((اللَّهُمَّ عِلِّمْهُ التَّأْوِيلَ)) وَدُعَاءُ النَّبِيِّ ﷺ مُسْتَجَابٌ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ عَلِمَ التَّأْوِيلَ، وَهُوَ عَامٌّ فِي تَأْوِيلِ الْمُتَشَابِهِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا عَلِمَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، جَازَ أَنْ يَعْلَمَهُ غَيْرُهُ مِنَ الرَّاسِخِينَ، إِذْ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ تَسْمِيَتَهُمْ رَاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ يَقْتَضِي عِلْمَهُمْ بِتَأْوِيلِ الْمُتَشَابِهِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فَضِيلَةٌ عَلَى غَيْرِهِمْ، نَعَمْ مِنَ الْمُتَشَابِهِ مَا يَعْلَمُهُ الرَّاسِخُونَ، وَمِنْهُ مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِهِ دُونَهُمْ، كَالرُّوحِ، وَوَقْتِ السَّاعَةِ، وَأَمَارَاتِهَا الَّتِي تَتَقَدَّمُهَا، كَالدَّجَّالِ، وَنَحْوِهِ. فَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُتَشَابِهَ لَا يَعْلَمُهُ الرَّاسِخُونَ، أَرَادَ بِهِ هَذَا، أَمَّا مَا أَمْكَنَ عِلْمُهُ بِحِكْمَةٍ عَلَى وَجْهٍ سَائِغٍ فِي اللُّغَةِ ; فَلَا. وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ ﵄. وَإِنْ ثَبَتَ فَهُوَ مُعَارَضٌ بِمَا سَبَقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي عَكْسِهِ، وَمِنِ اتِّفَاقِ الْجُمْهُورِ عَلَى خِلَافِ مُجَاهِدٍ. وَعَنِ الثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ لَوَازِمِ دُعَاءِ الرَّسُولِ ﷺ إِجَابَتُهُ بِنَفْسِ مَا يَدْعُو بِهِ، بَلْ رُبَّمَا صُرِفَ إِلَى غَيْرِهِ، بِأَنْ يُعَوَّضَ عَنْهُ بِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ أَوْ أُخْرَوِيٍّ. وَقَدْ دَعَا بِدَعَوَاتٍ فَلَمْ يُجَبْ فِيهَا ; فَعُوِّضَ عَنْهَا دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٍ فِي الْآخِرَةِ، ادَّخَرَهُنَّ شَفَاعَةً لِأُمَّتِهِ، وَقَالَ: سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِسَنَةٍ عَامَّةٍ ; فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَلْبِسَهُمْ شِيَعًا فَمَنَعَنِيهَا. سَلَّمْنَا أَنَّ مِنْ لَوَازِمِ دُعَائِهِ الْإِجَابَةَ ; لَكِنَّ التَّأْوِيلَ مَحْمُولٌ عَلَى

стр. 583

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَأْوِيلِ الْمُحْكَمِ الَّذِي لَيْسَ بِمُتَشَابِهٍ ; إِمَّا تَخْصِيصًا لَهُ بِذَلِكَ بِأَدِلَّتِنَا، أَوْ أَنَّهُ كَانَ مَعْهُودًا بَيْنَهُمْ ; لِعِلْمِهِمْ أَنَّ الْمُتَشَابِهَ مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ ; فَتَكُونُ اللَّامُ فِي التَّأْوِيلِ لِلْعَهْدِ. وَعَنِ الثَّالِثِ: بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ ; الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ بِاللَّهِ وَمَعْرِفَتِهِ، وَأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى الْوُقُوفِ عَلَى كُنْهِ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ لِغَيْرِهِ، كَمَا حُكِيَ عَنِ الصِّدِّيقِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: الْعَجْزُ عَنْ دَرْكِ الْإِدْرَاكِ إِدْرَاكٌ. وَقَالَ: حَقِيقَةُ الْمَرْءِ لَيْسَ الْمَرْءُ يُدْرِكُهَا ... فَكَيْفَ كَيْفِيَّةُ الْجَبَّارِ فِي الْقِدَمِ أَمَّا الْعَالِمُونَ بِحَمْلِ الْمُتَشَابِهِ عَلَى مَجَازِ كَلَامِ الْعَرَبِ ; فَلَيْسُوا بِرَاسِخِينَ، بَلْ لَيْتَهُمْ لَا يَكُونُونَ خَاسِرِينَ، إِذِ الْإِقْدَامُ عَلَى وَصْفِ الْبَارِئِ ﷻ بِمَا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ، وَلَا دَلِيلَ قَاطِعٌ عَلَيْهِ - مَعَ إِمْكَانِ سُلُوكِ طَرِيقِ السَّلَامَةِ، بِالسُّكُوتِ وَالتَّسْلِيمِ وَالتَّفْوِيضِ - بَعِيدٌ عَنِ الْعِلْمِ فَضْلًا عَنِ الرُّسُوخِ فِيهِ. وَقَدْ أَطَلْتُ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ; لِأَنَّهَا مِنَ الْأُصُولِ الْكِبَارِ، وَمَعَ ذَلِكَ ; هِيَ تَحْتَمِلُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا. قَوْلُهُ: «وَالْكَلَامُ فِيهَا مُسْتَقْصًى فِي» بُغْيَةِ السَّائِلِ «» ، هَذَا كِتَابٌ كُنْتُ صَنَّفْتُهُ

стр. 584

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِبَغْدَادَ، ذَكَرْتُ فِيهِ جُمْلَةً مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، وَكَانَ أَصْلُ الْبَاعِثِ لِي عَلَى تَأْلِيفِهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ ; فَاسْتَقْصَيْتُ فِيهَا مَا أَظُنُّهُ أَبْسَطَ مِنْ هَذَا. وَهَاهُنَا أَشْيَاءُ لَيْسَتْ فِي ذَلِكَ، وَسَمَّيْتُهُ «بُغْيَةَ السَّائِلِ عَنْ أُمَّهَاتِ الْمَسَائِلِ» ; لِأَنِّي تَحَرَّيْتُ فِيهِ ذِكْرَ الْمَسَائِلِ الْكِبَارِ مِنْ مَسَائِلِ الْعَقَائِدِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَهَذَا آخِرُ الْكَلَامِ عَلَى مَسَائِلِ الْأَصْلِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الْكِتَابُ.

стр. 585

السُّنَّةُ وَالسُّنَّةُ لُغَةً: الطَّرِيقَةُ، وَشَرْعًا، اصْطِلَاحًا: مَا نُقِلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْلًا، أَوْ إِقْرَارًا، وَهُوَ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ عَلَى مَنْ سَمِعَهُ مِنْهُ شِفَاهًا، أَوْ بَلَغَهُ عَنْهُ تَوَاتُرًا، وَمُوجِبٌ لِلْعَمَلِ إِنْ بَلَغَهُ آحَادًا، مَا لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا، يَصْرِفُهُ عَنْهُ دَلِيلٌ، لِدَلَالَةِ الْمُعْجِزِ عَلَى صِدْقِهِ، وَالْأَمْرِ بِتَصْدِيقِهِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ خِلَافِهِ. وَالْخَبَرُ: مَا تَطَرَّقَ إِلَيْهِ التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ. وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: يَمْتَنِعُ دُخُولُهُمَا فِي مِثْلِ: مُحَمَّدٌ وَمُسَيْلِمَةُ صَادِقَانِ. مَرْدُودٌ، بِأَنَّهُمَا خَبَرَانِ: صَادِقٌ، وَكَاذِبٌ وَهُوَ قِسْمَانِ: تَوَاتُرٌ، وَآحَادٌ. ــ قَوْلُهُ: «السُّنَّةُ لُغَةً: الطَّرِيقَةُ» . هَذَا حِينَ الشُّرُوعِ فِي الْأَصْلِ الثَّانِي، وَهُوَ السُّنَّةُ، وَهِيَ لُغَةً - أَيْ: فِي اللُّغَةِ - الطَّرِيقَةُ، وَالسِّيرَةُ مِنْ قَوْلِكَ: سَنَنْتُ الْمَاءَ عَلَى وَجْهِي، أَيْ: صَبَبْتُهُ، وَسَنَّ عَلَيْهِ الدِّرْعَ، أَيْ: صَبَّهَا، كَأَنَّ سَالِكَ الطَّرِيقِ يَنْصَبُّ عَلَيْهَا انْصِبَابَ الْمَاءِ. وَقَالَ خَالِدٌ الْهُذَلِيُّ، وَهُوَ خَالِدُ ابْنُ أُخْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ، وَهُوَ ابْنُ زُهَيْرٍ الْهُذَلِيُّ بْنُ مَحْرُوقٍ: فَلَا تَجْزَعَنْ مِنْ سُنَّةٍ أَنْتَ سِرْتَهَا ... فَأَوَّلُ رَاضٍ سُنَّةً مَنْ يَسِيرُهَا قُلْتُ: السِّيرَةُ: الْهَيْئَةُ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْهَا السَّيْرُ، وَهُوَ مُلَازَمَةُ الطَّرِيقِ، وَالطَّرِيقَةُ. وَالطَّرِيقُ: فَعِيلٌ، مِنْ طَرَقَ يَطْرُقُ ; لِأَنَّ الطَّرِيقَ يَطْرُقُهُ النَّاسُ رِجَالًا

стр. 586

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَرُكْبَانًا، وَالسِّيرَةُ: مِنَ السَّيْرِ، وَالسُّنَّةُ: مِنَ السَّنِّ، وَهُوَ الصَّبُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: «وَشَرْعًا وَاصْطِلَاحًا» ، أَيْ: وَالسُّنَّةُ فِي اصْطِلَاحِ الشَّرْعِ، «مَا نُقِلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْلًا، أَوْ فِعْلًا، أَوْ إِقْرَارًا» عَلَى فِعْلٍ. فَالْقَوْلُ: كَقَوْلِهِ ﵇: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، وَخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ، وَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ، وَمَنْ تَرَكَ وَاجِبًا فَعَلَيْهِ دَمٌ. وَالْفِعْلُ: كَمَا شُوهِدَ مِنْهُ مِنَ الْأَفْعَالِ فِي الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ، كَرَفْعِ يَدَيْهِ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ، وَعِنْدَ الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ، وَكَسَعْيِهِ فِي الْوَادِي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَهُوَ يَقُولُ: لَا يُقْطَعُ الْوَادِي إِلَّا شَدًّا. وَالْإِقْرَارُ: كَسَائِرِ مَا رَأَى الصَّحَابَةَ يَقُولُونَهُ أَوْ يَفْعَلُونَهُ ; فَلَا يَنْهَاهُمْ، وَذَلِكَ كَقَوْلِ أَنَسٍ ﵁: كَانُوا إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ يَعْنِي الْمَغْرِبَ ابْتَدَرُوا السَّوَارِي يُصَلُّونَ

стр. 587

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى إِنِ الرَّجُلَ الْغَرِيبَ لَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ ; فَيَحْسَبُ أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ صُلِّيَتْ لِكَثْرَةِ مَنْ يُصَلِّيهَا، قِيلَ لَهُ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّيهِمَا؟ قَالَ: كَانَ يَرَانَا نُصَلِّيهِمَا فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا، وَكَاحْتِجَاجِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى إِبَاحَةِ الضَّبِّ بِأَنَّهُ أُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَنَهَى عَنْهُ، وَكَاحْتِجَاجِهِ عَلَى إِبَاحَةِ أُجْرَةِ الْحَجَّامِ، بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ. وَبِالْجُمْلَةِ: فَالسُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ مُنْحَصِرَةٌ فِي هَذِهِ الْأَقْسَامِ: الْقَوْلِ، وَالْفِعْلِ، وَالْإِقْرَارِ، أَيْ: تَقْرِيرُ مَنْ يَسْمَعُهُ يَقُولُ شَيْئًا، أَوْ يَرَاهُ يَفْعَلُهُ، عَلَى قَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ، بِأَنْ لَا يُنْكِرَهُ، أَوْ يَضُمَّ إِلَى عَدَمِ الْإِنْكَارِ تَحْسِينًا لَهُ، أَوْ مَدْحًا عَلَيْهِ، أَوْ ضَحِكًا مِنْهُ عَلَى جِهَةِ السُّرُورِ بِهِ، كَتَبَسُّمِهِ مِنْ قِيَافَةِ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ حِينَ رَأَى زَيْدًا وَأُسَامَةَ نَائِمَيْنِ قَدْ بَدَتْ أَقْدَامُهُمَا مِنْ قَطِيفَةٍ ; فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ. وَكَضَحِكِهِ مِنَ الْحَبْرِ

стр. 588

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الَّذِي جَاءَهُ ; فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَضَعُ الْأَرْضَ عَلَى أُصْبُعٍ وَالسَّمَاءَ عَلَى أُصْبُعٍ. الْحَدِيثَ فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ تَصْدِيقًا لِمَا قَالَ الْحَبْرُ. نَعَمْ شَرْطُ كَوْنِ إِقْرَارِهِ حُجَّةً، بَلْ شَرْطُ كَوْنِ تَرْكِهِ الْإِنْكَارَ إِقْرَارًا: عِلْمُهُ بِالْفِعْلِ وَقُدْرَتُهُ عَلَى الْإِنْكَارِ ; لِأَنَّهُ بِدُونِ الْعِلْمِ لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ مُقِرٌّ أَوْ مُنْكِرٌ، وَمَعَ الْعَجْزِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُقِرٌّ، كَحَالِهِ مَعَ الْكُفَّارِ فِي مَكَّةَ قَبْلَ ظُهُورِ كَلِمَتِهِ. وَقَوْلُهُ: «شَرْعًا اصْطِلَاحًا» : احْتِرَازٌ مِنَ السُّنَّةِ فِي الْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ الْعَامِّ ; فَإِنَّهَا تُطْلَقُ عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ ﵃، وَالتَّابِعَيْنِ ﵏. فَحَاصِلُهُ أَنَّ لِلسُّنَّةِ عُرْفًا خَاصًّا فِي اصْطِلَاحِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا أَوْ تَقْرِيرًا، وَعُرْفًا عَامًّا، وَهُوَ مَا نُقِلَ عَنْهُ، أَوْ عَنِ السَّلَفِ مِنَ

стр. 589

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمُقْتَدَى بِهِمْ. قَوْلُهُ: «وَهُوَ» ، أَيْ: قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ عَلَى مَنْ سَمِعَهُ مِنْهُ شِفَاهًا، أَوْ بَلَغَهُ تَوَاتُرًا، وَمُوجِبٌ لِلْعَمَلِ، إِنْ بَلَغَهُ آحَادًا» . قُلْتُ: مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ مَعَ ظُهُورِهِ أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَسْمُوعًا مِنْهُ لِغَيْرِهِ بِلَا وَاسِطَةٍ، أَوْ مَنْقُولًا إِلَيْهِ بِوَاسِطَةِ الرُّوَاةِ. فَإِنْ كَانَ مَسْمُوعًا مِنْهُ ; فَهُوَ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ عَلَى مَنْ سَمِعَهُ، كَالصَّحَابَةِ الَّذِينَ سَمِعُوا مِنْهُ الْأَحْكَامَ، لَا يُسَوَّغُ خِلَافُهَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، إِلَّا بِنَسْخٍ أَوْ جَمْعٍ بَيْنَ مُتَعَارِضٍ بِالتَّأْوِيلِ، وَذَلِكَ فِي التَّحْقِيقِ لَا يُعَدُّ خِلَافًا. وَإِنْ كَانَ مَنْقُولًا إِلَى الْغَيْرِ ; فَهُوَ إِمَّا تَوَاتُرٌ أَوْ آحَادٌ، فَإِنْ كَانَ تَوَاتُرًا ; فَهُوَ أَيْضًا حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ، كَالْمَسْمُوعِ مِنْهُ ﵇ ; لِأَنَّ التَّوَاتُرَ يُفِيدُ الْعِلْمَ، كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ; فَصَارَ كَالْمَسْمُوعِ مِنْهُ شِفَاهًا فِي إِفَادَةِ الْعِلْمِ، غَيْرَ أَنَّ مَدْرَكَ الْعِلْمِ فِي الْمَسْمُوعِ الْحِسُّ، وَفِي التَّوَاتُرِ الْمُرَكَّبُ مِنَ السَّمْعِ وَالْعَقْلِ، كَمَا سَبَقَ عِنْدَ ذِكْرِ مَدَارِكِ الْعِلْمِ. وَإِنْ كَانَ آحَادًا ; فَهُوَ مُوجِبٌ لِلْعَمَلِ، أَيْ: يَجِبُ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ، لِمَا سَيَأْتِي فِي تَقْرِيرِ وُجُوبِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. تَنْبِيهٌ: قَوْلُنَا: عَلَى مَنْ سَمِعَهُ مِنْهُ شِفَاهًا، أَيْ: مُشَافَهَةً، مُشْتَقًّا مِنَ الشَّفَةِ، أَيْ: يَسْمَعُهُ مِنْ فَمِهِ وَشَفَتَيْهِ، يُقَالُ: شَافَهْتُهُ مُشَافَهَةً وَشِفَاهًا، وَكَلَّمْتُهُ فُوهُ إِلَى فِيَّ، مَعْنَاهُ: وَكَلَّمْتُهُ شِفَاهًا، عَلَى جِهَةِ التَّأْكِيدِ، وَرَفْعِ احْتِمَالِ الْمَجَازِ، لِاحْتِمَالِ

стр. 590

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَنَّهُ كَلَّمَهُ بِوَاسِطَةِ رَسُولٍ أَوْ كِتَابٍ. وَأَصْلُ شَفَةٍ: شَفَهَةٌ ; فَلِذَلِكَ ظَهَرَتِ الْهَاءُ فِي شُفَيْهَةٍ وَشِفَاهٍ وَمُشَافَهَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ تَصَارِيفِهَا. قَوْلُهُ: «مَا لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا يَصْرِفُهُ عَنْهُ دَلِيلٌ» ، أَيِ: السُّنَّةُ الَّتِي تَبْلُغُ الْمُكَلَّفَ سَمَاعًا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ نَقْلًا عَنْهُ، تَوَاتُرًا أَوْ آحَادًا، هِيَ حُجَّةٌ عَلَيْهِ، قَطْعًا أَوْ ظَنًّا، كَمَا فُصِّلَ، مَا لَمْ يَكُنِ الَّذِي بَلَغَتْهُ السُّنَّةُ مُجْتَهِدًا، يَصْرِفُهُ عَنْ مُقْتَضَى مَا سُمِعَ أَوْ نُقِلَ إِلَيْهِ دَلِيلٌ ; فَيَجِبُ عَلَيْهِ مُتَابَعَةُ الدَّلِيلِ ; لِأَنَّ الْعَمَلَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، أَوْ بِخِلَافِ الدَّلِيلِ، حَرَامٌ. وَتَفْصِيلُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ: أَنَّ الْمُكَلَّفَ الَّذِي بَلَغَتْهُ السُّنَّةُ سَمَاعًا أَوْ نَقْلًا ; إِمَّا مُقَلِّدٌ ; فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ تَقْلِيدُ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَوْ مُجْتَهِدٌ، فَإِنْ لَمْ يَصْرِفْهُ عَنْ مُقْتَضَى مَا بَلَغَهُ دَلِيلٌ، لَزِمَهُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ، وَحَرُمَ الْعُدُولُ عَنْهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ صَرَفَهُ عَنْهُ دَلِيلٌ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْمَصِيرُ إِلَى مُقْتَضَى ذَلِكَ الدَّلِيلِ، وَذَلِكَ كَتَرْكِ الْعَامِّ إِلَى الْخَاصِّ، وَالْمُطْلَقِ إِلَى الْمُقَيَّدِ، وَالْمَرْجُوحِ إِلَى الرَّاجِحِ، وَكَمَصِيرِ مَالِكٍ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَتَرْكِ كَثِيرٍ مِنَ الْأَخْبَارِ، وَإِلَى الْقِيَاسِ، وَتَرْكِ النَّصِّ الْمُخَالِفِ لِلْأُصُولِ، وَتَخْصِيصِ النُّصُوصِ بِالْعَادَاتِ، وَتَقْدِيمِ أَبِي حَنِيفَةَ الْقِيَاسَ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ، إِذَا وَرَدَ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: «لِدَلَالَةِ الْمُعْجِزِ عَلَى صِدْقِهِ، وَالْأَمْرِ بِتَصْدِيقِهِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ خِلَافِهِ» . هَذَا دَلِيلٌ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ حُجَّةٌ عَلَى مَا فَصَّلْنَاهُ.

стр. 591

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ سُنَّتَهُ ﵇ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا، أَوْ نُقِلَتْ إِلَيْهِ، لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُعْجِزَ دَلَّ عَلَى صِدْقِهِ ﵇، وَكُلُّ مَنْ دَلَّ الْمُعْجِزُ عَلَى صِدْقِهِ ; فَهُوَ صَادِقٌ ; فَهُوَ ﵇ صَادِقٌ، وَكُلُّ صَادِقٍ فَقَوْلُهُ حُجَّةٌ عَلَى مَا فَصَّلْنَاهُ ; فَقَوْلُهُ ﵇ حُجَّةٌ عَلَى مَا فَصَّلْنَاهُ، وَالْمُقَدِّمَاتُ ظَاهِرَةٌ. أَمَّا ظُهُورُ الْمُعْجِزِ عَلَى صِدْقِهِ ; فَبِالْإِجْمَاعِ، وَقَدْ تَوَاتَرَ وَدُوِّنَتْ فِيهِ الْكُتُبُ. وَأَمَّا دَلَالَتُهُ عَلَى الصِّدْقِ ; فَلِمَا تَقَرَّرَ فِي النُّبُوَّاتِ، مِنْ أَنَّ ظُهُورَ الْمُعْجِزِ عَلَى وَفْقِ دَعْوَى النَّبِيِّ ﷺ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ: صَدَقْتَ فِيمَا أَخْبَرْتَ بِهِ عَنِّي. وَأَمَّا أَنَّ قَوْلَ الصَّادِقِ حُجَّةٌ ; فَلِأَنَّ قَوْلَهُ حَقٌّ، وَكُلُّ حَقٍّ فَهُوَ حُجَّةٌ يَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ، إِذْ لَيْسَ بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الْبَاطِلُ، وَالْمَصِيرُ إِلَى الْبَاطِلِ حَرَامٌ ; فَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَى الْحَقِّ، إِذْ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يُونُسَ: ٣٢] . الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِتَصْدِيقِهِ، وَكُلُّ مَنْ أَمَرَ اللَّهُ بِتَصْدِيقِهِ، كَانَ قَوْلُهُ حُجَّةً. أَمَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِتَصْدِيقِهِ ﵇ ; فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النِّسَاءِ: ١٣٦] ، أَيْ: صَدِّقُوا ; لِأَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ التَّصْدِيقُ، وَلَا مَعْنَى لِلتَّصْدِيقِ بِالرَّسُولِ إِلَّا اعْتِقَادُ صِدْقِهِ، وَقَبُولُ مَا جَاءَ بِهِ. وَقَوْلُهُ : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٣١] ، وَالْمُتَابَعَةُ فَرْعٌ عَلَى التَّصْدِيقِ، وَمَلْزُومٌ لَهُ، وَالْأَمْرُ بِالْفَرْعِ وَالْمَلْزُومِ أَمْرٌ بِالْأَصْلِ وَاللَّازِمِ، وَالنُّصُوصُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.

стр. 592

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَمَّا أَنَّ كُلَّ مَنْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِتَصْدِيقِهِ يَكُونُ قَوْلُهُ حُجَّةً ; فَلِأَنَّ تَصْدِيقَهُ إِيَّاهُ يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَهُ حَقٌّ وَصِدْقٌ، وَالْحَقُّ وَالصِّدْقُ حُجَّةٌ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ اللَّهَ حَذَّرَ مِنْ مُخَالَفَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النُّورِ: ٦٣] ، وَكُلُّ مَنْ حَذَّرَ اللَّهُ مِنْ مُخَالَفَتِهِ، وَجَبَتْ مُوَافَقَتُهُ وَمُتَابَعَتُهُ ; لِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ سَبَبُ الْعَذَابِ، وَسَبَبُ الْعَذَابِ حَرَامٌ ; فَالْمُخَالِفَةُ حَرَامٌ، وَتَرْكُ الْحَرَامِ وَاجِبٌ ; فَتَرْكُ الْمُخَالَفَةِ وَاجِبٌ، وَتَرْكُ الْمُخَالَفَةِ يَسْتَلْزِمُ الْمُتَابَعَةَ وَالْمُوَافَقَةَ ; فَتَكُونُ وَاجِبَةً، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَرْكَ الْمُخَالَفَةِ يَسْتَلْزِمُ الْمُوَافَقَةَ لِجَوَازِ الْوَاسِطَةِ، وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُكَلَّفُ مُخَالِفًا لِلرَّسُولِ وَلَا مُوَافِقًا لَهُ. قُلْنَا: الْمُخَالَفَةُ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْهَا الْآيَةُ هِيَ تَرْكُ امْتِثَالِ أَمْرِ الرَّسُولِ، وَالْإِعْرَاضُ عَنْهُ، وَتَرْكُ هَذِهِ الْمُخَالَفَةِ يَسْتَلْزِمُ امْتِثَالَ أَمْرِهِ، وَالْإِقْبَالَ عَلَيْهِ، إِذْ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ امْتِثَالِ أَمْرِهِ، وَتَرْكِ امْتِثَالِهِ، وَذَلِكَ هُوَ الْمَطْلُوبُ. قَوْلُهُ: «وَالْخَبَرُ مَا تَطَرَّقَ إِلَيْهِ التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ» ، أَيْ: مَا صَحَّ أَنْ يُقَالَ فِي جَوَابِهِ: صَدَقَ أَوْ كَذَبَ ; فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْأَمْرُ، وَالنَّهْيُ، وَالِاسْتِفْهَامُ، وَالتَّمَنِّي، وَالدُّعَاءُ، نَحْوَ: قُمْ، وَلَا تَقُمْ، وَهَلْ تَقُومُ، وَلَيْتَكَ تَقُومُ، وَاللَّهُمَّ أَقِمْ فُلَانًا مِنْ صَرْعَتِهِ، إِذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فِي جَوَابِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ: صَدَقَ أَوْ كَذَبَ، بِخِلَافِ قَوْلِكَ: زَيْدٌ قَائِمٌ، قَامَ زَيْدٌ. وَإِنَّمَا دَلَّ تَطَرُّقُ التَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ إِلَى الْكَلَامِ عَلَى كَوْنِهِ خَبَرًا ; لِأَنَّهُمَا مَلْزُومَانِ لِلْخَبَرِ، وَأَخَصُّ مِنْهُ، إِذِ الصِّدْقُ هُوَ الْخَبَرُ الْمُطَابِقُ، وَالْكَذِبُ هُوَ الْخَبَرُ غَيْرُ الْمُطَابِقِ ; فَدَلَّا عَلَيْهِ دَلَالَةَ الْمَلْزُومِ عَلَى اللَّازِمِ، وَالْأَخَصُّ عَلَى الْأَعَمِّ.

стр. 593

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَاعْلَمْ أَنَّ الْخَبَرَ ; فِيمَا أَحْسِبُ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْخَبَارِ، وَهُوَ الْأَرْضُ الرَّخْوَةُ ; لِأَنَّ الْخَبَرَ يُثِيرُ الْفَائِدَةَ، كَمَا أَنَّ الْأَرْضَ الْخَبَارَ تُثِيرُ الْغُبَارَ إِذَا قَرَعَهَا الْحَافِرُ. ثُمَّ الْخَبَرُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْإِشَارَاتِ الْحَالِيَّةِ مَجَازًا، نَحْوَ: عَيْنَاكَ تُخْبِرُنِي بِكَذَا، وَالْغُرَابُ يُخْبِرُ بِالْفِرَاقِ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: تُخَبِّرُنِي الْعَيْنَانِ مَا الصَّدْرُ كَاتِمُ وَقَوْلِ النَّابِغَةِ: زَعَمَ الْبَوَارِحُ أَنَّ رِحْلَتَنَا غَدًا ... وَبِذَاكَ خَبَّرَنَا الْغُرَابُ الْأَسْوَدُ وَحَقِيقَةُ الْخَبَرِ: هُوَ الْقَوْلُ اللِّسَانِيُّ الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْإِسْنَادِ الْإِفَادِيِّ، وَمَنْ يُثْبِتُ كَلَامَ النَّفْسِ يُطْلِقُ الْخَبَرَ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْهُمْ فِي الْقَوْلِ اللِّسَانِيِّ أَظْهَرُ ; لِغَلَبَةِ اسْتِعْمَالِهِ فِيهِ، وَتَبَادُرِهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إِلَى الْفَهْمِ. ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي تَصَوُّرِ مَاهِيَّةِ الْخَبَرِ، أَيْ: الْعِلْمِ بِهِ. فَقَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ: هُوَ بَدِيهِيٌّ ; لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ صِدْقَ قَوْلِنَا: الْوَاحِدُ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ، وَهُوَ خَبَرٌ خَاصٌّ، وَتَصَوُّرُ الْخَبَرِ الْخَاصِّ مَوْقُوفٌ عَلَى تَصَوُّرِ أَصْلِ الْخَبَرِ، وَمَا تَوَقَّفَ عَلَيْهِ الْبَدِيهِيُّ يَكُونُ بَدِيهِيًّا. قُلْتُ: وَهَذَا وَهْمٌ ; لِأَنَّ قَوْلَنَا: الْوَاحِدُ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ، لَيْسَتْ خُصُوصِيَّتُهُ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ خَبَرًا، حَتَّى يَسْتَلْزِمَ كَوْنُهُ بَدِيهِيًّا كَوْنَ الْخَبَرِ الَّذِي هُوَ أَعَمُّ مِنْهُ بَدِيهِيًّا، بَلْ إِنَّمَا خُصُوصِيَّتُهُ مِنْ جِهَةِ مَدْرَكِهِ، وَهُوَ بَدِيهَةُ الْعَقْلِ، وَمَدَارِكُ الْعُلُومِ تَخْتَلِفُ فِي

стр. 594

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، وَالْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ، كَمَا تَخْتَلِفُ الْعُلُومُ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا عَلِمْنَا صِدْقَ قَوْلِنَا: الْوَاحِدُ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ، لَا لِكَوْنِ الْعِلْمِ بِمَاهِيَّةِ الْخَبَرِ بَدِيهِيًّا، حَتَّى لَوْ قُلْنَا: زَيْدٌ قَائِمٌ، لَمْ نَعْلَمْ صِدْقَ هَذَا الْخَبَرِ بِالضَّرُورَةِ، حَتَّى نَعْلَمَ مُطَابَقَتَهُ بِمُشَاهَدَةٍ أَوْ نَقْلٍ، وَإِذَا بَطَلَ كَوْنُ تَصَوَّرِ مَاهِيَّةِ الْخَبَرِ بَدِيهِيًّا ; وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَسْبِيًّا، وَطَرِيقُ اكْتِسَابِهِ الْحَدُّ، وَقَدْ قِيلَ فِي حَدِّهِ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا، وَهُوَ مَا تَطَرَّقَ إِلَيْهِ التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ، وَقِيلَ: مَا يَحْتَمِلُ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ، وَأُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّ التَّصْدِيقَ هُوَ الْإِخْبَارُ عَنْ كَوْنِ الْخَبَرِ صِدْقًا أَوْ كَذِبًا ; فَيَكُونُ تَعْرِيفًا لِلْخَبَرِ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ دَوْرٌ. قُلْتُ: هَذَا سُؤَالٌ قَوِيٌّ ; لِأَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: قَامَ زَيْدٌ، جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ، فَإِذَا قَالَ لَهُ السَّامِعُ: كَذَبْتَ أَوْ صَدَقْتَ ; فَقَدْ أَجَابَهُ بِجُمْلَةٍ خَبَرِيَّةٍ أَيْضًا، وَكِلَا الْجُمْلَتَيْنِ خَبَرٌ ; فَلَوْ عَرَّفْنَا الْأَوْلَى بِتَطَرُّقِ الثَّانِيَةِ إِلَيْهَا، عَرَّفْنَا الْخَبَرَ بِتَطَرُّقِ الْخَبَرِ عَلَيْهِ. فَالْأَجْوَدُ إِذَنْ فِي تَعْرِيفِ الْخَبَرِ مَا ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ، وَهُوَ أَنَّ الْخَبَرَ: هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ بِالْوَضْعِ عَلَى نِسْبَةِ مَعْلُومٍ إِلَى مَعْلُومٍ، أَوْ سَلْبِهَا عَنْهُ، مَعَ قَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ الدَّلَالَةَ عَلَى ذَلِكَ، عَلَى وَجْهٍ يَحْسُنُ السُّكُوتُ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: الْخَبَرُ: هُوَ الْمَوْضُوعُ لِلَفْظَيْنِ فَأَكْثَرَ، أُسْنِدَ مُسَمَّى أَحَدِهِمَا إِلَى مُسَمَّى الْآخَرِ إِسْنَادًا يَقْبَلُ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ لِذَاتِهِ، نَحْوَ: زَيْدٌ قَامَ. وَذَكَرَ أَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ: لِلَفْظَيْنِ فَأَكْثَرَ ; لِأَنَّ أَقَلَّ مَا يَتَرَكَّبُ مِنْهُ الْخَبَرُ لَفْظَانِ، نَحْوَ: زَيْدٌ قَائِمٌ، وَقَامَ

стр. 595

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ زَيْدٌ، وَقَدْ يَتَرَكَّبُ مِنْ أَكْثَرَ مِنْهُمَا، نَحْوَ: ضَرَبَ زِيدٌ عَمْرًا يَوْمَ الْجُمْعَةِ بِالسَّيْفِ وَخَالِدًا ; فَكُلُّ هَذِهِ مُتَعَلِّقَاتُ الْجُمْلَةِ ; فَهِيَ خَبَرٌ وَاحِدٌ. وَقَوْلُهُ: أُسْنِدَ مُسَمَّى أَحَدِهِمَا إِلَى مُسَمَّى الْآخَرِ: احْتِرَازٌ مِنْ مِثْلِ قَوْلِنَا: زَيْدٌ عَمْرٌو فِي الْكَلَامِ غَيْرِ الْمُنْتَظِمِ. وَقَوْلُهُ: يَقْبَلُ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ: احْتِرَازٌ مِنَ الْإِسْنَادِ الْإِضَافِيِّ وَالْوَصْفِيِّ، نَحْوَ: غُلَامُ زَيْدٍ، وَرَجُلٌ صَالِحٌ ; فَإِنَّهُ لَفْظَانِ، أُسْنِدَ مُسَمَّى أَحَدِهِمَا إِلَى مُسَمَّى الْآخَرِ، وَلَيْسَ خَبَرًا ; لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ. قُلْتُ: وَبِهَذَا يَرِدُ عَلَى حَدِّهِ الدَّوْرُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَتَعْرِيفُ الْآمِدِيِّ سَالِمٌ مِنْهُ. وَقَوْلُهُ: لِذَاتِهِ: احْتِرَازٌ مِنْ خَبَرِ اللَّهِ ، وَرُسُلِهِ، وَالْأَخْبَارِ الْبَدِيهِيَّةِ، نَحْوَ: الْوَاحِدُ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ ; فَإِنَّهَا لَا تَقْبَلُ إِلَّا التَّصْدِيقَ. وَقَوْلُنَا: الْوَاحِدُ نِصْفُ الْعَشْرَةِ ; فَإِنَّهَا لَا تَقْبَلُ إِلَّا التَّكْذِيبَ، لَكِنَّ قَبُولَ هَذِهِ الْأَخْبَارِ لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، إِنَّمَا جَاءَهَا مِنْ جِهَةِ الْمُخْبِرِ ; لِكَوْنِهِ مَعْصُومًا، أَوْ مَادَّتِهِ: الْمُخْبَرِ عَنْهُ، إِذْ لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا ذَاكَ، لَا لِكَوْنِهَا أَخْبَارًا، إِذْ بِالنَّظَرِ إِلَى كَوْنِهَا أَخْبَارًا تَقْبَلُ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ. فَحَاصِلُ الْأَمْرِ: أَنَّ الْخَبَرَ لِذَاتِهِ يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ، فَإِنْ وَقَعَ خَبَرٌ لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا أَحَدَهُمَا ; فَذَلِكَ لِأَمْرٍ عَارِضٍ خَارِجٍ عَنْ ذَاتِ الْخَبَرِ ; إِمَّا مِنْ جِهَةِ الْمُخْبِرِ، أَوِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ، أَوْ غَيْرِهِمَا إِنْ أَمْكَنَ. قَوْلُهُ: «وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: يَمْتَنِعُ دُخُولُهُمَا فِي مِثْلِ مُحَمَّدٌ، وَمُسَيْلِمَةُ - لَعَنَهُ

стр. 596

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اللَّهُ - صَادِقَانِ، مَرْدُودٌ بِأَنَّهُمَا خَبَرَانِ: صَادِقٌ وَكَاذِبٌ» . وَهَذَا سُؤَالٌ أُورِدَ عَلَى تَعْرِيفِ الْخَبَرِ بِمَا تَطَرَّقَ إِلَيْهِ التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ وَجَوَابُهُ. أَمَّا تَقْرِيرُ السُّؤَالِ: فَهُوَ أَنَّ قَوْلَكُمْ: الْخَبَرُ يَحْتَمِلُ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ يَبْطُلُ بِقَوْلِ الْقَائِلِ: مُحَمَّدٌ وَمُسَيْلِمَةُ صَادِقَانِ ; فَإِنَّهُ خَبَرٌ، وَالتَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ يَمْتَنِعُ دُخُولُهُمَا فِيهِ ; لِأَنَّ تَصْدِيقَ مُسَيْلِمَةَ فِي دَعْوَاهُ النُّبُوَّةَ، وَهُوَ كَاذِبٌ، وَتَكْذِيبَهُ يُوجِبُ تَكْذِيبَ مُحَمَّدٍ، ﷺ وَهُوَ صَادِقٌ. وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ مَرْدُودٌ ; لِأَنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ خَبَرَانِ، صَادِقٌ، وَكَاذِبٌ، جَمَعْتُمْ بَيْنَهُمَا، وَنَحْنُ إِنَّمَا عَرَّفَنَا بِمَا يَحْتَمِلُ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ الْخَبَرَ الْوَاحِدَ، وَلَوْ فَكَكْتُمُ الْجُمْلَةَ الَّتِي ذَكَرْتُمُوهَا إِلَى الْخَبَرَيْنِ اللَّذَيْنِ رُكِّبَتْ مِنْهُمَا، لَدَخَلَا فِي تَعْرِيفِنَا. قُلْتُ: وَهَذَا الْجَوَابُ غَيْرُ جَيِّدٍ، عَلَى مَا نَبَّهَ عَلَيْهِ تَعْرِيفُ الْقَرَافِيِّ لِلْخَبَرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّا لَوْ حَلَّلْنَا الْجُمْلَةَ الْمَذْكُورَةَ إِلَى الْخَبَرَيْنِ، لَمَا احْتَمَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَّا أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ، إِذْ قَوْلُنَا: مُحَمَّدٌ ﷺ صَادِقٌ، لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا التَّصْدِيقَ، وَقَوْلُنَا: مُسَيْلِمَةُ - لَعَنَهُ اللَّهُ - كَاذِبٌ ; لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا التَّكْذِيبَ، نَعَمِ امْتِنَاعُ التَّكْذِيبِ فِي الْأَوَّلِ، وَالتَّصْدِيقِ فِي الثَّانِي، لَمْ يَكُنْ لِذَاتِ الْخَبَرِ، بَلْ لِأَمْرٍ مِنْ جِهَةِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ. وَهُوَ دَلَالَةُ مُعْجِزِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى صِدْقِهِ وَكَذِبِ مُسَيْلِمَةَ لَعَنَهُ اللَّهُ. قَوْلُهُ: «وَهُوَ» يَعْنِي الْخَبَرَ، «قِسْمَانِ: تَوَاتَرٌ وَآحَادٌ» ، وَلِقِسْمَتِهِ إِلَيْهِمَا طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: بِاعْتِبَارِ مُسْتَنَدِهِ، وَهُوَ أَنَّ الْخَبَرَ، إِنْ نَقَلَهُ فِي جَمِيعِ طَبَقَاتِهِ قَوْمٌ يَسْتَحِيلُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ عَادَةً، وَكَانَ الْإِخْبَارُ بِهِ عَنْ مَحْسُوسٍ ; فَهُوَ تَوَاتُرٌ،

стр. 597

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَإِلَّا فَهُوَ آحَادٌ. الثَّانِي: بِاعْتِبَارِ نَقَلَتِهِ، وَهُوَ أَنَّ الْخَبَرَ إِنْ أَفَادَ الْعِلْمَ مُسْتَنِدًا إِلَى نَقْلِ النَّاقِلِينَ ; فَهُوَ تَوَاتُرٌ، وَإِلَّا فَهُوَ آحَادٌ. وَإِنَّمَا قُلْتُ: مُسْتَنِدًا إِلَى نَقْلِ النَّاقِلِينَ ; لِأَنَّهُ بِدُونِ ذَلِكَ يَتَنَاوَلُ الْأَخْبَارَ الْبَدِيهِيَّةَ ; فَإِنَّهَا تُفِيدُ الْعِلْمَ، لَكِنَّهَا مُسْتَنِدَةً إِلَى إِدْرَاكِ الْعَقْلِ، لَا إِلَى نَقْلِ النَّاقِلِينَ.

стр. 598

وَالْأَوَّلُ: التَّوَاتُرُ لُغَةً: التَّتَابُعُ، وَاصْطِلَاحًا: إِخْبَارُ قَوْمٍ يَمْتَنِعُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ لِكَثْرَتِهِمْ، بِشُرُوطٍ تُذْكَرُ. وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْأُولَى: التَّوَاتُرُ يُفِيدُ الْعِلْمَ، وَخَالَفَ السُّمَنِيَّةُ، إِذْ حَصَرُوا مَدَارِكَ الْعِلْمِ فِي الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ. لَنَا: الْقَطْعُ بِوُجُودِ الْبُلْدَانِ النَّائِيَةِ، وَالْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، لَا حِسًّا، وَلَا عَقْلًا، بَلْ تَوَاتُرًا. وَأَيْضًا الْمُدْرَكَاتُ الْعَقْلِيَّةُ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا حَصْرُكُمُ الْمَذْكُورَ، فَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا لَكُمْ، وَلَيْسَ حِسِيًّا، بَطَلَ قَوْلُكُمْ، وَإِلَّا فَهُوَ جَهْلٌ ; فَلَا يُسْمَعُ. قَالُوا: لَوْ أَفَادَ الْعِلْمَ لَمَا خَالَفْنَاكُمْ. قُلْنَا: عِنَادٌ وَاضْطِرَابٌ فِي الْعَقْلِ وَالطَّبْعِ، ثُمَّ يَلْزَمُكُمْ تَرْكُ الْمَحْسُوسَاتِ لِمُخَالَفَةِ السُّوفِسْطَائِيَّةِ. ــ قَوْلُهُ: «وَالْأَوَّلُ» ، أَيِ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ، «التَّوَاتُرُ لُغَةً» : أَيْ: فِي اللُّغَةِ «التَّتَابُعُ» . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْمُوَاتَرَةُ: الْمُتَابَعَةُ، وَلَا تَكُونُ الْمُوَاتَرَةُ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ إِلَّا إِذَا وَقَعَتْ بَيْنَهَا فَتْرَةٌ، وَإِلَّا فَهِيَ مُدَارَكَةٌ وَمُوَاصَلَةٌ، وَمُوَاتَرَةُ الصَّوْمِ: أَنْ يَصُومَ يَوْمًا، وَيُفْطِرَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ، وَلَا يُرَادُ بِهِ الْمُوَاصَلَةُ ; لِأَنَّ أَصْلَهُ مِنَ الْوِتْرِ، وَكَذَلِكَ: وَاتَرْتُ الْكُتُبَ ; فَتَوَاتَرَتْ، أَيْ: جَاءَتْ بَعْضُهَا فِي أَثَرِ بَعْضٍ، وِتْرًا وِتْرًا، مِنْ غَيْرِ أَنْ تَنْقَطِعَ. قُلْتُ: هَذَا يَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّ التَّوَاتُرَ: التَّتَابُعُ الْمُتَدَارَكُ بِغَيْرِ فَصْلٍ ; فَأَمَّا فَهْمُ الْفَصْلِ بَيْنَ الرُّسُلِ مِنْ قَوْلِهِ : ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٤٤] ، أَيْ: وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ ; فَلَيْسَ مِنَ اللَّفْظِ، بَلْ مِمَّا ثَبَتَ مِنَ الْفَتَرَاتِ بَيْنَهُمْ، وَالَّذِي أَجِدُهُ يُبَادِرُ إِلَى الذِّهْنِ مِنَ التَّوَاتُرِ، أَنَّهُ التَّتَابُعُ الْمُتَدَارَكُ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

стр. 599

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «وَاصْطِلَاحًا» ، أَيْ: وَالتَّوَاتُرُ فِي الِاصْطِلَاحِ، أَيِ: اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ وَعُرْفِهِمْ: هُوَ «إِخْبَارُ قَوْمٍ يَمْتَنِعُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ لِكَثْرَتِهِمْ، بِشُرُوطٍ تُذْكَرُ» . فَقَوْلُنَا: إِخْبَارُ قَوْمٍ - بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ -: مَصْدَرٌ، نَحْوَ: أَخْبَرَ إِخْبَارًا، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا: جَمْعُ خَبَرٍ، وَهُوَ يَتَنَاوَلُ التَّوَاتُرَ، وَالْآحَادَ الْمُسْتَفِيضَ، وَغَيْرَهُ ; لِأَنَّ الْجَمِيعَ أَخْبَارُ قَوْمٍ. وَقَوْلُنَا: «يَمْتَنِعُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ» : احْتِرَازٌ مِنْ إِخْبَارِ قَوْمٍ لَا يَمْتَنِعُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَهُوَ الْآحَادُ. وَقَوْلُنَا: لِكَثْرَتِهِمْ: احْتِرَازٌ مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ الْمَعْصُومِ، كَآحَادِ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّسُلِ ; فَإِنَّهُ خَبَرُ قَوْمٍ يَمْتَنِعُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، بَلْ يَمْتَنِعُ الْكَذِبُ عَلَيْهِمْ أَصْلًا، وَلَيْسَ بِتَوَاتُرٍ، لِعَدَمِ الْكَثْرَةِ. وَقَوْلُنَا: «تَوَاطُؤُهُمْ» : بِضَمِّ الطَّاءِ وَالْهَمْزَةِ: هُوَ الْأَصْلُ ; لِأَنَّهُ تَفَاعُلٌ مِنَ الْوَطْءِ، وَتَوَاطِيهِمْ بِكَسْرِ الطَّاءِ وَبِالْيَاءِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ: هُوَ مَنْقُوصٌ مِنْ ذَلِكَ، بِأَنْ حُذِفَ الْهَمْزُ وَقُلِبَتْ ضَمَّةُ الطَّاءِ كَسْرَةً تَخْفِيفًا وَأَصْلُ الْكَلِمَةِ الْهَمْزُ فِي جَمِيعِ تَصَارِيفِهَا، وَالْمُوَاطَأَةُ: الْمُوَافَقَةُ. وَقَوْلُنَا: «بِشُرُوطٍ تُذْكَرُ» ، أَيْ: لِلتَّوَاتُرِ شُرُوطٌ قَدْ ذُكِرَتْ فِي مَسَائِلِهِ. وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْأُولَى: التَّوَاتُرُ يُفِيدُ الْعِلْمَ، أَيْ: يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ، وَخَالَفَ السُّمَنِيَّةُ، وَالْبَرَاهِمَةُ أَيْضًا، أَيْ: قَالُوا: لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ بَلِ الظَّنَّ، «إِذْ حَصَرُوا» ، أَيْ: إِنَّمَا خَالَفُوا فِي إِفَادَةِ الْمُتَوَاتِرِ الْعِلْمَ ; لِأَنَّهُمْ حَصَرُوا «مَدَارَكَ الْعِلْمِ فِي الْحَوَاسِّ

стр. 600

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْخَمْسِ» ، أَيْ: قَالُوا: لَا سَبِيلَ إِلَى إِدْرَاكِ عِلْمٍ مِنَ الْعُلُومِ إِلَّا بِإِحْدَى الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ: السَّمْعِ، وَالْبَصَرِ، وَالشَّمِّ، وَالذَّوْقِ، وَاللَّمْسِ. تَنْبِيهٌ: قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: السُّمَنِيَّةُ - بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِ الْمِيمِ -: فِرْقَةٌ مِنْ عَبْدَةِ الْأَصْنَامِ، تَقُولُ بِالتَّنَاسُخِ، وَتُنْكِرُ وُقُوعَ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ. قَالَ: وَالْبَرَاهِمَةُ: قَوْمٌ لَا يُجَوِّزُونَ عَلَى اللَّهِ بِعْثَةَ الرُّسُلِ. قُلْتُ: إِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا ; لِأَنِّي سَمِعْتُ كَثِيرًا مِنْ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ الْأُصُولِيِّينَ، بَلْ وَخَاصَّتِهِمْ، يَقُولُونَ: السَّمْنِيَّةُ - بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ الْمِيمِ - وَيَعْتَقِدُونَهَا نِسْبَةً إِلَى السَّمْنِ الْمَأْكُولِ. وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: السَّمَّنِيَّةُ - بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِهَا - وَلَيْسَ فِيهَا تَشْدِيدٌ. قَوْلُهُ: «لَنَا» ، إِلَى آخِرِهِ، هَذَا دَلِيلٌ عَلَى إِفَادَةِ التَّوَاتُرِ الْعِلْمَ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْقَطْعَ حَاصِلٌ لَنَا بِوُجُودِ الْبُلْدَانِ وَالْأَقَالِيمِ النَّائِيَةِ، كَمَكَّةَ، وَمِصْرَ، وَبَغْدَادَ، وَالْهِنْدِ، وَالصِّينِ، وَبِوُجُودِ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، كَأُمَّةِ نُوحٍ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَهُودٍ، وَصَالِحٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَكْثُرُ، وَحُصُولُ الْعِلْمِ بِذَلِكَ، لَا مِنْ جِهَةِ الْحِسِّ وَلَا الْعَقْلِ، إِنَّمَا هُوَ بِالتَّوَاتُرِ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ. قَوْلُهُ: «وَأَيْضًا الْمُدْرَكَاتُ الْعَقْلِيَّةُ كَثِيرَةٌ» ، إِلَى آخِرِهِ، هَذَا دَلِيلٌ عَلَى إِبْطَالِ حَصْرِهِمْ مَدَارِكَ الْعِلْمِ فِي الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْأَشْيَاءَ الَّتِي تُدْرَكُ بِالْعَقْلِ كَثِيرَةٌ، وَمِنَ الْمُدْرَكَاتِ الْعَقْلِيَّةِ حَصْرُكُمُ الْمَذْكُورُ، أَيْ: حَصْرُكُمْ لِمَدَارِكِ الْعِلْمِ فِي الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ ; لِأَنَّكُمْ إِنَّمَا قَرَّرْتُمُوهُ وَأَدْرَكْتُمُوهُ عَقْلًا. فَنَقُولُ: هَذَا الْحَصْرُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا لَكُمْ، أَوْ غَيْرَ مَعْلُومٍ، فَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا لَكُمْ، بِطُلَ قَوْلُكُمْ: إِنَّ مَدَارِكَ الْعِلْمِ مَحْصُورَةٌ فِي الْحَوَاسِّ ; لِأَنَّ هَذَا عِلْمٌ
следующие страницы →