ـ[حماسة الخالديين المعروف بالأشباه والنظائر من أشعار المتقدمين والجاهليين والمخضرمين]ـ
المؤلف: الخالديان أبو بكر محمد بن هاشم الخالدي، (المتوفى: نحو ٣٨٠هـ) ، وأبو عثمان سعيد بن هاشم الخالدي (المتوفى: ٣٧١هـ)
المحقق: الدكتور محمد علي دقة
الناشر: وزارة الثقافة، الجمهورية العربية السورية
عام النشر: ١٩٩٥
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
الجزء الأول
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
الحمد لله الواحد بلا كيفية تقع بها الإحاطة، والأزليّ بلا وقت تنسب الصفات إليه، حمداً يورد من جليل نعمه، وجزيل قسمه، مشرباً عذباً ومَسحباً رحباً، وصلى الله على سيدنا محمد ما أورق شجر، وأينع ثمر، وعلى الطاهرين من عترته وسلم تسليما.
وبعد فسح الله لنا في مدّتك، ووفقنا لما نؤثره من خدمتك، فإنَّا رأيناك بأشعار المحدثين كلِفاً، وعن القدماء والمخضرمين منحرفاً، وهذان الشريجان هما اللذان فتحا للمحدثين باب المعاني فدخلوه، وأنهجوا لهم طرق الإبداع فسلكوه، أمَا سمعتَ، زاد الله قدرك علوا ورفعةً وسموّاً، قول الشاعر:
فلو قبل مبكاها بكيتُ صبابةً ... إليها شفيتُ النَّفس قبلَ التندُّمِ
ولكن بكتْ قبلي فهيَّج لي البكا ... بُكاها فقلتُ الفضلُ للمتقدِّمِ
ومن أمثالهم السائرة: ما ترك الأوَّل للآخر شيئاً، إلاَّ أنَّ أبا تمام لم يرض بهذا المثل حتَّى قال يصف قصيدةً له:
لا زلت من شكريَ في حلة ... لابسُها ذو سلب فاخرِ
يقول من تقرعُ أسماعَه ... كم ترك الأوَّلُ للآخرِ
ومن المعنى الأول قول عنترة: " هل غادر الشعراء من متردّم؟ "
стр. 3
أي ما تركوا كلاماً لمتكلّم. فإذا كان عنترة - وهو في الجاهلية الجهلاء، وإمام الفصاحة الفصحاء - يقول مثل هذا القول فما ظنك بهذا العصر وقبله بمائتي سنة؟ فلسنا بقولنا هذا، أيدك الله، نطعن على المحدثين ولا نبخسهم تجويدهم ولطف تدقيقهم وطريف معانيهم وإصابة تشبيههم وصحة استعاراتهم. إلاَّ أنَّا نعلم أن الأوائل من الشعراء رسموا رسوماً تبعها من بعدهم، وعوَّل عليها مَن قفا أثرهم، وقلَّ شعرٌ من أشعارهم يخلو من معانٍ صحيحة، وألفاظ فصيحة، وتشبيهات مصيبة، واستعارات عجيبة، ونحن - أطالَ اللهُ في العزّ بقاءك، وكبت بالذل أعداءك - نضمّن رسالتنا هذه مختار ما وقع إلينا من أشعار الجاهلية ومَن تبعهم من المخضرمين، ونجتنب أشعار المشاهير لكثرتها في أيدي النَّاس فلا نذكر منها إلاَّ الشيء اليسير ولا نُخليها من غرر ما رويناه للمحدثين، ونذكر أشياء من النظائر إذا وردت، والإجازات إذا عنّت، ونتكلم عن المعاني المخترعة والمتبعة ولا نجمع نظائر البيت في مكان واحد ولا المعنى المسروق في موضع، بل نجعل ذلك في موضع ذكره، وإن كنا نعلم أنك - أدام الله تأييدك - أعلمُ بما نحمله إليك، ونعرضه عليك، منّا. ومن أين لنا قرائح تنتج ما لا تزال تُريناه، وتسألنا عنه، من دقيق المعاني وطرائف السرقات. ولقد تأتَّى لك - أيدك الله - في بيتَي أبي تمام والبحتري على غموض المعنى وبُعده في النوعين من دقة النظر ولطيف الفكر ما لا يتوهم أنَّه يطَّرِد لسواك ولا يعنُّ لغيرك، وهو أنك - أيد الله عزّك - قلت لنا: من أين أخذ البحتري قوله:
رَكِبا القَنا من بعد ما حملا القنا ... في عسكر متحامل في عسكرِ
فلم يكن عندنا فيه شيء غير الاستحسان والتقريظ، فعرّفتنا - أيدك الله - أنَّه مأخوذ من قول أبي تمام:
رعَته الفيافي بعد ما كانَ حِقبة ... رَعَاها وماءُ الرَّوض ينهلُّ ساكِبُهْ
ولا نعرف في النظر أدقّ من هذا ولا ألطف إلاَّ أنَّا نوفّي الخدمة حقَّها بما نتكلّفه من الاختيار والكلام على ما ذكرناه، وبالله التوفيق.
стр. 4
قال المهلْهِل بن ربيعة:
بكُرهِ قلوبنا يا آل بكرٍ ... نُغاديكم بمُرهفةِ النِّصالِ
لها لونٌ من الهاماتِ جَونٌ ... وإن كانت تُغادَى بالصّقالِ
ونبكي حين نذكركم عليكم ... ونقتلُكُم كأنَّا لا نُبالي
أبيات المهلهل هذه هي الأصل في هذا المعنى، ومثله قول الحُصَين بن الحُمَام المرّي:
نفلِّقُ هاماً من رجالٍ أعزَّةٍ ... علينا وهُم كانوا أعقَّ وأظلَما
وأخذه بعضهم فقال:
قوْمي همُ قتلوا أُميمَ أخي ... فإذا رمَيتُ أصابني سهمِي
فلئن عفوتُ لأعفوَنْ جَللاً ... ولئن قتلتُ لأُوهِنَنْ عظمِي
وأخذه مالك بن مطفوق السعديّ فقال:
قتلْنا بني الأعمام يوم أوارَة ... وعزَّ علينا أن نكون كذلِكا
هُم أحرَجونا يوم ذاك وجرَّدوا ... علينا سُيوفاً لم يكنَّ بواتِكا
وأخذه حرب بن مِسعر فقال:
ولمَّا دعاني لم أُجِبْه لأنَّني ... خشيتُ عليه وقعةً من مُصمِّم
فلمَّا أعاد الصَّوت لم أكُ عاجزاً ... ولا وكِلاً في كلّ دَهْياءَ صَيْلَم
عطفتْ عليه المُهْر عطفةَ مُحرج ... صؤولٍ ومن لا يغشِم النَّاسَ يُغشَم
وأوجرتُهُ لَدْن الكسوب مقوّماً ... فخرَّ صريعاً لليدَين وللفَم
وغادرتُهُ والدَّمعُ يجري لقتله ... وأوداجُهُ تجري على النحر بالدَّمِ
فأخذا هذا المعنى ديك الجن فقال في جارية كان يحبها فقتلها:
قمرٌ أنا استخْرجتُهُ من دُجْنة ... لبليَّتي وجلوتُهُ من خِدرِهِ
فقتلتُهُ وله عليَّ كرامةٌ ... ملء الحشا وله الفؤادُ بأسرِهِ
عهدي به مَيْتاً كأحسنِ نائمٍ ... والحزنُ ينحرُ عَبرتي في نحرِهِ
وإلى المعنى الأول نظر أبو تمام في قوله:
قدِ انْثَنى بالمنايا في أسنَّتِهِ ... وقد أقامَ حياراكم على اللَّقَمِ
جذلانُ من ظفر حرَّانُ أن رجعتْ ... أظفارُهُ منكمُ مخضوبةً بدَمِ
ومن هذا المعنى أخذ البحتري قوله:
إذا احْتربَتْ يوماً ففاضت دماؤها ... تذكَّرتِ القربى ففاضت دموعُها
بيت البحتري أطرف وأبدع من بيت المهلهل إلاَّ أنَّه أرشده إلى المعنى ودلَّ عليه. ومثله القتَّال الكلابي:
فلمَّا رأيتُ أنَّه غيرُ منتهٍ ... أمَلْتُ له كفّي بلَدْن مقوّمِ
فلمَّا رأيتُ أنَّني قد قتلتهُ ... ندِمتُ عليه أيَّ ساعة مندَمِ
ولبعضهم:
أتتْني آية من أُمّ عمرو ... فكدتُ أغَصّ بالماء القراحِ
فما أنسَى رسالتها ولكن ... ذليلٌ من ينوءُ بلا جناحِ
قوله: " ذليلٌ من ينوء بلا جناح " من الأمثال الجياد المختارة.
قال الحكم بن عبدل الأسديّ:
إذا كنتَ جاراً خائفاً ومُحوِّلا ... لاقيتَ عمرانَ بن ورقاءَ فانْزلِ
هو الغيث والشَّهر الحرام وضامن ... لك الدَّهر إن أخنى عليك بكلكلِ
قال عمرو بن برَّاقة الهَمْداني:
تقول سُليمى لا تعرّضْ لتَلْفَة ... وليلُك عن ليل الصَّعاليك نائمُ
وكيف ينام الليل مَن جُلَّ مالِهِ ... حُسام كلون الملح أبيضَ صارِمُ
كذَبتم وبيتِ الله لا تأخذونها ... مُراغمة ما دام للسَّيف قائمُ
متى تجمع القلبَ الذكيّ وصارما ... وأنفاً حمِيّا تجتنبْكَ المظالمُ
ومَن يطلبِ المال الممنّع بالقنا ... يعشْ ماجداً أو تخترِمْه الخوارِمُ
مثله:
ومن يطلبِ المالَ الممنّع بالقنا ... يعشْ مُثرِياً أو يُودِ فيما يمارسُ
إذا جرَّ مولانا علينا جريرةً ... صبَرنا لها إنَّا كرامٌ دعائمُ
وننصرُ مولانا ونعلمُ أنَّه ... كما النَّاسُ مجرومٌ عليه وجارِمُ
وكنتُ إذا قوم غزوني غزوتُهم ... فهلْ أنا في ذا يالَ هَمْدان ظالمُ
قال يزيد خذَّاق العبدي:
فَلَت عينَها عنِّي سَفاهاً وراقَها ... فتى دون أضيافِ الشتاءِ شروبُ
دهينُ القفا يُدني تبيعةَ سيفه ... وما كلُّ أصحابِ السُّيوفِ نجيبُ
قوله: " فتى دون أضيافِ الشتاءِ شروبُ " نهاية في الهجاء، وإنَّما خصَّ بقوله أضياف الشتاء للكِنّ والصلاء وما يضيف في الشتاء من العرب إلاَّ المبرّز في السماحة لكَلَب البرد وصفر البيوت لأنه يريد أن يحصر عياله ويخرج من بيته ماشيته ليتَّسع المكان على ضيفه. وأخرى إن الزاد عندهم في الشتاء قليل وفي الصيف كثير.
قال الغطَمَّش الضبّي:
إنِّي وإن كانَ ابنُ عمِّيَ عاتبا ... لمقاذِفٌ من دونِهِ وورائِهِ
стр. 5
ومفيدُه نصري وإن كانَ امرأ ... متزَحزِحاً في أرضِهِ وسمائِهِ
وإذا اكْتَسى ثوباً جميلاً لم أقلْ ... يا ليت أنَّ عليَّ مثلَ ردائِهِ
قال كِنار بن صُريم الجرميّ:
أرد الكتيبة مفلولةً ... وقد تركت ليَ أحسابَها
ولستُ إذا كنت في جانب ... أذُمُّ العشيرة مُغتابَها
قوله: " وقد تركت لي أحسابَها " معنى جيد، ذكَر أنَّه هزم أعداءه فصارت مفاخرهم له بهزيمته إياهم.
وأنشد لبعض الأعراب:
أرى كلّ أرض دمَّنتها وإن مضت ... لها حججٌ يزداد طيباً ترابُها
ألم تعلمنْ يا ربّ أن ربَّ دعوة ... دعوتُك فيها مُخلصاً لو أُجابُها
لعمر أبي ليلى لئن هي أصبحتْ ... بوادي القرى ما ضرَّ غيري اغترابُها
مثله للبحتري:
لعمرُ الرسومِ الدارساتِ لقد غدت ... بريّا سُعاد وهي طيبةُ العرفِ
مثله للنُّميري:
تضوَّعَ مِسكاً بطنُ نعمانَ أن مشت ... به زينبٌ في نسوةٍ عَطراتِ
مثله لأبي تمام:
لولا نسيم ترابها لم تُعرفِ
قوله: يزداد طيباً ترابها مثل قول جميل:
стр. 6
ألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلةً ... بأبطحَ فيّاحٍ بأسفله محلُ
يفوح علينا المسكُ منه وإنّما ... به المسكُ أن جرَّتْ به ذيلها جمْلُ
ولبعضهم:
واستودعتْ نشرها الديارَ فما ... تزدادُ إلاَّ طيباً على القِدَمِ
ومن هنا أخذ العباس بن الأحنف قوله:
جرى السيلُ فاستبكانيّ السيلُ إذ جرى ... وفاضتْ له من مقلتيَّ غروبُ
وما ذاك إلاَّ حين خبِّرتُ أنّه ... يمرُّ بوادٍ أنت منه قريبُ
يكون أُجاجاً دونكم فإذا انتهى ... إليكم تلقَّى طيبكم فيطيبُ
أخذه ابن المعتز فقال:
فلما انتهى قول السلام وردُّه ... لفظن حديثاً عطَّرته الملافظُ
أبو العباس الأعمى:
ليت شعري أفاح رائحة المس ... ك وما إن إخالُ بالخيف إنْسي
أنشد ابن الأعرابي:
على الميْتِ من بطن الجزيرة كلما ... مررْنا به أو لم نمرَّ سلامي
وما ذاك إلاَّ أنَّ زينب جرَّرتْ ... به الذيلَ لم تنزل لدار مُقامِ
كأنَّ تِجَاراً تحمل الطيبَ عرَّسوا ... به ثمَّ فضوا ثَمَّ كلَّ خِتامِ
وهذا كثير في أشعارهم قديماً ومحدثاً. وأحسنُ ما قيل في هذا المعنى قول الشاعر:
وأنتِ التي حبَّبتِ شغباً إلى بَدى ... إليَّ وأوطاني بلادٌ سواهُما
حللتِ بهذا حلّة بعد حلّة ... بهذا فطاب الواديان كلاهُما
ومثله لأبي نواس:
لمن دِمنٌ تزداد حُسنَ رسوم ... على طول ما أقوتْ وطيبَ نسيمِ
стр. 7
عبد الله بن ثعلبة الأزدي:
فلئن عمرتُ لأشفيَ ... نَّ النفسَ من تلك المساعي
ولأعلمنَّ البطن أ ... نَّ الزادَ ليس بمُستطاعِ
أما النهارَ فرائيٌّ ... قومي بمرقبة يفاعِ
في قَرَّة هلكٍ وشو ... كٍ مثلِ أنياب الأفاعي
ترد السباعُ معي فتح ... سبني السباعُ من السباعِ
أخذ أبو تمام هذا المعنى فجوَّده وظرف كلامه بقوله:
أنقَّ مع السباع الماء حتَّى ... لَخالته السباعُ مع السِّباعِ
سُويد بن أبي كاهل:
ذريني أشب عمِّي براحٍ فإنني ... أرى الدهرَ فيه فرجة ومضيقُ
وما أنا إلاَّ كالزمان إذا صحا ... صحوتُ وإن ماق الزمانُ أموقُ
هذا مثل قول بعض الطالبيين:
إذا عقل الدهرُ لم تلقني ... جهولا وأجهلُ إما جَهِلْ
وما الحزم إلاَّ لدى نشوةٍ ... تباكر بالكأس قبل العذَلْ
أخذ هذا الشاعر معنى هذين البيتين في تفسير هذين.
أعرابي:
فلو كنتُ في الدَّار التي تعرفانها ... مرِضتُ إذاً ما غاب عنّي معلِّلي
هنالك لو أنِّي اعتللتُ لعادني ... عوائدُ من لم يأتِ منهن يُرسلِ
هذا مثل قول مالك بن الرَّيب:
وبالرمل منِّي نسوةٌ لو شهدنَني ... بكين وفدَّين الطبيب المداويا
ومثل قول جرير أيضاً:
إن لا يكن لك بالمصرَين باكية ... فرُبَّ باكية بالرَّملِ معوالِ
القتَّال الكلابي:
إذا هبَّتِ الأرواحُ كانَ أحبُّها ... إليَّ التي من نحو نجدٍ هبوبُها
وإنِّي ليدعوني إلى طاعة الهوَى ... كواعبُ أترابٌ مِراض قلوبُها
كأنَّ الشفاه الحوّ منهن حُمِّلتْ ... ذرَى بَرَد ينهلّ عنها غروبُها
بهنَّ من الداء الَّذي أنا عارف ... وما يعرف الأدواء إلاَّ طبيبُها
طُرَيح الثقفيّ:
أصلحتَني بالجود بل أفسدتَني ... وتركتَني أتسخَّطُ الإحسانا
من جاد بعدك كانَ جودُك فوقه ... لا كانَ بعدك كائناً من كانا
أبو محجن الثقفي:
نعاهدُ أطرافَ القنا فنَفِي لها ... إذا لم تُضرَّج من دمٍ أن تُحطَّما
حرامٌ علينا أن نشيمَ سيوفَنا ... ولم تروَ من أعناقِ أعدائنا دَمَا
ومن البيت الأول أخذ بشار قوله:
إذا أُكرهَ الخطّي فينا وفيهم ... جرى ماؤه في لامنا وتحطَّما
وهذا معنى حسن غير متسع في الشعر. والأصل فيه قول الأسعر الجعفي:
وإذا حملتُ حملت غير مهلِّل ... وإذا طعنتُ كسرت رمحي أو مضَى
وأخذه البحتري فجوّد في قوله:
ألْوَى إذا طعنَ المدجّجَ تلَّهُ لي ... ديه أو نثر القناةَ كُعوبَا
وردّه في موضع آخر في صفة السيف فقال:
وكنتَ متى تجمعْ يمينَك تهتِكِ ال ... ضّريبة أو لا تُبق للسيف مضرِبَا
وأخذه أيضاً المَرْيَميُّ في استعارة فقال:
إذا غمزا قناةَ البغي قامتْ ... بأدْنَى الغمزِ أو طارت شظَايا
أُحَيحة بن الجَلاَح الأوسي:
وقد علِمتْ سراةُ الأوسِ أنِّي ... من الفتيانِ أعدلُ لا أميلُ
وقد أعددتُ للحدثان حِصناً ... لو أنَّ المرءَ تنفعُهُ العقولُ
لعمرُ أبيك ما يُغني مكاني ... من الفتيان زِمّيل كسُولُ
فهل من كاهل أودِيْ إليه ... إذا ما كانَ من قدَر نزولُ
يراهنُني فيرْهَنُني بَنيهِ ... وأرهنُهُ بنيَّ بما أقولُ
لما يَدري الفقيرُ متى غناه ... وما يدري الغنيُّ متى يَعيلُ
стр. 8
وما تَدري إذا أجمعْتَ أمراً ... بأيِّ الأرض يُدركك المقيلُ
وما تَدري إذا أنتجتَ سقبا ... لأيِّ النَّاس ينتقلُ الفصيلُ
وما تدري إذا أنتجتَ شَولاً ... أتلقَح بعد ذلك أم تُحيلُ
أما قوله: " بأي الأرض يُدركك المقيلُ " فأخذه من قول الله :) وما تدري نفسٌ ماذا تكسبُ غداً وما تدري نفسٌ بأيِّ أرضٍ تموتُ (. وأما قوله: " وما تدري إذا أنتجت سقباً " البيت قريب من قول الحارث ابن حلزة اليشكري:
لا تكسَعِ الشَّولَ بأغبارِها ... إنَّك لا تَدري من الناتِجُ
مالك بن كعب الأوسيّ:
مَعاذَ إلهي أن تقولَ حليلتي ... ألا فرَّ عنِّي مالكُ بنُ أبي كعبِ
أُقاتلُ حتَّى لا أرى لي مُقاتِلاً ... وأنجُو إذا غُمَّ الجبانُ من الكربِ
عليَّ لجاري ما حيِيتُ ذِمامةٌ ... وأعرف ما حقُّ الرَّفيق على الصَّحبِ
ولا أُسمعُ الندمانَ شيئاً يُريبُهُ ... إذا الكأسُ دارت بالمدام على الشَّرْبِ
وكانَ أبي في المحْلِ يُطعمُ ضيفَه ... ويُرْوي نَدَاماه ويصبرُ في الحربِ
ويمنع مولاه ويُدرك تَبْلَه ... وإن كانَ ذاك التّبل في مطلَب صعبِ
وإذْ ما منعتُ المالَ منكم لضِنّةٍ ... فلا يَهْنِني مالي ولا ينمُ لي كسْبي
وله أيضاً:
ولا خيرَ في مولَى يظلّ كأنَّه ... إذا ضِيمَ مولاه أكبَّ على غُنمِ
حريصٍ على ظلم البَريّ مخالف ... عن القصدِ مأمونٍ ضعيفٍ عن الظلمِ
حسود لِذِي القربى كأنَّ ضلوعَه ... من الغِشّ للأدنينَ ضُمَّت على كَلْمِ
قريب إذا عضَّتْ به الحربُ عضة ... وأبعد شيء جانباً منك في السِّلمِ
فذاك كغثِّ اللَّحمِ ليس بنافع ... ولا بدَّ يوماً أن يُعَدَّ من اللَّحمِ
عمرو بن الإطنابة:
أبَتْ لي عفَّتي وأبَى بلائي ... وأخْذِي الحمدَ بالثمن الرَّبيحِ
وإعطائي على المكروه مالِي ... وإقدامي على البطلِ المُشيحِ
وقولي كلَّما جشَأتْ وجاشتْ ... مكانكِ تُحمَدي أو تَسْتَريحي
لأدفعَ عن مآثِرَ صالحاتٍ ... وأَحمِي بعدُ عن عِرضٍ صحيحِ
أما قوله يخاطب نفسه: " وقولي كلَّما جشَأتْ وجاشتْ " فعليه فيه متعلّق لأنه ذكر نفسه بالجبن، وأنَّها تدعوه إلى الفرار، وأنَّه يقهرها بصبره، وفي الشعر مثل هذا كثير على العيب الَّذي قدمنا ذكره.
وله أيضاً:
ذُلُلٌ ركابي حيث شئتُ مشايعي ... لٌبِّي أَروعُ قطا المكان الغافلِ
أظليم ما يُدريك كم من خُلَّةٍ ... حسنٍ مدامعُها كظبيةِ حابلِ
قد بتُّ مالِكَها وشاربَ قهوةٍ ... دِرياقة أَروَيتُ منها واغِلي
صهباءَ صافيةٍ ترى ما دونها ... قعرَ الإناءِ تُضيءُ وجهَ الناهِلِ
إنِّي من القوم الذين إذا انْتَدَوا ... بَدَأوا بحقِّ اللهِ ثمَّ النائلِ
المانعين من الخنا جاراتِهم ... والحاشدين على طعام النازلِ
والخالطين فقيرَهم بغنيِّهم ... والباذِلين عطاءهم للسائلِ
والضاربين الكبشَ يَبْرُق بَيضُه ... ضربَ المُهَجهَج عن حِياضِ الناهلِ
قد أخذ في هذه الأبيات أشياء وأُخذ منه أشياء، فما أخَذ قوله: " ذلل
стр. 9
ركابي حيث شئت " البيت، وهذا البيت بأسره لعنترة إلاَّ أنَّا قد وجدنا مثل هذا في أشعارهم أشياء كثيرة، فمن ذلك قول امرئ القيس:
وقوفاً بها صحبي عليَّ مطيَّهم ... يقولون لا تهلِكْ أسًى وتجمَّلِ
ولطرفة بن العبد مثله حرفاً بحرف، إلاَّ أنَّه جعل مكان " تجمَّل " تجلّدِ ".
ومن تصفَّح أشعار العرب رأى من هذا عجائب. وهم يسمونه التوارد وهو عندنا سرقة لا محال. وممَّا أخذه أيضاً قوله: " قد بتُّ مالكها وشارب قهوة " البيت، وهذا بأسره للبيد، إلاَّ أنهما في عصر واحد، فلا ندري أيّهما أخذ من صاحبه. وأخذ أيضاً قوله: " صهباء صافية ترى ما دونها قعر الإناء "، وتمام البيت من قول الأعشى:
تُريكَ القذَى من دونِها وهْيَ دونَه
إلاَّ أنَّه لم يأتِ بمثل كلام الأعشى ولا قاربه.
وأما ما أُخذ منه فقوله: " والخالطين غنيَّهم بفقيرهم "، والبيت الآخر أخذه منه حسان بن ثابت مصالتة فقال:
والخالطين غنيّهم بفقيرهم ... والمنعمين على الفقيرِ المُرمِلِ
والضاربين الكبشَ يبرُق بَيضُهُ ... ضرباً يَطيحُ به بنان المَفْصِلِ
وهذا أقبح ما يكون من الأخذ، وليس هو من التوارد الَّذي يذكرونه
стр. 10
لأنَّ ابن الإطنابة من الأوس وحسان من الأنصار، وهما من قبيلة واحدة، وكان ابن الإطنابة أقدم من حسان، فلذلك قلنا أخذَه منه أخذاً.
قيس بن الخَطيم:
إذا المرءُ لم يُفضِلْ ولم يلقَ نجدةً ... مع القوم فليقعُدْ بصُغرٍ ويبعدِ
وَذِي شيمةٍ عَسراءَ يكرَه شيمتي ... فقلتُ له دعْني ونفسَك أرْشِدِ
فإنِّي لأغنَى الناسِ عن كلِّ واعظ ... يرى النَّاسَ ضُلاّلا وليس بمُهتدِي
وله أيضاً:
كأنَّا وقد أَجلَوا لنا عن نسائِهم ... أُسودٌ لها في غِيل خفّان أشبُلُ
كأنَّ رُؤوسَ الدارعين إذا التقتْ ... كتائبُنا تَتْرَى مع الليل حنظَلُ
أخذ مروان بن أبي حفصة المصراع الآخر من البيت الأول فقال:
بنو مَطَر يوم اللقاء كأنَّهم ... أسود لها في غيل خَفّانَ أشبُلُ
أبو قيس بن الأسْلَت:
رَقودُ الضّحى صِفرُ الحشَى منتَهَى المُنَى ... قَطوفُ الخُطى تمشي الهُوَينا فتُبهَرُ
خفيضة أعلَى الصَّوتِ ليست بسَلْفَع ... ولا نَمَّةٍ خرَّاجةٍ حين تظهَرُ
ويُكرمْنَها جاراتُها فيزرنَها ... وتعتلُّ عن إتيانهنَّ فتُعذَرُ
وليس بها أن تَستَهِينَ بجارةٍ ... ولكنَّها من ذاك تَحْيا وتَحصَرُ
قيس بن الخطيم:
وكنتُ امرءاً لا أسمعُ الدَّهرَ سُبَّةً ... أُسبُّ بها إلاَّ كشفتُ غطاءها
وكانت شجَى في الحَلْقِ ما لم أثَرْ بها ... فأُبتُ بنفس قد أُصيب دواؤُها
وإنِّي لدَى الحربِ العوانِ موكَّل ... بتَقْديم نفسٍ ما أُريدُ بقاءها
متَى يأتِ هذا الموتُ لا تُلفَ حاجةٌ ... لنفسيَ إلاَّ قد قضيتُ قضاءها
وله أيضاً:
فما روضةٌ من رياض القَطا ... كأنَّ المصابيحَ حَوذانُها
بأحسنَ منها ولا مُزنةٌ ... دَلوحٌ تكشَّفُ أَدْجانُها
وعَمرةُ من سَرَواتِ النِّسا ... ءِ تنفَحُ بالمِسكِ أرْدانُها
عَمرةُ التي ذكرها أُمُّ النعمان بن بشير الأنصاري، وكانت له صحبة. وروى بعضهم أنَّ النعمان بن بشير غاب عن المدينة غيبة طويلة، ثمَّ قدِمها، فقال: أسمعوني من أغانيكم، فجاءوه بمغنِّية فاندفعت تغنِّي:
أجَدَّ بعَمرة غُنْيانُها ... أتَهْجُرُ أم شأنُنا شانُها
وعمرةُ من سروات النِّسا ... ءِ تنفَحُ بالمسك أردانُها
فأَومى إليها جماعة من حضر المجلس أن تُخفي. وفطن النعمان لذلك، فقال: دعوها فما قالت إلاَّ جميلاً.
стр. 11
قيس بن الخطيم:
إذا جاوز الاثنينِ سِرٌّ فإنَّهُ ... بِنَثٍّ وتكثيرِ الحديث قمينُ
سَلى مَن جَليسي في الندِيِّ ومألَفي ... ومَن هو لي عند الصَّفاءِ خَدِينُ
وإنْ ضيَّع الإخوانُ سرّاً فإنَّني ... كتومٌ لأسرارِ العشيرِ أمينُ
أَعِزّ على الباغي ويغلظُ جانبي ... وذو القَصد أحْلَوْلِي له وأَلينُ
سُوَيْد بن صامت الأنصاري:
وقد علمتْ سراةُ الأوسِ أنِّي ... إذا ما الحربُ تَحتدِمُ احْتِداما
أَحوطُ دِمارَهم وأَعفُّ عنهم ... إذا لم يشْدُدِ الورِعُ الحِزامَا
وأغشَى هامةَ البطل المُذَكِّي ... جُرازاً صارماً عَصْباً حُساما
إذا ما البِيض يومَ الرَّوع أبدَتْ ... محاسنَها وأبرزَتِ الخِداما
أتَتْني مالك بليوثِ غابٍ ... ضراغمَ لا يرون القتلَ ذَامَا
معاقِلُهم صوارمٌ مرهفاتٌ ... يُساقون الكماةَ بها السِّمامَا
ومردية صبرتُ النَّفسَ منها ... على مكروهها كيْ لا أُلامَا
لأكشفَ كُربةً وأُفيدَ غنماً ... وأمنعَ ضيمَ جاري أن يُضامَا
قيس بن الخطيم:
تبدَّتْ لنا كالشمسِ تحتَ غمامةٍ ... بدَا حاجبٌ منها وضنَّت بحاجبِ
ولم أرَها إلاَّ ثلاثاً على مِنًى ... وعهدي بها عذراءُ ذاتُ ذوائبِ
فتلك التي كادتْ ونحنُ على مِنًى ... تحُلُّ بنا لولا نجاءُ الركائبِ
قال الحاتميّ: أخذ هذا المعنى أخذاً خفيّاً من امرئ القيس في قوله: " قيد الأوابد " وهو قوله: " نجاء الركائبِ ".
ومثلكِ قد أصبَيتُ ليست بكَنَّة ... ولا جارةٍ ولا حليلةِ صاحبِ
أرِبتُ بدفع الحربِ حتَّى رأيتُها ... على الدَّفع لا تزدادُ غيرَ تقاربِ
ولمَّا رأيتُ الحربَ شَبَّ أُوارُها ... لبِستُ مع البردَين ثوبَ المحاربِ
وكنت امرأ لا أبعثُ الحربَ ظالماً ... فلمَّا أبَوْا أشعلتُها كلَّ جانبِ
إذا ما مرَرْنا كانَ أسوَأ فَرِّنا ... صدودَ الخدود وازْوِرارَ المناكبِ
صدودَ الخدودِ والقنا متشاجِرٌ ... ولا تبرحُ الأقدامُ عند التضاربِ
يُعَرَّين بِيضاً حين نلقَى عدوَّنا ... ويُغْمَدنَ حُمراً ناحِلاتِ المضاربِ
فإن غبتُ لم أُغفَل وإن كنت شاهداً ... تجدني شديداً في الكريهة جانبي
قوله: " وإن غبت لم أغفل " ضد قول جرير:
ويُقضَى الأمرُ حين تغيب تَيم ... ولا يُستأذَنون وهم شهودُ
أخذ قوله بشار: " تبدت لنا كالشَّمس " البيت، في قوله:
قامت تَصَدَّى إذ رأتْني وحدي ... كالشَّمس بين الزِّبْرِجِ المُنقدِّ
ضنَّتْ بخدٍّ وجلَتْ عن خدّ ... ثمَّ انثنَتْ كالنفَس المرتَدِّ
وما قصَّر بشار في هذا المعنى، بل جوَّده وزاد.
وقوله: " فتلك التي كادت ونحن على منًى " البيت، يريد: أنا نظرنا إليها ونحن سائرون، فلولا أن الإبل، لما شُغلنا بالنظر إليها، سارت ونحن لا نعلم لكُنَّا قد نزلنا. وفيه قول آخر، وهو أنَّا كنا محرمين فكدنا، بنظرنا إليها إن نحلَّ فيفسد إحرامنا. وشبيه بهذا قول الشاعر:
وتستوقفُ الركْبَ العِجَال بطَرفها ... فما أحدٌ يمضي من القوم أو تمضِي
وقال آخر:
أغرَتْ بموضع أخمصَيها طرفَها ... تحثو التراب بنظرة المسترعَفِ
أخذَت بألحاظِ الركاب فلَعْلَعَتْ ... متقدّماً منهم على متخلّفِ
وقوله: " ومثلك قد أصبيتُ " البيت: معنى جيد في الحفاظ، وقد أخذه بعض المحدثين فقال:
قالت وقلتُ تحرَّجي وصِلِي ... حبلَ امرئٍ بوصالكم صبِّ
واصِلْ إذن بَعلي فقلتُ لها ... الغدرُ شيء ليس من شَعْبي
ثِنتان لا أصْبُو لوصلِهما ... عِرسُ الخليل وجارةُ الجنبِ
أمَّا الصَّديق فلستُ خائنَه ... والجارُ أوصاني به ربِّي
هذا جيد، إلاَّ أنَّ الأول أجود، لأنه جمع ما احتاج إليه من الكنة والجارة وامرأة الصاحب في بيت واحد، وهذا أتى بالجارة وامرأة الصاحب في أبيات ولم يذكر الكنة، وهذا المعنى كثير في أشعارهم قديماً ومحدثاً.
وقوله: " لما رأيت الحرب شبَّ أوارُها " البيت، أراد بالبردَين الشجاعة والشباب، ويجوز أن يكون أراد بهما ثوبيه. فأمَّا قوله: " ثوب المحارب " فهو الدرع لا محالة، ثمَّ قال في ذكر الفرار ما لم يقله أحد، جودة وحسن لفظ وصحة معنى. وقوله في ذكر السيوف: " ناحلات المضارب " شبيه بقول النابغة:
ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهم ... بهنَّ فلولٌ من قراعِ الكتائبِ
قوله: " إذا ما فرَرْنا " والبيت الَّذي بعده مأخوذ من قول الأعشى في يوم ذي قار:
ما في الخدودِ صدودٌ عن وجوههم ... ولا عن الطَّعن في الَّلبَّات منحرَفُ
وقال عبد الله بن رواحة في جواب قيس بن الخطيم عن شعره هذا الشعر:
إذا غُيِّرت أحسابُ قوم وجدتَنا ... إلى مشْعَرٍ فيها كرامُ الضرائبِ
قوله: " إذا غيّرت " البيت، أي أن يشِحُّوا بعد الجود لما صاروا إليه من الشدَّة والجهد في سنة قد تقدم ذكرها في الشعر.
نُدافعُ عن أحسابِنا بتلادِنا ... لمُفْتَقِر أو سائل الحقِّ واجبِ
وأعمَى هدَتْه للسَّبيل حُلُومُنا ... وخصمٍ أقَمنا بعدَ تَلْجيج شاغبِ
ومُعتركٍ ضَنكٍ ترى القومَ وسطَه ... مشَينا له مشيَ الجِمالِ المَصاعبِ
أخذ قوله: " مشينا له " من النابغة في قوله:
إذا نزلوا عنهنَّ للضَّرب أَرْقَلوا ... إلى الموتِ إرقالَ الجِمال المَصاعبِ
وقال رفاعة بن خالد الواقفي من الأنصار:
لا مهاذير في النَّديِّ ولا ينْ ... فكُّ فيه لهم ندى وسماحُ
منهم الذائدُ الكتيبة بالسَّيْ ... فِ كما يكشفُ السَّحابَ الرياحُ
فيهم للمُلايِنِينَ أناةٌ ... وطِماحٌ إذا يُراد الطِّماحُ
ومداريكُ للذُّحول مَبا ... ذيلُ إذا قلَّ في السِّنين اللّقَاحُ
الرواية: القلاح.
وقال قيس بن رفاعة:
إن نُصبحِ اليومَ قد خفَّتْ مجالسُنا ... والموتُ أمرٌ لهذا النَّاس مكتوبُ
فقد غَنِينا وفينا سامِرٌ غَرِدٌ ... وصارخٌ كأَتِيِّ السَّيلِ مرهوبُ
وقال نَهيك بن أُساف:
لعمري لقد أكرمتُ ندبة وابنَها ... ولكن عِرقَ السوءِ في المرءِ غالبُه
فلسنا وإن قلتِ السَّفاهةَ والخنا ... بأوَّل من يَثْروه يوماً أقاربُه
ولو قلتِ بالمعروف أنبأتِ أنَّنا ... إذا الكبشُ لاحتْ في الصَّباح كواكبُه
نطاعنُهُ حتَّى نُصرَّعَ حولَه ... ونمشي إلى أبطالِهِ فنضاربُه
وقال قيس بن رفاعة:
وخيلٍ بعضُها حربٌ لبعض ... بحرِّ طرادها أُصُلاً صَليتُ
وفتيانٍ أطاعوا اللهوَ عندي ... فآبوا حامدين وما خَزيتُ
ولم أَعْتِمْ حلال القوم هَمِّي ... أُعدِّدُ بالأصابع ما رُزيتُ
متى ما يأتِ يومي لا تجدْني ... بمالي حين أبذلُهُ شَقيتُ
ولا بموفِّرٍ شيئاً عليه ... من الحقّ الملطّ إذا اجْتُديتُ
وقال القتَّال الكلابي:
لقد ولدتْ عوفَ الطعان ومالكا ... وعمرو العُلى والحارث المتنَجّبَا
رجالٌ بأيديها دماءٌ ونائلٌ ... يكادُ على الأعداءِ أنْ يتَحلّبَا
ومن هذا أخذ البحتري قوله:
وصاعقة في كفّه ينكفي بها ... على أرؤس الأبطالِ خمس سحائبِ
يكاد النَّدَى منها يفيض على العِدى ... مع السَّيف في ثِنيَيْ قنا وقواضبِ
والبحتري وإن كان أخذ المعنى وأتى به في بيتين، فقد جوَّد وأحسن، وفاقَ على وِفاق الأول بما أبدع في المعنى الأول وزاد، لأنه صيّر السيف صاعقةً، فيجوز أن يكون أراد حديدة من صاعقة، على ما يحكي بعض النَّاس في الصواعق، ويجوز أن يكون شبَّه السيف بالصاعقة لحدَّته، وأنَّه يتلف ما مرَّ به، ثمَّ ذكر أنَّه ينكفي به على أرؤس الأبطال خمس سحائب، يعني أصابع الممدوح. ومن النادر في هذا البيت أنَّه صيَّر السحائب مع الصاعقة، إذ كانا من جنس واحد. وتقول الفلاسفة: إنَّ الصواعق تكون مع السحائب الصَّيفيَّة دون الأمطار المطبقة في الشتاء. وممَّا يقوي هذا القول قول لبيد يرثي أخاه أَرْبَد وقد أحرقته الصاعقة:
أخشَى على أربدَ الحُتوفَ ولا ... أرهبُ نَوْءَ السِّماكِ والأسدِ
وهذان الكوكبان من منازل القمر، مطلعهما في آخر الرَّبيع وأول الصيف. وهذا هو الحذق في الشعر وأخذ معانيه، ومَن أخذ المعنى هذا الأخذ فهو أحقُّ به ممَّن ابتدعه. وقد شرحنا أمر المعاني شرحاً شافياً في رسالتنا التي ذكرنا فيها شعر أبي نواس، فلذلك لم نشرح ههنا إلاَّ اليسير. وبعد وقبل فقد سبق البحتري جميع الشعراء في هذا المعنى حُسناً وملاحة وصحة وفصاحة.
وكان القتَّال الكلابي أحد فُتَّاك العرب، وهو ممَّن كان يطرده قومه لكثرة جناياته، فروي أنَّه سلك في بعض الأودية، وكان مسلكاً ضيّقاً، فبينا هو فيه إذا هو بأسد مفترش ذراعيه على الطريق، ولم يعلم حتَّى هجم عليه، فخشي أن يرجع فيبادره، فلم يجد مقدماً إلاَّ بقتله. فانتضى سيفه وحمل على الأسد فقتله وقال:
أتتكَ المنايا من بلادٍ بعيدة ... بمنخرِق السّربال عَبْلِ المناكبِ
أخي العرف والإنكار يعلوكَ وقعةً ... بأبيضَ سقَّاطٍ وراءَ الضَّرائبِ
هذا البيت في صفة السيف نهاية في الجودة. ولولا كثرة ما ذكر به السيف واتّساعه في أيدي النَّاس لأثبتنا منه ههنا بقطعة صالحة إلاَّ أنَّه مشهور كثير فلذلك تركنا ذكره.
وللقتَّال أيضاً يهجو قوماً ويذكر أنَّ لهم عدداً وسلاحاً ولكنَّهم لا يثبتون في الحرب لمن قاتلهم بل ينهزمون ولا يثبتون:
أفي كلّ يوم لا تزال كتيبةٌ ... عقيلية يَهفُو عليكم عقابُها
وأنتم عديد في حديد وشَفْرة ... وغابِ رماح يكْسِفُ الشَّمس غابُها
فما الشَّرُّ كلّ الشرّ لا خيرَ بعده ... على النَّاس إلاَّ أن تَذِلَّ رِقابُها
وقال أيضاً:
ويَبيتُ يَسْتَحيي الأمورَ وبطنُه ... طَيّانُ طَيَّ البرد يحسبُ جائعا
من غير ما عُدْمٍ ولكن شيمة ... إنَّ الكرامَ هم الكرامُ طبائعا
وقال حُميد بن ثور الهلالي ووجّه صاحبين له إلى عشيقته فأوصاهما وصيَّة ما فوقها زيادة، وعرَّفهما من التلطّف والحيَل أموراً ما أتى أحد بمثلها ولا قارب وهو:
стр. 12
خليليَّ إنِّي مُشتكٍ ما أَصابَني ... لتَسْتَثْبِتا ما قدْ لقيتُ وتعَلمَا
أَمنتُكما إنَّ الأمانةَ من يخنْ ... بها يحتملْ يوماً من اللهِ مأثَما
فلا تُفشيا سرّاً ولا تخذُلا أخاً ... أبَثَّكما منه الحديثَ المكتّما
لتتَّخذا لي باركَ اللهُ فيكما ... إلى آلِ ليلى العامريَّةِ سُلَّما
وقُولا إذا وافيتُما أرضَ عامر ... وجاوزتُما الحيَّين نَهدا وخَثعما
نَزِيعانِ من جَرم بن رَبّانَ أنَّهم ... أبَوْا أن يُريقوا في الهَزاهِزِ محجَما
وسِيرا على نِضوَيكما وتقصَّدا ... ولا تحمِلا إلاَّ زِنادا وأسهُما
وإن كانَ ليلاً فالْوِيا نسبَيْكما ... وإن خفتُما أن تُعرفا فتلَثَّما
وزاداً قليلاً خَفِّفاهُ عليكما ... ولا تُبدِيا سرّاً لقومٍ فيُعلَما
وقولا خرجْنا تاجرَين فأبطأَتْ ... ركابٌ تركناها بتَثْليثَ قُوَّما
ومُدَّا لهم في السَّومِ حتَّى تمكّنا ... ولا تسْتَلِجَّا صفقَ بيع فتُلزَما
فإن أنتُما اطْمَأنَنْتُما وأمِنتُما ... واخليْتُما ما شئتُما فتكلّما
وقولا لها ما تأمُرينَ بصاحب ... لنا قد تركتِ القلبَ منه مُتيَّما
أبيني لنا أما رَحَلْنا مطِيَّنا ... إليكِ فلم نبلُغْكِ إلاَّ تجشُّما
فجاءَا ولمَّا يقضِيَا ليَ حاجة ... إليها ولمَّا يجْعَلا الأمرَ مُبرَما
فما لهما من مرسَلَين لجاجة ... أسَافاً من المال التِلادِ وأَعْدَما
أما قوله: " وقولا إذا وافيتُما " البيت، وقوله: " نزيعان " البيت بعده فمن طريف الهجاء ودقيقه وممضّه؛ وذلك أنَّه ذكر قوماً فقال: هم لا يقتُلون ولا يقتَلون فليس أحد من العرب يطلبهم بوتر ولا طائلة، فلذلك أمر صاحبيه
стр. 13
بالانتساب إليهم لئلا يذكرا غيرهم من القبائل فيكون الَّذي يسألهما عن نسبهما يطلب تلك القبيلة التي ذكراها بطائلة فيقتلهما. وهذا من غريب الهجاء وبديعه. وشبيه به قول الآخر:
إذا الله عادى أهلَ لُؤم ودِقَّة ... فعادَى بني العَجلان رهطَ ابن مُقبلِ
قُبيِّلَة لا يغدرون بذمَّة ... ولا يظلمون النَّاسَ حبَّة خَردلِ
ولا يرِدون الماءَ إلاَّ عشيَّة ... إذا صدرَ الوُرَّادُ عن كلِّ منهلِ
يريد أنهم لا يستطيعون أن يغدِروا ولا يظلِموا أحداً ولا يرِدون الماء حتَّى يصدر النَّاس عنه لضعفهم وذلَّتهم، وهذا مثل قول بنْتي شعيب لموسى ﵉ وقد سألهما عن وقوفهما والنَّاس يسقون، وقد قالتا له: " لا نَسقي حتَّى يصدرَ الرِّعاءُ " فهؤلاء نساء وحقهم الضعف عن مقاومة الرجال.
وشبيه بهذا المعنى قول الأعجم:
وبشكر لا تستطيع الوفاءَ ... وتعجِز بشكرُ أن تغدِرا
فهذا ذكر أن الغدر في طباعهم إلاَّ أنهم يعجزون عنه لذلّهم وقهر النَّاس لهم. وذُكر أن بني العجلان استعْدَوْا عمر بن الخطَّاب على الَّذي هجاهم بالشعر الَّذي ذكرناه وقالوا: هجانا هجاء ما هُجيت العرب بأقبح منه. فقال لهم: أنشدوني ما قال فيكم، فأنشدوه:
قُبيِّلَة لا يغدرون بذمَّة ... ولا يظلمون النَّاسَ حبَّة خَردلِ
فقال: ليتَ الخطَّاب وأهل بيته وجميع بني عديّ بن كعب بهذه الصفة، لا يغدرون ولا يظلمون، ما أرى بأساً، هِيه، فقالوا:
ولا يردون الماء إلاَّ عشيَّة ... إذا صدر الوُرَّادُ عن كلّ منهل
فقال: ذاك أصفى للماء وأجَمّ له، ما أرى بأساً ولا على قائل هذا
стр. 14
الشعر عقوبة ولم يُعدِهم عليه. وعُمر كان أعلم بالشعر من قائله ولكنَّه أراد بهذا معنًى. وأمَّا قول حميد بعد وصيته لصاحبيه بما ذكرناه: " ومدَّا لهم في السَّومِ " البيت فنهاية في التيقظ.
وأمَّا قوله وقد عاد إليه رسولاه بغير قضاء حاجة: " فما لهما من مرسلَين " البيت، فقد جوَّد لهما إذ كانا يستوجبان أضعاف ما دعا عليهما به لتقصيرهما مع وصيته إياهما واحتياطه في توجيههما، ولشتَّان بينهما وبين صاحبة ابن أبي ربيعة التي يقول فيها:
وبعثْنا طَبَّة عالمةً ... تخلِط الجدَّ مِراراً باللَّعبْ
ترفعُ الصَّوتَ إذا لانتْ لها ... وتُراخي عند سَورات الغضبْ
هذه بلغت بغير وصية كلّ ما نفس صاحبها، وهذان لم يبلغا، مع وصية صاحبهما، شيئاً.
ولحميد في هذا الشعر بيت قد أكثرت الشعراء في القديم والمحدث في معناه فما فيهم أحدٌ أتى به إلاَّ دون بيت حُميد، وهو قوله:
أرَى بَصَري قد خانني بعد صحَّةٍ ... وحسبُك داءً أن تصِحَّ وتسْلَما
هذا بيت قد جمع مع صحة المعنى جودة اللفظ وحسن التقسيم وملاحة الكلام، وإن كان أخذه ممن قبله فقد زاد عليه لأنَّ النمر بن تولب أول من أتى بهذا المعنى في قوله:
ودعوتُ ربِّي بالسَّلامة جاهداً ... ليُصحَّني فإذا السَّلامةُ داءُ
وهذا البيت وأن كان الأول فبيت حميد أحسن كلاماً وأجود وصفاً. وروي أن ابن عباس سمع منشداً ينشد بيت النمر هذا فقال: لا إله إلاَّ الله، ما أعجب هذا! كلام العرب متشبك بعضه ببعض. قال النبي ﷺ : " لو لم يُوكل
стр. 15
بابن آدم غير الصحة والسلامة لأوشكا أن يُتلفا "، فالنبي ﷺ أتى بهذا المعنى منثوراً وأتى به الشاعر منظوماً. وقد ذكر جماعة من الشعراء المتقدمين والمحدثين هذا المعنى فبعضهم قارب وبعضهم قصّر. والأجود من كل ما قيل في هذا الباب بيت حميد. ولبعض المتقدمين فيه:
ويهوَى الفتَى طول السَّلامة جاهداً ... فكيف يُرى طولَ السَّلامة يفعَلُ
هذا وإن كان قائله متقدماً فهو دون ما ذكرنا، لأنه لم يبيِّن المعنى كما بيَّنه غيره، ولهذا قيل: المعنى لمن اخترعه، فإن زاد عليه الآخذ له فهو أحقّ به، وإن قصَّر عنه فإنَّما فضح نفسه. وقد جوَّد أبو العتاهية هذا المعنى في قوله:
نهوَى من الدُّنيا زيادتَها ... وزيادةُ الدُّنيا هي النقصُ
وقال أيضاً:
أسرَعَ في نقصِ امرئٍ تمامُه
وفي مثله يقول الآخر:
وتحسِب أنَّ النقصَ فيك زيادة ... وأنت إلى النقصان حين تزيدُ
ولو ذهبنا إلى استغراق جميع ما في هذا الباب لطال واتَّسع.
وقال حميد أيضاً:
لياليَ أبصارُ الغواني وسَمعُها ... إليَّ وإذ رِيحي لهنَّ جَنوبُ
وإذ ما يقولُ الناسُ شيء مُهوَّنٌ ... عليَّ وإذ غصنُ الشَّبابِ رطيبُ
فلا يُبعدِ اللهُ الشَّبابَ وقولَنا ... إذا ما صبونا صبوة سنتوبُ
فإنَّ الَّذي يشفيكَ ممَّا تضمَّنَتْ ... ضلوعكَ من وجدٍ بها لطبيبُ
وإنَّ الَّذي منَّاك أن تسعف النَّوى ... بها بعد أيَّام الصِّبى لكذوبُ
أما قوله في ذكر النساء: " وإذ ريحي لهن جنوبُ " فإن الجنوب عند العرب أحمد من الشمال لأنها تجلب المطر ويكون معها السحاب، والشمال تقطع السحاب ولا يكون مع أكثرها مطر ولذلك فضَّلوا الجنوب على الشمال.
стр. 16
وأما قوله:
فلا يبعد الله الشبابَ وقولَنا ... إذا ما صبونا صبوة سنتوبُ
فمن أملح الكلام وأطرفه وأرقّه ولو لم يكن فضائل الشباب غير ما ذكر الشاعر في هذا البيت لكفاه، ولم نعلم أحداً أتى بأحسن من هذا المعنى واللفظ في تذكر عهد الصبا وأيام البطالة. وشبيه بقوله: " إذا ما صبونا " البيت، قول بعضهم:
أتانا بها حمراءَ يحلفُ أنَّها ... طبيخٌ فصدَّقْناه وهو كَذوبُ
فهلْ هي إلاَّ ليلةٌ غاب نحسُها ... أواقِعُ فيها الذّنبَ ثمَّ أتوبُ
ومثله قول أبي نواس:
لو شئتَ لم نبرحْ من القُفْصِ ... نشربُها حمراء كالحُصِّ
نسرق هذا اليومَ من ربّنا ... وإنَّما يُعفَى عن اللِّصِّ
وشبيه به بيت قرأناه في هيكل دير مَتَّى وهو:
سقِّنا يا غلام في هيكل الدَّيْ ... رِ شراباً يختاره الرّهبانُ
هاتِها كالعقيق حمراءَ وليَجْ ... هَدْ علينا بجهده رمضانُ
هو يومٌ مكانَ يومٍ ويعفو الل ... هُ عنَّا فربُّنا منَّانُ
стр. 17
ولحميد أيضاً من قصيدة:
قضَى اللهُ في بعضِ المكاره للفتى ... برُشدٍ وفي بعض الهوَى ما يُحاذرُ
ألم تعلمِي أنِّي إذا الإلفُ قادَني ... سوى القَصد لا أنقادُ والإلفُ جائرُ
وقد كنت في بعض الصَّباوة أتَّقي ... أموراً وأخشَى أن تدور الدَّوائرُ
وأعلمُ أنِّي إن تغطَّيتُ مرَّةً ... من الدَّهر مكشوفٌ غِطائي فناظرُ
وما خلتنا إذ ليس يحجِزُ بيننا ... وبين العِدَى إلاَّ القنا والحوافرُ
ووصل الخُطَى بالسَّيف والسَّيف بالخطَى ... إذا ظنَّ أنَّ السيفَ ذو السيفِ قاصرُ
إلى أن نزلنا بالفضَاء وما لنا ... به معقِلٌ إلاَّ الرّماح الشّواجرُ
أما قوله: " قضى الله في بعض المكاره " البيت، فمثل من أمثال العرب جيّد، وذلك أنَّه لم يقل: " قضى الله في المكاره " فيجمعها كلها فصيَّر الرشد في بعضها وكذلك في بعض الهوى، وهو مثل قول الله سبحانه:) وعسَى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم (فالله إنَّما ذكر شيئاً من أشياء كثيرة، وكذلك الشاعر جعل في بعض الكره رشداً، وفي بعض الهوَى حذَراً، وقد قال بعض المحدثين في هذا المعنى وجوَّد:
توكَّلْ على الرحمن في كلِّ حاجةٍ ... طلبتَ فإنَّ اللهَ يقضي ويقْدرُ
وقد يهلِكُ الإنسانُ من وجه أمْنِه ... وينجو بإذن الله من حيثُ يحذَرُ
وأما قوله: " ووصل الخطى بالسيف " البيت، فمأخوذ من قول الأنصاريّ:
إذا قَصرتْ أسيافُنا كان وصلُها ... خطانا إلى أعدائنا فنُضارِبُ
ومن قول الآخر:
نصلُ السيوفَ إذا قصُرن بخَطْونا ... قُدما ونُلحقهنَّ إن لم تَلْحقِ
وهذان البيتان أجود من بيت حميد لفظاً وحسنا. وروي أنَّ فتى من الأزد دفع إلى المهلّب بن أبي صفرة سيفاً له وقال: يا عمّ! كيف ترى سيفي هذا؟ فقال له المهلّب: سيفك جيد إلاَّ أنَّه قصير، فقال له الفتَى: أُطوِّله يا عمّ بخَطوي، فقال له: والله يا ابن أخي إنّ المشي إلى الصين أو إلى أقصى أذربيجان على أنياب الأفاعي أسهل من تلك الخطوة. لم يقل المهلّب هذا جبناً بل على ما توجب الصورة، إذ كانت تلك الخطوة قرينة الموت. وقوله: " إلى أن نزلنا بالفضاء " البيت. فجيِّد نادر، وقد عوَّل ابن الرومي عليه في قوله:
حلُّوا الفضاءَ ولم يبنوا فليس لهم ... إلاَّ القنا وإطارُ الأفْقِ حيطانُ
ولحميد أيضاً، وقد روى بعض العلماء هذا الشعر لليلى الأخيلية:
إنَّ الخَليعَ ورهطَه من عامر ... كالقلب أُلبِس جؤجؤاً وحَزيما
لا تُسرعنّ إلى ربيعة إنّهم ... جمعوا سواداً للعدوّ عظيما
شعباً تفرَّق من جِماع واحد ... عَدَلتْ مَعدّاً تابعاً وصميما
فاقْصِر بذَرعك لو وطئتَ بلادهم ... لاقَتْ بِكارتُك الحِقاقُ قُروما
وتعاقبتك كتائبُ ابن مُطرِّف ... فأرتْك في وضَح النهار نجوما
ومشقَّقٌ عنه القميصُ تخالُه ... وسطَ البيوتِ من الحياء سقيما
حتَّى إذا رُفِع اللِّواء رأيتَه ... تحتَ اللواء على الخميس زعيما
وإذا تُساءُ وجدتَ منهم مانعاً ... فُلْجاً على سخط العدوِّ مقيما
أو ناشئاً حدثاً يُحكِّم مثلَه ... صُلعُ الرجال توارثَ التحكيما
الَّذي لا شك فيه أن هذا الشعر لليلى الأخيلية، لأنها كانت كثيرة المدح لآل مطرِّف العامريّين حتَّى ضرب بذلك البحتري مثلاً في شعره فقال وذكر جيشاً:
لو أنَّ ليلى الأخيلية عاينَتْ ... أطرافه لم تُطْرِ آل مُطرِّفِ
أما قوله: " ومشقق عنه القميص " البيت، والَّذي بعده، فمن جيِّد الكلام وفاخر المدح، وهم يمدحون الرَّجُل السيّد والمرأة الحسناء بالسقم والضعف، وليس يريدون السقم بعينه، ولكن يريدون الانكسار، فإذا وصفوا الرَّجُل بذلك أرادوا أنَّه ساكن الأطراف، والنظر العاقل والحلم، فإذا هيِّج للحرب زال عنه ما نعتوه به. وإنَّما يصفونه بهذه الصفة في حال السلم لا في الحرب. وقد أكثرت الشعراء في هذا المعنى. وقول ليلى أو حُميد الَّذي ذكرناه من أجود ما قيل فيه، ولقد جوَّد الآخر في قوله:
إذا غدا المسكُ يجري في مفارقهم ... راحوا كأنَّهُمُ مرضى من الكَرمِ
وقال آخر:
وعلى الثنيَّة من خُزيمةَ سادةٌ ... يتمارَضون تمارُضَ الأُسْدِ
وأما ذكرهم المرأة بذلك فيريدون الترفّه والنعمة والحياء كما قيل:
ضعيفةُ كرِّ الطرفِ تحسِبُ أنَّها ... قريبةُ عهدٍ بالإفاقة من سُقْمِ
وقال مسلم بن الوليد في هذا المعنى فجوَّد:
ضعيفة أثناء التَّهادي كأنَّما ... تخافُ على أحشائها أن تقطّعا
وهذا وأشباهه كثير في الشعر.
وقولها: " أو ناشئاً حدثاً " البيت، تريد بذلك غلاماً حدثاً إلاَّ أنَّه قد ساد فهو يحكم على الصُلع من الرجال وهم الكهول والمشائخ فلا يردُّ حكمه لأنه من أهل بيت شرف فقد ورث سؤددهم ومآثرهم. ومثله قول الخنساء:
رفيعُ العماد ورِيّ الزِنا ... دِ ساد عشيرتَه أمْردا
ومثله لآخر:
وإذا سألت الجودَ أين محلُّه ... فالجودُ تِربُ القاسم بن محمّدِ
قاد الجيوش لخمس عشرة حجةً ... يا قُرب ذلك سؤدداً من مَولدِ
ومثل هذا قول الآخر:
قاد الجيوش لخمس عشرة حجةً ... ولِداتُه عن ذاك في أشغال
قعدَتْ بهم همّاتُهم وسَمتْ به ... همَمُ الملوك وسورةُ الأبطال
ولسعيد بن هاشم الخالدي هذا المعنى إلاَّ أنَّه قد زاد فيه وهو قوله:
ساد في مَيعة الشباب وأبْهى الزَّ ... هْرِ ما لاح في الغُصون الرطابِ
وقال جِران العَود النُّميري، ولا يعرف في نسيب الأعراب وغزلهم أحسن ألفاظاً من هذه القصيدة ولا أملح معاني، والمختار منها قوله:
ذكرتَ الصبا فانهلَّتِ العينُ تذرِفُ ... وراجعَك الشوقُ الَّذي كنتَ تعرفُ
وكان فؤادي قد صحا ثمَّ هاجَه ... حمائمُ وُرق بالمدينة هُتَّفُ
فبتّ كأنَّ العينَ أفنانُ سِدرةٍ ... عليها سقيط من ندى الليل ينطُفُ
أُراقبُ لَوحاً من سهيل كأنَّه ... إذا ما بدا من آخر الليل يَطرفُ
فلا وجدَ إلاَّ مثلَ يومَ تلاحقَتْ ... بنا العيسُ والحادي يشُلُّ ويعطفُ
وفي الحيِّ مَيلاءُ الخمار كأنَّها ... مَهاةٌ بهجْل من ظباءٍ تعطَّفُ
تقولُ لنا والعيس صُعّر من السرى ... فأخفافها بالجندل الصُّمّ تقذِفُ
حُمِدتَ لنا حتَّى تمنّاكَ بعضُنا ... وقلنا أخو هزلٍ عن الجدّ يصدفُ
وفيكَ إذا لاقَيتنا عَجْرفيَّة ... مِراراً وما نهوى الَّذي يتعَجْرفُ
فمَوعدُك الوادي الَّذي بين أهلنا ... وأهلِكَ حتَّى نسمعَ الديكَ يهتِفُ
ويكفيك آثارٌ لنا حين نلتقي ... ذُيولٌ نُعفيها بهنّ ومُطرَفُ
فنُصبحُ لم يُشْعَر بنا غيرَ أنّه ... على كلّ حالٍ يحلفون ونحلِفُ
فأقبلنَ يمشينَ الهُوَينا تهادياً ... قِصارَ الخُطا منهنَّ رابٍ ومرجَفُ
فلمّا هبطن السهلَ واحتلنَ حيلةً ... ومن حيلة الإنسان ما يتخوفُ
حملن جِرانَ العَود حتَّى وضعنَه ... بعلياء في أرجائها الجنُّ تعزِفُ
فبِتْنا قُعوداً والقلوبُ كأنّها ... قطاً شُرَّع الأشراكِ ممّا نخوَّفُ
علينا النَّدى طوراً وطوراً يرشُّنا ... رذاذٌ سرى من آخر الليل أوطَفُ
يُنازعْننا لَذّاً رخيماً كأنَّما ... عواثرُ من قطر حداهُنَّ صَيِّفُ
رقيق الحواشي لو تسمَّعَ راهبٌ ... ببُطنانَ قولاً مثلَه ظلَّ يرجفُ
ولمّا رأينَ الصبحَ بادرنَ ضوءه ... كمَشي قطا البطحاء أو هُنّ أقطَفُ
وما أُبنَ حتَّى قُلن يا ليت أنَّنا ... تُرابٌ وأنَّ الأرض بالناس تُخسَفُ
فأصبَحْنَ صَرعى في الحجال كأنّما ... سقاهنّ من ماءِ المدامة مُرقَفُ
يبلّغُهنَّ الحاجَ كلُّ مكاتَب ... طويل العصا أو مُقعدٌ يتزحَّفُ
رأى ورقاً بيضاً فشدَّ حَزيمَه ... لها فهو أمضى من سُليكٍ وألْطَفُ
ولن يستهيمَ الخرّد البيضَ كالدمَى ... هِدانٌ ولا هِلباجةُ الليل مُقرفُ
ولكن رفيقٌ بالصِّبا متطوّف ... خفيف لطيف سابغُ الذَّيلِ أهيفُ
يُلمُّ كإلمامِ القُطاميِّ بالقَطا ... وأسرعُ منه لَمَّة حين يخطفُ
فأصبح في حيث التقينا غُدَيّة ... سِوارٌ وخَلخال وبُردٌ مُقوَّفُ
أما قوله: " فبتُّ كأنَّ العينَ أفنانُ " البيت، فمن أحسن ما قيل في الدمع وأجوده وأطرفه. وشبيه به قول الآخر:
لعينُك يوم البَين أسرعُ واكِفاً ... من الفَنَنِ الممطُور وهْوَ مَروحُ
وقال هذا البيت قد جوّد أيضاً وزاد على من تقدّمه وأتى بعده، وذاك أنَّه لم يرضَ أن يكون دمعه مثل الفنن، وهو الغصن، الَّذي يقع المطر على ورقه فهو يجري حتَّى قال: " وهو مَروح " أراد أن الريح تحرّكه فهو لا يهدأ من القطر. وليس بعد هذا نهاية في تحادر الدمع وسرعته.
وقوله: " أراقب لوحاً من سهيل " البيت، مليح التشبيه صحيحه لأنه من تأمّل رآه كأنَّه عين تطرِف.
وقوله يصف قولها له: " وفيك إذا لاقيتَنا عجرفيَّة " البيت، يقال إنَّ النساء يملن إلى من كانت فيه دعابة ولهو ولا يملن إلى غير ذلك، فذكر جران العَود عنهن أنهنَّ قلن له: لستَ على ما وُصفت لنا لأنَّ فيك عجرفيَّة، وقد وُصفت لنا بغيرها حتَّى تمنَّيناك وما نحبّ الَّذي يتعجرف. ويُذكر أن كُثيّراً أنشد بعض نساء الأشراف قوله:
وكنتُ إذا ما جئتُ أجلَلْن مَجلسي ... وأعرضْنَ عنه هَيبة لا تَجهُّما
يُحاذرنَ منِّي نبوَةً قد عرفْنَها ... قديماً فما يضحكنَ إلاَّ تبسُّما
فقالت له: يا ابن أبي جُمعة، أبهذا القول تدَّعي الغزل؟ والله ما نال وصلنا وحظي بودّنا إلاَّ من يجري معنا كما نريد ويجعل الغيَّ، إذا أردناه، رشداً. قم لعنك الله، فقام منقطعاً. وإلى قولها نظر البحتري فقال:
ولا يؤدِّي إلى المِلاحِ هوَى ... من لا يرَى أنَّ غيّه رشدُ
стр. 18
وقوله: " ويكفيك آثار لنا حين نلتقي " البيت، معنى مليح، وقد اشترك فيه جماعة من الشعراء فأوَّل ذلك امرؤ القيس في قوله:
فقمتُ بها أمشي تجرُّ وراءنا ... على إثْرِنا أذيالَ مرطٍ مُرحَّلِ
وقال ابن المعتز:
فقمتُ أفرش خدِّي في الطريقِ له ... ذلاًّ وأسحب أكماماً على الأثَرِ
ولابن المعتز في هذا المعنى زيادة حسنة على من تقدَّمه.
وقوله: " فنصبح لم يشعر " البيت، كلام طريف وكذب مليح لأنه قال لا بدَّ من تهمة تلحقنا فنحلف أنَّا لم نفعل ويحلفون أنَّا قد فعلنا.
وقوله: " فأقبلن يمشين " البيت، من أحسن ما يكون في صفة المشي. وقد أكثرت الشعراء في هذا الباب، فمن مليحه قول بعضهم:
يمشينَ مشيَ قطا البطاح تأوُّدا ... قُبَّ البطون رواجح الأكفالِ
وإنَّما شبَّهوا مشي المرأة بمشي القطاة لأن فيها سرعةً وتأوُّدا.
وقال المنخَّل:
ودفعتُها فتدافَعَتْ ... مشيَ القطاة إلى الغَديرِ
وللأعشى في المشي شيء حسن وأشياء يُفرط فيها. فمن الجيد قوله:
غرَّاءُ فرعاءُ مصقولٌ عوارِضُها ... تمشي الهُوَينا كما يمشي الوجى الوجِلُ
كأنَّ مشيتَها من بَيت جارَتها ... مرُّ السَّحابة لا رَيثٌ ولا عَجَلُ
وقد شبَّه بشار بن برد خفقان القلب بالكرة في نزوها وهو قوله:
كأنَّ فؤادَه كُرة تنَزَّى ... حَذارَ البَين إن نفع الحذارُ
وهذا لعمري تشبيه جيد ومعنى صحيح. وقال الآخر، وهو غير هذا المعنى، فجوَّد:
كأنَّ فؤادي في مخاليب طائر ... إذا ذُكرتْ ليلى يشُدُّ به قَبضَا
هذا ذكر أن فؤاده، إذا ذُكرت عشيقته، قُبض عليه ولم يذكر أنَّه شديد الخفقان، وهو يدخل في هذا المعنى أو يقاربه. وقد قال بعض المحدثين من أهل الموصل في هذا المعنى فجوَّد وأحسن وزاد وأورد معنى ثانياً وهو قوله:
كأنَّ قلبي وشاحاها إذا خَطَرت ... وقَلبَها قُلبُها في الصَّمت والخرَسِ
هذا ذكر أن قلبه مثل وشاحي صاحبته قلقاً وتحرّكاً، ثمَّ أتى وزاد في المعنى بقوله: " إذا خَطَرت " ليكون أشد للحركة؛ ثمَّ أتى بمعنى وهو قوله: " وقَلبَها قُلبُها في الصَّمت والخرَسِ " وقد ذكر أنَّ قَلبها غير خافقٍ ولا قلق، والقُلبُ السِوار. وهم يصفون المرأة بضيق السوار والخلخال وقلة حركتهما، فهذا الشاعر ذكر قَلبه بالقلق وقلبَ من يحبّ بالسكون فزاد وجوَّد.
وأما قوله في ذكر الحديث وحسنه: " ينازعننا لذَّا " البيت، والَّذي بعده فهو حسن نادر إلاَّ أنَّ الشعراء في الحديث أكثروا من جيّده، ومن حَسَنه قول القطاميّ:
стр. 19
فهنَّ ينبِذْنَ من قول يُصبنَ به ... مواقعَ الماءِ من ذي الغُلَّةِ الصَّادي
يقتُلنَنا بحديث ليس يفهمُه ... من يتَّقينَ ولا مكنونُهُ بادِي
ومن مليح هذا المعنى قول بشار:
وحديثٍ كأنَّه قطع الرَّو ... ضِ زَهَتْه الصّفراءُ والحمراءُ
ذكر أنَّ حديثها مثل الرياض في ملاحتها وأنَّه يجمع جِدّاً وهزلاً.
وقال بشار أيضاً:
ولها مَضحكٌ كنَور الأقاحي ... وحديث كالوشْي وشيِ البرُودِ
وله أيضاً:
دعَتْني حين شِبتُ إلى المعاصي ... محاسنُ زائر كالرِّيم غَضِّ
كأنَّ كلامَه يوم التقيْنَا ... رَمِيٌّ خَدَّ في طولي وعَرضي
وله أيضاً:
حوراء إن نظرت إلي ... كَ سقتكَ بالعينينِ خَمرا
وكأنَّ رجعَ حديثِها ... قطَعُ الرِّياض كُسينَ زَهْرا
وقال بعض ولد أسماء بن خارجة الفزاريّ:
وحديث ألذُّهُ وهو ممَّا ... يونق السَّامعين يوزَنُ وَزْنا
منطِقٌ صائب وتلحن أحْ ... ياناً وأحلى الحديثِ ما كانَ لَحْنا
ذكر أنَّها تحدّث بحديث يُفهم ثمَّ تخشى نمَّ من يحضر من الوشاة فتلحَنُ لهم بمعنى يعرفه وإشارة يقف عليها لا يعرفها غيرها وغيره. قال الله تعالى:) ولتعرفَنَّهم في لحن القول (، أي في معنى القول، يقال: هذا لحن بني فلان، أي لغة بني فلان.
стр. 20
ومن أجود ما قيل في هذا الحديث قديماً وحديثاً قول ابن الرومي:
وحديثُها السِّحرُ الحلال لو أنَّه ... لم يجْنِ قتلَ المسلم المتحرِّز
إن طالَ لم يُمْلَل وإن هي أوجزَتْ ... ودّ المحدِّثُ أنَّها لم توجزِ
شركُ القُلُوب ونزهة ما مثلها ... للمطمئنّ وعُقلةُ المُستوفِزِ
هذا نهاية ما قيل في هذا الباب. وقد تناول ابن الرومي قوله: " ودّ المحدِّثُ أنَّها لم توجزِ " من بعض المتقدمين، وهو قوله:
من الخفِراتِ البِيض ودّ جليسُها ... إذا ما قضَتْ أحدوثةً أن تعيدَها
ومن مليح ما قيل في الحديث أيضاً قول بعض الأعراب:
وحديثها كالغيث يسمعُهُ ... راعِي سنينَ تتابَعَتْ جَدْبا
فأصاخَ يرجو أن يكون حَياً ... ويقول من فَرَحٍ هَيَ رَبَّا
وقال آخر:
وإنَّا ليجري بيننا حين نلتقي ... حديث كتسبيح المريضَين مُزعجُ
حديث لوَ أنَّ اللَّحمَ يُولَى ببعضه ... غريضاً أتى أصحابَه وهْوَ منضَجُ
هذا ذكر أنَّه إذا خلَى بمن يحبّ يجري بينهما من التشاكي أحرّ من النار. ومثله قول الآخر:
تقول لي وهي تحُفُّ الهودجا ... قولاً جميلاً حَسَناً سَمَلّجا
لو طُبخَ اللَّحمُ به لأنضَجَا
والقول في الحديث كثير، ولو استقصينا جميع ما فيه لخرج كتابنا عن الغرض الَّذي قصدنا له.
وقوله: " ولمَّا رأين الصبح بادرن " البيت والَّذي بعده فهو شبيه بقول بشار:
حتَّى إذا بعث الصَّباح فراقنا ... ورأينَ من وجه الظَّلام صُدودا
جرتِ الدُّموع وقلن فيك جلادة ... عنَّا ونكره أن تكون جليدا
ومثله قول عبد الصمد بن المعذّل:
فضحكنَ في وجهِ الدُّجى ... وبكَينَ في وجهِ الصَّباحْ
يريد أنهن اشتهين طول الليل ليتمتَّعن بالحديث، وبيت عبد الصمد أحسن ممَّا تقدَّمه وأعذب ألفاظاً.
وقوله: " فأصبحنَ صرعى في الحِجال " البيت، مأخوذ من امرئ القيس:
فأصبحتُ معشوقاً وأصبح بَعلُها ... عليه القتامُ كاسفَ الظّنِّ والبالِ
وقوله: " يبلّغن الحاجَ " البيت والَّذي بعده، يذكر أنَّه يُرسل إلى من يهوى بمن لا يُؤبَهُ له. وقوله: " مكاتب " أي ضعيف. ويجوز أن يكون قد كاتب هذا الرسول عن نفسه فهو يسأل النَّاس في مكاتبته، فليس ينكر دخوله البيوت وكلامه النساء. وقوله: " أو مقعد يتزحَّفُ " أراد أيضاً ضعيفاً، وهذا مثل قول الفرزدق:
فأبلغَهنَّ وحيَ القَول عنِّي ... وأدخلَ رأسَهُ تحتَ القِرامِ
ضعيفُ ذو خُرَيِّطَةٍ بهيم ... من المُتَلَقِّطي قرَدَ القُمامِ
وصفه أيضاً بالضعف والمسكنة وإنَّه يلقط القَرَد، وهو ما يقع من الصوف، في خُريِّطة معه.
وقوله: " فأصبح في حيث التقينا " البيت، أراد أنَّا تجاذبنا وتعاركنا فتكسَّرت الإسورة والخلاخيل وتحرَّقت الثياب، فمن أتى موضع التقائنا وجد فيه ما قلنا، وهذا مثل قول عبد بني الحسحاس:
فكم قد شقَقْنا من رداءٍ مَطرف ... ومن برقع عن طِفلةٍ غَير عانسِ
إذا شُقَّ بُردٌ شُقَّ بالبُرد برقعٌ ... دواليكَ حتَّى كلُّنا غيرُ لابسِ
وقال جران العَود:
كأنَّني يومَ حثَّ الحاديان بهم ... مرنَّح من سلافِ الخمر معلولُ
يومَ ارتحلتُ برَحْلي قبل بَرذَعتي ... والقلبُ مستوهِلٌ بالبين مشغولُ
ثمَّ اغْترزْتُ على كوري لأدفعَه ... إثْر الحُمول الغوادي وهو معقولُ
لم يبقِ من كبِدي شيئاً أعيشُ به ... طولُ الصَّبابةِ والبِيض العطابيلُ
ممَّن يجول وشاحاها إذا انصرفتْ ... ولا تجولُ بساقَيها الخلاخيلُ
يرنو إليها ولو كانوا على عجَلٍ ... بالشِّعب من مكَّة الشِّيبُ المثاكيلُ
أما قوله: " ثمَّ اغْترزْتُ على كوري " البيت، فلا يكون في الطيش والدهش وشغل القلب بالبَين مثله؛ لأنه ذكر أنَّه جعل رحله على جَمَله قبل برذعته ثمَّ ركبه وأثاره وبعثه في السير وهو لا يعلم أنَّه معقول دهشاً لما ناله من فراق من يحبّ. وإلى هذا نظر أبو تمام في قوله:
أَظَله البين حتَّى أنَّه رجُلٌ ... لو مات من شغله بالبين ما علِمَا
على أن جران العود أتى بما يمكن ويقوم في العقل وأتى أبو تمام بما لا يكون، إلاَّ أنَّه إغراق جيّد.
وقوله: " يرنو إليها ولو كانوا " البيت، نهاية في معناه، فهو قد جمع محاسن كثيرة، لأنه قد " يرنو إليها ولو كانوا على عجل " فجعل العجلان وغير العجلان في النظر إليها بمنزلة واحدة. ثمَّ قال: " بالشِّعب من مكَّة " أي أنهم في الحرم، ومن كان في الحرم كان خاشع القلب غاضّ الطرف. ثمَّ قال: " الشيبُ " والأشيب قلما يلتفت إلى شيء من اللهو من جهات، أما إحداها فلِما مضى من عمره، والأخرى أنَّ الأشيب أتقَى من الشاب. وأخرى أنَّ الأشيب يستحيي من الغزل أكثر ممَّا يستحيي الشباب. ثمَّ قال: " المثاكيل " والثاكل يشتغل بثكله عن النظر إلى الحسن والقبيح لا سيما إذا كان أشيب ثاكلاً، فقد يئس من الولد لكبره وعلوّ سنّه. والأوَّل في هذا المعنى قيس بن الخطيم في قوله:
ديار الَّتي كادت ونحن على منًى ... تَحُلُّ بنا لولا نجاء الركائبِ
وقد ذكرنا هذا البيت ونظائره في صدر كتابنا هذا. وبيت جران العود هذا الَّذي قدمناه ذكره أجود من كلّ ما عُمل في هذا المعنى وأشدّ إغراقاً.
وقال مسكين الدارميّ:
ونارٍ دعوتُ المعتفين بضوئها ... فباتوا عليها أو هَدَيتُ بها سَفْرَا
تضرَّمُ في ليل التِّمام وقد بدتْ ... هوادي نجوم الليل تحسبُها جمْرَا
وضيفٍ يخوض الليل خوضاً كأنَّما ... يخوض به حتَّى تأوّبني بحرَا
وكم من كريم بوَّأَتْهُ رِماحُهُ ... فتاة أُناس لا يسوق لها مهرَا
وما أنكحونا طائعين بناتهم ... ولكن نكحناها بأرماحنا قسرَا
وكائن ترى فينا من ابن سبيئةٍ ... إذا لقيَ الأبطالَ يطعنُهم شزْرَا
فما ردّها فينا السباء وضيعةً ... ولا عرِيَتْ فينا ولا طبخت قِدرَا
ولكن جعلناها كخير نسائنا ... فجاءتْ بهم بِيضاً غطارِفة زُهرَا
إذا لم تجدْ بُدّاً من الأمر فأتِهِ ... رحيبَ الذراعِ لا تضيقَنْ به صدرَا
ولا تأمن الخُلانَ إلاَّ أقلّهم ... عليك إذا كانت صداقتهم مكرَا
وإنِّي امرؤ لا آلفُ البيتَ قاعِداً ... إلى جنبِ عِرْسي لا أفارقُها شِبرَا
ولا مُقسمٌ لا تبرحُ الدَّهرَ بينَها ... لأجْعلَه قبل المماتِ قبرَا
إذا هي لم تُحصِنْ أمامَ فنائها ... فليس يُنجِّيها بِنائي لها قصرَا
ولا حامل ظنِّي ولا قالَ قائل ... على غيرةٍ حتَّى أُحيط به خُبرَا
وهَبْني امرأ راعيتُ ما دمتُ شاهداً ... فكيف إذا ما غِبتُ من بيتها شَهرَا
стр. 21
أما قوله: " وكم من كريم " البيت، فإليه نظر أبو تمام في قوله:
لم تطلُعِ الشَّمسُ منهم يومَ ذاك على ... بانٍ بأهلٍ ولم تغربْ على عَزَبِ
إلاَّ أن بيت أبي تمام أجود بناءً ورصفاً. وأمَّا ذكره النساء بما ذكر فلا نعلم أنَّ أحداً ذكرهن بأحسن من ذلك ولا أجود. ويقال إنَّ عبد الملك ابن مروان سابق بين ابنَيه، مسلمة والوليد، وكانت أُم مسلمة أُم ولد وأُم الوليد عبسيَّة، فسبق الوليد مسلمة فقال رجلٌ من أخوال الوليد من بني عبس: أحسن. والله يا أمير المؤمنين الَّذي يقول:
نهيتُكم أن تحملوا هُجناءَكم ... على خيلكم يوم الرِّهان فتُدرَكوا
وما يستوي المرءان هذا ابن حُرَّة ... وهذا ابن أُخرى طُهرها متشرَّكُ
فتصطكُّ فخذاه ويرعش كفُّه ... ويلقى على الأعواد لا يتحرَّكُ
وأدركْنَه جدَّاتُه فخَلَجْنَه ... أَلا إنَّ عرق السُّوء لا بدَّ مُدركُ
فأعجب عبد الملك هذا القول لميله إلى الوليد، فقال مسلمة، وسمع الكلام: كذب يا أمير المؤمنين، بل أحسن من هذا وأصوب قول مسكين الدارميّ، وذكر الأبيات التي قدَّمنا ذكرها قبل هذا، فتعجب النَّاس من ذكاء مسلمة في ذلك الوقت وقلَّة دهشه.
وأمَّا أبياته في ذكر قلَّة الغيرة، فقد ردَّ مثلها في موضع آخر من شعره وهو:
أَلا أيُّها الغائر المستَشيطُ ... علامَ تغارُ إذا لم تُغَرْ
فما خيرُ عِرس إذا خِفتَها ... وما خَير بيت إذا لم يُزَرْ
تغارُ على النَّاس أن يَنظروا ... وهل يفتِنُ الصالحاتِ النظَرْ
فإنِّي سأُخلي لها بيتَها ... فتحفَظ لي نفسَها أو تَذَرْ
وما نعلم أن أحداً من الشعراء سهَّل ترك الغيرة غير هذا. ونظنّه كأنَّه يقول بالإباحة، وإلاَّ فأيّ شيء دعاه إلى هذا القول الَّذي يأنف منه الأحرار.
ولقد روي أنَّ بعض العلويَّة قال في هوى له:
ولمّا بدا لي أنّها لا تُحبُّني ... وليس هواها عن فؤادي بمُنجلي
تمنَّيتُ أن تهوى سِوايَ لعلَّها ... إذا عرفَتْ طعم الهوَى أن تَجودَ لي
فجاء رجل يسأل عنه فقال: ما فعل المتديِّثُ في شعره؟ فهذا عيب عليه ما قال في غير زوجته، ونُسب إلى التديُّث بما قال. ولقد عيب على القائل:
أهيمُ بدعدٍ ما حييْتُ فإن أمُتْ ... فوا حزَناً من ذا يَهيمُ بها بَعْدي
فقال له بعض من سمع هذا البيت: وما يهمّكَ ممَّن ينيكها بعدك؟ ولشتَّان بين مسكين الدارميّ في إغفاله تفقد امرأته وتركه الغيرة عليها وبين الَّذي يقول:
إذا كنتَ ذا عِرس تضِنُّ بوصلها ... فلا تُخرجنْها تبتغي ليلةَ القَدْرِ
ولا تُدخلِ الحمَّامَ عِرسكَ أنَّني ... أخاف من الحمَّام قاصمةَ الظَّهْرِ
وإلى هذا أشار أبو عليّ البصير في قوله:
دهَتْك بعلّة الحمَّام خِشُفٌ ... ومال بها الطريق إلى سعيدِ
أرى أخبارَ بيتك عنك تخفى ... فكيف وليتَ أعمالَ البريدِ
وإلى هذا نظر عثمان بن سعدان بقوله:
سألَتْ زوجَها الخروجَ إلى الحَ ... قِّ ويا رُبَّ باطل في الحقوقِ
واستقامتْ على الطريق إلي ... هِ ساعة ثمَّ عرَّجتْ في الطريقِ
لم تخَفْ فتنة الفُتونَ لما في ... قلبها من تلهُّب وحريقِ
وأقامت بمأتم اللهو لا مأ ... تم شقِّ الجيوب والتخريقِ
ويروى أن جميل بن معمر كان يقول: ما رأيتُ مصعب بن الزبير يمشي بالبلاط إلاَّ لحقتْني الغيرة على بثينة وهي بالجِناب، وبينهما مسيرة عشر ليال للراكب المجِدّ المُسرع. ويقال إنّه لم يُرَ في الدُّنيا رجلٌ كان أغْيَر من مالك بن طوق. تزوَّج امرأة من بني تغلب فجاء أخوها يزورها فأقام سنة حتَّى وصل إلى من أدّى رسالته إليها.
ولمسكين الدارميّ أيضاً:
أرى كلَّ ريح سوف تسكنُ مرةً ... وكلَّ سماء لا محالة تُقْلِعُ
وإنِّيَ والأضيافَ في بُردة معاً ... إذا مات نصفُ الشَّمس والنصف يَنزِعُ
أحدِّثُه إن الحديث من القِرى ... وتعرفُ نفسي أنّه سوف يَهجعُ
قوله: " وإنِّي والأضياف في بردة معاً " البيت، حسن جدّاً، وذلك أنَّ
стр. 22
البرد في الشتاء أشدّ ما يكون طرفَي النهار، فهو قوله: " إذا مات نصف الشَّمس " أراد آخر النهار وقد غاب نصف الشَّمس وهو الَّذي مات، والنصف الَّذي ينزع هو الَّذي بقي منها، وهذا استعارة في نهاية الحسن والجودة.
وأما قوله: " أحدّثه إن الحديث من القرى " جيد حسن، وتمام الكرم عندهم مضاحكة الضيف ومحادثته وطلاقة الوجه. ومن أمثالهم: إنّ الحديثَ من القِرى طرفٌ. وقال الآخر:
أُضاحكُ ضيفي قبلَ إنزال رحلِه ... ويُخصِبُ عندي والمحلُّ جديبُ
وما الخِصبُ للأضياف أن يكثُر القِرى ... ولكنَّما وجهُ الكريم خَصيبُ
وله أيضاً:
ناري ونارُ الجار واحدة ... وإليه قَبلي تُنزَل القِدْرُ
ما ضرَّ جاراً لي أُجاورُه ... أن لا يكون لبابِه سِتْرُ
أعمى إذا ما جارتي ظهرَتْ ... حتَّى يُغيِّبَ جارتي الخِدْرُ
ذكر بعض الرواة أن امرأة مسكين خاصَمتْه ونسبَتْه إلى البخل، فقيل لها: أليس هو القائل:
ناري ونار الجار واحدة ... وإليه قبلي تُنزل القِدرُ
قالت: صدقَ، النار والقدر لجاره، وإليه تُنزل قبله لأنه صاحبُها؛ وهو أيضاً لا يشعل ناراً مخافة أن يراها ضيفٌ فيأتيَها، فعجب كلّ من حضر لتأتِّيها وحسن جوابها.
стр. 23
وله أيضاً:
إنِّي لأغلاهُمُ باللَّحمِ قد علموا ... نِيّاً وأرخَصُهم لحماً إذا نَضِجا
لا تجعلنّي كأقوامٍ علمتهم ... لم يظلموا لبَّةً يوماً ولا ودَجَا
ولا أُري صاحبي هجرانَ زوجته ... ولا أُحدِّثُها السوآتِ إن خرجَا
أُديمُ ودِّي لمن دامتْ مودِّتهُ ... وأمزُج الودّ أحياناً لمن مزجَا
يا رُبَّ أمرَين قد فرَّقتُ بينهما ... من بعد ما اشتبها في الصَّدر واعْتلَجا
وأقطعُ الخرقَ بالخَرقاءِ لاهيَة ... إذا الكواكبُ كانت للدُّجى سُرُجا
قوله: " إنِّي لأغلاهم باللحم " البيت، معنى مليح دقيق، وهو أنَّه لا يُطمع في إبله ولا غنمه لعزَّته، فإذا ذبح وطبخ أرخَص، أي أطعم الضيوفَ وغيرهم. ومثل هذا قول شبيب بن البرصاء:
وإنِّي لأُغلي اللَّحم نِيّاً وأنَّني ... لممَّن يُهينُ اللَّحم وهْوَ نَضيجُ
والمعنى يحتمل وجهاً آخر، وهو أن أُغلي اللحم عند الشراء، فإذا طبخته أرخصته واخترتُ هذا المعنى من قول أبي نواس:
أُغالي بها حتَّى إذا ما ملكتُها ... أَهنتُ لإكرامِ الخليل مَصونَها
ومثله أيضاً:
إنَّ بَذْلي لها لبذلُ جواد ... واقتنائي لها اقتناءُ شحيحِ
وقريب من هذا المعنى قول الآخر:
يا عين جودي بدمعٍ لا نفاد له ... وابْكي فتى الجود والهَيجاء مسروقا
مَن لا يخامره جبن ولا بخلٍ ... ولا يَبيت لدَيه اللَّحمُ موشوقا
هذا ذكر أنَّ هذا الرَّجُل لا يقدَّد اللَّحم، فيدخره، بل يطبخه طريّاً ويُطعمه للأضياف وغيرهم.
وقوله: " لا تجعلنِّي كأقوام علمتهم " البيت، أراد أنهم لم يذبحوا ناقة وهم ظالمون لها، إذا نُحرت الناقة وهي غير عليلة فهي مظلومة، وكذلك السِّقاء إذا أُخذ زُبده قبل أن يستحكم فهو مظلوم، وكذلك كلّ شيء فعلوه قبل استحكامه فهو عندهم مظلوم، قال الشاعر يهجو رجلاً:
لا يظلِم الوَطْبَ لابن العمِّ يَصبَحُه ... ويظلم العمّ وابن العمّ والخالاَ
وله أيضاً:
فما زال لي مثل الغزال وسابحٌ ... وخطَّارة غبّ السرى من عياليا
أُقاسمهُمُ للمالِ في القُلّ والغنى ... ويدفع عنهنَّ السِّنين احْتِياليا
فهذا لأيَّام الطِّراد وهذه ... للهوَى وهذي يُسِّرتْ لارتحاليا
وإنِّي لأسْتَحيي أخي أن أرَى له ... عليَّ من الحقِّ الَّذي لا يرى لِيَا
قوله: " فهذا لأيَّام الطِّراد " البيت، حسن التقسيم محكم الصنعة. ذكر أن فرسه لأيام الحرب، وجاريته لأيام السلم، وناقته لرَحله. وهذا شبيه بقول رجل سافر عن امرأته، فاشترى جارية وفرساً، وأقام بالبلد الَّذي سافر إليه، فكتبت إليه امرأته تستبطِئُه، فكتب إليها:
أَلا أَقْرِها منِّي السَّلام وقل لها ... غنِيتُ وأغْنَتْني الجُمانةُ والوردُ
شديد مناطِ المنكبَين إذا جرى ... وبَيضاء مِبْهاجٌ يُزيِّنها العِقدُ
فهذا لأَيَّام الطِّراد وهذه ... لحاجة نفسي حين ينصرف الجندُ
هذا يقرب من شعر مسكين الَّذي قدَّمنا ذكره إلاَّ أنَّه أجود من هذا، لأنَّ مسكيناً ذكر ثلاثة أشياء في بيت واحد، وهذا ذكر شيئين في ثلاثة أبيات فبينهما تفاوت بعيد.
وأما قوله: " وإنِّي لأسْتَحيي أخي " البيت، فهو من أمثال العرب الجياد. وقد روي هذا البيت لجرير. ويروى أيضاً لعبد الله بن معاوية ابن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵇. وضدّ هذا المعنى قولهم: إذا عزّ أخوك فهُن. وحكى بعضهم أنَّه قرأ على باب النوبهار ببلخ، مكتوب: يقول بعض الحكماء: إذا عزّ أخوك فهُنْ، وتحته مكتوب: كذب العديم لا الحكيم، إذا عزّ أخوك فأَهِنه. ومثل هذا قول ابن المعتز:
ولا إذا عزّ أَخ أَذِلُّ
ومثل الأول قول عبد الصمد بن المعذّل:
إذا عزّ يوماً أخو ... ك في بعض أمر فهُنْ
وقال أيضاً:
وإنِّي لا أحِلُّ ببطن واد ... ولا آوي إلى البيت الصغيرِ
وإنِّي لا أُخاوِصُ عينَ ناري ... ولا أدعو رُعاتي بالصَّفيرِ
قوله: " لا أحلُّ ببطن واد " يقول: بيتي على اليفاع وفيه ينزل الكرماء لإيقاد النيران في الليل من أجل الضيوف؛ وإنَّما ينزل بالأودية البخلاء لتخفَى نيرانهم عن طرّاق الليل.
قوله: " ولا آوي إلى البيت الصغيرِ " يريد أنَّ بيتي في الفخر بيت كبير واسع. ومثله قول النابغة: " يا دار مَيَّةَ بالعلياء "، يقول: إنَّ بيتها في الفخر بيت عالٍ، هذا الَّذي ذُكر من تفسير بيت النابغة لم يقبله أحدٌ من أهل العلم. والَّذي ذكره الأصمعيّ وغيره في تفسيره أنَّه جعله بالعلياء ليكون بمنجاة من السَّيل. وكيف يريد بيت الفخر وهو يقول: " أقوتْ وطالَ عليها سالفُ الأبدِ ".
قوله: " وإنِّي لا أُخاوِصُ عينَ ناري " يريد إنِّي لا أجعلُ ناري صغيرة مثل العين الخوصاء وهي الصغيرة، من ذلك قولهم عن ابن عباس أنَّه قال: ما رأيتُ معاوية يخوِّص عينَه في وجه أحد ويقول له: هات يا أخ، إلاَّ رحمةً عِلماً من معاوية أنَّه قد انتهز فرصةً.
وقال الرَّبيع بن أبي الحُقَيق اليهودي:
أبلغ أبا ثابتٍ عنِّي مغلغَلَةً ... والجهلُ شرّ قعودٍ كانَ مرتحلا
أنا ابنُ عمّك إن نابتْك نائبةٌ ... ولستُ منك إذا ما كعبُك اعْتدَلا
وقال أيضاً:
لسنا إذا جارتْ دواعي الهوَى ... نحكمُ حكمَ الجائرِ المائلِ
واصْطَرَعَ القومُ بألبابِهم ... وأَنصتَ السَّامعُ للقائلِ
لا نجعلُ الباطلَ حقّاً ولا ... نَلِط دون الحقِّ بالباطلِ
وقال أيضاً:
إذا ماتَ منَّا سيِّدٌ قام بعده ... له خلَفٌ بادي السِّيادةِ بارعُ
من أبنائنا والغصن ينضُر فرعُهُ ... على أصله والعِرق للمرءِ نازعُ
وإنَّا لتغشانا الجدوبُ فما نُرَى ... تُقَرِّبُنا للمُدنياتِ المطامعُ
وقال أيضاً:
ومن يكُ عاقلاً لم يلقَ بُؤساً ... يُنِخْ يوماً بِساحته القَضاءُ
تُعاورهُ بناتُ الدَّهرِ حتَّى ... تُثلِّمه كما ثلمَ الإناءُ
وكلُّ شديدة نزلتْ بحيٍّ ... سيأتي بعد شِدَّتها رخاءُ
فقل للمتَّقي غرضَ المنايا ... توقَّ وليس ينفعكَ اتِّقاءُ
فما يُعطَى الحريصُ غِنًى بحرص ... وقد يَنمِي لدى الجود الثَّراءُ
يُريد المرءُ أن يلقَى نعيماً ... ويأبَى الله إلاَّ ما يشاءُ
وقال مهرب الغامديّ بل هي لنهشل بن حري:
أرى الدَّهر لا يرعَى على أهل ثروة ... خؤوناً ويبدأ أهلَه بعقُوقِ
فمن يكُ نَصباً للمنون وريبها ... يكن بحِمام الموت غير سبوقِ
وكم قد رأينا من مُلوك وسُوقة ... وعيش لذيذ للعيون أنيقِ
مضى فكأن لم يغن بالأمس أهله ... وكلُّ جديد صائر لخُلوقِ
وقال الحارث بن عوف الغامديّ:
فإن أكبرْ فإنِّي في لِدَاتي ... وعاقبةُ الأصاغِرِ أن يَشيبوا
وما كبرتُ فائدتي بغَدْرٍ ... كفاني في الفوائد ما يطيبُ
أبَى لي ذاكمُ خالي وعمِّي ... وفضلُ المال والصَّدرُ الرحيبُ
قوله: " فإن أكبرْ فإنِّي في لِدَاتي " في نهاية التعزِّي والتسلِّي عن الشباب. يريد: إنِّي ما أُصبت بالشيب وحدي فأغتمّ، ولكن قد أُصبت مع غيري، فهذا يُسلِّي عنِّي. ومثل هذا ما أنشدنا ابن دريد لبعض الأعراب:
стр. 24
أَنحن ذمَمْناها أم النَّاس كلّهم ... سُقُوا شِرْبَهم منها برَنْقٍ مُكدَّرِ
وقد يجزَع الإنسانُ يُنكبُ وحده ... وإن تكُن البلوى مع النَّاس يصبِرِ
وقال فراص الغامديّ:
ويَوم كأنَّ المصطلين بحرّه ... وإن لم يكن جمرٌ قيامٌ على الجمرِ
صبَرنا له حتَّى يَبُوخ وإنَّما ... تُفرَّج أيَّام الكريهة بالصبرِ
ومَن عدّ مسعاةً فلا يكذِبنَّها ... ولا يكُ كالأَعمى يقول ولا يدري
وقال معقر الأزديّ:
أَلا مَن لعَين قد نآها حميمُها ... وأَرَّقها بعد المنام همومُها
وباتتْ لها نفسانِ شتَّى هواهما ... فنفسٌ تعزِّيها ونفسٌ تلومُها
ومُستنبح بعد العشاء دعوتُهُ ... على ساعة من سمعة يَستديمُها
دعا دعوةً من بعد أوَّل هجعة ... من الليل والظَّلماء خُوصٌ نجومُها
رفعتُ له بالكفِّ ناراً يشبُّها ... على المجدِ معروفٌ بها ما يَريمُها
وقمتُ إلى البَرْك الهواجد فاتَّقتْ ... مرابيعُ أمثال الجراثيم كومُها
قوله: " وباتت لي نفسان شتى " البيت، مثل قول الآخر:
أَلا إنَّ لي نفسَين نفسٌ تقول لي ... تمتَّعْ بليلى ما بدا لكَ لينُها
ونفسٌ تقول اسْتَحيِ من طلب الصّبا ... ونفسك لا تطرح على مَن يُهينُها
وقال صاحب الأزديّ:
هل الدَّهرُ إلاَّ ليلةٌ وصباحُها ... وإلاَّ طلوعُ الشَّمس ثمَّ رواحُها
وإلاَّ صروفُ الدَّهر بالمرءِ مرَّة ... ذلولاً ومرّا سعيُها ومراحُها
تُقرِّبُ ما ينأى وتُبعدُ ما دنا ... إلى أجَلٍ ُيفضي إليه انشراحُها
ويسعى الفتَى فيها وليس بمُدركٍ ... هواه سوى ما غرَّ نفساً طماحُها
أخذ أبو ذؤيب قوله: " هل الدَّهرُ إلاَّ ليلةٌ " البيت بأسره فقال:
هل الدَّهرُ إلاَّ ليلةٌ ونهارُها ... وإلاَّ طلوع الشَّمس ثمَّ غِيارُها
وقال عبيد السلاميّ:
وكلُّ قرينٍ ذي قرين يودُّه ... سيفجَعُهُ يوماً من الدَّهر فاجِعُ
وإنِّي لصرَّامٌ ولم يخلقِ الهوَى ... جميلٌ فراقي حين تبدو الشَّرائِعُ
وإنِّي لأستَبْقي إذا العسرُ مسَّني ... بشاشة وجهي حين تبلَى المنافِعُ
مخافةَ أن أقلَى إذا جئتُ سائلاً ... ويرجعَني نحو الرِّجال المطامِعُ
وأعرضُ عن أشياء لو شئتُ نلتُها ... حياءً إذا ما كانَ فيها مقادِعُ
ولا أدفَع ابنَ العمّ يمشي على شَفاً ... ولو بلغَتْني من أذاهُ الجنادِعُ
ولكن أُواسيهِ وأنسَى ذنوبَه ... لترجِعَه يوماً إليَّ الرَّواجِعُ
وحسبُك من ذُل وسوء صنيعةٍ ... معاداةُ ذي القُربى ولو قيل قاطِعُ
فأَلْبس ثراكَ الأهلَ تسلمْ صدورُهم ... فلا بدَّ يوماً أن يروعَك رائِعُ
فتبلُوَ ما أسلفتَ حتَّى تردَّه ... إليك الجوازي وافراً والصنائِعُ
فإن تكُ تعفُو يُعفَ عنك وإن تكن ... تُقارعُ بالأخرى تُصبْكَ القوارِعُ
وقال عبد الله بن ثعلبة الأزديّ:
إنِّي إذا نادَى المنادي ليلةً ... إحدى ليالي الدَّهر لم أتعللِ
أسعَى إليه ولا يراني قاعداً ... بين القعودِ مع النِّساءِ الغزَّلِ
فلعلَّ ما أُدعى لما أنا فاعلٌ ... ولمَ الحياةُ إذا امرؤ لم يفعلِ
وقال قتادة بن طارق الأزديّ:
فإنْ أنأَ أو أقربْ فإنِّي لحافظٍ ... لحقِّ ابن عمِّي حين يضعُف ناصرُهْ
ولا أتصدَّى للملوك ولا يُرَى ... عدوّ ابن عمِّي لي رفيقاً أُسايرُهْ
وواللهِ لا أُعطَى يداً عن مذلَّة ... أذَلُّ بها ما يمَّمَ البيت سائرُهْ
وقال شراحيل بن قيس بن جعال:
أليسَ أحقَّ النَّاسِ أن يدعَ الصّبا ... وينهَى عن الجهل الكريمُ المُجرّبُ
من الأوَّلين عالج الفقرَ والغنَى ... وكلَّ ضُروعِ الدَّهر ما زال يحلبُ
وقال غيره:
أهنيد إنَّ الموتَ مدركُ من مشَى ... ما إنْ له منجاً ولا متأخَّرُ
ولقد رأيتُ من الحوادث عبرةً ... والدَّهر ذو عِبَرٍ لمن يتدبَّرُ
ولا تَخشعي للنائبات وسلّمِي ... إنَّ الزَّمان بأهله يتغيَّرُ
وقال الوليد بن عريض بن جبلة الكنديّ:
وكلُّ فتى وإنْ كره المنايا ... سيَحدوه إلى المكروه حادي
إذا ما المجدُ ضلَّ ديارَ قوم ... هداهُ لكِندة الأخيار هادي
ترى للمجد وسطَهم بيوتاً ... طِوالا غير واهية العمادِ
وقال شريك بن أبي الأعقل التجيبيّ:
ومستعجِل والمكثُ أدنى لرشدِه ... ولم يدْرِ في اسْتعجاله ما يُبادرْ
تُهيِّبكَ الأسفارَ من خشية الرَّدَى ... وكائنْ رأينا من ردٍ لا يسافِرُ
ولو كان يبدو مقبل الأمر للفتى ... كمُدبره ألفَيتَه لا يدامِرُ
هذا أوّل من أتى بهذا المعنى وهو قوله: " تهيِّبك الأسفار " البيت، وقد أكثرت الشعراء بعده فيه. فمن جيد ذلك قول الشاعر:
تقول سُليمى لو أقمتَ لسرَّنا ... ولمْ تدْرِ أنّي للمَقام أُطوِّفُ
لعلَّ الَّذي خوَّفْتِنا من ورائنا ... يُصادفهُ من بعدنا المتخلِّفُ
ومثله:
وخافَت على التَطواف فَوتي وإنَّما ... تُصابُ غِرارُ الوحش وهي رُتوعُ
وهذا البيت في نهاية الجودة، وهو للمحدثين. والقول في هذا المعنى كثيرٌ جدّاً، ومن سبيلنا الاختصار، لا سيما ما كان مشهوراً في أيدي النَّاس.
وقوله " ولو كان يبدو مقبل الأمر للفتى " البيت، جيد صحيح، وأخذه ابن الرومي فقال:
ألا من يُريني غايتي قبلَ مذهبي ... ومن أينَ والغايات بعد المذاهبِ
وهذا المعنى كثير جدّاً. وقال ابن غزالة:
لا يُؤثلُ الدَّهر من صرف الرَّدَى أحداً ... والموت إن أكُ منه هارباً لحِقا
وكلّ باكٍ سيُبكَى ليس منفلِتاً ... من المنيَّة إمعاناً ولا شفقَا
كذلك الدَّهر لا يرعَى على أحد ... والمرءُ رهنٌ لريب الدَّهر مذ خُلِقا
وقال آكل المُرَار:
رُبَّ همٍّ جَشَمتُه في هواكُم ... وبَعيرٍ تركتُهُ محسورِ
وغُلام كلفتُه دَلج اللَّي ... لِ فأضحَى يَميد كالمخمورِ
إنَّ من غرَّه النساءُ بشيء ... بعد هندٍ لجاهلٌ مغرورُ
حلوة العين واللسان ومُ ... رُّ كلّ شيء يُجِنّ منها الضميرُ
وقال الحارث بن مريم الوادِعيّ:
فما نفخ روض ذي أقاح وحَنوة ... وذي ورَقٍ من قُلَّةِ الحَزنِ عازبِ
ولا ريح فَغْوٍ أو خُزامَى وحَنوة ... أَرشَّتْ عليه سارياتُ السَّحائبِ
بأَطيبَ من فيها إذا ما تقلَّبتْ ... مع اللَّيل وَسْنَى جانباً بعد جانبِ
وقال أيضاً:
إذا انكشفَتْ عنها عجاجةُ مَعركٍ ... لحين تعَاديها بدت حولها شقرا
وكنَّا إذا ما اسْتمطرونا لحادثٍ ... رعَدْنا فأمطَرنا مثقّفةً سُمرا
نجودُ بها في كلِّ قسر كريهة ... لأعدائنا حتَّى يلينوا لنا قسرا
وقال الحشيش بن عبد الله الوادِعيّ:
إنِّي إذا ما خفتم ورغِبْتُم ... فأنا الحبيبُ لديكُم والمصطفَى
عجباً عجبتُ لمن يدنِّسُ عِرضَه ... ويصون حلّتَه ويحميها الأذَى
الثوب يبلَى ثمَّ يُشرَى غيرُه ... والعِرضُ بعد هلاكه لا يُشترَى
ابن الرقاع العامليّ:
لا خيرَ في الخَبِّ لا تُرجَى فواضلُه ... فاسْتَمطِروا من قريش كلَّ منخدِعِ
تخالُ فيه إذا حاولتَهُ بلَهاً ... عن ماله وهْوَ وافي العقلِ والورعِ
ولبعض الشعراء في يزيد بن المهلّب لمَّا انهزم عنه النَّاس يوم العَقر، وقد بايعوه على الموت:
كلّ القبائل بايعوك على الَّذي ... تدعو إليه طائعينَ وسارُوا
حتَّى إذا حمِيَ الوغَى وجعلتَهم ... نصْبَ الأسنَّةِ أسْلموك وطارُوا
إنْ يقتلوك فإنَّ قتلكَ لم يكن ... عاراً عليك ورُبَّ قتلٍ عارُ
ابن الدمينة:
أيا ربّ أدعوك العشيَّةَ مخلِصاً ... لتعفُوَ عن نفس كثيرٍ ذنوبُها
قضيتَ لها بالبخل ثمَّ ابتَلَيْتها ... بحبِّ الغواني ثمَّ أنت حسيبُها
خليليَّ ما من حَوبة تَرَيانها ... بجسميَ إلاَّ أُمّ عمرو طبيبُها
أهُمُّ بجذِّ الحبلِ ثمَّ يردُّني ... تذكُّرُ ريَّا أُمّ عمرو وطيبُها
وبردُ ثناياها إذا ما تغوَّرتْ ... نجوم يشفّ الواجدين غيوبُها
وقد زعموا أنَّ الرياحَ إذا جرتْ ... يمانيَّةً يشفِي المحبّ دبيبُها
وقد كذبوا لا بل يزيد صبابةً ... إذا كانَ من نحو الحبيب هبوبُها
فيا حبَّذا الأعراض طاب مقيلها ... إذا مسَّها قَطْر وهبَّت جنوبُها
أما قوله: " قضيت لها بالبخل " البيت، فإليه نظر القائل:
стр. 25
أَيا ربّ تخلُقُ ما تخلُقُ ... وتنهَى عبادَك أنْ يَعشَقوا
وأحسن منه قول الحسن المشرك الموصلي في هذا المعنى، وبه لقِّب المشرك:
أَيا ربّ تخلُق أقمارَ ليلٍ ... وقضبانَ بانٍ وكثبان رملِ
وخشفان إنسٍ تصيدُ القلوبَ ... بألفاظِ سحرٍ وألحاظ قتلِ
وتُبدِع في كلِّ خدٍّ بورْدٍ ... وفي كلِّ قدٍّ بشَكْل ودَلِّ
وتنهَى عبادَك أن يعشَقوا ... فيا حاكمَ الحُكمِ إذا حُكْمُ عدلِ
وقوله: " وقد زعموا أنَّ الرياح إذا جرت " البيت، والبيت الَّذي يليه ضد ما ذكره كثير من الشعراء لأن بعضهم يقول:
إذا الريح من أرض الحجاز تنسَّمت ... وجدتُ لمَسراها على كبدي بَرْدا
على كبدٍ قد كاد يُبدي بها الهوَى ... صدوعاً وبعض القوم يَحسبني جَلْدا
وقال آخر:
إذا هبَّت الأرواح من نحو جانب ... به آل مَيٍّ هاج وَجدي هبوبُها
قريبة عهد بالحبيب وإنَّما ... هوى كل نفس حيث كان حبيبُها
قيل: قوله يشبه قولَ المجنون:
ألا يا صبا نجدٍ متى هجتِ من نَجد ... لقد زادني مسراكِ وجْداً على وجْدِ
وهذان المعنيان في أشعارهم كثير جدّاً.
وقال ذو الرمّة:
أما والَّذي حجَّ الملبُّون بيتَه ... سِراعاً ومولَى كلّ باقٍ وهالكِ
وربِّ القِلاصِ الأُدْم تَدمى أُنوفها ... بنخلَةَ والساعين حول المناسكِ
لئن قطعَ اليأس الحنينَ فإنّه ... رَقوءٌ لتَذْراف الدُّموع السوافكِ
لقد كنتَ أهوى الأرضَ ما يستفزُّني ... لها الوجدُ إلاَّ أنّها من دياركِ
أحبُّك حُبّاً خالطَتْه نصيحةٌ ... وإنْ كنتِ إحدى اللاوِيات المواعِكِ
أَلا من لقلب لا يزال كأنَّه ... من الوجدِ شكَّته صدورُ النَّيازِكِ
وللعَين ما تنفكُّ تَجري شؤونُها ... على إثْرِ حادٍ حين حادرت سالكِ
الصلمّان العبديّ:
قالتْ أُمامةُ ما تَبقَى دراهِمُنا ... وما بنا سرَفٌ فيها ولا خُرُقُ
إنَّا إذا اجتمعتْ يوماً دراهمُنا ... ظلَّتْ إلى طرُق الخَيرات تستبقُ
فلا تخافي علينا الفَقر وانتظرِي ... سَيبَ الَّذي بالغنى من عنده نثِقُ
إنْ يفْنَ ما عندنا فالله يرزقُنا ... ومَن سِوانا ولسْنا نحن نرتزقُ
حُطايط اليربوعيّ:
أرِيني جواداً ماتَ هُزْلاً لعلَّني ... أرى ما تَرَينَ أو بخيلاً مُخلَّدا
ذرِيني يكن مالي لعِرضي جُنَّة ... يقي المالُ عِرضي قبلَ أن يتبدَّدا
ذرِيني أكُنْ للمالِ ربّاً ولا يكن ... ليَ المالُ ربّاً تَحمَدِي غِبَّه غدا
بعض الأعراب:
أَلا أَبلغْ لئيم بني نُمَير ... بأنَّ الريحَ أكرمُ منك جارا
تُغذِّينا إذا هبَّتْ شمالاً ... وتملأُ عينَ حافِظكُم غُبارا
هذا الشاعر يذكر أنَّ رجلاً من بني نمير كانت له نخل قد أقام لها حافظاً يمنع أن يتناول أحدٌ منها شيئاً، وكانت الشمال إذا هبَّت نفضت الرطب، فالتقطه هذا الشاعر، لأنَّ الريح تشغل الحافظ عن الحفظ وتغضّ من بصره.
أبو الجويرية العبديّ، يرثي من قُتل بالعقر من آل المهلّب:
نساء بكتْ آل المهلّب حُسَّرا ... توالَت عليهنَّ المصائب والثكلُ
يطاوعن من أوصى وأوجف في البكا ... وإن قيل مهْلاً قيل ما بعدهم مهلُ
وآلَينَ لا يُبقينَ وجْهاً لحُرَّة ... عن اللطم حتَّى تمَّحي الحَدَق النُّجلُ
يُشَقِّقْنَ عنهنَّ الجيوبَ كآبةً ... ولهفاً على أُسدٍ أُتيح لها القتلُ
إذا شبَّ شَغبٌ أو تشاجرَ منطقٌ ... فعندهم فيه الحكومةُ والفصلُ
مَعاطِيّ يستسْقِي الفقيرُ بسَيْبهم ... كأنَّ أديمَ الأرض بعدهم محلُ
جِذْل الطعان:
فمن برِئتْ جريرتُكم إليه ... فإنِّي من جريرتكم سقيمُ
ظلمتُم فاصْبروا للشرّ إنَّا ... سنصبرْ إنّه الحسبُ الكريمُ
وشرُّ الجازعين إذا أُضيعَتْ ... قوادمُ ريشه الفزِعُ الظَلومُ
وكنّا قاعدين أقَمتمونا ... على حسد فقد قُمنا فقوموا
ومن لا رغمكم فيه فإنِّي ... برُغمكمُ وحربكمُ زعيمُ
أعرابيّ من بني أسد:
يا قبر بين بيوت آل محرِّق ... جادت عليك رواعِدٌ وبُروقُ
هل تنفعنّك دمنة مرعيةٌ ... فيها أداء أمانة وحُقوق
ذهبتْ بك الأيامُ عنّا بعدما ... كادتْ بك الأرضُ الفضاءُ تضيقُ
حتَّى السماء فكنت قربَ نجومها ... ولئن بلغتَ نجومَها لحقيقُ
الجراح بن عبد الله بن جوشن الغطفاني، وقتلت بنو سليم أباه وعرضوا عليه الديّة، فأباها ثمَّ قتل قاتل أبيه وقال:
شفَيتُ أُواراً من غليل وجدتُه ... على القلب منه مُستسِرّ وظاهِرُ
ألا ليت قبراً بين داراتِ مُطرقٍ ... يُحدِّثُه عنّي الأحاديث جابِرُ
وقالوا بَديل من أبيك وتتَّدي ... فقلتُ كريمٌ لم تلِدني الأباعِرُ
ألم ترَ أنّ المالَ يُذهبُ دَثْرَه ... تغيُّر أحوال وتبقى معائرُ
وقال يحرِّض ابنَي أخيه وقد قُتل أبوهما أخوه:
رأيتُكما يا بنَي أخي قد سَمِنتُما ... ولا يدركُ الآثارَ إلاَّ الملوَّح
وأمُّكما قد أصبحتْ وهيَ أيِّم ... تخيَّر في خطّابها أين تَنكِح
جَحش بن نُصَيب، أحد بني عبد الله بن غطفان:
ويوم بوادي اليعمرِيَّة لم نزَلْ ... على الماءِ حتَّى أسْلمَ الماء غامرُه
وقرن تركتُ الطيرَ تَحجلُ حوله ... تحرَّكُ رِجْلاه وقد مات سائرُه
تركتُ يزيدَ يحفز الموتُ روحَه ... انثُّ عليه الغدرَ والرمحُ شاجرُه
قوله " حتَّى أسلم الماء غامره " يقول هزمناهم فملكنا ماءهم لهزيمتنا إياهم.
وقوله " انثّ عليه الغدر والرمح شاجره " زعم أنّه طعن رجلاً غادراً فلمّا طعنه ذكّره غدرَه.
أعرابيّ وأقاد السلطان أخاً له يقال له زيد بقتيل قتله اسمه أيضاً زيد:
علا زيدُنا يوم الوغى رأسَ زيدِكم ... بأبيَضَ من ماء الحديد......
فإن تقتلوا زيداً بزيد فإنّما ... أقادكم السلطان بعد زمان
آخر قريب من معناه:
فإن تضربونا بالسِّياط فإنَّنا ... ضربْناكم بالبيض يوم الصرائمِ
وإنْ تَحلقوا منّا الرؤوس فإنَّنا ... حلقْنا رؤوساً باللِّحى والغلاصمِ
عبّاد بن أنف الكلب الصيداوي من بني أسد:
دفَعْنا طريفاً بأطرافنا ... وبالرّاح عنَّا ولم تدفعونا
فلمْ يبقَ إلاَّ التي حاولوا ... وخِفنا وأحْرِ بها أن تكونا
стр. 26
فإنْ كان فيكم لكم ثروة ... فإنَّا عديدٌ وإن كان دونا
وإنا إذا قابلَتْنا السيوف ... وقد هاجت الحرب ضرباً ثبينا
وطاح الرئيس وهادي اللّواء ... ولا تأكل الحربُ إلاَّ سمينا
وأعْصمَ بالصَّبر أهلُ البلاء ... فإنَّا هناك كما تعلمونا
قوله " دفعنا طريفاً " يقول دفعنا حربهم بكلّ ما نقدر عليه، وهو مثل قولهم: دفعتُه عنّي بالراحة فلم يندفع.
وقوله " فلم يبق إلاَّ التي حاولوا " البيت، يريد أنَّهم لا يندفعون عنّا وإن احتملناهم حتَّى يقع بيننا الحرب. ثمَّ خاطبهم فقال: إنكم وإن كانت لكم ثروة وعدد فإنا نحن أيضاً عديد وإن كان دونا، وهذا مثل قول الآخر:
أبا خُراشةَ إمّا كنتَ ذا نفَرِ ... فإنَّ قوميَ لم تأكلهمُ الضَّبُعُ
ومثله:
فقلتُ لها إنَّ الكرام قليلُ
ثمَّ ذكر الحرب وإنَّ الرئيس وحامل اللّواء يُقتلان لأنَّهما مشهوران، والحربُ لا تأكل إلاَّ السمين، وهذه استعارة حسنة، يريد أنَّ الفارس المشهور يقصده أعداؤه حتَّى يُقتل بشهرته ووضوح موضعه في الحرب. ورُوي عن الحسن أنَّه قال: لو نادى منادٍ أنَّ رجلاً من أهل الأرض في النار، لخفتُ أن أكون ذلك الرَّجُل.
قال عمرو بن كلثوم:
معاذَ الإله أنْ تَنوحَ نساؤُنا ... على هالك أو أن نَضِجَّ من القَتلِ
قِراعُ السيوف بالسيوفِ أحلَّنا ... بأرض براحٍ ذي أراك وذي أثلِ
стр. 27
فما أبْقَتِ الأيامُ مِلْمالِ عندنا ... سِوى جِذْم أدواد تُعينُ على الأزْلِ
ثلاثةُ أثلاثٍ فأثْمانُ خَيلنا ... وأقواتُنا وما نسوق إلى العقْلِ
أما قوله " معاذ الإله أن تنوح نساؤنا " البيت، فقد تناوله بعض الشعراء بأسره فقال:
معاذ الإله أن تنوح نساؤنا ... على هالكٍ منَّا وإنْ قُصم الظَّهرُ
وأخذه آخر فقال:
فُجعوا بذي الحسب الصميم فأصبَحُوا ... لا مُبْلسين ولا كِظاما وُجَّما
حتَّى كأنَّ عدوَّهم ممَّا يرَى ... من صبرهم حسِبَ المصيبة أنعُمَا
وأخذه آخر فقال:
هم القَوم لا يخشَون حَربا مضرَّةً ... وإن قتلوا لم يقشعِرُّوا من القتلِ
وأخذه أبو تمام فقال:
مسترسلين إلى الحتوف كأنَّما ... بين الحتوف وبينهم أرْحامُ
وقوله: " قراع السيوف بالسيوف " البيت، قد ذكرنا شيئاً من نظائر هذا البيت فيما تقدم من هذا الكتاب، فممَّا لم نذكر قول ابن الخرشب:
نزلْنا على رغم العِدى في مفازة ... معاقلُنا فيها السُّيوف الصَّوارمُ
وقال التغلبي في هذا المعنى أيضاً:
لنا حصونٌ من الخطّيّ عاليةٌ ... فيها جداولُ من أسيافنا البُتُرِ
فمن بنَى مَدَرا من خوف حادثة ... فإنَّ أسيافَنا تُغني عن المَدَرِ
وقد جوَّد هذا الشاعر وما قصَّر، وأصاب تشبيه السيوف إذ جعلها مثل الجداول لكثرة مائها وائتلافها، ثمَّ ذكر أنَّها تغني عن الحصون المبنية من المدر.
وقوله: " فما أبقت الأيام " البيت والَّذي يليه، فقد جوَّد فيما ذكر وأحسن القسمة في البيت الأخير إذ جعل جِمالهم ثلاثة أقسام، فقسم يُصرف في أثمان الخيل إذ كانت حصونهم التي يلجأون إليها ويبلغون بها الغايات ويدركون بها التِرات، وقسم في أزوادهم وأقواتهم وما يَقرون ضيوفهم، وقسمٌ يسوقونه في ديات من يقتلون، ولا نعلم أحداً اتَّفق له في بيت واحد ولا أبيات كثيرة كما اتَّفق لهذا من صحة القسمة وشرح الأبواب التي تصرف فيها.
المجنون:
وما بِنتُ إلاَّ خاصم البينُ حبّها ... بحالين من قلبي مطيع وسامع
تبارك ربِّي كم لليلى إذا انتحَتْ ... بها النَّفس عندي من حميمٍ وشافعِ
قيس بن زهير العبسي:
تركتُ النهاب لأربابه ... وأكرهتُ نفسي على ابن الصَّعِقْ
جعلتُ يديَّ وشاحاً له ... وبعضُ الفوارسِ لا يعتَنِقْ
قد ذكرنا كما تقدَّم أن أصل هذا المعنى بيت عنترة:
ينبِئك من شهد الوقيعة أنَّني ... أغشَى الوغى وأعفُّ عند المغنمِ
وذكرنا معه شيئاً من نظائره، فلما وقفنا على هذا البيت علمنا أنَّه الأصل فإن قال قائل: قيس بن زهير وعنترة بن شدَّاد العبسيّين في عصر واحد، قلنا: صدقت، إلاَّ أنَّ قيس بن زهير كان أكبر من عنترة بدهر طويل. وأخرى أن هذا الشعر قاله قيس في آخر حرب داحس، وهو الوقت الَّذي قَتل فيه خالد بن جعفر العامريّ زهير بن جذيمة العبسيّ، في أسره عمرو بن الصعق العامريّ، وما نحسب أنَّ عنترة كان وُلد في ذلك الوقت، وإنَّما لحق عنترة آخر أيام عبس وذبيان بعد يوم جَبَلة، وإنَّما ثبتت شجاعته في يوم عُراعر
стр. 28
ويوم الفَروق وهذان اليومان بعد يوم جبَلة، ويوم جبلة كان وقد مضى من حرب داحس شبيه بخمسين سنة. وجوَّد أيضاً قيس في قوله: " جعلتُ يديَّ وشاحاً له " البيت، يقول: إن أكثر الفرسان يطعن برمحه وبسيفه ولا يعتنق إلاَّ الواحد من العدد الكثير. ومن جيد ما قيل في هذا المعنى الَّذي قدَّمنا ذكره وأقدمه قول عمرو بن كلثوم التغلبي:
فآبوا بالنهاب وبالسبايا ... وأبْنا بالملوك مصفَّدينا
قالت هند بنت عتبة لعنه الله تعيِّر بنت عمّها، رملة بنت شيبة، لما أسلمت:
لحَاها الله صابئةً بوَجٍّ ... ومكَّة أو بأطراف الحجونِ
تدين لمعشر قتلوا أباها ... أقتلُ أبيكِ جاءكِ باليقينِ
المطوّح بن عثمان التغلبي:
إذا فخرتْ يوماً نُمير فقل لها ... ذروا الفخر إنَّ الفخر مسلكه صعبُ
نفاكم عن الدَّار التي كنتم بها ... رجال كرام من بني تغلب غُلبُ
هم أنكحوا بالغصبِ من فتياتكم ... جهاراً ومن شرِّ المجاهرة الغصبُ
وما كانَ منَّا عند قوم سبيَّة ... وما كانَ من أموالنا عندهم نهبُ
وما نالنا من معشر في ديارِنا ... ولا طَرَدتْنا عن منازلنا الحَربُ
أخذ الحارث بن غزوان الزيديّ التغلبيّ قوله " وما كان منا عند قوم سبيّة " البيت، فقال:
أراني كلَّما ناسَبْتُ حيّا ... أرى لي من كرام النَّاس خالا
وما تحتَ السماء لنا ابن أخت ... بمُردفةٍ عليها القدحُ جالا
في قوله هذا زيادة بيِّنة على قول من تقدَّمه لأنه ذكر أنَّه ما ناسب أحياء العرب إلاَّ وجدهم أخواله لكثرة ما سبَى قومُه من نسائهم، ثمَّ قال: " وما تحت السماء لنا ابن أخت " لعزّنا وسطوتنا وإنَّه لا يرام ذلك منّا ولا تُسبى لنا امرأة فيضرب من سباها عليها بالقدح لأيّهم تكون، وفي البيت الأول أيضاً شيء من ذكر العزّ، يقول: إنّ أموالنا ليست تُرام فما انتهب أحد قطّ شيئاً من مالنا.
أعرابيّ يهجو امرأته:
خرقاءُ بالخير ما تُهدى لوِجْهته ... وهيَ صَناعُ الأذى في الأهلِ والجارِ
ليستْ بشَبْعى ولو أوردتَها هَجَراً ... ولا بريّا ولو حلَّتْ بذي قارِ
إلى هذا نظر هذا القائل:
كالحوت لا يكفيه شيءٌ يلهَمُهْ ... يُصبحُ ظَمآنَ وفي البحر فَمُهْ
ولآخر يخاطب امرأته:
يا رُبَّ مثلكِ في النساءِ عزيزةٍ ... بيضاء قد روَّعتُها بطلاقِ
لم ندرِ ما تحتَ الضُّلوع وغَرّها ... منّي تجمّل عِشرتي وخلاقي
أعرابيّ من بني شَيبان:
ومالِي من ذنبٍ إليك عملتُه ... سِوى أنَّني من رهط بكر بن وائلِ
من الربعيين الذين سيوفُهم ... مجرَّدةٌ في كلِّ حقٍّ وباطلِ
أعرابيّ يمدح معن بن زائدة، ويهجو روح المهلّب:
لئن كانَ معن زان شيبان كلّها ... لقد شانَ روحٌ كلّ آلِ المهلَّبِ
رفِيع بجدَّيه وضيع بنفسِه ... لئيمٌ مُحيَّاه كريم المركَّبِ
стр. 29
أخذ أبو تمام قوله: " رفِيع بجدَّيه وضيع بنفسِه " البيت، فقال:
يا أكرمَ النَّاس آباءً ومفتخَراً ... وأَلأَمَ النَّاس مَبلُوّاً ومُختبرا
يُغضِي الرجالُ إذا آباؤه ذُكروا ... له ويُغضي إذا ما لؤمُهُ ذُكرا
والشعر الأول الَّذي أخذ أبو تمام هذا المعنى منه أجود من قول أبي تمام وأحسن تركيباً وتقسيماً وأبلغ في المعنى، وقد ألمَّ بهذا المعنى جماعة من الشعراء، فقال بعضهم:
إن قلتَ كانَ أبي في بيت مكرمةٍ ... قلنا صدقتَ ولكن بئسَ ما ولَدا
وأتى به آخر فقال:
أبوك أبٌ حرٌّ وأُمك حرَّةٌ ... وقد يلدُ الحُرَّانِ غيرَ نجيبِ
فلا يعجبنَّ النَّاسُ منك ومنهما ... فما خَبَثٌ من فضَّةٍ بعجيبِ
ولابن المعتز يخاطب به رجلاً فيقول: إنك كريم الآباء لئيم النفس، وهو:
حتَّى كأنَّك نِقمة في نِعمةٍ ... أو ثُومةٌ في روضةٍ من نرجسِ
وقال الله تعالى:) يخرج الخبيثَ من الطيِّب (والشعر في مثل هذا المعنى كثير، وهو يجيء في مواضع أُخر إن شاء الله.
أعرابيّ ذكر سيفاً:
وصافي الفرنْدِ كأنَّ الدّبَى ... عَلاه فغادرَ فيه أَثرْ
يُرقرقُ للشَّمس في متنِهِ ... شعاعٌ يحسّر عنه النَّظرْ
سريع إذا استكرهته اليمين ... كأنَّ معاً وِردَه والصَّدَرْ
تبيتُ المنيَّةُ في حدِّه ... وتُلحقُهُ بصروف القدرْ
آخر:
وقلنا لهم ثِنتانِ لا بدَّ منهما ... صدورُ رِماح أشرِعتْ أو سلاسلُ
لهم صدرُ سَيفي يومَ صحراء سَحْبَلِ ... ولي منه ما ضُمَّتْ عليه الأناملُ
إذا ما ابْتدرنا مأزِقاً فرجَت لنا ... مَضائقهُ بيضٌ جلَتْها الصَّياقلُ
الرواية " بأيماننا بيض ". أما قوله: " وقلنا لهم ثِنتانِ " البيت، فإنَّه ذكر أنهم قالوا لأعدائهم من عزّهم وسطوتهم واقتدارهم عليهم: إمَّا أن تختاروا القتل بصدور الرماح أو الشد بالسلاسل في الأسرة.
وقوله: " لهم صدر سيفي " البيت، فمثل قول الآخر، ولا ندري أيّهما أخذ من صاحبه:
نقاسمهم أسيافَنا شرَّ قسمةٍ ... ففينا غواشيها وفيهم صدورُها
أعرابي من بني تغلب:
يناديني لأنظرَهُ بريمٌ ... فدَعْني إنَّما أربأْ أمامِي
دَلَفْتُ له بأبيضَ مَشرفيٍّ ... كما يدنو المُصافحُ للسَّلامِ
يقول: دعاني بريم لأنظر إلى مواقفه في الحرب، فقلت له: دعني فإنِّي أُريد التقدم أمامي في القتال. ثمَّ قال: " دَلَفْتُ له بأبيضَ مَشرفيٍّ كما يدنو المُصافحُ للسَّلامِ " يقول: إنِّي أدنو إلى قِرني غير مرتاع منه كما يدنو من يريد مصافحة صديقه والسلام عليه، ومن هنا أخذ البحتري قوله:
تسرَّعَ حتَّى قال من شهِد الوغَى ... لِقاء أعادٍ أو لقاء حبائبِ
لقد كانَ ذاك الجأشُ جأشَ مُسالمٍ ... على أنَّ ذاك الزِّيَّ زيّ محاربِ
ومثله قول أعرابي قديم:
حنَّتْ لهم بكرٌ فلم تسْتطِعْهمُ ... كأنَّهم بالمشرفيَّة سامرُ
يقول: كأنَّهم قوم يتحدثون في سامرٍ، ليس عليهم روع الحرب ولا جزع القتال.
الضحاك بن عمرو العدواني:
فإن لا أمُتْ أشهدْ سوابقَ غارة ... تُساقي المنايا بالوشيج المقوَّمِ
بكلِّ رُدَينيّ كأنَّ سِنانه ... سَنا لهبٍ في عارضٍ متضرّمِ
لكم صعدةٍ دنّستُ بالطعن لونَها ... بمُعتبط من قانئِ الجوف أسْحمِ
سقاها فروَّاها من الدَّم فانطوَت ... على عَلَق في ثعلبٍ متهضمِ
قوله: " في ثعلب متهضمِ " قريب من قول البحتري: " أو نثر القناة كعوبا " وفي مثله: " وفي صُلبه ثعلب ينكسِر ".
عبد الله بن الحارث:
إذا طلعتْ شمس النهار مريضةً ... وجُرّد بالأيدي السيوفُ القواطعُ
وأشرِع أطرافُ الرِّماح كأنَّها ... حبالُ جَرورٍ مدَّهن النوازعُ
قوله: " إذا طلعتْ شمس النهار مريضةً " يقول: إنَّ يوم الحرب يكسو نور الشَّمس بما يرتفع من الغبار كأنَّها مريضة.
وقوله في وصفه الرماح: " وأشرع أطراف الرِّماح " البيت، مثل قول عنترة بن شداد:
أشطانُ بئرٍ في لبان الأدهم
والجرورُ: البئر البعيدة القعر، وقد أخذه ابن المعتز فقال:
وصَعدةٌ كرشاء البئرِ ناهضةٍ ... بأزرقٍ كاتِّقاد النَّجم يقظانِ
وروي عن بعض الأعراب أنَّه سُئل عن وقعة كانت لهم فقال: لمَّا لقيناهم جعلنا الرماح أرشِيةً لمناياهم، فنزحنا بها ركايا نفوسهم. والبيت الأول أجود ممَّا ذكرنا بعده لأنه جعل الرماح الطوال وزعم أنَّها لا تكون إلاَّ مع الشجعان لحذقهم بالطَّعن، قال زياد الأعجم:
لعمرك ما رماح بني نُمير ... بطائشةِ الصُّدور ولا القِصارِ
ويروى أن امرأة من بني نُمير أُحضرت، فاجتمع حولها قومُها ليلقِّنوها الشهادة، فقالت لهم: من القائل: " لعمرك ما رماح بني نُمير " البيت؟ فقالوا: زياد الأعجم، قالت: فبكَم يجوز أن أتصدَّق من مالي؟ قالوا: بثلثه، قالت: فأُشهدكم أنَّه له. فأما قول عنترة: " أشطانُ بئر في لبان الأدهم "، فيجوز أن يكون أراد طولاً، ويجوز أن يعترض عليه معترضٌ فيُعلّ بيته، إذ لم يذكر طولاً ولا قصراً. وأما بيت ابن المعتز فهو ناقص لأنه ذكر " صَعدة " وهو الرمح القصير عندهم بغير شك.
وقال في رمح وسنان:
له فارطٌ ماضي الغِرار كأنَّه ... هلالٌ بدا في آخر الليل ناحلُ
أصَمّ إذا ما هُزَّ مارتْ سَراتُهُ ... كما مار ثعبانُ الرّمالِ الموائلُ
أعرابي:
لقد علمتْ عرسي أُمامةُ أنَّني ... طويلٌ سنا ناري بطيء خمودُها
إذا حلَّ أضياف الفلاة فلم أجد ... سوى خشب الأطناب شبّ وقودُها
إذا لم تجد إلاَّ الكريمةَ للقِرى ... فرِدْ نفسَها إنَّ المنايا تُريدُها
آخر:
إذهبْ فلا يُبعدنك اللهُ من رجلٍ ... دفَّاع ضيم وطلاَّبٍ بأوتارِ
قدْ كنتَ تحمل قلباً غير مهتضم ... مركَّباً في نصابٍ غيرِ خوَّارِ
جميل:
وقد زعمتْ أنِّي سأرضي بها العدَى ... سرقت إذاً يا بثن زادَ رفيقي
عمِيتُ إذاً يا بثن حتَّى يقودني ... إليك العِدَى لا أهتدي لطريقي
الشَّمردل اليربوعيّ:
ألا لا أُبالي من أتاه حمامُهُ ... إذا ما المنايا عن بجير تجلَّتِ
يكون أمام الخيل أوَّلَ فارس ... ويضرِبُ في أعجازها إنْ تولَّتِ
ومن هذا أخذ البحتري قوله:
طليعتهم إن وجَّه الجيشُ غازياً ... وساقتهُم إن وجَّه الجيشُ قافِلا
стр. 30
وقد ذكرنا نظائر هذا المعنى، وأكثرها فيما كتبنا في هذا الكتاب، وبقيت تأتي في مواضع أخر.
أعرابي وذكر قوماً أبادهم الدهر:
ولقد ترَى ناديهم وكأنَّه ... طوق المجرَّةِ غُرَّةً وتماما
أُمراء غير مؤمَّرين ترى لهم ... أمراً وهم من قدرهم إعظاما
مثل هذا قول الآخر:
إنَّ الأميرَ هو الَّذي ... يضحي أميراً عند عزلهْ
إنْ زال سلطان الإما ... رة كانَ في سلطان فضلِهْ
أعرابي:
لا تَبحثَنْ مولاكِ عمَّا بقلبه ... ولا ترتَقي مرقاتَه حين يغضبُ
فبعضُ اجْتماع الحيّ أطوع فرقة ... وبعضُ التَّنَحِّي من صديقك أقربُ
هذا المعنى كثير جداً، ولو ذهبنا إلى استقصائه كان كتاباً منفرداً، وإنَّما نأتي من النظائر بما عزّ وقلّ في أيدي الناس، ومن أحسن ما قيل في هذا المعنى قول سعيد بن حميد:
رُبَّ هجر يكون خيفة هجر ... وفراقٍ يكون خوف فراقِ
ومن أحسن ما قيل في مشي النساء ما قال بعض الأعراب:
فقمن بطيئاً مشيهن تأوّدا ... على قصبٍ قد ضاقَ عنه خلاخِلُه
كما هزَّت المرّانَ ريحٌ فحرَّكت ... أعاليَ منه وارْجحنَّتْ أسافلُه
أعرابي:
فيا لله يشتمني قعين ... تعالى اللهُ ربِّي ذو الجلالِ
فتى إن يرضَ لا ينفعْك شيئاً ... وإن يغضبْ فإنَّك لا تُبالي
وقد أخذه ابن الرومي فقال:
غضبتَ وطُلْتَ من سفه وطَيش ... تهزهزُ لحيةً في قدِّ رُقْشِ
فما افترقتْ لغضبتك الثّريَّا ... ولا اجتمعتْ لذاك بناتُ نعشُ
وقول ابن الرومي هذا أجود من الأول لفظاً وزيادةً في المعنى، ومثل الأول قول الآخر:
أبو عامر كالنَّاس يرضَى ويغضبُ ... ويبعد في بعضِ الأمور ويقربُ
ولكن رضاه ليس يُجدي قلامةً ... فما فوقَها وسخطه ليس يرهبُ
أخيرُ من هذا كلّه قوله:
أرعِدْ وأبرِقْ يا يز ... يدُ فما وعيدُك لي بضائرِ
стр. 31
ولشتَّان بين قول هذا في الغضب وقول جرير:
إذا غضبتْ عليك بنو تميم ... حسبتَ النَّاس كلَّهم غِضابا
وبين قول بشار بن برد:
إذا ما غضِبْنا غضبةً مضَرِيَّةً ... هتكْنا حجابَ الشَّمس أو قطرتْ دما
ومثل المعنى الأول في الاستهانة بالغضب قول أبي على البصير:
يا أبا العَيناء لا تَغْ ... ضَبْ وإنْ تغضبْ فأَهوِنْ
الأعشى:
أبا لِموتِ خَشَّنني عباد وإنما ... رأيتُ منايا القوم يسعَى دليلُها
فما مِيتةٌ إنْ مُتُّها غير عاجزٍ ... بعارٍ إذا ما غالتِ النفسَ غُولُها
وله:
أبا ثابتٍ لا تعلَقَنْكَ رماحُنا ... أبا ثابت واقعُدْ فإنَّك طاعمُ
طعامَ العراق المستجادَ الَّذي ترَى ... وفي كلِّ عام كسوة ودراهمُ
فأخذ هذا المعنى الحطيئة فزاد على الأعشى زيادة بيّنة بقوله:
دعِ المكارمَ لا ترحلْ لبُغيَتِها ... واقعدْ فإنَّك أنتَ الطَّاعمُ الكاسي
وما أقرب هذا المعنى من قول الآخر:
إذا ما كنت ذا أكل وشُرب ... فلا تطمَحْ إلى نيلِ المعالي
هذا ضد قول امرئ القيس:
فلو أنَّ ما أسعَى لأدنَى معيشةٍ ... كفاني ولم أطلبْ قليل من المالِ
ولكنَّما أسعَى لمجد مؤثَّلٍ ... وقد يُدركُ المجدَ المؤثلَ أمثالي
أعرابي من بني عامر وخطب امرأة منهم كانت قد تزوَّجت قبله وكان لها مال فلم تتزوجْه وردَّته فقال:
أترجو العامريَّة زوج صدقٍ ... وقد زادتْ على مائة سنُوها
يُطفطفُ ما يريد الزوج منها ... وأنْتنَ في طويل العمر فُوها
ونُقِّل رحلُها في كلِّ حيٍّ ... وجرَّبتِ الرجالَ وجرَّبوها
فما وجدوا مناسبَها كراماً ... ولا هُم عند خلوتها رضُوها
ولا هي بالولود لمن أتاها ... ولو ولدتْ لَشينَ بنُوها
وفيها لابنها خِزيٌ طويلٌ ... كما قد كانَ أخزاها أبُوها
عمرو بن معد يكرب:
أعاذلَ إنَّما أفنَى شبابي ... ركوبي في الصِّريخِ إلى المنادِي
أعاذلَ شِكَّتى بدَنِي ورُمحي ... وكلّ مقلّص سلِس القِيادِ
ومثله قول الآخر:
وأفنَى شبابي قِراع الكُماة ... وإلجام خيل وإسراجُها
وقال آخر:
إنَّما أفنَى شبابي أنَّني ... أركبُ اللَّيلَ إذا نامَ الدثورُ
قد تقدَّم شيء من نظائر هذا المعنى في صدر هذا الكتاب.
سلمة بن رِشْك اليشكريّ:
عاودَ القلب خبالٌ رَدَعَهْ ... كلَّما قلتُ تناهى صَدَعَهْ
وجوى من حبِّ سلمى مضمرٌ ... أتعبَ القلبَ وأبْدى جزعَهْ
стр. 32
وصديق السُّوء لا تأخذه ... بل جميلُ الرَّأي في أن تدعَهْ
فاجْتَنِبْه واجتنبْ أشياعَهُ ... إنَّ من آخَى لئيماً وضعَهْ
أما قوله: " إنَّ من آخى لئيماً وضعه " مثل قول الأنصاري:
سَلِي عن جليسي من الندِيّ ومألَفِي ... ومن هوَ لي عند الأمور ظهيرُ
وقريب منه قول علي بن الجهم:
نبيلُ الصديق والعدوّ وإنَّما ... يعادي الفتَى أكفاءه ويُصالحُ
إلاَّ أنَّ بيت علي بن الجهم أشد استيفاء للمعنى وأحسن في اللفظ ممَّن تقدمه، وما يعرف في هذا المعنى مثل بيت عليٍّ هذا جودةً وفصاحة وحسناً.
ومثله:
يُقاسُ المرءُ بالمرءِ ... إذا ما المرءُ ماشاه
والأصل في هذا قول عدي بن يزيد:
عن المرءِ لا تسأل وسل عن قرينه ... فإنَّ القرين بالمقارنِ مقتدي
أعرابي من كندة:
إن تهجُ كندةَ ظالماً ... لم تنجُ من أظْفارها
وهُم إذا ما الحربُ شبَّ ... تْ يصطلون بنارِها
واعلمْ بأنَّك والملي ... كَ لشاربٌ بعُقارها
إنْ لم تُصبك بنارها ... يتلِفْك حرُّ شرارها
الأخطل:
لعمري لئن أبصرتُ قصدي لربَّما ... دعاني إلى البِيض الحِسان دليلُها
ووحشٍ أرانِيه الصِّبا فاقتنصتُهُ ... وكأس سُلافٍ باكرتْني شَمولُها
فما لبَّثتْني أنْ حنَتْني كما ترَى ... قصيرةُ أيَّام الفتَى وطويلُها
وما يَزدهيني في الأمورِ أخفُّها ... ولا أضلعَتْني حين نابَ ثقيلُها
آخر:
قومي هم قتلوا أُميم أخي ... فإذا رميتُ يُصيبُني سهمي
فلئن عفوتُ لأعفُونْ جَلَلاً ... ولئن قتلتُ لأُوهِنَنْ عَظمي
قد تقدَّم لهذا المعنى فيما كتبناه نظائر كثيرة، وممَّا لم نكتب منها قول العبديّ:
نُطاعنُ قومَنا بمثقَّفاتٍ ... تردّ القِرنَ منجدلاً نزيفا
ولم أرَ مثلَنا يومَ التقيْنَا ... تَفُلُّ سيوفُنا منَّا سُيوفا
وهذان البيتان من أحسن ما قيل في هذا المعنى وصفاً ولفظاً، ولقد جوَّد أبان العنبريّ أيضاً في قوله وذكر هذا المعنى:
نُغادي آل مرَّة كلّ يومٍ ... بأسيافٍ وأرماح لِدانِ
ونعلمُ مثلَ علمهمُ بأنَّا ... نُقطِّعُ بالبَنان قوى البنانِ
أعرابي من بني الحارث بن كعب:
بني عمّنا لا تَنطقوا الشعرَ بعدَما ... دَفنتُم بصحراء الغَميم القوافِيا
فلسْنا كمن كنتم تُصيبونَ مرَّةً ... فنقبَل ضَيماً أو نحكِّم قاضِيا
ولكنَّ حكم السَّيف فينا محكَّمٌ ... فنرضَى إذا ما أصبح السيفُ راضِيا
فإنْ قلتمُ إنَّا ظلمنَا فلم نكنْ ... ظلمنا ولكنَّا أسأنَا التَّقاضِيا
آخر:
إذا ما أراد اللهُ ذلَّ عشيرةٍ ... رماها بتشتيتِ الهوَى والمجادلِ
وأوَّل عجز القوم عمَّا ينوبُهم ... تدافعُهم عنه وطولُ التواكلِ
الأحيمر السعديّ وطرده قومه لكثرة جناياته:
وإنِّي لأستَحْيي من الله أنْ أُرَى ... أُجرِّرُ حبلاً ليس فيه بعيرُ
وأنْ أسألَ الوغدَ البخيلَ بعيرَه ... وبُعْرانُ ربِّي في البلادِ كثيرُ
عوَى الذئبُ فاستأنستُ للذئب إذ عوَى ... وهينَمَ إنسانٌ فكدتُ أطيرُ
بعض الأعراب:
رُجحٌ فلسنَ من اللَّواتي بالضُّحى ... لذيولهنَّ على الطريقِ غُبارُ
وإذا خرجنَ يعدنَ أهل مصيبةٍ ... كانَ الخُطا إسراعُها الأشبارُ
يأنَس عند بعولهنَّ إذا خلَوْا ... وإذا هُم خرجوا فهنَّ خِفارُ
стр. 33
وكلامهنَّ كأنَّما مرفوعُهُ ... بحديثهنَّ إذا التقينَ سرارُ
من ههنا أخذ أبو تمام قوله:
فالمشيُ همس والنداءُ إشارة ... خوفَ انتقامك والحديثُ سرارُ
جرير:
طرقتْ نواحلَ قد أضرَّ بها السُّرى ... برِحتْ بأذرعها نتائفَ زُورا
مشق الهواجرُ لحمهنَّ مع السُّرى ... حتَّى ذهبنَ كلاكِلاً وصُدورا
حور يُربِّبُها النعيمُ وصادفتْ ... عَيشاً كحاشية الفرند غريرا
ما قاد من عرب إليَّ جوادهم ... إلاَّ تركتُ جوادهم محسورا
وإذا هززْتُ قطعتُ كلَّ ضَريبة ... ومضيتُ لا طَبِعاً ولا مبهورا
جميل:
ألا يا خليل النَّفس هل أنت قائلٌ ... لبثنة سرّاً هل إليك سبيلُ
فإن هي قالت لا سبيلَ فقل لها ... عناءٌ على العذريِّ منكِ طويلُ
أعرابي:
وربَّ مصاليط نشاط إلى الوغى ... سِراع إلى الدَّاعي كرامِ المقادمِ
أخضتُهم بحر الحِمام وخُضتُه ... رجاءَ ثوابٍ لا رجاءَ المغانمِ
فأُبْنا وقد حزنا النهابَ ولم نُرد ... سوى الموتِ غنماً وابتناء المكارمِ
أعرابي يمدح ابنه:
تنجَّبْتُها للنسل وهي غريبة ... فجاءتْ به كالبدرِ خِرقاً مُعمَّما
فلو شتم الفتيان في الحيِّ ظالماً ... لما وجدوا غير التَّكذُّب مَشتَما
المعمَّم عندهم السّيد يلجأون إليه في النوازل، وكذلك المعصَّب، ومثله:
منعتُ من العُهَّار أطهارَ أُمِّه ... وبعض الرِّجال المدَّعين غثاءُ
فجاءتْ به عبلَ الذِّراع كأنَّما ... عِمامتُهُ فوق الرِّجال لواءُ
" عمامته فوق الرجال لواء " معنى جيّد، وهم يصفون السيد بالطُّول، والأصل في ذلك قول عنترة:
بطلٌ كأنَّ ثيابَه في سرحةٍ ... يُحذَى نعالَ السَّبتِ ليس بتوأَمِ
أخذه أبو نواس فقال:
أشمُّ طوالُ السَّاعدَين كأنَّما ... يُناط نِجاداً سيفِه بلواءِ
وردَّه في موضع آخر فقال:
غَمَرَ الجماجِمَ والرِّجالُ قيامُ
وهذا كثير ونحن نأتي به في موضعه.
أعرابيّ:
أَلا قالت الخنساء يوم لقيتُها ... كبرتَ وما تجزع من الشَّيب مَجْزَعا
رأتْ ذا عمًى يمشي عليها وشيبةً ... تقنَّعَ منها رأسُهُ ما تقنَّعا
فقلتُ لها لا تهزئي بي فقلَّما ... يسودُ الفتَى حين يشيبَ ويصلَعَا
وللقارحُ اليَعبوبُ خَير عُلالةً ... من الجذَع المُزجَى وأبعدُ منزَعا
قوله: " وللقارحُ اليَعبوبُ " البيت، معنى جيد، يريد أن الكهول الذين لاقوا الحروب دفعة بعد أخرى أصبرُ عليها وأقدم فيها من الشَّباب، مثله:
وابنُ اللَّبونِ إذا ما لزَّ في قرَنٍ ... لم يستطع صولةَ البُزْلِ القَناعيسِ
معنى جيد يريد أن الكهول الذين قد لاقوا الحروب دفعة بعد أخرى أصبر عليها وأقدم فيها من الشباب الذين لم يتمهَّروا فيها وهم أيضاً أشحُّ على الحياة من الكحول، والكهول أيضاً يعلمون ما في الفرار من العار والقالة القبيحة فهم يقدمون خشية ذلك. ومثل هذا المعنى قول الشاعر:
لعمركُ للشبانُ أسرع غارةً ... وللشيبُ إنْ دارتْ رحى الحربِ أصبرُ
يقول: إن الشبان، لما فيهم من الجهالة، أسرعُ إلى الحرب، والمشايخ أصبر فيها وأبعدُ من الفرار عنه، وقال آخر:
يُرَى الغِرُّ عن ورد الكريهة مُحجِماً ... إذا الكهل في ورد الكريهة أقدَما
وما يستوي الاثنان هذا مُوَقَّحٌ ... وهذا تراه في الحروبِ مُحرَّما
وقد أخذ البحتري هذا المعنى فأجاده وهذَّبه بطبعه فقال:
يُهالُ الغلام الغِرُّ حتَّى يرُدُّه ... إلى الهولِ من مكروهها الأشيبُ الكهلُ
ومثله قول جرير وجاء به مثَلاً:
وابن اللَّبونِ إذا ما لَزَّ في قرَنٍ ... لم يستطع صَولة البُزل القناعيسِ
وقال العنبريّ ووصف حرباً:
تهولُ الإفلَ إذا أُضرمتْ ... وليس تهولُ الفحولَ القُرومَا
ولهذا المعنى نظائر تأتي في مواضعها.
أعرابيّ يمدح بعض الخلفاء:
على خَشَبات الملك منه مَهابَة ... وفي الرَّوع عبل السَّاعدين فروعُ
يشقّ الوغى عن وجهه صدق نجدة ... وأبيضُ عن ماء الحديد صنيعُ
السموأل بن عاديا:
إنِّي إذا ما الأمرُ بُيِّنَ شكّه ... وبدتْ عواقبُه لمن يتأمَّلُ
وتبرَّأ الضُّعفاء من إخوانهم ... وألحَّ من حُرِّ الصَّميم الكلكلُ
أدَعُ الَّتي هي أرفقُ الحالاتِ بي ... عند الحفيظةِ للَّتي هي أجملُ
لبعض الخوارج يقول لامرأته وكانت ترى رأيه وأراد الخروج فقالت: أخرجْني معك، فقال:
إنَّ الحروريَّةَ الحرَّى إذا ركبُوا ... لا تستطيع لهم آمالُك الطَّلَبا
إنْ يركبُوا فرساً لا تركبي فرساً ... ولا تُطيقي مع الرجَّالة الخبَبَا
أعرابيّ:
أراني في بني حكَم قَصِيَّا ... غريباً لا أزورُ ولا أُزارُ
أُناس يأكلونَ اللَّحمَ دوني ... وتَأتيني المعاذرُ والقُتَارُ
ومثله قول الآخر:
إذا مدَّ أربابُ البيوت بيوتَهم ... على رُجُح الأكفال ألوانُها زُهرُ
فإن لنا منها خباءً تحفُّهُ ... إذا نحنُ أمسيْنا المجاعة والفقرُ
أعرابيّ:
ألم تسألْ فوارسَ من سُليم ... بنَضْلَةَ وهو موتورٌ مُشيحُ
رأَوهُ فازدرَوه وهو خرقٌ ... وينفعُ أهلَه الرجلُ القَبيحُ
فلم يخشَوْا مَصَالتَه عليهم ... وتحت الرُّغوةِ اللَّبنُ الصَّريحُ
فأطلقَ غُلَّ صاحبِه وأردَى ... جريحاً منهم ونجَى جريحُ
فأما قوله: " رأوه فازدروه " البيت مأخوذ من قول الأول:
ترى الرَّجُل النحيفَ فتزدريه ... وفي أثوابهِ أسَدٌ يَزيرُ
ونظر أبو تمام إلى قوله: " وتحت الرُّغوةِ اللَّبنُ الصَّريحُ ":
وليستْ رَغوتي من تحت مَذْقٍ ... ولا جَمْري كمينٌ في الرمادِ
ليلى ابنة النضر بن الحارث بن كلدَة تخاطبُ النبي ﷺ وقد قتل أباها النضر بن الحارث صبراً عند منصرفه عن غزوة بدر:
أبْلغ بها ميتاً فإنَّ قصيدة ... ما إنْ تزال بها الركائبُ تخفِقُ
ولَيَسْمَعَنِّي النضرُ إن ناديتُهُ ... إن كانَ يسمعُ ميّتٌ أو ينطِقُ
ظلَّتْ سيوف بني أبيه تنوشُهُ ... لله أرحامٌ هناك تشقَّقُ
قسراً يُقادُ إلى المنيَّة مُتعباً ... رسفَ المقيّد وهو عان مُوثَقُ
أمحمدٌ ها أنتَ صِنوُ نجيبة ... من قومها والفحلُ فحلٌ معرِقُ
ما كانَ ضرَّك لو مننْتَ وربَّما ... منَّ الفتَى وهوَ المغيظُ المُحنقُ
فيقال أنَّ النبي ﷺ قال: لو سمعتُ شِعرها قبلَ أن أقتله ما قتلته. أما قولها: " ظلَّت سيوف بني أبيه تنوشُهُ " البيت، فمن قول الآخر:
ألم ترنا والله يصلح بينَنا ... نُقطِّعُ من أرحامنا ما توصَّلا
ومنه أخذ الآخر قوله:
إذا وصلَ الناسُ أرحامَهم ... فإنَّا نُقطِّعها ظالِمينا
ولولا اتّقاءُ كلام العداةِ ... لكنَّا لأرحامنا واصِلِينا
هذا ذكر أنَّ قطيعة أرحام أقربائه في الحرب خوفاً من المعائر التي تلحق النَّاس عند تغافلهم عن طلب ثأرهم. وإلى مثل هذه المعاني نظر البحتري وغيره ممَّن ذكرنا أقاويلهم في مواضع من كتابنا.
أبو نزار العقيلي يقول لعقيل بن مرَّة الأشجعي:
يظنُّ عقيلٌ أنَّ من نالَ مجلساً ... وخلوةَ يوم منه نالَ غنى الدَّهرِ
فقل لعقيل ليس هذا كما ترَى ... نبيذك لم يُخلق أماناً من الفقرِ
لبعض خوارج الأعراب وهو قطريّ بن الفجاءة:
أقولُ لها إذا جاشتْ حياء ... من الأبطالِ ويحَك لن تُراعِي
فإنَّكِ لو طلبتِ حياةَ يوم ... على الأجلِ الَّذي لكِ لَن تُطاعي
فصبراً في مجال الموتِ صبراً ... فيما نيلُ الخلودِ بمُستطاعِ
وما ثوبُ الحياةِ بثوب عزٍّ ... فيُطوَى عن أخي الخَنَع اليَراعِ
سبيلُ الموتِ غايةُ كلّ حيٍّ ... وداعِيه لأهل الأرض داعِي
ومَن لا يُعتبطْ يهرَمْ ويسأَمْ ... ويُفضِ به البقاءُ إلى انقطاعِ
قوله: " أقول لها " البيت، شبيه بقول ابن الإطنابة:
أقولُ لها إذا جشأَتْ وجاشتْ ... مكانكِ تُحمَدي أو تستريحِي
وقد ذكرنا ما في هذا البيت من العيب فيما تقدم من الكتاب.
وأما قوله: " فإنك لو سألت " البيت، قد أخذه بعض العرب فقال:
فإنِّي لو طلبتُ حياةَ يوم ... على أجَلي لكانَ مدًى بعيدا
وقال الآخر:
فلا تكُ طامعاً في عيشِ يوم ... إذا وافاك يومٌ لا يُرَدُّ
وهذا كثير جدّاً في القديم والمحدث من أشعارهم.
وأما قوله: " ومَن لا يُعتبطْ يهرَمْ ويسأَمْ " البيت، فكما قال أمية بن أبي الصلت الثقفي:
من لم يمُتْ عبطةً هرَما ... فالموتُ كأسٌ والمرءُ ذائقُها
وهذا أيضاً كثير ولذلك أقصرنا عن الإسهاب فيه.
ولبعض الخوارج أيضاً:
إلى كَم تُعاديني السيوفُ ولا أَرَى ... مُعاداتَها تُدني إليَّ حِمامِيَا
أُقارعُ عن دار الخُلود ولا أَرَى ... بقاءً على حال لما ليس باقِيَا
ولو قرَّب الموتَ القِراعُ لقد أَتَى ... لموتيَ أن يدنو بطولِ قِراعِيَا
أُغادِي جلادَ العَالمين كأنَّني ... على العسَل الماذيِّ أُصبحُ غادِيَا
وأدعو الكُماةَ للنِّزال إذا القنا ... تحطَّمَ فيما بيننا من طِعانِيَا
ولستُ أرَى نفساً تموتُ وإن دنتْ ... من الموتِ حتَّى يبعثَ اللهُ داعِيَا
ولآخر منهم:
لا يركنَنْ أحدٌ إلى الإحجام ... يومَ الوغَى متخوِّفاً لحِمامِ
فلقد أراني للرِّماحِ درِبَّة ... من عن يميني تارةً وأمامِي
ثمَّ انصرفتُ وقد أَصبتُ ولم أُصبْ ... جذَعَ البَصيرة قارحَ الأقدامِ
قيس بن عاصم المنقريّ:
إنِّي امرؤ لا يطَّبي حَسَبي ... سَفَه يكدّره ولا أمنُ
من مِنقَر في بيتِ مكرمةٍ ... والغصنُ ينبتُ حوله الغصنُ
حُلَماء حين يقول قائلُهم ... بيضُ الوجوه مصاقعٌ لُسْنُ
لا يفطَنون لعَيب جارِهم ... وهمُ لحفظ جواره فُطْنُ
وله أيضاً:
إنْ يسمعوا ريبةً طاروا بها فرَحاً ... عنِّي وما سمِعوا من صالحٍ دفَنوا
صُمٌّ إذا سمعوا خيراً ذكرتُ بهِ ... وما ذكرتُ به من سيِّئٍ.....
وقال بعض لصوص العرب:
وطالَ احتضاني السَّيف حتَّى كأنّما ... يلاط بكشحي جفنُهُ وحمائلُهْ
أخو فلواتٍ صاحَب الجنَّ وانْتأَى ... عن الإنسِ حتَّى قد تقضَّتْ وسائلُهْ
له نسب الإنسيِّ يُعرف نَجْرُهُ ... وللجنِّ منه شكلُهُ وشمائلُهْ
أما قوله: " وطال احتضاني " البيت، مثل قول الآخر:
وطال احتضاني الرمح حتَّى كأنّما ... علَى منكبي غصنٌ من الأثل نابِتُ
أعرابيّ قطعت يده ورجلُه:
اللهُ يعلَم أنِّي من رجالهم ... وإن تقطّع عن مَتنيَّ أطماري
وإن رُزِئتُ يداً كانت تُجمِّلُني ... وإن مَشيتُ على زُجٍّ ومِسمارِ
أعرابيّ:
لا تَحْقرنَّ سُبَيباً ... كم فاد خيراً سُبيبُ
وقد بقي لهذا المعنى نظائر تأتي في مواضعها إن شاء الله.
وقال ودَّاك بن ثُميل المازنيّ:
مقاديمُ وصَّالون في الرَّوع خَطوهم ... بكل رقيق الشفرتَين يَمانِ
إذا استُنجدوا لم يسألوا من دعاهم ... إلى أيّ حيٍّ أم بأيّ مكانِ
أما قوله: " مقاديم " البيت، فالأصل فيه قول قيس بن الخطيم:
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنُضاربُ
وقد ذكرنا هذا وشيئاً من نظائره فيما تقدَّم، وبقيت أشياء لم نذكرها هناك، منها قوله:
إذا الكُماةُ تنحَّوا أن ينالَهمُ ... حدَّ الظباة وصلناها بأيدينا
وأخذه آخر فقال:
وصلْنا الرقيقَ المرهفاتِ بخَطْونا ... على الهول حتَّى أمْكنَتْنا المضاربُ
وقال بعض الرجَّاز في مثل هذا:
الطاعنون في النُّحور والكلى ... والواصلون للسيوف بالخُطى
وقال آخر:
سَلَّ السيوف وخُطًى تزدادُها
وقال معن بن أوس المزني:
فلا وأبي حبيبٌ ما نفاه ... هوازنُ من بلاد بني يمانِ
وكان هوى الغنيِّ إلى غناه ... وكان من العشيرة في مكانِ
تكنّفَهُ الوشاةُ فأزعجوهُ ... ودسُّوا من قضاعة غيرَوانِ
ولولا أنَّ أمَّ أبيه أُمِّي ... وأنّي من هجاه فقد هجاني
إذاً لأصابه منِّي هجاءٌ ... تناقله الرواة على لِساني
أعلِّمه الرماية كل يوم ... فلمَّا اشتدَّ ساعدهُ رماني
يُروى بالسين غير معجمة من السداد في الرمي وبالشين معجمة أكثرُ، أخذ دِعبل هذا المعنى فقال:
إنْ عابني لم يعِبْ إلاَّ مؤدِّبَه ... فنفسَه عاب لمّا عاب أدَّابَهْ
وكان كالكلب ضرَّاهُ مكلِّبهُ ... لصيده فغدا فاصْطادَ كلاَّبَهْ
أعرابي:
وإنِّي لأطوي البطن من دون ملئه ... لمستنبح في آخر الليل صائحِ
وإنَّ امتلاءَ البطن في حسب الفتَى ... قليل الغناء وهو في الجسم صالحِ
من جيد ما قيل في هذا المعنى ونادره قول الشاعر:
أُقسِّم جسمي في جسومٍ كثيرة ... وأحْسو قَراحَ الماء والماءُ باردُ
وقد ذكرنا هذا وشيئاً من نظائره في أوّل الكتاب.
أعرابيّ يلقَّب بالمُفَرِّق:
ونُبِّئتُ أخوالي أرادوا عمومتي ... بشَنعاء فيها ثامل الشرّ منقَعا
سأركبها فيكم وأدعى مفرِّقاً ... فإن شئتمُ من بعدُ كنتُ مُجمِّعا
بهذا البيت سمِّيَ مُفرِّقاً.
أعرابيّ:
سقَّى الرَّبابَ مجَلجِلُ ال ... أكنافِ لمَّاحٌ بروقُهْ
جَونٌ تكفكفُه الصَّبا ... وهْناً وتَمريه خريقُهْ
حتَّى إذا ما ذرعُهُ ... بالماءِ ضاق فما يُطيقُهْ
حلَّتْ عزالِيَه الجَنو ... بُ فنجَّ واهيةً خروقُهْ
أأبا شُرَيح هل ترى ... أفقاً يؤرِّقُني بُروقُهْ
أعلى ذُؤابة حضرمو ... ت فبطن واديها طريقُهْ
صابتْ عليه هواطلٌ ... حتَّى يُغَرْغرها عميقُهْ
ولقد غدوتُ مُناهباً ... بأقبَّ لم توسَم فليقُهْ
نهدِ التَّليل مُشايحٍ ... كالجذع شذّبَهُ سحوقُهْ
طاوي الأياطل سابحٍ ... كالذّئب طال به خفوقُهْ
أعرابيّ:
فإنْ يمنعوا منّا السلاحَ فعندنا ... سلاحٌ لنا لا تُشترى بالدّراهمِ
جنادِل أملاءُ الأكفِّ كأنَّها ... رُؤوسُ رجالٍ حُلِّقت بالمواسمِ
رُوي أنَّ غلاماً من الأعراب أراد أن يمضي مع قوم من بني عمّه إلى حرب كانت لهم، فقال لهم: تجنَّبوا النبل فإنَّها رسل المنيَّة، واحذروا الرماح فإنَّها أرشية الموت، وتوقَّوا السيوف فإنَّها لا سوء بعدها، قالوا: فيم نقاتل؟ فقال: بقول الشاعر:
стр. 34
جنادل أملاء الأكف كأنها ... رؤوس رجال حلّقت بالمواسم.
أعرابيّ:
نظرت إلى نار لعصماء أوقِدَتْ ... وفي القوم عنها والمطيّ صُدودُ
أكاتِم أصحابي هواها وليتَني ... لما بين أيدي المصطلين وقودُ
حبس بعض الولاة أعرابياً وقيَّده بقيدين فقال:
حبوني بخلخالين ليسا بفضَّة ... ولا ذهب عارٌ عليَّ يسيرُ
وقد وعدوني ثالثاً من قيودهم ... وإنِّي بقيد رابعٍ لظهيرُ
وقال جعفر بن عُلبة الحارثي:
وقد قلت يوماً للفريقين عرِّجا ... عليَّ وشدّا لي على جملي رحلي
ولا تعجلا بي بارك الله فيكما ... فقد كنت وقَّافاً على ذي هوى مثلي
أعرابيّ:
فأبْلغ عامراً عنِّي رسولاً ... وهل تجد النصيح بكلّ وادِ
تعلَّمْ أنَّ أكثر من تراهم ... وإنْ ضحكوا إليك من الأعادي
وقال عمار بن ثقيف الهلالي:
يا ربّ قائلة يوماً لجارتها ... هل أنتِ مخبرتي ما شأنُ عمّارِ
قالتْ أرى رجلاً بادٍ أشاجعُه ... كأنَّه ناقهٌ أو نضو أسفارِ
إمّا تريني لجسمي غير محتشدٍ ... فإنَّني حشد للضيف والجارِ
وما على الحرّ أن تعرى أشاجعُه ... أو يلبس الخلَق المرقوع من عارِ
هذا البيت مثل قول الآخر:
قد يدرك الشرفَ الفتَى ورداءهُ ... خلَق وجيبُ قميصه مرقوعُ
وهذا البيت أجود لفظاً وإغراقاً في المعنى.
أعرابيّ:
أكرمْ أخاك الدهرَ ما كنتما معاً ... كفى بالمماتِ فرقة وتنائِيا
إذا جئتُ أرضاً بعد طول اجتنابها ... تنكَّرتُ أهلي والبلاد كما هيا
أما البيت الأول فمثل قول العجّاج:
واسْتَعجلَ الدَّهر وفيه كافِ ... لفرقة الأحباب والأُلاَّفِ
وأخذه آخر فقال:
فلا تسبق بهجرك ريبَ دهر ... فإنّ الدَّهر يفعل ما يُريد
وأخذه آخر فقال:
كفى بمرور الدَّهر يا أمَّ مالك ... وبالموتِ قطَّاعاً لكلّ قرين
وأخذه عبيد الله بن عبد الله بن طاهر فقال:
رُويدكِ إنَّ الدَّهر فيه كفاية ... لتفريقِ ذات البين فانتظري الدهرا
وقوله " إذا زرتُ أرضاً بعد طول اجتنابها " مثل قول زهير:
بلينا وما تَبْلى النجومُ الطوالعُ ... وتبقى الجبالُ بعدنا والمصانعُ
أعرابي ومدح قوماً:
وعافوا حياض الماءِ فاختلَجتْهم ... حياضُ المنايا عن لئيم المشاربِ
فماتوا ظماءً خيفة العار وابتنَوا ... مكارمَ ناطوا عزّها بالكواكبِ
شرَوا أنفساً كانوا قديماً أضِنَّةً ... بها طمعاً في باقيات العواقبِ
فأضحَوا وهم سنُّوا الوفاء وأورثوا ... مواريثَ مجد ذكرُها غيرُ ذاهبِ
هذا مثل قول الآخر:
إنَّ الألى بالطَّف من آل هاشم ... تآسوا فسنَّوا للكرام التآسِيا
أعرابي:
ألا طرقَت أسماءُ رَحْلي ودونها ... حِقافٌ ومنقاد من الرمل أعْنَقُ
ألمَّتْ بكالسَيف المحلّى ونضوة ... لها مدمعٌ خِلو ولَحْيٌ معرَّقُ
سرى ما سرى ثمَّ استغاث برفعه ... وقد لاح شِمراخٌ من الصبح أبلقُ
أقال لكِ الواشون باح وصدرُه ... على بعض أطراف الودائع مُغلقُ
وما باح إلاَّ أنَّ إنسانَ عينه ... لذكراك من ماءِ الصبابة يَعْرقُ
عليه متعلق في قوله " على بعض أطراف الودائع مغلق " لأنه ذكر بعضاً ولم يذكر كلاً، فيجوز أن يكون أذاع من سرِّها شيئاً وكتم شيئاً.
أعرابي يهجو أباه:
إذا كانت الآباءُ مثل أب لنا ... فلا أبقتِ الدُّنيا على ظهرها أبا
إذا شابَ رأس المرء أقصر وارعوى ... وإنَّ أبانا حين شاب تشبَّبا
أعرابي يهجو قوماً وهو زياد الأعجم:
فمَنْ أنتم إنّا نسينا من أنتم ... وريحكُم من أيّ ريح الأعاصرِ
أأنتم أولى جئتم مع البقل والدَّبَى ... فطارَ وهذا شخصُكم غير طائرِ
فلم تعرِفوا إلاَّ بمن كان قبلكم ... وما تدرِكوا إلاَّ مدَقَّ الحوافرِ
لمّا أسنَّ قيس بن زهير العبسي وضجر من الحروب التي كانت بينه وبين بني ذبيان وغيرهم من العرب، أشار على قومه بالرجوع إلى قومهم ومصالحتهم، فقالوا: سِرْ نَسِرْ معك، فقال: لا والله لا اطلعتْ في وجهي ذبيانيةٌ قتلتُ أباها أو أخاها أو زوجها أو ولدها؛ ولكن الحقوا بقومكم ودعوني. فلحقوا بقومهم وصالحوهم. وكان قيس بن زهير يدور في الفيافي ويتقمّمُ العشب ولا يقرب حيّاً من أحياء العرب لأنَّ العرب كانت تعظم أمره وفتكه وتطيَّرُ بالنظر إليه. فبينا هو في ليلة قرَّة في بعض الفلوات إذ نظر إلى صائد قد أورى ناراً فقصده يستطعمه وكان قد مكث دهراً لم يطعم غير العشب، فلمَّا همّ بذلك أنِفَ وقال: إنَّ بطناً يحملني على هذه الخطّة لبطن سوء، والله لا أدخله شيئاً حتَّى أموت ولم يطعم شيئاً حتَّى مات، فقال فيه بعض قومه:
إنَّ قيساً كان ميتته ... كرماً والحيُّ منطلِقُ
شام ناراً باللّوى اقتدحتْ ... وشجاع البطنِ يختفِقُ
في دريسٍ ليس يستُره ... رُبَّ حُرٍّ ثوبه خَلِقُ
أعرابي يمدح رجلاً:
فتى لا تراه الدَّهر إلاَّ مشمِّرا ... ليدرك مجداً أو ليرغم لوّما
تقسّمت الأموالُ عن طيب ذكره ... وإن كان يُبكيها إذا ما تبسّما
آخر:
لعمرك ما أتلفتُ مالاً كسبتُه ... إذا كنتُ معتاضاً بإتلافه نبلا
ولا قيل لي والحمد لله غادرٌ ... ولا استحسنَتْ نفسي على صاحب بُخلا
ولا نزلتْ بي للزمان ملمَّةٌ ... فأحذر منها حين تنزل بي ذلاّ
صبرت لريب الدَّهر يحدث دائباً ... فلما رأى صبري لإحداثه مَلاَّ
أعرابي:
إذا متّ فابْكيني بثنتين لا يُقل ... كذبتِ وشرّ الباكيات كذوبُها
بعفّة نفس حين يُذكَر مطمعٌ ... وعزَّتها إن كان أمرٌ يريبُها
فإن قلتِ سمحٌ بالندى لم تكذَّبي ... فأمَّا تُقَى نفسي فربّي حسيبُها
أعرابي من بني عامر:
غداة لقينا من عبادة أسرةً ... مجرّبةَ الأيام ذات عُرامِ
إذا وصلوا أيمانهم بسيوفهم ... فليسوا على أحسابهم بلئامِ
آخر:
سنبكي بالرماح إذا التقينا ... على آبائنا وعلى بَنينا
وضرب تُرعَدُ الأحشاءُ منه ... وطعن يقلب الألوان جونا
آخر:
وفتيان صدقٍ لا ضغائن بينهم ... سريت بهم حتَّى تلين السوالفُ
غيوث إذا راحوا ليوث إذا غدوا ... صروف إذا أعيا الرجالَ المصارفُ
أعرابي:
وذات حليل أيَّمتْها رماحُنا ... قديماً وأخرى قد جعلنا لها بعلا
وما العدل أن يروى القنا من دمائنا ... وإنْ تَعرضوا من دون أوتارنا العقْلا
أعرابي ومدح قوماً:
تخالُهم للحلْم صُمّاً عن الخنا ... وخرساً عن الفحشاء عند التَّهاجرِ
ومرضى إذا لوقوا حياءً وعفّة ... وعند الحفاظ كاللّيوثِ الخوادرِ
كأنَّ بهم وصْماً يخافون عارَه ... وما وصْمُهم إلاَّ اتّقاءُ المعايرِ
قد ذكرنا هذا المعنى وشيئاً من نظائره فيما تقدم وبقيت له نظائر نذكر منها هنا شيئاً، فممّا نذكره قديماً قول الشاعر وهو مروان:
لعمرٍ على حيَّى نزار كليهما ... أيادي كريم منَّ فيها وأنْعَما
فتى لم يدَعْ باباً من الخير مغلقاً ... ولم يغشَ ممَّا حرّم الله مَحْرما
وتلقاه من فرط الحياء كأنَّه ... سقيم وإنْ أمسى صحيحاً مسلّما
وأتى به آخر فقال:
نَزْرُ الكلام من الحياء تخالُه ... ضَمِناً وليس بجسمه سُقْمُ
مُتهلِّلٌ بِنَعم بلا متباعِد ... سيّان منه الوفْرُ والعُدْمُ
شاعر من الخزرج:
وطاعنّا وللنبْلِ ... هرير يصدَعُ القلبا
فلما طاعنَ القومُ ... تركنا فيهم الضَّربا
يقول: طاعنّا بالرماح وأعداؤنا يرمون بالنبل، فلما دنا بعضُنا من بعض وأفضى أعداؤنا إلى الطعن بالرماح جالدناهم بالسيوف. وهذا المعنى من المعاني الجياد، فإن كان قائل هذا الشعر اخترعه وكان الأصلَ فيه، زاد زهير بقوله:
يطعنُهم ما ارتمَوا حتَّى إذا اطّعنوا ... ضاربَ حتَّى إذا ما ضاربوا اعتنقا
لأن زهيراً أتى بالمعنى الَّذي قدَّمنا ذكره، وهو بيتان، في بيت واحد، وله أيضاً فيه زيادة جيدة لأنه ذكر أنَّه يطعنهم وهم يرتمون ثمَّ يضربهم وهم يتطاعنون فإذا اضطربوا بالسيوف عانق، ولم يُتمِّم أحد هذا المعنى بمثل هذا، إلاَّ أنّ زهيراً أخذه بغير شكّ من المهلهل بن ربيعة التغلبي في قوله:
أنبضوا مَعجِسَ القِسيّ وأبرقْ ... نا كما يوعِدُ الفحولُ الفُحولا
وبيت المهلهل، وإن كان سابقاً للمعنى، فهو دون بيت زهير ودون بيت الأنصاريّ لأنه ذكر أنهم أنبضوا القسيّ وأبرقنا، فيجوز أن يكون أنبضوا قسيَّهم من بُعد وأبرقنا من بُعد، ولم يدنُ بعضهم من بعضٍ، وهذا غير مستوفٍ للمعنى استيفاءً جيداً. وبيت الأنصاريّ، وإن كان دون بيت زهير أيضاً، فهو أجود من بيت المهلهل لما قدّمنا ذكره من العيب الظاهر فيه. وإلى هذا المعنى نظر البحتري في قوله:
فمن كان منهم ساكتاً كنتَ ناطقاً ... ومن كان منهم قائلاً كنتَ فاعلا
ولهذا المعنى نظائر تأتي فيما يستأنف إن شاء الله.
قال عتيبة بن مرداس:
رأيتُ المعلّى ليس يُشبه عمَّه ... ولا خالَه ولا أباه المقدَّما
أولئك ما زالوا عرانينَ خندف ... إذا كان يوماً كاسفَ الشَّمس مُظلِما
وهذا فما نلقاه إلاَّ مصمِّماً ... على مال ذي القُربى وإن كان مُعدِما
فتى تكثر الأموال تحتَ عِجانه ... إذا أكثر النَّاس النَّدى والتكرُّما
تراه كماء البحر يدفع مِلحه ... لورّاده عنه وإن كان مُفعَما
من هنا أخذ البحتريّ قوله:
стр. 35
جِدَةٌ يذود البخلُ عن أطرافها ... كالبحر يدفع مِلحَه عن مائهِ
ولقد جوّد البحتري، وإن كان قد أخذ المعنى بأسره وبعض اللفظ.
أعرابيّ:
لقد بان منّا مالك وجياده ... تخمَّطُ فيما بينهن المذاودُ
ولا يبعدنك الله ميتاً فإنّما ... حياة الفتَى سير إلى الموت قاصدُ
من هنا أخذ البحتري قوله:
وكانت حياة المرءِ سوقاً إلى الرَّدى ... وأيامُه دون الممات مراحِلُ
وله مثله:
وما أهل المنازلِ غير ركب ... مناياهم رواحٌ وانتظارُ
أعرابي من كلب، يمدح مسلمة بن عبد الملك:
نزور امرأً من آل مروان لم يزل ... لنا منه عِلمٌ لا يحدُّ ونائلُ
تراه إذا ما أظلمَ الخطبُ مُشرقاً ... كمثل حسام أخلصَتْه الصياقِلُ
أخذه البحتريّ فجوَّد فيه:
يتوقَّدْن والكواكبُ مطفا ... تٌ ويقطعن والسيوفُ نوابي
هذا معنى قد اشترك فيه جماعة، فمن جوّده أبو تمام في قوله:
ترمي بأشباحنا إلى مَلِك ... نأخذُ من ماله ومن أدَبِهْ
وأخذه البحتري فجوّد فيه:
يفيض سماحةً والمزن مُكْدٍ ... ويقطع والحسامُ العَضْبُ نابِ
آخر:
نغدو فإمّا اسْتعرنا من محاسنه ... فضلاً وإمّا اسْتَمحنا من أياديهِ
ولقد أتى ابن الرومي في نهاية التجويد واستيفاء المعنى بقوله:
يقول عليّ مرَّة وأنالني ... وكان عليّاً في معانيه كاسْمهِ
أرى فضلَ مال المرءِ داء لعِرضه ... كما فضل طعم المرء داء لجسمهِ
فرحتُ برفدَيهِ وما زلت رابحاً ... برِفدَين من شتّى نداه وعلمِهِ
أبو قيس بن الأسلَت:
من يذقِ الحربَ يجدْ طعمها ... مُرّاً وتتركْه بجَعجاعِ
قد حصَّتِ البيضةُ رأسي فما ... أطعم نوماً غير تهجاعِ
أعددتُ للأعداء موضونة ... فضفاضةً كالنِّهي بالقاعِ
أحفِزُها عنِّي بذي رونق ... مهنّدٍ كالملح قطَّاعِ
هلاَّ سألتِ القوم إذ قلّصتْ ... ما كان إبطائي وإسراعي
هل أبذلُ المالَ على حبِّهِ ... فيهم وآتي دعوةَ الداعي
وأضربُ القونَس يوم الوغى ... بالسيف لم يَقْصُر به باعي
وقال يزيد بن خذاق العبدي:
لن يجمعوا ودّي ومَعْتبتي ... أو يُجمعَ السَّيفانِ في غِمْدِ
ماذا بدا لك نحتُ أثلتِنا ... فعليكَها إن كنتَ ذا حَرْدِ
ومكرتَ مُلتمِساً مذلَّتنا ... والمكْرُ منك علامةُ العَمْدِ
وهززتَ سيفك لي تحاربني ... فانظُر لسيفك من به تُردي
أخذ قوله " أو يجمع السيفان في غمد " أبو ذؤيب فقال:
تريدين كيما تجمعيني وخالداً ... وهل يُجمعُ السيفان ويحكِ في غمْدِ
وأخذه آخر فقال:
إذا جُمع السيفان في الغمد فالتمِس ... صلاحَ بني عمرو وآل رزين
ابن وعلة الشيباني:
غَدونا إليهم والسيوف عصِيُّنا ... بأيماننا نَعلو بهنّ الجماجِما
لعمري لأشبَعْنا ضِباعَ عنيزةٍ ... إلى الحول منهم والنسورَ القشاعِما
ومستلَبٍ من درعِه ورماحِه ... تركتُ عليه الذِّئبَ ينهش قائما
مقاس العائذيّ:
ألا أبلغ بني شَيبان عنّي ... فلا يكُ من لِقائكم الوداعا
إذا وضعَ الهزاهزُ آل قوم ... فزاد اللهُ حيَّكم ارتفاعا
وقد جاورتُ أقواماً كثيراً ... فلم أرَ مثلكم حزماً وباعا
أخذ القطامي قوله " إذا وضع الهزاهز آل قوم " فقال:
إذا ما الله أوضع آل حيٍّ ... فزاد الله حيَّكم ارتفاعا
قال ذو الرمّة:
وليل كجلباب العَروس ادّرَعْتُه ... بأربعةٍ والشخصُ في العين واحِدُ
أحمُّ عِلافيّ وأبيضُ صارِم ... وأعيَسُ مُهْريّ وأشْعَبُ ماجِدُ
أخذه البحتريّ فقال:
يا نديميَّ بالسواجير من ودّ ... بن عمرو وبُحتر بن عَتودِ
اطْلُبا ثالثاً سوايَ فإنّي ... رابعُ العيس والدُّجى والبيدِ
وما نعلم أنّ البحتري أخذ لمتقدّم معنى أو لمحدث إلاَّ زاد فيه أو ساواه بكلام عذب مليح إلاَّ هذا المعنى فإنَّه لم يلحقْهُ وقصَّر عنه. ولله درُّ ذي الرمَّة فلقد طرف كلام بيته الأوّل وقد جوّد قسمة الثاني، وقد ذكر قوم ولم يصحّ عندنا أنّ البحتريّ ردّ هذا المعنى في قصيدة أوّلها:
ما لها أولعَتْ بقطع الودادِ ... كلَّ يوم تروعني بالبعادِ
وإن صحّ هذا الشعر للبحتري فإنَّ ذي الرمّة أجود كثيراً، يقول فيها:
عُني الخضر بي فصيَّرني بع ... دَك عيناً على عيارِ البلادِ
ثاني العيس ثالث الليل والسّ ... يْرِ نديم النجوم ترب السهادِ
عبد العزيز بن زُرارة الكلابيّ:
رحلنا من الوعساء وعساء مالك ... لحين وكنا عندها بنعيم
فما لبَّثَتْنا العيس أن قذفت بنا ... لذي غربة والعهد غير قديم
فأصبحن قد ودَّعن نجداً وأهلَه ... وما عهد نجد عندنا بذميم
هذا مثل قول الآخر:
ولئن رحلْنا عن دياركم ... فبِها تعلَّلْنا عن الكَرْبِ
أعرابيّ:
أكْفِ العشيرة أن ولَّوك أمرَهم ... وإن كفَوك فلا تحسد ولا تَعِبِ
احمل مجاهلَهم واضمَنْ مغارِمَهم ... رحب اللبان بها مسترخي اللَّبَبِ
زهراء الأعرابية:
وسائلةٍ بظهر الغيب عنّا ... وما تدري أمُتْنا أم حييْنا
فنحن كما يسرّكِ غير أنّا ... بنا الأيّام بعدكِ يرتمينا
فإنْ نسلمْ نزُرْكِ على قلاص ... يجاذبن الأزمَّةَ والبُرينا
أعرابيّ:
دفعناكم بالحِلم حتَّى بَطِرتم ... وبالرَّاح حتَّى كان دفع الأصابعِ
فلمّا رأينا شرَّكم غيرَ منتهٍ ... وما غاب من أحلامكم غير راجعِ
مسِسْنا من الآباء شيئاً وكلُّنا ... إلى حسبٍ في قومه غير واضعِ
فلمَّا بلغْنا الأمَّهاتِ وجدْتم ... بني عمَّكم كانوا كرامَ المضاجعِ
ما أحسن هذا المعنى وأجوده! وزاد أنَّه قال: ما زلنا نحلم عنكم وندفع بلاءكم بجهدنا، فلمّا رأيناكم غير مقلعين عن مكروهنا ذكرنا آباءكم، وهم أعمامنا، فلم نجد فيكم مطعناً، فلمّا ذكرنا أمَّهاتكم رأيناهنّ في الشرف دون أمّهاتنا، لأنّ أمّهاتنا أشرف، فعلمتم أنتم أنَّ بني عمّكم كانوا يضاجعون نساء كانوا أكرم ممّن كان يضاجع آباءكم، ففضلنا عليكم بالأمهات، وإن كان الآباء واحداً.
أعرابيّ:
فإن يكُ إحسانٌ يقرّبُ حاجتي ... إليك ويُدنيها فقد حان حينُها
وقد أقسمَتْ جهدا التجحد دَينَنا ... فقد حَرِجت فينا وبرّتْ يمينُها
سوّار بن المُصرَّب السَّعديّ:
فلَو سألتْ سراةَ الحيّ سَلمى ... على أنْ قد تلوَّنَ بي زماني
لخبَّرَها ذَووا أحسابِ قومي ... وأعدائي فكلٌّ قد بلاني
بأنِّي لا أزالُ أخا حُروبٍ ... إذا لم أجْنِ كنتُ مجِنَّ جاني
طفيل الكلابي:
طُلِّقتِ إن لم تسألي أيُّ فارس ... حليلُكِ إذ لاقى صُداءً وخَشْعَما
أكُرُّ عليهم دَعْلجاً ولبانَهُ ... إذا ما اشتكى وقعَ الرماح تَحمْحَما
وهذا مثل قول عنترة:
ما زلتُ أرميهم بغرَّة وجْهه ... ولبانه حتَّى تسَرْبل بالدَّم
وازْورَّ من وقع القنا بلبانه ... وشكى إليَّ بعَبرةٍ وتحمحُم
لو كان يدري ما المحاورةُ اشْتَكى ... أو كان لو عرف الكلامَ مكلِّمي
ومثله قول عمر بن أبي ربيعة:
لَشكى الكميتُ الجَرْي لمّا جهدتُه ... وأفصحَ لو يستطيع أن يتكلَّما
ومثله وأومَى إلى فرس الممدوح فقال:
كم كم تجرِّعه المنون فيصبِرُ ... لو يستطيعُ شكا إليك الأدْهَمُ
أُنَيف بن زبّان الطَّائي:
دَعَوا لنزارٍ وانتَمينا لطَيِّءٍ ... كأُسْدِ الشّرى إقدامُها ونِزالُها
فلمّا التقينا بيَّن السيفُ بيننا ... لسائلةٍ عنّا حفِيٍّ سُؤالُها
الفرّارُ السُلَميّ:
وكتيبةٍ لبَّسْتُها بكتيبةٍ ... حتَّى إذا التَبَستْ نفضتُ لها يدي
فتَركتُهم تقِصُ الرماحُ ظهورَهم ... وقُتلتُ دون رجالهم لا تَبْعدِ
ومثل هذا قول الحارث بن هشام المخزوميّ:
اللهُ يعلمُ ما تركْتُ قتالَهم ... حتَّى عَلَوا فرمى بأشْقَر مُزبِدِ
وعلمتُ أنّي إنْ أقاتلْ واحداً ... أُقْتَلْ ولا يضرُرْ عدوّيَ مَشهدي
فصدَدتُ عنهم والأحبّةُ فيهم ... طمعاً لهم بعقاب يومٍ موصدِ
كان سبب هذا الشعر أنَّ الحارث بن هشام، وهو أحد الفرّارين، فرَّ من وقعة كان شهدها فقال فيه بعض الشعراء وهو حسان بن ثابت:
إنْ كنتِ كاذبةَ الَّذي حدَّثتني ... فنَجوت مَنجى الحارث بن هشامِ
ترك الأحبَّةَ أن يُقاتلَ دونهم ... وبحا برأس طمِرَّةٍ ولجامِ
فلمّا بلغ الحارث الشعر قال يعتذر بالشعر الَّذي قدمنا ذكره، وإلى هذا نظر البحتري في قوله:
وقعدتُ عنك ولو بمهجة فارس ... غيري أقوم إليهم لم أقعُدِ
ما كان قلبك في سواد جوانحي ... فأكون ثمَّ ولا لساني في يدي
وللشعراء في ذكر الفرار أشعار تكثر وتتسع جدّاً ونحن نأتي بأشياء من نظائره في غير هذا الموضع.
قال الحصين بن الحُمام المُرّي:
تأخَّرْتُ أستبقي الحياةَ فلم أجِدْ ... لنفسي حياةً مثلَ أنْ أتقدّما
ولَسْنا على الأعقاب تدمى كلومُنا ... ولكن على أقدامنا تقطُرُ الدَّما
وأطرق إطراقَ الشّجاع ولو يَرى ... مساغاً لنابَيهِ الشجاعُ لصمَّما
لِذي الحلم قبل اليوم ما تُقرَعُ العصا ... وما عُلِّم الإنسانُ إلاَّ ليعلما
قوله " تأخرت أستبقي " البيت، مثل قول الخنساء:
نهين النفوسَ وهونُ النفو ... سِ يومَ الكريهة أبْقى لها
ومثله أيضاً:
ولا يُنْجي من الغمرات إلاَّ ... براكاءُ القتال أو الفِرارُ
وقوله " ولو يرى مساغاً لنابيه الشجاع لصمَّما " يقول: يصيب صميم القلب بسنّه فيقتل، وقد روي " فسمَّما " من طريق السمّ، وهذا جائز إلاَّ أنّ الأول أجود تمييزاً.
فأما قوله " لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا " البيت، فالأصل فيه أنّ ذا الأصبع العَدواني كان حكم العرب في أيامه، يقضي بينهم في المشكلات في أمورهم حتَّى أسنّ وتغيَّر عقلُه، فكان ربّما أنى بالشيء الَّذي لا يجوز حتَّى يتبيَّنه ثمَّ يرجع. وكان له ابن عم يتصدّر للحكومة، فقال أهل ذي الأصبع له: إنّك ربّما خلطت في أحكامك، ونحن نخاف أن ينزل بنا بلاء من هذا الأمر، قال: فاجعلوا بيني وبينكم علامة، إذا خلطت عرفتموني بغير كلام حتَّى أنْتَبه. فقالوا: إنّا نقيم أمَتَك فلانة لهذا الأمر، وكانت فهمة لبيبة، فإذا خلطتَ قرعتِ العصا بالأرض فتعلم الخبر، فقال: افعلوا، فكانت الأمة لا تفارقه، فإذا اختلط قرعتِ العصا فانتبه وعلم أنَّه قد أخطأ فيرجع إلى فكره ويزول عنه خلطه. وقد ذكر أيضاً في قرع العصا شيء آخر، وهو أنّ بعض الأعراب كان في ناحية عمرو بن هند الملك، وكان غالباً عليه، وكان عمرو بن هند جبَّاراً لا يراجع في قول ولا فعل أمر، وكان لهذا الرَّجُل أخ عاقل لبيب، فإذا أراد عمرو توجيهه إلى ناحية يرتاد فيها الكلأ لينتجعه توجّه إلى تلك الناحية وحدّ له أياماً، فتجاوز الحدّ بأيام أُخر، فغاظ ذلك عمراً، فقال: والله إن جاءني حامداً للموضع أو ذامّا له لأقتلنَّه. ثمَّ ندم على يمينه وقال لأخيه: قد ندمت، ولا بدّ من إمضاء الأليّة، فقال له أخوه: أبيت اللعن! دعني أنذره ليتخلَّص. فقال: افعل فلمّا قدم على الملك قرع له أخوه العصا وكأنّه علم ما في نفسه، ثمَّ قال له الملك: كيف وجدت الأرض، قال: لم أجد خصباً يحمد ولا جدباً يذمُّ، فتخلَّص من سطوته، وضربت العرب بقرع العصا مثلاً. والأول من الخبرين أصحّ عندنا وأثبت في العقل. وقد قيل في ذلك أيضاً إنّ جذيمة الأبرش لمّا سار إلى الزبّاء، وقد وجَّهت إليه أن يصير إليها لتتزوّج به، وكانت ملكة شرقي الفرات، وكان مولاه قصير قد نهاه عن المصير إليها وحذَّره إياها، فلم يقبل. فلما شارف بلادها رأى أمارات استوحش لها، فقال لقصير: إيش الرأي عندك؟ قال: ببَقةَ أُبْرم الرأي، وكان أشار عليه، وهو نازل ببقّة أن يأتيها، وبقّة ناحية الأنبار، فلم يقبل، فذهبت كلمته مثلاً، وقال له جذيمة: دع عنك هذا، ما الرأيُ؟ وكانت لجذيمة فرس يقال لها العصا لا تُجارى ولا يشقُّ غبارها، فقال له قصير: قد صرنا في بلدها ودارت بنا عساكرها، فإذا قرعت لك العصا بالسوط فاعمَل على أن تطرح نفسك عليها وتنجو بحشاشتك فضربت العرب بضرب العصا مثلاً للرجل ينبَّه على الأمر الَّذي تخشى عاقبته.
قال إياسُ بن قبيصة الطائي وقد هرب من كسرى:
ما ولدتْني حاصِنٌ ربَعيَّة ... لئن أنا مالأتُ الهوَى لاتّباعِها
ألم ترَ أنَّ الأرضَ رحبٌ فسيحة ... فهل تُعجزنّي بقعة من بقاعِها
ومبثوثةٍ بثَّ الدَّبى مُسيطرَّةٍ ... رددْنا على بِطائها من سراعِها
وأقْدَمتُ والخطّيّ يخطُر بيننا ... لأعلمَ من جَبانُها من شجاعِها
أعرابي قتل أخوه ابناً له فقدَّم إليه ليقْتاد منه فألقى السيف من يده وقال:
أقولُ للنفس تأساءً وتعزيةً ... إحدى يديَّ أصابتني ولم تُرِدِ
كلاهما خلَف من فقد صاحبه ... هذا أخي حين أدعوه وذا ولَدي
стр. 36
وهذا مثل قول الآخر:
وما كنتُ إلاَّ مثل قاطع كفّهِ ... بكفٍّ له أخرى فأصبحَ أجْذَما
يَداه أصابت هذه حتفَ هذه ... فلم تجدِ الأخرى عليه مقدَّما
فلمّا استقادَ الكفُّ بالكفِّ لم يجدْ ... له دَرَكاً في أن تَبينا فأحْجما
ولبعض المحدثين في مثل هذا:
لم أجْنِ ذنباً ولم أُرِدهُ فإن ... قارفتُ ذنباً فغيرَ مُعتمدِ
قد تطرِف الكفُّ عينَ صاحبها ... فلا يَرى قطعها من الرَّشَدِ
وإلى هذا نظر البحتري في قوله يخاطب قوماً من طيئ:
إنْ أرمِكم يكُ من بعضي لكم شُعَل ... تَهوي إليكم ومن بعضي لكم جُنَنُ
رَددْتُ نفسي على نفسي فقلت لها ... بنو أبيك فما الأحقادُ والإحَنُ
وقد ردّ هذا المعنى في موضع آخر فقال:
لآل حميد مذهب فيّ لم أكُن ... لأذهبَهُ فيهم وإنْ جَدَعوا أنْفي
ولم أرمِ إلاَّ كان عِرْض عدوِّهم ... من النَّاس قدّامي وأعراضم خَلْفي
وقال لي الأعداء ما أنت صانع ... وليس يراني الله أنحتُ من حَرْفي
وإنّي لئيم إنْ تركت لأسرتي ... أوابدَ تبقى في القراطيس والصحْفِ
وهذا المعنى كثير في المحدث والمتقدّم، ولو أتينا به لكان كتاباً مفرداً، ولا بدّ أن نذكر فيه أشياء في مواضع من هذا الكتاب.
قال عمير بن الأهتم العبديّ:
إذ دنَونا ودنَوا حتَّى إذا ... أمكنَ الطعنُ ومن شاء ضَربْ
ركدتْ فينا وفيهم ساعة ... سمهريّاتٌ وبيضٌ كالشُهُبْ
أعرابيّ:
أأمام إنّا ما تزال جيادنا ... رُجُعاً بهنّ من الجراح ندوبُ
يحملن كلَّ مجرّبٍ يوم الوغى ... شاكي السلاح يُحبُّه المكروبُ
ذكرت الرواة أنة مُنْصفات أشعار العرب ثلاثة أشعار، فأولها قصيدة عامر بن معشر بن أسحم بن عديّ بن شيبان بن سود ابن عُذرة بن منبّه ابن لُكيز بن أفصى بن عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار:
ألم ترَ أنّ جيرتنا اسْتقَلُّوا ... فنِيَّتُنا ونيّتهُم فَريقُ
فِداءٌ خالتي لبني لُكيز ... خصوصاً يومَ كُسُّ القوم روقُ
تلاقينا بسبسبِ ذي طُرَيْفٍ ... وبعضُهم على بعضٍ حنيقُ
فجاءوا عارِضاً بَرِداً وجئنا ... كمثل السيل غصَّ به الطَّريقُ
كأنَّ النَّبْلَ بينهم جَرادٌ ... تُصفّقه يمانيةٌ خَريقُ
قليلٌ ما ترى فيهم كميّاً ... كبا لديه إلاَّ فيهِ فوقُ
كأنّ هريرَنا لمّا التقينا ... هريرُ أباءةٍ فيها حريقُ
بكلّ قرارةٍ منّا ومنهم ... بنانُ فتًى وجُمجُمة فليقُ
فكم من سيِّدٍ منّا ومنهم ... بذي الطّرفاء منطِقهُ شهيقُ
فأشْبعنا السِباعَ وأشبعوها ... فراحت كلُّها تيقٌ تفوقُ
وأبْكينا نساءهُم وأبْكَوا ... نساءً ما يجفُّ لهنَّ موقُ
يُجاوبنَ النياحَ بكلّ فجرٍ ... فقد صَحِلتْ من النَّوح الحُلوقُ
تركنا الأبيض الوضّاحَ منهم ... كأنَّ سوادَ قُلَّته العُذوقُ
تُعاوره رماحُ بني لُكيز ... فخرَّ كأنّهُ سيفٌ دَلوقُ
وقد قتلوا به منّا غلاماً ... كريماً لم تأشّبهُ العروقُ
وأُفْلَتنا ابنُ قرانٍ جَريضاً ... يمرُّ به مُساعفةَ مروقُ
فلمّا اسْتيقنوا بالصبرْ منّا ... تذكّرت الأواصرُ والحقوقُ
فأبقينا ولو شئنا تركنا ... لُجَيْماً لا يقودُ ولا يسوقُ
أما قوله " فداء خالتي لبني لكيز " البيت، فقد قدّمنا شيئاً من نظائره وممّا لم يذكر قول الأعشى البكري:
وإذا ما الأكَسُّ شُبّه بالأر ... وق عند الهيجا وقلَّ البصاقُ
وقول عنترة:
ولقد حفظتُ وصاة عمّي بالضُّحى ... إذ تقلصُ الشَفتانِ عن وضَح الفَمِ
وقال آخر:
وتقلّصت شفتاه عند نزالهم ... فكأنّه يوم الوغى متبسِّمُ
وأخذه آخر فقال:
حين توخَّيتُه بذي شطب ... أبيض كالصُّبح كشَّفَ الحَنكا
قابلَني مبدِياً نواجِذه ... كأنه ضاحكٌ وما ضَحِكا
ولمقّاس العائذيّ في هذا المعنى:
لمّا رآني في مجال ضَنْكِ ... والحيلُ تردى بالأسود المعكِ
أبدى الثنايا آئِساً من تركي ... كأنَّه يضحكُ وهوَ يبْكي
وللرّبيع بن زياد العبسيّ:
عطَفنا وراءك أفراسَنا ... وقد أسْلَم الشَفتان الفَما
ومثله للعجاج:
ونحن أهل البأس والتقدُّمِ ... إذا السيوف أخرجَتْ أقصى الفمِ
ونحن بمشيئة الله وعونه نذكر ما بقي من نظائر هذا المعنى في مواضع نستأنفها من هذا الكتاب.
المنصفة الثانية لعبد الشارِق بن عبد العزيز الجُهَنيّ:
ألا حُيِّيتِ عنا يا رُدَينا ... نُحيِّيها وإن بخلتْ علينا
رُدينةُ لو رأيتِ غداةَ جِئنا ... على أضْماننا وقد احْتوَينا
وأرسَلْنا أبا عمرو رسولاً ... فقال ألا انعَموا بالقوم عينا
ودَسُّوا فارساً منهم عِشاءً ... فلمْ نَغْدر بفارسهم لدَيْنا
فجاءوا عارضاً بَرِداً وجئنا ... كمثل السَّيل نركَبُ وازِعَيْنا
تنادَوا يالَ بُهثةَ إذ لقونا ... فقلنا أحسِنوا قولاً جُهَينا
سمعنا نَبأة عن ظهر غيبً ... فجُلنا جولةً ثمَّ ارْعَوينا
فلمَّا أنْ تواقَفْنا قليلاً ... أنَخْنا للكلاكلِ فارْتمينا
ولمَّا لم ندَعْ سهماً ورُمحاً ... مشينا نحوهم ومشَوا إلينا
تلألُؤَ مُزنةٍ بَرقَتْ لأخرى ... إذا حجَلوا بأسيافٍ رَدَيْنا
فمن يرَنا يقُلْ سيل أتِيٌّ ... نكرُ عليهم وهم علينا
شدَدنا شدَّة فقتلتُ منهم ... ثلاثةَ فِتيةٍ وأسرتُ قَيْنا
وشدّوا شدَّة أخرى فجرُّوا ... بأرجُلٍ مثلهم ورَموا جُوَينا
وكان أخي جُوَينٌ ذا حفاظ ... وكان القتلُ للفتيان زَيْنا
فآبوا بالرِّماح مكسَّرات ... وأُبْنا بالسيوف قدِ انْحنَينا
وباتوا بالصَّعيد لهم أُحاحٌ ... ولو خفَّتْ لنا الكَلْمى سَرَينا
للنصفة الثالثة للعبّاس بن مرداس السُّلَميّ وأولها:
لأسماءَ رَبع أصبح اليوم دارساً ... وأقْفَرَ منها رَحْرحان فراكِسا
يقول فيها:
فدَعْها ولكن هل أتاها مُقادُنا ... لأعدائنا نُزجي الظِّباءَ الكوانسا
يقول: نسوق بين أيدينا الظباء والعرب تتشاءم بها.
نشدّ بتعطاف الملاء رؤوسَنا ... على قلص نعلو بهنّ الأمالسا
سَمونا لهم سبعاً وعشرين ليلةً ... نجوبُ من الأعراض قفراً بَسابِسا
فبِتنا قُعوداً في الحديد وأصبحوا ... على الرُكبات يتَّقون الدُّنافِسا
فلم أر مثلَ الحيّ حيّاً مُصبَّحاً ... ولا مثلنا يوم التقينا فوارِسا
أكَرَّ وأحمى للحقيقة منهمُ ... وأضربَ منّا بالسيوف القَوانسا
إذا ما شدَدْنا شدّة نَصبوا لنا ... صدورَ المَذاكي والرّماحَ المَداعسا
إذا الخيل أجْلَتْ عن قتيل نكرُها ... عليهم فما يرجعْنَ إلاَّ عوابِسا
وكنتُ أمامَ القوم أولَ ضاربٍ ... وطاعنتُ إذ كان الطّعان تخالُسا
وكان شُهودي مَعْبدٌ ومخارِقٌ ... وبِشرٌ وما اسْتَشهدتُ إلاَّ الأكالِسا
ومارسَ زيدٌ ثمَّ أُقصِدَ مُهرهُ ... وحُقَّ له في مثلها أنْ يُمارِسا
وقُرَّةُ يحميهم إذا ما تبدَّدوا ... ويطعنُنا شزراً فأبْرحت فارِسا
ولو مات منهم من جَرَحنا لأصبحتْ ... ضِباعٌ بأكناف الأراكِ عرائسا
ولكنَّهم في الفارسيّ فلا ترَى ... من القومِ إلاَّ في المُضاعِفِ لابِسا
فإنْ يقتلُوا منَّا كريماً فإنَّنا ... أبَأنا به قتلَى تذلّ المعَاطِسا
قتَلْنا به في مُلتقَى القوم خمسةً ... وقاتلَهُ زِدنا مع اللَّيل سادِسا
وكنَّا إذا ما الحربُ شُبَّتْ نشُبُّها ... ونضربُ فيها الأبلَجَ المتقاعِسا
وتجاهلَ في أبيات فيها لم نذكرها.
وقال سعد بن مالك بن ضُبيعة:
يا بُؤسَ للحرب الَّتي ... وضعتْ أراهطَ فاسْتَراحوا
والحربُ لا يبقَى لجا ... حِمِها التَّخيُّلُ والمِراحُ
إلاَّ الفتَى الصبَّارُ في النَّ ... جداتِ والفرسِ الوَقاحِ
والنَثرةُ الحصداء وال ... بيضُ المُكلّلُ والرِّماحُ
كشفتْ لهم عن ساقِها ... وبدا من الشّرِّ الصُّراحُ
فالهمُّ بَيضاتُ الخدو ... رِ هناك لا النَّعَم المُراحُ
مَن صدَّ عن نيرانِها ... فأنا ابنُ قَيس لا بَراحُ
أما قوله: " النَّعَم المراحُ " فهو الأصل لكل من تبعه، ومنه أخذ أبو تمام قوله:
إنَّ الأسود أُسود الغِيل همَّتُها ... يومَ الكريهةِ في المسلوبِ لا السَّلبِ
وأوَّل من نطق بهذا المعنى عنترة في قوله:
أغشَى الوغَى وأعفُّ عند المغنمِ
وقال المنخّل اليشكري:
إنْ كنتِ عاذلتِي فسيري ... نحوَ العراقِ ولا تَحُوري
لا تسْأَلي عن جُلّ ما ... لي واسْألي كرَمي وخيرِي
وإذا الرِّياحُ تناوحَتْ ... بجوانبِ البيتِ الكبيرِ
ألفَيتنِي هَشَّ اليدَيْ ... نِ بمَرْيِ قِدْحي في الجزورِ
وفوارسٍ كأُوار حرِّ ... النَّارِ أحلاس الذكور
شدوا دوابر بيضهم ... في كلِّ محكمةِ القتيرِ
واسْتَلئَمُوا وتلبَّبوا ... إنَّ التلبُّبَ للمُغيرِ
وعلى الجياد المضمرَا ... تِ فوارسٌ مثلُ الصُّقورِ
أقْرَرتُ عيني من أُولَ ... ئكَ والكواعبِ كالبُدورِ
يرفلنَ في المسكِ الذَّكيِّ ... وَصائكٍ كدم النَّحيرِ
ولقدْ دخلتُ على الفتا ... ةِ الخِدرَ في اليومِ المطيرِ
الكاعبِ الحسناء ترْ ... فُلُ في الدِّمقْسِ وفي الحريرِ
فدفعتُها فتدافعَتْ ... مشي القطاةِ إلى الغَديرِ
وعطَفْتها فتعطَّفتْ ... كتعطُّفِ الغصنِ النَّضيرِ
يا رُبَّ يومٍ للمنَخّ ... ل قد لَها فيه قَصيرِ
فإذا انْتَشيتُ فإنَّني ... ربُّ الخَورْنَق والسَّديرِ
وإذا صحوتُ فإنَّني ... ربُّ الشُوَيهةِ والبعيرِ
ولقدْ شربتُ من المُدا ... مةِ بالصغيرِ وبالكبيرِ
أبو ثمامة العبديّ:
أقولُ لمحرزٍ لمَّا التقَينا ... تنكَّبْ لا يقطِّرك الزّحامُ
فجارُك عند بيتك لحم ظبي ... وجاري عند بَيتي لا يُرامُ
يقول: إنَّ جارك مثل لحم الصيد وأنت لا تدفع عنه ولا تمنع منه، وجاري لا يرومه أحد لعزَّتي وامتناع جانبي.
أبو الطَّمَحَان القينيّ:
وإنِّي من القومِ الذين عرفتَهم ... إذا فاتَ منهم سيّدٌ قام صاحبُهْ
نجومُ سماء كلَّما غابَ كوكبٌ ... بدَا كوكب تأوِي إليه كواكبُهْ
أضاءتْ لهم أحسابُهم ووجوهُهم ... دُجَى اللَّيل حتَّى نظَّمَ الجزعَ ثاقبُهْ
معنى هذه الأبيات كثير ونظائره متسعة ونحن نذكر منها ههنا شيئاً وندع أشياء لمواضع أخر، فمن ذلك قول طفيل الغنويّ:
وكانَ هُرَيمٌ من سنانٍ خليفةً ... وعمرٍو ومن أسماءَ لمَّا تغيَّبوا
نجومُ سماءٍ كلَّما غارَ كوكبٌ ... بدا وانجلتْ عنه الدُّجُنَّةُ كوكبُ
وأخذه الآخر فقال:
ألستَ ابن قعقاع تكلّله نُحْلُ ... وعمّك إنْ عدّ العمومة صاحبُ
ومثله قول الخريميّ:
بقيَّة أقمار من العزِّ لو خبَتْ ... لظلَّتْ معدّ في الدُّجى تتكسَّعُ
إذا قمر منها تغوَّرَ أو خبَا ... بدا قمرٌ في جانبِ الأُفقِ يلمعُ
زياد الأعجم:
إذا مات منهم سيّد ودعامة ... بدا في ركاب المجد آخر صالحُ
السَّموأل بن عاديا:
إذا مات منهم سيّد قام سيّدٌ ... قؤولٌ بأقوال الكرام فَعولُ
عبد الصمد بن المعذّل:
بنو قُتيبة نورُ الأرض نورُهم ... إذا خبا قمرٌ منهم بدا قمرُ
ابن أبي حفصة:
وأبناء عباس نجوم مضيئةٌ ... إذا غابَ نجمٌ لاح آخر زاهرُ
وأما قوله: " أضاءت لهم أحسابهم " البيت، فكثير أيضاً، فمنه قوله:
وجوهٌ لو أنَّ المدلجين اعْتشَوا بها ... صدعنَ الدُّجى حتَّى ترَى اللَّيلَ ينجلِي
والأصل في هذا المعنى قول امرئ القيس:
يُضيء الفراشَ وجهُها لضجيعِها ... كمِصباح زيتٍ في قناديلِ ذُبَّالِ
ومثله للنابغة الذبياني:
وتخالُها في البيتِ إن فاجأتَها ... قد كانَ مَحجوباً سراجُ الموقدِ
وأخذه قيس بن الخطيم فقال:
قضَى لها الله حينَ صوَّرها ... بأنَّها لا يُكنُّها سدَفُ
من ههنا أخذ أبو نواس قوله في صفة الخمر:
لا ينزلُ اللَّيلُ حيث حلَّتْ ... فدهرُ شُرَّابها نهارُ
ومن المعنى الَّذي قدَّمنا ذكره:
من البِيضِ الوجوهِ بني سنانٍ ... لو أنَّك تستضِيء بهم أضاءُوا
ومثله للعباس بن الأحنف:
ومحجوبَة بالسّتر عن كلِّ ناظرٍ ... ولو برزتْ باللَّيلِ ما ضلَّ من يسرِي
أقول لها والعِيسُ تُحدَجُ للنَّوى ... أعدِّي لفقدي ما استطعتِ من الصَّبرِ
أليسَ من الخسرانِ أنَّ لياليا ... تمرُّ بلا نَفع وتُحسبُ من عمري
وقال آخر:
نمشي على ضوءِ أحساب أضَأنَ لنا ... كما أضاءتْ نجومُ اللَّيل للسَّارِي
قد ذكرنا في هذا الموضع من نظائر هذا المعنى ما فيه مقنع إلى أن يأتي ما نحتاج أن نذكر منها شيئاً آخر إن شاء الله، وإلى هذا نظر البحتري في قوله:
مَدَّ ليلاً على الكُماة فما ... يمشون فيه إلاَّ بضوء السُّيوفِ
وقال حاتم بن عبد الله الطَّائي:
أماوِيَّ إنْ يُصبحْ صداي بقفرةٍ ... من الأرضِ لا ماءٌ ولا خمرُ
ترى أنَّ ما أبقيتُ لم أكُ ربَّه ... وأنَّ يدِي ممَّا بخِلتُ به صِفرُ
ومثله للنمر بن تولب:
أعاذلَ أن يُصبح صداي بقفرةٍ ... تنكَّبَ عنها صاحبِي وقريبِي
ترى أنَّ ما أبقيتُ لم أكُ ربَّهُ ... وإنَّ الَّذي أمضيتُ كانَ نَصيبي
أعرابي:
هلاليَّة أو من نمير بن عامرٍ ... بذي السّرح من وادِي المياهِ خيامُها
إذا ابتسمتْ في البيتِ والبيتُ مظلم ... أضاءَ دُجَى اللَّيل البهيم ابتسامُها
تكشُّفَ برقٍ من حَبِيّ تلألأتْ ... به سمحة الإيماض غرّ غمامُها
قد أكثر الشعراء قديماً ومحدثاً في ذكر الابتسام وتشبيهه بالبرق، وأسهبوا أيضاً في صفات الثغور وتشبيهها بالأقحوان والإغريض والبرد واللؤلؤ وغير ذلك، ونحن نذكر هنا من ذلك طرفاً وفي غير هذا الموضع أشياء بمشيئة الله وعونه، فمن أحسن ما قيل في الابتسام وأجوده وأملحه قول الشاعر:
أحاذِرُ في الظّلماء أن تستشِفَّني ... عيون الغيارى في وميضِ المضاحكِ
هذا البيت أجود ما قيل في هذا المعنى، وما نعرف مثله حسن كلام وجودة معنى وإحكام بناء. ومن ذلك قول مسلم:
تبسَّمنَ فاستضحكن طامسةَ الدُّجَى ... عن الأُفقِ والظّلماء أوجهُها طُحْلُ
مثله أيضاً لحاتم:
يضيء بها البيت الظَّليلُ خَصاصُهُ ... إذا هي ليلاً حاولتْ أنْ تبسَّما
ومثله:
كأنَّ ابتسامَ البرق بيني وبينَها ... إذا لاحَ من بعضِ الحديثِ ابتسامُها
وهذان البيتان، وإن كانا للمتقدمين، فما يقصر بيت مسلم عنهما، بل هو أجود لولا استكراه في لفظه، وأما البيت الثاني الَّذي قدَّمناه فما لمسلم ولا لغير مسلم ممَّن أتينا بشعره أو نأتي، مثله، ولآخر في هذا المعنى:
يستَبرق الأُفُق الغربيُّ ما ابتسمتْ ... برقَ السُّيوف سِوَى أغمادِها القُضُبِ
ومثله لجميل:
وتبسم عن لمع البروق منصَّبٍ ... أغرّ الذّرَى يُزجي صَبيراً منضَّدا
كشمس تجلَّتْ عن فُروج غَمامةٍ ... وقد وافقتْ طَلْقاً من النَّجم أسعدا
وللبحتري:
فيرجع اللَّيل مبيضّاً إذا ضحكتْ ... عن أبيضٍ خَصِرِ السمطَين وضَّاحِ
ومثله لذي الرمَّة:
إذا ما التقَين من ثلاثٍ وأربعٍ ... تبسَّمنَ إيماضَ الغَمامِ المُكلَّلِ
وقال آخر:
إذا ما ابتسَمن حسبت البروقَ ... بدتْ لك في اللَّيلة المُظلِمَهْ
قد ذكرنا ههنا طرفاً ممَّا ذكر به الابتسام، ونحن نأتي بما بقي في مواضع أخر من كتابنا هذا.
فأمَّا ذكر الثغور فإنَّ الشعراء قد أكثرت في وصفها، ونحن نذكر هنا شيئاً من ذلك، قال الشاعر:
ومجدولة جدلَ العنان خريدة ... لها شَعَرٌ جَعد وجسم منعَّمُ
وثغرٌ نقيّ اللَّون عذبٌ مذاقه ... تُضيء له الظَّلماءُ حين تبسَّمُ
قال آخر:
وشفَّ عنها خمارُ القزّ عن بَرَد ... كالبرقِ لا كَسَسٌ فيه ولا ثَعَلُ
كأنَّه أقحوانٌ بات يضرِبهُ ... ليلٌ من الدجن سقاطُ النَّدَى خضلُ
قد شاب هذان الشاعران شعرَهما في صفات الثغور بذكر الابتسام
стр. 37
لتقارب المعنيين، ومن جيد ما قيل في صفة الثغر ونادره قول مسلم بن الوليد:
تبسَّمنَ عن مثلِ الأقاحي تبسَّمتْ ... له مُزنةٌ صَيفيَّةٌ فتبسَّما
وأحسن ما قيل في هذا المعنى للمتقدمين قول بشر بن أبي خازم:
يُفلِّجنَ الشِّفاه عن أقحوان ... جلاهُ غبَّ ساريةٍ قِطارُ
ويروى عن الأصمعي أنَّه قال: أحسن بيت ذُكر به الثغر بيت بشر هذا، وأحسن بيت قيل في فترة الجفون بيت ابن الرِّقاع:
وكأنَّها وسطَ النِّساءِ أعارَها ... عَينَيهِ أَحورُ من جآذرِ جاسمِ
وَسْنانُ أقصدَهُ النُّعاسُ فرنَّقتْ ... في عينِه سِنَةٌ وليسَ بنائمِ
ولعمري أن بيتي ابن الرقاع هذين في نهاية الحسن، ونحن نأتي بالنظائر في تفتير العيون وسقامهنّ في مواضع أُخر. فأمَّا قوله إنَّ بيت بشر أحسن ما قيل في صفة الثغر فالأمر عندنا بخلاف ذلك. والَّذي عندنا أنَّ بيت مسلم، وإن كان قد أخذ المعنى من بشر، أجود تركيباً وأحسن لفظاً وأبلغ معنى. وبعدُ إنَّ للمحدثين في ذكر الثغور من البدائع ما لم يأتِ بمثلها المتقدمون وإن كانوا الإمام المتَّبع، ونحن نذكر ههنا شيئاً من قول الجميع ونذكر أول من اخترع المعنى من المتقدمين. وأوَّل من شبَّه الثغر بالأقحوان أبو دؤاد الإيادي بقوله:
قامتْ تُريكَ غداةَ البين مُنْسَدلاً ... وبارداً كأقاحِي الرَّملِ برَّاقا
ومنه أخذ سائر الشعراء هذا التشبيه، فممَّن أخذه النابغة:
تجلُو بقادمتَي حَمامة أيكة ... بَرَدا أُسِفَّ لِثاتُهُ بالأثمِدِ
كالأقحوان غداةَ غبّ سمائِه ... جفَّتْ أعاليه وأَسفلُه نَدِي
شبه شفتيها واللَّما الَّذي فيهما بقادمتي الحمامة، وهذا الريش الَّذي
стр. 38
في قوادم الجناح، لأنَّه أشدّ سواداً من الخوافي، فلذلك خصَّ القوادم بالتَّشبيه، ويجوز أن يكون إنَّما عنى أصابعها وشبهها بقادمتي الحمامة وذكر أن أطراف أصابعها مخضوبة وأنَّه نظر إليها وهي تستاك فشبه أصابعها بقوادم ريش الجناح، وهذان القولان جميعاً جائزان، وذكر الأصمعي أنَّه عنى سواد لحم الأسنان وذلك أنهم كانوا يدمون اللثة ثمَّ يذرون عليها الكحل لتسودَّ فيكون سوادها مع بياض الأسنان حسناً، وهذا أيضاً قولٌ. وقد أخذ جماعة من الشعراء هذا المعنى من النابغة، فأحدهم الأعشى في قوله:
تجلو بقادمتَي حمامة أيكة ... بَردا أُسِفَّ لِثاتُه بسوادِ
ذكر أنَّها لمياء الشفتين، والعرب إذا وصفت بياض الثغر خلطت بذلك سواد اللثة، وأول من اخترع هذا المعنى امرؤ القيس فقال:
منابتُه مثل السُّدوس ولونُهُ ... كشوك السَّيَال وهو عذبٌ يفيضُ
السُّدوس: النِيلَنج، وهو أيضاً الطيلسان الأسود، والسَّيال: نبتٌ أصوله بيض أمثال الثنايا، فأخذ هذا المعنى الأعشى فقال:
باكرتْها الأعرابُ في سِنَة النَّو ... مِ فتجرِي جلالَ شَوك السَّيالِ
وأخذه أيضاً أبو تمام فقال:
كانَ شوكَ السَّيال حُسنا فأمسَى ... وبه للعناد شوكُ القَتادِ
جوَّد أبو تمام هذا البيت والمعنى بذكره شوك السَّيال في حُسنه وشوك القتاد في صعوبته، وأخذ الأحوص معنى النابغة فقال:
تجلُو بقادمتَي قُمريَّةٍ بَرَدا ... غُرّا في مجاري ظَلْمِه أشَرَا
وقال آخر:
تُريك ثغراً عذباً مقبَّلهُ ... لا كسَسٌ عابَهُ ولا روَقُ
كأقحوان الكثيب باكرَهُ الطَّ ... لُّ فأضحَى يهتزُّ يأتَلِقُ
وقال مسلم:
إذا ما اشْتَهَيْنا الأقحوانَ تبسَّمتْ ... لنا عن ثنايا لا قصارٍ ولا ثُعْلِ
بيت مسلم هذا مثل البيتين الذين كتبناهما قبله إلاَّ أنَّه أحسن منهما لفظاً وأجود تركيباً، وقد أخذ طرفة بن العبد معنى النابغة فقال:
وتبسم عن ألْمَى كأنَّ منوِّراً ... تخلَّلَ حرَّ الرَّملِ دِعْصٌ له نَدِ
وقال أيضاً:
وإذا تضحك تُبدي حَبباً ... عن شتيتٍ كأقاحي الرَّمل حُرْ
بدَّلته الشَّمسُ من منبِته ... بَرَدا أبيضَ مصقولَ الأشُرْ
روي عن الشعبي أنَّه كان يسأل جلساءه عن معنى هذا البيت فلا يجيبون، ثمَّ فسَّره لهم فقال: كان الغلام أو الجارية من غلمان العرب، إذا سقطت سنُّه، يقف بحذاء الشَّمس فيحذفُ بها ثمَّ يقول يخاطب الشَّمس: أبدليني بها سنّاً أحسن منها، فهذا معنى قول طرفة بن العبد الَّذي ذكرنا. وقال ساعدة بن جؤيَّة في ذلك وشبَّ الثغر بالأقحوان:
ومنَصّب كالأقحوان منَطَّق ... بالظّلْم مصقول العوارض أشنب
الظلْم، مسكن اللام: الماء الَّذي يشفّ في الأسنان لمن تأمَّلها. وروى بعضهم أنَّه سأل الخليل عن الظلم وكان الخليل يأكل رمّاناً فأخذ حبَّة من حبّ الرمّان وقال للسائل: هذا الظلم، يريد الماء الَّذي يشف في حب الرمّان، ويقال للثلج أيضاً الظلم وأنشد:
أفي شنباءَ مُشربَةِ الثَّنايا ... بماء الظَّلْم طيبةِ الرضابِ
فهذا البيت شاهد في الثلج أنَّه يسمَّى الظلم، والعوارض: ما يبدو من الأسنان عند الضحك، ومنه يقال: فلانة مصقولة العوارض، والشنب: بَرد الفم ورقَّة الأسنان، وحدّ كلّ شيء غربه وهذا عندنا الصواب.
وقال آخر يُشبِّه الأسنان بالأقحوان:
ويضحك عن غرّ الثَّنايا كأنَّه ... ذرى أقحوان نبتُه لم تنتَّلِ
وقال الأعشى:
وشتيتٍ كالأقحوان جلاه الطَّ ... لُّ فيه عذوبة واتِّساقُ
وقال سعيد بن سمي:
تُجري السّواكَ على حُوٍّ مناصبُه ... كأنَّه أقحوان حين تبتسِمُ
وقال جميل:
بذي أُشُرٍ كالأقحوان يزِينه ... ندى الطَّلِّ إلاَّ أنَّه هوَ أملَحُ
وقد شُبِّه الثغر أيضاً بالدُّرّ، قال الشاعر:
تبُذ بالحسن كلَّ جارية ... كما يبُذُّ الكواكبُ القمَرُ
كأنَّ درّا نَظْماً إذا ابتسمتْ ... من ثغرها في الحديثِ ينتثرُ
ومن جيد ما وصف به الثغر قول الشاعر:
إذا ما اجْتلَى الرَّائي إليها بطرْفِه ... غروبَ ثناياها أضاءَ وأظلَما
أراد أضاء من الضوء والتألّق وأظلم من الظَّلم وهذا حسنٌ جداً. وقد شبه أيضاً الثغر بالإغريض وهو الطَّلْع ويقال البَرَد، وقال الشاعر:
ليالي تصطاد الرجال بفاحِمٍ ... وأبيض كالإغريض لم يتثلَّمِ
ويقال الإغريض أيضاً للقطر الكبار أول ما تأخذ السحابة في المطر، قال الشاعر وذكر امرأة:
فدانَت سماحاً واستهلَّت دموعُها ... كإغريض مُزنٍ حطَّمته الجنائبُ
وممَّن شبه الثغر بالبَرَد جرير بقوله:
تُجري السّواك على أغرَّ كأنَّه ... بَرَدٌ تحدَّر من متونِ غَمامِ
وقال رؤبة بن العجَّاج:
تَضحك عن أشنبَ عذبٍ مَلثَمُهْ ... يكادُ شفَّافُ الرِّياح يرأمُهْ
كالبرق يجلو بَرَداً تبسُّمُهْ
وقال آخر:
إذا ضحكت لم تَبْتَهِر وتبسَّمتْ ... عن أشنبَ لا كُسٍّ ولا متراكبِ
كنَور النقا أصبحتَه حين أظهرت ... له الشمسُ قرناً بعد نوءِ الهواضبِ
يزلّ الندى عنه ومن تحته الثرى ... بأجرعَ مَيْثٍ طيّب الرَّيقِ عازبِ
قد ذكرنا ها هنا قطعة من أشعار المتقدمين، وخلطنا بشيء يسير من أشعار المحدثين، إذ كانت أشعار المحدثين وتدقيقهم في المعاني أضعاف ما للمتقدمين؛ إلاَّ أن المتقدمين لهم الاختراع وللمحدثين الاتباع، ولو لم يكن للمحدثين في هذا المعنى غير قول أبي تمام والبحتري لكفاهم ذلك تجويداً وإصابة للمعنى وحذقاً به. قال أبو تمام في الثغر والابتسام:
وثناياك إنّها إغريضٌ ... ولآلٍ تُوام وبرقٌ وميضُ
فأتى البحتري شبيهاً به في قوله:
يضحكنَ عن بَرَد ونَور أقاح
ثمَّ زاد على هذا وعلى قول أبي تمام بقوله:
كأنّما يبسم عن لؤلؤٍ ... منظّم أو بَرَدٍ أو أقاحِ
فأتى في هذا البيت بأكثر ما وصفت به الثغور، وإنَّما أقصرنا عن أن نأتي بما نعرف للمحدثين في هذا المعنى ها هنا بحالين، إحداهما أنّه كثير متَّسع، والأخرى أنا نحتاج إلى أن نأتيَ به معنًى معنى في مواضع من الكتاب نضطر إليها.
خرج خِراشُ بن أبي خراشٍ الهذلي وعروة بن مرَّة، فأغارا على ثُمالة، فنذر بهما حيَّان من ثمالة يقال لأحدهما بنو دارم والآخر بنو هلال فأخذوهما فأمَّا بنو هلال فأخذوا عروة بن مرَّة فقتلوه، وأمَّا بنو دارم فأخذوا خراش بن أبي خراش فأرادوا قتله، فألقى رجل منهم عليه ثوباً وقال: انجُهْ، ففحص كأنَّه ظبي واتَّبعه القوم ففاتهم، وأتى أبا خراش فحدَّثه الخبر وعرفه أن بعضهم ألقى عليه ثوبه، فقال: وهل تعرفه؟ فقال: لا، فقال أبو خراش وذكر ذلك ورثى أخاه:
حمِدتُ إلهي بعد عروةَ إذ نجا ... خراش وبعضُ الشَّرِّ أهونُ من بعضِ
فوالله لا أنسَى قتيلاً رزِئتُه ... بجانب قَوسي ما مشتُ على الأرضِ
بلَى إنَّها تعفو الكلومُ وإنَّما ... نُوكَّلُ بالأدنَى واًن جلَّ ما يمضي
ولم أدرِ مَن ألقَى عليه رداءهُ ... سوى أنَّه قد سُلَّ عن ماجدٍ مَحضِ
ولم يكُ مثلوجَ الفؤادِ مُهيَّجاً ... أضاعَ الشَّبابَ في الربيلةِ والخَفضِ
ولكنَّه قد نازعتهُ مخامِصٌ ... على أنَّه ذو مِرَّةٍ صادقُ النهضِ
كأنَّهم يشَّبّثونَ بطائرٍ ... خفيف المُشاشِ عظمُهُ غير ذي نَحضِ
يُبادرُ قربَ اللَّيل فهو مُهابِذٌ ... يحثُّ الجناح بالتبسط والقبضِ
لا نعرف للعرب في معنى هذه الأبيات أجود منها، وله فيها أشياء نحن نبيّنها ونأتي بنظائرها، فمن ذلك قوله: " فوالله لا أنسى قتيلاً " البيت، وهذا من إفراط جزعه، ثمَّ تبيَّن أنَّه سيسلو فقال: " بلى إنَّها تعفو الكلوم " البيت، يقول: إنِّي وإن حلفتُ أنِّي لا أنسى هذا القتيل فإن الكلوم تبرأ فضربه مثلاً للمصائب التي تُنسى، يقول: يُنسى قديمها وتوكّلوا بحديثها وإن كان القديم جليلاً. وقوله: " نوكل بالأدنى " يقول: إنَّما نحزن على الأقرب فالأقرب، وكلّما تقادم الشيء نسيناه، ومثل هذا أو قريب منه قول الآخر:
كلَّما تبلَى وجوهٌ في الثَّرى ... فكذا يبلَى عليهنَّ الحَزَنْ
وقال أبو العباس ثعلب: قلت لأبي عبد الله محمد بن الأعرابي: هل تعرف مثل شعر أبي خراش هذا؟ وأنشدته الأبيات، فقال:
آخر ما شيء يَغُولكَ وال ... أقدم تنساهُ وإنْ هوَ جَلْ
قد نَحدثْني الحادثات فلا ... أجزع من شيء ولا أجذلْ
هذا الشعر من العروض الثانية والضرب الرابع من السريع وبيته:
النشرُ مسكٌ والوجوه دنا ... نيرُ وأطراف الأكُفِّ عَنَمْ
وأجود ممَّا اختاره ابن الأعرابي قول الأحوص:
النفسُ فاستَيقِنا ليست بمعولة ... شيئاً وإن جلَّ إلاَّ ريث تعترفُ
إنَّ القديمَ وإن جلَّت رزيَّتُه ... ينضو فيُنسَى ويبقَى الحادثُ الأَنِفُ
هذا معنى جيد مسفر وبيت أبي خراش أجود منه، وقال أبو العتاهية في هذا المعنى:
فإذا انقضى همّ امرئ فقد انْقضَى ... إن الهموم أشدّهنَّ الأحدثُ
وقد ردَّ أيضاً أبو العتاهية هذا المعنى فقال:
إنَّما أنت طول عمرك ما عُمِّ ... رتَ في السَّاعة الَّتي أنتَ فيها
وبيت أبي العتاهية هذا في نهاية الجودة وإصابة المعنى، وقد ذكرنا شيئاً من نظائر بيت أبي خراش هذا الَّذي قدمنا ذكره فيما تقدَّم من الكتاب.
وأما قوله: " ولم أدر من ألقى عليه رداءه " البيت، فهو أول من مدح من لا يعرف وذلك أن خراشاً لما غشى ألقى عليه رجلٌ ثوبه فواراه وشُغلوا بقتل عروة عنه، فنجا خراش، فقال أبوه: ولم أدرِ من فعل هذا الفعل ولكنَّ صاحب هذا الثوب قد سُلَّ عن ماجد محض، أي فعل هذا الفعل رجلٌ كريم، وإلى هذا المعنى نظر أبو نواس في قوله:
ولمْ أدرِ ما هُم غيرَ ما شهِدتْ به ... بشرقِيّ ساباطَ الرّسوم الدّوارسُ
وقول أبي خراش يصف خراشاً: " ولم يكُ مثلوج الفؤاد " البيت والَّذي بعده، يذكر أنَّه لم يكن مُنْتَفلاً مقيماً في الدعة والنعمة والأكل والشرب فيكون مهبّجاً لذلك، ولكنه قد جاذبه الجوع حتَّى خفَّ لحمه، فإذا نهض نهض بحقيقة ولم يكذب، ثمَّ وصف جودة حُضْرِه فقال: " كأنَّهم يشَّبّثون بطائر " البيتين، لا نعرف في السرعة مثل هذا لأنه شبَّهه في الخفَّة بطائر فقال: " خفيف المشاش " ليكون أسرع له، ثمَّ قال: " عظمه غير ذي نحض " أي ليس على عظمه لحم، ثمَّ ذكر أنَّه يبادر بحثّ جناحه في البسط والقبض قرب الليل، فما نحسب أحداً ذكر في الكلام المنظوم والمنثور أحداً بالسرعة ولا وصفه بذلك إلاَّ دون هذه الصفة، وكان أبو خراش أحد الفرّارين ومن يُحضر فلا يُلحق، وممَّا ذكر من شدَّة حُضره وخفَّته في فرة فرَّها من الخزاعيين، وكانوا يطلبونه بثأر، فقال:
رَفَوني وقالوا يا خويلدُ لا تُرَعْ ... فقلتُ وأنكرتُ الوجوهَ هُم هُمُ
تذكَّرتُ ما أين المفَرّ وإنَّني ... بغرْزِ الَّذي يُنجي من الموتِ مُعصِمُ
فوالله ما رَبْداءُ أو عَير عانةٍ ... أقَبُّ وما أن تَيسُ رَملٍ مُصمِّمُ
بأسرعَ منِّي إذ عرفتُ عدِيَّهم ... كأنِّي لأُولاهم من القربِ توأمُ
أوائلُ بالشَّدِّ الذليق وجُنَّتي ... لدى المتنِ مشبوحُ الذّراعين خَلجمُ
فلولا دِراكُ الشَّدِّ ظلَّت حَليلَتي ... تخيَّرُ في خطَّابها وهي أيِّمُ
فتسخَطُ أو ترضَى مكاني خليفةً ... وكانَ خراش يوم ذاكَ تيتَّمُ
وقال أيضاً في مثل هذا المعنى:
لمَّا رأيتُ بني نُفاثة أقبلُوا ... يُشلُون كلَّ مقلِّص خِنَّابِ
ونشِبتُ ريح الموت من تلقائهم ... وكرهتُ وقعَ مهنَّدٍ قِرضابِ
أقبلتُ لا يشتدُّ شدّي فادرٌ ... عِلجٌ أقَبُّ مشمّر الأقرابِ
ودفعتُ ساقاً لا أخافُ عِثارَها ... وطرَحتُ عنِّي بالعَراء ثيابي
وقد أخذ في شعره الضادي الَّذي قدمنا ذكره مصراعاً بأسره لطرفة بن العبد فقال:
حمدتُ إلهي بعد عُروةَ إذ نجا ... خراش وبعض الشرّ أهون مِن بعضِ
وقال طرفة:
أبا منذر أفنيتَ فاسْتَبق بعضَنا ... حنانَيك بعض الشرِّ أهون من بعضِ
وقد أتى بهذا المعنى غير أبي خراش فقال:
ورفَّعتَ لي ذكري وما كانَ خاملاً ... ولكنَّ بعضَ الذّكر أرفَعُ من بعضِ
هذا الكلام حذو كلام طرفة، بل هو منه، وإن كان غير المعنى الَّذي أتى به خراش وطرفة. ولأبي خراش في الفرار والعدو على الرجلَين أشياء كثيرة، قد ذكرنا بعضها وسنذكر منها شيئاً آخر، فمن ذلك قوله في فرَّة فرَّها يعتذر منها:
لحا اللهُ جَدّاً راضِعاً لو أفادني ... غداةَ التقَى الرّجلانِ في كفِّ شاهكِ
فإن تزعمي أنِّي جَبُنْتُ فإنَّني ... أفرُّ وأرمي مرَّةً كلَّ ذلكِ
أُقاتلُ حتَّى لا أرَى لي مقاتلاً ... وأنجُو إذا ما خفتُ بعض المهالكِ
ومن ههنا أخذ الآخر قوله:
أُقاتل حتَّى لا أرَى لي مقاتلاً ... وأنجُو إذا غمَّ الجبانُ من الكربِ
وقال تأبَّط شرّاً وذكر شدة حُضْره من أعدائه:
إنِّي إذا خُلَّةٌ ضنَّتْ بنائلها ... وأمسكتْ بضعيفِ الحبلِ أحذَاقِ
نجوتُ منها نجائي من بَجيلَةَ إذ ... ألقيتُ ليلة خَبْتِ الرَّمل أرواقِي
ليلةَ صاحوا وأغرَوا بي سِراعَهم ... بالعَيكتَينِ لدى مَعْدَى بنِ بَراقِ
كأنَّما حثحَثُوا حُصّاً قوادِمُه ... وأُمَّ خِشفٍ بذي شتٍّ وطُبَّاقِ
حتَّى نجوتُ ولمَّا يَنزِعوا سَلَبي ... بوالهٍ من قنيص الشَّدِّ غَيداقِ
وقال آخر:
فِدًى لكما رِجليَّ أمّي وخالَتي ... غداةَ الكلاَبِ إذ تُجنُّ الدوائرُ
وأشعارهم في هذا المعنى كثيرة. وفي الاعتذار من الفرار في حال وتحسينه في حال وتقبيحه في أُخرى أكثر من أن تحصى، وقد ذكرنا من ذلك شيئاً في هذا الموضع وفي غيره من كتابنا ونذكر فيما يستأنف بمشيئة الله وعونه.
وقال أبو خراش:
وإنِّي لأُثوِي الجوعَ حتَّى يَمَلني ... فيذهب لم تَدْنَس ثيابي ولا جِرْمي
أردُّ شجاعَ الجُوعِ قَد تعلمينه ... وأُوثِرُ عبدي من عيالِكِ بالطّعمِ
مخافةَ أن أحْيَا برغمٍ وذلَّةٍ ... ولَلْموتُ خيرٌ من حياةٍ على رغمِ
الحجَّاج بن عثمان التجيبيّ من قبيلة تجيب:
ولي صاحبٌ ما خانَني مذ حملتُه ... ولا كانَ إلاَّ مُسعداً لي على الدَّهرِ
شبيهيَ إرهافاً وإن كنتُ فوقه ... بياناً إذا ما قوبلَ الأمرُ بالأمرِ
أنستُ به من دون أهلي ولو غدا ... ضجيعيَ في قبري لما هالني قَبْري
وما خفتُ مذ يوم ارتدَيتُ نِجادَهُ ... ظلامة والٍ أو مبادهةَ الفقرِ
أخذه عبيد الله بن طاهر فقال:
وما أخذتْ كفِّي بقائك نَصلهِ ... فحدَّثتُ نفسي بانهزامٍ ولا فرِّ
هذا معنى جيد قد تشارك فيه جماعة الشعراء، فمن أحسنهم قولاً مسلم بن الوليد في قوله:
أتَتْك المطايا تهتدي بمطيَّة ... عليها فتًى كالنّصل يؤنِسه النصلُ
فلمَّا انبعثنَ النُّورَ خَوَّينَ تَحته ... على أملٍ يشجَى به اليأسُ والمَطْلُ
هذان البيتان من أحسن وصف، والبيت الأول منهما مليح التشبيه طريف المعنى في قوله: " يؤنسه النصلُ " وأتى بهذا المعنى آخر فجوَّد بقوله:
رُبَّ ليلٍ جعلتُهُ طيلساني ... مؤنسي صارمي وقلب مجنِّي
ظَرُف في قوله: " قلبي مجنّي " ولا نعلم أنَّ أحداً أتى بهذا قبله وجعل ترسه قلبه، وقد أخذه بعض العلويين فقال:
قومي إذا حضرُوا الوغَى ... جَعَلوا الصُّدور لها مسالِكْ
الَّلابسينَ قُلوبَهم ... فوقَ الدُّروعِ لدفعِ ذلكْ
وإليه نظر بعضهم فقال:
يلقى السُّيوف بنحره وبصدره ... ويقيم هامتَه مقام المِغْفَرِ
وأتى به طاهر بن الحسين فقال:
سيفي رفيقي ومُسعدي فرسي ... والكأس خدني وقينتِي أنَسِي
أربعة لا أُريد خامسةً ... سوى نديم عارٍ من الدنَسِ
ومثله لآخر:
مهري جواد وسيفي صارم ذكر ... والزّقُّ خلفي ورزق الله قدَّامِي
إنَّما أردنا من هذين البيتين أنَّه جعل سيفه رفيقه، وقال الحمدوني في هذا المعنى فجوَّد:
تستأنس الظَّلماء منه بمخذم ... مستأنسٍ بالمشرفيِّ المِخْذَمِ
أخذه أبو تمام فقال:
مستأنسِين إلى الحتوف كأنَّها ... بين الحتوف وبينهم أرحامُ
وللبحتري مثله:
وما صاحبِي إلاَّ الحُسام وبزّه ... وإلاَّ العلنداة الأمون وكورها
ولقد جوَّد ابن أبي زرعة الدمشقيّ في هذا المعنى بقوله:
ليس لي صاحبٌ على الهول إلاَّ ... صاحبٌ ما يزالُ من عن يَساري
فإذا ما نسبته فيمانٍ ... وهو في خندف قديمُ الجوارِ
أرتَضيه للحادثات فيرضا ... ني لإيرادِه وللإصْدارِ
وذكره آخر فقال:
لي صاحبٌ لا أمَلُّ صحبتَهُ ... لا يمَلُّ الرواء من قِبَلِي
كم من ظلام جعلتُهُ قَبَسي ... فيه وخطب أزاحَهُ جَلَلِ
وقال أبو زُبيد الطائي:
سأقطعُ ما بيني وبينَ ابن عامرٍ ... قطيعةَ وصل لست أقطعُ جافيا
فتى يُتبع النُّعمى بنُعمَى تربها ... ولا يتبع الإخوان بالذّمِّ زاريا
إذا كانَ شكري دون فيض بنانه ... وطاولَني جوداً فكيف اختياليا
هذا معنى حسن وقد تجاذبه جماعة من الشعراء وولدوا فيه أشياء بقرائحهم نحن نذكر بعضها إلاَّ أنَّ الأصل فيه المخترع له أبو زُبيد في الأبيات الَّتي قدَّمناها، وممَّن جوَّد فيه أبو نواس بقوله:
قد قلتُ للعبَّاس مُعتذِراً ... من حمل شكريه ومُعترفا
أنتَ امرؤٌ جلَّلْتَني نِعَماً ... أوهَتْ قُوَى شكري فقد ضَعفا
стр. 39
فإليك بعد اليوم معذرةً ... لاقَتك بالتَّصريح مُنكشِفا
لا تُسدِيَنَّ إليَّ عارفةً ... حتَّى أقومَ بشكر ما سلفَا
وأتى بهذا المعنى دعبل بقوله:
فأُقسمُ لا عن جفوةٍ لا ولا قِلى ... ولا مَلَل أبطأتُ عنك أبا بكرِ
ولكنَّني لمَّا أتيتُك زائراً ... فأفرطتَ في بِرِّي عجزتُ عن الشكرِ
فمِلآنَ لا آتيكَ إلاَّ مسلِّماً ... أسلِّم في الشَّهرَينِ يوماً وفي الشَّهرِ
فإن زدتَني برّاً تزيَّدتُ جَفوةً ... فلا نلتقِي حتَّى القيامة والحشرِ
وهذه الأبيات دون أبيات أبي نواس، لأنَّ أبيات أبي نواس جيدة الألفاظ صحيحة المعنى، والَّذي أبدع في هذا المعنى حُسن لفظ واستيفاء معنى البحتري بقوله:
إنِّي هجرتك إذ هجرتك وحشةً ... لا العَودُ يُذهبُها ولا الإبداءُ
أخجلتَني بندى يدَيكَ فسوَّدتْ ... ما بينَنا تلك اليدُ البيضاءُ
وقطعتني بالجودِ حتَّى إنَّني ... متخوِّفٌ أن لا يكونَ لقاءُ
صلَة غدتْ في النَّاس وهي قَطيعة ... عَجَباً وبرٌّ راحَ وهْوَ جَفاءُ
وقد ردَّه البحتري أي هذا المعنى في شعر آخر وهو قوله:
إيهاً أبا الفضل شكري منك في نصب ... أقصِرْ فما ليَ في جدواك من أربِ
لا أقبلُ الدَّهرَ نَيلاً لا يقومُ به ... شكري ولو كانَ مُسديهِ إليَّ أبي
ولئن كان لأبي زُبيد فضيلة السبق وجودة الاختراع فإنَّ للبحتري حسن اللفظ واستيفاء المعنى، بل هو أحقّ بهذا المعنى من كلِّ من أتى به من المتقدمين والمحدثين. ومن جيد ما قيل في هذا المعنى أيضاً قول مسلم ابن الوليد:
ولِي صاحبٌ ما زالَ يُصبح رِفدَهُ ... ويُمسِي بلا منٍّ عليَّ ولا كِبْرِ
رأَى أنَّ شكري مستقلٌّ ببذله ... فرَبَّ بعَودٍ لا بكيٍّ ولا نَزْرِ
متى أشكر النُّعمى وسَهلٌ يَرُبُّها ... سيعجزني لا من جُحودٍ ولا كُفرِ
وقد أخذ معنى أبي نواس والبحتري بعض الشعراء فقال:
إذا كنتَ قد قلَّدتني لك منَّة ... وحمَّلتَ نُعمى لا أُطيقُ بها نَهْضا
فدَعني أُخفِّفُ ثقلَها بتشكُّري ... لعلَّ اضطلاعي بالتَّشكُّر أن يقضا
وما غبتُ عن عينيكَ مذ غبتُ عن قِلى ... ولا كانَ إغفالي زيارتكم رَفْضا
بلَى جزتَ حدّ البرّ حتَّى فضَضْتَ عن ... كتاب احْتشامي خاتماً لم يكن فُضَّا
فإن زدتَني برّاً تزيَّدتُ جفوةً ... فلا نلتقي ما أمطرتْ مزنَةٌ أرضَا
وهذه الأبيات لفظ دعبل برمَّته وأخذ هذا المعنى وأتى به وزاد فيه قليلاً بقوله:
فإن يكُ أربَى شكري على ندى ... أُناسٍ لقد أرْبَى نداه على شكري
زيادته في هذا المعنى والبيت أنَّه ذكر أنَّ شكره قد أربى على ندى أقوام، وإنَّ ندى هذا الممدوح قد أربى على شكره، وقد نظر البحتري أيضاً إلى هذا المعنى في مكان آخر فقال:
كلَّما قلتُ أعتقَ المدحُ رقِّي ... رجعتْني له أياديه عبدا
ولسعيد بن هاشم الخالديّ في هذا المعنى قوله:
ووالله ما عارضتُ جودَك ساعةً ... بشعري إلاَّ كانَ اشعر من شعرِي
كأنَّ عطاياك الجسيمة أقسمَتْ ... بأنِّي لا أنفكُّ مهتضم الشكرِ
стр. 40
وقد ذكر جماعة من الشعراء أنَّ الشكر يوازي النعمة، فإن زاد شكر على النعمة كان أفضل منها، وإن كان مثلها لم يكن لأحدهما فضل على الآخر، ومن ذلك قول مسلم بن الوليد، وهذه القطعة الَّتي نذكرها من المعاني المخترعة الجياد، وهي قوله:
سبقتَ بمعروف فصلى ثنائِيا ... فلمَّا تمادَى جرْيُنا صِرتَ تالِيا
أبا حسنٍ قد كنتَ قدَّمتَ نعمة ... وألحقتَ شكراً ثمَّ أمسكتَ عانِيا
فلا ضيرَ لم يلحقك منِّي ملامةٌ ... أسأتَ بنا عَوداً وأحسنتَ بادِيا
فمِلآنَ لا يغدو عليك مدائحي ... جوازي نُعمى قد نَضَت أو رواجِيا
لعلَّك يوماً أن تُسيءَ بصاحبٍ ... فتذكُرَ إحساني به وبلائِيا
ما نعرف في معنى هذه الأبيات مثلها إلاَّ أنَّ عبد الصمد بن المعذَّل حذا حذوها وتناول معانيها فقال:
برزَ إحسانُك في سبقه ... ثمَّ تلاهُ شُكر لاحقُ
حتَّى إذا امتدَّ المدَى بينَنا ... جاء المصلّى وهو السابقُ
هذا معنى مسلم بعينه، ومعنى هذين الشعرين أنهما أرادا أنَّ هذا المعطي تقدَّمت عطيَّته وثنى الشاعر بالشكر، ثمَّ إنَّ الشاعر تابع شكره وقطع المعطي عطيَّته فصار الشكر نامياً زائداً وصار المعطي المبتدئ متخلِّفاً تالياً. ألا ترَى أنَّ مسلماً قال: " فلمَّا تمادَى جريُنا صرتَ تالِيا " أي لمَّا أقمتُ أنا على الشكر وقطعت أنت النعمة سبقتُ أنا وصلَّيتَ أنت، وكذلك أيضاً قال ابن المعذّل: " حتَّى إذا امتدَّ المدَى بيننا جاء المصلّى وهو السابقُ " والدليل على صحة قولنا إنَّ مسلماً قال:
فأقسمتُ لا أُجزيكَ بالسُّوءِ مثله ... كفَى بالَّذي جازَيْتَنا لك جازِيا
هذا دليل واضح فمسلم وابن المعذّل جعلا الشكر ثمناً للبرّ، وإذا انقطع عنهما البرّ قطعا الشكر، وممن فضَّل البرّ على الشكر الشاعر بقوله:
بأبي شكري قليل ... وأياديك كثيرَهْ
لم يقلْ فيكَ لسانِي ... قطّ فاستوفَى ضميرَهْ
وممَّن فضَّل الشكر على النعمة الأخطل بقوله:
أبني أميةَ إن أخذتُ كثيرَكمُ ... دون الأنام فما أخذتم أكثَرُ
أبني أميةَ لِي مدائحُ فيكم ... تُنسَوْنَ إن طالَ الزَّمان وتُذكرُ
ويروى أن ابنة زهير بت أبي سلمى حضرت موضعاً فيه ابنة هرم بن سنان، فقيل لها: هذه ابنة زهير، فقالت لها: أخذ أبوك من أبي أموالاً جمَّةً، فقالت لها ابنة زهير: أخذ أبي مالاً يفنَى وأعطَى أباك ذكراً يبقَى وثناء يروَى، فقطعتها، والَّذي قيل في الشكر أكثر من أن يحويه كتاب أو يدركه إحصاء وإنَّما ذكرنا في هذا الموضع منه ما روينا وأثبتنا ما عرفناه وتجنَّينا الكثير المشهور والمستفيض المعروف.
وقال بشامة بن عمرو بن هلال، وهو خال زهير:
هجرتَ أُمامةَ هجراً طويلا ... وأعْقَبك النَّأيُ عِبئاً ثقيلا
وحُمِّلتَ منها على بُعدها ... خَيالاً يُوافي قليلاً قليلا
ونظرةَ ذي شجَن وامِقِ ... إذا ما الركائبُ جاوزنَ مِيلا
أتَتْنا لتُسائلُ عن بثّنا ... فقلنا لها قد عَزَمْنا الرَّحيلا
فبادرَتاها بمُسْتعجل ... من الدمع ينضَحُ خدّاً أسِيلا
وما كانَ أكثر ما تولَّتْ ... من القَول إلاَّ صِفاحاً وقيلا
وقرَّبتُ للرَّحل عَيرانَةً ... عُذافِرةً عنتَريساً ذمُولا
مُداخلَةَ الخَلق مضبورةً ... إذا أَخذَ الخافقاتُ المقِيلا
إذا أقبلتْ قلتَ مَذعورةً ... من الرُّبد تلحق هيقا ذَمُولا
وأن أدبرت قلت مشحونة ... أطاعَ لها الرِّيحُ فَلْغا جَفُولا
كأنَّ يدَيها إذا أرقلتْ ... وقد جرت ثم اهتدينا للسبيلا
يدَا عائم خرَّ في غَمرةٍ ... فدَاركه الموتُ إلاَّ قلِيلا
وحُبرْتُ قومي ولم ألْقَهُم ... أَجدُّوا على ذي شُوَيس جلُولا
وإمَّا هلكتُ ولم آتِهِمْ ... فأبلِغْ أَمائلَ سَهمٍ رَسُولا
بأنْ قومُكم خُيِّروا خصلَتَيْ ... نِ كلتاهما جعلوها عدُولا
فخِزيُ الحياة وخِزي المماتِ ... وكلا أراه طعاماً وبِيلا
فإلاَّ يكنْ غيرُ إحداهُما ... فسِيروا إلى الموتِ سيراً جمِيلا
ولا تَقعدوا وبكم منَّةٌ ... كفَى بالحوادثِ للمرءِ غُولا
وحُشُّوا الحروبَ إذا أُوقدَتْ ... رِماحاً طوالاً وخَيلاً فحُولا
ومِن نَسج داؤد موضونةً ... ترَى للقواضيبِ فيها صليلا
أما قوله في سير الناقة: " كأنَّ يديها إذا أرقلت " البيت، وقوله: " يدا عائم " البيت فمعنى جيد نادر، وقد أكثرت الشعراء في سرعة السير ونحن نذكر ممَّا قالوا ههنا طرفاً إن شاء الله، فمن ذلك قول الشاعر:
كأنَّ يديها إذا أرقلَت ... وصام النَّهارُ يدَا ملتدم
ومن جيد ما قيل في سرعة أيدي الإبل ما يروى لبعض شعراء الموصل:
كأنَّما طيّ الطَّريق الأطول ... ما بين أَيديها وبين الأرجُلِ
طيّ كتاب في يدَي مستَعجل
وقال رؤبة:
كأنَّ أيديهنَّ بالقاعِ القَرِقْ ... أيدي جوارٍ يتناهَبْنَ الورِقْ
وقال المثقَّب العبديّ:
كأنَّما رجعَ يدَيها إلى ... حَيزومِها فوقَ حصَى الجَدْجَدِ
نوحُ ابنة الجَون على هالِك ... تندُبُه رافعة المجلدِ
وقال الآخر:
كأنَّ يدَيها حين يقلق ظفرها ... يدَا نَصَفٍ غَيْرَى تعذَّرُ مِن جُرْمِ
ومثل هذا البيت قول الآخر:
كأنَّ يديها إذا أرقلتْ ... يدا ذاتِ ضِغن تريغ السباما
وقال جرير:
كأنَّ العرمس الوجناء منها ... عجول خرمت عنها صِدارا
ومن أجود ما قيل في هذا المعنى قول ابن أحمر:
إذا بركتْ خوَّتْ على ثَفِناتِها ... مجافيةً صُلباً كقنطرة الجسرِ
كأنَّ يدَيها حين جدَّ نجاؤُها ... طريدان والرِّجْلانِ طالِبَتا وِتْرِ
ولا نعرف في سرعة المشي أجود من هذين البيتين، وقال آخر:
كأنَّ يدَيها يدَا ماتِحٍ ... مُدِلٍّ إلى يوم وردٍ ورودا
يخاف العقابُ وفي نفسِه ... إذا هو أصدَرَ ألاَّ يَعُودا
وقال آخر:
كأنَّ ذراعَيها ذراعا بذية ... مفجّعةٍ لاقَتْ حلائلَ عنْ عُفْرِ
سمِعنَ لها واسْتَفْرَغَت في حديثها ... فلا شيء يَفري باليدين كما تَفْرِي
ومثله:
كأنَّ ذراعَيها ذراعا مُدلَّةٍ ... بعيد السِّبابِ حاولَتْ أن تعذرا
وقال آخر:
كأنَّ ذراعَيها وقد خبطت به ... وجوهَ الدُّجَى والبيد كفَّا مُلاطِمِ
وقال آخر:
عفرناةٌ كأنَّ سدى يدَيها ... إذا شُنِقَت وأوجعَها القَفارُ
يدا نوَّاحة ثكلت أباها ... تشقَّقَ عن ترائبها الصِّدارُ
آخر:
كأنَّ أيديَهُنَّ في المَوْماةِ ... أيدي عذارَى بين مُعوِلاتِ
ومثل هذا البيت الأخير:
كأنَّ يدَيها حين جدَّ نجاؤها ... يدا معوِلٍ خرقاء تسعد مأتَمَا
تُرائي الَّذين حولَها وهْيَ ليها ... رخِيّ ولا تبكي بشجو فَتيلما
يقول في هاتين القطعتين إنَّ هذه الباكية غير حزينة ولكنَّها ترائي من هبل، وهو اشد لتحريك يديها لتُشكر على ذلك وإن كان قلبها خليّاً من توجع المصيبة، وشبيه بهذا المعنى الَّذي تكلمنا عليه، لا الأول، قول بعض شعراء العرب يذكر النوائح، وإنَّ بكاءهنَّ ولطمهنَّ الصدور والخدود مُراءاةً لا لفجيعة، وهو:
وهيَّج وجد الناعجات عشيَّة ... نوائحُ أمثالُ النعامِ النوافِرِ
بكى الشجو ما دون اللَّهَى من حلوقها ... ولم يبكِ شجواً ما وراءَ الحناجِرِ
وما يعرف في ذكر النوائح أحسن من هذا ولا أبدع إصابة معنى وجودةَ لفظ، ومن المعنى الأول في سرعة السير قول الشاعر:
قطعت قيعانها بقلقلِهْ ... تلعب في البيدِ بالحصَى يدُها
وقال أبو نواس:
ما رِجلُها قفَا يدِها ... رِجْلُ وليدٍ يلهو بدبُّوقِ
وقال آخر:
خُوص نواجٍ إذا صاحَ الحُداةُ بها ... رأيتَ أرجُلَها قدَّامَ أيدِيها
وهذا البيت من الإغراق المتفاوت، وهو من أحسن ما نعرف في هذا الباب، وقد ذكرنا من هذا المعنى شيئاً وبقيت أشياء تأتي إن شاء الله.
حاول الشعراء أن يأتوا بمثل قول النبي ﷺ في البراق وهو يضع حافره منتهى بصره، فما بلغوه.
قال الشنفرى من قصيدة:
لعمرك ما بالأرضِ ضيقٌ على امرئٍ ... سرَى راغباً أو راهباً وهْوَ يعقِلُ
إذا مُدَّتِ الأيدي إلى الزَّادِ لم أكنْ ... بأعجَلِهم إذا أجشَعُ القومِ أَعجلُ
وما ذاك إلاَّ بسطةٌ من تطوّلٍ ... عليهم وكانَ الأفضلَ المتطوِّلُ
وأستفُّ تُربَ الأرض كي لا يرَى له ... عليَّ من الفضلِ امرؤٌ متفضِّلُ
ولولا اتّقاء الذّلّ لم يلف مَشربٌ ... يُعاشُ به إلاَّ لدَيَّ ومأكَلُ
ولكنَّ نفساً حرَّةً لا تُقيمُ بي ... على الخَسفِ إلاَّ رَيثما أتحوَّلُ
وفي الأرضِ منأى للكريمِ عن الأذَى ... وفيها لمَن رامَ القِلَى متعزَّلُ
وهذه القصيدة كثيرة المحاسن، وقد قدمنا ذكر شيء منها في صدر كتابنا هذا، ونحن نذكر منها بعد هذا الاختيار أشياء أُخر في مواضعها.
أما قوله: " ولكن نفساً حرَّة " البيت، " وفي الأرض منأى " البيت، فهو معنى قد أكثرت الشعراء فيه، ونحن نذكر منه شيئاً، والأصل في هذا امرؤ القيس بقوله:
وإذا أُذيتُ ببلدة ودَّعتُها ... إذ لا أُقيمُ بغير دار مُقامِ
فأخذه لبيد فقال:
أو لم تكن تدري نوار بأنَّني ... وصَّالُ عقد حبائلٍ جذامُها
نزَّالُ أمكنةٍ إذا لم أرْضَها ... أو يعتلِق بعض النُّفوس حِمامُها
وقال جرير:
وإنِّي لعفّ الفَقر مُشتركُ الغِنَى ... سريعٌ إذا لم أرضَ داري احتماليا
وقال أوس بن حَجَر:
أُقيمُ بدار الحزم ما دام حزمُها ... وأحرِ إذا حالَت بأنْ أتحوَّلا
وقال:
احذَرْ محلَّ السوءِ لا تحلُلْ به ... وإذا نبَا بكَ منزلٌ فتحوَّلِ
ويروى أنَّ هبنَّقة القيسي، الَّذي يحمَّق، سمع منشداً ينشد هذا البيت، فقال: أخطأ القائل، قيل له: ولِمَ؟ قال: لأنَّ أهل السجون قد نبا بهم منزلهم ولا يقدرون على التحوّل، ولكنَّ الصَّواب أن يقول:
إذا كنت في دارٍ يهينك أهلُها ... ولم تكُ مكبولاً بها فتحوَّلِ
وقد أتى الراعي بهذا المعنى فقال:
لا خير في طولِ الإقامة لفتَى ... إلاَّ إذا ما لم يجد متحوّلا
وقال آخر:
أُقيمُ بالدَّار ما اطمأنَّت بي الدَّا ... رُ وإن كنتُ نازعاً طربا
وأيُّ أرض نبت بي الدَّارُ عجَّلْ ... تُ إلى غير أهلها الهربا
قال آخر:
ودار هوان أنفتُ المقام ... بها فحللتُ محلاً كريما
وقال مسكين الدارميّ:
أُقيمُ بدار الحيّ ما لم أُهَنْ بها ... وإنْ خفتُ من دارٍ هواناً تركتُها
آخر:
وكنتُ إذا دارٌ نبَتْ بي تركتها ... لغيري ولم أقعدْ على شرِّ مقعدِ
آخر
فإن تُنصِفونا يالَ مروانَ نقتربْ ... إليكم وإلاَّ فأذَنُوا ببعادِ
فإنَّ لنا عنكم مراحاً ومرحلا ... بعيس إلى ريح الفلاةِ صوادِي
وفي الأرض عن دار القلى متحوّل ... وكلّ بلاد أوطِئَتْ كبلادِي
وقال عبد الله بن الحسن:
فإن بنتِ عنّي أو تُرد لي إهانةً ... أجِدْ عنكِ في الأرض العريضة مذهبا
فلا تحسبنَّ الأرض باباً سدَدْتهِ ... عليَّ ولا المصرَين أُمّاً ولا أبا
آخر:
لا خيرَ في بلد يُضام نزيلُه ... وعن الهوان مذاهب ومنادِحُ
آخر:
فإن بلدة أعيا عليَّ طلابُها ... صرفتُ لأخرى رحلتي وركابي
آخر:
فإذا الديار تنكرتْ عن أهلها ... فدعِ الديارَ وأسرعِ التحويلا
ليس المقامُ عليك حَتماً واجباً ... في منزل يدعُ العزيزَ ذليلا
وقال أبو تمّام الطائي:
فإن صريح الرأي والحزم لامرئٍ ... إذا بلغتْهُ الشمسُ أن يتحوَّلا
وقال سعيد بن هاشم الخالديّ:
غيري أقامَ بدار مَضْيعَةٍ ... ولسانهُ عَضْبٌ ومُنصَلهُ
وقال آخر:
إذا ما الرَّقتانِ تجافياني ... فما الدُّنيا عليَّ الرقَّتان
سيُنصفني صديق من صديقٍ ... ويحملني مكانٌ عن مكانِ
آخر:
وقد عَجَنتْ منّي الخطوبُ ابنَ حُرَّةِ ... متى ما مرَتْه منزلَ السوء يرحلِ
هذا الباب متَّسع، وقد ذكرنا منه ها هنا قطعة صالحة إلى أن نحتاج إلى ذكر شيء منه بعد هذا الموضع فنذكره.
قال العوَّام بن عقبة بن كعب بن زهير بن أبي سُلمى:
وخُبِّرتُ ليلى بالعراقِ مريضة ... فأقبَلْتُ من مصرٍ إليها أعودُها
هذا البيت تناحرَ الشعراء فيه:
فوالله ما أدري إذا أنا جِئْتُها ... أأبْرِئها من دائها أم أزيدُها
ألا ليتَ شعري هل تغيَّرَ بعدَنا ... ملاحةُ عَينَي أمّ يحيَى وجيدُها
وهل أخلقَتْ أثوابُها بعد جدَّة ... ألا حبَّذا خُلقانُها وجديدُها
خليليَّ قوماً بالعمامةِ واعصبا ... على كبدٍ لم يبق إلاَّ عميدُها
ولن يلبث الواشون أن يصدعوا العصا ... إذا لم يكن صلباً على البرْيِ عودُها
لقد كنتُ جلْداً قبل أن توقِدَ النَّوى ... على كبدي ناراً بطيئاً خُمودُها
ولو تُرِكتْ نارُ الهوَى لتضَرَّمتْ ... ولكنَّ شوقاً كلَّ يوم يزيدُها