Полный текст (1 203 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
وَعَنِ الْعَاشِرَةِ: أَنَّ الْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانَتْ مُتَأَخِّرَةً فِي الْوُجُودِ عَنْ شَرْعِ الْحُكْمِ فَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ عِلَّةً بِمَعْنَى الْمُؤَثِّرِ لَا بِمَعْنَى الْبَاعِثِ. (١) وَعَنِ الْحَادِيَةِ عَشْرَةَ: أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ الْحِكْمَةُ الْمَقْصُودَةُ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ إِنَّمَا هُوَ حُصُولُ الْحِكْمَةِ ظَاهِرًا لَا قَطْعًا.
وَعَنِ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ عَلَى بَعْضِ آرَاءِ الْمُعْتَزِلَةِ أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ الرَّبَّ تَعَالَى غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى تَحْصِيلِ ذَلِكَ الْغَرَضِ الْخَاصِّ مِنْ شَرْعِ ذَلِكَ الْحُكْمِ دُونَ شَرْعِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْعَجْزُ ; ضَرُورَةَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُمْكِنٍ، وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ الْحَقُّ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ شَرْعُ الْحُكْمِ غَيْرَ مُفِيدٍ مَعَ حُصُولِ الْفَائِدَةِ بِهِ، وَإِنْ قُدِّرَ إِمْكَانُ حُصُولِ الْفَائِدَةِ بِطَرِيقٍ آخَرَ.
وَعَنِ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ الْحِكْمَةَ فِيمَا ذَكَرُوهُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُمْتَنِعَةً أَوْ جَائِزَةً.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، فَلَا يَلْزَمُ امْتِنَاعُهَا فِيمَا هِيَ مُمْكِنَةٌ فِيهِ.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ، فَلَا مَانِعَ مِنْ وُجُودِهَا وَإِنْ لَمْ نَطَّلِعْ نَحْنُ عَلَيْهَا.
وَهُوَ الْجَوَابُ عَنِ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ.
كَيْفَ وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَلْزَمُ الدَّوْرُ الْمُمْتَنِعُ أَنْ لَوْ قِيلَ بِتَوَقُّفِ الْوُجُوبِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْمُكَلَّفِ لِلْوُجُوبِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ عَلَى مَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي شُكْرِ الْمُنَعَّمِ.
وَعَنِ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: مَا هُوَ جَوَابُ الشُّبْهَتَيْنِ قَبْلَهَا.
وَعَنِ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: بِمَنْعِ مَا ذَكَرُوهُ فِي رِعَايَةِ الْحِكْمَةِ بَلِ الْحِكْمَةُ إِنَّمَا تُطْلَبُ فِي فِعْلِ مَنْ لَوْ وُجِدَتِ الْحِكْمَةُ فِي فِعْلِهِ لَمَا كَانَ مُمْتَنِعًا، بَلْ وَاقِعًا فِي الْغَالِبِ.
وَعَنِ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ إِنَّمَا يَلْزَمُ فِي حَقِّ مَنْ تَجِبُ مُرَاعَاةُ الْحِكْمَةِ فِي فِعْلِهِ وَالْبَارِي تَعَالَى لَيْسَ كَذَلِكَ (٢) عَلَى مَا حَقَّقْنَاهُ فِي كُتُبِنَا الْكَلَامِيَّةِ. стр. 912
قَوْلُهُمْ: لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَا ظَهَرَ مِنَ الْمُنَاسِبِ عِلَّةً.
قُلْنَا: لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً قَطْعًا، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً ظَاهِرًا ; ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْحُكْمِ مِنْ عِلَّةٍ ظَاهِرَةٍ عَلَى مَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ وَلَا ظَاهِرَ سِوَاهُ.
وَأَمَّا أَجْزَاءُ الْعِلَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ مُنَاسِبَةً فَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ التَّعْلِيلُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا لِمَا سَبَقَ مِنَ امْتِنَاعِ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ بِعِلَلٍ، بِخِلَافِ مَا إِذَا اتَّحَدَ الْوَصْفُ أَوْ تَعَدَّدَ وَكَانَتِ الْعِلَّةُ مَجْمُوعَ الْأَوْصَافِ.
قَوْلُهُمْ: لَا نُسَلِّمُ وُجُوبَ الْعَمَلِ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مَظْنُونًا.
قُلْنَا: دَلِيلُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ وَمَا سَيَأْتِي فِي مَسْأَلَةِ إِثْبَاتِ الْقِيَاسِ عَلَى مُنْكِرِيهِ.
وَمَا يَذْكُرُونَهُ عَلَى ذَلِكَ فَسَيَأْتِي جَوَابُهُ ثَمَّ أَيْضًا.
[الْمَسْلَكُ السَّادِسُ إِثْبَاتُ الْعِلَّةِ بِالشَّبَهِ وَيَشْتَمِلُ عَلَى فُصُولٍ]
[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي حَقِيقَةِ الشَّبَهِ وَاخْتِلَافِ النَّاسِ فِيهِ وَمَا هُوَ الْمُخْتَارُ فِيهِ]
الْمَسْلَكُ السَّادِسُ: إِثْبَاتُ الْعِلَّةِ بِالشَّبَهِ وَيَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ فُصُولٍ:
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
فِي حَقِيقَةِ الشَّبَهِ وَاخْتِلَافِ النَّاسِ فِيهِ وَمَا هُوَ الْمُخْتَارُ فِيهِ
نَقُولُ: اعْلَمْ أَنَّ اسْمَ الشَّبَهِ وَإِنْ أُطْلِقَ عَلَى كُلِّ قِيَاسٍ أُلْحِقَ الْفَرْعُ فِيهِ بِالْأَصْلِ لِجَامِعٍ يُشْبِهُهُ فِيهِ، غَيْرَ أَنَّ آرَاءَ الْأُصُولِيِّينَ مُخْتَلِفَةٌ فِيهِ. (١) فَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهُ بِمَا تَرَدَّدَ فِيهِ الْفَرْعُ بَيْنَ أَصْلَيْنِ، وَوُجِدَ فِيهِ الْمَنَاطُ الْمَوْجُودُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَصْلَيْنِ، إِلَّا أَنَّهُ يُشْبِهُ أَحَدَهُمَا فِي أَوْصَافٍ هِيَ أَكْثَرُ مِنَ الْأَوْصَافِ الَّتِي بِهَا مُشَابَهَتُهُ لِلْأَصْلِ الْآخَرِ، فَإِلْحَاقُهُ بِمَا هُوَ أَكْثَرُ مُشَابَهَةً هُوَ الشُّبْهَةُ، وَذَلِكَ كَالْعَبْدِ الْمَقْتُولِ خَطَأً إِذَا زَادَتْ قِيمَتُهُ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ، فَإِنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ فِيهِ مَنَاطَانِ مُتَعَارَضَانِ стр. 913
أَحَدُهُمَا: النَّفْسِيَّةُ، وَهُوَ مُشَابِهٌ لِلْحُرِّ فِيهَا، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ لَا يُزَادَ فِيهِ عَلَى الدِّيَةِ.
وَالثَّانِي: الْمَالِيَّةُ، وَهُوَ مُشَابِهٌ لِلْفَرَسِ فِيهَا وَمُقْتَضَى ذَلِكَ الزِّيَادَةُ.
إِلَّا أَنَّ مُشَابَهَتَهُ لِلْحُرِّ فِي كَوْنِهِ آدَمِيًّا مُثَابًا مُعَاقَبًا، وَمُشَابَهَتَهُ لِلْفَرَسِ فِي كَوْنِهِ مَمْلُوكًا مُقَوَّمًا فِي الْأَسْوَاقِ، فَكَانَ إِلْحَاقُهُ بِالْحُرِّ أَوْلَى لِكَثْرَةِ مُشَابَهَتِهِ لَهُ، وَلَيْسَ هَذَا مِنَ الشَّبَهِ فِي شَيْءٍ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَنَاطَيْنِ مُنَاسِبٌ، وَمَا ذَكَرَ مِنْ كَثْرَةِ الْمُشَابَهَةِ إِنْ كَانَتْ مُؤَثِّرَةً فَلَيْسَتْ إِلَّا مِنْ بَابِ التَّرْجِيحِ لِأَحَدِ الْمَنَاطَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، وَذَلِكَ لَا يُخْرِجُهُ عَنِ الْمُنَاسِبِ وَإِنْ كَانَ يَفْتَقِرُ إِلَى نَوْعِ تَرْجِيحٍ.
وَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهُ بِمَا عُرِفَ الْمَنَاطُ فِيهِ غَيْرَ أَنَّهُ يَفْتَقِرُ فِي آحَادِ الصُّوَرِ إِلَى تَحْقِيقِهِ.
وَذَلِكَ كَمَا فِي طَلَبِ الْمِثْلِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ بَعْدَ أَنْ عُرِفَ أَنَّ الْمِثْلَ وَاجِبٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ ، وَلَيْسَ هَذَا أَيْضًا مِنَ الشَّبَهِ ; إِذِ الْكَلَامُ إِنَّمَا هُوَ مَفْرُوضٌ فِي الْعِلَّةِ الشَّبَهِيَّةِ، وَالنَّظَرُ هَاهُنَا إِنَّمَا هُوَ الْحُكْمُ الْوَاجِبُ وَهُوَ الْأَشْبَهُ لَا فِي تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ، وَهُوَ مَعْلُومٌ بِدَلَالَةِ النَّصِّ.
وَدَلِيلُ أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الْأَشْبَهُ أَنَّهُ أَوْجَبَ الْمِثْلَ، وَنَعْلَمُ أَنَّ الصَّيْدَ لَا يُمَاثِلُهُ شَيْءٌ مِنَ النَّعَمِ، فَكَانَ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلَى الْأَشْبَهِ، كَيْفَ وَهُوَ مَجْزُومٌ مَقْطُوعٌ بِهِ وَالشَّبَهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَكَيْفَ يَكُونُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ هُوَ نَفْسُ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهُ بِمَا اجْتَمَعَ فِيهِ مَنَاطَانِ مُخْتَلِفَانِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْكَمَالِ إِلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا أَغْلَبُ مِنَ الْآخَرِ، فَالْحُكْمُ بِالْأَغْلَبِ حُكْمٌ بِالْأَشْبَهِ، وَذَلِكَ كَاللَّعَّانِ فَإِنَّهُ قَدْ وُجِدَ فِيهِ لَفْظُ الشَّهَادَةِ وَالْيَمِينِ وَلَيْسَا بِمُتَمَحِّضَيْنِ ; لِأَنَّ الْمُلَاعِنَ مُدَّعٍ وَالْمُدَّعِي لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِنَفْسِهِ وَلَا يَمِينُهُ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ أَقْرَبَ مِنَ الْمَذَاهِبِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِلَّا أَنَّهُ مَهْمَا غَلَبَتْ إِحْدَى الشَّائِبَتَيْنِ فَقَدْ ظَهَرَتِ الْمَصْلَحَةُ الْمُلَازِمَةُ لَهَا فِي نَظَرِنَا، فَيَجِبُ الْحُكْمُ بِهَا، وَلَكِنَّهُ غَيْرَ خَارِجٍ عَنِ التَّعْلِيلِ بِالْمُنَاسِبِ.
وَقَدْ ذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ إِلَى تَفْسِيرِهِ بِقِيَاسِ الدَّلَالَةِ، وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِمَا لَا يُنَاسِبُ الْحُكْمَ، وَلَكِنْ يَسْتَلْزِمُ مَا يُنَاسِبُ الْحُكْمَ، وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ فِي مَوْضِعِهِ بَعْدُ.
стр. 914
وَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهُ بِمَا يُوهِمُ الْمُنَاسَبَةَ مِنْ غَيْرِ اطِّلَاعٍ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ أَنَّ الْوَصْفَ الْمُعَلَّلَ بِهِ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ تَظْهَرَ فِيهِ الْمُنَاسَبَةُ، أَوْ لَا تَظْهَرَ فِيهِ الْمُنَاسَبَةُ (١) بِوُقُوفِ مَنْ هُوَ أَهْلُ مَعْرِفَةِ الْمُنَاسَبَةِ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ تَرْتِيبُ الْحُكْمِ عَلَى وَفْقِهِ مِمَّا يُفْضِي إِلَى تَحْصِيلِ مَقْصُودٍ مِنَ الْمَقَاصِدِ الْمُبَيَّنَةِ مِنْ قَبْلُ، فَهُوَ الْمُنَاسِبُ.
وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ فِيهِ الْمُنَاسَبَةُ بَعْدَ الْبَحْثِ التَّامِّ مِمَّنْ هُوَ أَهْلُهُ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يُؤْلَفْ مِنَ الشَّارِعِ الِالْتِفَاتُ إِلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحْكَامِ، أَوْ هُوَ مِمَّا أُلِفَ مِنَ الشَّارِعِ الِالْتِفَاتُ إِلَيْهِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ.
فَإِنْ كَانَ مِنَ الْأَوَّلِ، فَهُوَ الطَّرْدِيُّ الَّذِي لَا الْتِفَاتَ إِلَيْهِ، وَمِثَالُهُ مَا لَوْ قَالَ الشَّافِعِيُّ مَثَلًا فِي إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِمَائِعٍ: لَا تُبْنَى الْقَنْطَرَةُ عَلَى جِنْسِهِ فَلَا تَجُوزُ إِزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِهِ كَالدُّهْنِ.
وَكَمَا لَوْ عَلَّلَ فِي مَسْأَلَةٍ مِنَ الْمَسَائِلِ بِالطُّولِ وَالْقِصَرِ وَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ وَنَحْوِهِمَا.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ، فَهُوَ الشَّبَهِيُّ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ بِالنَّظَرِ إِلَى عَدَمِ الْوُقُوفِ عَلَى الْمُنَاسَبَةِ فِيهِ بَعْدَ الْبَحْثِ، يَجْزِمُ الْمُجْتَهِدُ بِانْتِفَاءِ مُنَاسَبَتِهِ، وَبِالنَّظَرِ إِلَى اعْتِبَارِهِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ يُوجِبُ إِيقَافَ الْمُجْتَهِدِ عَنِ الْجَزْمِ بِانْتِفَاءِ الْمُنَاسَبَةِ فِيهِ، فَهُوَ مُشَابِهٌ لِلْمُنَاسِبِ فِي أَنَّهُ غَيْرُ مَجْزُومٍ بِنَفْيِ الْمُنَاسَبَةِ عَنْهُ، وَمُشَابِهٌ لِلطَّرْدِيِّ فِي أَنَّهُ غَيْرُ مَجْزُومٍ بِظُهُورِ الْمُنَاسَبَةِ فِيهِ.
فَهُوَ دُونُ الْمُنَاسِبِ وَفَوْقَ الطَّرْدِيِّ، وَلَعَلَّ الْمُسْتَنَدَ فِي تَسْمِيَتِهِ شَبَهِيًّا إِنَّمَا هُوَ هَذَا الْمَعْنَى.
وَمِثَالُهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي مَسْأَلَةِ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ: طَهَارَةٌ تُرَادُ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ فَلَا تَجُوزُ بِغَيْرِ الْمَاءِ كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ، فَإِنَّ الْجَامِعَ هُوَ الطَّهَارَةُ، وَمُنَاسَبَتُهَا لِتَعْيِينِ الْمَاءِ فِيهَا بَعْدَ الْبَحْثِ التَّامِّ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ. وَبِالنَّظَرِ إِلَى كَوْنِ الشَّارِعِ اعْتَبَرَهَا فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ كَمَسِّ الْمُصْحَفِ وَالصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ، يُوهِمُ اشْتِمَالَهَا عَلَى الْمُنَاسَبَةِ كَمَا تَقَرَّرَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ إِطْلَاقَ اسْمِ الشَّبَهِ وَإِنْ كَانَ حَاصِلُهُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ رَاجِعًا إِلَى الِاصْطِلَاحَاتِ اللَّفْظِيَّةِ غَيْرَ أَنَّ أَقْرَبَهَا إِلَى قَوَاعِدِ الْأُصُولِ الِاصْطِلَاحُ الْأَخِيرُ، وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُحَقِّقِينَ، وَيَلِيهِ فِي الْقُرْبِ مَذْهَبُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ. стр. 915
[الْفَصْلُ الثَّانِي فِي أَنَّ الشَّبَهَ مَعَ قِرَانِ الْحُكْمِ بِهِ دَلِيلٌ عَلَى كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً]
الْفَصْلُ الثَّانِي
فِي أَنَّ الشَّبَهَ مَعَ قِرَانِ الْحُكْمِ بِهِ دَلِيلٌ عَلَى كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً
وَبَيَانُهُ أَنَّا إِذَا رَأَيْنَا حُكْمًا ثَابِتًا عَقِيبَ وَصْفَيْنِ، وَأَحَدُ الْوَصْفَيْنِ شَبَهِيٌّ بِالتَّفْسِيرِ الْأَخِيرِ وَالْآخَرُ طَرْدِيٌّ، فَلَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ ثَابِتًا لِمَصْلَحَةٍ أَوْ لَا لِمَصْلَحَةٍ.
لَا جَائِزَ أَنْ يُقَالَ بِالثَّانِي ; إِذِ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ لَا يَخْلُو عَنْ مَصْلَحَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ كَمَا تَقَرَّرَ قَبْلُ (١) فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ الْأَوَّلِ، وَهُوَ أَنَّهُ ثَابِتٌ لِمَصْلَحَةٍ، وَتِلْكَ الْمَصْلَحَةُ لَا تَخْلُو: إِمَّا أَنْ تَكُونَ فِي ضِمْنِ الْوَصْفِ الشَّبَهِيِّ أَوِ الطَّرْدِيِّ لِعَدَمِ مَا سِوَاهُمَا.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ اشْتِمَالَ الْوَصْفِ الشَّبَهِيِّ عَلَى الْمَصْلَحَةِ أَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ مِنِ اشْتِمَالِ الطَّرْدِيِّ عَلَيْهَا ; لِأَنَّ الطَّرْدِيَّ مَجْزُومٌ بِنَفْيِ مُنَاسَبَتِهِ وَالشَّبَهِيُّ مُتَرَدِّدٌ فِيهِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْغَالِبُ عَلَى الظَّنِّ فَالظَّنُّ مَعْمُولٌ بِهِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ.
[الْفَصْلُ الثَّالِثُ الشَّبَهِيَّ إِذَا اعْتُبِرَ جِنْسُهُ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ دُونَ اعْتِبَارِ عَيْنِهِ فِي عَيْنِهِ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
زَعَمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ الشَّبَهِيَّ إِذَا اعْتُبِرَ جِنْسُهُ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ دُونَ اعْتِبَارِ عَيْنِهِ فِي عَيْنِهِ لَا يَكُونُ حُجَّةً، بِخِلَافِ الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ ; مَصِيرًا مِنْهُ إِلَى أَنَّ الشَّبَهِيَّ إِذَا ظَهَرَ تَأْثِيرُ عَيْنِهِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ فَالظَّنُّ الْمُسْتَفَادُ مِنْهُ فِي أَدْنَى دَرَجَاتِ الظَّنِّ، فَإِذَا انْحَطَّ عَنْ هَذِهِ الرُّتْبَةِ إِلَى رُتْبَةِ اعْتِبَارِ الْجِنْسِ فِي الْجِنْسِ فَقَدِ اضْمَحَلَّ الظَّنُّ بِالْكُلِّيَّةِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ تَحْتَ أَدْنَى دَرَجَاتِ الظَّنِّ دَرَجَةٌ سِوَى مَا لَيْسَ بِظَنٍّ، وَمَا لَيْسَ بِمَظْنُونٍ لَا يَكُونُ حُجَّةً، وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُنَاسِبِ فَإِنَّ الظَّنَّ الْمُسْتَفَادَ مِنْهُ بِاعْتِبَارِ الْعَيْنِ فِي الْعَيْنِ قَوِيٌّ جِدًّا، فَنُزُولُهُ عَنْ هَذِهِ الرُّتْبَةِ إِلَى رُتْبَةِ اعْتِبَارِ الْجِنْسِ فِي الْجِنْسِ وَإِنْ فَاتَ مَعَهُ ذَلِكَ الظَّنُّ الْغَالِبُ، فَقَدْ بَقِيَ لَهُ أَصْلُ الظَّنِّ فَكَانَ حُجَّةً. стр. 916
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْوَصْفَ الشَّبَهِيَّ إِنَّمَا صَارَ شَبَهِيًّا بِاعْتِبَارِ الشَّارِعِ لَهُ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ الْمُعَلَّلِ، وَذَلِكَ فِي إِفَادَةِ الظَّنِّ دُونَ الْمُنَاسِبِ الْمُرْسَلِ، وَالْمُنَاسِبُ الْمُرْسَلُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ لِمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ (١) فَمَا هُوَ دُونَهُ أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ حُجَّةً، وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُنَاسِبِ الْمُتَأَيِّدِ بِشَهَادَةِ الْجِنْسِ فِي الْجِنْسِ فَإِنَّهُ فَوْقَ الْمُنَاسِبِ الْمُرْسَلِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْمُرْسَلِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الشَّبَهِيَّ بِشَهَادَةِ الْعَيْنِ فِي الْعَيْنِ فِي أَدْنَى دَرَجَاتِ الظُّنُونِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، بَلْ لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ: مَا هُوَ فِي أَدْنَى دَرَجَاتِ الظُّنُونِ إِنَّمَا هُوَ الشَّبَهِيُّ الْمُتَأَيِّدُ بِشَهَادَةِ الْجِنْسِ فِي الْجِنْسِ، وَالنُّزُولُ عَنْ تِلْكَ الدَّرَجَةِ إِلَى مَا دُونَهَا (٢) لَا يُوجِبُ انْمِحَاقَ الظَّنِّ بِالْكُلِّيَّةِ كَمَا قِيلَ.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَهُوَ وَإِنْ سُلِّمَ أَنَّ الشَّبَهِيَّ إِنَّمَا صَارَ شَبَهِيًّا بِالْتِفَاتِ الشَّارِعِ إِلَيْهِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ، وَأَنَّهُ أَدْنَى مِنَ الْمُنَاسِبِ الْمُرْسَلِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ مُنَاسَبَةَ الْمُرْسَلِ ظَاهِرَةٌ وَمُنَاسَبَةَ الشَّبَهِيِّ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ بَلْ مَوْهُومَةٌ مُتَرَدَّدٌ فِيهَا، غَيْرَ أَنَّ الشَّبَهِيَّ بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ كَوْنُهُ شَبَهِيًّا بِالْتِفَاتِ الشَّارِعِ إِلَيْهِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ إِذَا رَأَيْنَا الشَّارِعَ قَدِ اعْتَبَرَ جِنْسَهُ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ الْمُعَلَّلِ فَقَدْ صَارَ مُعْتَبَرًا، وَلَا كَذَلِكَ الْمُرْسَلُ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الِاحْتِجَاجِ بِمَا لَيْسَ مُعْتَبَرًا عَدَمُ الِاحْتِجَاجِ بِالْمُعْتَبَرِ. стр. 917
[الْمَسْلَكُ السَّابِعُ إِثْبَاتُ الْعِلَّةِ بِالطَّرْدِ وَالْعَكْسِ]
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ: فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ إِلَى أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً.
لَكِنِ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْعِلِّيَّةِ قَطْعًا كَبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَدُلُّ عَلَيْهَا ظَنًّا كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَبَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ أَبْنَاءِ زَمَانِنَا.
وَالَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْعِلِّيَّةِ لَا قَطْعًا وَلَا ظَنًّا وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
وَصُورَتُهُ مَا إِذَا قِيلَ فِي مَسْأَلَةِ النَّبِيذِ مَثَلًا: (مُسْكِرٌ) فَكَانَ حَرَامًا كَالْخَمْرِ، وَأَثْبَتَ كَوْنَ الْمُسْكِرِ عِلَّةً لِلتَّحْرِيمِ بِدَوَرَانِهِ مَعَ التَّحْرِيمِ وُجُودًا وَعَدَمًا فِي الْخَمْرِ، فَإِنَّهُ إِذَا صَارَ مُسْكِرًا حُرِّمَ، وَإِنْ زَالَ الْإِسْكَارُ عَنْهُ بِأَنْ صَارَ خَلًّا فَإِنَّهُ لَا يُحَرَّمُ.
وَقَدِ احْتَجَّ الْقَائِلُونَ إِنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ بِأَمْرَيْنِ:
الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ وَهُوَ أَنْ قَالَ: حَاصِلُ الِاطِّرَادِ يَرْجِعُ إِلَى سَلَامَةِ الْعِلَّةِ عَنِ النَّقْضِ، وَسَلَامَةُ الْعِلَّةِ عَنْ مُفْسِدٍ وَاحِدٍ لَا يُوجِبُ سَلَامَتَهَا عَنْ كُلِّ مُفْسِدٍ، وَعَلَى تَقْدِيرِ السَّلَامَةِ عَنْ كُلِّ مُفْسِدٍ فَصِحَّةُ الشَّيْءِ لَا تَكُونُ بِسَلَامَتِهِ عَنِ الْمُفْسِدَاتِ بَلْ لِوُجُودِ الْمُصَحِّحِ، وَالْعَكْسُ لَيْسَ شَرْطًا فِي الْعِلَلِ فَلَا يُؤَثِّرُ، وَهَذِهِ الْحُجَّةُ ضَعِيفَةٌ، فَإِنَّهُ وَإِنْ سُلِّمَ أَنْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ عَلَى انْفِرَادِهِ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى الْعِلِّيَّةِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ التَّأْثِيرِ بِتَقْدِيرِ الِاجْتِمَاعِ، وَدَلِيلُهُ أَجْزَاءُ الْعِلَّةِ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا لَا يَسْتَقِلُّ بِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ، وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَلِكَ عَدَمُ اسْتِقْلَالِ الْمَجْمُوعِ.
الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا قَالَ: إِنَّ الصُّوَرَ الَّتِي دَارَ الْحُكْمُ فِيهَا مَعَ الْوَصْفِ وُجُودًا وَعَدَمًا لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مُتَمَايِزَةً بِصِفَاتٍ خَاصَّةٍ بِهَا، وَإِلَّا كَانَتْ مُتَّحِدَةً لَا مُتَعَدِّدَةً.
وَعِنْدَ ذَلِكَ فَلِلْخَصْمِ أَنْ يَأْخُذَ الْوَصْفَ الْخَاصَّ بِكُلِّ صُورَةٍ مِنْ صُوَرِ الطَّرْدِ وَالْعَكْسِ فِي الْعِلَّةِ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ، وَيَجْعَلَ الْعِلَّةَ فِي كُلِّ صُورَةٍ مَجْمُوعَ الْوَصْفَيْنِ، وَهُمَا: الْوَصْفُ الْمُشْتَرَكُ وَالْوَصْفُ الْخَاصُّ بِهَا، وَهِيَ مِنَ النَّمَطِ الْأَوَّلِ ; إِذْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: التَّرْجِيحُ لِلتَّعْلِيلِ بِالْوَصْفِ الْمُشْتَرَكِ لِكَوْنِهِ مُطَّرِدًا فِي جَمِيعِ مَجَارِي الْحُكْمِ، فَيَكُونُ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ بِخِلَافِ التَّعْلِيلِ بِالْمُرَكَّبِ مِنَ الْوَصْفِ الْخَاصِّ وَالْمُشْتَرَكِ.
стр. 918
فَإِنْ قِيلَ: بَلِ التَّعْلِيلُ بِالْمُرَكَّبِ أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ تَعَدُّدِ مَدَارِكِ الْحُكْمِ فَإِنَّهُ أَوْلَى مِنِ اتِّحَادِهِ لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ إِلَى تَحْصِيلِ مَقْصُودِ الشَّارِعِ مِنَ الْحُكْمِ، فَهُوَ مُقَابَلٌ بِأَنَّ التَّعْلِيلَ بِالْوَصْفِ الْمُشْتَرَكِ يَكُونُ مُنْعَكِسًا بِخِلَافِ التَّعْلِيلِ بِالْمُرَكَّبِ مِنَ الْوَصْفَيْنِ فِي كُلِّ صُورَةٍ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّعْلِيلَ بِالْمُطَّرِدِ الْمُنْعَكِسِ أَوْلَى مِنَ التَّعْلِيلِ بِالْمُطَّرِدِ الَّذِي لَا يَنْعَكِسُ لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ التَّعْلِيلَ بِالْوَصْفِ الْمُشْتَرَكِ يَكُونُ مُتَعَدِّيًا بِخِلَافِ التَّعْلِيلِ بِالْمُرَكَّبِ مِنَ الْوَصْفَيْنِ فِي كُلِّ صُورَةٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ قَاصِرًا، وَالتَّعْلِيلُ بِالْمُتَعَدِّيَةِ أَوْلَى لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهَا وَالِاخْتِلَافِ فِي الْقَاصِرَةِ.
وَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: مُجَرَّدُ الدَّوَرَانِ لَا يَدُلُّ عَلَى التَّعْلِيلِ بِالْوَصْفِ لِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ وَصْفًا مُلَازِمًا لِلْعِلَّةِ وَلَيْسَ هُوَ الْعِلَّةَ، وَذَلِكَ كَالرَّائِحَةِ الْفَائِحَةِ الْمُلَازِمَةِ لِلشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى دَفْعِ ذَلِكَ إِلَّا بِالتَّعَرُّضِ لِانْتِفَاءِ وَصْفِ غَيْرِهِ بِدَلَالَةِ الْبَحْثِ وَالسَّبْرِ أَوْ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الِانْتِقَالُ مِنْ طَرِيقَةِ الدَّوَرَانِ إِلَى طَرِيقَةِ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ، وَهُوَ كَافٍ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْعِلِّيَّةِ.
الثَّانِي: أَنَّ الدَّوَرَانَ قَدْ وُجِدَ فِيمَا لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى الْعِلِّيَّةِ، كَدَوَرَانِ أَحَدِ الْمُتَلَازِمَيْنِ الْمُتَعَاكِسَيْنِ كَالْمُتَضَايِفَيْنِ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا عِلَّةً لِلْآخَرِ، وَكَذَلِكَ فَإِنَّ الدَّوَرَانَ كَمَا وُجِدَ فِي جَانِبِ الْحُكْمِ مَعَ الْوَصْفِ فَقَدْ وُجِدَ فِي جَانِبِ الْوَصْفِ مَعَ الْحُكْمِ، وَلَيْسَ الْحُكْمُ عِلَّةً لِلْوَصْفِ.
فَإِنْ قِيلَ: نَحْنُ لَا نَدَّعِي أَنَّ مُطْلَقَ الدَّوَرَانِ دَلِيلٌ عَلَى عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ لِيَلْزَمَ مَا قِيلَ، بَلْ بِقُيُودٍ ثَلَاثَةٍ وَهِيَ: أَنْ يَكُونَ حُدُوثُ ذَلِكَ الْأَثَرِ مُرَتَّبًا عَلَى وُجُودِ ذَلِكَ الْوَصْفِ تَرَتُّبًا عَقْلِيًّا بِحَيْثُ يُصَدَّقُ قَوْلُ الْقَائِلِ: وُجِدَ هَذَا الشَّيْءُ فَحَدَثَ ذَلِكَ الْأَثَرُ، وَأَنْ لَا يَقْطَعَ بِخُرُوجِ هَذَا الْوَصْفِ عَنْ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً وَمُوجِبًا لِحُدُوثِ ذَلِكَ الْأَثَرِ، وَأَنْ لَا يَقْطَعَ بِوُجُودِ عِلَّةٍ أُخْرَى لِهَذَا الْحُكْمِ سِوَى هَذَا الْوَصْفِ. وَمَهْمَا وُجِدَ الدَّوَرَانُ عَلَى هَذِهِ الْقُيُودِ كَانَ دَلِيلًا عَلَى الْعِلِّيَّةِ، وَذَلِكَ كَمَا إِذَا دُعِيَ الْإِنْسَانُ بِاسْمٍ فَغَضِبَ مِنْهُ وَإِذَا لَمْ يُدْعَ بِهِ لَمْ يَغْضَبْ، وَرَأَيْنَا ذَلِكَ مِنْهُ مِرَارًا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وُجُودًا وَعَدَمًا، فَإِنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ ذَلِكَ الِاسْمَ هُوَ سَبَبُ الْغَضَبِ حَتَّى أَنَّ الصِّبْيَانَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ مِنْهُ وَيَتْبَعُونَهُ فِي الدُّرُوبِ دَاعِينَ لَهُ بِذَلِكَ الِاسْمِ الْمُغْضِبِ لَهُ.
стр. 919
وَالدَّوَرَانُ بِهَذِهِ الْقُيُودِ مُتَحَقِّقٌ فِي السُّكْرِ مَعَ التَّحْرِيمِ، فَكَانَ دَلِيلًا عَلَى كَوْنِهِ عِلَّةً وَخُرِّجَ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ مِنَ الرَّائِحَةِ الْفَائِحَةِ حَيْثُ قَطَعْنَا أَنَّهَا لَيْسَتْ عِلَّةً، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي كُلٍّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَضَايِفَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآخَرِ، وَلِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ تَرْتِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى الْآخَرِ فِي الْوُجُودِ بِالتَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ، وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ فِي نِسْبَةِ الْحُكْمِ إِلَى الْوَصْفِ، وَخُرِّجَ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا إِذَا ظَهَرَ ثَمَّ عِلَّةٌ مُغَايِرَةٌ لِلْمَدَارِ.
قُلْنَا: إِذَا كَانَ مِنْ جُمْلَةِ قُيُودِ صِحَّةِ دَلَالَةِ الدَّوَرَانِ أَنْ يَكُونَ حُدُوثُ ذَلِكَ الْأَمْرِ مُرَتَّبًا عَلَى وُجُودِ ذَلِكَ الْوَصْفِ بِالتَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ: فَإِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ أَنَّ وُجُودَ الْحُكْمِ يَتَعَقَّبُ وُجُودَ الْوَصْفِ، أَوْ أَنَّهُ أَمَارَةٌ عَلَيْهِ أَوْ بَاعِثٌ عَلَيْهِ، أَوْ مَعْنًى آخَرَ. وَالْأَوَّلُ مُمْتَنِعٌ ; إِذِ الْكَلَامُ إِنَّمَا هُوَ فِي شَرْعِيَّةِ الْحُكْمِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ شَرْعِيَّتَهُ تَكُونُ سَابِقَةً فِي الْوُجُودِ عَلَى وُجُودِ سَبَبِهَا، وَالثَّانِي أَيْضًا مُمْتَنِعٌ ; إِذِ الْكَلَامُ إِنَّمَا هُوَ فِي الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنْ حُكْمِ الْأَصْلِ وَهِيَ فَلَا تَكُونُ إِلَّا بِمَعْنَى الْبَاعِثِ عَلَى مَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، وَعِنْدَ ذَلِكَ: فَإِمَّا أَنْ يَظْهَرَ فِيهِ مَعْنَى يَقْتَضِي كَوْنَهُ بَاعِثًا عَلَى الْحُكْمِ مِنْ مُنَاسَبَةٍ أَوْ شَبَهٍ، أَوْ لَا يَظْهَرَ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَلَا يَكُونُ بَاعِثًا، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَالْمُنَاسَبَةُ مَعَ قِرَانِ الْحُكْمِ بِهَا كَافٍ فِي التَّعْلِيلِ وَلَا حَاجَةَ إِلَى الدَّوَرَانِ، وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى آخَرَ فَلَا بُدَّ مِنْ تَصْوِيرِهِ وَالدَّلَالَةِ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَرِدُ عَلَيْهِ أَسْئِلَةٌ.
قُلْنَا: مَا ذَكَرُوهُ مِنْ دَوَرَانِ غَضَبِ الْإِنْسَانِ مَعَ دُعَائِهِ بِبَعْضِ الْأَسْمَاءِ بِالْقُيُودِ الْمَذْكُورَةِ لَا نُسَلِّمُ غَلَبَةَ الظَّنِّ بِكَوْنِ ذَلِكَ الِاسْمِ عِلَّةً، بَلْ بِهِ أَوْ بِمُلَازِمِهِ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ كَوْنُهُ عِلَّةً مَعَ ظُهُورِ انْتِفَاءِ الْمُلَازِمِ، وَالطَّرِيقُ فِي ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ التَّمَسُّكُ بِالْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ أَوْ بِعَدَمِ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ بَعْدَ الْبَحْثِ وَالسَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ الِانْتِقَالُ مِنْ طَرِيقَةِ الدَّوَرَانِ إِلَى طَرِيقَةِ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ، وَهِيَ كَافِيَةٌ فِي التَّعْلِيلِ.
وَقَدْ تَرِدُ عَلَيْهِ أَسْئِلَةٌ أُخْرَى مَشْهُورَةُ الْجَوَابِ آثَرْنَا الْإِعْرَاضَ عَنْ ذِكْرِهَا اكْتِفَاءً فِي إِبْطَالِ الدَّوَرَانِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، فَإِنَّهُ فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ وَالدِّقَّةِ.
وَإِذَا عُرِفَ أَنَّ الطَّرْدَ وَالْعَكْسَ لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى الْعِلِّيَّةِ، فَالِاطِّرَادُ بِانْفِرَادِهِ أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ دَلِيلًا ; نَظَرًا إِلَى أَنَّ الِاطِّرَادَ عِبَارَةٌ عَنِ السَّلَامَةِ عَنِ النَّقْدِ الْمُفْسِدِ، وَالسَّلَامَةُ عَنْ مُفْسِدٍ وَاحِدٍ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلتَّصْحِيحِ.
стр. 920
[خَاتِمَةُ فِي أَنْوَاعِ النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ فِي مَنَاطِ الْحُكْمِ وَهُوَ الْعِلَّةُ]
الْخَاتِمَةُ
فِي أَنْوَاعِ النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ فِي مَنَاطِ الْحُكْمِ وَهُوَ الْعِلَّةُ. (١) وَلَمَّا كَانَتِ الْعِلَّةُ مُتَعَلِّقَ الْحُكْمِ وَمَنَاطَهُ فَالنَّظَرُ وَالِاجْتِهَادُ فِيهِ إِمَّا فِي تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ أَوْ تَنْقِيحِهِ أَوْ تَخْرِيجِهِ.
أَمَّا تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ فَهُوَ النَّظَرُ فِي مَعْرِفَةِ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي آحَادِ الصُّوَرِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهَا فِي نَفْسِهَا (٢) وَسَوَاءٌ كَانَتْ مَعْرُوفَةً بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ أَوِ اسْتِنْبَاطٍ.
أَمَّا إِذَا كَانَتْ مَعْرُوفَةً بِالنَّصِّ، فَكَمَا فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ فَإِنَّهَا مَنَاطُ وُجُوبِ اسْتِقْبَالِهَا وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ بِإِيمَاءِ النَّصِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ وَكَوْنُ هَذِهِ الْجِهَةِ هِيَ جِهَةُ الْقِبْلَةِ فِي حَالَةِ الِاشْتِبَاهِ، فَمَظْنُونٌ بِالِاجْتِهَادِ وَالنَّظَرِ فِي الْأَمَارَاتِ.
وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ مَعْلُومَةً بِالْإِجْمَاعِ فَكَالْعَدَالَةِ، فَإِنَّهَا مَنَاطُ وُجُوبِ قَبُولِ الشَّهَادَةِ وَهِيَ مَعْلُومَةٌ بِالْإِجْمَاعِ.
وَأَمَّا كَوْنُ هَذَا الشَّخْصِ عَدْلًا فَمَظْنُونٌ بِالِاجْتِهَادِ.
وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ مَظْنُونَةً بِالِاسْتِنْبَاطِ، فَكَالشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ فَإِنَّهَا مَنَاطُ تَحْرِيمِ الشُّرْبِ فِي الْخَمْرِ (٣) فَالنَّظَرُ فِي مَعْرِفَتِهَا فِي النَّبِيذِ هُوَ تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ، وَلَا نَعْرِفُ خِلَافًا فِي صِحَّةِ الِاحْتِجَاجِ بِتَحْقِيقِ الْمَنَاطِ إِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ فِيهِ مَعْلُومَةً بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ (٤) ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيهِ فِيمَا إِذَا كَانَ مَدْرَكُ مَعْرِفَتِهَا الِاسْتِنْبَاطُ. стр. 921
وَأَمَّا تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ فَهُوَ النَّظَرُ وَالِاجْتِهَادُ فِي تَعْيِينِ مَا دَلَّ النَّصُّ عَلَى كَوْنِهِ عِلَّةً مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ بِحَذْفِ مَا لَا مُدْخَلَ لَهُ فِي الِاعْتِبَارِ مِمَّا اقْتَرَنَ بِهِ مِنَ الْأَوْصَافِ، كُلُّ وَاحِدٍ بِطَرِيقَةٍ (١) كَمَا عُلِمَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ مِنَ التَّعْلِيلِ بِالْوِقَاعِ فِي قِصَّةِ الْأَعْرَابِيِّ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ مُومَى إِلَيْهِ بِالنَّصِّ غَيْرَ أَنَّهُ يَفْتَقِرُ فِي مَعْرِفَتِهِ عَيْنًا إِلَى حَذْفِ كُلِّ مَا اقْتَرَنَ بِهِ مِنَ الْأَوْصَافِ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبَارِ بِالرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُبَيَّنَ أَنَّ كَوْنَهُ أَعْرَابِيًّا وَكَوْنَهُ شَخْصًا مُعَيَّنًا، وَأَنَّ كَوْنَ ذَلِكَ الزَّمَانِ وَذَلِكَ الشَّهْرِ بِخُصُوصِهِ، وَذَلِكَ الْيَوْمَ بِعَيْنِهِ، وَكَوْنَ الْمَوْطُوءَةِ زَوْجَةً وَامْرَأَةً مُعَيَّنَةً لَا مُدْخَلَ لَهُ فِي التَّأْثِيرِ، بِمَا يُسَاعِدُ مِنَ الْأَدِلَّةِ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَتَعَدَّى إِلَى كُلِّ مَنْ وَطَأَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عَامِدًا وَهُوَ مُكَلَّفٌ صَائِمٌ. وَهَذَا النَّوْعُ وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ أَكْثَرُ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ فَهُوَ دُونُ الْأَوَّلِ.
وَأَمَّا تَخْرِيجُ الْمَنَاطِ فَهُوَ النَّظَرُ وَالِاجْتِهَادُ فِي إِثْبَاتِ عِلَّةِ الْحُكْمِ الَّذِي دَلَّ النَّصُّ أَوِ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ دُونَ عِلِيَّتِهِ.
وَذَلِكَ كَالِاجْتِهَادِ فِي إِثْبَاتِ كَوْنِ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ عِلَّةً لِتَحْرِيمِ شُرْبِ الْخَمْرِ، وَكَوْنِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ عِلَّةً لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْمُحَدَّدِ (٢) ، وَكَوْنِ الطُّعْمِ عِلَّةَ رِبَا الْفَضْلِ فِي الْبُرِّ وَنَحْوِهِ حَتَّى يُقَاسَ عَلَيْهِ كُلُّ مَا سِوَاهُ فِي عِلَّتِهِ، وَهَذَا فِي الرُّتْبَةِ دُونَ النَّوْعَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَلِذَلِكَ أَنْكَرَهُ أَهْلُ الظَّاهِرِ وَالشِّيعَةُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ الْبَغْدَادِيِّينَ. стр. 922
[الْبَابُ الثَّالث فِي أَقْسَامِ الْقِيَاسِ وَأَنْوَاعِهِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي أَقْسَامِ الْقِيَاسِ وَأَنْوَاعِهِ
وَهِيَ خَمْسُ قِسَمٍ: الْقِسْمَةُ الْأُولَى: الْقِيَاسُ يَنْقَسِمُ إِلَى مَا الْمَعْنَى الْجَامِعُ فِيهِ بِاقْتِضَاءِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ أَوْلَى مِنْهُ فِي الْأَصْلِ، وَإِلَى مَا هُوَ مُسَاوٍ وَإِلَى مَا هُوَ أَدْنَى.
فَالْأَوَّلُ كَتَحْرِيمِ ضَرْبِ الْوَالِدَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ لَهُمَا، وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَسَوَاءٌ كَانَ قَطْعِيًّا أَوْ ظَنِّيًّا كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي مَسَائِلِ الْمَفْهُومِ.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي: فَكَمَا فِي إِلْحَاقِ الْأَمَةِ بِالْعَبْدِ فِي تَقْوِيمِ نَصِيبِ الشَّرِيكِ عَلَى الْمُعْتِقِ وَكَمَا فِي إِلْحَاقِ نَجَاسَةِ الْمَاءِ بِصَبِّ الْبَوْلِ فِيهِ مِنْ كُوزٍ بِنَجَاسَتِهِ بِالْبَوْلِ فِيهِ وَنَحْوِهِ (١) .
وَإِنْ كَانَ الثَّالِثُ فَكَمَا فِي إِلْحَاقِ النَّبِيذِ بِالْخَمْرِ فِي تَحْرِيمِ الشُّرْبِ وَإِيجَابِ الْحَدِّ وَنَحْوِهِ غَيْرَ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ الثَّالِثَ مُتَّفَقٌ عَلَى كَوْنِهِ قِيَاسًا وَمُخْتَلَفٌ فِي النَّوْعَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ كَمَا سَبَقَ.
الْقِسْمَةُ الثَّانِيَةُ: الْقِيَاسُ يَنْقَسِمُ إِلَى جَلِيٍّ وَخَفِيٍّ.
فَالْجَلِيُّ مَا كَانَتِ الْعِلَّةُ فِيهِ مَنْصُوصَةً أَوْ غَيْرَ مَنْصُوصَةٍ غَيْرَ أَنَّ الْفَارِقَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ مَقْطُوعٌ بِنَفْيِ تَأْثِيرِهِ.
فَالْأَوَّلُ: كَإِلْحَاقِ تَحْرِيمِ ضَرْبِ الْوَالِدَيْنِ بِتَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ لَهُمَا بِعِلَّةِ كَفِّ الْأَذَى عَنْهُمَا.
وَالثَّانِي: كَإِلْحَاقِ الْأَمَةِ بِالْعَبْدِ فِي تَقْوِيمِ النَّصِيبِ حَيْثُ عَرَفْنَا أَنَّهُ لَا فَارِقَ بَيْنَهُمَا سِوَى الذُّكُورَةِ فِي الْأَصْلِ وَالْأُنُوثَةِ فِي الْفَرْعِ، وَعَلِمْنَا عَدَمَ الْتِفَاتِ الشَّارِعِ إِلَى ذَلِكَ فِي أَحْكَامِ الْعِتْقِ خَاصَّةً.
وَأَمَّا الْخَفِيُّ فَمَا كَانَتِ الْعِلَّةُ فِيهِ مُسْتَنْبَطَةً مِنْ حُكْمِ الْأَصْلِ كَقِيَاسِ الْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ عَلَى الْمُحَدَّدِ وَنَحْوِهِ.
الْقِسْمَةُ الثَّالِثَةُ: الْقِيَاسُ يَنْقَسِمُ إِلَى مُؤَثِّرٍ، وَمُلَائِمٍ.
أَمَّا الْمُؤَثِّرُ فَإِنَّهُ يُطْلَقُ بِاعْتِبَارَيْنِ:
الْأَوَّلُ: مَا كَانَتِ الْعِلَّةُ الْجَامِعَةُ فِيهِ مَنْصُوصَةً بِالصَّرِيحِ أَوِ الْإِيمَاءِ أَوْ مُجْمَعًا عَلَيْهَا.
وَالثَّانِي: مَا أَثَّرَ عَيْنُ الْوَصْفِ الْجَامِعِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ أَوْ عَيْنُهُ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ أَوْ جِنْسُهُ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ. стр. 923
وَأَمَّا الْمُلَائِمُ فَمَا أَثَّرَ جِنْسُهُ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ كَمَا سَبَقَ تَحْقِيقُهُ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ جَعَلَ الْمُؤَثِّرَ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ مَا أَثَّرَ عَيْنُهُ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ لَا غَيْرُ، وَالْمُلَائِمُ مَا بَعْدَهُ مِنَ الْأَقْسَامِ.
الْقِسْمَةُ الرَّابِعَةُ: الْقِيَاسُ يَنْقَسِمُ إِلَى قِيَاسِ عِلَّةٍ وَدَلَالَةٍ، وَالْقِيَاسُ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ الْجَامِعُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ قَدْ صُرِّحَ بِهِ أَوْ لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ، فَإِنَّ صُرِّحَ بِهِ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْعِلَّةُ الْبَاعِثَةُ عَلَى الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ أَوْ لَا يَكُونَ هُوَ الْعِلَّةُ بَلْ هُوَ دَلِيلٌ عَلَيْهَا.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ ; فَيُسَمَّى قِيَاسَ الْعِلَّةِ وَذَلِكَ كَالْجَمْعِ بَيْنَ النَّبِيذِ وَالْخَمْرِ فِي تَحْرِيمِ الشُّرْبِ بِوَاسِطَةِ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ وَنَحْوِهِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ قِيَاسَ الْعِلَّةِ لِلتَّصْرِيحِ فِيهِ بِالْعِلَّةِ.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَيُسَمَّى قِيَاسَ الدَّلَالَةِ، وَذَلِكَ كَالْجَمْعِ بَيْنَ النَّبِيذِ وَالْخَمْرِ بِالرَّائِحَةِ الْمُلَازِمَةِ لِلشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ، أَوِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِإِحْدَى مُوجَبَيِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ اسْتِدْلَالًا بِهِ عَلَى الْمُوجَبِ الْآخَرِ كَمَا فِي الْجَمْعِ بَيْنَ قَطْعِ الْجَمَاعَةِ لِيَدِ الْوَاحِدِ، وَقَتْلِ الْجَمَاعَةِ لِلْوَاحِدِ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِمْ بِوَاسِطَةِ الِاشْتِرَاكِ فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَيْهِمْ بِتَقْدِيرِ إِيجَابِهَا.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْوَصْفُ الْجَامِعُ لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ فِي الْقِيَاسِ كَمَا فِي إِلْحَاقِ الْأَمَةِ بِالْعَبْدِ فِي تَقْوِيمِ نَصِيبِ الشَّرِيكِ عَلَى الْمُعْتِقِ بِوَاسِطَةِ نَفْيِ الْفَارِقِ بَيْنَهُمَا، فَيُسَمَّى الْقِيَاسُ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ.
الْقِسْمَةُ الْخَامِسَةُ: الْقِيَاسُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ طَرِيقُ إِثْبَاتِ الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ فِيهِ الْمُنَاسَبَةِ أَوِ الشَّبَهِ أَوِ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ أَوِ الطَّرْدِ وَالْعَكْسِ، كَمَا سَبَقَ تَحْقِيقُهُ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَيُسَمَّى قِيَاسَ الْإِحَالَةِ (١) .
وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَيُسَمَّى قِيَاسَ الشَّبَهِ.
وَإِنْ كَانَ الثَّالِثَ فَيُسَمَّى قِيَاسَ السَّبْرِ.
وَإِنْ كَانَ الرَّابِعَ فَيُسَمَّى قِيَاسَ الِاطِّرَادِ. стр. 924
[الْبَابُ الرَّابِعُ فِي مَوَاقِعِ الْخِلَافِ فِي الْقِيَاسِ وَإِثْبَاتِهِ عَلَى مُنْكِرِيهِ وَفِيهِ مَسَائِلَ]
[المسألة الأولى التَّعَبُّدُ بِالْقِيَاسِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ عَقْلًا]
الْبَابُ الرَّابِعُ
فِي مَوَاقِعِ الْخِلَافِ فِي الْقِيَاسِ وَإِثْبَاتِهِ عَلَى مُنْكِرِيهِ وَفِيهِ سِتُّ مَسَائِلَ.
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى
يَجُوزُ التَّعَبُّدُ بِالْقِيَاسِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ عَقْلًا (١) .
وَبِهِ قَالَ السَّلَفُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ.
وَقَالَتِ الشِّيعَةُ وَالنَّظَّامُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ مُعْتَزِلَةِ بَغْدَادَ كَيَحْيَى الْإِسْكَافِيِّ وَجَعْفَرِ بْنِ مُبَشِّرٍ وَجَعْفَرِ بْنِ حَرْبٍ (٢) بِإِحَالَةِ وُرُودِ التَّعَبُّدِ بِهِ عَقْلًا ; وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي مَأْخَذِ الْإِحَالَةِ الْعَقْلِيَّةِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ.
وَقَالَ الْقَفَّالُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ بِأَنَّ الْعَقْلَ مُوجِبٌ لِوُرُودِ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ. стр. 925
وَالْمُخْتَارُ إِنَّمَا هُوَ الْجَوَازُ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْإِجْمَالُ وَالتَّفْصِيلُ، أَمَّا الْإِجْمَالُ فَهُوَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُقَلَاءِ أَنَّهُ يَحْسُنُ مِنَ الشَّارِعِ أَنْ يَنُصَّ وَيَقُولَ لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ ; لِأَنَّ الْغَضَبَ مِمَّا يُوجِبُ اضْطِرَابَ رَأْيِهِ وَفَهْمِهِ، فَقِيسُوا عَلَى الْغَضَبِ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ كَالْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَالْإِعْيَاءِ الْمُفْرِطِ، وَأَنْ يَقُولَ: حَرَّمْتُ عَلَيْكُمْ شَرَابَ الْخَمْرِ وَمَهْمَا غَلَبَ عَلَى ظُنُونِكُمْ أَنَّ عِلَّةَ التَّحْرِيمِ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ الصَّادَّةُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ الْمُفْضِيَةُ إِلَى وُقُوعِ الْفِتَنِ وَالْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ لِتَغْطِيَتِهَا عَلَى الْعَقْلِ، فَقِيسُوا عَلَيْهَا كُلَّ مَا فِي مَعْنَاهَا مِنَ النَّبِيذِ وَغَيْرِهِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا عَقْلًا لَمَا حَسُنَ وُرُودُ الشَّرْعِ بِذَلِكَ.
وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ التَّفْصِيلِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ هُوَ أَنَّ الْعَاقِلَ إِذَا صَحَّ نَظَرُهُ وَاسْتِدْلَالُهُ أَدْرَكَ بِالْأَمَارَاتِ الْحَاضِرَةِ الْمَدْلُولَاتِ الْغَائِبَةَ، وَذَلِكَ كَمَنْ رَأَى جِدَارًا مَائِلًا مُنْشَقًّا فَإِنَّهُ يَحْكُمُ بِهُبُوطِهِ، أَوْ رَأَى غَيْمًا رَطْبًا وَهَوَاءً بَارِدًا حَكَمَ بِنُزُولِ الْمَطَرِ، أَوْ رَأَى إِنْسَانًا خَارِجًا مِنْ بَيْتٍ فِيهِ قَتِيلٌ وَبِيَدِهِ سِكِّينٌ مُخَضَّبَةٌ بِالدَّمِ ; حَكَمَ بِكَوْنِهِ قَاتِلًا، فَإِذَا رَأَى الشَّارِعَ قَدْ أَثْبَتَ حُكْمًا فِي صُورَةٍ مِنَ الصُّوَرِ وَرَأَى ثَمَّ مَعْنًى يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ دَاعِيًا إِلَى إِثْبَاتِ ذَلِكَ الْحُكْمِ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ مَا يُبْطِلُهُ بَعْدَ الْبَحْثِ التَّامِّ وَالسَّبْرِ الْكَامِلِ، فَإِنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الْحُكْمَ ثَبَتَ لَهُ، وَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ الْوَصْفَ فِي صُورَةٍ أُخْرَى غَيْرِ الصُّورَةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ أَيْضًا مَا يُعَارِضُهُ ; فَإِنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِهِ فِي حَقِّنَا، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ مُخَالَفَةَ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى سَبَبٌ لِلْعِقَابِ، فَالْعَقْلُ يُرَجِّحُ فِعْلَ مَا ظُنَّ فِيهِ الْمَصْلَحَةُ وَدَفْعُ الْمَضَرَّةِ عَلَى تَرْكِهِ وَلَا مَعْنَى لِلْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ سِوَى ذَلِكَ.
الثَّانِي: أَنَّ التَّعَبُّدَ بِالْقِيَاسِ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لَا تَحْصُلُ دُونَهُ وَهِيَ ثَوَابُ الْمُجْتَهِدِ عَلَى اجْتِهَادِهِ وَإِعْمَالِ فِكْرِهِ وَبَحْثِهِ فِي اسْتِخْرَاجِ عِلَّةِ الْحُكْمِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ لِتَعْدِيَتِهِ إِلَى مَحَلٍّ آخَرَ عَلَى مَا قَالَ ﵇: " «ثَوَابُكَ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكَ» " (١) وَمَا كَانَ طَرِيقًا إِلَى تَحْصِيلِ مَصْلَحَةِ الْمُكَلَّفِ، فَالْعَقْلُ لَا يُحِيلُهُ بَلْ يُجَوِّزُهُ. стр. 926
فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ جَوَازِ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ بِنَاءً عَلَى ظَنِّ حُصُولِ الْمَصْلَحَةِ وَدَفْعِ الْمَضَرَّةِ ; إِنَّمَا يَحْسُنُ إِذَا لَمْ يُمْكِنِ الْوُصُولُ إِلَى ذَلِكَ بِطَرِيقٍ يَقِينِيٍّ، وَأَمَّا إِذَا أَمْكَنَ فَلَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَهْمَا أَمْكَنَ الْوُصُولُ إِلَى الْمَطْلُوبِ بِطَرِيقٍ يُؤْمَنُ فِيهِ مِنَ الْخَطَأِ، فَالْعَقْلُ يَمْنَعُ مِنْ سُلُوكِ طَرِيقٍ لَا يُؤْمَنُ فِيهِ الْخَطَأُ، فَمَا لَمْ تُثْبِتُوا أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ قَاطِعٌ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعِ أُمَّةٍ، فَاتِّبَاعُ الظَّنِّ يَكُونُ مُمْتَنِعًا عَقْلًا.
سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ عَلَى ذَلِكَ، لَكِنْ إِنَّمَا يُسَوِّغُ الْعَقْلُ التَّمَسُّكَ بِالظَّنِّ إِذَا لَمْ يُوجَدْ دَلِيلٌ ظَنِّيٌّ رَاجِعٌ عَلَى ظَنِّ الْقِيَاسِ مُفْضٍ إِلَى حُكْمِ الْقِيَاسِ، وَإِلَّا كَانَ الْعَمَلُ بِمَا الْخَطَأُ فِيهِ أَقْرَبُ مِمَّا تُرِكَ (١) ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ عَقْلًا.
سَلَّمْنَا دَلَالَةَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ عَلَى تَجْوِيزِ الْعَقْلِ لِذَلِكَ غَيْرَ أَنَّهُ مَنْقُوضٌ وَمُعَارَضٌ.
أَمَّا النَّقْضُ فَبِصُوَرٍ مِنْهَا أَنَّ قَوْلَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ، بَلِ الْعَبِيدِ وَالنِّسَاءِ الْمِتَمَحِّضَاتِ فِي الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ وَالدِّمَاءِ وَالْفُرُوجِ، بَلِ الْفُسَّاقِ مُغَلِّبٌ عَلَى ظَنِّ الْقَاضِي الصِّدْقَ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ الْعَمَلُ بِهِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ مُدَّعِيَ النُّبُوَّةِ إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةِ الْمُعْجِزَةِ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ اتِّبَاعُهُ وَالْعَمَلُ بِقَوْلِهِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْمَصَالِحَ الْمُرْسَلَةَ وَإِنْ غَلَبَتْ عَلَى الظَّنِّ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهَا.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَوِ اشْتَبَهَتْ رَضِيعَةٌ بِعَشْرِ أَجْنَبِيَّاتٍ أَوْ مَيْتَةٌ بِعَشْرِ مُذَكَّيَاتٍ ; لَمْ يَجُزْ مَدُّ الْيَدِ إِلَى وَاحِدَةٍ مِنْهَا ; وَإِنْ وُجِدَتْ عَلَامَاتٌ بِغَلَبَةٍ عَلَى الظَّنِّ.
وَأَمَّا الْمُعَارَضَةُ فَمِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ وَجْهًا:
الْأَوَّلُ: قَالَ النَّظَّامُ: إِنَّ الْعَقْلَ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَاتِ فِي أَحْكَامِهَا، وَالِاخْتِلَافَ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَاتِ فِي أَحْكَامِهَا، وَالشَّارِعُ قَدْ رَأَيْنَاهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَاتِ، وَجَمَعَ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَاتِ وَهُوَ عَلَى خِلَافِ قَضِيَّةِ الْعَقْلِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقِيَاسَ الشَّرْعِيَّ غَيْرُ وَارِدٍ عَلَى مَذَاقِ الْعَقْلِ، فَلَا يَكُونُ الْعَقْلُ مُجَوِّزًا لَهُ. стр. 927
أَمَّا تَفْرِقَتُهُ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَاتِ ; فَإِنَّهُ فَرَضَ الْغُسْلَ مِنَ الْمَنِيِّ وَأَبْطَلَ الصَّوْمَ بِإِنْزَالِهِ عَمْدًا دُونَ الْبَوْلِ وَالْمَذْيِ، وَأَوْجَبَ غَسْلَ الثَّوْبِ مِنْ بَوْلِ الصَّبِيَّةِ وَالرَّشَّ عَلَيْهِ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ، وَنَقَصَ مِنْ عَدَدِ الرُّبَاعِيَّةِ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ الشَّطْرَ دُونَ الثُّنَائِيَّةِ، وَأَوْجَبَ الصَّوْمَ عَلَى الْحَائِضِ دُونَ الصَّلَاةِ مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ أَوْلَى بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا، وَحَرَّمَ النَّظَرَ إِلَى الْعَجُوزِ الْقَبِيحَةِ الْمَنْظَرِ وَأَبَاحَهُ فِي حَقِّ الْأَمَةِ الْحَسْنَاءِ، وَقَطَعَ سَارِقَ الْقَلِيلِ دُونَ غَاصِبِ الْكَثِيرِ، وَأَوْجَبَ الْجَلْدَ بِالْقَذْفِ بِالزِّنَا دُونَ الْقَذْفِ بِالْكُفْرِ، وَقَبِلَ فِي الْقَتْلِ شَاهِدَيْنِ دُونَ الزِّنَا، وَجَلَدَ قَاذِفَ الْحُرِّ الْفَاسِقِ دُونَ الْعَبْدِ الْعَفِيفِ، وَفَرَّقَ فِي الْعِدَّةِ بَيْنَ الْمَوْتِ وَالطَّلَاقِ مَعَ اسْتِوَاءِ حَالِ الرَّحِمِ فِيهِمَا، وَجَعَلَ اسْتِبْرَاءَ الرَّحِمِ بِحَيْضَةٍ وَاحِدَةٍ فِي حَقِّ الْأَمَةِ، وَالْحُرَّةِ الْمُطَلَّقَةِ بِثَلَاثِ حَيْضَاتٍ، وَأَوْجَبَ تَطْهِيرَ غَيْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ الرِّيحُ مَعَ أَنَّ الْقِيَاسَ كَانَ مُقْتَضِيًا لِلتَّسْوِيَةِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ، بَلْ رُبَّمَا كَانَ بَعْضُ الصُّوَرِ الَّتِي لَمْ يَثْبُتْ فِيهَا الْحُكْمُ أَوْلَى بِهِ مِمَّا ثَبَتَ فِيهَا.
وَأَمَّا تَسْوِيَتُهُ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَاتِ فَإِنَّهُ سَوَّى بَيْنِ قَتْلِ الصَّيْدِ عَمْدًا وَخَطَأً فِي إِيجَابِ الضَّمَانِ، وَسَوَّى فِي إِيجَابِ الْقَتْلِ بَيْنَ الرِّدَّةِ وَالزِّنَا، وَسَوَّى فِي إِيجَابِ الْكَفَّارَةِ بَيْنَ قَتْلِ النَّفْسِ وَالْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ وَالظِّهَارِ مَعَ الِاخْتِلَافِ، وَذَلِكَ مِمَّا يُبْطِلُ الِاعْتِبَارَ بِالْأَمْثَالِ وَيُوجِبُ امْتِنَاعَ الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ (١) .
الثَّانِي: قَالَتِ الشِّيعَةُ: إِنَّ الْقَوْلَ بِالتَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ يُفْضِي إِلَى الِاخْتِلَافِ، وَذَلِكَ عِنْدَ مَا إِذَا ظَهَرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ قِيَاسٌ مُقْتَضَاهُ نَقِيضُ حُكْمِ الْآخَرِ، وَالِاخْتِلَافُ لَيْسَ مِنَ الدِّينِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ .
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ .
وَقَوْلِهِ ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ .
وَقَوْلِهِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ .
وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ .
ذُكِرَ ذَلِكَ فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ، وَلَا ذَمَّ عَلَى مَا يَكُونُ مِنَ الدِّينِ، وَقَدْ ذَمَّ الصَّحَابَةُ الِاخْتِلَافَ حَتَّى قَالَ عُمَرُ: " لَا تَخْتَلِفُوا فَإِنَّكُمْ إِنِ اخْتَلَفْتُمْ كَانَ مَنْ بَعْدَكُمْ أَشَدَّ اخْتِلَافًا " стр. 928
وَأَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ ابْنَ مَسْعُودٍ وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ يَخْتَلِفَانِ فِي صَلَاةِ الرَّجُلِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ أَوِ الثَّوْبَيْنِ صَعِدَ الْمِنْبَرَ وَقَالَ: " رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اخْتَلَفَا، فَعَنْ أَيْ فُتْيَاكُمْ يَصْدُرُ الْمُسْلِمُونَ؟ لَا أَسْمَعُ اثْنَيْنِ يَخْتَلِفَانِ بَعْدَ مَقَامِي هَذَا إِلَّا فَعَلْتُ وَصَنَعْتُ "، وَقَالَ جَرِيرُ (١) . بْنُ كُلَيْبٍ: " رَأَيْتُ عُمَرَ يَنْهَى عَنِ الْمُتْعَةِ وَعَلِيًّا يَأْمُرُ بِهَا، فَقُلْتُ إِنَّ بَيْنَكُمَا لَشَرًّا ".
وَكَتَبَ عَلِيٌّ إِلَى قُضَاتِهِ أَيَّامَ خِلَافَتِهِ: أَنِ اقْضُوا كَمَا كُنْتُمْ تَقْضُونَ، فَإِنِّي أَكْرَهُ الْخِلَافَ وَأَرْجُو أَنْ أَمُوتَ كَمَا مَاتَ أَصْحَابِي.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ إِذَا اخْتَلَفَتِ الْأَقْيِسَةُ فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِينَ، فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، فَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ وَنَقِيضُهُ حَقًّا، وَهُوَ مُحَالٌ، وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَيْضًا مُحَالٌ، فَإِنَّهُ لَيْسَ تَصْوِيبُ أَحَدِ الظَّنَّيْنِ مَعَ اسْتِوَائِهِمَا دُونَ الْآخَرِ أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ.
الرَّابِعُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «أُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَاخْتُصِرَتْ لِيَ الْحِكْمَةُ اخْتِصَارًا» " (٢) ، فَلَوْ كَانَ التَّنْصِيصُ مِنْهُ عَلَى الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ الرِّبَوِيَّةِ قَصْدًا لِقِيَاسِ مَا عَدَاهَا مِنَ الْمَطْعُومَاتِ عَلَيْهَا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ قَادِرًا عَلَى مَا هُوَ أَصْرَحُ مِنْهُ، وَلِلْخِلَافِ وَالْجَهْلِ أَدْفَعُ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: " حَرَّمْتُ الرِّبَا فِي كُلِّ مَطْعُومٍ " لَكَانَ عُدُولًا مِنْهُ عَنِ الظَّاهِرِ الْمَفْهُومِ إِلَى الْخَفِيِّ الْمَوْهُومِ (٣) وَهُوَ غَيْرُ لَائِقٍ بِفَصَاحَتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَهُوَ خِلَافُ نَصِّهِ. стр. 929
الْخَامِسُ: أَنَّ الْحُكْمَ فِي أَصْلِ الْقِيَاسِ إِنْ كَانَ ثَابِتًا بِالنَّصِّ امْتَنَعَ إِثْبَاتُهُ فِي الْفَرْعِ ; لِعَدَمِ وُجُودِ النَّصِّ فِي الْفَرْعِ وَامْتِنَاعِ ثُبُوتِهِ فِيهِ بِغَيْرِ طَرِيقِ حُكْمِ الْأَصْلِ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ تَابِعًا لِلْأَصْلِ وَلَا فَرْعًا لَهُ، وَإِنْ كَانَ ثَابِتًا بِالْعِلَّةِ فَهُوَ مُمْتَنِعٌ لِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ مَقْطُوعٌ وَالْعِلَّةَ مَظْنُونَةٌ، وَالْمَقْطُوعُ بِهِ لَا يَثْبُتُ بِالْمَظْنُونِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلِ مُسْتَنْبَطَةٌ مِنْ حُكْمِ الْأَصْلِ وَمُتَفَرِّعَةٌ عَلَيْهِ وَالْمُتَفَرِّعُ عَلَى الشَّيْءِ لَا يَكُونُ مُثْبِتًا لِذَلِكَ الشَّيْءِ وَإِلَّا كَانَ دَوْرًا مُمْتَنِعًا (١) .
السَّادِسُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَتِ الْعِلَّةُ مَنْصُوصَةً كَمَا لَوْ قَالَ: " حَرَّمْتُ الرِّبَا فِي الْبُرِّ لِكَوْنِهِ مَطْعُومًا " فَإِنَّهُ لَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ فِي غَيْرِ الْبُرِّ فَالْمُسْتَنْبَطَةُ أَوْلَى بِعَدَمِ التَّعْدِيَةِ، وَبَيَانُ أَنَّ الْمَنْصُوصَةَ لَا تَقْتَضِي التَّحْرِيمَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ النَّصِّ قُصُورُ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَنْ ذَلِكَ.
وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: " أَعْتَقْتُ كُلَّ عَبْدٍ لِي أَسْوَدَ " عُتِقَ كُلُّ السُّودَانِ مِنْ عَبِيدِهِ، وَلَوْ قَالَ: " أَعْتَقْتُ عَبْدِي سَالِمًا لِسَوَادِهِ أَوْ لِسُوءِ خُلُقِهِ " فَإِنَّهُ لَا يُعْتَقُ غَانِمٌ، وَإِنْ كَانَ أَشَدَّ سَوَادًا مِنْ سَالِمٍ وَأَسْوَأَ خُلُقًا.
السَّابِعُ: أَنَّ حُكْمَ الْقِيَاسِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِلْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، أَوْ مُخَالِفًا لَهَا. стр. 930
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ لَمْ يَكُنِ الْقِيَاسُ مُفِيدًا ; لِأَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ عَدَمُهُ كَانَ مُقْتَضَاهُ مُتَحَقِّقًا بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي: فَهُوَ مُمْتَنِعٌ ; لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ الْأَصْلِيَّةَ مُتَيَقِّنَةٌ وَالْقِيَاسَ مَظْنُونٌ وَالْيَقِينَ تَمْتَنِعُ مُخَالَفَتُهُ بِالظَّنِّ.
الثَّامِنُ: أَنَّهُ لَوْ جَازَ التَّعَبُّدُ بِالْقِيَاسِ عَقْلًا فِي الْفُرُوعِ لِظَنِّ الْمَصْلَحَةِ ; لَجَازَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي أُصُولِ الْأَقْيِسَةِ وَهُوَ مُحَالٌ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّسَلْسُلِ.
التَّاسِعُ: أَنَّ الشَّرْعِيَّاتِ مَصَالِحٌ، فَلَوْ جَازَ إِثْبَاتُهَا بِالْقِيَاسِ لَجَازَ أَنْ يُتَعَبَّدَ بِالْإِخْبَارِ عَنْ كَوْنِ زَيْدٍ فِي الدَّارِ عِنْدَ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِكَوْنِهِ فِيهَا بِالْأَمَارَاتِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
الْعَاشِرُ: أَنَّ الرَّجْمَ بِالظَّنِّ جَهْلٌ وَلَا صَلَاحَ لِلْخُلُقِ فِي إِقْحَامِهِمْ وَرْطَةَ الْجَهْلِ حَتَّى يَتَخَبَّطُوا فِيهِ وَيَحْكُمُوا بِمَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُخَالِفًا لِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى (١) .
الْحَادِيَ عَشَرَ: أَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ قِيَاسٌ إِلَّا بِعِلَّةٍ، وَالْعِلَّةُ مَا تُوجِبُ الْحُكْمَ بِذَاتِهَا، وَعِلَلُ الشَّرْعِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَلَا قِيَاسَ (٢) .
الثَّانِي عَشَرَ: أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى خَبَرُهُ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يُعْرَفُ بِالتَّوْقِيفِ لَا بِالْقِيَاسِ ; لِأَنَّ الْقِيَاسَ مِنْ فِعْلِنَا لَا مِنْ تَوْقِيفِ الشَّارِعِ.
الثَّالِثَ عَشَرَ: أَنَّ جَلِيَّ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِالنُّصُوصِ فَكَذَلِكَ خَفِيُّهَا كَالْمُدْرَكَاتِ، فَإِنَّ جَلِيَّهَا وَخَفِيَّهَا لَا يُدْرَكُ بِغَيْرِ الْحِسِّ.
الرَّابِعَ عَشَرَ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلشَّرْعِيَّاتِ عِلَلٌ لَاسْتَحَالَ انْفِكَاكُهَا عَنْ أَحْكَامِهَا كَمَا فِي الْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِيلُ انْفِكَاكُ الْحَرَكَةِ الْقَائِمَةِ بِالْجِسْمِ عَنْ كَوْنِهِ مُتَحَرِّكًا стр. 931
لَمَّا كَانَتِ الْحَرَكَةُ عِلَّةً لِكَوْنِهِ مُتَحَرِّكًا، وَذَلِكَ يُوجِبُ ثُبُوتَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ لِتَقَدُّمِ الْعِلَلِ عَلَيْهَا وَهُوَ مُحَالٌ.
الْخَامِسَ عَشَرَ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقِيَاسُ صَحِيحًا لَكَانَ حُجَّةً مَعَ النَّصِّ، وَذَلِكَ يُوجِبُ ثُبُوتَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ لِتَقَدُّمِ الْعِلَلِ عَلَيْهَا وَهُوَ مُحَالٌ.
الْخَامِسَ عَشَرَ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقِيَاسُ صَحِيحًا لَكَانَ حُجَّةً مَعَ النَّصِّ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ بِالْإِجْمَاعِ.
السَّادِسَ عَشَرَ: أَنَّ نَظَرَ الْقَائِسِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَقَعَ فِي مَنْظُورٍ فِيهِ، وَالْمَنْظُورُ فِيهِ لَيْسَ سِوَى النَّصِّ وَالْحُكْمِ، وَهُوَ الْوَاجِبُ وَالْحَرَامُ مَثَلًا وَلَيْسَ الْمَنْظُورُ فِيهِ هُوَ النَّصُّ، إِذْ هُوَ غَيْرُ مُتَنَاوِلٍ لِلْفَرْعِ وَالْحُكْمِ، فَهُوَ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ.
وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُوجَدْ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ أَنْ لَا يَصِحَّ الْقِيَاسُ: وَيَلْزَمُ مِنْ فَسَادِ الْأَمْرَيْنِ فَسَادُ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ.
السَّابِعَ عَشَرَ: أَنَّهُ لَوْ جَازَ التَّعَبُّدُ بِتَحْرِيمِ شَيْءٍ أَوْ وُجُوبِهِ عِنْدَ ظَنِّنَا أَنَّهُ مُشَابِهٌ لِأَصْلٍ مُحَرَّمٍ أَوْ وَاجِبٍ بِنَاءً عَلَى أَمَارَةٍ، لَجَازَ أَنْ يُتَعَبَّدَ بِذَلِكَ عِنْدَ ظَنِّنَا الْمُشَابَهَةَ مِنْ غَيْرِ أَمَارَةٍ، وَهُوَ مُحَالٌ.
الثَّامِنَ عَشَرَ: أَنَّهُ لَوْ جَازَ التَّعَبُّدُ بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ ; لَكَانَ عَلَى عِلِّيَّتِهِ دَلَالَةٌ، وَالدَّلَالَةُ عَلَيْهَا، إِمَّا النَّصُّ، وَالْعِلَّةُ الْمُسْتَنْبَطَةُ الَّتِي فِيهَا الْخِلَافُ غَيْرُ مَنْصُوصَةٍ.
وَإِمَّا الْعَادَاتُ، وَالْعَادَاتُ تَكُونُ مُثْبِتَةً لِلْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، فَلَا تَكُونُ مُثْبِتَةً لِأَمَارَاتِهَا.
التَّاسِعَ عَشَرَ: لَوْ كَانَتِ الْمَعَانِي الْمَشْرُوعَةُ مِنَ الْأُصُولِ أَدِلَّةً عَلَى ثُبُوتِ الْأَحْكَامِ فِي الْفُرُوعِ، وَلَمْ يَقِفْ كَوْنُهَا أَدِلَّةً عَلَى شَيْءٍ سِوَاهَا كَمَا فِي النُّصُوصِ، وَالِاتِّفَاقُ وَاقِعٌ عَلَى احْتِيَاجِ الْمُسْتَنْبَطَةِ إِلَى دَلِيلٍ، وَالْمُحْتَاجُ إِلَى الدَّلِيلِ لَا يَكُونُ دَلِيلًا كَمَا فِي الْأَحْكَامِ.
الْعِشْرُونَ: أَنَّهُ إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ تَحْرِيمُ رِبَا الْفَضْلِ فِي الْبَرِّ، إِمَّا لِكَوْنِهِ مَطْعُومَ جِنْسٍ أَوْ مَكِيلَ جِنْسٍ أَوْ قُوتًا أَوْ مَالًا ; فَلَا بُدَّ مِنْ رِعَايَةِ الْمَصْلَحَةِ فِي ذَلِكَ، وَأَيُّ مَصْلَحَةٍ فِي تَحْرِيمِ بَيْعِ مَا هَذِهِ صِفَتُهُ.
стр. 932
الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: أَنَّهُ لَوْ صَحَّ مَعْرِفَةُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ مَعَ كَوْنِهِ غَيْبِيًّا بِالْقِيَاسِ لَصَحَّ مَعْرِفَةُ الْأُمُورِ الْغَيْبِيَّةِ بِالْقِيَاسِ، وَهُوَ مُحَالٌ.
الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ الْقِيَاسَ فِعْلُ الْقَائِسِ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوزُ أَنْ يُتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى مَعْرِفَةِ الْمَصَالِحِ.
الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ الْقِيَاسَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ عِلَّةٍ مُسْتَنْبَطَةٍ مِنْ حُكْمِ الْأَصْلِ، وَالْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ جَازَ أَنْ يَكُونَ مُعَلِّلًا وَجَازَ أَنْ لَا يَكُونَ مُعَلِّلًا.
وَبِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ مُعَلِّلًا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ ثَابِتًا بِغَيْرِ مَا اسْتُنْبِطَ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا بِمَا اسْتُنْبِطَ، يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ مُتَحَقِّقًا فِي الْفَرْعِ إِذَا كَانَ وُجُودُهُ فِيهِ ظَنِّيًّا، وَمَا هَذَا شَأْنُهُ لَا يَصْلُحُ لِلدَّلَالَةِ.
الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّهُ لَوْ جَازَ التَّعَبُّدُ بِالْقِيَاسِ ; لَأَفْضَى ذَلِكَ إِلَى تَقَابُلِ الْأَدِلَّةِ وَتَكَافُئِهَا، وَأَنْ يَكُونَ الرَّبُّ تَعَالَى مُوجِبًا لِلشَّيْءِ وَمُحَرِّمًا لَهُ، وَهُوَ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَتَرَدَّدُ الْفَرْعُ بَيْنَ أَصْلَيْنِ حُكْمُ أَحَدِهِمَا الْحِلُّ وَالْآخَرِ الْحُرْمَةُ، فَإِذَا ظَهَرَ فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ شِبْهُ الْفَرْعِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَزِمَ الْحُكْمُ لِلْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ مُحَالٌ.
الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ الْقِيَاسَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ عِلَّةٍ جَامِعَةٍ، وَالْعِلَلُ الشَّرْعِيَّةُ لَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ عَلَى وِزَانِ الْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ، وَالْعِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ يَجُوزُ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالْقِيَاسِ أَنْ تَكُونَ ذَاتَ أَوْصَافٍ، وَالْعِلَّةُ النَّقْلِيَّةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَإِنَّهَا تَسْتَقِلُّ بِحُكْمِهَا كَاسْتِقْلَالِ الْحَرَكَةِ بِكَوْنِ الْمَحَلِّ الَّذِي قَامَتْ بِهِ مُتَحَرِّكًا وَاسْتِقْلَالِ السَّوَادِ بِكَوْنِ مَحَلِّهِ أَسْوَدَ وَنَحْوِهِ.
وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْعَقْلَ مُوجِبٌ لِلتَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ، فَقَدِ احْتَجَّ بِثَلَاثِ شُبَهٍ:
الْأُولَى: أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ ﵈ مَأْمُورُونَ بِتَعْمِيمِ الْحُكْمِ فِي كُلِّ صُورَةٍ، وَالصُّوَرُ لَا نِهَايَةَ لَهَا، فَلَا تُمْكِنُ إِحَاطَةُ النُّصُوصِ بِهَا، فَاقْتَضَى الْعَقْلُ وُجُوبَ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ.
الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِي إِثْبَاتِ الْحُكْمِ بِالْقِيَاسِ، وَأَنَّهُ أَنْفَى لِلضَّرَرِ، فَيَجِبُ اتِّبَاعُهُ عَقْلًا تَحْصِيلًا لِلْمَصْلَحَةِ وَدَفْعًا لِلْمَضَرَّةِ كَمَا يَجِبُ الْقِيَامُ مِنْ تَحْتِ حَائِطٍ ظُنَّ سُقُوطُهُ لِفَرْطِ مَيْلِهِ، وَإِنْ جَازَ أَنْ تَكُونَ السَّلَامَةُ فِي الْقُعُودِ وَالْهَلَاكُ فِي النُّهُوضِ.
стр. 933
الثَّالِثَةُ: أَنَّ الْعِلَلَ الشَّرْعِيَّةَ وَمُنَاسَبَتَهَا لِلْأَحْكَامِ مُدْرَكَةٌ بِالْعَقْلِ ; فَكَانَ الْعَقْلُ مُوجِبًا لِوُرُودِ التَّعَبُّدِ بِهَا كَمَا تُوجِبُ أَحْكَامُ الْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ.
وَالْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ: أَنَّهُ إِذَا سَلَّمَ أَنَّ الْقِيَاسَ مُغَلِّبٌ عَلَى الظَّنِّ وُجُودَ الْمَصْلَحَةِ، فَهُوَ بَيَانٌ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ الْبَيَانُ فِيهِ مَرْجُوحًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْبَيَانِ الْقَاطِعِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ مِنَ التَّعَبُّدِ بِهِ مَعَ عَدَمِ الظَّفَرِ بِالْبَيَانِ الْقَاطِعِ، وَإِنْ كَانَ مُمْكِنَ الْوُجُودِ وَإِلَّا لَمَا جَازَ التَّعَبُّدُ بِالنُّصُوصِ الظَّنِّيَّةِ وَأَخْبَارِ الْآحَادِ مَعَ إِمْكَانِ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعَالَى لَنَا الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِالْأَحْكَامِ، وَإِمْكَانِ وُجُودِ النُّصُوصِ الْقَاطِعَةِ الْجَلِيَّةِ.
وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ الْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الثَّانِي أَيْضًا.
وَعَنِ النَّقْضِ بِمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الصُّوَرِ أَنَّ الْعَقْلَ يُجَوِّزُ وُرُودَ التَّعَبُّدِ بِكُلِّ مَا هُوَ مُغَلِّبٌ عَلَى الظَّنِّ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمَّا وَرَدَ التَّعَبُّدُ مِنَ الشَّارِعِ بِامْتِنَاعِ الْعَمَلِ بِهِ، كَانَ ذَلِكَ لِمَانِعِ الشَّرْعِ لَا لِعَدَمِ الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ.
وَعَنِ الْمُعَارَضَةِ الْأُولَى: أَنَّ كُلَّ مَا ظُنَّ فِيهِ الْجَامِعُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، وَظَهَرَتْ صَلَاحِيَتُهُ لِلتَّعْلِيلِ، فَالْعَقْلُ لَا يَمْنَعُ مِنْ وُرُودِ التَّعَبُّدِ مِنَ الشَّارِعِ فِيهِ بِالْإِلْحَاقِ، وَحَيْثُ فَرَّقَ الشَّارِعُ فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِاسْتِحَالَةِ وُرُودِ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ بَلْ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ إِمَّا لِعَدَمِ صَلَاحِيَةِ مَا وَقَعَ جَامِعًا أَوْ لِمُعَارِضٍ لَهُ فِي الْأَصْلِ أَوْ فِي الْفَرْعِ، وَحَيْثُ جَمَعَ بَيْنَ مُخْتَلِفَاتِ الصِّفَاتِ فَإِنَّمَا كَانَ لِاشْتِرَاكِهَا فِي مَعْنًى جَامِعٍ صَالِحٍ لِلتَّعْلِيلِ، أَوْ لِاخْتِصَاصِ كُلِّ صُورَةٍ بِعِلَّةٍ صَالِحَةٍ لِلتَّعْلِيلِ، فَإِنَّهُ لَا مَانِعَ عِنْدَ اخْتِلَافِ الصُّوَرِ، وَإِنِ اتَّحَدَ نَوْعُ الْحُكْمِ أَنْ تَعَلَّلَ بِعِلَلٍ مُخْتَلِفَةٍ لَا أَنَّ الْحُكْمَ ثَبَتَ فِي الْكُلِّ بِالْقِيَاسِ.
وَعَلَى هَذَا نَقُولُ مَا لَمْ يَظْهَرْ تَعْلِيلُهُ وَصِحَّةُ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ إِمَّا لِعَدَمِ صَلَاحِيَةِ الْجَامِعِ أَوْ لِتَحَقُّقِ الْفَارِقِ أَوْ لِظُهُورِ دَلِيلِ التَّعَبُّدِ، فَلَا قِيَاسَ فِيهِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا الْقِيَاسُ فِيمَا ظَهَرَ كَوْنُ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ مُعَلِّلًا فِيهِ، وَظَهَرَ الِاشْتِرَاكُ فِي الْعِلَّةِ وَانْتَفَى الْفَارِقُ (١) .
وَعَنِ الثَّانِيَةِ: أَنَّ ذَلِكَ وَإِنْ أَفْضَى إِلَى الِاخْتِلَافِ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِينَ، فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَحْذُورٍ مُطْلَقًا، فَإِنَّ جَمِيعَ الشَّرَائِعِ وَالْمِلَلِ كُلَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ وَلَا مَحْذُورَ فِيهَا، وَإِلَّا لَمَا كَانَتْ مَشْرُوعَةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. стр. 934
كَيْفَ وَإِنَّ الْأُمَّةَ الْإِسْلَامِيَّةَ مَعْصُومَةٌ عَنِ الْخَطَأِ عَلَى مَا عُرِفَ (١) ، فَلَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ مَذْمُومًا وَمَحْذُورًا عَلَى الْإِطْلَاقِ لَكَانَتِ الصَّحَابَةُ مَعَ اشْتِهَارِ اخْتِلَافِهِمْ وَتَبَايُنِ أَقْوَالِهِمْ فِي الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ، مُخْطِئَةً، بَلِ الْأُمَّةُ قَاطِبَةً وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ.
وَعَلَى هَذَا، فَيَجِبُ حَمْلُ مَا وَرَدَ مِنْ ذَمِّ الِاخْتِلَافِ وَالنَّهْيِ عَنْهُ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْقِيَامِ بِنُصْرَتِهِ، وَفِيمَا الْمَطْلُوبُ فِيهِ الْقَطْعُ دُونَ الظَّنِّ وَالِاخْتِلَافِ بَعْدَ الْوِفَاقِ، وَاخْتِلَافُ الْعَامَّةِ وَمَنْ لَيْسَ لَهُ أَهْلِيَّةُ النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ، وَبِالْجُمْلَةِ كُلُّ مَا لَا يَجُوزُ فِيهِ الِاخْتِلَافُ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ بِأَقْصَى الْإِمْكَانِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ إِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ نَفْيُ التَّنَاقُضِ وَالِاضْطِرَابِ وَالِاخْتِلَافِ الْمُنَاقِضِ لِلْبَلَاغَةِ عَنِ الْقُرْآنِ، لَا نَفْيُ الِاخْتِلَافِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ. (٢) .
وَأَمَّا إِنْكَارُ عُمَرَ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَيَجِبُ أَيْضًا حَمْلُهُ عَلَى اخْتِلَافِهِمَا فِيمَا سَبَقَ فِيهِ الْإِجْمَاعُ أَوْ عَلَى اخْتِلَافِهِمَا بِالنَّظَرِ إِلَى مُسْتَفْتٍ وَاحِدٍ حَذَرًا مِنْ تَحَيُّرِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُ جَرِيرٍ (٣) لِعَلِيٍّ وَعُمَرَ عِنْدَ اخْتِلَافِهِمَا فِي مَسْأَلَةِ الْمُتْعَةِ، فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى مَا ظَنَّهُ مِنْ إِفْضَاءِ ذَلِكَ إِلَى فِتْنَةٍ وَثَوَرَانِ أَمْرٍ.
وَأَمَّا مَا كَتَبَهُ عَلِيٌّ إِلَى قُضَاتِهِ، فَيَجِبُ حَمْلُهُ أَيْضًا عَلَى خَوْفِهِ مِنِ انْفِتَاقِ فَتْقٍ بِسَبَبِ نِسْبَتِهِ إِلَى تَعَصُّبٍ لِمُخَالَفَةِ مَنْ سَبَقَ.
وَعَنِ الثَّالِثَةِ: بِاخْتِيَارِ تَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَمْنَعُ مِنْ كَوْنِ الشَّيْءِ وَنَقِيضِهِ حَقًّا стр. 935
بِالنِّسْبَةِ إِلَى شَخْصَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ وَتَرْكِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَائِضِ وَالطَّاهِرِ، وَكَالْجِهَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي الْقِبْلَةِ حَالَ اشْتِبَاهِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى شَخْصَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ فِي حَالَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، وَكَجَوَازِ رُكُوبِ الْبَحْرِ فِي حَقِّ مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ السَّلَامَةُ، وَتَحْرِيمُهُ فِي حَقِّ مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الْهَلَاكُ (١) .
وَهَذَا بِخِلَافِ الْقَضَايَا الْعَقْلِيَّةِ، وَمَا الْحَقُّ فِيهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا يَكُونُ إِلَّا وَاحِدًا مُعَيَّنًا، كَحُدُوثِ الْعَالَمِ وَقِدَمِهِ وَوُجُودِ الصَّانِعِ وَعَدَمِهِ (٢) .
وَعَنِ الرَّابِعَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْعُدُولُ مِنْ أَصْرَحِ الطَّرِيقَيْنِ وَأَبْيَنِهِمَا إِلَى أَدْنَاهُمَا مِمَّا يَمْتَنِعُ وَيُخِلُّ بِالْبَلَاغَةِ، لَمَا سَاغَ وُرُودُ الْكِتَابِ بِالْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ وَإِرَادَةِ الْمُعَيَّنِ، وَالْعَامَّةُ وَإِرَادَةُ الْخَاصِّ وَالْمُطْلَقَةُ وَإِرَادَةُ الْمُقَيَّدِ وَالْأَلْفَاظِ الْمُحْتَمَلَةِ، وَلَمَا سَاغَ أَيْضًا مِثْلُ ذَلِكَ مِنَ الرَّسُولِ مَعَ إِمْكَانِ الْإِتْيَانِ بِأَلْفَاظٍ صَرِيحَةٍ نَاصَّةٍ عَلَى الْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ خِلَافَ الْوَاقِعِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ غَيْرُ بَعِيدٍ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّ فِي التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ وَالِاجْتِهَادِ مَصْلَحَةً لِلْمُكَلَّفِينَ لَا تَحْصُلُ مِنَ التَّنْصِيصِ.
وَذَلِكَ بِسَبَبِ بَعْثِ دَوَاعِيهِمْ عَلَى الِاجْتِهَادِ طَلَبًا لِزِيَادَةِ الثَّوَابِ الْحَاصِلِ بِهِ عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ النَّصُّ فِي حَقِّ عَائِشَةَ، حَتَّى تَبْقَى الشَّرِيعَةُ مُسْتَمِرَّةً غَضَّةً طَرِيَّةً.
وَعَنِ الْخَامِسَةِ: أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ وَإِنْ كَانَ ثَابِتًا بِالنَّصِّ أَوِ الْإِجْمَاعِ لَا بِالْعِلَّةِ وَأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ فِي الْفَرْعِ، فَلَا نُسَلِّمُ وُجُوبَ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ بِمِثْلِ طَرِيقِ إِثْبَاتِ حُكْمِ الْأَصْلِ، بَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِثْبَاتُ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ مَعَ كَوْنِهِ مَقْطُوعًا стр. 936
بِهِ وَفِي الْفَرْعِ بِوُجُودِ مَا كَانَ قَدْ ظَهَرَ كَوْنُهُ بَاعِثًا عَلَى الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْفَرْعِ تَابِعًا فِي حُكْمِهِ لِلْأَصْلِ اتِّحَادَ الطَّرِيقِ الْمُثْبِتِ لِلْحُكْمِ فِيهِمَا، وَإِلَّا لَمَا كَانَ أَحَدُهُمَا تَابِعًا لِلْآخَرِ بَلِ التَّبَعِيَّةُ مُتَحَقِّقَةٌ بِمُجَرَّدِ إِثْبَاتِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ بِمَا عُرِفَ كَوْنُهُ بَاعِثًا عَلَى الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ (١) .
وَعَنِ السَّادِسَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنْ عُلِمَ قَطْعًا قَصْدُهُ لِلسَّوَادِ أُعْتِقَ كُلُّ عَبْدٍ أَسْوَدَ لَهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ الْقَصْدِ، بَلْ لَا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِنْ أَنْ يَنْوِيَ بِهَذَا اللَّفْظِ عِتْقَ جَمِيعِ السُّودَانِ، فَإِنَّهُ كَافٍ فِي عِتْقِ كُلِّ عَبْدٍ لَهُ أَسْوَدَ، وَغَايَتُهُ إِطْلَاقُ اللَّفْظِ الْخَاصِّ، وَإِرَادَةُ الْعَامِّ وَهُوَ سَائِغٌ لُغَةً.
كَمَا حُمِلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ﴾ عَلَى النَّهْيِ عَنِ الْإِتْلَافِ الْعَامِّ، وَكَمَا حُمِلَ قَوْلُ الْقَائِلَ: " وَاللَّهِ لَا أَكَلْتُ لِفُلَانٍ خُبْزًا وَلَا شَرِبْتُ مِنْ مَائِهِ جُرْعَةً " إِذَا قَصَدَ بِهِ دَفْعَ الْمِنَّةِ عَلَى أَخْذِ الدَّرَاهِمِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْعُرُوضِ حَتَّى إِنَّهُ يَحْنَثُ بِكُلِّ ذَلِكَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَكْفِي ذَلِكَ ; لِأَنَّ مُجَرَّدَ النِّيَّةِ وَالْإِرَادَةِ لِذَلِكَ غَيْرُ كَافِيَةٍ فِي الْعِتْقِ، بَلْ إِنْ قَالَ مَعَ ذَلِكَ: " وَقِيسُوا عَلَيْهِ كُلَّ أَسْوَدَ " عُتِقَ كُلُّ عَبْدٍ لَهُ أَسْوَدَ، وَهَذَا هُوَ اخْتِيَارُ الصَّيْرَفِيِّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ أَقْرَبُ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنِ امْتِنَاعِ التَّعْدِيَةِ هَاهُنَا امْتِنَاعُ التَّعْدِيَةِ فِي الْعِلَلِ الْمُسْتَنْبَطَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِتْقَ مِنْ بَابِ التَّصَرُّفِ فِي أَمْلَاكِ الْعَبِيدِ بِالزَّوَالِ، وَلَا كَذَلِكَ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُ مِنِ امْتِنَاعِ التَّعْدِيَةِ هَاهُنَا مُبَالَغَةً فِي صِيَانَةِ مِلْكِ الْعَبِيدِ، مِثْلُهُ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ. стр. 937
وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَوِ اجْتَمَعَ فِي الْمَحَلِّ الْوَاحِدِ حَقَّانِ لِلَّهِ وَلِلْآدَمِيِّ، وَتَضَايَقَ الْمَحَلُّ عَنِ اسْتِيفَائِهِمَا كَمَا لَوْ وَجَبَ الْقَتْلُ عَلَى شَخْصٍ بِالرِّدَّةِ وَبِالْقَتْلِ الْمُوجِبِ لِلْقِصَاصِ، فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ حَقَّ الْآدَمِيِّ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَيُقْتَلُ قِصَاصًا لَا بِالرِّدَّةِ.
وَلِهَذَا طَرَدَ أَهْلُ اللُّغَةِ مِثْلَ ذَلِكَ وَعَدُّوهُ فِيمَا لَا يَقْتَضِي زَوَالَ مِلْكِ الْآدَمِيِّ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ الْقَائِلُ لِغَيْرِهِ: " لَا تَأْكُلْ هَذَا الطَّعَامَ فَإِنَّهُ مَسْمُومٌ وَلَا تَشْرَبْ هَذَا الشَّرَابَ فَإِنَّهُ مُسْهِلٌ وَلَا تُجَالِسْ فُلَانًا لِسَوَادِهِ " فَإِنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ يُعِدُّونَهُ إِلَى كُلِّ مَا هُوَ مِنْ جِنْسِهِ مُشَارِكٌ لَهُ فِي الْعِلَّةِ.
وَعَلَى هَذَا نَقُولُ إِنَّهُ لَوْ قَالَ لِوَكِيلِهِ بِعْ هَذَا الْعَبْدَ لِسَوَادِهِ أَوْ لِسُوءِ خُلُقِهِ، وَكَانَ قَدْ قَالَ لَهُ مَهْمَا ظَهَرَ لَكَ رِضَائِي بِشَيْءٍ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ دُونَ صَرِيحِ الْأَقْوَالِ فَافْعَلْهُ، وَعَلِمَ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي إِطْلَاقِ الْبَيْعِ السَّوَادُ وَسُوءُ الْخُلُقِ خَاصَّةً، فَلَهُ بَيْعُ كُلِّ مَا شَارَكَهُ فِي تِلْكَ الْعِلَّةِ عَلَى وَزَانِ ذَلِكَ فِي الشَّرْعِ.
وَعَنِ السَّابِعَةِ: أَنَّهَا مَنْقُوضَةٌ بِمُخَالَفَةِ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ بِالنُّصُوصِ الظَّنِّيَّةِ وَبِالْإِقْرَارِ وَالشَّهَادَةِ وَالْفَتْوَى وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَعَنِ الثَّامِنَةِ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرِدِ النَّصُّ بِالْحُكْمِ فِي أُصُولِ الْأَقْيِسَةِ، وَإِلَّا كَانَ التَّعَبُّدُ بِإِثْبَاتِ أَحْكَامِهَا بِالْقِيَاسِ عَلَى أَصْلٍ آخَرَ جَائِزًا، وَإِنِ امْتَنَعَ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّسَلْسُلِ فَلَا يَرِدُ بِهِ التَّعَبُّدُ لِاسْتِحَالَتِهِ فِي نَفْسِهِ.
وَعَنِ التَّاسِعَةِ: أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ فِي الْعَقْلِ أَيْضًا وُرُودُ التَّعَبُّدِ بِإِخْبَارِنَا عَنْ كَوْنِ زَيْدٍ فِي الدَّارِ عَنْ ظَنٍّ إِذَا ظَهَرَتْ أَمَارَةُ كَوْنِهِ فِي الدَّارِ.
وَعَنِ الْعَاشِرَةِ: أَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى فَاسِدِ أُصُولِ الْخُصُومِ فِي وُجُوبِ رِعَايَةِ الصَّلَاحِ وَالْأَصْلَحِ، وَهُوَ بَاطِلٌ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ أَصْلِنَا. (١) وَإِنْ سَلَّمْنَا وُجُوبَ رِعَايَةِ الْمَصْلَحَةِ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ فِي التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ مَصْلَحَةٌ، وَقَدِ اسْتَأْثَرَ الرَّبُّ تَعَالَى بِالْعِلْمِ بِهَا.
كَيْفَ وَإِنَّ مَا ذَكَرُوهُ مَنْقُوضٌ بِوُرُودِ التَّعَبُّدِ بِالنُّصُوصِ الظَّنِّيَّةِ وَقَبُولِ الشَّهَادَةِ وَالِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ حَالَةَ الِاشْتِبَاهِ، وَبِقَبُولِ قَوْلِ الْعُدُولِ فِي قِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ وَأَرْشِ الْجِنَايَاتِ وَتَقْدِيرِ النَّفَقَاتِ. стр. 938
وَعَنِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْقِيَاسِ إِنَّمَا هِيَ بِمَعْنَى الْأَمَارَةِ وَالْعَلَامَةِ عَلَى الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَمْتَنِعُ التَّعَبُّدُ بِاتِّبَاعِهِ، وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ الشَّارِعُ: " مَهْمَا رَأَيْتُمْ وَصْفَ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ، فَاعْلَمُوا أَنِّي قَضَيْتُ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ الْمُشْتَدِّ الْمُطْرِبِ " كَانَ وَاجِبَ الِاتِّبَاعِ (١) وَعَنِ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّهُ مَهْمَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ مِنْ نَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ، فَإِنَّا لَا نُثْبِتُ بِهِ الْحُكْمَ وَلَا نَنْفِيهِ.
وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ وُرُودُ التَّعَبُّدِ بِهِ عَقْلًا، فَإِذَا قَالَ الشَّارِعُ: " قَدْ تَعَبَّدْتُكُمْ بِالْقِيَاسِ، فَمَهْمَا رَأَيْتُمُ الْحُكْمَ قَدْ ثَبَتَ فِي صُورَةٍ وَغَلَبَ عَلَى ظُنُونِكُمْ أَنَّهُ ثَبَتَ لِعِلَّةٍ، وَأَنَّهَا مُتَحَقِّقَةٌ فِي صُورَةٍ أُخْرَى، فَقِيسُوهَا " كَانَ ذَلِكَ إِخْبَارًا عَنْ إِثْبَاتِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ.
وَإِنْ لَمْ يَرِدْ مِثْلُ هَذَا النَّصِّ، فَانْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ يَكُونُ كَافِيًا.
وَعَنِ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أَنَّهَا قِيَاسٌ تَمْثِيلِيٌّ مِنْ غَيْرِ جَامِعٍ، فَلَا يَصِحُّ.
وَقَدْ أَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ كَثِيرَ الزَّعْفَرَانِ الْوَاقِعَ فِي الْمَاءِ يُعْلَمُ بِالْإِدْرَاكِ، وَخَفِيُّهُ إِنَّمَا يُعْلَمُ بِإِخْبَارٍ مِنْ شَاهِدِهِ لَا بِنَفْسِ الْإِدْرَاكِ، وَلَيْسَ بِحَقٍّ، فَإِنَّ الْخَبَرَ مُسْتَنِدٌ إِلَى الْمُشَاهَدَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ أَيْضًا مُسْتَنِدٌ إِلَى الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالنَّصِّ، فَكَانَ جَلِيُّ الْأَحْكَامِ وَخَفِيُّهَا مُسْتَنِدًا إِلَى النَّصِّ.
قِيلَ: النَّصُّ الْوَارِدُ فِي الْأَصْلِ لَمْ يَكُنْ وَارِدًا فِي الْفَرْعِ، وَلَوْ وَرَدَ فِي الْفَرْعِ لَمَا احْتِيجَ إِلَى الْقِيَاسِ.
وَعَنِ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ كَوْنَ الْمُتَحَرِّكِ مُتَحَرِّكًا يَزِيدُ عَلَى قِيَامِ الْحَرَكَةِ بِالْمَحَلِّ، فَلَا عِلَّةَ وَلَا مَعْلُولَ وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُتَحَرِّكَةَ مُعَلَّلَةٌ بِالْحَرَكَةِ، وَلَكِنْ مَا ذَكَرُوهُ تَمْثِيلٌ مِنْ غَيْرِ جَامِعٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اسْمَ الْعِلَّةِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْعِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ الْعَقْلِيَّةَ مُقْتَضِيَةٌ لِلْحُكْمِ بِذَاتِهَا لَا بِوَضْعٍ، بِخِلَافِ الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فَإِنَّهَا بِمَعْنَى الْبَاعِثِ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ عَلَامَةً عَلَى الْحُكْمِ فِي بَعْضِ الْأَزْمَانِ دُونَ الْبَعْضِ، اتِّبَاعًا لِوَضْعِ الشَّارِعِ وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ بَاعِثًا لِمَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ فِي بَعْضِ الْأَزْمَانِ دُونَ الْبَعْضِ كَمَا أُبِيحَتِ الْخَمْرَةُ فِي زَمَانٍ وَحُرِّمَتْ стр. 939
فِي زَمَانٍ، وَجُوِّزَ الصَّوْمُ فِي زَمَانٍ وَحُرِّمَ فِي زَمَانٍ، وَيَكُونُ مَنَاطُ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ اعْتِبَارَ الشَّارِعِ لِلْوَصْفِ فِي وَقْتٍ وَإِلْغَاءَهُ فِي آخَرَ.
وَعَنِ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ الْقِيَاسَ عِنْدَنَا حُجَّةٌ مَعَ النَّصِّ الْمُوَافِقِ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً مَعَ النَّصِّ الْمُخَالِفِ الرَّاجِحِ ; بِدَلِيلِ خَبَرِ الْوَاحِدِ فَإِنَّهُ حُجَّةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً مَعَ النَّصِّ الْمُخَالِفِ الرَّاجِحِ.
وَعَنِ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ نَظَرَ الْقَائِسِ فِي الْفَرْعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي دَلَالَةِ النَّصِّ فَهُوَ نَاظِرٌ فِي الْمَعْنَى الْجَامِعِ وَالدَّلَالَةِ عَلَى عِلِّيَّتِهِ وَفِي الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ، وَلَيْسَ الْحُكْمُ هُوَ فِعْلَ الْمُكَلَّفِ بَلِ الْحُكْمُ إِنَّمَا هُوَ الْوُجُوبُ أَوِ التَّحْرِيمُ الْمُتَعَلِّقُ بِفِعْلِهِ.
وَعَنِ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أَنَّهُ إِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ مُشَابَهَةُ شَيْءٍ لِشَيْءٍ مُحَرَّمٍ، وَأَمْكَنَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَمَارَةٍ، فَالْعَقْلُ يُجَوِّزُ وُرُودَ الشَّرْعِ بِالتَّعَبُّدِ بِتَحْرِيمِهِ، وَإِنْ لَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِهِ (١) وَعَنِ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: بِمَنْعِ الْحَصْرِ فِيمَا ذَكَرُوهُ، وَمَا الْمَانِعُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ يُعْرَفُ كَوْنُ الْوَصْفِ الْجَامِعِ عِلَّةً مِنَ الْإِيمَاءِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ طُرُقِ التَّخْرِيجِ كَمَا عُرِفَ.
وَعَنِ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ الْعِلَلَ الْمُسْتَنْبَطَةَ مِنَ الْأُصُولِ، وَإِنْ كَانَتْ أَدِلَّةً عَلَى الْأَحْكَامِ فِي الْفُرُوعِ، فَلَيْسَتْ أَدِلَّةً لِذَوَاتِهَا وَصِفَاتِ أَنْفُسِهَا الذَّاتِيَّةِ كَمَا فِي الْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ، بَلْ إِنَّمَا كَانَتْ أَدِلَّةً بِالْوَضْعِ وَالتَّوْقِيفِ، وَجَعَلَ الشَّارِعُ لَهَا أَدِلَّةً، فَلِذَلِكَ افْتَقَرَتْ فِي جَعْلِهَا أَدِلَّةً إِلَى غَيْرِهَا.
وَعَنِ الْعِشْرِينَ: أَنَّ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِتَصْحِيحِ الْقِيَاسِ فِي آحَادِ الصُّوَرِ، بَلْ إِنَّمَا هُوَ فِي جَوَازِ وُرُودِ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ فِي الْجُمْلَةِ كَيْفَ وَإِنَّ الْوَجْهَ فِي ظُهُورِ الْمَصْلَحَةِ فِي التَّعْلِيلِ بِمَطْعُومِ جِنْسٍ أَوْ مَكِيلِ جِنْسٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا مِمَّا قَدْ تُكُلِّفَ - (٢) . قَدْ تُكُلِّفَ بَيَانُهُ فِي مَسَائِلِ الْفُرُوعِ، فَعَلَى النَّاظِرِ فِي ذَلِكَ بِالِاعْتِبَارِ حَتَّى إِنَّ كُلَّ مَا لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ وَجْهُ الْمَصْلَحَةِ، وَلَا دَفْعُ الْمَفْسَدَةِ مِنَ الْأَوْصَافِ الْمُسْتَنْبَطَةِ بِدَلِيلِهِ فَالْقِيَاسُ فِيهِ غَيْرُ جَائِزٍ. стр. 940
وَعَنِ الْحَادِيَةِ وَالْعِشْرِينَ: أَنَّ كُلَّ مَا هُوَ لَوْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمَارَةً تَدُلُّ عَلَيْهِ كَمَا جَعَلَ ذَلِكَ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ ; كَانَ الْحُكْمُ فِي مَعْرِفَتِهِ كَمَا فِي الْأَحْكَامِ، وَحَيْثُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ أَمَارَةً تَدُلُّ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا.
وَعَنِ الثَّانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّوَصُّلَ إِلَى مَعْرِفَةِ الْمَصَالِحِ بِفِعْلِ الْقَائِسِ وَإِنَّمَا فِعْلُ الْقَائِسِ وَهُوَ إِثْبَاتُ مِثْلِ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ تَبَعٌ لِمَعْرِفَةِ الْمَصْلَحَةِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ حُكْمِ الْأَصْلِ (١) وَعَنِ الثَّالِثَةِ وَالْعِشْرِينَ: أَنَّهُ مَتَى غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْقَائِسِ كَوْنُ الْحُكْمِ مُعَلِّلًا وَظَهَرَتْ لَهُ عِلَّةٌ فِي نَظَرِهِ مُجَرَّدَةٌ عَنِ الْمَعَارِضِ، وَتَحَقَّقَ وُجُودُهَا فِي الْفَرْعِ كَانَ لَهُ الْقِيَاسُ وَإِلَّا فَلَا.
وَعَنِ الرَّابِعَةِ وَالْعِشْرِينَ: أَنَّهُ مَهْمَا تَقَابَلَ فِي نَظَرِ الْقَائِسِ قِيَاسَانِ عَلَى التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ مَثَلًا ; فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْعِلَّتَيْنِ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِحُكْمِهَا لِذَاتِهَا، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ اجْتِمَاعُ الْحُكْمَيْنِ، وَعَلَى هَذَا إِنْ تَرَجَّحَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى كَانَ الْعَمَلُ بِهَا، وَإِنْ تَعَارَضَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ بِالْوَقْفِ إِلَى حِينِ ظُهُورِ التَّرْجِيحِ، وَأَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ بِتَخْيِيرٍ فِي الْعَمَلِ بِأَيِّ الْقِيَاسَيْنِ شَاءَ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ.
وَعَنِ الْخَامِسَةِ وَالْعِشْرِينَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعِلَلَ الشَّرْعِيَّةَ عَلَى وَزَانِ الْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ، وَإِنَّمَا هِيَ بِمَعْنَى الْأَمَارَاتِ وَالْعَلَامَاتِ، وَمَا كَانَ بِمَعْنَى الْأَمَارَةِ وَالْعَلَامَةِ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الظَّنُّ مِنْهُ مِنْ مَجْمُوعِ أَوْصَافٍ لَا يَسْتَقِلُّ الْبَعْضُ بِهَا (٢) ، وَذَلِكَ стр. 941
كَالظَّنِّ الْحَاصِلِ بِنُزُولِ الْمَطَرِ عِنْدَ طُلُوعِ الْغَيْمِ وَتَكَاثُفِهِ وَدُنُوِّهِ مِنَ الْأَرْضِ وَهُبُوبِ الْهَوَاءِ الْبَارِدِ، وَكَذَلِكَ ظَنُّ سُقُوطِ الْجِدَارِ بِمَيْلِهِ وَانْشِقَاقِهِ وَتَخَلْخُلِ أَجْزَائِهِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الشُّبْهَةِ الْأُولَى لِلْقَائِلِينَ بِكَوْنِ الْعَقْلِ مُوجِبًا لِوُرُودِ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ أَنَّ الَّذِي لَا يَتَنَاهَى إِنَّمَا هُوَ الْجُزْئِيَّاتُ الدَّاخِلَةُ تَحْتَ الْأَجْنَاسِ الْكُلِّيَّةِ، أَمَّا الْأَجْنَاسُ الْكُلِّيَّةُ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ.
وَعَلَى هَذَا فَقَدْ أَمْكَنَ التَّنْصِيصُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَجْنَاسِ بِأَنْ يَقُولَ الشَّارِعُ: " كُلُّ مَطْعُومٍ رِبَوِيٍّ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ وَكُلُّ قَاتِلٍ عَمْدًا عُدْوَانًا مَقْتُولٌ، وَكُلُّ سَارِقٍ مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ مَقْطُوعٌ " إِلَى نَظَائِرِهِ، وَالْحُكْمُ فِي كُلِّ صُورَةٍ مِنْ جُزْئِيَّاتِ ذَلِكَ الْجِنْسِ يَكُونُ ثَابِتًا بِالنَّصِّ، وَإِنِ افْتَقَرْنَا فِيهِ إِلَى الِاجْتِهَادِ فِي إِدْرَاجِ كُلِّ وَاحِدٍ تَحْتَ جِنْسِهِ لِيَتِمَّ إِثْبَاتُ الْحُكْمِ فِيهِ بِالنَّصِّ، فَذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ تَحْقِيقِ مُتَعَلِّقِ الْحُكْمِ لَا أَنَّهُ قِيَاسٌ، وَعَلَى هَذَا فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْقِيَاسِ.
وَإِنْ سَلَّمْنَا امْتِنَاعَ التَّعْمِيمِ بِغَيْرِ الْقِيَاسِ فَإِنَّمَا يَجِبُ التَّعَبُّدُ بِهِ أَنْ لَوْ كَانَ النَّبِيُّ ﵇ مُكَلَّفًا بِالتَّعْمِيمِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، بَلْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا كُلِّفَ بِمَا يَقْدِرُ عَلَى تَبْلِيغِهِ بِطَرِيقِ الْمُخَاطَبَةِ (١) .
وَمَا ذَكَرُوهُ مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِ رِعَايَةِ الصَّلَاحِ وَالْأَصْلَحِ وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ (٢) عَلَى مَا عَرَفْنَاهُ فِي الْكَلَامِيَّاتِ.
وَعَنِ الثَّانِيَةِ: أَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى كَوْنِ الْعَقْلِ مُوجِبًا، وَعَلَى وُجُوبِ رِعَايَةِ الْمَصْلَحَةِ وَهُوَ بَاطِلٌ عَلَى مَا عَرَفْنَاهُ رِعَايَةُ مَصَالِحِ الْعِبَادِ فِي التَّشْرِيعِ وَبِنَاءُ الْأَحْكَامِ عَلَيْهَا مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِاسْتِقْرَاءِ النُّصُوصِ وَهُوَ مُقْتَضَى حِكْمَةِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وَإِنْ قُلْنَا أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ فَهُوَ سُبْحَانَهُ الَّذِي كَتَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَضْلًا مِنْهُ وَإِحْسَانًا وَرَحْمَةً بِعِبَادِهِ. . стр. 942
وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْعَقْلَ مُوجِبٌ عِنْدَ ظُهُورِ الْمَصْلَحَةِ فِي نَظَرِ الْعَاقِلِ، لَكِنْ مَتَى إِذَا كَانَ عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى مُتَعَلِّقًا بِمَا ظَنَّهُ الْعَبْدُ عَلَى وَفْقِ مَا ظَنَّهُ الْعَبْدُ أَوْ عَلَى خِلَافِهِ، الْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ.
وَعِنْدَ ذَلِكَ، فَمِنَ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ الرَّبُّ تَعَالَى قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا مَصْلَحَةَ لِلْمُكَلَّفِينَ فِي الْقِيَاسِ، وَأَنَّهُ مُضِرٌّ فِي حَقِّهِمْ عَلَى خِلَافِ مَظْنُونِ الْعَبْدِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَكُونُ الْعَقْلُ مُوجِبًا لِلْقِيَاسِ.
وَإِنْ سَلَّمْنَا إِيجَابَ ذَلِكَ مُطْلَقًا لَكِنْ إِذَا أَمْكَنَ إِثْبَاتُ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ بِطَرِيقٍ غَيْرِ الْقِيَاسِ أَوْ إِذَا لَمْ يُمْكِنْ، الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ، وَقَدْ بَيَّنَّا إِمْكَانَ ذَلِكَ فِي دَفْعِ الشُّبْهَةِ الَّتِي قَبْلَهَا.
وَعَنِ الثَّالِثَةِ: أَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى كَوْنِ الْعَقْلِ مُوجِبًا، وَعَلَى وُجُوبِ رِعَايَةِ الْمَصْلَحَةِ، وَعَلَى أَنَّهُ لَا طَرِيقَ إِلَى مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ سِوَى الْقِيَاسِ، وَعَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَالِمٌ بِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِي الْقِيَاسِ كَمَا ظَنَّهُ الْعَبْدُ وَكُلُّ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْعِلَّةَ الْجَامِعَةَ قَدْ لَا يَكُونُ طَرِيقُ إِثْبَاتِهَا الْمُنَاسِبَةَ كَمَا سَبَقَ تَعْرِيفُهُ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ لَا طَرِيقَ سِوَى الْمُنَاسَبَةِ، وَأَنَّهُ لَا طَرِيقَ إِلَى مَعْرِفَتِهَا إِلَّا بِالْعَقْلِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ وُجُوبُ التَّعَبُّدِ بِهَا عَقْلًا.
وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْعِلَّةِ وَالْمَعْلُولِ (١) الْعَقْلِيَّيْنِ وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ.
وَبِتَقْدِيرِ تَحَقُّقِ ذَلِكَ، فَالْعَقْلُ إِنَّمَا يَقْضِي بِمُلَازَمَةِ مَعْلُولِ الْعِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ لَهَا، لِكَوْنِهَا مُقْتَضِيَةً لِمَعْلُولِهَا بِذَاتِهَا، وَلَا كَذَلِكَ الْعِلَلُ الشَّرْعِيَّةُ فَإِنَّهَا إِنَّمَا كَانَتْ عِلَلًا بِمَعْنَى الْأَمَارَاتِ وَالْعَلَامَاتِ فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ (٢) . стр. 943
[المسألة الثانية التَّعَبُّدُ الشَّرْعِيُّ بِالقياس]
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ
الَّذِينَ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ عَقْلًا اخْتَلَفُوا:
فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَمْ يَرِدِ التَّعَبُّدُ الشَّرْعِيُّ بِهِ، بَلْ وَرَدَ بِحَظْرِهِ كَدَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ الْأَصْفَهَانِيِّ وَابْنِهِ الْقَاشَانِيِّ وَالنَّهْرَوَانِيِّ (١) ، وَلَمْ يَقْضُوا بِوُقُوعِ ذَلِكَ إِلَّا فِيمَا كَانَتْ عِلَّتُهُ مَنْصُوصَةً أَوْ مُومَأً إِلَيْهَا.
وَذَهَبَ الْبَاقُونَ إِلَى أَنَّ التَّعَبُّدَ الشَّرْعِيَّ بِهِ وَاقِعٌ بِدَلِيلِ السَّمْعِ، وَاخْتَلَفُوا فِي وُقُوعِهِ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي وَأَوْمَأْنَا إِلَى إِبْطَالِهِ.
ثُمَّ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ هَلْ هُوَ قَاطِعٌ أَوْ ظَنِّيٌّ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ الْكُلُّ: إِنَّهُ قَطْعِيٌّ سِوَى أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ إِنَّهُ ظَنِّيٌّ وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
وَقَدِ احْتُجَّ عَلَى ذَلِكَ بِحُجَجٍ ضَعِيفَةٍ لَا بُدَّ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَيْهَا وَالتَّنْبِيهِ عَلَى ضَعْفِهَا ثُمَّ نَذْكُرُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا هُوَ الْمُخْتَارُ، فَمِنْهَا كِتَابِيَّةٌ وَإِجْمَاعِيَّةٌ وَمَعْنَوِيَّةٌ:
أَمَّا الْكِتَابِيَّةُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ .
وَوَجْهُ الِاحْتِجَاجِ بِهِ أَنَّهُ أَمَرَ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَالرَّسُولِ، وَالْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ امْتِثَالُ أَمْرِهِمَا وَنَهْيِهِمَا، فَقَوْلُهُ ثَانِيًا: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ وَالظَّاهِرُ مِنَ الرَّدِّ هُوَ الْقِيَاسُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ بِهِ اتِّبَاعَ أَوَامِرِهِمَا وَنَوَاهِيهِمَا، لَكَانَ ذَلِكَ تَكْرَارًا فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الرَّدَّ إِلَى مَا اسْتُنْبِطَ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَرُدُّوهُ﴾ الْقِيَاسُ عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، بَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْبَحْثَ عَنْ كَوْنِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ مَأْمُورًا أَوْ مَنْهِيًّا، حَتَّى يَدْخُلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ، فَالْأَمْرُ الْأَوَّلُ بِالطَّاعَةِ لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالثَّانِي بِالْبَحْثِ عَنِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ هَلْ هُوَ مَأْمُورٌ أَوْ مَنْهِيٌّ أَوْ لَا فَلَا تَكْرَارَ. стр. 944
وَإِنَّمَا يُمْكِنُ (١) حَمْلُ الرَّدِّ عَلَى الْقِيَاسِ مَعَ كَوْنِهِ مُخْتَلَفًا فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ، أَنْ لَوْ تَعَذَّرَ حَمْلُ لَفْظِ الرَّدِّ عَلَى غَيْرِهِ وَلَيْسَ بِمُتَعَذِّرٍ.
وَإِنْ سَلَّمْنَا امْتِنَاعَ حَمْلِهِ عَلَى الْبَحْثِ عَنْ كَوْنِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ مَأْمُورًا أَوْ مَنْهِيًّا، أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: " ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ " فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ، وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: " ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ " أَيْ: فِيمَا لَمْ يَسْبِقْ فِيهِ أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ " ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ " بِالسُّؤَالِ لِلرَّسُولِ لِيُنْبِئَكُمْ عَنْ مُقْتَضَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا يُوجِبُ اخْتِصَاصَ الْآيَةِ بِمَنْ وُجِدَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﵇ لِتَعَذُّرِ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى تَعْمِيمِ وُجُوبِ الطَّاعَةِ وَالرَّدِّ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ فِي كُلِّ زَمَانٍ، فَلَوْ كَانَ مَعْنَى الرَّدِّ السُّؤَالَ لِلرَّسُولِ لَمَا تُصُوِّرَ ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ وُجِدَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﵇.
قُلْنَا: وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الطَّاعَةَ وَاجِبَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ زَمَانٍ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ وُجُوبَ الرَّدِّ ثَابِتٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ ; لِأَنَّهُ إِنْ حُمِلَ الرَّدُّ عَلَى الْقِيَاسِ فَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ، وَإِنْ حُمِلَ عَلَى السُّؤَالِ لِلنَّبِيِّ ﵇ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى مَنْ لَمْ يَرَهُ (٢) .
فَإِنْ قِيلَ: الضَّمِيرُ فِي الْمُخَاطَبِ بِالرَّدِّ عَائِدٌ إِلَى الْمُخَاطَبِ بِالطَّاعَةِ، فَإِذَا كَانَ الْخِطَابُ بِالطَّاعَةِ عَامًّا، فَكَذَلِكَ الْخِطَابُ بِالرَّدِّ وَإِذَا تَعَذَّرَ حَمْلُ الرَّدِّ عَلَى السُّؤَالِ فِي حَقِّ الْكُلِّ، تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْقِيَاسَ.
قُلْنَا: وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الطَّاعَةَ وَاجِبَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ زَمَانٍ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ لِأَنَّهَا مُشَافَهَةٌ عَلَى مَا سَبَقَ стр. 945
تَقْرِيرُهُ فِي الْأَوَامِرِ (١) .
وَإِنْ سَلَّمْنَا عُمُومَ خِطَابِ الْأَمْرِ بِالطَّاعَةِ، فَغَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: " ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ " ظَاهِرًا فِي الْعَوْدِ إِلَى كُلِّ مَنْ أَمَرَ بِالطَّاعَةِ، فَعَوْدُهُ إِلَى الْبَعْضِ وَهُوَ مَنْ كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﵇ لِضَرُورَةِ حَمْلِ الرَّدِّ عَلَى السُّؤَالِ لِلنَّبِيِّ ﵇، غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ تَخْصِيصًا لِلْعُمُومِ وَهُوَ مُقَابَلٌ بِمِثْلِهِ فِي حَمْلِ الرَّدِّ عَلَى الْقِيَاسِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ فِي حَقِّ كُلِّ مُجْتَهِدٍ وَعَامِّيٍّ، وَيَلْزَمُ مِنْ حَمْلِ لَفْظِ الرَّدِّ عَلَى الْقِيَاسِ تَخْصِيصُ الْآيَةِ بِالْمُجْتَهِدِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَلَيْسَ مُخَالَفَةُ أَحَدِ الْعُمُومَيْنِ وَالتَّمَسُّكُ بِالْآخَرِ أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ (٢) .
وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ وَالِاسْتِنْبَاطُ هُوَ الْقِيَاسُ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا.
وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَجِبُ حَمْلُ الِاسْتِنْبَاطِ فِي الْآيَةِ عَلَى الْقِيَاسِ أَنْ لَوْ تَعَذَّرَ حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِذْ أَمْكَنَ أَنْ يُرَادَ بِهِ اسْتِخْرَاجُ الْحُكْمِ مِنْ دَلِيلِهِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْقِيَاسِ، وَلِهَذَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لِمُسْتَخْرِجِ الْحُكْمِ مِنْ دَلَالَةِ النَّصِّ إِنَّهُ مُسْتَنْبِطٌ.
كَيْفَ وَإِنَّ الْمَذْكُورَ فِي صَدْرِ الْآيَةِ إِنَّمَا هُوَ الْأَمْنُ وَالْخَوْفُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ﴾ ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ وَفِي قَوْلِهِ ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ﴾ وَفِي قَوْلِهِ ﴿لَعَلِمَهُ﴾ وَفِي قَوْلِهِ ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ عَائِدًا إِلَيْهِ ; لِأَنَّهُ الْمَذْكُورُ لَا إِلَى غَيْرِهِ مَذْكُورٌ.، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الْقِيَاسِ فِي شَيْءٍ.
وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ وَوَجْهُ الِاحْتِجَاجِ بِهِ أَنَّهُمْ أَوْرَدُوا ذَلِكَ فِي مَعْرِضِ صَدِّهِمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ أَبَاؤُهُمْ لِمَا بَيْنَهُمْ مِنَ الْمُشَابَهَةِ فِي الْبَشَرِيَّةِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وَهُوَ عَيْنُ الْقِيَاسِ فَكَانَ حُجَّةً، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا لِوَجْهَيْنِ: стр. 946
الْأَوَّلُ: لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ النَّكِيرِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ الْآيَةَ إِنَّمَا خَرَجَتْ مُخْرَجَ الْإِنْكَارِ لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ .
الثَّانِي: أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ قِيَاسًا وَتَشْبِيهًا فِي الْأُمُورِ الْحَقِيقِيَّةِ، فَلَا يَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ إِلَّا بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ أَيْضًا، وَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ.
وَأَمَّا الْإِجْمَاعِيَّةُ: فَمِنْهَا أَنَّهُمْ قَالُوا: الْأُمَّةُ قَدْ عَقِلَتْ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ تَحْرِيمَ الشَّتْمِ وَالضَّرْبِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِإِمْكَانِ قَوْلِ الْخَصْمِ إِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا عَقْلٌ مِنْ دَلَالَةِ اللَّفْظِ وَفَحْوَى الْخِطَابِ عَلَى مَا سَبَقَ.
وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ، غَيْرَ أَنَّ الْعِلَّةَ فِيهِ مَعْلُومَةٌ بِدَلَالَةِ النَّصِّ، وَهِيَ كَفُّ الْأَذَى عَنِ الْوَالِدَيْنِ، وَلَا يَلْزَمُ مِثْلُهُ فِيمَا كَانَتِ الْعِلَّةُ فِيهِ مُسْتَنْبَطَةً مَظْنُونَةً كَمَا قَالَهُ النَّظَّامُ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى رَجْمِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ قِيَاسًا عَلَى رَجْمِ النَّبِيِّ ﷺ (لِمَاعِزٍ) ، وَهُوَ ضَعِيفٌ وَأَيْضًا لِإِمْكَانِ أَنْ يُقَالَ: بَلْ إِنَّمَا حَكَمُوا بِذَلِكَ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ ﷺ : " «حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ» " (١) .
وَمِنْهَا أَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَعَبَّدَنَا بِالِاسْتِدْلَالِ بِالْأَمَارَاتِ عَلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ عِنْدَ اشْتِبَاهِهَا، وَذَلِكَ أَيْضًا مِمَّا لَا يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِهِ ; لِأَنَّ الْخَصْمَ لَا يَمْنَعُ مِنَ التَّمَسُّكِ بِالْأَمَارَاتِ مُطْلَقًا، بَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْقِبْلَةِ وَفِي تَقْوِيمِ أُرُوشِ الْجِنَايَاتِ وَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ وَتَقْدِيرِ النَّفَقَاتِ، وَفِيمَا كَانَتِ الْأَمَارَاتُ فِيهِ خَفِيَّةً، وَلَا يَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي الْأَمَارَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْأَقْيِسَةِ.
كَيْفَ وَإِنَّ مِنَ الْخُصُومِ مَنْ يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الِاجْتِهَادِ ثُمَّ اشْتِبَاهِ الْقِبْلَةِ وَيُوجِبُ التَّوَجُّهَ إِلَى الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ حَتَّى يَخْرُجَ عَنِ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ؟ !
وَأَمَّا الْحُجَّةُ الْمَعْنَوِيَّةُ: فَهِيَ أَنَّ النَّصَّ وَالْإِجْمَاعَ مِمَّا يَقِلُّ فِي الْحَوَادِثِ وَيَنْدُرُ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْقِيَاسُ حُجَّةً أَفْضَى ذَلِكَ إِلَى خُلُوِّ أَكْثَرِ الْوَقَائِعِ عَنِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَهُوَ خِلَافُ الْمَقْصُودِ مِنْ بِعْثَةِ الرُّسُلِ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ وَهِيَ ضَعِيفَةٌ أَيْضًا. стр. 947
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَقَائِعَ الَّتِي خَلَتْ عَنِ النُّصُوصِ وَالْإِجْمَاعِ، إِنَّمَا يَلْزَمُ خُلُوُّهَا عَنِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ أَنْ لَوْ لَمْ يَكُنْ نَفْيُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بَعْدَ وُرُودِ الشَّرْعِ حُكْمًا شَرْعِيًّا.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ حُكْمًا شَرْعِيًّا، وَكَانَ مُدْرِكُهُ شَرْعِيًّا وَهُوَ اسْتِصْحَابُ الْحَالِ وَانْتِفَاءُ الْمَدَارِكِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْأَحْكَامِ الْإِثْبَاتِيَّةِ فَلَا (١) .
وَإِنَّ سَلَّمْنَا أَنَّ انْتِفَاءَ الْحُكْمِ عِنْدَ انْتِفَاءِ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ لَيْسَ حُكْمًا شَرْعِيًّا (٢) ، وَلَكِنْ إِنَّمَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ كُنَّا مُكَلَّفِينَ بِإِثْبَاتِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فِي كُلِّ قَضِيَّةٍ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّارِعَ كَمَا يُورِدُ إِثْبَاتَ الْأَحْكَامِ فِي بَعْضِ الْوَقَائِعِ قَدْ يُورِدُ نَفْيَهَا (٣) فِي بَعْضٍ آخَرَ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ الْمَصَالِحِ.
ثُمَّ يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ أَنْ تَكُونَ الْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ الْخَلِيَّةُ عَنِ الِاعْتِبَارِ حُجَجًا فِي الشَّرِيعَةِ وَهُوَ مُحَالٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ وَاقِعَةٍ يُمْكِنُ وُجُودُ النَّصِّ أَوِ الْإِجْمَاعِ أَوِ الْقِيَاسِ فِيهَا، فَلَوْ لَمْ تَكُنِ الْمَصْلَحَةُ الْمُرْسَلَةُ حُجَّةً أَفْضَى ذَلِكَ أَيْضًا إِلَى خُلُوِّ الْوَقَائِعِ عَنِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لِعَدَمِ وُجُودِ النَّصِّ أَوِ الْإِجْمَاعِ أَوِ الْقِيَاسِ فِيهَا، وَالْعُذْرُ إِذْ ذَاكَ يَكُونُ مُشْتَرِكًا (٤) . стр. 948
وَالْمُعْتَمَدُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ.
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ أَمْرٌ بِالِاعْتِبَارِ، وَالِاعْتِبَارُ هُوَ الِانْتِقَالُ مِنَ الشَّيْءِ إِلَى غَيْرِهِ، وَذَلِكَ مُتَحَقِّقٌ فِي الْقِيَاسِ حَيْثُ إِنَّ فِيهِ نَقْلَ الْحُكْمِ مِنَ الْأَصْلِ إِلَى الْفَرْعِ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الْأَسْنَانِ: اعْتُبِرَ حُكْمُهَا بِالْأَصَابِعِ فِي أَنَّ دِيَتَهَا مُتَسَاوِيَةٌ، أَطْلَقَ الِاعْتِبَارَ وَأَرَادَ بِهِ نَقْلَ حُكْمِ الْأَصَابِعِ إِلَى الْأَسْنَانِ، وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْقِيَاسَ مَأْمُورٌ بِهِ، فَالْأَمْرُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِلْوُجُوبِ أَوْ لِلنَّدْبِ عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْأَوَامِرِ، وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ فَالْعَمَلُ بِالْقِيَاسِ يَكُونُ مَشْرُوعًا.
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ أَمْرٌ بِالِاعْتِبَارِ وَصِيغَةُ افْعَلُوا مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ الْأَمْرِ وَغَيْرِهِ كَمَا سَبَقَ فِي الْأَوَامِرِ، وَلَيْسَ جَعْلُهَا ظَاهِرَةً فِي الْبَعْضِ أَوْلَى مِنَ الْبَعْضِ.
سَلَّمْنَا أَنَّهَا لِلْأَمْرِ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الِاعْتِبَارَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ بَلْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الِاتِّعَاظِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَمْرَانِ: الْأَوَّلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾ ، وَالْمُرَادُ بِهِ الِاتِّعَاظُ إِذْ هُوَ الْمُتَبَادَرُ إِلَى الْفَهْمِ مِنْ إِطْلَاقِ هَذَا اللَّفْظِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْقَائِسَ فِي الْفُرُوعِ إِذَا أَقْدَمَ عَلَى الْمَعَاصِي وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِي أَمْرِ آخِرَتِهِ ; يُقَالُ إِنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ وَلَوْ كَانَ الْقِيَاسُ هُوَ الِاعْتِبَارَ لَمَا صَحَّ سَلْبُ ذَلِكَ عَنْهُ.
سَلَّمْنَا أَنَّ الِاعْتِبَارَ ظَاهِرٌ فِي الْقِيَاسِ لَكِنَّهُ قَدْ وُجِدَ فِي الْآيَةِ مَا يَمْنَعُ مِنَ الْحَمْلِ عَلَيْهِ وَيَصْرِفُهُ إِلَى الِاعْتِبَارِ بِمَعْنَى الِاتِّعَاظِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، وَلَوْ كَانَ الِاعْتِبَارُ بِمَعْنَى الْقِيَاسِ لَمَا حَسُنَ تَرْتِيبُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَحْسُنُ ذَلِكَ عِنْدَ إِرَادَةِ الِاتِّعَاظِ.
سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْقِيَاسُ، غَيْرَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْآيَةِ صِيغَةُ عُمُومٍ تَقْتَضِي الْعَمَلَ بِكُلِّ قِيَاسٍ، فَكَانَتِ الْآيَةُ مُطْلَقَةً، وَالْمُطْلَقُ إِذَا عُمِلَ بِهِ فِي صُورَةٍ أَوْ صُوَرٍ لَا يَبْقَى حُجَّةً فِيمَا عَدَاهَا، ضَرُورَةُ الْوَفَاءِ وَمَعْنَاهُ بِدَلَالَتِهِ، وَقَدْ عَمِلْنَا بِذَلِكَ فِي الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ
стр. 949
وَالْقِيَاسُ الَّذِي عِلَّتُهُ مَنْصُوصَةٌ أَوْ مُومَأٌ إِلَيْهَا وَبِقِيَاسِ الْفُرُوعِ عَلَى الْأُصُولِ فِي امْتِنَاعِ إِثْبَاتِهَا بِالْقِيَاسِ.
سَلَّمْنَا الْعُمُومَ لَكِنَّهُ قَدْ خُصَّ بِمَا كُلِّفْنَا فِيهِ بِالْيَقِينِ وَبِمَا كَانَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ وَبِمَا لَمْ نَعْلَمْ لَهُ أَصْلًا وَلَا وَصْفًا جَامِعًا، فَإِنَّ الْقِيَاسَ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ لِوَكِيلِهِ: " أَعْتِقْ غَانِمًا لِسَوَادِهِ " فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعْدِيَةُ ذَلِكَ إِلَى سَالِمٍ وَإِنْ كَانَ مُسْوَدًّا.
وَالْعَامُّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ لَا يَبْقَى حُجَّةً، وَإِنْ بَقِيَ حُجَّةً فَفِي أَقَلِّ مَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ الْعَامُّ عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْعُمُومِ.
وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ يَبْقَى حُجَّةً فِيمَا عَدَا مَحَلِّ التَّخْصِيصِ، غَيْرَ أَنَّ الْآيَةَ خِطَابٌ مَعَ الْمَوْجُودِينَ، فَيَخْتَصُّ ذَلِكَ بِمَنْ كَانَ مَوْجُودًا فِي وَقْتِ نُزُولِ الْوَحْيِ بِالْآيَةِ، وَإِنْ عَمَّ جَمِيعَ الْأَزْمَانِ وَلَكِنَّهُ أَمْرٌ مُطْلَقٌ، فَلَا يَكُونُ مُفِيدًا لِلْفَوْرِ وَلَا لِلتَّكْرَارِ، وَإِنْ كَانَ مُفِيدًا لِذَلِكَ لَكِنْ بِطَرِيقٍ ظَنِّيٍّ لَا قَطْعِيٍّ، وَالْمَسْأَلَةُ قَطْعِيَّةٌ لَا ظَنِّيَّةٌ.
وَالْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ أَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ صِيغَةَ (افْعَلْ) ظَاهِرَةٌ فِي الطَّلَبِ، وَأَنَّ الطَّلَبَ لَا يَخْرُجُ عَنِ اقْتِضَاءِ الْوُجُوبِ أَوِ النَّدْبِ فِي الْأَوَامِرِ وَأَيُّ الْأَمْرَيْنِ قَدَرَ كَانَ دَلِيلًا عَلَى شَرْعِ الْقِيَاسِ.
قَوْلُهُمْ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الِاعْتِبَارَ عِبَارَةٌ عَمَّا ذَكَرْتُمُوهُ.
قُلْنَا: دَلِيلُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ (١) .
قَوْلُهُمْ: يُطْلَقُ بِمَعْنَى الِاتِّعَاظِ.
قُلْنَا: عَنْهُ جَوَابَانِ:
الْأَوَّلُ: الْمَنْعُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ: اعْتَبَرَ فُلَانٌ فَاتَّعَظَ، وَلَوْ كَانَ الِاعْتِبَارُ هُوَ الِاتِّعَاظُ لَمَا حَسُنَ هَذَا الْكَلَامُ وَالتَّرْتِيبُ، وَلِأَنَّ تَرْتِيبَ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ مُمْتَنِعٌ.
الثَّانِي: أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِمَعْنَى الِانْتِقَالِ مِنَ الشَّيْءِ إِلَى (٢) (غَيْرِهِ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الْقِيَاسِ وَالِاتِّعَاظِ أَمَّا أَنَّ الِانْتِقَالَ مُتَحَقِّقٌ فِي الْقِيَاسِ فَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ، وَأَمَّا أَنَّهُ مُتَحَقِّقٌ فِي الِاتِّعَاظِ) فَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُتَّعِظَ بِغَيْرِهِ مُنْتَقِلٌ مِنَ الْعِلْمِ بِحَالِ ذَلِكَ الْغَيْرِ إِلَى الْعِلْمِ بِحَالِ نَفْسِهِ (٣) (وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ الِاعْتِبَارِ حَقِيقَةً فِيمَا وَقَعَ فِيهِ الِاشْتِرَاكُ نَفْيًا لِلتَّجَوُّزِ وَالِاشْتِرَاكِ عَنِ اللَّفْظِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْأَمْرُ بِالِاعْتِبَارِ أَمْرٌ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْقِيَاسِ وَالِاتِّعَاظِ، стр. 950
وَهُوَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَنَاوِلًا لِوَاحِدٍ مِنَ الِاعْتِبَارَاتِ عَلَى سَبِيلِ الشُّيُوعِ أَوْ لِكُلِّ اعْتِبَارٍ عَلَى جِهَةِ الْعُمُومِ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَتَعَلُّقُ الْأَمْرِ بِهِ إِنَّمَا كَانَ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ وَتِلْكَ الْمَصْلَحَةُ فَكَمَا تَحْصُلُ مِنَ الْوَاحِدِ الْفَرْدِ تَحْصُلُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَفْرَادِ ضَرُورَةَ الِاشْتِرَاكِ فِي مَلْزُومِهَا، فَاللَّفْظُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَامًّا بِلَفْظِهِ فَيَكُونُ عَامًّا بِمَعْنَاهُ.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَهُوَ الْمَطْلُوبُ) فَكَانَ مَأْمُورًا بِهِ مِنْ جِهَةِ مَا فِيهِ مِنَ الِانْتِقَالِ وَذَلِكَ هُوَ الْقِيَاسُ، وَعَلَى هَذَا فَقَدْ خَرَجَ الْجَوَابُ عَنِ الْآيَتَيْنِ.
قَوْلُهُمْ: الْقَائِسُ إِذَا كَانَ مُعْرِضًا عَنْ أَمْرِ آخِرَتِهِ يُقَالُ إِنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ.
قُلْنَا: لَا يَصِحُّ إِلَى كَوْنِهِ قَائِسًا، وَإِنَّمَا صَحَّ إِلَى أَمْرِ الْآخِرَةِ، وَإِنَّمَا أَطْلَقَ النَّفْيَ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ نَظَرًا إِلَى إِخْلَالِهِ بِأَعْظَمِ الْمَقَاصِدِ وَهُوَ أَمْرُ الْمَعَادِ.
(وَعَنِ الثَّالِثِ (١) أَنَّهُ إِذَا كَانَ الِانْتِقَالُ مُتَحَقِّقًا فِي الِاتِّعَاظِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ - وَذَلِكَ هُوَ الْقِيَاسُ - فَلَا نُسَلِّمُ امْتِنَاعَ تَرْتِيبِ الْقِيَاسِ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ.
وَعَنِ الرَّابِعِ: أَنَّ اللَّفْظَ إِنْ كَانَ عَامًّا فَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ (٢) نَظَرًا إِلَى أَنَّ الْغَالِبَ مِنَ الشَّارِعِ أَنَّهُ إِنَّمَا يُخَاطِبُنَا بِالْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ دُونَ غَيْرِهَا، وَهُوَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ فِيهِ مَنْصُوصَةً أَوْ مُسْتَنْبَطَةً، وَالْأَوَّلُ لَيْسَ بِقِيَاسٍ عَلَى مَا حَقَّقْنَاهُ قَبْلُ.
وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَنْبَطَةً فَقَدْ سَلَّمَ صِحَّةَ الِاحْتِجَاجِ بِبَعْضِ الْأَقْيِسَةِ الْمُخْتَلِفِ فِيهَا، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَسْلِيمُ الْبَاقِي ضَرُورَةَ أَنْ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ) .
وَعَنِ الْخَامِسِ: أَنَّ الْعَامَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ يَكُونُ حُجَّةً فِيمَا وَرَاءَ صُوَرِ التَّخْصِيصِ عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْعُمُومِ.
وَعَنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّهُ خِطَابٌ مَعَ الْمَوْجُودِينَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﵇، فَلَا يَعُمُّ.
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَعُمُّ بِتَقْدِيرِ الْوُجُودِ وَالْفَهْمِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا يَعُمُّ بِلَفْظِهِ، فَهُوَ عَامٌّ بِمَعْنَاهُ، نَظَرًا إِلَى انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ أَحْكَامَ الْخِطَابِ الثَّابِثِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﵇ عَامَّةٌ فِي حَقِّ مَنْ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْخِطَابُ عَامًّا بِلَفْظِهِ следующие страницы →