Полный текст (1 211 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا مِنْ مُحْرِمٍ يُضَحِّي لِلَّهِ يَوْمَهُ يُلَبِّي حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ، إِلَّا غَابَتْ بِذُنُوبِهِ فَعَادَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَتُسْتَحَبُّ التَّلْبِيَةُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، قَائِمًا وَقَاعِدًا وَمُضْطَجِعًا وَسَائِرًا وَنَازِلًا وَطَاهِرًا وَجُنُبًا وَحَائِضًا، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْوَالِ.
стр. 527
[مَسْأَلَةٌ مواطن استحباب التلبية]
مَسْأَلَةٌ: (وَهِيَ آكَدُ فِيمَا إِذَا عَلَا نَشْزًا، أَوْ هَبَطَ وَادِيًا، أَوْ سَمِعَ مُلَبِّيًا، أَوْ فَعَلَ مَحْظُورًا نَاسِيًا، أَوِ الْتَقَتِ الرِّفَاقُ، وَفِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ، وَبِالْأَسْحَارِ، وَإِقْبَالِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ).
وَذَلِكَ: لِأَنَّ ذَلِكَ مَأْثُورٌ عَنِ السَّلَفِ: قَالَ خَيْثَمَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: كَانَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ يُلَبُّونَ إِذَا هَبَطُوا وَادِيًا، أَوْ أَشْرَفُوا عَلَى أَكَمَةٍ، أَوْ لَقُوا رُكْبَانًا، وَبِالْأَسْحَارِ وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ " رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَفِي لَفْظٍ: " كُنْتُ أَحُجُّ مَعَ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ، فَكَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يُلَبُّوا فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ، وَحِينَ يَلْقَى الرَّكْبَ، وَبِالْأَسْحَارِ، وَإِذَا أَشْرَفُوا عَلَى أَكَمَةٍ، أَوْ هَبَطَ وَادِيًا، أَوِ انْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ " رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ.
стр. 528
وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَهَلَّ حِينَ انْبَعَثَتْ بِهِ نَاقَتُهُ وَاسْتَوَتْ بِهِ قَائِمَةً، ثُمَّ أَهَّلَ حِينَ عَلَا عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ.
وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: " «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُلَبِّي فِي حَجَّتِهِ إِذَا لَقِيَ رَاكِبًا أَوْ عَلَا أَكَمَةً، أَوْ هَبَطَ وَادِيًا، وَفِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ، وَمِنْ آخِرِ اللَّيْلِ» ".
وَلِأَنَّ الْمُسَافِرَ يُسْتَحَبُّ لَهُ إِذَا عَلَا عَلَى شَرَفٍ أَنْ يُكَبِّرَ اللَّهَ تَعَالَى، وَإِذَا هَبَطَ وَادِيًا أَنْ يُسَبِّحَهُ - فَالتَّلْبِيَةُ لِلْمُحْرِمِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا مِنَ الذِّكْرِ.
وَلِأَنَّ الْبِقَاعَ إِذَا اخْتَلَفَتْ. . . . .
وَمِنْ جُمْلَةِ الْإِشْرَافِ: إِذَا عَلَا عَلَى ظَهْرِ دَابَّتِهِ - كَمَا تَقَدَّمَ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنِ السَّلَفِ.
стр. 529
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ قَبْلَهَا بِذِكْرِ الرُّكُوبِ، سُئِلَ عَطَاءٌ: أَيَبْدَأُ الرَّجُلُ بِالتَّلْبِيَةِ أَوْ يَقُولُ: سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ؟ قَالَ: يَبْدَأُ بِسُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: " «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَكِبَ حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ، حَمِدَ اللَّهَ - تَعَالَى - وَسَبَّحَ وَكَبَّرَ، ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَلِأَنَّ هَذَا الذِّكْرَ مُخْتَصٌّ بِالرُّكُوبِ، فَيَفُوتُ بِفَوَاتِ سَبَبِهِ، بِخِلَافِ التَّلْبِيَةِ؛ وَلِهَذَا لَوْ سَمِعَ مُؤَذِّنًا كَانَ يَشْتَغِلُ بِإِجَابَتِهِ عَنِ التَّلْبِيَةِ وَالْقِرَاءَةِ وَنَحْوِهِمَا.
وَلِأَنَّ هَذَا الذِّكْرَ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ أَوْكَدُ مِنَ التَّلْبِيَةِ فِيهِ ; لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣].
стр. 530
وَأَمَّا إِذَا سَمِعَ مُلَبِّيًا. . . .
وَأَمَّا إِذَا فَعَلَ مَحْظُورًا نَاسِيًا ; مِثْلَ أَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ، أَوْ يَلْبَسَ قَمِيصًا، وَنَحْوِ ذَلِكَ - فَإِنَّ ذَلِكَ سَيِّئَةٌ تُنْقِصُ الْإِحْرَامَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُتْبِعَهَا بِحَسَنَةٍ تَجْبُرُ الْإِحْرَامَ، وَلَا أَحْسَنَ فِيهِ مِنَ التَّلْبِيَةِ، وَلِأَنَّهُ بِذَلِكَ كَالْمُعْرِضِ عَنِ الْإِحْرَامِ وَيَتَذَكَّرُهُ بِالتَّلْبِيَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لِمَنْ طَافَ فِي إِحْرَامِهِ لَمَّا رَأَى أَنَّهُ يَحِلُّ: أَكْثِرْ مِنَ التَّلْبِيَةِ؛ فَإِنَّ التَّلْبِيَةَ تَشُدُّ الْإِحْرَامَ.
وَأَمَّا إِذَا الْتَقَتِ الرِّفَاقُ. . . . .
فَأَمَّا الْقَافِلَةُ الْوَاحِدَةُ إِذَا جَاءَ بَعْضُهُمْ إِلَى عِنْدِ بَعْضٍ. . . .، وَهَلْ يَبْدَأُونَ قَبْلَ ذَلِكَ بِالسَّلَامِ. . . . .
وَأَمَّا أَدْبَارُ الصَّلَوَاتِ، فَلِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْحَدِيثِ وَالْأَثَرِ.
وَأَمَّا السَّحَرُ فَلِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْحَدِيثِ وَالْأَثَرِ، وَلِأَنَّهَا سَاعَةٌ يُسْتَحَبُّ فِيهَا ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى.
стр. 531
وَأَمَّا فِي إِقْبَالِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ: فَقَدْ ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا، وَمَعْنَى إِقْبَالِ النَّهَارِ. . . . وَلَمْ يَذْكُرِ الْخِرَقِيُّ وَابْنُ أَبِي مُوسَى السَّحَرَ وَطَرَفَيِ النَّهَارِ.
стр. 532
(فَصْلٌ)
وَيَكْفِيهِ أَنْ يُلَبِّيَ لِهَذِهِ الْأَسْبَابِ مَرَّةً وَاحِدَةً ; بِحَيْثُ يَكُونُ دُعَاؤُهُ عَقِيبَ تِلْكَ الْمَرَّةِ.
قَالَ - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ -: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِي التَّلْبِيَةِ: لَبَّيْكَ ذَا الْمَعَارِجِ، وَلَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ جَاءَتْ بِهِ الْعَامَّةُ؛ يُلَبُّونَ فِي دُبُرِ الصَّلَوَاتِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: مَا شَيْءٌ تَفْعَلُهُ الْعَامَّةُ يُلَبُّونَ فِي دُبُرِ الصَّلَوَاتِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؟ فَتَبَسَّمَ وَقَالَ: مَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ جَاءُوا بِهِ، قُلْتُ: أَلَيْسَ تُجْزِئُهُ مَرَّةً وَاحِدَةً؟ قَالَ: بَلَى.
وَكَذَلِكَ - أَيْضًا - إِذَا لَبَّى لِغَيْرِ سَبَبٍ فَإِنَّ الْمَرَّةَ الْوَاحِدَةَ تَحْصُلُ بِهَا سُنَّةُ التَّلْبِيَةِ ; بِحَيْثُ يَدْعُو بَعْدَهَا إِنْ أَحَبَّ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ ذَكَرُوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ أَهَلَّ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، ثُمَّ لَمَّا عَلَا الْبَيْدَاءَ أَهَلَّ بِهِنَّ، وَلَمْ يَذْكُرُوا أَنَّهُ كَرَّرَهُنَّ فِي حَالَتِهِ تِلْكَ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَبَيَّنُوهُ؛ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا لَمْ يَكُونُوا لِيُغْفِلُوهُ وَيُهْمِلُوهُ، بَلْ ظَاهِرُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ حِينَ قَالَ: " «أَهَلَّ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ» " وَقَوْلُهُ: " «فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً قَالَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ» " وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِيهَا مَا يَزِيدُ: كَالنَّصِّ فِي أَنَّهُ إِنَّمَا لَبَّى بِهَذَا وَاحِدَةً. وَقَدْ قَالَ: " «أَرْبَعًا تَلَقَّنْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » -.
стр. 533
أَفَتَرَاهُ يَعُدُّ كَلِمَاتِ التَّلْبِيَةِ، وَلَا يَعُدُّ مَرَّاتِهَا؟ وَذِكْرُ عَدَدِهَا أَهَمُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ [إِلَّا بِذِكْرِهِ بِخِلَافِ كَلِمَاتِ التَّلْبِيَةِ] فَإِنَّ ذِكْرَهَا يُغْنِي عَنْ عَدِّهَا، وَكَذَلِكَ الْمَأْثُورُ عَنِ السَّلَفِ لَيْسَ فِيهِ أَمْرٌ بِتَكْرِيرٍ؛ وَلِذَلِكَ أَنْكَرَ أَحْمَدُ هَذَا، وَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ عَنِ السَّلَفِ، وَقَالَ: لَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ جَاءُوا بِهِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ كَلِمَاتِ التَّلْبِيَةِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى تَكْرَارِهَا، فَإِنَّهَا مُتَضَمِّنَةٌ الثَّلَاثَ مَرَّاتٍ.
فَإِنْ كَرَّرَهَا ثَلَاثًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَطَائِفَةٌ مَعَهُ: لَا يُسْتَحَبُّ تَكْرَارَهَا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُهَا ثَلَاثًا.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُهَا ثَلَاثًا عَقِيبَ الصَّلَاةِ، بَلْ يَأْتِي بِهَا عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ كَمَا يَأْتِي بِهَا مُفْرَدَةً عَنِ الصَّلَاةِ.
وَقَالُوا: يُسْتَحَبُّ اسْتِدَامَتُهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ عَلَى مَرَّةٍ، وَتَكْرَارُهُ ثَلَاثًا حَسَنٌ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ: يُسَنُّ تَكْرَارُهَا بَعْدَ تَمَامِهَا ; لِأَجْلِ تَلَبُّسِهِ بِالْعِبَادَةِ، وَإِنْ لَمْ تُسْتَحَبَّ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا.
стр. 534
وَفَرَّقَ بَيْنَ الزِّيَادَةِ وَالتَّكْرَارِ: بِأَنَّ هَذَا الذِّكْرَ شِعَارُ هَذِهِ الْعِبَادَةِ، كَالْأَذَانِ وَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، فَلَمْ تُسْتَحَبَّ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ مِثْلَهُمَا بِخِلَافِ التَّكْرَارِ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ لِأَجْلِ تَلَبُّسِهِ بِالْعِبَادَةِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ مَا لَمْ يَحِلَّ، وَهَذَا يَقْتَضِي اسْتِحْبَابَ تَكْرَارِهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي اخْتُلِفَ فِي اسْتِحْبَابِ الزِّيَادَةِ - وَهُوَ عَقِيبَ التَّلْبِيَةِ سَوَاءٌ.
وَحَقِيقَةُ الْمَذْهَبِ: أَنَّ اسْتِدَامَتَهَا، وَتَكْرَارَهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ حَسَنٌ مُسْتَحَبٌّ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِعَدَدٍ، كَمَا فِي التَّكْبِيرِ فِي الْعَشْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، لَكِنَّ التَّقْيِيدَ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ لَا أَصْلَ لَهُ، وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ بِهِ وَإِلْزَامُ الْمَأْمُورِينَ.
стр. 535
(فَصْلٌ)
قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَخَلَّلَهَا غَيْرُهَا مِنَ الْكَلَامِ لِيَأْتِيَ بِهَا نَسَقًا، فَإِنْ سُلِّمَ عَلَيْهِ رَدَّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فَرْضٌ، وَالتَّلْبِيَةُ سُنَّةٌ.
فَإِنْ لَمْ يُحْسِنِ التَّلْبِيَةَ بِالْعَرَبِيَّةِ، فَإِنَّهُ يَتَعَلَّمُهَا وَإِنْ لَمْ يَفْقَهْهَا.
قَالَ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ -: وَالْأَعْجَمِيُّ وَالْأَعْجَمِيَّةُ إِذَا لَمْ يَفْقَهَا يُعَلَّمَانِ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهَا وَبَرَّرَ لماى الْمَنَاسِكِ، وَيَشْهَدَانِ مَعَ النَّاسِ الْمَنَاسِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالنِّيَّةِ، وَأَرْجُو أَنْ يُجْزِئَ ذَلِكَ عَنْهُمَا.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُلَبِّيَ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى التَّلْبِيَةِ بِالْعَرَبِيَّةِ، أَوْ عَلَى تَعَلُّمِهَا ; لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ، فَلَمْ يَجُزْ إِلَّا بِالْعَرَبِيَّةِ كَالْأَذَانِ وَالتَّكْبِيرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَذْكَارِ الْمَشْرُوعَةِ، لَا سِيَّمَا وَالتَّلْبِيَةُ ذِكْرٌ مُؤَقَّتٌ، فَهِيَ بِالْأَذَانِ أَشْبَهُ مِنْهَا بِالْخُطْبَةِ وَنَحْوِهَا، ثُمَّ الْخُطْبَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا بِالْعَرَبِيَّةِ، فَالتَّلْبِيَةُ أَوْلَى. فَإِنْ عَجَزَ عَنِ التَّلْبِيَةِ بِالْعَرَبِيَّةِ: فَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: يَجُوزُ أَنْ يُلَبِّيَ بِلِسَانِهِ، وَيَتَوَجَّهُ أَنْ لَا يَجُوزَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مُنِعَ عَنِ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ. فَإِنْ عَجَزَ عَنِ التَّلْبِيَةِ بِأَنْ لَا يُحْسِنَهَا بِالْكُلِّيَّةِ أَوْ يَكُونَ أَخْرَسَ، أَوْ مَرِيضًا لَا يُطِيقُ الْكَلَامَ، أَوْ صَغِيرًا، فَقَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ أَبِي
стр. 536
طَالِبٍ -: الْأَخْرَسُ وَالْمَرِيضُ وَالصَّبِيُّ: يُلَبِّي عَنْهُمْ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا عَجَزَ عَنِ الْجَهْرِ يُلَبَّى عَنْهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ جَابِرًا ذَكَرَ أَنَّهُمْ: كَانُوا يُلَبُّونَ عَنِ الصِّبْيَانِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِعَجْزِهِمْ عَنِ التَّلْبِيَةِ. فَفِي مَعْنَى الصِّبْيَانِ كُلٌّ عَاجِزٌ؛ وَلِأَنَّ أُمُورَ الْحَجِّ كُلَّهَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ إِذَا عَجَزَ عَنْهَا، كَالرَّمْيِ وَنَحْوِهِ. فَإِذَا عَجَزَ عَنِ التَّلْبِيَةِ بِنَفْسِهِ لَبَّى عَنْهُ غَيْرُهُ، وَيَكُونُ كَمَا لَوْ لَبَّى عَنْ مَيِّتٍ أَوْ مَعْضُوبٍ إِنْ ذَكَرَهُ فِي التَّلْبِيَةِ فَحَسَنٌ، وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى النِّيَّةِ جَازَ.
قَالَ أَصْحَابُنَا، الْقَاضِي وَمَنْ بَعْدَهُ: وَالتَّلْبِيَةُ سُنَّةٌ لَا شَيْءَ فِي تَرْكِهَا ; لِأَنَّهَا ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ فِي الْحَجِّ، فَكَانَ سُنَّةً كَسَائِرِ أَذْكَارِهِ مِنَ الدُّعَاءِ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى وَغَيْرِ ذَلِكَ.
стр. 537
(فَصْلٌ)
وَتُشْرَعُ التَّلْبِيَةُ مِنْ حِينِ الْإِحْرَامِ إِلَى الشُّرُوعِ فِي الْإِحْلَالِ، فَفِي الْحَجِّ يُلَبِّي إِلَى أَنْ يَأْخُذَ فِي رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَفِي الْعُمْرَةِ إِلَى أَنْ يَشْرَعَ فِي الطَّوَافِ.
قَالَ أَحْمَدُ: الْحَاجُّ يُلَبِّي حَتَّى يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ: يُقْطَعُ عِنْدَ أَوَّلِ حَصَاةٍ، وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمُعْتَمِرِ -: يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ.
وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: مَنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا قَطَعَ التَّلْبِيَةَ إِذَا وَصَلَ إِلَى الْبَيْتِ. فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: ظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ بِرُؤْيَةِ الْبَيْتِ قَبْلَ الطَّوَافِ فَجَعَلَ هَذَا خِلَافًا، وَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَ وُصُولَهُ إِلَيْهِ بِاسْتِلَامِهِ الْحِجْرِ، وَهَذَا أَشْبَهُ؛ لِأَنَّ
стр. 538
حَقِيقَةَ الْوُصُولِ أَنْ يَتَّصِلَ بِهِ، وَإِنَّمَا يَتَّصِلُ بِهِ إِذَا لَمَسَهُ لَا إِذَا رَآهُ ; وَذَلِكَ لِمَا رَوَى الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ: " «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ» " وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ: " «حَتَّى بَلَغَ الْجَمْرَةَ» ".
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «أَنَّ أُسَامَةَ كَانَ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، ثُمَّ أَرْدَفَ الْفَضْلُ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى، قَالَ فَكِلَاهُمَا قَالَ: لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﷺ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا.
وَعَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: " أَفَضْتُ مَعَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ، فَلَمْ أَزَلْ أَسْمَعُهُ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: أَفَضْتُ مَعَ أَبِي مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ، فَلَمْ أَزَلْ أَسْمَعُهُ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: «أَفَضْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ أَزَلْ أَسْمَعُهُ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ أَبَانِ بْنِ صَالِحٍ عَنْهُ.
стр. 539
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «يُلَبِّي الْمُعْتَمِرُ حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَعَنْهُ يُرْفَعُ الْحَدِيثُ أَنَّهُ - يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ «كَانَ يُمْسِكُ عَنِ التَّلْبِيَةِ فِي الْعُمْرَةِ إِذَا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَعَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: " «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ عُمَرٍ، كُلُّ ذَلِكَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، يُلَبِّي حَتَّى يَسْتَلِمَ
стр. 540
الْحَجَرَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ.
فَأَمَّا التَّلْبِيَةُ فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، وَفِي حَالِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ.
وَيُكْرَهُ إِظْهَارُ التَّلْبِيَةِ [فِي الْأَمْصَارِ وَالْحَلَلِ، قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ -: التَّلْبِيَةُ] إِذَا بَرَزَ عَنِ الْبُيُوتِ، وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ - وَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُلَبِّيَ فِي مِثْلِ بَغْدَادَ حَتَّى يَبْرُزَ، وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ حَمْدَانَ بْنِ
стр. 541
عَلِيٍّ -: إِذَا أَحْرَمَ فِي مِصْرِهِ لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُلَبِّيَ. وَفِي لَفْظٍ: يُلَبِّي الرَّجُلُ إِذَا وَارَى الْجُدْرَانُ، قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَلَا يُعْجِبُنِي مِنَ الْمِصْرِ.
وَحَمَلَ أَصْحَابُنَا قَوْلَهُ: عَلَى إِظْهَارِ التَّلْبِيَةِ وَإِعْلَانِهَا. وَعِبَارَةُ كَثِيرٍ مِنْهُمْ: لَا يُسْتَحَبُّ إِظْهَارُهَا، وَرُبَّمَا قَالُوا: لَا يُشْرَعُ ذَلِكَ، كَمَا قَالُوا: لَا يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُهَا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ ; إِمَّا فِي الْكَرَاهَةِ، أَوْ فِي أَنَّ الْأَوْلَى تَرَكُهُ، وَذَلِكَ لِمَا احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ وَرَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُلَبِّي بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَمَجْنُونٌ، لَيْسَتِ التَّلْبِيَةُ فِي الْبُيُوتِ، وَإِنَّمَا التَّلْبِيَةُ إِذَا بَرَزْتَ ". وَعَلَّلَهُ الْقَاضِي: بِأَنَّ التَّلْبِيَةَ مُسْتَحَبَّةٌ، وَإِخْفَاءُ التَّطَوُّعِ أَوْلَى مِنْ إِظْهَارِهِ لِمَنْ لَا يَشْرَكُهُ فِيهِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يُكْرَهْ ذَلِكَ فِي الصَّحْرَاءِ وَفِي أَمْصَارِ الْحَرَمِ؛ لِوُجُودِ الشُّرَكَاءِ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُقِيمَ فِي مِصْرٍ لَيْسَ بِمُسَافِرٍ وَلَا مُتَوَجِّهٍ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّلْبِيَةُ إِجَابَةُ الدَّاعِي، وَإِنَّمَا يُجِيبُهُ إِذَا شَرَعَ فِي السَّفَرِ. فَإِذَا فَارَقَ الْبُيُوتَ شَرَعَ فِي السَّفَرِ
стр. 542
فَيُجِيبُهُ، وَكَلَامُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَحْمَدَ يَحْتَمِلُ هَذَا. فَعَلَى هَذَا لَوْ مَرَّ بِمِصْرٍ آخَرَ فِي طَرِيقِهِ، لَبَّى مِنْهُ.
وَعَلَى هَذَا فَلَا يُسْتَحَبُّ إِخْفَاؤُهَا وَلَا إِظْهَارُهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَابْنِ عَبَّاسٍ.
فَأَمَّا الْمَسَاجِدُ: فَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ: لَا يُسْتَحَبُّ إِظْهَارُهَا فِي الْأَمْصَارِ وَمَسَاجِدِ الْأَمْصَارِ، وَمَسَاجِدُ الْأَمْصَارِ: هِيَ الْمَبْنِيَّةُ فِي الْمِصْرِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ حُكْمَهَا كَحُكْمِ الْمِصْرِ، وَأَوْلَى مِنْ حَيْثُ كُرِهَ رَفْعُ الصَّوْتِ فِيهَا، لَا مِنْ إِظْهَارِهَا فِي مَسَاجِدِ الْحِلِّ وَأَمْصَارِهِ. فَعَلَى هَذَا: لِلْمَسَاجِدِ الْمَبْنِيَّةِ فِي الْبَرِّيَّةِ مِثْلَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَنَحْوِهِ لَا يُظْهَرُ فِيهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ رَفْعِ
стр. 543
الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ. وَإِنَّمَا خُصَّ مِنْ ذَلِكَ الْإِمَامُ خَاصَّةً وَالْمَأْمُومُ إِذَا احْتِيجَ إِلَى تَبْلِيغِ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ.
فَيَبْقَى رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ عَلَى عُمُومِهِ. وَهَذَا قَوِيٌّ عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَرَى. . . .
وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي إِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ عَقِيبَ الرَّكْعَتَيْنِ، وَقَوْلُ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ بِذَلِكَ يُخَالِفُ هَذَا الْقَوْلَ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيُسْتَحَبُّ إِظْهَارُهَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَغَيْرِهِ مِنْ مَسَاجِدِ الْحَرَمِ ; مِثْلَ مَسْجِدِ مِنًى، وَفِي مَسْجِدِ عَرَفَاتٍ، وَإِظْهَارُهَا فِي مَكَّةَ لِأَنَّهَا مَوَاضِعُ الْمَنَاسِكِ.
стр. 544
(فَصْلٌ)
وَلَا بَأْسَ بِتَلْبِيَةِ الْحَلَالِ، وَلَا يَصِيرُ مُحْرِمًا بِذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْإِحْرَامَ. قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ -: قَدْ يُلَبِّي الرَّجُلُ وَلَا يُحْرِمُ، وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: " أَقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ ضَيْعَتِهِ الَّتِي دُونَ الْقَادِسِيَّةِ، فَلَقِيَ قَوْمًا يُلَبُّونَ عِنْدَ النَّجَفِ فَكَأَنَّهُمْ هَيَّجُوا أَشْوَاقَهُ، فَقَالَ: لَبَّيْكَ عَدَدَ التُّرَابِ لَبَّيْكَ " رَوَاهُ سَعِيدٌ.
عَنْ عَطَاءٍ وَالْحَسَنِ وَإِبْرَاهِيمَ: " أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا بَأْسًا لِلْحَلَالِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِالتَّلْبِيَةِ يَعْلَمُهَا الرَّجُلُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ - فِي دُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ -: " «لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا مِنْكَ وَإِلَيْكَ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
стр. 545
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا تَسْمِيَةُ مَا أَحْرَمُ بِهِ فِي تَلْبِيَتِهِ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: " لَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْطِقَ بِمَا أَحْرَمَ بِهِ، وَلَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَذْكُرَهُ فِي تَلْبِيَةٍ؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ يَقُولُ: " لَا يَضُرُّ الرَّجُلَ أَنْ لَا يُسَمِّيَ بِحَجٍّ وَلَا بِعُمْرَةٍ، يَكْفِيهِ مِنْ ذَلِكَ نِيَّتُهُ إِنْ نَوَى حَجًّا فَهُوَ حَجٌّ، وَإِنْ نَوَى عُمْرَةً فَهُوَ عُمْرَةٌ ".
وَعَنْهُ " أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ بَعْضَ أَهْلِهِ يُسَمِّي بِحَجٍّ يَقُولُ: " لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ " صَكَّ فِي صَدْرِهِ وَقَالَ: أَتُعْلِمُ اللَّهَ بِمَا فِي نَفْسِكَ ".
وَعَنْهُ: " أَنَّهُ سُئِلَ: أَيُتَكَلَّمُ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ؟ فَقَالَ: أَتُنَبُّونَ اللَّهَ بِمَا فِي قُلُوبِكُمْ " وَذَلِكَ لِأَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: " «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نُلَبِّي لَا نَذْكُرُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالَّذِينَ وَصَفُوا تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمَّا اسْتَوَى عَلَى دَابَّتِهِ مِثْلَ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ، ذَكَرُوا أَنَّهُ لَبَّى، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِي تَلْبِيَتِهِ ذِكْرَ حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ.
стр. 546
وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ - فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ -: قَالَ: إِنْ أَرَدْتَ الْمُتْعَةَ فَقُلْ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ الْعُمْرَةَ، فَيَسِّرْهَا لِي وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي، وَأَعِنِّي عَلَيْهَا " تُسِرُّ ذَلِكَ فِي نَفْسِكَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، وَتَشْتَرِطُ عِنْدَ إِحْرَامِكَ، فَتَقُولُ: إِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحَلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي، وَإِنْ شِئْتَ أَهْلَلْتَ عَلَى رَاحِلَتِكَ، وَذَكَرَ فِي الْإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ نَحْوَ ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ الْعُمْرَةَ وَالْحَجَّ فَيَسِّرْهُمَا وَتَقَبَّلْهُمَا مِنِّي، لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ عُمْرَةً وَحَجًّا، فَقُلْ كَذَلِكَ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْمُتْعَةِ وَالْإِفْرَادِ لَفْظَهُ فِي التَّلْبِيَةِ. فَقَدِ اسْتَحَبَّ أَنْ يُسَمِّيَ فِي تَلْبِيَتِهِ الْعُمْرَةَ وَالْحَجَّ أَوَّلَ مَرَّةٍ ; لِمَا رَوَى بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: " «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ : يُلَبِّي بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا، قَالَ بَكْرٌ: فَحَدَّثْتُ بِذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: لَبَّى بِالْحَجِّ وَحْدَهُ. فَلَقِيتُ أَنَسًا فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ أَنَسٌ: مَا تَعَوَّدْنَا إِلَّا صِبْيَانًا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ: " «قُلْ: عُمْرَةً وَحَجَّةً» "، وَفِي لَفْظٍ: " «عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ» ". وَلَكِنَّ هَذَا يَحْتَمِلُ النُّطْقَ قَبْلَ التَّلْبِيَةِ، وَبَعْدُ، وَفِيهَا.
وَعَنْ عَلِيٍّ: " «أَنَّهُ أَهَلَّ بِهِمَا: لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، وَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأَدَعَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِقَوْلِ أَحَدٍ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَفِي حَدِيثِ الصُّبِيِّ بْنِ مَعْبَدٍ أَنَّهُ، وَسَمِعَهُ سَلْمَانُ وَزَيْدٌ وَهُوَ يُلَبِّي بِهِمَا، فَقَالَ عُمَرُ: " هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ ".
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: إِنْ أَرَادَ الْإِفْرَادَ بِالْحَجِّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ فَيَسِّرْهُ لِي وَأَتْمِمْهُ، وَيُلَبِّي فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ تَمَامُهَا عَلَيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ إِلَى آخِرِهَا، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ الِاشْتِرَاطُ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ - بَعْدَ التَّلْبِيَةِ -: إِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي.
стр. 547
وَقَالَ - فِي الْقَارِنِ -: هُوَ كَالْمُفْرِدِ غَيْرَ أَنَّهُ يَقُولُ - فِي تَلْبِيَتِهِ -: " لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ تَمَامُهَا عَلَيْكَ " بَعْدَ أَنْ يَنْوِيَ الْقِرَانَ.
وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجَّةٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ» ".
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، وَأَهَلَّ أَصْحَابُهُ بِالْحَجِّ» ".
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: " «لَبَّى بِالْحَجِّ وَحْدَهُ» " إِلَّا أَنَّ هَذَا يُقَالُ لِمَنْ نَوَى ذَلِكَ وَلِمَنْ يَعْلَمُ بِهِ فِي تَلْبِيَتِهِ كَمَا يُقَالُ. . . .، بِدَلِيلِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ يَرْوِي ذَلِكَ، وَكَانَ يُنْكِرُ اللَّفْظَ بِهِ فِي التَّلْبِيَةِ.
стр. 548
[بَابُ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ]
[مَسْأَلَةٌ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ]
[مَسْأَلَةٌ حَلْقُ الشَّعْرِ وَقَلْمُ الظُّفْرِ]
مَسْأَلَةٌ: (وَهِيَ تِسْعٌ: حَلْقُ الشَّعْرِ، وَقَلْمُ الظُّفْرِ)
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُحْرِمَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَشْيَاءُ، وَيُكْرَهُ لَهُ أَشْيَاءُ:
فَمِمَّا يَحْرُمُ عَلَيْهِ: أَنْ يُزِيلَ شَيْئًا مِنْ شَعْرِهِ بِحَلْقٍ، أَوْ نَتْفٍ، أَوْ قَطْعٍ، أَوْ تَنُّورٍ، أَوْ إِحْرَاقٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ شَعْرُ الرَّأْسِ، وَالْبَدَنِ وَالْفَخْذِ الَّذِي يُسَنُّ إِزَالَتُهُ لِغَيْرِ الْحَرَامِ، كَشَعْرِ الْعَانَةِ وَالْإِبِطِ. وَالَّذِي لَا يُسَنُّ؛ كَشَعْرِ اللِّحْيَةِ وَالْحَاجِبِ وَالصَّدْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يُزِيلَ شَيْئًا مِنْ ظُفْرِهِ. . .؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وَأَيْضًا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] فَرَوَى عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " التَّفَثُ: الدِّمَاءُ، وَالذَّبْحُ، وَالْحَلْقُ، وَالتَّقْصِيرُ وَالْأَخْذُ مِنَ الشَّارِبِ، وَالْأَظْفَارِ، وَاللِّحْيَةِ ".
стр. 549
وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ: "الْحَلْقُ وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَمَنَاسِكُ الْحَجِّ ".
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: "الشَّعْرُ وَالْأَظْفَارُ " رَوَاهُنَّ أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ.
وَعَنْ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "يَعْنِي بِالتَّفَثِ: وَضْعَ إِحْرَامِهِمْ مِنْ حَلْقِ الرَّأْسِ وَلُبْسِ الثِّيَابِ وَقَصِّ الْأَظْفَارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ".
وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: "التَّفَثُ حَلْقُ الرَّأْسِ وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ " وَفِي رِوَايَةٍ: "حَلْقُ
стр. 550
الرَّأْسِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَقَلْمُ الْأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَقَصُّ اللِّحْيَةِ وَالشَّارِبِ، وَالْأَظْفَارِ وَرَمْيِ الْجِمَارِ ".
فَعُلِمَ أَنَّهُ كَانَ مَمْنُوعًا مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ إِجْمَاعٌ سَابِقٌ.
قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ حُبَيْشِ بْنِ سِنْدِيٍّ - شَعْرُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ وَالْإِبِطِ سَوَاءٌ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا. وَلِأَنَّ إِزَالَةَ ذَلِكَ تَرَفُّهٌ وَتَنَعُّمٌ.
[مَسْأَلَةٌ مقدار الفدية في الحلق أو التقليم]
مَسْأَلَةٌ: (فَفِي ثَلَاثٍ مِنْهَا دَمٌ، وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِمَّا دُونَهَا مُدُّ طَعَامٍ، وَهُوَ رُبُعُ الصَّاعِ).
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ: أَنَّهُ مَتَى أَزَالَ شَعْرَهُ أَوْ ظُفْرَهُ: فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ سَوَاءٌ كَانَ لِعُذْرٍ، أَوْ
стр. 551
لِغَيْرِ عُذْرٍ. وَإِنَّمَا يَفْتَرِقَانِ فِي إِبَاحَةِ ذَلِكَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَحْكَامِ.
وَأَمَّا الْفِدْيَةُ: فَتَجِبُ فِيهِمَا لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَجُوِّزَ لِمَنْ مَرِضَ فَاحْتَاجَ إِلَى حَلْقِ الشَّعْرِ، أَوْ آذَاهُ قَمْلٌ بِرَأْسِهِ: أَنْ يَحْلِقَ وَيَفْتَدِي بِصِيَامٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ نُسُكٍ فَلِأَنْ يَجِبُ ذَلِكَ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ أَوْلَى.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ قَالَ: " «جَلَسْتُ إِلَى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْفِدْيَةِ فَقَالَ: نَزَلَتْ فِي خَاصَّةٍ وَهِيَ لَكُمْ عَامَّةٌ حُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: مَا كُنْتُ أَرَى الْوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى، أَوْ مَا كُنْتُ أَرَى الْجُهْدَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى! تَجِدُ شَاةً؟ فَقُلْتُ: لَا، قَالَ: فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: " «أَتَى عَلَيَّ
стр. 552
رَسُولُ اللَّهِ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ وَأَنَا أُوقِدُ تَحْتَ قِدْرِي وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي فَقَالَ: أَيُوذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَاحْلِقْ، وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوِ انْسُكَ نَسِيكَةً لَا أَدْرِي بِأَيِّ ذَلِكَ بَدَأَ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ. وَلِلْبُخَارِيِّ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَآهُ وَأَنَّهُ يَسْقُطُ قَمْلُهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَقَالَ: أَيُوذِيكَ هَوَامُّكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَحْلِقَ وَهُوَ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمْ أَنَّهُمْ يُحِلُّونَ بِهَا وَهُمْ عَلَى طَمَعٍ أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْفِدْيَةَ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُطْعِمَ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةٍ، أَوْ يَهْدِيَ شَاةً أَوْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» ".
وَلِمُسْلِمٍ: " «أَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَقَالَ: كَأَنَّ هَوَامَّ رَأْسِكَ تُؤْذِيكَ؟ فَقُلْتُ: أَجَلْ، قَالَ: فَاحْلِقْهُ وَاذْبَحْ شَاةً، أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ تَصَدَّقَ بِثَلَاثَةِ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ» " وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: " «فَاحْلِقْ رَأْسَكَ وَأَطْعِمْ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ - وَالْفَرَقُ ثَلَاثَةُ آصُعٍ أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ
стр. 553
أَيَّامٍ، أَوِ انْسُكْ نَسِيكَةً» " وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: فَقَالَ: لَهُ النَّبِيُّ ﷺ " «احْلِقْ ثُمَّ اذْبَحْ شَاةً نُسُكًا، أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ ثَلَاثَةَ آصُعِ تَمْرٍ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ» ".
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ: " «فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِي: "احْلِقْ رَأْسَكَ وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَأَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ فَرَقًا مِنْ زَبِيبٍ، أَوِ انْسُكْ شَاةً. فَحَلَقْتُ رَأْسِي ثُمَّ نَسَكْتُ» ".
ثُمَّ الْكَلَامُ فِيمَا يُوجِبُ الدَّمَ وَمَا دُونَهُ: -
أَمَّا مَا يُوجِبُ الدَّمَ: فَفِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ، إِحْدَاهَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ إِلَّا فِي خَمْسِ شَعَرَاتٍ، وَخَمْسَةِ أَظْفَارٍ حَكَاهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّ الْأَظْفَارَ الْخَمْسَةَ أَظْفَارُ يَدٍ كَامِلَةٍ فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهَا كَمَالُ الْجَزَاءِ كَمَا يَتَعَلَّقُ كَمَالُ الْيَدِ بِخَمْسَةِ أَصَابِعَ، وَمَا دُونَ ذَلِكَ نَاقِصٌ عَنِ الْكَمَالِ. وَإِذَا لَمْ تَجِبْ كَمَالُ الْفِدْيَةِ إِلَّا فِي خَمْسَةِ أَصَابِعَ فَأَنْ لَا تَجِبَ إِلَّا فِي خَمْسِ شَعَرَاتٍ أَوْلَى.
وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إِلَّا فِي أَرْبَعَةٍ فَصَاعِدًا، وَهِيَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ فَقَالَ - فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ - قَالَ: كَانَ عَطَاءٌ يَقُولُ: إِذَا نَتَفَ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَكَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يَسْتَكْثِرُ الدَّمَ فِي ثَلَاثٍ وَلَسْتُ أُوأَقِّتُ
стр. 554
فَإِذَا نَتَفَ مُتَعَمِّدًا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ مُتَعَمِّدًا فَعَلَيْهِ دَمٌ. وَالنَّاسِي وَالْمُتَعَمِّدُ سَوَاءٌ.
وَالثَّالِثَةُ: يَجِبُ فِي ثَلَاثٍ فَصَاعِدًا، وَهِيَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ -: إِذَا نَتَفَ الْمُحْرِمُ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ أَهْرَاقَ لَهُنَّ دَمًا، فَإِذَا كَانَتْ شَعْرَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ كَانَ فِيهِمَا قَبْضَةٌ مِنْ طَعَامٍ. وَالْأَظْفَارُ كَالشَّعْرِ فِي ذَلِكَ - وَأَوْلَى - فِيهَا الرِّوَايَاتُ الثَّلَاثُ.
قَالَ: فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا فِي مُحْرِمٍ قَصَّ أَرْبَعَةَ أَصَابِعَ مِنْ يَدِهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ.
قَالَ عَطَاءٌ: فِي شَعْرَةٍ مُدٌّ، وَفِي شَعْرَتَانِ مُدَّانِ، وَفِي ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ فَصَاعِدًا دَمٌ، وَالْأَظْفَارُ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ.
وَلَوْ قَطَعَهَا فِي أَوْقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَكَفَّرَ عَنِ الْأَوَّلِ فَلَا كَلَامَ. وَإِنْ لَمْ يُكَفِّرْ ضَمَّ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ وَوَجَبَ فِيهَا مَا يَجِبُ فِيهَا لَوْ قَطَعَهَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَيَجِبُ الدَّمُ فِي الثَّلَاثِ، أَوِ الْأَرْبَعِ، أَوِ الْخَمْسِ
стр. 555
وَأَمَّا مَا لَا يُوجِبُ الدَّمَ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ وَرِوَايَةٌ مُخَرَّجَةٌ.
إِحْدَاهُنَّ: فِي كُلِّ شَعْرَةٍ وَظُفْرٍ مُدٌّ، قَالَ: فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ إِذَا نَتَفَ شَعْرَةً أَطْعَمَ مُدًّا، وَهَذَا اخْتِيَارُ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا؛ الْخِرَقِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ أَبِي مُوسَى، وَالْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ.
وَالثَّانِيَةُ: قَبْضَةٌ مِنْ طَعَامٍ؛ قَالَ: فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ -: إِذَا كَانَتْ شَعْرَةً، أَوِ اثْنَتَيْنِ: كَانَ فِيهِمَا قَبْضَةٌ مِنْ طَعَامٍ؛ ثُمَّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ: فِي كُلِّ شَعْرَةٍ قَبْضَةٌ مِنْ طَعَامٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّ فِي الشَّعْرَتَيْنِ قَبْضَةً مِنْ طَعَامٍ.
وَالثَّالِثَةُ خَرَّجَهَا الْقَاضِي وَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِهِ: فِيمَنْ تَرَكَ لَيْلَةً مِنْ لَيَالِي مِنًى
стр. 556
أَنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِدِرْهَمٍ، أَوْ نِصْفِ دِرْهَمٍ. وَكَذَلِكَ خَرَّجُوا فِي تَرْكِ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي مِنًى وَحَصَاةٍ مِنْ حَصَى الْجِمَارِ مَا فِي حَلْقِ شَعْرَةٍ وَظُفْرٍ، فَجَعَلُوا الْجَمِيعَ بَابًا وَاحِدًا، قَالُوا: لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ يَتَعَلَّقُ وُجُوبُ الدَّمِ بِجَمِيعِهِ، وَيَتَعَلَّقُ بِبَعْضِهِ وُجُوبُ الصَّدَقَةِ.
وُوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ أَقَلَّ مَا يَتَقَدَّرُ بِالشَّرْعِ مِنَ الصَّدَقَاتِ: طَعَامُ مِسْكِينٍ، وَطَعَامُ الْمِسْكِينِ مُدٌّ، فَعَلَى هَذَا يُخَيَّرُ بَيْنَ مُدِّ بُرٍّ أَوْ نِصْفِ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ هُنَا: أَنَّهُ يُجْزِئُهُ مِنَ الْأَصْنَافِ كُلِّهَا مُدٌّ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا، أَوْ يُخْرِجَ ثُلُثَ شَاةٍ.
وَإِنْ قَطَعَ بَعْضَ شَعْرَةٍ أَوْ ظُفْرٍ: فَفِيهِ مَا فِي جَمِيعِهَا فِي الْمَشْهُورِ. وَفِيهِ وَجْهٌ: أَنَّهُ يَجِبُ بِالْحِسَابِ.
[مَسْأَلَةٌ ما آذى المحرم من الشعر في غير محله]
مَسْأَلَةٌ: (وَإِنْ خَرَجَ فِي عَيْنِهِ شَعْرٌ فَقَلَعَهُ، أَوْ نَزَلَ شَعْرُهُ فَغَطَّى عَيْنَيْهِ، أَوِ انْكَسَرَ ظُفْرُهُ فَقَصَّهُ فَلَا شَيْءَ فِيهِ).
وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَنْزِعَ ضِرْسَهُ إِذَا اشْتَكَى، وَلَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَقْطَعَ الْمُحْرِمُ ظُفْرَهُ إِذَا انْكَسَرَ "
стр. 557
وَعَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْمُحْرِمِ، إِذَا انْكَسَرَ ظُفْرُهُ يُقَلِّمُهُ، فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَعْبَأُ بِأَذَاكُمْ شَيْئًا " رَوَاهُمَا سَعِيدٌ.
وَلِأَنَّ الظُّفْرَ إِذَا انْكَسَرَ. . . .
فَعَلَى هَذَا قَالَ: أَبُو الْخَطَّابِ: يَقُصُّ مِنْهُ مَا انْكَسَرَ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: إِنِ انْكَسَرَ ظُفْرُهُ فَقَصَّهُ: فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الِانْكِسَارُ بِغَيْرِ فِعْلٍ مِنْهُ.
وَأَمَّا الشَّعْرُ إِذَا خَرَجَ فِي عَيْنِهِ وَآلَمَهُ: فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي اعْتَدَى عَلَيْهِ. وَأَمَّا إِذَا نَزَلَ عَلَى عَيْنَيْهِ شَعْرٌ خَاصَّةً رَأْسَهُ. . . فَإِنَّهُ يَقُصُّ مِنْهُ مَا نَزَلَ عَلَى عَيْنَيْهِ.
(فَصْلٌ)
وَلَا بَأْسَ أَنْ يَحْلِقَ الْمُحْرِمُ رَأْسَ الْحَلَالِ، وَيُقَلِّمَ أَظْفَارَهُ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ. وَلَيْسَ لِحَلَالٍ وَلَا حَرَامٍ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَ مُحْرِمٍ، أَوْ يُقَلِّمَ أَظْفَارَهُ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَأَذِنَ الْمَحْلُوقُ: فَالْفِدْيَةُ عَلَيْهِ دُونَ الْحَالِقِ، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ الْحَلَالُ بِالْمُحْرِمِ - وَهُوَ نَائِمٌ، أَوْ أَكْرَهَهُ عَلَيْهِ - فَقَرَارُ الْفِدْيَةِ عَلَى الْحَالِقِ. وَهَلْ تَجِبُ عَلَى الْمُحْرِمِ، ثُمَّ
стр. 558
يَرْجِعُ بِهَا عَلَيْهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ سَيَأْتِي ذِكْرُهُمَا.
[مَسْأَلَةٌ لبس المخيط]
مَسْأَلَةٌ: (الثَّالِثُ: لَبِسَ الْمَخِيطَ إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ إِزَارًا فَيَلْبَسَ سَرَاوِيلَ، أَوْ لَا يَجِدَ نَعْلَيْنِ، فَيَلْبَسَ خُفَّيْنِ، وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ.
فِي هَذَا الْكَلَامِ فَصْلَانِ: -
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُحْرِمَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَلْبَسَ عَلَى بَدَنِهِ الْمَخِيطَ الْمَصْنُوعَ عَلَى قَدْرِ الْعُضْوِ؛ مِثْلَ الْقَمِيصِ وَالْفَرُّوجِ وَالْقَبَاءِ وَالْجُبَّةِ وَالسَّرَاوِيلِ وَالتُّبَّانِ وَالْخُفِّ وَالْبُرْنُسِ وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ لَوْ وَضَعَ عَلَى مِقْدَارِ الْعُضْوِ بِغَيْرِ خِيَاطَةٍ مِثْلُ أَنْ يَنْسِجَ نَسْجًا، أَوْ يَلْصِقَ بِلُصُوقٍ، أَوْ يَرْبِطَ بِخُيُوطٍ، أَوْ يُخَلِّلَ
стр. 559
بِخِلَالٍ أَوْ يَزِرَّ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يُوَصَلُ بِهِ الثَّوْبُ الْمُقَطَّعُ حَتَّى يَصِيرَ كَالْمَخِيطِ، فَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمَخِيطِ، وَإِنَّمَا يَقُولُ الْفُقَهَاءُ: الْمَخِيطُ بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ.
فَأَمَّا إِنْ خُيِّطَ، أَوْ وُصِلَ لَا لِيُحِيطَ بِالْعُضْوِ وَيَكُونُ عَلَى قَدْرِهِ مِثْلَ الْإِزَارِ وَالرِّدَاءِ الْمُوَصَّلِ وَالْمُرَقَّعِ وَنَحْوَ ذَلِكَ: فَلَا بَأْسَ بِهِ، فَإِنَّ مَنَاطَ الْحُكْمِ هُوَ اللِّبَاسُ الْمَصْنُوعُ عَلَى قَدْرِ الْأَعْضَاءِ وَهُوَ اللِّبَاسُ الْمَخِيطُ بِالْأَعْضَاءِ وَاللِّبَاسُ الْمُعَادُ.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ: مَا رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ؟ قَالَ: "لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ الْقَمِيصَ وَلَا الْعِمَامَةَ وَلَا الْبُرْنُسَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ وَلَا زَعْفَرَانٌ، وَلَا الْخُفَّيْنِ إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ نَعْلَيْنِ، فَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ: ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ «رَجُلًا نَادَى يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا يَجْتَنِبُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ: "لَا يَلْبَسُ السَّرَاوِيلَ وَلَا الْقَمِيصَ وَلَا الْبُرْنُسَ وَلَا الْعِمَامَةَ وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلَا وَرْسٌ وَلْيُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ» ".
وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ لِأَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا نَلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ إِذَا أَحْرَمْنَا؟ قَالَ: لَا تَلْبَسُوا
стр. 560
الْقَمِيصَ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا الْبُرْنُسَ وَلَا الْخِفَافَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلَانِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ وَيَجْعَلْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الْوَرْسُ».
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ - عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَنْهَى النَّاسَ إِذَا أَحْرَمُوا عَمَّا يُكْرَهُ لَهُمْ -: "لَا تَلْبَسُوا الْعَمَائِمَ وَلَا الْقُمُصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْخُفَّيْنِ إِلَّا أَنْ يَضْطَرَّ مُضْطَرٌّ فَيَقْطَعَهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الْوَرْسُ وَلَا الزَّعْفَرَانُ " قَالَ: "وَسَمِعْتُهُ يَنْهَى النِّسَاءَ عَنِ الْقُفَّازِ وَالنِّقَابِ وَمَا مَسَّهُ الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ مِنَ الثِّيَابِ» " وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ - أَيْضًا - بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ : " يَنْهَى النِّسَاءَ فِي الْإِحْرَامِ عَنِ الْقُفَّازَيْنِ وَالنِّقَابِ، وَمَا مَسَّ الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ مِنَ الثِّيَابِ، وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَحَبَّتْ مِنْ أَلْوَانِ الثِّيَابِ مُعَصْفَرًا، أَوْ خَزًّا أَوْ حُلِيًّا، أَوْ سَرَاوِيلًا، أَوْ قَمِيصًا» ". قَالَ: أَبُو دَاوُدَ
стр. 561
- وَقَدْ رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَحْمَدَ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ -: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَبْدَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ إِلَى قَوْلِهِ: " «وَمَا مَسَّ الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ مِنَ الثِّيَابِ» " لَمْ يَذْكُرَا مَا بَعْدَهُ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ يَعْلَى بْنِ عُبَيْدٍ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنِ ابْنِ
стр. 562
إِسْحَاقَ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ سَمَاعِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ نَافِعٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مُعَنْعَنٌ أَوْ قَالَ نَافِعٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " «قَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنَ الثِّيَابِ فِي الْإِحْرَامِ؟ فَقَالَ: النَّبِيُّ ﷺ لَا تَلْبَسِ الْقَمِيصَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا الْبُرْنُسَ وَلَا الْخُفَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلَانِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَالْوَرْسُ، وَلَا تَنْتَقِبِ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَلَا تَلْبَسِ الْقُفَّازَيْنِ» " قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَيَحْيَى بْنُ
стр. 563
أَيُّوبَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَلَى مَا قَالَ اللَّيْثُ - يَعْنِي مَرْفُوعًا - وَرَوَاهُ مُوسَى بْنُ طَارِقٍ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَمَالِكٌ وَأَيُّوبُ مَوْقُوفًا، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَدِينِيُّ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ " «الْمُحْرِمَةُ لَا تَنْتَقِبُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ» ". وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ: شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَيْسَ لَهُ كَثِيرُ حَدِيثٍ.
وَعَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: ذَكَرْتُ لِابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ أَنَّ «عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَصْنَعُ - يَعْنِي يَقْطَعُ - الْخُفَّيْنِ لِلْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ، ثُمَّ حَدَّثَتْهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ "رَخَّصَ لِلنِّسَاءِ فِي الْخُفَّيْنِ، فَتَرَكَ ذَلِكَ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ
стр. 564
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: " «وَلَا تَلْبَسْ ثَوْبًا مَسَّهُ الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ غَسِيلًا» " رَوَاهُ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِزَعْفَرَانٍ أَوْ وَرْسٍ» ".
فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ خَمْسَةِ أَنْوَاعٍ مِنَ اللِّبَاسِ تَشْمَلُ جَمِيعَ مَا يَحْرُمُ - فَإِنَّهُ قَدْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ - وَذَلِكَ أَنَّ اللِّبَاسَ إِمَّا أَنْ يُصْنَعَ فَقَطْ فَهُوَ الْقَمِيصُ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْجُبَّةِ وَالْفَرُّوجِ وَنَحْوِهِمَا، أَوْ لِلرَّأْسِ فَقَطْ وَهُوَ الْعِمَامَةُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ أَوْ لَهُمَا وَهُوَ الْبُرْنُسُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ، أَوْ لِلْفَخِذَيْنِ وَالسَّاقِ وَهُوَ السَّرَاوِيلُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ تُبَّانٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ لِلرِّجْلَيْنِ وَهُوَ الْخُفُّ وَنَحْوُهُ. وَهَذَا مِمَّا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ.
الْفَصْلُ الثَّانِي: إِذَا لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَإِنَّهُ يَلْبَسُ السَّرَاوِيلَ وَلَا يَفْتِقُهُ. بَلْ يَلْبَسُهُ عَلَى حَالِهِ، وَإِذَا لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَإِنَّهُ يَلْبَسُ الْخُفَّيْنِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْطَعَهُمَا وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ. هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ فِي عَامَّةِ الْمَوَاضِعِ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَمُهَنَّا وَإِسْحَاقَ وَبَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَعَلَيْهِ أَصْحَابُهُ.
стр. 565
وَرَوَى عَنْهُ: أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَقْطَعَهُمَا؛ قَالَ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ - الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ: " «وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ» " وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَخَذَ بِهِ.
وَقَدْ حَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى وَغَيْرُهُ الرِّوَايَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: عَلَيْهِ أَنْ يَقْطَعَهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَقْطَعْهُمَا فَعَلَيْهِ دَمٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - وَهُوَ مُقَيَّدٌ - فَيُقْضَى بِهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُطْلَقَةِ فَإِنَّ الْحُكْمَ وَاحِدٌ وَالسَّبَبَ وَاحِدٌ وَفِي مِثْلِ هَذَا يَجِبُ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ وِفَاقًا. ثُمَّ هَذِهِ زِيَادَةٌ حَفِظَهَا ابْنُ عُمَرَ وَلَمْ يَحْفَظْهَا غَيْرُهُ، وَإِذَا كَانَ فِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ زِيَادَةٌ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ: مَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ» " وَفِي لَفْظٍ " «السَّرَاوِيلُ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْإِزَارَ وَالْخِفَافُ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
следующие страницы →