Полный текст (1 211 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
يُحْرِمَ بِهِ. . . وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمُمَيِّزُ وَالطِّفْلُ. . .
وَإِذَا وَطِئَ فِي الْحَجِّ أَوْ وَطِئَ فَسَدَ حَجُّهُ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّ عَمْدَهُ خَطَأٌ، وَوَطْءُ النَّاسِي يُفْسِدُ الْحَجَّ، وَعَلَيْهِ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ، وَفِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ بَدَنَهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ لَكِنْ تَجِبُ الْفِدْيَةُ فِي مَالِهِ عِنْدَ الْقَاضِي، وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ عَلَى وَلِيِّهِ، وَالثَّانِي: يَجِبُ الْقَضَاءُ، قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ أَشْبَهُ بِقَوْلِ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ الْقَضَاءَ عَلَى الْعَبْدِ إِذَا أَفْسَدَ الْحَجَّ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ هُنَا بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ وَجِهَةِ وَلَيِّهِ، فَلَمْ يَمْتَنِعْ كَوُجُوبِ الْإِتْمَامِ بِخِلَافِ إِيجَابِ الشَّرْعِ ابْتِدَاءً، فَعَلَى هَذَا هَلْ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ فِي حَالِ صِغَرِهِ أَوْ بَعْدَ بُلُوغِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: قَالَ الْقَاضِي: أَصَحُّهُمَا: فِي حَالِ صِغَرِهِ؛ لِأَنَّ الْقَضَا عَلَى الْفَوْرِ.
وَالثَّانِي: بَعْدَ الْبُلُوغِ؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ الْمُبْتَدَأِ فِي الْحَالِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ قَضَاهُ فِي الصِّغَرِ فَهَلْ يَصِحُّ؟
فِيهِ وَجْهَانِ، فَإِنْ أَخَّرَ الْقَضَاءَ إِلَى مَا بَعْدَ الْبُلُوغِ بَدَأَ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ.
стр. 212
وَإِنْ أَحْرَمَ بِالْقَضَاءِ أَوَّلًا انْصَرَفَ إِلَى حَجَّةِ الْإِسْلَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ، ثُمَّ إِنْ كَانَتِ الْحَجَّةُ الْمَقْضِيَّةُ تُجْزِئُهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ لَوْ تَمَّتْ صَحِيحَةً بِأَنْ يَكُونَ قَدْ أَدْرَكَ فِيهَا قَبْلَ الْوُقُوفِ كَانَ قَضَاؤُهَا مُجْزِئًا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُجْزِئَةً عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ لَمْ يُجْزِئْ قَضَاؤُهَا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ فِيمَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا كَالْقَاضِي، وَأَصْحَابِهِ، وَمَنْ بَعْدَهُ، وَالْقِيَاسُ أَنْ تَكُونَ كَالْمَنْذُورَةِ.
стр. 213
فَصْلٌ
وَلَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُسَافِرَ بِدُونِ إِذْنِ الزَّوْجِ فِي حَجِّ التَّطَوُّعِ، وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَمْنَعَهَا مَنْ حَجِّ الْفَرْضِ، وَيُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَسْتَأْذِنَهُ إِنْ كَانَ حَاضِرًا، وَتُرَاسِلَهُ إِنْ كَانَ غَائِبًا تَطْيِيبًا لِنَفْسِهِ كَمَا يُسْتَحَبُّ اسْتِئْذَانُ الْمَرْأَةِ فِي نِكَاحِ بِنْتِهَا، وَاسْتِئْذَانُ الْبِكْرِ فِي نَفْسِهَا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِجَوَازِ إِجْبَارِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَدْعَى إِلَى الْأُلْفَةِ، وَصَلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَأَبْعَدُ عَنِ الشِّقَاقِ، وَكُلُّ مَا فِيهِ صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، فَإِنْ مَنْعَهَا فَإِنَّهَا تَخْرُجُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ قَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهَا، وَلَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، حَتَّى لَوْ قُلْنَا يَجُوزُ لَهَا تَأْخِيرُ الْحَجِّ فَإِنَّ لَهَا أَنْ تُسَارِعَ إِلَى إِبْرَاءِ ذِمَّتِهَا كَمَا لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ الْمَكْتُوبَةَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَتَقْضِيَ شَهْرَ رَمَضَانَ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ، وَأَوْلَى؛ لِأَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ مُؤَقَّتَةٌ، وَتَأْخِيرُ الْعِبَادَاتِ الْمُؤَقَّتَةِ أَجْوَزُ مِنْ تَأْخِيرِ الْعِبَادَاتِ الْمُطْلَقَةِ.
ثُمَّ إِنْ قُلْنَا: الْحَجُّ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ فَعَلَيْهَا أَنْ تَحُجَّ، وَلَا تُطِيعُ الزَّوْجَ فِي
стр. 214
الْقُعُودِ، وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ عَلَى التَّرَاخِي فَالْأَفْضَلُ لَهَا أَنْ تُسَارِعَ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ أَوْلَى بِهَا مِنْ طَاعَةِ الزَّوْجِ فِي الْقُعُودِ؛ لِأَنَّ فِي تَأْخِيرِ الْحَجِّ تَعْرِيضًا لِتَفْوِيتِهِ.
стр. 215
[مَسْأَلَةٌ حج غير المستطيع وَالْمَرْأَةِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ]
مَسْأَلَةٌ: وَيَصِحُّ مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَطِيعِ وَالْمَرْأَةِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ، وَتُجْزِئُهُمَا، وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ لِعَدَمِ اسْتِطَاعَتِهِ مِثْلَ الْمَرِيضِ، وَالْفَقِيرِ، وَالْمَعْضُوبِ، وَالْمَقْطُوعِ طَرِيقُهُ، وَالْمَرْأَةِ الَّتِي لَا مَحْرَمَ لَهَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ - إِذَا تَكَلَّفُوا شُهُودَ الْمَشَاعِرِ أَجْزَأَهُمُ الْحَجُّ.
ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ مُحْسِنٌ فِي ذَلِكَ كَالَّذِي يَحُجُّ مَاشِيًا، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ مُسِيءٌ فِي ذَلِكَ كَالَّذِي يَحُجُّ بِالْمَسْأَلَةِ، وَالْمَرْأَةُ تَحُجُّ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ.
وَإِنَّمَا أَجْزَأَهُمْ؛ لِأَنَّ الْأَهْلِيَّةَ تَامَّةٌ، وَالْمَعْصِيَةُ إِنْ وَقَعَتْ فَهِيَ فِي الطَّرِيقِ لَا فِي نَفْسِ الْمَقْصُودِ.
стр. 216
[مَسْأَلَةٌ مَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ وَلَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ نَذْرِهِ وَنَفْلِهِ]
مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ عَنْ نَذْرِهِ وَنَفْلِهِ قَبْلَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَقَعَ عَنْ فَرْضِ نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ.
فِي هَذَا الْكَلَامِ فَصْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ حَجَّةٌ وَاجِبَةٌ، سَوَاءٌ كَانَتْ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ أَوْ نَذْرًا أَوْ قَضَاءً فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ حَتَّى يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ الْمَشْهُورِ عَنْهُ، وَعَنْ أَصْحَابِهِ، قَالَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ: لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ حَتَّى يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: " «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» " وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذْ «قَالَتِ الْمَرْأَةُ: " يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، حُجِّي عَنْ أَبِيكِ» " هُوَ جُمْلَةٌ لَمْ يُبَيِّنْ حَجَّتْ أَوْ لَمْ تَحُجَّ.
стр. 217
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدٍ: الصَّرُورَةُ يَحُجُّ عَنْ غَيْرِهِ لَا يُجْزِئُهُ إِنْ فَعَلَ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمَنْ لَبَّى عَنْ غَيْرِهِ - وَهُوَ صَرُورَةٌ -: " اجْعَلْهَا عَنْ نَفْسِكَ»
وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى: يَجُوزُ، قَالَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مَاهَانَ فِي رَجُلٍ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ يَحُجُّ الْحَجَّ عَنْ غَيْرِهِ حَتَّى يَقْضِيَ دَيْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَقَدْ جَعَلَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا هَذِهِ رِوَايَةً بِجَوَازِ الْحَجِّ عَنْ غَيْرِهِ مُطْلَقًا قَبْلَ نَفْسِهِ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ لَكِنَّ الرِّوَايَةَ إِنَّمَا هِيَ مَنْصُوصَةٌ فِي غَيْرِ الْمُسْتَطِيعِ.
стр. 218
وَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذِنَ لِلْخَثْعَمِيَّةِ أَنْ تَحُجَّ عَنْ أَبِيهَا، وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ هَلْ حَجَّتْ عَنْ نَفْسِهَا أَوْ لَمْ تَحُجَّ؟ وَكَذَلِكَ الْجُهَنِيَّةُ أَذِنَ لَهَا أَنْ تَحُجَّ عَنْ أُمِّهَا نَذْرَهَا، وَلِلْمَرْأَةِ الْأُخْرَى، وَلِأَبِي رَزِينٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ وَاحِدًا مِنْهُمْ، وَلَا أَمَرَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِالْحَجِّ عَنْ نَفْسِهِ.
وَالْخَثْعَمِيَّةُ، وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّهَا حَجَّتْ عَنْ نَفْسِهَا؛ لِأَنَّهَا سَأَلَتْهُ غَدَاةَ النَّحْرِ حِينَ أَفَاضَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ إِلَى مِنًى، وَهِيَ مُفِيضَةٌ مَعَهُ، وَهَذِهِ حَالُ مَنْ قَدْ حَجَّ ذَلِكَ الْعَامَ، لَكِنَّ غَيْرَهَا لَيْسَ فِي سُؤَالِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَجَّ، وَلِأَنَّهُ شَبَّهَهُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ، وَالرَّجُلُ يَجُوزُ أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَ غَيْرِهِ قَبْلَ دَيْنِهِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ عَمَلٌ تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ فَجَازَ أَنْ يَنُوبَ عَنْ غَيْرِهِ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَهُ عَنْ نَفْسِهِ كَقَضَاءِ الدُّيُونِ، وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْكَفَّارَاتِ.
وَإِنْ كَانَ الْكَلَامُ مَفْرُوضًا فِيمَنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الْحَجَّ فَهُوَ أَوْجَهُ وَأَظْهَرُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ إِنَّمَا يُؤْمَرُ بِابْتِدَاءِ الْحَجِّ عَنْ نَفْسِهِ إِذَا كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ، وَغَيْرُ الْمُسْتَطِيعِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ.
وَلَا يُقَالُ: إِذَا حَضَرَ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَتَعَيَّنُ أَنْ لَوْ لَمْ يَكُنْ أَحْرَمَ عَنْ غَيْرِهِ فَإِذَا حَضَرَ، وَقَدِ انْعَقَدَ إِحْرَامُهُ لِغَيْرِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ فِي حَقِّ نَفْسِهِ.
وَوَجْهُ الْمَشْهُورِ: مَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ " «أَنَّ النَّبِيَّ
стр. 219
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، قَالَ: مَنْ شُبْرُمَةُ؟ قَالَ: أَخٌ لِي أَوْ قَرِيبٌ لِي، قَالَ: حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ: " «فَاجْعَلْ هَذِهِ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ احْجُجْ عَنْ شُبْرُمَةَ» " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ وُجُوهٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، ذَكَرَ الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ رَفْعَهُ خَطَأٌ، وَقَالَ: رَوَاهُ عِدَّةٌ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ مَشْهُورٌ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَقَدْ قَالَ يَحْيَى: عَزْرَةُ لَا شَيْءَ.
стр. 220
قُلْنَا: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أَحْمَدَ حَكَمَ بِأَنَّهُ مُسْنَدٌ، وَأَنَّهُ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَكُونُ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى ثِقَةِ مَنْ رَفَعَهُ، وَقَرَّرَ رَفْعَهُ جَمَاعَةٌ.
عَلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ مَوْقُوفًا فَلَيْسَ لِابْنِ عَبَّاسٍ مُخَالِفٌ.
فَوَجْهُ الْحُجَّةِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ، ثُمَّ يَحُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ، وَسَتَأْتِي بَقِيَّةُ الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ تِلْكَ لَمْ تَجُزْ عَنْ شُبْرُمَةَ، وَلَمْ يُفَصِّلْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْحَاجُّ مُسْتَطِيعًا وَاجِدًا لِلزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، أَوْ لَا يَكُونَ، وَتَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ وَالتَّعْرِيفِ فِي حِكَايَةِ الْأَحْوَالِ يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْحَجَّ وَاجِبٌ فِي أَوَّلِ سَنَةٍ مِنْ سِنِي الْإِمْكَانِ فَإِذَا أَمْكَنَهُ فِعْلُهُ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَفْعَلَهُ عَنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ فَرْضٌ، وَالثَّانِيَ نَفْلٌ كَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ هُوَ مُطَالَبٌ بِهِ، وَمَعَهُ دَرَاهِمُ بِقَدْرِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهَا إِلَّا إِلَى دَيْنِهِ، وَكَذَلِكَ كَلُّ مَا احْتَاجَ إِلَى صَرْفِهِ فِي وَاجِبٍ عَنْهُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ عَنْ غَيْرِهِ.
стр. 221
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إِذَا حَضَرَ الْمَشَاعِرَ تَعَيَّنَ الْحَجُّ عَلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ عَنْ غَيْرِهِ كَمَا لَوْ حَضَرَ صَفَّ الْقِتَالِ فَأَرَادَ أَنَّ يُقَاتِلَ عَنْ غَيْرِهِ، فَعَلَى هَذَا إِذَا خَالَفَ وَأَحْرَمَ عَنْ غَيْرِهِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ذَكَرَهُمَا كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا.
إِحْدَاهُمَا: يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ ذَلِكَ الْإِحْرَامَ عَنْ نَفْسِهِ فَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ حَتَّى قَضَى الْحَجَّ وَقَعَ عَنْهُ وَأَجْزَأَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ فِي حَقِّهِ، وَلَمْ يَقَعْ عَنِ الْمُلَبَّى عَنْهُ، وَهَذَا قَوْلُ الْخِرَقِيِّ، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِنَا.
وَالْأُخْرَى: يَقَعُ الْإِحْرَامُ بَاطِلًا فَلَا يُجْزِئُ عَنْهُ، وَلَا عَنْ غَيْرِهِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ: يَنْعَقِدُ الْإِحْرَامُ عَنِ
стр. 222
الْمَحْجُوجِ عَنْهُ، ثُمَّ يَقْلِبُهُ الْحَاجُّ عَنْ نَفْسِهِ.
وَوَجْهُ هَذَيْنِ: قَوْلُهُ ﷺ : " «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» " وَقَوْلُهُ: " «اجْعَلْ هَذِهِ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» " وَفِي رِوَايَةٍ لِلدَّارَقُطْنِيِّ حَسَنَةٍ " «لَبِّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ لَبِّ عَنْ شُبْرُمَةَ» " وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ " «إِنْ كُنْتَ حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ فَلَبِّ عَنْهُ، وَإِلَّا فَاحْجُجْ عَنْ نَفْسِكَ» " فَإِنَّ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يُلَبِّيَ، وَيَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ، ثُمَّ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِحْرَامُهُ عَنْ غَيْرِهِ وَقَعَ بَاطِلًا، وَعَنْ نَفْسِهِ لَمْ يُنَوِّهْ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، وَالْإِحْرَامُ لَا يَقَعُ إِلَّا عَنْ أَحَدِهِمَا فَيَقَعُ بَاطِلًا.
وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ: أَمْرُهُ بِأَنْ يَجْعَلَهَا عَنْ نَفْسِهِ دَلِيلٌ عَلَى انْعِقَادِ الْإِحْرَامِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِحْرَامَ فِي نَفْسِهِ صَحِيحٌ، وَإِنَّمَا اشْتَمَلَ عَلَى صِفَةٍ مُحَرَّمَةٍ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُزِيلَهَا كَمَا لَوْ أَحْرَمَ فِي ثِيَابٍ وَعِمَامَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجْعَلْهُ عَنْ نَفْسِهِ الْبَتَّةَ فَقِيَاسُ قَوْلِهِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ عَنْهُ، وَلَا عَنْ غَيْرِهِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: أَنَّ قَوْلَهُ: " «فَاجْعَلْ هَذِهِ عَنْكَ» " أَيِ اجْعَلْ هَذِهِ التَّلْبِيَةَ عَنْكَ كَمَا
стр. 223
قَدْ جَاءَ مُفَسَّرًا: " «أَيُّهَا الْمُلَبِّي عَنْ فُلَانٍ لَبِّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ عَنْ فُلَانٍ» "، فَعُلِمَ أَنَّ الْحَجَّةَ عَنْ نَفْسِهِ، إِذْ لَوْ كَانَ بَاطِلًا لَمَا صَحَّ ذَلِكَ، وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ " «هَذِهِ عَنْكَ، وَحُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» " وَإِنْ كَانَ الضَّمِيرُ عَائِدًا إِلَى الْحَجَّةِ فَقَوْلُهُ: " «اجْعَلْ هَذِهِ عَنْ نَفْسِكَ» " أَيِ اعْتَقِدْهَا عَنْ نَفْسِكَ، وَقَوْلُهُ: " «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ» " أَيِ اسْتَدِمِ الْحَجَّ عَنْ نَفْسِكَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْإِحْرَامُ قَدْ وَقَعَ بَاطِلًا لَأَمَرَ بِاسْتِئْنَافِهِ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حَجَّةٌ، وَلَا تَلْبِيَةٌ صَحِيحَةٌ تُجْعَلُ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَوِ انْعَقَدَ عَنِ الْغَيْرِ لَمْ يَجُزْ نَقْلُهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ الْوَاقِعَ لِشَخْصٍ لَا يَجُوزُ نَقْلُهُ إِلَى غَيْرِهِ كَمَا لَوْ لَبَّى عَنْ أَجْنَبِيٍّ، ثُمَّ أَرَادَ نَقْلَهُ إِلَى أَبِيهِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْإِحْرَامَ يَنْعَقِدُ مَعَ الصِّحَّةِ، وَالْفَسَادِ، وَيَنْعَقِدُ مُطْلَقًا، وَمَجْهُولًا، وَمُعَلَّقًا، فَجَازَ أَنْ يَقَعَ عَنْ غَيْرِهِ، وَيَكُونُ عَنْ نَفْسِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ إِحْرَامَهُ عَنِ الْغَيْرِ بَاطِلٌ لِأَجْلِ النَّهْيِ عَنْهُ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ، وَبُطْلَانُ صِفَةِ الْإِحْرَامِ لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ أَصْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ إِلَّا لَازِمًا فَيَكُونُ كَأَنَّهُ قَدْ عَقَدَهُ مُطْلَقًا، وَلَوْ عَقَدَهُ مُطْلَقًا أَجْزَأَهُ عَنْ نَفْسِهِ بِلَا تَرَدُّدٍ.
стр. 224
الْفَصْلُ الثَّانِي
إِذَا كَانَ عَلَيْهِ فَرْضٌ وَنَفْلٌ - لَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْرِمَ إِلَّا بِالْفَرْضِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ فَرْضَانِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَبْدَأَ إِلَّا بِأَوْكَدِهِمَا، فَإِذَا كَانَ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَنَذْرٌ، بَدَأَ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ نَذْرٌ وَقَضَاءٌ. . . .
وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَقَضَاءُ، هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ فِي مَوَاضِعَ. . .
стр. 225
وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا رِوَايَةً أُخْرَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَبْدَأَ بِالنَّفْلِ قَبْلَ الْفَرْضِ، وَبِالنَّذْرِ قَبْلَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ تَخْرِيجًا مِنَ الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا، وَمِنْ جَوَازِ الِابْتِدَاءِ بِالنَّفْلِ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الصَّوْمِ، وَالصَّلَاةِ، وَمِنْ كَوْنِهِ قَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ الْفَرْضَ لَا يُجْزِئُ إِلَّا بِتَعْيِينِ النِّيَّةِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: مَا اعْتَمَدَهُ أَحْمَدُ مِنْ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ﵃، وَقَدْ سُئِلَ عَمَّنْ حَجَّ فِي نَذْرِهِ، وَلَمْ يَكُنْ حَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: يُجْزِئُهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: هَذِهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَقَدِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ إِذَا نَوَى النَّذْرَ لَا بُدَّ أَنْ يَقَعَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ.
وَأَيْضًا مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْحَجَّ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ، أَوْ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ بِشُهُودِ الْمَشَاعِرِ، فَإِنَّ مَأْخَذَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالَّتِي قَبْلَهَا وَاحِدٌ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْحَجَّ مَدَّتُهُ طَوِيلَةٌ، وَلَا يُبْلَغُ إِلَّا بِكُلْفَةٍ وَمَشَقَّةٍ، وَلَا يُفْعَلُ فِي الْعَامِ إِلَّا مَرَّةً، فَفِي تَقْدِيمِ النَّفْلِ عَلَى الْفَرْضِ تَغْرِيرٌ بِهِ وَتَفْوِيتٌ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ إِنْ
стр. 226
سَلَّمْنَاهُ، فَعَلَى هَذَا إِذَا خَالَفَ وَنَوَى النَّفْلَ أَوِ النَّذْرَ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ يَقَعُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قُلْتُ لِأَبِي: مَنْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ، وَمَا حَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، قَالَ: لَا يُجْزِئُهُ يَبْدَأُ بِفَرِيضَةِ اللَّهِ، ثُمَّ يَقْضِي مَا أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْهُ، فَقَالَ: هَذِهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ، أَوْفِي بِنَذْرِكِ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: لَا يُجْزِئُهُ عَنْهُمَا، بَلْ تَكُونُ الْأُولَى لِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ نَوَى النَّذْرَ؛ لِأَنَّهُ احْتَجَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَالَ مَرَّةً: قُلْتُ لِأَبِي: مَنْ حَجَّ عَنْ نَذْرِهِ، وَلَمْ يَكُنْ حَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ يُجْزِئُ عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ؟ قَالَ: كَانَ ابْنُ
стр. 227
عَبَّاسٍ يَقُولُ: " يُجْزِئُهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ ".
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: " هَذِهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ أَوْفِ بِنَذْرِكَ " فَقَدْ حَكَى اتِّفَاقَهُمَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَأَفْتَى بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَا فِي الْإِجْزَاءِ عَنِ النَّذْرِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يُجْزِئُ عَنِ الْفَرْضِ، قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الرَّجُلِ يَحُجُّ يَنْوِي التَّطَوُّعَ: فَالْحَجُّ وَالصَّوْمُ سَوَاءٌ لَا يُجْزِئُ إِلَّا بِنْيَةٍ، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» " وَلِأَنَّهَا إِحْدَى الْعِبَادَاتِ، فَلَا تُجْزِئُ عَنِ الْفَرْضِ بِنْيَةِ النَّفْلِ كَالصَّوْمِ، وَالصَّلَاةِ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ صِحَّةِ النَّفْلِ، وَعَلَى ذَلِكَ حَمَلَهَا الْقَاضِي، وَبَيَّنَ فَسَادَ الْإِحْرَامِ، وَإِذَا قُلْنَا فَاسِدٌ فَهَلْ يَمْضِي فِيهِ؟ فَعَلَى هَذَا هَلْ يَصِحُّ بِنِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ؟
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: مَا احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃، فَعَلَى هَذَا إِذَا أَحْرَمَ بِالنَّذْرِ، وَقُلْنَا يُجْزِئُهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ فَهَلْ عَلَيْهِ
стр. 228
قَضَاءُ النَّذْرِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ نَوَى عَنِ الْفَرْضِ فَقَطْ أَوْ نَوَى عَنْهُمَا، أَصَحُّهُمَا عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ، كَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَهُوَ مَنْصُوصُهُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ.
وَالثَّانِيَةُ: تَكْفِيهِ عَنْهُمَا اخْتَارَهُ أَبُو حَفْصٍ. . . .
وَإِنْ أَحْرَمَ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ فِي سَنَةٍ قَدْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ فِيهَا فَهَلْ تَسْقُطُ عَنْهُ الْمَنْذُورَةُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ تَسْقُطُ عَنْهُ، وَنَقْلَ ابْنُ مَنْصُورٍ
стр. 229
لَا تَسْقُطُ، وَهُوَ أَصَحُّ. قَالَ الْقَاضِي: وَأَصْلُهُمَا إِذَا نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ يَقْدَمُ فُلَانٌ، فَقَدِمَ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ. . . .
стр. 230
[باب الْمَوَاقِيتِ] [ مَسْأَلَةٌ مواقيت أهل الأمصار]
الْمِيقَاتُ: مَا حَدَّدَهُ وَوَقَّتَ لِلْعِبَادَةِ مِنْ زَمَانٍ وَمَكَانٍ.
وَالتَّوْقِيتُ: التَّحْدِيدُ، فَلِذَلِكَ نَذْكُرُ فِي هَذَا الْبَابِ مَا حَدَّدَهُ الشَّارِعُ لِلْإِحْرَامِ مِنَ الْمَكَانِ، وَالزَّمَانِ.
مَسْأَلَةٌ: وَمِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ذُو الْحُلَيْفَةِ، وَالشَّامُ وَمِصْرُ وَالْمَغْرِبُ الْجُحْفَةُ، وَالْيَمَنُ يَلَمْلَمُ، وَلِنَجْدٍ قَرْنٌ، وَلِلْمَشْرِقِ ذَاتُ عِرْقٍ.
هَذِهِ الْمَوَاقِيتُ الْخَمْسَةُ مَنْصُوصَةٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ: فَإِنَّ «النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ الْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ الطَّائِفِ وَنَجْدٍ قَرْنًا، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، وَلِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ».
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " «مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَمُهَلُّ أَهْلِ نَجْدٍ مَنْ قَرْنٍ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ» ".
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: " «وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ» " وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَّتَ الْمَوَاقِيتَ ثَلَاثَ طَبَقَاتٍ، فَوَقَّتَ أَوَّلًا
стр. 231
ثَلَاثَ مَوَاقِيتَ فَلَمَّا فُتِحَتِ الْيَمَنُ وَقَّتَ لَهَا، ثُمَّ وَقَّتَ لِلْعِرَاقِ، فَالْأَوَّلُ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ " قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَذَكَرَ لِي وَلَمْ أَسْمَعْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " وَمُهَلُّ أَهْلِ الشَّامِ مَهْيَعَةُ، وَهِيَ الْجُحْفَةُ» رَوَاهُ الْجِمَاعَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَقَاسَ النَّاسُ ذَاتَ عِرْقٍ بِقَرْنٍ.
وَالثَّانِي: مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: " «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، فَهُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ» ".
وَفِي لَفْظٍ: " «مِنْ غَيْرِهِنَّ لِمَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَلِكَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا» " وَفِي لَفْظٍ: " «مَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
стр. 232
وَالثَّالِثُ: مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ «سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ سُئِلَ عَنِ الْمُهَلِّ، فَقَالَ: " سَمِعْتُ أَحْسَبُهُ رَفَعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَالطَّرِيقُ الْآخَرُ الْجُحْفَةُ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتُ عِرْقٍ، وَمُهَلُّ أَهْلِ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِلَا شَكٍّ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ الْخَوْزِيِّ، وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ
стр. 233
أَحْمَدُ مَرْفُوعًا، وَرَوَاهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِي عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ مَرْفُوعًا بِلَا شَكٍّ.
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَاللَّفْظُ لَهُ قَالَ: " «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ وَأَهْلِ تِهَامَةَ يَلَمْلَمَ، وَلِأَهْلِ الطَّائِفِ وَهِيَ نَجْدٌ قَرْنًا، وَلِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ» ".
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَفِي إِسْنَادِهِ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَأَةَ.
стр. 234
وَرَوَى الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ عَنْ أَفْلَحَ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، وَغَيْرُهُ مُسْتَوْفًى فِي الْمَوَاقِيتِ الْخَمْسَةِ قَالَتْ: " «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ الْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَلِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ» ".
стр. 235
وَقَالَ أَبُو عَاصِمٍ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَاشِدٍ عَنْ مَكْحُولٍ " «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ» "، وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ: " «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ ذَاتَ عِرْقٍ» " رَوَاهُ سَعِيدٌ، فَهَذَا قَدْ رُوِيَ مُرْسَلًا مِنْ جِهَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَمَكَّةَ، وَالشَّامِ، وَمِثْلُ هَذَا يَكُونُ حُجَّةً.
وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: " «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ ذَاتَ عِرْقٍ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ وَكِيعٍ عَنْهُ.
стр. 236
وَعَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو السَّهْمِيِّ، قَالَ: " «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، وَهُوَ بِمِنًى أَوْ عَرَفَاتٍ، وَقَدْ أَطَافَ بِهِ النَّاسُ قَالَ: فَيَجِيءُ الْأَعْرَابُ فَإِذَا رَأَوْا وَجْهَهُ قَالُوا: هَذَا وَجْهٌ مُبَارَكٌ قَالَ: وَوَقَّتَ ذَاتَ عِرْقٍ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَلَفْظُهُ " «وَقَّتَ لِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ أَنْ يُهِلُّوا مِنْهَا، وَذَاتَ عِرْقٍ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ» ".
وَذَهَبَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّ ذَاتَ عِرْقٍ إِنَّمَا ثَبَتَتْ بِتَوْقِيتِ عُمَرَ ﵁ اجْتِهَادًا، ثُمَّ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِمَا «رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: " لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ الْمِصْرَانِ أَتَوْا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ
стр. 237
فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَإِنَّهُ جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا، وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا أَنْ نَأْتِيَ قَرْنًا شَقَّ عَلَيْنَا، قَالَ: فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ قَالَ: فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا حُدَّتْ بِالِاجْتِهَادِ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى طَرِيقِهِ مِيقَاتٌ فَإِنَّهُ يُحْرِمُ إِذَا حَاذَى أَقْرَبَ الْمَوَاقِيتِ إِلَى طَرِيقِهِ، وَهُمْ يُحَاذُونَ قَرْنًا إِذَا صَارُوا بِذَاتِ عِرْقٍ، وَلَوْ كَانَتْ مَنْصُوصَةً لَمْ يَحْتَجْ إِلَى هَذَا، وَأَحَادِيثُ الْمَوَاقِيتِ لَا تُعَارِضُ هَذَا فَعَلَى هَذَا هَلْ يُسْتَحَبُّ الْإِحْرَامُ مِنَ الْعَقِيقِ؟. . .
وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ الْجِيَادِ الْحِسَانِ الَّتِي يَجِبُ الْعَمَلُ بِمِثْلِهَا مَعَ تَعَدُّدِهَا، وَمَجِيئِهَا مُسْنَدَةً، وَمُرْسَلَةً مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى.
وَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ فَإِنَّ تَوْقِيتَ ذَاتِ عِرْقٍ كَانَ مُتَأَخِّرًا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ كَمَا
стр. 238
ذَكَرَهُ الْحَارِثُ بْنُ عَمْرٍو، وَقَدْ كَانَ قَبْلَ هَذَا سَبَقَ تَوْقِيتُ النَّبِيِّ ﷺ لِغَيْرِهَا فَخَفِيَ هَذَا عَلَى عُمَرَ ﵁ كَمَا خَفِيَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ السُّنَنِ، وَإِنْ كَانَ عِلْمُهَا عِنْدَ عُمَّالِهِ، وَسُعَاتِهِ، وَمَنْ هُوَ أَصْغَرُ مِنْهُ، مِثْلَ دِيَةِ الْأَصَابِعِ، وَتَوْرِيثِ الْمَرْأَةِ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا، فَاجْتَهَدَ، وَكَانَ مُحَدَّثًا مُوَفَّقًا لِلصَّوَابِ فَوَافَقَ رَأْيُهُ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِبِدْعٍ مِنْهُ ﵁ فَقَدْ وَافَقَ رَبَّهُ فِي مَوَاضِعَ مَعْرُوفَةٍ، مِثْلَ الْمَقَامِ، وَالْحِجَابِ، وَالْأَسْرَى، وَأَدَبِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ .
стр. 239
فَعَلَى هَذَا: لَا يُسْتَحَبُّ الْإِحْرَامُ قَبْلَهَا كَمَا لَا يُسْتَحَبُّ قَبْلَ غَيْرِهَا مِنَ الْمَوَاقِيتِ الْمَنْصُوصَةِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: أَرَى أَنْ يُحْرِمَ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَى يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
стр. 240
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا مُفِيدًا لِوُجُوبِ الْإِحْرَامِ مِنْهَا فَلَا بُدَّ أَنْ يُفِيدَ الِاسْتِحْبَابَ.
قِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ مَدَارُهُ عَلَى يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَقَالُوا: يَزِيدُ يَزِيدُ.
وَيَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَشْهُورَ الصَّحِيحَ قَدْ ذَكَرَ فِيهِ الْمَوَاقِيتَ الْأَرْبَعَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا مَعَ أَنَّ هَذَا مِمَّا يَقْصِدُ الْمُحَدِّثُ ذِكْرَهُ مَعَ إِخْوَتِهِ لِعُمُومِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ حُجَّاجَ الْمَشْرِقِ أَكْثَرُ مِنْ حُجَّاجِ سَائِرِ الْمَوَاقِيتِ.
وَإِنَّ النَّاسَ أَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ الْإِحْرَامِ دُونَهُ فَلَوْ كَانَ مِيقَاتًا لَوَجَبَ الْإِحْرَامُ مِنْهُ كَمَا يَجِبُ الْإِحْرَامُ مِنْ سَائِرِ مَا وَقَّتَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِذْ لَيْسَ لَنَا مِيقَاتٌ يُسْتَحَبُّ الْإِحْرَامُ مِنْهُ، وَلَا يَجِبُ، عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: " وَقَّتَ " لَا يَقْتَضِي إِلَّا وُجُوبَ الْإِحْرَامِ مِنْهُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ إِحْرَامَ الْعِرَاقِيِّ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ إِحْرَامٌ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَأَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي هِيَ أَصَحُّ مِنْهُ وَأَكْثَرُ - تُخَالِفُهُ وَتَبَيِّنُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ ذَاتَ عِرْقٍ.
وَيُشْبِهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ إِنْ كَانَ لِهَذَا الْحَدِيثِ أَصْلٌ أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا؛ لِأَنَّ تَوْقِيتَ ذَاتِ عِرْقٍ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حَيْثُ أَكْمَلَ اللَّهُ دِينَهُ، وَبَعْدَ أَنْ أَكْمَلَ
стр. 241
اللَّهُ دِينَهُ لَمْ يُغَيِّرْهُ.
وَلِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَذْكُرْهُ لَمَّا ذَكَرَ حَدِيثَهُ الْمَشْهُورَ، فَيَكُونُ إِنْ كَانَ حَدَّثَ بِهِ مَرَّةً قَدْ تَرَكَهُ لِمَا عَلِمَ مِنْ نَسْخِهِ، وَلِهَذَا لَمْ يَرْوِهِ عَنْهُ إِلَّا وَلَدُهُ الَّذِي قَدْ يَقْصِدُ بِتَحْدِيثِهِمْ إِخْبَارَهُمْ بِمَا قَدْ وَقَعَ، لَا لِأَنْ يَبْنِيَ الْحُكْمَ عَلَيْهِ.
وَمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ يُحْرِمُ مِنْهُ فَكَمَا كَانَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ يُحْرِمُ مِنَ الْبَصْرَةِ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يُحْرِمُ مِنَ الرَّبَذَةِ.
стр. 242
فَصْلٌ
وَأَمَّا ذُو الْحُلَيْفَةِ فَهِيَ أَبْعَدُ الْمَوَاقِيتِ عَنْ مَكَّةَ كَأَنَّهَا - اللَّهُ أَعْلَمُ - تَصْغِيرُ حَلِفَةٍ، وَحَلِيفَةٍ، وَهِيَ وَاحِدَةُ الْحُلَفَاءِ، وَهِيَ خَشَبٌ يَنْبُتُ فِي الْمَاءِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ عَشْرُ مَرَاحِلَ، وَهِيَ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى مِيلٍ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَأَظُنُّ هَذَا غَلَطًا بَلْ هِيَ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى فَرْسَخٍ، وَبِهَا الْمَسْجِدُ الَّذِي أَحْرَمَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَالْبِئْرُ الَّذِي تُسَمِّيهَا الْعَامَّةُ بِئْرَ عَلِيٍّ، وَحَدُّهَا
стр. 243
مِنْ. . . .
وَيَلِيهَا فِي الْبُعْدِ الْجُحْفَةُ، قِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ السَّيْلَ أَجْحَفَ بِأَهْلِهَا إِلَى الْجَبَلِ الَّذِي هُنَاكَ، وَهِيَ مِنْ مَكَّةَ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاحِلَ، وَتُسَمَّى مَهْيَعَةَ، وَهِيَ الَّتِي دَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِنَقْلِ حُمَّى الْمَدِينَةِ إِلَيْهَا، وَهِيَ قَرْيَةٌ قَدِيمَةٌ، وَهِيَ الْيَوْمَ خَرَابٌ، وَبِهَا أَثَرُ الْحَمَامِ الَّتِي دَخَلَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَقَدْ صَارَ النَّاسُ لِأَجْلِ خَرَابِهَا يُحْرِمُونَ قَبْلَهَا مِنْ رَابِغٍ لِأَجْلِ أَنَّ بِهَا الْمَاءَ لِلِاغْتِسَالِ.
стр. 244
وَأَمَّا قَرْنٌ بِسُكُونِ الرَّاءِ فَيُقَالُ لَهُ قَرْنُ الثَّعَالِبِ، وَقَرْنُ الْمَنَازِلِ، وَهُوَ. . . . وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ فَهُوَ مِيقَاتٌ لِأَهْلِ نَجْدٍ وَالطَّائِفِ وَتِهَامَةِ نَجْدٍ وَمَا بِتِلْكَ النَّوَاحِي.
وَأَمَّا يَلَمْلَمُ وَيُقَالُ لَهُ أَلَمْلَمُ فَهُوَ جَبَلٌ بِتِهَامَةَ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ، وَهِيَ مِيقَاتٌ لِأَهْلِ الْيَمَنِ وَتِهَامَةِ الْيَمَنِ، وَهُوَ تِهَامَةُ الْمَعْرُوفُ.
وَذَاتُ عِرْقٍ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ قَاصِدَتَانِ. . . .
стр. 245
وَهَذِهِ الْمَوَاقِيتُ هِيَ الْأَمْكِنَةُ الَّتِي سَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ بِعَيْنِهَا فِي زَمَانِهِ، وَلَوْ كَانَ قَرْيَةً فَخَرِبَتْ، وَبُنِيَ غَيْرُهَا، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ الِاسْمِ، فَالْمِيقَاتُ هُوَ الْقَرْيَةُ الْقَدِيمَةُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي عَيَّنَهُ الشَّارِعُ لِلْإِحْرَامِ، وَيُشْبِهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ جَعَلَهَا عَلَى حَدٍّ مُتَقَارِبٍ مَرْحَلَتَانِ لِكَوْنِهِ مَسَافَةَ الْقَصْرِ إِلَّا مِيقَاتَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَإِنَّ مَسَافَةَ سَفَرِهِمْ قَرِيبَةٌ إِذْ هِيَ أَكْبَرُ الْأَمْصَارِ الْكِبَارِ إِلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا كَانَ غَيْرُهُمْ يَقْطَعُ مَسَافَةً بَعِيدَةً بَيْنَ مِصْرِهِ وَمَكَّةَ، عَوَّضَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنْ قَصُرَتْ عَنْهُ مَسَافَةُ إِهْلَالِهِ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ لَا يَقْطَعُونَ إِلَّا مَسَافَةً قَرِيبَةً فَجُعِلَتْ عَامَّتُهَا إِهْلَالًا، وَأَهْلُ الشَّامِ أَقْرَبُ مِنْ غَيْرِهِمْ فَكَذَلِكَ كَانَ مِيقَاتُهُمْ أَبْعَدَ، وَمَنْ مَرَّ عَلَى غَيْرِ بَلَدِهِ فَإِنَّهُ بِمُرُورِهِ فِي ذَلِكَ الْمِصْرِ يَجِدُ مِنَ الرَّفَاهِيَةِ وَالرَّاحَةِ مَا يُلْحِقُهُ بِأَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ.
стр. 246
[مَسْأَلَةٌ المواقيت لأهلها ولمن مر عليها]
مَسْأَلَةٌ: وَهَذِهِ الْمَوَاقِيتُ لِأَهْلِهَا، وَلِكُلِّ مَنْ مَرَّ عَلَيْهَا، وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَنْ مَرَّ بِهَذِهِ الْمَوَاقِيتِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْهَا، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْوَجْهِ الَّذِي وُقِّتَ الْمِيقَاتُ لَهُ أَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ ذَلِكَ الْوَجْهِ، لَكِنَّهُ سَلَكَهُ مَعَ أَهْلِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ بَعْدَ هَذَا يَمُرُّ عَلَى مِيقَاتِ الْوَجْهِ الَّذِي هُوَ مِنْهُ أَوْ لَا يَمُرُّ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَهْلِ الشَّامِ فَإِنَّهُمْ قَدْ صَارُوا فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ يُعَرِّجُونَ عَنْ طَرِيقِهِمْ لِيَمُرُّوا بِالْمَدِينَةِ فَيَمُرُّونَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُحْرِمُوا مِنْهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ عَرَّجَ أَهْلُ الْعِرَاقِ إِلَى الْمَدِينَةِ أَوْ خَرَجَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى غَيْرِ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَهِيَ الطَّرِيقُ الْأُخْرَى.
وَمَنْ مَرَّ عَلَى مِيقَاتَيْنِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَبْعَدِهِمَا مِنْ مَكَّةَ، قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ: إِذَا مَرَّ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ بِالْمَدِينَةِ، وَأَرَادَ الْحَجَّ فَإِنَّهُ يُهِلُّ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ يَرْوِي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَوَاقِيتِ: " «هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ» "، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «فَهُنَّ لَهُنَّ " أَيْ: لِهَذِهِ الْأَمْصَارِ وَأَهْلِهَا " وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ» أَيْ: وَلِمَنْ أَتَى عَلَى الْمَوَاقِيتِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمَحَلِّ، أَيْ: مِمَّنْ أَتَى عَلَى مِيقَاتٍ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مِصْرِهِ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ لَا يَأْتِي عَلَيْهِنَّ جَمِيعِهِنَّ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَخْرُجُ
стр. 247
عَنْ هَذِهِ الْأَمْصَارِ، فَجَعَلَ الْمِيقَاتَ لِكُلِّ مَنْ مَرَّ بِهِ مِنْ أَهْلِ وَجْهِهِ وَمِنْ غَيْرِ أَهْلِ وَجْهِهِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ وَجْهِ مِيقَاتٍ آخَرَ.
وَقَوْلُهُ: " لَهُنَّ " أَيْ لِمَنْ جَاءَ عَلَى طَرِيقِهِنَّ، وَسَلَكَهُ، وَقَدْ رَوَى سَعِيدٌ أَنَّ ابْنَ يَحْيَى قَالَ: ثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ ذَاتَ عِرْقٍ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، وَلِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ مَرَّ بِهِمْ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَمَنْ سَاحَلَ+ الْجُحْفَةَ» ".
وَرَوَى سَعِيدٌ عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَّتَ لِمَنْ سَاحَلَ+ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ» " فَقَدْ بَيَّنَ عُرْوَةُ فِي رِوَايَتِهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ ذَا الْحُلَيْفَةِ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَمَنْ مَرَّ بِهِمْ»، وَأَنَّ الْجُحْفَةَ إِنَّمَا وَقَّتَهَا لِلشَّامِيِّ إِذَا سَلَكَ تِلْكَ الطَّرِيقَ، طَرِيقَ السَّاحِلِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَوَاقِيتَ مُحِيطَةٌ بِالْبَيْتِ كَإِحَاطَةِ جَوَانِبِ الْحَرَمِ، فَكُلُّ مَنْ مَرَّ مِنْ جَوَانِبِ الْحَرَمِ لَزِمَهُ تَعْظِيمُ حُرْمَتِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ جَوَانِبِهِ أَبْعَدَ مِنْ بَعْضٍ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ قُرْبَ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ وَبُعْدَهَا؛ لِمَا يَحِلُّ لِأَهْلِ بِعِيدِهَا مِنَ الرَّفَاهِيَةِ، وَذَلِكَ +يَشْرَكُهُمْ فِيهِ كُلُّ مَنْ دَخَلَ مِصْرَهُمْ، فَإِنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا دَخَلَ مِصْرًا، وَأَقَامَ فِيهَا أَيَّامًا انْحَطَّ عَنْهُ عَظَمَةُ مَشَقَّةِ سَفَرِهِ فَوَجَدَ الطَّعَامَ، وَالْعَلَفَ، وَالظِّلَّ، وَالْأَمْنَ، وَخَفَّفَ
стр. 248
أَحْمَالَهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ الرِّفْقِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذِهِ الْمَوَاقِيتَ حُدُودُ النُّسُكِ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَدَّى حُدُودَ اللَّهِ.
стр. 249
[مَسْأَلَةٌ ميقات من دون المواقيت للحج]
مَسْأَلَةٌ: (وَمَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ فَمِيقَاتُهُ مِنْ مَوْضِعِهِ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا لِحَجِّهِمْ، وَيُهِلُّونَ لِلْعُمْرَةِ مِنَ الْحِلِّ.
فِي هَذَا الْكَلَامِ فَصْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: فِي غَيْرِ الْمَكِّيِّ إِذَا كَانَ مَسْكَنُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ إِلَى مَكَّةَ فَإِنَّهُ يُهِلُّ مِنْ أَهْلِهِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: («فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَلِكَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا» أَيْ وَمِثْلُ هَذَا الَّذِي قُلْتُ يَفْعَلُ هَؤُلَاءِ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ.
قَالَ أَحْمَدُ: فَمَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ بِالْجُحْفَةِ أَهَلَّ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ كَانَ دُونَ الْجُحْفَةِ إِلَى مَكَّةَ أَهَلَّ مِنْ مَوْضِعِهِ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْ مَكَّةَ.
فَإِنْ كَانَ فِي قَرْيَةٍ: فَلَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنَ الْجَانِبِ الَّذِي يَلِي مَكَّةَ وَالْجَانِبِ الْبَعِيدِ مِنْهَا، وَإِحْرَامُهُ مِنْهُ أَفْضَلُ.
قَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا: وَيَتَوَجَّهُ أَنْ يَكُونَ إِحْرَامُهُ مِنْ مَنْزِلِهِ أَفْضَلَ؛ لِأَنَّ اسْتِحْبَابَ الرُّجُوعِ لَهُ إِلَى آخِرِ الْقَرْيَةِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ فِي وَادٍ يَقْطَعُهُ عَرْضًا فَمِيقَاتُهُ حَذْوَ مَسْكَنِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي حَلَّةٍ .. مِنْ حِلَلِ الْبَادِيَةِ أَحْرَمَ مِنْ حَلَّتِهِ.
وَهَذَا فِيمَنْ كَانَ مُسْتَوْطِنًا فِي مَكَانٍ دُونَ الْمِيقَاتِ كَأَهْلِ عُسْفَانَ وَجُدَّةَ
стр. 250
وَالطَّائِفِ، أَوْ ثَمَّتْ فِي بَعْضِ الْمِيَاهِ فَأَنْشَأَ قَصْدَ الْحَجِّ مِنْ وَطَنِهِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَوْطِنًا، بَلْ أَقَامَ بِبَعْضِ هَذِهِ الْأَمْكِنَةِ لِحَاجَةٍ يَقْضِيهَا فَبَدَا لَهُ الْحَجُّ مِنْهَا ... ، أَوْ لَمْ يَكُنْ مُقِيمًا بَلْ جَاءَ مُسَافِرًا إِلَيْهَا لِحَاجَةٍ ثُمَّ بَدَا لَهُ الْحَجُّ مِنْهَا.
فَأَمَّا إِنْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِهَا قَدْ سَافَرَ إِلَى أَبْعَدَ مِنَ الْمِيقَاتِ، ثُمَّ مَرَّ عَلَى الْمِيقَاتِ مُرِيدًا لِلْحَجِّ أَوْ لِمَكَّةَ ... .
وَإِنْ سَافِرَ إِلَى أَبْعَدَ مِنْ مَسْكَنِهِ دُونَ الْمِيقَاتِ، وَبَدَا لَهُ سَفَرًا الْحَجُّ مِنْ هُنَاكَ بِحَيْثُ يَمُرُّ عَلَى أَهْلِهِ مُرُورَ مُسَافِرٍ لِلْحَجِّ.
следующие страницы →