← Тараджим

Тараджим · id 1080

المختصر من كتاب السياق لتاريخ نيسابور - لمجهول

مجهولون

Полный текст (409 стр.). Показаны 386–409 · переход к 391.

стр. 386

سمع الحديث عن الشيخ أبي القاسم السرّاج وطبقته. توفي سنة اثنتين وسبعين وأربع مئة. ٢٣١٥ - (١) -[أبو القاسم النصروي] ومنهم يحيى بن زيد بن عبد الرحمان بن حمدان ابو القاسم رجل سديد صالح، حافد الشيخ أبي سعد (٢) النصروي، من أهل بيت العدالة والورع. سمع الحديث من مشايخ الطبقة الثانية [٩٦ ب]. ولد تاسع عشر شهر رمضان سنة سبع عشرة، وتوفي يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من جمادى الآخرة سنة [تسع] وثمانين وأربع مئة. ٢٣١٦ - (٣) -[أبو صالح الناصحي] ومنهم يحيى بن عبد الله بن الحسين أبو صالح القاضي الإمام ابن قاضي القضاة أبي محمد الناصحي، رجل فقيه مدرّس مفت على مذهب أبي حنيفة، من بيت العلم والقضاء والإمامة. سمع الحديث من مشايخ الطبقة الثانية وتفقّه على أبيه وتولّى نيابة القضاء مدّة وأملى سنين. ولد سنة خمس وعشرين وأربع مئة، وتوفي يوم السبت الحادي عشر من ذي الحجّة سنة خمس وتسعين وأربع مئة. ٢٣١٧ - (٤) -[أبو عمرو القاضي] ومنهم يحيى بن صاعد بن سيّار أبو عمرو القاضي الإمام قاضي هراة ونواحيها، رجل كبير فاضل من كبار أئمّة العصر وفضلائهم، له النظم الفايق في الطبقة الأولى، والنثر الرائق على الدرجة

стр. 387

العليا، والفقه البالغ درجة الفتوى، والنظر والوصول فيه إلى الغاية القصوى. دخل نيسابور مرّات، سمع الحديث وروى عن أبيه وجدّه. توفي في جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وخمس مئة. فمن مليح أشعاره ما أنشدنيه بهراة [ظ]: قد نعمنا بلذاذات الصبا … ورضعنا بأفاريق النسم (١) ولهونا ونزونا طربا … مثل ما ينزو صغيرات النعم وأتينا ما اتاه بشر … فإذا عاقبة الكلّ الندم وله قوله في الإمام محمد بن الإمام أبي المظفر منصور بن محمد السمعاني: قل للإمام ابن الإمام محمد … بن مظفر بن محمد السمعاني عشقتك عيني إذ رأتك … وكان من قبل اللقاء يحبك السمعان وأجابه الإمام محمد: حييت بيحيى إذ رزقت لقاءه … ونلت به جدّا لأمري مساعدا فلا زال يحيى واسمه فال عمره … وكاسم أبيه نجمه دام صاعدا ٢٣١٨ - (٢) -[أبو بكر اللبيكي] ومنهم يحيى بن أبي القاسم عبد الرحيم بن محمد المقري اللبيكي الاستاذ أبو بكر رجل سديد صالح عفيف فاضل ورع، مقبل على شأنه مشتغل بنفسه، مواظب على العبادة [٩٧ أ]. سمع الحديث الكثير من مشايخ الطبقة الثانية مثل الإمام شيخ الإسلام الصابوني، وابن مسرور، والكنجروذي، وأبي الحسين عبد الغافر، والبحيريّة، وأبي يعلى [إسحاق بن عبد الرحمان الصابوني] وغيرهم، وأملى مدّة على وجه الصحّة والسداد، ثمّ تركه اختيارا وانزوى.

стр. 388

من اسمه يعقوب من الطبقة الأولى ٢٣١٩ - (١) -[أبو يوسف النوقيري] يعقوب بن محمد بن شاذان النوقيري أبو يوسف، شيخ مستور صالح من الدهاقين. سمع الحديث من أبي علي الرفاء الهروي وطبقته، ثمّ عن أبي العبّاس الميكالي ومن بعده. ومن الطبقة الثالثة ٢٣٢٠ - (٢) -[أبو بكر الصيرفي] يعقوب بن أحمد بن محمد بن علي أبو بكر ابن أبي يوسف الصيرفي، شيخ نبيل ثقة، من أولاد

стр. 389

المياسير. لقي المشايخ والصدور، وخدم في صباه وشبابه مجلس الإمام أبي الطيب سهل بن محمد بن سليمان الصعلوكي، وكان مليح العشرة ظريف المشاهدة. سمع الحديث عن أبي بكر ابن عبدوس الحيري وأبي محمد المخلدي وعن ابن جهضم بمكة وعن أصحاب الأصم. توفي بغتة سنة ست وستين وأربع مئة. ٢٣٢١ - (١) -[أبو يوسف الكردي الأديب] ومنهم يعقوب بن أحمد بن محمد بن محمد بن أحمد القارئ الأديب البارع الكردي [اللغوي] أبو يوسف، أستاذ البلد واستاذ العربيّة واللغة، شيخ معروف مشهور، كثير التصانيف والتلامذة، مبارك النفس [جمّ الفوائد والنكت والطرف]. قرأ الأصول على الحاكم أبي سعد ابن دوست وعلى غيره، وصحب الأمير أبا الفضل الميكالي ورأى العميد أبا بكر القهستاني، وقرأ الحديث على المشايخ، وكان متواضعا خفيف المعاشرة، كثير المخالطة للأدباء، سهل النظم والنثر، له مكاتبات واخوانيات نظما ونثرا. توفي في رمضان سنة أربع وسبعين وأربع مئة. حدّث عن أبي القاسم السرّاج وابن فنجويه والاستاذ أبي الحسن الفارسي والقاضي أبي بكر الحيري وطبقة أصحاب الأصم. فمن أشعاره: الدهر أخبث صاحب … واللؤم من أوصافه إن شئت أن تحظى به … كن مثله أو صافه [وله: لا تحسبوا الخال الذي راعكم … إلاّ سويداء فؤادي الكلف

стр. 390

أراد لثم الخط في خدّه ال … موصوف بالحسن فلم ينصرف] [هذا] آخر الكتاب والحمد لله وحده وصلواته على سيّدنا محمد وآله وسلام [هـ].

стр. 391

الملحقات

стр. 392

[أبو عثمان الصابونى] ذكره عبد الغافر فى السياق، فقال: هو الأستاذ الإمام، شيخ الإسلام أبو عثمان، الخطيب، المفسر، المحدّث، الواعظ، أوحد وقته فى طريقته، وعظ المسلمين في مجالس التّذكير ستيّن سنة، وخطب وصلّى فى الجامع، يعنى بنيسابور نحوا من عشرين سنة. ثم قال: ورزق العزّ، والجاه، فى الدّين والدّنيا، وكان جمالا للبلد، زينا للمحافل والمجالس، مقبولا عند الموافق والمخالف، مجمعا على أنه عديم النّظير، وثّق السّنّة، ودافع البدعة. وهو النّسيب، المعمّ المخول، المدلى، من جهة الأمومة إلى الحنفيّة، والفضليّة، والشّيبانيّة، والقرشيّة، والتّميميّة، والمزنيّة، والضبّيّة، من الشّعب النّازلة إلى الشيخ أبى سعد يحيى بن منصور بن حسنويه السّلمىّ، الزاهد الأكبر، على ما هو مشهور من أنسابهم، عند جماعة من العارفين بالأنساب؛ لأنه أبو عثمان إسماعيل بن زين البيت ابنة الشيخ أبى سعد الزّاهد بن أحمد بن مريم بنت أبى سعد الأكبر الزّاهد. وأمّا من جهة الأب، فهو الأصل الذى لا يحتاج نسبه إلى زيادة، فقال: وكان أبوه أبو نصر من كبار الواعظين بنيسابور، ففتك به لأجل التّعصّب والمذهب، وقلّد الأمة صبيّا، بعد حول سبع سنين، فاستدعى أن يذكر صبيّا، دعى للختم على رأس قبر أبيه كلّ يوم، وأقعد بمجلس الوعظ مقام أبيه، وحضر أئمّة الوقت مجالسه. وأخذ الإمام أبو الطّيّب سهل بن محمد بن سليمان الصّعلوكىّ فى تربيته، وتهيئة أسبابه، و

стр. 393

ترتيب حشمته ونوبه، وكان يحضر مجالسه، ويثنى عليه، مع تكبّره فى نفسه، وكذلك سائر الأئمة، كالأستاذ الإمام أبى إسحاق الإسفراينىّ، والأستاذ أبى بكر بن فورك، وسائر الأئمّة كانوا يحضرون مجلس تذكيره، ويتعجبّون من كمال ذكائه، وعقله، وحسن إيراده الكلام، عربيّه وفارسيّه، وحفظه الأحاديث، حتى كبر، وبلغ مبلغ الرّجال، وقام مقام أسلافه فى جميع ما كان إليهم من النّوب. ولم يزل يرتفع شأنه، حتى صار إلى ما صار إليه، من الحشمة التّامّة، والجاه العريض، وهو فى جميع أوقاته مشتغل بكثرة العبادات، ووظائف الطّاعات، بالغ فى العفاف، والسّداد، وصيانة النفس، معروف بحسن الصلاة، وطول القنوت، واستشعار الهيبة، حتى كان يضرب به المثل فى ذلك. وكان محترما للحديث، ولثبت الكتب. قرأت من خطّ الفقيه أبى سعيد السّكّرىّ، أنه حكى عن بعض من يوثق بقوله من الصالحين، أن شيخ الإسلام، قال: ما رويت خبرا، ولا أثرا فى المجلس، إلاّ وعندى إسناده، وما دخلت بيت الكتب قطّ، إلا على طهارة، وما رويت الحديث، ولا عقدت المجلس، ولا قعدت للتّدريس قطّ، إلا على الطهارة. وقال: منذ صحّ عندى أن النبىّ ﷺ كان يقرأ بسورة الجمعة والمنافقين، فى ركعتى صلاة العشاء، ليلة الجمعة، ما تركت قراءتهما فيهما. قال: وقد كنت فى بعض الأسفار المخوفة، وكان أصحابى يفرفون من اللّصوص وقطّاع الطريق، وينكرون علىّ فى التّطويل بقراءة السورتين، وغير ذلك، فلم أمتنع عن ذلك، ولم أنقص شيئا مما كنت أواظب عليه فى الحضر، فتولاّنا الله بحفظه، ولم تلحقنا آفة. وقرأت من خط السّكرىّ أيضا، قال: قرأت فى كتاب كتبه الإمام سهل الصّعلوكىّ، إلى زاهر بن أحمد الإمام بسرخس، حين قصد الأستاذ الإمام إسماعيل أن يرحل إليه: لسماع الحديث صباء، قعد ما قتل أبوه شهيدا، وفى الكتاب بعد الخطاب: «وإذا عدّت الأحداث التى كانت فى هذه السّنين الخالية قطارا، أرسالا، ومتّصلة اتّصالا، ومتوالية حالا فحالا، كان أعظمها نكاية فى الدّين، وجناية عليه، ما جرى من الفتك بأبى نصر الصّابونىّ، ﵀، نهارا؛ والمكر الذى مكر به كبّارا؛ كما إذا عدّت غرائب الوقت، وعجائبه فى الحسن، كان بولده الولد الفقيه أبى عثمان

стр. 394

إسماعيل، أدام الله بقاء وسلامته الابتداء، وبذكره الافتتاح؛ فإنه بلغ ولم يبلغ بالسّنّ ما تقصر عنه الأمنيّة والاقتراح، من التّدبّر، والتّعلّم، والوجاهة، والتّقدّم على التّحفّظ، والتّورّع، والتيّقّظ، وقد كان فى نفسه لذكائه، وكيسه، وفطنته، وهدايته وعقله الرّحلة إلى الشيخ» فذكر فصلا فيه، ثم قال: «ولا نشك أنه يصادف منه فى الإكرام، والتّقديم، والتّعظيم ما يليق بصفاته، وإنجابه، ودرجاته، وأنا شريك فى الامتنان لذلك كلّه، وراغب فى تعجيل إصداره إلى موضعه، ومكانه فى عمارة العلم، بقعوده للتّذكير والتّبصير، وما يحصل به من النّفع الكثير؛ فإن الرجوع لغيبته شديد، والاقتضاء بالعموم لعوده أكيد، والسلام». وذكر عن الشيخ أحمد البيهقىّ، أنه قال: عهدى بالحاكم الإمام أبى عبد الله، مع تقدّمه فى السّنّ، والحفظ، والإتقان، أنه يقوم للأستاذ عند دخوله إليه، ويخاطبه بالأستاذ الأوحد، وينشر علمه وفضله، ويعيد كلامه فى وعظه، متعجّبا من حسنه، معتدّا بكونه من أصحابه. قال السّكّرىّ: ورأيت كتاب الأستاذ الإمام أبى إسحاق الاسفراينى، الذى كتبه بخطّه، وخاطبه بالأستاذ الجليل، سيف السّنّة، وفى كتاب آخر: غيظ أهل الزّيغ. وحكى الأستاذ أبو القاسم الصّيرفىّ المتكلّم، أن الإمام أبا بكر بن فورك كان رجع عن مجلسه يوما، فقال: تعجّبت اليوم من كلام هذا الشّابّ، تكلم بكلام مهذّب عذب، بالعربيّة والفارسيّة. وحكى عن الشيخ الإمام سهل أيضا أنه كان يقول له بالفارسية: (أبى سرايخ براتيش است بيش است) قرأت بخط السّكّرىّ، أن الأستاذ أبا عثمان كان يتكلّم بين يدى الإمام سهل الصّعلوكىّ، وكان ينحرف بوجهه عن جانبه، فصاح به الإمام سهل: استقبلنى، واترك الانحراف عنّى. فقال: إنّى أستحي أن أتكلّم فى حرّ وجهك. فقال الإمام سهل: انظروا إلى عقله. ولقد أكثر الأئمّة الثّناء عليه، ولذلك مدحه الشّعراء فى صباه، إلى وقت شبابه ومشيبه، بما يطول ذكره، فمن ذلك ما قال فيه بعض من ذكر [من] أئمّة الأصحاب: بينا المهذّب إسماعيل أرجحهم … علما وحلما ولم يبلغ مدى الحلم وكتب أبو المظفّر الجمحىّ إليه، بعد أن سمع خطبته، بهذه الأبيات: أستدفع الله عنه آفة العين … وكم قرأت عليه آية العين

стр. 395

العلم يفخر والآداب فاخرة … منيرة يهتدى فيها ذوو الشّين لو عاد سحبان حيّا قال من عجب … عين الإله على عين الفريقين قد كان دينى على إتمام رؤيته … لمّا رأيت محيّاه قضى دينى قل للّذى زانه علم ومعرفة … كم للعلوم بإسماعيل من زين وقال فيه البارع الرّويانىّ: ماذا اختلاف النّاس فى متفنّن … لم يبصروا للقدح فيه سبيلا والله ما رقى المنابر خاطب … أو واعظ كالحبر إسماعيلا ولقد عاش عيشا حميدا، بعد ما قتل أبوه شهيدا، إلى آخر عمره، فكان من قضاء الله تعالى، أنه كان يعقد المجلس، فيما حكاه الأثبات والثّقات، يوم الجمعة، فى جانب الحسين، على العادة المألوفة منذنيّف وستيّن سنة، [و] يعظ الناس، فبالغ فيه، ودفع إليه كتاب ورد من بخارى مشتملا على ذكر وباء عظيم، وقع بها، واستدعى فيه أغنياء المسلمين بالدعاء على رؤس الأملاء، فى كشف ذلك البلاء عنهم، ووصف فيه أن واحدا تقدّم إلى خبّاز، يشترى الخبز، فدفع الدّراهم إلى صاحب الحانوت، فكان يزنها، والخبّاز يخبز والمشترى واقف، فمات الثّلاثة فى الحال، فاشتدّ الأمر على عامّة الناس. فلما قرأ الكتاب هاله ذلك، واستقرأ من القارئ قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ ونظائرها، وبالغ فى التّخويف والتّحذير، وأثّر فيه ذلك، وتغيّر فى الحال، وغلبه وجع البطن من ساعته، وأنزل من المنير، فكان ظهرا لبطن، ويصيح من الوجع، وحمل إلى الحمّام، إلى قريب من غروب الشمس، فكان يتقلّب ظهرا لبطن، ويصيح ويئنّ، فلم يسكن ما به، فحمل إلى بيته، وبقى فيه ستّة أيام، لم ينفعه علاج. فلما كان يوم الخميس، سابع مرضه، ظهرت آثار سكرة الموت عليه، وودّع أولاده، وأوصاهم بالخير، ونهاهم عن لطم ألخدود، وشقّ الجيوب، والنيّاحة، ورفع الصّوب بالبكاء. ثم دعا بالمقرئ أبى عبد الله خاصّته، حتى قرأ سورة يس، وتغيّر حاله، وطاب وقته، وكان يعالج سكرات الموت، إلى أن قرأ إسنادا، فيه ما روى، أنّ رسول الله ﷺ ، قال: «من كان آخر كلامه لا إله إلاّ الله دخل الجنّة» ثم توفّى من ساعته، عصر يوم الخميس، وحملت جنازته من الغد، عصر يوم الجمعة، إلى ميدان الحسين، الرابع من المحرّم، سنة تسع وأربعين و

стр. 396

أربعمائة، واجتمع من الخلائق ما الله أعلم بعددهم، وصلّى عليه ابنه أبو بكر، ثم أخوه أبو يعلى، ثم نقل إلى مشهد أبيه، فى سكّة حرب، ودفن بين يدى أبيه. وكان مولده سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، وكان وفاقه طاعنا فى سنة سبع وسبعين من سنته. وسمعت الإمام خالى أبا سعيد يذكر مجلسه فى موسم من ذلك العام، على ملأ عظيم من الخلق، وأنه يصيح بصوت عال مرارا ويقول لنفسه: يا إسماعيل هفتا دو هفت هفتا دو هفت، بالفارسيّة، فلم يأت عليه إلاّ أيام قلائل، ثم توفّى؛ لأنه كان يذكر المشايخ الذين ماتوا فى هذه السن من أعمارهم. ثم قرأت فى المنامات التى رؤيت له فى حياته، وبعد مماته، أجزاء لو حكيتها لطال النّفس فيها، فأقتصر على شئ من ذلك: ومن جملته، ما حكاه الفقيه أبو المحاسن بن الشيخ أبى الحسن القطّان؛ فى عزاء شيخ الإسلام، أنه رأى فى النوم كأنه فى خان الحسن، وشيخ الإسلام على المنير، مستقبل القبلة يذكّر النّاس، إذ نعس نعسة، ثم انتبه، وقال: نعست نعسة، فلقيت ربّى، ورحمنى، ورحم أهلى، ورحم من شيّعنى. وحكى الثّقات، عن المقرئ أبى عبد الله، المخصوص به، أنه رأى قبيل مرض شيخ الإسلام، كأن منبره خال عنه، وقد أحدق الناس بالمقرئ، ينتظرون قراءته، فجاء على لسانه: ﴿وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ الآية. قال: فانتبهت، ولم أر أحدا، فما مضت إلا أيام قلائل، حتى بدأ مرضه، وتوفّى منه. وحكى بعض الصالحين، أنه رأى أبا بكر بن أبى نصر المفسّر الحنفىّ، جالسا على كرسىّ، وبيده جزء يقرؤه، فسأله عمّا فيه، فقال: إذا احتاج الملائكة إلى الحجّ، وزيارة بيت الله العتيق، جاءوا إلى زيارة قبر إسماعيل الصّابونىّ. وقرأت من خطّ الفقيه أبى سعد السّكّرىّ، أنه حكى عن السيّد أبى إبراهيم بن أبى الحسن بن ظفر الحسينىّ، أنه قال: رأيت فى النوم السّيّد النّقيب زيد بن أبى الحسن بن الحسين بن محمد بن الحسين، وبين يديه طبق عليه من الجواهر ما شاء الله، فسألته، فقال: أتحفت بهذا ممّا نثر على روح إسماعيل الصّابونىّ. وحكى المقرث محمد بن عبد الحميد الأبيوردىّ، الرجل الصّالح، عن الإمام فخر الإسلام أبى

стр. 397

المعالى الجوينىّ، أنه رأى فى المنام، كأنه قيل له: عدّ عقائد أهل الحقّ. قال: فكنت أذكرها إذ سمعت نداء كان مفهومى منه، أنّى أسمه من الحقّ ﵎، يقول: ألم نقل إن ابن الصّابونىّ رجل مسلم. وقرأت أيضا، من خطّ السّكّرىّ حكاية رؤيا رآها الشيخ أبو العباس الشّقّانىّ، واستدعى منه شيخ الإسلام أن يكتبها، فكتب: يقول أحد بن محمد الحسنوىّ: لولا امتناع خروجى عن طاعة الأستذ الإمام شيخ الإسلام؛ لوجوبها علىّ، لم أكن لأحكى شيئا من هذه الرّؤيا، هيبة لها، لما فيها ممّا لا أستجيز ذكرها، فرقا منها، ثم ذكر زيارته لتربة الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة يوما، وأنه طاب وقته عندها، فرجع إلى بيته، ونام وقت الهاجرة، فرأى الحقّ ﵎ فى منامه ذكر الإمام بما قال، ولم يحك ذلك، ثم عقّب ذلك بحديث الأستاذ الإمام، وذكر أشياء نسيت بعضها، والذى أذكر منها، أنه قال: وأما ابن ذلك المظلوم، فإن له عندنا قرى، ونعمى، وزلفى. إلى آخر ما كان منه. ثم قال أبو العباس: كتبته، وحقّ الحقّ، لحرمته، وطاعة لأمره. وقرأت من خطّ قديم معروف، أنه حكى عن يهودىّ أنه قال: اغتممت لوفاة أبى نصر الصّابونىّ، وقتله، فاستغفرت له، ونمت، فرأيته فى المنام، وعليه ثياب خضر، ما رأيت مثلها قطّ، وهو جالس على كرسىّ، بين يديه جماعة كثيرة من الملائكة، وعليهم ثياب خضر، فقلت: يا أستاذ أليس قد قتلوك؟ قال: فعلوا بى ما رأيت. فقلت: ما فعل بك ربّك؟ قال: يا أبا جوانمرد، كلمة بالفارسيّة، لمثلى يقال هذا؟ غفر لى، وغفر لمن صلّى علىّ، كبيرهم وصغيرهم، ومن يكون على طريقى. قلت: أمّا أنا فلم أصلّ عليك. قال: لأنك لم تكن على طريقى. فقلت: إيش أفعل لأكون طريقك؟ فقال: قل أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. فقلت ذلك؛ ثم قلت: أنا مولاك.

стр. 398

قال: لا، أنت مولى الله. قال: فانتبهت، فجاء من عنده إلى قبره، وذكر ما رأى فى المنام، وقال: أنا مولاه، وأسلم عند قبره، ولمى يأخذ شيئا من أحد، إنّى غنىّ، أسلمت لوجه الله، لا لوجه المال. وحكى أبو سهل بن هارون، قال: قال أبو بكر الصّيدلانىّ، وكان من الصالحين: كنت حاضرا قبره؛ حين جاء اليهودىّ، فأسلم. وقرأت من مضمون كتاب، كتبه الإمام زين الإسلام، من طوس، فى تعزية شيخ الإسلام أبى عثمان، فصولا، كتبت منها هذه الكلمات اختصارا: «يا ليلة فترة الشّريعة، ليتك ترى الإصباح، ويا محنة أهل السنة، أنخت بكلكلك، لعلّه لا براح، ويا معراج السّماء ليت شعرى كيف حالك؟ وقد خلوت من صواعد دعوات مجلس شيخ الإسلام، ويا ضلّة الإسلام، لولا أنك محكوم لك بالدّوام لقلنا فنيت عن كل النّظام؛ ويا أصحاب المحابر، حطوار حالكم، فقد استر بخلال التّراب من كان عليه إلمامكم، وبا أرباب المنابر، أعظم الله أجوركم. فلقد مضى سيّدكم وإمامكم. وقالو الإمام قضى نحبه … وصيحة من قد نعاه علت فقلت فما واحد قد مضى … ولكنّه أمّة قد خلت وفيه فى فصل آخر «أليس لم يجسر مفتر أن يكذب على رسول الله ﷺ فى وقته؟ أليست السّنة كانت بمكانة منصورة، والبدعة لفرط حشمته مقهورة؟ أليس كان داعيا إلى الله، هاديا عباد الله، شابّا لا صبوة له، ثم كهلا لا كبوة له، ثم شيخا لا هفوة له؟، أليس دموع ألوف من المسلمين كلّ مجلس بذكره كانت تتبّرج، وقلوبهم بتأثير وعظه كانت تتوهّج؟ ترى أن الملائكة لم يؤمروا باستقباله، والأنبياء والصّدّيقين، لم يستبشروا بقدومه عليهم وإقباله»! قلت: ولما انقلب إلى رحمة الله، كثرت فيه المراثى والأشعار، وكانت حاله كما قيل: لقد حسنت فيك المراثى وذكرها … كما حسنت من قبل فيك المدائح ومن أحسن ما قيل فيه، ما كتبته بهراة، فى مرثيته للإمام جمال الإسلام أبى الحسن عبد الرحمن بن محمد الدّاوودىّ البوشنجىّ، حيث يقول: أودى الإمام الحبر إسماعيل … لهفى عليه فليس منه بديل بكت السّما والأرض يوم وفاته … وبكى عليه الوحى والتّنزيل والشّمس والقمر المنير تناوحا … حزنا عليه وللنجوم عويل

стр. 399

والأرض خاشعة تبكّى شجوها … ويلى تولول أين إسماعيل إن الإمام الفرد فى آدابه … ما إن له فى العالمين عديل لا تخدعنك منى الحياة فإنّها … تلهى وتنسى والمنى تضليل وتأهّبن للموت قبل نزوله … فالموت حتم والبقاء قليل هذا كلام عبد الغافر، وقد اشتمل من ترجمة شيخ الإسلام على ما فيه مقنع وبلاغ. [طبقات الشافعية الكبرى، ج ٤، س ٢٧٣ - ٢٨٣]. [إمام الحرمين الجوينى] قال عبد الغافر الفارسى الحافظ، فى سياق نيسابور: إمام الحرمين، فخر الإسلام، إمام الأئمة على الإطلاق، حبر الشريعة، المجمع على إمامته، شرقا وغربا، المقرّ بفضله السّراة والحداة، عجما وعربا، من لم تر العيون مثله قبله، ولا ترى بعده. ربّاه حجر الإمامة، وحرك ساعد السعادة مهده، وأرضعه ثدى العلم والورع، إلى أن ترعرع فيه ويفع. أخذ من العربية وما يتعلّق بها أوفر حظّ ونصيب، فزاد فيها على كل أديب، ورزق من التوسّع فى العبارة وعلوّها ما لم يعهد من غيره، حتى أنسى ذكر سحبان، وفاق فيها الأقران، وحمل القرآن، فأعجز الفصحاء اللّدّ، وجاوز الوصف والحدّ، وكل من سمع خبره ورأى أثره، فإذا شاهده أقرّ بأن خبره يزيد كثيرا على الخبر، ويبرّ على ما عهد من الأثر. وكان يذكر دروسا، يقع كلّ واحد منهما فى أطباق وأوراق، لا يتعلثم فى كلمة، ولا يحتاج إلى استدراك عثرة، مرّا فيها كالبرق الخاطف، بصوت مطابق كالرّعد القاصف، ينزف فيه له المبرّزون، ولا يدرك شأوء المتشدّقون المتعمقّون، وما يوجد منه فى كتبه من العبارات البالغة كنه الفصاحة غيض من فيض ما كان على لسانه، وغرفة من أمواج ما كان يعهد من بيانه. تفقه فى صباه على والده ركن الإسلام، فكان يزهى بطبعه وتحصيله، وجودة قريحته، وكياسة غريزته، لما يرى فيه من المخايل، فحلفه فيه من بعد وفاته، واتى على جميع مصنّفاته، فقلبها ظهرا البطن، وتصرّف فيها، وخرّج المسائل بعضها على بعض، ودرّس سنين، ولم يرض فى شبابه

стр. 400

بتقليد والده وأصحابه، حتى أخذ فى التحقيق وجدّ واجتهد فى المذهب والخلاف ومجلس النظر، حتى ظهرت نجابته، ولاح على أيامه همّة أبيه وفراسته، وسلك طريق المباحثة، وجمع الطّرق بالمطالعة والمناظرة والمناقشة، حتى أربى على المتقدّمين، وأنسى تصرفات الأوّلين، وسعى فى دين الله سعيا يبقى أثره إلى يوم الدّين. ومن ابتداء أمره أنه لما توفّى أبوه كان سنّه دون العشرين أو قريبا منه، فأقعد مكانه للتدريس، فكان يقيم الرّسم فى درسه، ويقوم منه ويخرج إلى مدرسة البيهقىّ، حتى حصّل الأصول وأصول الفقه، على الأستاذ الامام أبى القاسم الإسكاف الإسفراينى، وكان يواظب على مجلسه، وقد سمعته يقول فى أثناه كلامه: كنت علّقت عليه فى الأصول أجزاء معدودة، وطالعت فى نفسى مائة مجلّدة. وكان يصل الليل بالنهار فى التحصيل حتى فرغ منه، ويبكّر كلّ يوم قبل الاشتغال بدرس نفسه إلى مجلس الأستاذ أبى عبد الله الخبّازى يقرأ عليه القرآن، ويقتبس من كل نوع من العلوم ما يمكنه، مع مواظبته على التدريس، وينفق ما ورثه وما كان له من الدخل على [إجراء] المتفقّهة، ويجتهد فى ذلك ويواظب على المناظرة، إلى أن ظهر التعصّب بين الفريقين، واضطربت الأحوال والأمور، فاضطّر إلى السفر والخروج عن البلد، فخرج مع المشايخ إلى العسكر، وخرج إلى بغداد يطوف مع العسكر، ويلتقى بالأكابر من العلماء ويدارسهم ويناظرهم، حتى تهذّب فى النظر، وشاع ذكره. ثم خرج إلى الحجاز، وجاور بمكة أربع سنين يدرّس ويفتى، ويجمع طرق المذهب، ويقبل على التحصيل، إلى أن اتفق رجوعه بعد مضىّ نوبة التعصّب، فعاد إلى نيسابور، وقد ظهرت نوبة ولاية السلطان ألب أرسلان، وتزيّن وجه الملك بإشارة نظام الملك، واستقرّت أمور الفريقين، وانقطع التعصّب، فعاد إلى التدريس، وكان بالغا فى العلم نهايته، مستجمعا أسبابه، فبنيت المدرسة الميمونة النّظاميّة، وأقعد للتدريس فيها، واستقامت أمور الطلبة. وبقى على ذلك قريبا من ثلاثين سنة، غير مزاحم ولا مدافع، مسلّم له المحراب والمنبر والخطابة والتدريس ومجلس التذكير يوم الجمعة والمناظرة، وهجرت له المجالس، وانغمر غيره من الفقهاء بعلمه وتسلّطه، وكسدت الأسواق جنبه، ونفق سوق المحقّقين من خواصّه وتلامذته، وظهرت تصانيفه، وحضر درسه الأكابر والجمّ العظيم من الطلبة، وكان يقعد بين يديه كلّ يوم نحو من ثلاثمائة رجل من الأئمة ومن الطلبة.

стр. 401

وتخرّج به جماعة من الأئمة والفحول، وأولاد الصدور، حتى بلغوا محلّ التدريس فى زمانه. وانتظم بإقباله على العلم ومواظبته على التدريس والمناظرة والمباحثة، أسباب ومحافل ومجامع، وإمعان فى طلب العلم، وسوق نافقة لأهله لم تعهد قبله. واتصل به ما يليق بمنصبه من القبول عند السلطان والوزير والأركان، ووفور الحشمة عندهم، بحيث لا يذكر غيره، فكان المخاطب والمشار إليه، والمقبول من قبله، والمهجور من هجره، والمصدّر فى المجالس من ينتمى إلى خدمته، والمنظور إليه من يغترف فى الأصول والفروع من طريقته. واتّفق منه تصانيف برسم الحضرة النّظامية، مثل النّظامىّ، والغياثىّ، وإنفاذها إلى الحضرة ووقوعها موقع القبول، ومقابلتها بما يليق بها من الشكر والرّضا، والخلع الفائقة، والمراكب المثمّنة، والهدايا والمرسومات. وكذلك إلى أن قلّد زعامة الأصحاب ورياسة الطائفة، وفوّض إليه أمور الأوقاف. وصارت حشمته وزر العلماء والأئمة والقضاة، وقوله فى الفتوى مرجع العظماء والأكابر والولاة. واتّفقت له نهضة فى أعلى ما كان من أيامه إلى أصبهان، بسبب مخالفة بعض من الأصحاب، فلقى بها من المجلس النّظامىّ ما كان اللائق بمنصبه من الاستبشار والإعزاز والإكرام بأنواع المبارّ، وأجيب بما كان فوق مطلوبه، وعاد مكرّما إلى نيسابور. وصار أكثر عنايته مصروفا إلى تصنيف المذهب الكبير المسمى بنهاية المطلب فى دراية المذهب، حتى حرّره، وأملاه، وأتى فيه من البحث والتقرير، والسّبك والتنقير، والتدقيق والتحقيق بما شفى الغليل، وأوضح السبيل، ونبّه على قدره ومحلّه فى علم الشريعة، ودرّس ذلك للخواص من التلامذة، وفرغ منه ومن إتمامه، فعقد مجلسا لتتمّة الكتاب، حضره الأئمة والكبار، وختم الكتاب على رسم الإملاء والاستملاء، وتبجّح الجماعة بذلك، ودعواله وأثنوا عليه، وكان من المعتدّين بإتمام ذلك، الشاكرين لله عليه، فما صنّف فى الإسلام قبله مثله، ولا اتّفق لأحد ما اتّفق له، ومن قاس طريقته بطريقة المتقدّمين فى الأصول والفروع وأنصف أقرّ بعلوّ منصبه، ووفور تعبه ونصبه فى الدّين، وكثرة سهره فى استنباط الغوامض، وتحقيق المسائل وترتيب الدلائل.

стр. 402

ولقد قرأت فصلا ذكره علىّ بن الحسن بن أبى الطّيّب الباخرزىّ فى كتاب دمية القصر مشتملا على حاله، وهو فقد كان فى عصر الشباب، غير مستكمل ما عهدناه عليه من اتساق الأسباب، وهو أن قال: فتى الفتيان، ومن أنجب به الفتيان، ولم يخرّج مثله المفتيان، عنيت النّعمان بن ثابت، ومحمد بن إدريس، فالفقه فقه الشافعىّ، والأدب أدب الأصمعىّ، وحسن بصره بالوعظ للحسن البصرىّ، وكيفما كان فهو إمام كلّ إمام، والمستعلى بهمّته على كلّ همام، والفائز بالظّفر على إرغام كلّ ضرغام، إذا تصدّر [للفقه] فالمزنىّ من مزنته قطرة، وإذا تكلّم فالأشعرىّ من وفرته شعرة، وإذا خطب ألجم الفصحاء بالعىّ شقاشقه الهادرة، ولثم البلغاء بالصمت حقائقه البادرة، ولولا سدّه مكان أبيه بسدّه الذى أفرغ على قطره قطر تأبّيه، لأصبح مذهب الحديث حديثا، ولم يجد المستغيث منهم مغيثا. قال أبو الحسن [الفارسى]: هذا وهو وحقّ الحقّ فوق ما ذكره، وأعلى مما وصفه، فكم من فصل مشتمل على العبارات الفصيحة العالية، والنّكت البديعة النادرة فى المحافل منه سمعناه. وكم من مسائل فى النظر شهدناه ورأينا منه إفحام الخصوم وعهدناه. وكم من مجلس فى التذكير للعوام مسلسل المسائل مشحون بالنّكت المستنبطة من مسائل الفقه، مشتملة على حقائق الأصول، مبكّية فى التحذير، مفرجة فى التبشير، مختومة بالدعوات وفنون المناجاة حضرناه. وكم من مجمع للتدريس حاو للكبار من الأئمة، وإلقاء المسائل عليهم والمباحثة فى غورها رأيناه، وحصّلنا بعض ما أمكننا منه وعلّقناه، ولم نقدر ما كنا فيه من نضرة أيامه، وزهرة شهوره وأعوامه حقّ قدره، ولم نشكر الله عليه حقّ شكره، حتى فقدناه وسلبناه. وسمعته فى أثناه كلام يقول: أنا لا أنام ولا آكل عادة، وإنما أنام إذا غلبنى النوم ليلا كان أو نهارا، وآكل إذا اشتهيت الطعام أىّ وقت كان. وكان لذته ولهوه ونزهته [فى] مذاكرة العلم، وطلب الفائدة من أىّ نوع كان. ولقد سمعت الشيخ أبا الحسن علىّ بن فضّال بن علىّ المجاشعىّ النحوىّ القادم علينا سنة تسع وستين وأربعمائة، يقول وقد قبله الإمام فخر الإسلام وقابله بالإكرام، وأخذ فى قراءة النحو عليه والتلمذة له، بعد أن كان إمام الأئمة فى وقته، وكان يحمله كلّ يوم إلى داره، ويقرأ عليه كتاب

стр. 403

«إكسير الذهب فى صناعة الأدب» من تصنيفه، فكان يحكى يوما ويقول: ما رأيت عاشقا للعلم أىّ نوع كان مثل هذا الإماء، فإنه يطلب العلم للعلم، وكان كذلك. ومن حمد سيرته أنه ما كان يستصغر أحدا حتى يسمع كلامه، شاديا كان أو متناهيا، فإن أصاب كياسة فى طبع أو جريا على منهاج الحقيقة استناد منه، صغيرا كان أو كبيرا، ولا يستنكف عن أن يعزى الفائدة المستفادة إلى قائلها، ويقول: إن هذه الفائدة مما استفدته من فلان، ولا يحابى أحدا فى التزييف إذا لم يرض كلاما، ولو كان أباه أو أحدا من الأئمة المشهورين. وكان من التواضع لكل أحد بمحل يتخيّل منه الاستهزاء، لمبالغته فيه، ومن رقّة القلب، بحيث يبكى إذا سمع بيتا أو تفكر فى نفسه ساعة، وإذا شرع فى حكاية الأحوال وخاض فى علوم الصوفية فى فصول مجالسه بالغدوات أبكى الحاضرين ببكائه، وقطّر الدماء من الجنون بزعقاته ونعراته وإشاراته؛ لاحتراقه فى نفسه وتحقّقه بما يجرى من دقائق الأسرار. هذه الجملة نبذ مما عهدناه منه إلى انتهاء أجله، فأدركه قضاء الله الذى لابد منه، بعد ما مرض قبل ذلك مرض اليرقان، وبقى به أياما ثم برأ منه وعاد إلى الدّرس والمجلس، وأظهر الناس من الخواصّ والعوامّ السرور بصحّته وإقباله من علّته، فبعد ذلك بعهد قريب مرض المرضة التى توفّىّ فيها، وبقى فيها أياما، وغلبت عليه الحرارة التى كانت تدور فى طبعه، إلى ضعف وحمل إلى بشتنقان؛ لاعتدال الهواء وخفّة الماء، فزاد الضعف وبدت عليه مخايل الموت، وتوفّى ليلة الأربعاء بعد صلاة العتمة الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر، من سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، ونقل فى الليلة إلى البلد، وقام الصّياح من كل جانب، وجزع الفرق عليه جزعا لم يعهد مثله، وحمل بين الصلاتين من يوم الأربعاء إلى ميدان الحسين، ولم تفتح الأبواب فى البلد، ووضعت المناديل عن الرؤس عاما، بحيث ما اجترا أحد على ستر رأسه، من الرؤس والكبار. وصلّى عليه ابنه الإمام أبو القاسم بعد جهد جهيد، حتى حمل إلى داره من شدة الزحمة وقت التّطفيل، ودفن فى داره، وبعد سنين نقل إلى مقبرة الحسين. وكسر منيره فى الجامع المنيعىّ، وقعد الناس للعزاء أياما عزاء عامّا، وأكثر الشعراء المراثى فيه. وكان الطلبة قريبا من أربعمائة نفر، يطوفون فى البلد نائحين عليه، مكسّرين المحابر والأقلام، مبالغين فى الصياح والجزع.

стр. 404

وكان مولده ثامن عشر المحرم سنة تسع عشرة وأربعمائة، وتوفى وهو ابن تسع وخمسين سنة. سمع الحديث الكثير فى صباه من مشايخ، مثل الشيخ أبى حسّان، وأبى سعد بن عليّك، وأبى سعد النّضروىّ، ومنصور بن رامش، وجمع له كتاب الأربعين فسمعناه منه بقراءتى عليه. وقد سمع سنن الدار قطنىّ من أبى سعد بن عليّك، وكان يعتمد تلك الأحاديث فى مسائل الخلاف، ويذكر الجرح والتعديل منها فى الرّواة. وظنّى أن آثار جدّه واجتهاده فى دين الله يدوم إلى يوم الساعة، وإن انقطع نسله من جهة الذكور ظاهرا فنشر علمه يقوم مقام كلّ نسب، ويغنيه عن كل نشب مكتسب، والله تعالى يسقى فى كل لحظة جديدة تلك الروضة الشريفة عزالى رحمته، ويزيد فى ألطافه وكرامته بفضله ومنّته، إنه ولىّ كل خير. ومما قيل عند وفاته: قلوب العالمين على المقالى … وأيّام الورى شبه الليّالى أيثمر غصن أهل الفضل يوما … وقد مات الإمام أبو المعالى انتهى كلام عبد الغافر (طبقات الشافعية الكبرى، ج ٥، ص ١٧٤ - ١٨٢). [ابو حامد الغزالى] قال أبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل الخطيب الفارسىّ، خطيب نيسابور: محمد ابن محمد بن محمد أبو حامد الغزّالىّ، حجّة الإسلام والمسلمين، إمام أئمة الدين، [من] لم تر العيون مثله، لسانا، وبيانا، ونطقا، وخاطرا، وذكاء، وطبعا. شدا طرفا فى صباه، بطوس، من الفقه، على الإمام أحمد الرّاذ كانىّ. ثم قدم نيسابور مختلفا إلى درس إمام الحرمين، فى طائفة من الشبان من طوس. وجدّ، واجتهد، حتى تخرّج عن مدة قريبة، وبذّ الأقران. وحمل القرآن، وصار أنظر أهل زمانه، وواحد أقرانه، فى أيام إمام الحرمين. وكان الطلبة يستفيدون منه، ويدرّس لهم، ويرشدهم، ويجتهد فى نفسه. وبلغ الأمر به إلى أن أخذ فى التصنيف. وكان الإمام مع علوّ درجته، وسموّ عبارته، وسرعة جريه فى النطق والكلام، لا يصفى نظره

стр. 405

إلى الغزّالىّ سرّا؛ لإنافته عليه فى سرعة العبارة، وقوة الطبع، ولا يطيب له تصدّيه للتصانيف، وإن كان متخرّجا به، منتسبا إليه، كمالا يخفى من طبع البشر، ولكنه يظهر التبجّج به، والاعتداد بمكانه، ظاهرا خلاف ما يضمره. ثم بقى كذلك إلى انقضاء أيام الإمام، فخرج من نيسابور، وصار إلى العسكر، واحتلّ من مجلس نظام الملك محلّ القبول، وأقبل عليه الصاحب لعلوّ درجته، وظهور اسمه، وحسن مناظرته وجرى عبارته. وكانت تلك الحضرة محطّ رحال العلماء، ومقصد الأئمة والفصحاء، فوقعت للغزّالىّ اتفاقات حسنة من الاحتكاك بالأئمة، وملاقاة الحصوم اللّدّ، ومناظرة الفحول، ومنافرة الكبار. وظهر اسمه فى الآفاق، وارتفق بذلك أكمل الارتفاق، حتى أدّت الحال به إلى أن رسم للمصير إلى بغداد، للقيام بتدريس المدرسة الميمونة النّظاميّة بها، فصار إليها، وأعجب الكلّ بتدريسه، ومناظرته، وما لقى مثل نفسه، وصار بعد إمامة خراسان إمام العراق. ثم نظر فى علم الأصول، وكان قد أحكمها، فصنّف فيه تصانيف. وجدّد المذهب فى الفقه، فصنّف فيه تصانيف. وسبك الخلاف، فحرّر فيه أيضا تصانيف. وعلت حشمته ودرجته فى بغداد، حتى كانت تغلب حشمة الأكابر، والأمراء، ودار الخلافة. فانقلب الأمر من وجه آخر، وظهر عليه بعد مطالعة العلوم الدقيقة، وممارسة الكتب المصنّفة فيها، وسلك طريق التزهّد والتألّه، وترك الحشمة، وطرح ما نال من الدرجة، والاشتغال بأسباب التقوى، وزاد الآخرة. فخرج عما كان فيه، وقصد بيت الله، وحجّ. ثم دخل الشام وأقام فى تلك الديار قريبا من عشر سنين، يطوف، ويزور الشاهد المعظّمة. وأخذ فى التّصانيف المشهورة، التى لم يسبق إليها، مثل: إحياء علوم الدين والكتب المختصرة منها، مثل الأربعين وغيرها من الرسائل، التى من تأمّلها علم محلّ الرجل من فنون العلم. وأخذ فى مجاهدة النفس، وتغيير الأخلاق، وتحسين الشمائل، وتهذيب المعاش، فانقلب شيطان الرّعونة، وطلب الرياسة والجاه، والتخلق بالأخلاق الذميمة، إلى سكون النفس، وكرم الأخلاق، والفراغ عن الرّسوم والتّرتيبات، والتّزيّى يزىّ الصالحين، وقصر الأمل، ووقف الأوقات على هداية الخلق، ودعائهم إلى ما يعنيهم من أمر الآخرة، وتبغيض الدنيا، والاشتغال

стр. 406

بها على السالكين، والاستعداد للرّحيل إلى الدار الباقية، والانقياد لكل من يتوسّم فيه أو يشمّ منه رائحة المعرفة، أو التيقّظ لشئ من أنوار المشاهدة، حتى مرن على ذلك، ولان. ثم عاد إلى وطنه لازما بيته، مشتغلا بالتفكّر، ملازما للوقت، مقصودا، نفيسا وذخرا للقلوب، ولكل من يقصده، ويدخل عليه. إلى أن أتى على ذلك مدّة، وظهرت التصانيف وفشت الكتب، ولم تبد فى أيامه مناقضة، لما كان فيه، ولا اعتراض لأحد على ما آثره، حتى انتهت نوبة الوزارة إلى الأجلّ، فخر الملك، جمال الشهداء، تغمّده الله برحمته، وتزيّنت خرسان بحشمته، ودولته، وقد سمع وتحقّق بمكان الغزّالىّ، ودرجته، وكمال فضله، وحالته، وصفاء عقيدته، ونقاء سيرته، فتبرّك به، وحضره، وسمع كلامه، فاستدعى منه أن لا يبقى أنفاسه وفوائده عقيمة، لا استفادة منها، ولا اقتباس من أنوارها، وألحّ عليه كلّ الإلحاح، وتشدّد فى الاقتراح، إلى أن أجاب إلى الخروج، وحمل إلى نيسابور. وكان اللّيث غائبا عن عرينه، والأمر خافيا، فى مستور قضاء الله ومكنومه، فأشير عليه وبالتّدريس فى المدرسة الميمونة النّظاميّة، عمّرها الله، قلم يجد بدّا من الإذعان للولاة، ونوى بإظهار ما اشتغل به هداية الشّداة، وإفادة القاصدين، دون الرجوع إلى ما نخلع عنه، وتحرّر عن رقّه من طلب الجاه، ومماراة الأقران، ومكابرة المعاندين، وكم قرع عصاه بالخلاف، والوقوع فيه، والطعن فيما يذره ويأتيه. والسّعاية به، والتشنيع عليه، فما تأثّر به، ولا اشتغل بجواب الطاعنين، ولا أظهر استيحاشا بغميزة المخلّطين. ولقد زرته مرارا، وما كنت أحدس فى نفسى [مع] ما عهدته فى سالف الزمان عليه، من الزّعارّة، وإيحاش النّاس، والنظر إليهم بعين الازدراء، والاستخفاف بهم كبرا وخيلاء، واغترارا، بما رزق من البسطة فى النطق، والخاطر، والعبارة وطلب الجاه، [والعلوّ] فى المنزلة أنه صار على الضّدّ، وتصفّى عن تلك الكدورات. وكنت أظنّ أنه متلفّع بجلباب التكلّف متمّس بما صار إليه، فتحقّفت بعد السّبر والتّنقير، أن الأمر على خلاف المظنون، وأن الرجل أفاق بعد الجنون. وحكى لنا فى ليال، كيفيّة أحواله من ابتداء ما ظهر له سلوك طريق التّألّه. وغلبت الحال عليه بعد تبحّره فى العلوم، واستطالته على الكلّ بكلامه، والاستعداد الذى خصه الله به، فى تحصيل أنواع العلوم، وتمكّنه من البحث والنظر، حتى تبرّم من الاشتغال بالعلوم

стр. 407

العربية، عن العاملة. وتفكّر فى العاقبة، وما يجدى وما ينفع فى الآخرة، فابتدأ بصحبة الفارمذىّ، وأخذ منه استفتاح الطريقة، وامتثل ما كان يشير به عليه، من القيام بوظائف العبادات، والإمعان فى النوافل، واستدامة الأذكار، والجدّ، والاجتهاد، طلبا للنجاة، إلى أن جاز تلك العقبات، وتكلّف تلك المشاقّ، وما تحصّل على ما كان يطلبه من مقصوده. ثم حكى أنه راجع العلوم، وخاض فى الفنون، وعاود الجدّ والاجتهاد، فى كتب العلوم الدقيقة، والتقى بأربابها، حتى انفتح له أبوابها، وبقى مدة فى الوقائع، وتكافى الأدلّة، وأطراف المسائل. ثم حكى أنه فتح عليه باب من الخوف، بحيث شغله عن كلّ شئ، وحمله على الإعراض عمّا سواه، حتى سهل ذلك. وهكذا، هكذا، إلى أن ارتاض كلّ الرياضة، وظهرت له الحقائق، وصار ما كنّا نطنّ به ناموسا، وتخلّقا، طبعا وتحقّقا، وأن ذلك أثر السعادة المقدّرة له من الله تعالى. ثم سألناه عن كيفيّة فى الخروج من بيته، والرجوع إلى مادعى من أمر نيسابور؟ فقال، معتذرا عنه: ما كنت أجوّز فى دينى أن أقف عن الدعوة، ومنفعة الطالبين بالإفادة، وقد حقّ علىّ أن أبوح بالحق وأنطق به، وأدعو إليه. وكان صادقا فى ذلك. ثم ترك ذلك قبل أن يترك، وعاد إلى بيته، واتخذ فى جواره مدرسة لطلبة العلم، وخانقاه للصّوفيّة. وكان قد وزّع أوقاته، على وظائف الحاضرين؛ من ختم القرآن، ومجالسة أهل القلوب، والقعود للتّدريس، بحيث لا تخلو لحظة من لحظاته، ولحظات من معه عن فائدة؛ إلى أن أصابه عين الزمان، وضنّت الأيام به على أهل عصره، فنقله الله إلى كريم جواره، بعد مقاساة أنواع من القصد، والمناوأة من الخصوم، والسّعى به إلى الملوك، وكفاية الله به، وحفظه وصيانته عن أن تنوشه أيدى النّكبات، أوينهتك ستر دينه بشئ من الزّلاّت. وكانت خاتمة أمره إقباله على حديث المصطفى ﷺ ، ومجالسة أهله، ومطالعة الصحيحين البخارىّ ومسلم اللذين هما حجّة الإسلام، ولو عاش لسبق الكلّ فى ذلك الفن، بيسير من الأيام يستفرغه فى تحصيله. ولا شك أنه سمع الأحاديث فى الأيام الماضية، واشتغل فى آخر عمره بسماعها، ولم تتّفق له الرواية، ولا ضرر فيما خلّفه من الكتب المصنّفة فى الأصول، والفروع، وسائر الأنواع تخلّد ذكره، و

стр. 408

تقرّر عند المطالعين المستفيدين منها أنه لم يخلف مثله بعده. مضى إلى الملوك، وكفاية الله به، وحفظه وصيانته عن أن تنوشه أيدى النّكبات، أو ينهتك ستر دينه بشئ من الزّلاّت. الرابع عشر، من جمادى الآخرة، سنة خمس وخمسائة. ودفن بظاهر قصبة طابر أن. والله تعالى يخصّه بأنواع الكرامة فى آخرته، كما خصّه بفنون العلم فى دنياه بمنّه. ولم يعقب إلا البنات. وكان له من الأسباب إرثا وكسبا ما يقوم بكفايته، ونفقة أهله وأولاده، فما كان يباسط أحدا فى الأمور الدنيوّية، وقد عرضت عليه أموال، فما قبلها، وأعرض عنها، واكتفى بالقدر الذى يصون به دينه، ولا يحتاج معه إلى التعرّض لسؤال ومنال من غيره. ومما كان يعترض به عليه وقوع خلل من جهة النحو، يقع فى أثناه كلامه، وروجع فيه، فأنصف من نفسه، واعتراف بأنه ما مارس ذلك الفن، واكتفى بما [كان] يحتاج إليه فى كلامه، مع أنه كان يؤلّف الخطب، ويشرح الكتب، بالعبارات التى تعجز الأدباء والفصحاء عن أمثالها، وأذن للذين يطالعون كتبه، فيعثرون على خلل فيها من جهة اللفظ، أن يصلحوه، ويعذروه، فما كان قصده إلا المعانى، وتحقيقها، دون الألفاظ، وتلفيقها. ومما نقم عليه ما ذكر من الألفاظ المستبشعة بالفارسية فى كتاب كيمياء السعادة، والعلوم، وشرح، بعض السّور، المسائل، بحيث لا يوافق مراسم الشرع، وظواهر ما عليه قواعد الإسلام. وكان الأولى به، والحقّ أحقّ أن يقال، ترك ذلك التصنيف، والإعراض عن الشرح به، فإن العوامّ ربما لا يحكمون أصول القواعد بالبراهين، والحجج، فإذا سمعوا شيئا من ذلك، تخيّلوا منه ما هو المضرّ بعقائدهم، وينسبون ذلك إلى [بيان] مذاهب الأوائل. على أن المنصف اللبيب إذا رجع إلى نفسه، علم أن أكثر ما ذكره، مما رمز إليه إشارات الشرع وإن لم يبح به، ويوجد أمثاله فى كلام مشايخ الطريقة مرموزة ومصرّحا بها، متفرقة، وليس لفظ منه إلا وكما يشعر أحد وجوهه بكلام موهم، يشعر سائر وجوهه بما يوافق عقائد أهل الملّة. فلا يجب إذا حمله إلاّ على ما يوافق ولا ينبغى أن يتعلّق به فى الردّ [عليه] متعلّق، إذا أمكنه أن يبيّن له وجها فى الصحّة، يوافق الأصول. على أن هذا القدر يحتاج إلى من يظهره، وكان الأولى يترك الإفصاح بذلك، كما تقدم ما ذكره،

стр. 409

وليس كما يتقرر ويتمشّى لأحد تقريره ينبغى أن يظهره، بل أكثر الأشياء مما يدرى ويطوى، ولا يحكى، فعلى ذلك درج الأوّلون، وعبر السّلف الصالحون، إبقاء على مراسم الشرع، وصيانة لمعالم الدّين عن طعن الطاعنين، وعيرة المارقين الجاحدين، والله الموفق للصواب. وقد سمعت أنه سمع [من] سنن أبى داود السّجستانىّ عن الحاكم أبى الفتح الحاكمى الطّوسىّ، وما عثرت على سماعه. وسمع من الأحاديث المتفرّقة اتّفاقا مع الفقهاء. فممّا عثرت ما سمعه من كتاب لمولد النبىّ ﷺ من تأليف أبى بكر أحمد بن عمرو بن أبى عاصم الشّيبانىّ، رواية الشيخ أبى بكر محمد بن الحارث الأصبهانىّ الإمام، عن أبى محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيّان، عن المصنّف. وقد سمعه الإمام الغزّالىّ، من الشيخ أبى عبد الله محمد بن أحمد الخوارىّ، خوار طبران ﵀، مع ابنيه الشيخين: عبد الجبار، وعبد الحميد، وجماعة من الفقهاء. ومن ذلك ما قال: أخبرنا الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد ألخوارىّ، أخبرنا أبو بكر ابن الحارث الأصبهانىّ، أخبرنا أبو محمد بن حيّان، أخبرنا أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبى عاصم، حدّثنا إبراهيم بن المنذر الحزامىّ، حدثنا عبد العزيز بن أبى ثابت، حدثنا الزّبير بن موسى، عن أبى الحويرث، قال: سمعت عبد الملك بن مروان سأل قباث ابن أشيم الكنانىّ: أنت أكبر أم رسول الله ﷺ ؟ فقال: رسول الله ﷺ ، أكبر منّى وأنا أسنّ منه، ولد رسول الله ﷺ عام الفيل. وتمام الكتاب فى جزأين مسموع له. انتهاى كلام عبد الغافر. [طبقات الشافعية الكبرى، ج ٦، ص ٢٠٤ - ٢١٤]