← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 10810

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - كتاب الحج

ابن تيمية

Полный текст (1 211 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

الْمُحْرِمَ كَمَا يَلْزَمُ الْحَلَالَ فِي حَمَامِ الْحَرَمِ. وَالطَّيْرُ صَيْدٌ، وَالدَّجَاجُ لَيْسَ بِطَيْرٍ، وَإِنَّمَا أَهْلِيٌّ، وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ -: حَمَامُ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ سَوَاءٌ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: " كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: فِي طَيْرِ حَمَامِ مَكَّةَ شَاةٌ ". وَعَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: " - فِي الْحَمَامِ وَالْقُمْرِيِّ وَالدُّبْسِيِّ وَالْقَطَا وَالْحَجَلَةِ - شَاةٌ شَاةٌ ". وَعَنْ عَطَاءٍ: " أَنَّ غُلَامًا مِنْ قُرَيْشٍ قَتَلَ حَمَامَةَ الْحَرَمِ، فَسَأَلَ أَبُوهُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَذْبَحَ شَاةً ". وَعَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ وَعَطَاءٍ قَالَا: " أَغْلَقَ رَجُلٌ بَابَهُ عَلَى حَمَامَةٍ وَفَرْخَيْهَا

стр. 842

وَانْطَلَقَ إِلَى عَرَفَاتٍ، فَرَجَعَ وَقَدْ مُتْنَ، فَأَتَى ابْنَ عُمَرَ فَسَأَلَهُ، فَجَعَلَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا مِنَ الْغَنَمِ وَحَكَمَ مَعَهُ رَجُلٌ ". وَالْمُرَادُ بِالْحَمَامِ وَمَا أَشْبَهَهُ: كُلَّمَا عَبَّ الْمَاءَ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْهَدِيرِ؛ لِأَنَّ الْحَمَامَ يُشْبِهُ الْغَنَمَ مِنْ حَيْثُ يَعُبُّ الْمَاءَ كَمَا الْغَنَمُ تَعُبُّ الْمَاءَ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ: هُوَ كُلُّ مَا عَبَّ وَهَدَرَ؛ وَالْعَبُّ هُوَ شُرْبُ الْمَاءِ مُتَوَاصِلًا وَهُوَ خِلَافُ الْمَصِّ، فَإِنَّ الدَّجَاجَ وَالْعَصَافِيرَ تَشْرَبُ الْمَاءَ مُتَفَرِّقًا وَمِنْهُ الْكُبَادُ مِنَ الْعُبَابِ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: كُلُّ مُطَوَّقٍ حَمَامٌ ... ، وَمِنْهُ

стр. 843

الشَّفَانِينُ، وَالْوَرَاشِينُ، وَالْقَمَارِيُّ، وَالدَّبَاسِيُّ، وَالْفَوَاخِتُ وَالْقَطَاءُ وَالْقَبَجُ. هَذَا قَوْلُ .... أَبِي الْخَطَّابِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي - فِي خِلَافِهِ -: الْقَطَاءُ وَالسِّمَّانُ مَعَ الْعَصَافِيرِ. وَمَا كَانَ أَصْغَرَ مِنَ الْحَمَامِ فَلَا مِثْلَ لَهُ، لَكِنْ فِيهِ الْقِيمَةُ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِمَا رَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " كُلٌّ يُصِيبُهُ الْمُحْرِمُ دُونَ الْحَمَامَةِ قِيمَتُهُ " رَوَاهُ سَعِيدٌ وَالنِّجَادُ وَلَفْظُهُ: مَا أُصِيبَ مِنَ الطَّيْرِ دُونَ الْحَمَامِ فَفِيهِ الْفِدْيَةُ. وَعَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: " سَأَلَ مَرْوَانُ ابْنَ عَبَّاسٍ - وَنَحْنُ بَوَادِي الْأَزْرَقِ - قَالَ:

стр. 844

الصَّيْدُ يُصِيبُهُ الْمُحْرِمُ لَيْسَ لَهُ بَدَلٌ مِنَ النَّعَمِ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " ثَمَنُهُ يُهْدَى إِلَى مَكَّةَ " رَوَاهُ سَعِيدٌ. وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ، وَلِأَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ الْمِثْلَ مِنَ النَّعَمِ، أَوْ كَفَّارَةً طَعَامَ مَسَاكِينَ، أَوِ الصِّيَامَ، فَإِذَا تَعَذَّرَ أَحَدُ الْخِصَالِ: وَجَبَ الْإِخْرَاجُ مِنَ الْبَاقِي، كَمَا لَوْ عَجَزَ عَنِ الصِّيَامِ، وَكَخِصَالِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَفِدْيَةِ الْأَذَى. وَلِأَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ قَتْلَ الصَّيْدِ، وَذَلِكَ يَعُمُّ جَمِيعَ أَنْوَاعِهِ، وَأَوْجَبَ فِيمَا حَرَّمَ الْجَزَاءَ أَوِ الْكَفَّارَةَ، أَوِ الصِّيَامَ، فَعُلِمَ دُخُولُ ذَلِكَ تَحْتَ الْعُمُومِ. وَأَمَّا مَا كَانَ أَكْبَرَ مِنَ الْحَمَامِ مِثْلَ الْحُبَارَى وَالْكَرَوَانِ وَالْكُرْكِيِّ وَالْحَجَلِ وَالْيَعْقُوبِ وَهُوَ ذَكَرُ الْقَبَجِ: فَقَدْ خَرَّجَهُ .... ، وَأَبُو الْخَطَّابِ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنَّ فِيهِ الْقِيمَةَ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الشَّيْخِ هُنَا؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ الْقِيمَةَ فِي الطَّيْرِ كُلِّهِ إِلَّا الْحَمَامَ وَالنَّعَامَةَ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي إِيْجَابَهَا فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الطَّيْرِ، لَكِنْ تُرِكَ هَذَا الْقِيَاسُ فِي الْجِمَاعِ اسْتِحْسَانًا لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، وَلِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْغَنَمَ فِي عَبِّ الْمَاءِ فَيَبْقَى مَا سِوَاهُ عَلَى مُوجَبِ الْقِيَاسِ.

стр. 845

وَالثَّانِي: يَجِبُ فِيهِ شَاةٌ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، بَلْ نَصُّهُ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَمَا كَانَ مِثْلَ الْعُصْفُورِ وَنَحْوِهِ فَفِيهِ شَاةٌ. وَهَذَا أَصَحُّ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: " فِي الْحَمَامِ وَالدُّبْسِيِّ وَالْقُمْرِيِّ وَالْقَطَاءِ وَالْحَجَلِ: شَاةٌ شَاةٌ ". وَقَالَ أَيْضًا - " مَا أُصِيبَ مِنَ الطَّيْرِ دُونَ الْحَمَامِ: فَفِيهِ الْقِيمَةُ " فَعُلِمَ أَنَّهُ أَوْجَبَ شَاةً فِي الْحَمَامِ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ وَأَكْبَرَ مِنْهُ، وَأَوْجَبَ الْقِيمَةَ فِيمَا دُونَهُ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ هَذَا أَكْبَرُ مِنَ الْحَمَامِ: فَكَانَ أَوْلَى بِإِيجَابِ الشَّاةِ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْمُمَاثَلَةَ كَمَا تُعْتَبَرُ فِي الْخِلْقَةِ وَالصُّورَةِ: فَتُعْتَبَرُ فِي الصِّفَاتِ وَالْأَخْلَاقِ وَجِنْسِ الطَّيْرِ بِمَا أُوتِيَ مِنَ الْمَنَعَةِ وَطِيبِ اللَّحْمِ: أَفْضَلُ مِنَ الدَّوَابِّ، فَجَازَ أَنْ يُعَادِلَ هَذَا مَا فِي الْإِنْعَامِ مِنْ كِبَرِ الْخِلْقَةِ. فَعَلَى هَذَا مَا كَانَ أَكْبَرَ مِنَ الشَّاةِ إِنْ كَانَ ... . (فَصْلٌ) وَيُضْمَنُ الصَّيْدُ بِمِثْلِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْمِثْلُ مِمَّا يُجْزِئُ فِي الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا الْمُطْلَقَةِ أَوْ لَا، لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُمْ أَوْجَبُوا فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ: الْعَنَاقَ، وَالْجَفْرَةَ، وَالْحَمَلَ، وَالْجَدْيَ، وَهِيَ لَا تَجُوزُ فِي الْأَضَاحِيِّ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِي الصَّحَابَةِ

стр. 846

وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ مِثْلَ الْمَقْتُولِ مِنَ النَّعَمِ؛ وَمِثْلُ الصَّغِيرِ صَغِيرٌ كَمَا أَنَّ مِثْلَ الْكَبِيرِ كَبِيرٌ. وَقَوْلُهُ - بَعْدَ ذَلِكَ -: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] لَا يَمْنَعُ مِنْ إِخْرَاجِ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا يُهْدَى إِلَى الْكَعْبَةِ فَهُوَ هَدْيٌ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ الْجَفْرَةَ جَازَ. نَعَمِ الْهَدْيُ الْمُطْلَقُ: لَا يَجُوزُ فِيهِ إِلَّا الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ وَالثَّنِيُّ مِنَ الْمَعْزِ، وَالْهَدْيُ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ لَيْسَ بِمُطْلَقٍ، فَإِنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾ [المائدة: ٩٥] وَالتَّقْدِيرُ: فَلْيُخْرِجْ مِثْلَ الْمَقْتُولِ عَلَى وَجْهِ الْإِهْدَاءِ إِلَى الْكَعْبَةِ. وَهَذَا هَدْيٌ مُقَيَّدٌ لَا مُطْلَقٌ. فَعَلَى هَذَا: مِنْهُ مَا يَجِبُ فِي جِنْسِهِ الصَّغِيرُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمِنْهُ مَا يَجِبُ فِي جِنْسِهِ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ، فَيَنْظُرُ إِلَى الْمَقْتُولِ، فَيَتَغَيَّرُ؛ صِفَاتُهُ، فَيَجِبُ فِي الصَّغِيرِ صَغِيرٌ، وَفِي الْكَبِيرِ كَبِيرٌ، وَفِي الذَّكَرِ ذَكَرٌ، وَفِي الْأُنْثَى أُنْثَى، وَفِي الصَّحِيحِ صَحِيحٌ، وَفِي الْمَعِيبِ مَعِيبٌ تَحْقِيقًا لِمُمَاثَلَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ. فَإِنْ كَانَ الصَّيْدُ سَمِينًا، أَوْ مُسِنًّا، أَوْ كَرِيمَ النَّوْعِ: اعْتُبِرَ فِي مِثْلِهِ ذَلِكَ، وَيَفْتَقِرُ هُنَا فِي الْمُمَاثَلَةِ إِلَى الْحَكَمَيْنِ. هَذَا قَوْلُ ابْنِ أَبِي مُوسَى وَالْقَاضِي وَعَامَّةِ مَنْ بَعْدَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا. وَإِنْ فَدَى الصَّغِيرَ بِالْكَبِيرِ فَهُوَ أَحْسَنُ. وَخَرَّجَ ابْنُ عَقِيلٍ وَجْهًا - عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ فِي الزَّكَاةِ -: أَنْ لَا يُجْزِئُ عَنِ الْمَرِيضِ إِلَّا الصَّحِيحُ. قَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، مِثْلُ ابْنِ عَقِيلٍ وَأَبِي الْخَطَّابِ: فَإِنْ فَدَى الذَّكَرَ

стр. 847

بِالْأُنْثَى: جَازَ فَهُوَ أَفْضَلُ لِأَنَّهَا خَيْرٌ مِنْهُ، وَإِنْ فَدَى الْأُنْثَى بِالذَّكَرِ: فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لِأَنَّهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ. وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْأُنْثَى أَفْضَلُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: فِي صِغَارِ أَوْلَادِ الصَّيْدِ: صِغَارُ أَوْلَادِ الْمُفْدَى بِهِ، وَبِالْكَبِيرِ أَحْسَنُ. وَإِذَا أَصَابَ صَيْدًا أَعْوَرَ. أَوْ مَكْسُورًا: فَدَاهُ بِمِثْلِهِ، وَبِالصَّحِيحِ أَحْسَنُ، وَيُفْدَى الذَّكَرُ بِالذَّكَرِ، وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. وَعَلَى هَذَا: فَلَا يُفْدَى الذَّكَرُ بِالْأُنْثَى، وَلَا الْأُنْثَى بِالذَّكَرِ؛ لِأَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا صِفَةً مَقْصُودَةً لَيْسَتْ فِي الْآخَرِ، فَلَمْ يُجَوَّزِ الْإِخْلَالُ بِهَا، كَمَا لَوْ فَدَى الْأَعْوَرَ الصَّحِيحَ الرِّجْلَيْنِ بِالْأَعْرَجِ الصَّحِيحِ الْعَيْنِ. وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ: عَكْسُ ذَلِكَ؛ وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ فَدَى الْأُنْثَى بِالذَّكَرِ جَازَ، وَفِي الْعَكْسِ تَرَدُّدٌ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ فِي الضَّبُعِ كَبْشًا؛ لِأَنَّ الْهَدَايَا، وَالضَّحَايَا الْمَقْصُودُ مِنْهَا اللَّحْمُ وَلَحْمُ الذَّكَرِ أَفْضَلُ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ، وَالدِّيَاتِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الِاسْتِبْقَاءُ لِلدَّرِّ وَالنَّسْلِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : قَضَى فِي الضَّبُعِ بِكَبْشٍ، وَالضَّبُعُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِالْأُنْثَى، أَوْ يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، فَإِنَّ الذَّكَرَ يُسَمَّى الضِّبْعَانَ. وَإِنْ فَدَى الْأَعْوَرَ بِالْأَعْرَجِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَخْتَلِفُ فِيهِ جِنْسُ الْعَيْبِ: لَمْ يَجُزْ. وَإِنْ فَدَى أَعْوَرَ الْعَيْنِ الْيُمْنَى بِأَعْوَرَ الْعَيْنِ الْيُسْرَى، أَوْ بِالْعَكْسِ: جَازَ؛ لِأَنَّ جِنْسَ الْعَيْبِ وَاحِدٌ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ مَحِلُّهُ، وَكَذَلِكَ إِنْ فَدَى أَعْرَجَ الْيَدِ بِأَعْرَجَ الرِّجْلِ.

стр. 848

وَأَمَّا الْمَاخِضُ: فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَطَائِفَةٌ غَيْرُهُ: يَضْمَنُهُ بِمَاخِضٍ مِثْلِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ ضَمِنَهُ بِقِيمَةِ مِثْلِهِ مَاخِضًا. وَعَلَى هَذَا فَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ قَدْ مَرَّ لَهُ مِنْ مُدَّةِ الْحَمْلِ مِثْلُ حَمْلِ الصَّيْدِ أَوْ أَكْثَرُ. وَقَالَ الْقَاضِي: يُضْمَنُ الْمَاخِضُ بِقِيمَتِهِ مُطْلَقًا. وَإِذَا لَمْ يَجِدْ جَرِيحًا مِنَ النَّعَمِ: يَكُونُ مِثْلَ الْمَجْرُوحِ مِنَ الصَّيْدِ، وَلَمْ يَجِدْ مَعِيبًا: أَخْرَجَ قِيمَةَ مِثْلِهِ مَجْرُوحًا. (فَصْلٌ) وَإِذَا أَتْلَفَ بَعْضَ الصَّيْدِ؛ مِثْلَ إِنْ جَرَحَهُ، أَوْ كَسَرَ عَظْمَهُ، وَلَمْ يُخْرِجْهُ عَنِ امْتِنَاعِهِ: ضَمِنَ مَا نَقَصَ مِنْهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ: نَظَرَ كَمْ يَنْقُصُ الْجُرْحُ مِنْ مِثْلِهِ، ثُمَّ فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ بِقِسْطِهِ مِنَ الْمِثْلِ، فَإِنْ نَقَصَهُ الْجُرْحُ السُّدُسَ أَخْرَجَ سُدُسًا مِثْلَهُ. وَالثَّانِي: يُخْرِجُ قِيمَةَ ذَلِكَ الْجُزْءِ مِنْ مِثْلِهِ، فَيُخْرِجُ قِيمَةَ السُّدُسِ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَهُوَ أَقْيَسُ بِالْمَذْهَبِ ... . وَلَوْ أَفْزَعَهُ وَأَذْعَرَهُ: فَقَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ - فِي مُحْرِمٍ أَخَذَ

стр. 849

صَيْدًا ثُمَّ أَرْسَلَهُ، فَإِنْ كَانَ حِينَ أَخَذَهُ أَعْنَتَهُ: تَصَدَّقَ بِشَيْءٍ لِمَكَانٍ أَذَاهُ وَإِذْ عَارَهُ إِيَّاهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَرُمَ عَلَيْهِ تَرْوِيعُهُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : " «لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا» " وَإِذَا أَرْسَلَهُ وَقَدْ ذُعِرَ وَفَزِعَ: لَمْ يُعِدْهُ إِلَى مِثْلِ حَالَتِهِ الْأُولَى. وَالذُّعْرُ:. (فَصْلٌ) وَيُضْمَنُ بَيْضُ الصَّيْدِ؛ مِثْلُ بَيْضِ النَّعَامِ وَالْحَمَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ بِقِيمَتِهِ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ - فِي الْمُحْرِمِ يُصِيبُ بَيْضَ النَّعَامِ: فِيهِ قِيمَتُهُ، فَإِذَا لَمْ يَجِدْ صَامَ. لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ مَطَرٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ: " «أَنَّ رَجُلًا أَوْطَأَ بَعِيرَهُ أُدْحِيَّ نَعَامٍ فَكَسَرَ بَيْضَهَا، فَانْطَلَقَ إِلَى عَلِيٍّ ﵁ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: عَلَيْكَ بِكُلِّ بَيْضَةٍ جَنِينُ نَاقَةٍ، أَوْ ضِرَابُ نَاقَةٍ، فَانْطَلَقَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَدْ قَالَ عَلِيٌّ مَا سَمِعْتَ، وَلَكِنْ هَلُمَّ إِلَى الرُّخْصَةِ: عَلَيْكَ بِكُلِّ

стр. 850

بَيْضَةٍ صَوْمُ يَوْمٍ، أَوْ إِطْعَامُ مِسْكِينٍ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ وَأَبُو دَاوُدَ فِي مَرَاسِيلِهِ. وَإِنَّمَا أَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَاللَّهُ أَعْلَمُ - بِطَعَامِ مِسْكِينٍ لِكُلِّ بَيْضَةٍ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ الْبَيْضَةِ كَانَتْ إِذْ ذَاكَ بِقَدْرِ طَعَامِ مِسْكِينٍ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: " «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْضِ النَّعَامِ؟ قَالَ: قِيمَتُهُ» " وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْضِ النَّعَامِ - يُصِيبُهُ الْمُحْرِمُ - بِثَمَنِهِ» " رَوَاهُمَا النِّجَادُ. وَعَنْ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ: " «بَلَغَنِي عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَكَمَ فِي بَيْضِ النَّعَامِ فِي كُلِّ بَيْضَةٍ صِيَامُ يَوْمٍ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي مَرَاسِيلِهِ وَقَالَ: أَسْنَدَ هَذَا الْحَدِيثَ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَأَيْضًا: عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ فِي

стр. 851

النَّعَامِ يُصِيبُهُ الْمُحْرِمُ قَالَ: ثَمَنُهُ. وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: فِي بَيْضِ النَّعَامِ يُصِيبُهُ الْمُحْرِمُ، قَالَ: فِيهِ ثَمَنُهُ، أَوْ قَدْرُ ثَمَنِهِ. وَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ: " يُضْرَبُ لَهُ مِنَ الْإِبِلِ بِقَدْرِ مَا أَصَابَ مِنَ الْبَيْضِ، فَمَا نُتِجَ فَهُوَ هَدْيٌ، وَمَا لَمْ يُنْتَجْ فَهُوَ بِمَا يُفْسِدُ مِنَ الْبَيْضِ ". وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي بَيْضِ النَّعَامِ قَالَ: قِيمَتُهُ، أَوْ ثَمَنُهُ وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ: فِي بَيْضِ النَّعَامِ وَشِبْهِهِ يُصِيبُهُ الْمُحْرِمُ فِيهِ ثَمَنُهُ.

стр. 852

وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ أَبَا مُوسَى قَالَ: فِي كُلِّ بَيْضَةٍ صَوْمُ يَوْمٍ، أَوْ إِطْعَامُ مِسْكِينٍ. وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: فِي كُلِّ بَيْضَةٍ مِنْ بَيْضِ النَّعَامِ صَوْمُ يَوْمٍ، أَوْ إِطْعَامُ مِسْكِينٍ رَوَاهُمَا ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ. فَقَدِ اتَّفَقَتْ أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ: أَنَّ فِيهِ قِيمَتَهُ إِلَّا مَا يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ فُتْيَاهُ عُرِضَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَتَى بِخِلَافِهَا، وَالْحَدِيثُ مُسْنَدٌ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا: فَقَدْ عَضَّدَهُ عَمَلُ جَمَاهِيرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بِهِ، وَأَنَّهُ أُسْنِدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَذَلِكَ يَجْعَلُهُ حُجَّةً عِنْدَ مَنْ لَا يَقُولُ بِمُجَرَّدِ الْمُرْسَلِ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْبَيْضَ جُزْءٌ مِنَ الصَّيْدِ يُتَطَلَّبُ كَمَا يُتَطَلَّبُ الصَّيْدُ، قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤] قَالَ: الْبَيْضُ وَالْفِرَاخُ، رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَيَكُونُ مِنْهُ الصَّيْدُ، وَفِي أَخْذِهِ تَفْوِيتٌ لِفِرَاخِ الصَّيْدِ؛ وَقَطْعٌ لِنَسْلِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يُضْمَنَ كَالصَّيْدِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْحَيَوَانَ مِنْهُ مَا يَبِيضُ، وَمِنْهُ مَا يَلِدُ، وَالْبَيْضُ لِلْبَائِضِ كَأَحْمَدَ لِلْوَالِدِ.

стр. 853

وَيُقَالُ: كُلُّ أَسَكَّ يَبِيضُ وَكُلُّ مُشْرِفِ الْأُذُنَيْنِ يَلِدُ. وَهُوَ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ، فَوَجَبَ أَنْ يُضْمَنَ بِالْقِيمَةِ لِعَصَافِيرَ وَنَحْوِهَا. وَأَصْلُ هَذَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا: أَنَّ ضَمَانَ الصَّيْدِ يَجْرِي مَجْرَى ضَمَانِ الْأَمْوَالِ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَضْمُونِ، فَيَجِبُ فِي الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالصَّحِيحِ وَالْمَعِيبِ وَالْكَامِلِ وَالنَّاقِصِ بِحَسَبِهِ كَالْأَمْوَالِ بِخِلَافِ النُّفُوسِ فَإِنَّ دِيَتَهَا لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ مُقَدَّرٌ فِي الشَّرْعِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ لَوْ أَتْلَفَ بَيْضَ طَيْرٍ لِإِنْسَانٍ: اعْتُبِرَ الْبَيْضُ بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ بِأَصْلِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَتْلَفَ جَنِينَ آدَمِيٍّ. وَفِي جَنِينِ الصَّيْدِ الْقِيمَةُ أَيْضًا؛ وَهُوَ أَرْشُ مَا نَقَصَتْهُ الْجِنَايَةُ، كَجَنِينِ الْبَهِيمَةِ الْمَمْلُوكَةِ، فَإِذَا ضَرَبَ بَطْنَ ظَبْيَةٍ حَامِلٍ، فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا وَسَلِمَتْ: فَعَلَيْهِ مَا بَيْنَ قِيمَتِهَا حَامِلًا، وَحَائِلًا، وَإِنْ مَاتَتْ بَعْدَ ذَلِكَ ضَمِنَ قِيمَةَ ظَبْيَةٍ حَامِلٍ. وَمِنْ أَصْحَابِنَا: مَنْ خَرَّجَ وَجْهًا: أَنَّ جَنِينَ الصَّيْدِ يُضْمَنُ بِعُشْرِ مَا تُضْمَنُ

стр. 854

بِهِ الْأُمُّ، كَمَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي جَنِينِ الْبَهِيمَةِ الْمَمْلُوكَةِ، وَأَوْلَى. وَعَلَى هَذَا: فَالْبَيْضُ ... . فَإِنْ ضَمِنَهُ بِجَنِينٍ مِثْلِهِ كَمَا قَالَ عَلِيٌّ: فَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ. وَهَلْ يُبَاحُ الْبَيْضُ بَعْدَ كَسْرِهِ؟، فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَحِلُّ لِلْكَاسِرِ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ حَلَالٍ، وَلَا حَرَامٍ كَالصَّيْدِ الَّذِي قَتَلَهُ الْمُحْرِمُ، قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. وَعَلَى هَذَا: إِذَا أَخَذَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَتَرَكَهُ حَتَّى حَلَّ لَمْ يُبَحْ أَيْضًا كَالصَّيْدِ. وَالثَّانِي: يُبَاحُ لِأَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى تَذْكِيَةٍ إِذْ لَا رُوحَ فِيهِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَحِلُّ لِلْكَاسِرِ الْمُحْرِمِ، وَلَا ... ، وَإِنَّمَا يُبَاحُ لِلْحَلَالِ، وَكَذَلِكَ مَا لَا يَفْتَقِرُ إِلَى ذَكَاةٍ مِنَ الْحَيَوَانِ كَالْجَرَادِ. فَإِنْ كَسَرَ الْبَيْضَ، فَخَرَجَ مَذَرًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَهْلَكَ صَيْدًا مَيِّتًا. إِلَّا بَيْضَ النَّعَامَةِ فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: يَضْمَنُهُ قَالَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَابْنُ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّ لِقِشْرِهِ قِيمَةً. وَالثَّانِي: لَا يَضْمَنُهُ قَالَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَأَبُو مُحَمَّدٍ. فَإِنْ خَرَجَ فِي الْبَيْضِ فَرْخٌ، أَوِ اسْتَهَلَّ الْجَنِينُ حَيًّا وَعَاشَ: فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ،

стр. 855

وَإِنْ مَاتَ، أَوِ اسْتَهَلَّ جَنِينُ الصَّيْدِ ثُمَّ مَاتَ: ضَمِنَهُ ضَمَانَ الصَّيْدِ الْحَيِّ. وَإِنْ أَخَذَ الْبَيْضَةَ، فَكَسَرَ الْبَيْضَةَ ثُمَّ تَرَكَ الْفَرْخَ حَيًّا، فَهَلْ يَضْمَنُ الْفَرْخَ لِكَوْنِهِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ رَدَّ الْوَدِيعَةَ رَدًّا غَيْرَ تَامٍّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَإِنْ خَرَجَ مِنْهَا فَرْخٌ مَيِّتٌ؛ فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا شَيْءَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ بِخِلَافِ الْجَنِينِ إِذَا وَقَعَ مَيِّتًا إِنَّمَا مَاتَ بِالضَّرْبَةِ إِذْ لَوْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ لَأَجْهَضَهُ، وَهَذَا فِيمَا إِذَا مَاتَ قَبْلَ الْكَسْرِ، فَإِنْ مَاتَ بِالْكَسْرِ ... . وَإِنْ كَانَ الْفَرْخُ لَمْ يُنْفَخْ فِيهِ الرُّوحُ: فَفِيهِ قِيمَةُ بَيْضِ فَرْخٍ غَيْرِ فَاسِدٍ كَالْجَنِينِ. وَيُضْمَنُ بِكُلِّ سَبَبٍ هُوَ فِيهِ مُتَعَمَّدٌ؛ فَلَوْ نَقَلَ بَيْضَ طَائِرٍ فَجَعَلَهُ تَحْتَ طَائِرٍ آخَرَ فَحَضَنَهُ، فَإِنْ صَحَّ وَسَلِمَ: فَقَدْ أَسَاءَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. قَالَهُ أَصْحَابُنَا: وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ - فِيمَا إِذَا أَعَرَّهُ! يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ. وَإِنْ فَسَدَ: فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ، وَكَذَلِكَ إِنْ أَقَرَّهُ مَكَانَهُ وَضَمَّ إِلَيْهِ بَيْضًا آخَرَ لِيَحْضُنَهُ الطَّائِرُ - سَوَاءٌ أَذْعَرَ الطَّائِرَ فَلَمْ يَحْضُنْهُ، أَوْ حَضَنَهُمَا مَعًا.

стр. 856

وَإِنْ بَاضَ الْحَمَامُ، أَوْ فَرَّخَ عَلَى فِرَاشِهِ فَهَلْ يَضْمَنُ؟: عَلَى وَجْهَيْنِ كَالْجَرَادِ إِذَا افْتَرَشَ فِي طَرِيقِهِ. وَإِنَّمَا يَضْمَنُ بَيْضَ طَائِرٍ مَضْمُونٍ، فَأَمَّا بَيْضُ الْغُرَابِ وَالْحِدَأَةِ: فَلَا يَضْمَنُهُ، وَيَضْمَنُ بَيْضَ الْجَرَادِ كَالْجَرَادِ نَفْسِهِ. وَمَنْ أَتْلَفَ بَيْضًا لَا يُحْصِيهِ: احْتَاطَ، فَأَخْرَجَ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ أَتَى عَلَى قِيمَتِهِ، ذَكَرُهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ كَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ. وَأَمَّا بَيْضُ النَّمْلِ: فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ عَلَى مَا قُلْنَا فِي النَّمْلِ، فَفِي النَّمْلَةِ لُقْمَةٌ أَوْ تَمْرَةٌ أَوْ حِفْنَةُ طَعَامٍ إِذَا لَمْ يُؤْذِهِ: فَفِي بَيْضِهَا صَدَقَةٌ، وَهَذَا إِنَّمَا يُخَرَّجُ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَهُوَ ضَمَانُ غَيْرِ الْمَأْكُولِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُؤَدِّيًا. فَإِمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ إِلَّا مَا يُؤْكَلُ: فَلَيْسَ فِي النَّمْلِ وَلَا فِي بَيْضِهِ ضَمَانٌ. وَأَمَّا بَيْضُ الْقَمْلِ - وَهُوَ الصِّيْبَانِ - فَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: فِيهِ رِوَايَتَانِ كَالْقَمْلِ.

стр. 857

(فَصْلٌ) وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ لَبَنِ الصَّيْدِ، فَإِنْ أَخَذَهُ ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يَضْمَنُ بِمِثْلِهِ لَبَنًا مِنْ نَظِيرِ الصَّيْدِ؛ فَيَضْمَنُ لَبَنَ الظَّبْيَةِ بِلَبَنِ شَاةٍ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. (فَصْلٌ) وَإِذَا اشْتَرَكَ .....

стр. 858

[مَسْأَلَةٌ جزاء الصيد بالطعام] مَسْأَلَةٌ: (وَيَتَخَيَّرُ بَيْنَ إِخْرَاجِ الْمِثْلِ، أَوْ تَقْوِيمِهِ بِطَعَامٍ فَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا أَوْ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا). هَذَا هُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ﵀ وَعَلَيْهِ أَصْحَابُهُ، رَوَاهُ الْمَيْمُونِيُّ وَالْبَغَوِيُّ أَبُو الْقَاسِمِ؛ قَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ - فِي قَوْلِهِ ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]- إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥] فَهُوَ فِي هَذَا مُخَيَّرٌ. وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي الْقَاسِمِ ابْنِ بِنْتِ مَنِيعٍ - فِي مُحْرِمٍ قَتَلَ صَيْدًا - يُكَفِّرُ بِمَا فِي الْقُرْآنِ فَإِنَّمَا هُوَ تَخْيِيرٌ.

стр. 859

وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى نَقَلَهَا حَنْبَلٌ وَابْنُ الْحَكَمِ: أَنَّ بَدَلَ الصَّيْدِ عَلَى التَّخْيِيرِ إِذَا كَانَ مُؤْسِرًا وَوَجَدَ الْهَدْيَ لَمْ يُجْزِهِ غَيْرُهُ، وَإِنْ كَانَ مُؤْسِرًا وَلَمْ يَجِدْهُ اشْتَرَى طَعَامًا. فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا صَامَ. قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْحَكَمِ - فِي الْفِدْيَةِ: هُوَ بِالْخِيَارِ، وَفِي جَزَاءِ الصَّيْدِ لَا يَكُونُ بِالْخِيَارِ؛ عَلَيْهِ جَزَاءُ الصَّيْدِ لَا يُجْزِئُهُ إِلَّا الْعَدْلُ لَيْسَ هُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْهَدْيِ وَالصَّوْمِ وَالصَّدَقَةِ. وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ -: إِذَا أَصَابَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا وَلَمْ يُصِبْ لَهُ عَدْلٌ مِثْلٌ حُكِمَ عَلَيْهِ قُوِّمَ طَعَامًا، إِنْ قَدَرَ عَلَى طَعَامٍ، وَإِلَّا صَامَ لِكُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا هَكَذَا يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ - وَقَدْ سُئِلَ هَلْ يُطْعِمُ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ؟ فَقَالَ: لَا إِنَّمَا جُعِلَ الطَّعَامُ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ: لِيَعْلَمَ الصِّيَامَ؛ لِأَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى الطَّعَامِ: قَدَرَ عَلَى الذَّبْحِ. هَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، يُقَوَّمُ الصَّيْدُ دَرَاهِمَ، ثُمَّ يُقَوَّمُ الدَّرَاهِمُ طَعَامًا، ثُمَّ يُصَامُ لِكُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا، وَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى غَالِبِ الْأَمْرِ وَأَنَّ الْهَدْيَ لَا يُعْدَمُ. وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ جَعَلَ هَذَا رِوَايَةً ثَالِثَةً فِي الْمَسْأَلَةِ؛ فَإِنَّ الْإِطْعَامَ لَا يُجْزِئُ فِي

стр. 860

جَزَاءِ الصَّيْدِ بِحَالٍ هَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ؛ قَالَ: وَبِرَاوِيَةِ حَنْبَلٍ أَقُولُ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ : قَضَى فِي الضَّبُعِ بِكَبْشٍ»، وَكَذَلِكَ أَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ أَوْجَبُوا فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةً وَفِي الظَّبْيِ شَاةً، وَفِي الْحَمَامِ شَاةً، وَفِي الْأَرْنَبِ عَنَاقًا، وَفِي الْيَرْبُوعِ جَفْرَةً، وَلَمْ يُخَيِّرُوا السَّائِلَ بَيْنَ الْهَدْيِ وَبَيْنَ الْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ، وَلَا يَجُوزُ تَعْيِينُ خَصْلَةٍ مِنْ خِصَالٍ خَيَّرَ اللَّهُ بَيْنَهَا، كَمَا لَوِ اسْتَفْتَى الْحَانِثُ فِي يَمِينٍ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُفْتَى بِالْعِتْقِ عَيْنًا بَلْ يُذْكَرُ لَهُ الْخِصَالُ الثَّلَاثُ الَّتِي خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَهَا. وَعَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا - فِي قَوْلِهِ : ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] قَالَ: إِذَا أَصَابَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ حُكِمَ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ جَزَاءٌ ذَبَحَهُ وَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ قُوِّمَ جَزَاؤُهُ دَرَاهِمَ ثُمَّ قُوِّمَتِ الدَّرَاهِمُ طَعَامًا فَصَامَ عَنْ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا، وَإِنَّمَا جُعِلَ الطَّعَامُ لِلصِّيَامِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا وَجَدَ الطَّعَامَ: وَجَدَ جَزَاءً " رَوَاهُ سَعِيدٌ وَرَوَاهُ دُحَيْمٌ، وَقَالَ: إِنَّمَا أُرِيدَ بِالطَّعَامِ الصِّيَامُ: أَنَّهُ إِذَا وُجِدَ الطَّعَامُ: وُجِدَ جَزَاؤُهُ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنِ ابْنِ الْحَكَمِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - فِي الَّذِي يُصِيبُ الصَّيْدَ -:

стр. 861

يُحْكَمُ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ حُكِمَ عَلَيْهِ ثَمَنُهُ يُقَوَّمُ طَعَامٌ يُتَصَدَّقُ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ حُكِمَ عَلَيْهِ صِيَامٌ. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ. وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ هَذِهِ كَفَّارَةُ قَتْلِ مُحْرِمٍ وَكَانَتْ عَلَى التَّرْتِيبِ كَكَفَّارَةِ الْآدَمِيِّ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ جَزَاءَ الصَّيْدِ: بَدَلُ مُتْلَفٍ، وَالْأَصْلُ فِي بَدَلِ الْمُتْلَفِ: أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ الْمُتْلَفِ، كَبَدَلِ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ، وَإِنَّمَا يُنْتَقَلُ إِلَى غَيْرِ الْجِنْسِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْجِنْسِ كَمَا يُنْتَقَلُ إِلَى الدِّيَةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْقَوَدِ، وَكَمَا يُنْتَقَلُ إِلَى قِيمَةٍ مِثْلِ الْمَالِ الْمُتْلَفِ عِنْدَ أَعْوَازِ الْمِثْلِ. وَالْهَدْيُ مِنْ جِنْسِ الصَّيْدِ؛ لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ بِخِلَافِ الطَّعَامِ وَالصِّيَامِ. وَأَمَّا ذِكْرُهُ بِلَفْظِ "أَوْ" فَذَلِكَ لَا يُوجِبُ التَّخْيِيرَ عَلَى الْعُمُومِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] وَإِنَّمَا يُوجِبُ التَّخْيِيرَ إِذَا ابْتُدِئَ بِأَسْهَلِ الْخِصَالِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَقَوْلِهِ: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] فَلَمَّا بَدَأَ بِالْأَسْهَلِ: عُلِمَ أَنَّهُ يَجُوزُ إِخْرَاجُهُ. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ وَقَعَ الِابْتِدَاءُ بِأَشَدِّ الْخِصَالِ كَمَا ابْتُدِئَ فِي آيَةِ الْمُحَارِبِينَ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَلَى التَّرْتِيبِ.

стр. 862

وَوَجْهُ الْأُولَى: - وَهِيَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ وَالْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ، وَيُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمُتَأَخِّرَةَ؛ لِأَنَّ الْبَغَوِيَّ إِنَّمَا سَمِعَ مِنْهُ آخَرُ بِخِلَافِ ابْنِ الْحَكَمِ فَإِنَّ رِوَايَاتِهِ قَدِيمَةٌ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ أَحْمَدَ -: قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]. وَحَرْفُ "أَوْ" إِذَا جَاءَتْ فِي سِيَاقِ الْأَمْرِ وَالطَّلَبِ فَإِنَّهَا تُفِيدُ التَّخْيِيرَ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ، وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، أَوْ إِبَاحَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الِاجْتِمَاعِ وَالِانْفِرَادِ كَمَا يُقَالُ: جَالِسِ الْحَسَنَ أَوِ ابْنَ سِيرِينَ، وَتَعَلَّمِ الْفِقْهَ أَوِ النَّحْوَ. هَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِلُغَةِ الْعَرَبِ فِي كُتُبِهِمْ، قَالُوا: وَإِذَا كَانَتْ فِي الْخَبَرِ: فَقَدْ تَكُونُ لِلْإِبْهَامِ، وَقَدْ تَكُونُ لِلتَّقْسِيمِ، وَقَدْ تَكُونُ لِلشَّكِّ. وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ نُخَرِّجُ مَعَانِيَهَا فِي كَلَامِ اللَّهِ فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَقَوْلَهُ: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] وَقَوْلَهُ: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] وَإِنْ كَانَ مَخْرَجُهُ مَخْرَجَ الْخَبَرِ: فَإِنَّ مَعْنَاهُ: مَعْنَى الْأَمْرِ فَيَكُونُ اللَّهُ قَدْ أَمَرَ بِوَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ فَيُفِيدُ التَّخْيِيرَ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] وَقَوْلُهُ: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] وَقَوْلُهُ: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٧] وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨]

стр. 863

وَأَمَّا آيَةُ الْمُحَارِبِينَ: فَلَمْ يُذْكَرُوا فِي سِيَاقِ الْأَمْرِ وَالطَّلَبِ، بَلْ هِيَ فِي سِيَاقِ الْخَبَرِ عَنِ الْجَزَاءِ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ، ثُمَّ قَدْ عُلِمَ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ إِقَامَةَ الْحُدُودِ وَاجِبَةٌ عَلَى ذِي السُّلْطَانِ؛ وَلِهَذَا لَا يُفْهَمُ مِنْ مُجَرَّدِ هَذَا الْكَلَامِ: إِيجَابُ أَحَدِ هَذِهِ الْخِصَالِ، كَمَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ الْكَفَّارَاتِ، ثُمَّ لَوْ كَانَتْ فِي مَعْرِضِ الِاقْتِضَاءِ إِنَّمَا ذُكِرَتْ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، وَالنَّهْيِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا مَثَّلَ بِالْعُرَنِيِّينَ نَهَاهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنِ الْمُثْلَةِ وَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ جَزَاؤُهُمْ إِلَّا وَاحِدَةً مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ فَلَا يُنْقَصُوا عَنْهَا؛ لِأَجْلِ جُرْمِهِمْ، وَلَا يُزَادُوا عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ ظُلْمٌ، وَفِي مِثْلِ هَذَا لَا تَكُونُ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ. وَلَوْ قِيلَ إِنَّ ظَاهِرَ لَفْظِهَا كَانَ لِلتَّخْيِيرِ لَكِنَّ فِي سِيَاقِهَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ لِلتَّخْيِيرِ فَإِنَّ الْعُقُوبَاتِ الَّتِي تُفْعَلُ بِأَهْلِ الْجَرَائِمِ لَا يَكُونُ الْوَالِي مُخَيَّرًا تَخْيِيرَ شَهْوَةٍ، وَإِرَادَةٍ بَيْنَ تَخْفِيفِهَا وَتَثْقِيلِهَا؛ لِأَنَّ هَذَا يَقْتَضِي إِبَاحَةَ تَعْذِيبِ الْخَلْقِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ الزَّائِدَ مِنَ الْعَذَابِ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ وَلَهُ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ مِنْ غَيْرِ مَصْلَحَةٍ، وَمِثْلُ هَذَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ. فَعُلِمَ أَنَّ مُقْتَضَاهَا الْعُقُوبَةُ بِوَاحِدٍ مِنْهَا عِنْدَمَا يَقْتَضِيهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: تِلْكَ الْآيَاتُ بَدَأَ فِيهَا بِالْأَخَفِّ بِخِلَافِ آيَةِ الْجَزَاءِ. فَنَقُولُ: إِنَّمَا بَدَأَ فِي آيَةِ الصَّيْدِ: بِالْجَزَاءِ؛ لِأَنَّ قَدْرَ الْإِطْعَامِ وَقَدْرَ الصِّيَامِ مُرَتَّبٌ عَلَى قَدْرِ الْجَزَاءِ

стр. 864

فَمَا لَمْ يَعْرِفِ الْجَزَاءَ: لَا يَعْرِفْ ذَلِكَ. وَلَوْ بُدِئَ فِيهَا بِالصِّيَامِ: لَمْ يَحْصُلِ الْبَيَانُ أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥] وَخِصَالُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَفِدْيَةِ الْأَذَى: كُلُّ وَاحِدَةٍ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا غَيْرُ مُتَعَلِّقَةٍ بِالْأُخْرَى. وَأَمَّا ذِكْرُ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ لِلْجَزَاءِ مِنَ النَّعَمِ دُونَ الْإِطْعَامِ وَالصَّدَقَةِ فَذَاكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -: لِأَنَّهُمْ قَصَدُوا بَيَانَ الْجَزَاءِ مِنَ النَّعَمِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الْحُكْمِ. وَالطَّعَامُ وَالصَّدَقَةُ: يُعْرَفَانِ بِمَعْرِفَتِهِ وَلَا يَفْتَقِرَانِ إِلَى حُكْمٍ؛ وَلِأَنَّ التَّكْفِيرَ بِالْجَزَاءِ: أَفْضَلُ وَأَحْسَنُ، وَهُوَ أَهَمُّ خِصَالِ الْجَزَاءِ، وَقَدْ كَانُوا يَعْلَمُونَ مِنْ حَالِ السُّؤَالِ أَنَّ قَصْدَهُمْ بَيَانُ الْجَزَاءِ لَا ذِكْرُ الصَّدَقَةِ وَالصِّيَامِ. وَأَيْضًا: فَفِي الْحَدِيثِ - الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي بَيْضِ النَّعَامِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ أَصْحَابِهِ أَنَّ بِكُلِّ بَيْضَةٍ صَوْمَ يَوْمٍ، أَوْ إِطْعَامَ مِسْكِينٍ فَقَدْ خَيَّرَهُ بَيْنَ الصَّدَقَةِ وَالصِّيَامِ. وَالْخِيرَةُ إِلَى الْقَاتِلِ فِي الْخِصَالِ الثَّلَاثَةِ دُونَ الْحَكَمَيْنِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا جَعَلَ حُكْمَ الْحَكَمَيْنِ فِي الْجَزَاءِ خَاصَّةً دُونَ الصَّدَقَةِ وَالصِّيَامِ. فَصْلٌ وَعَلَى الرِّوَايَتَيْنِ إِذَا كَفَّرَ بِالطَّعَامِ: فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ تَكُونَ الصَّدَقَةُ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ، أَوْ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ. فَإِنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ: فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْمِثْلِ، ثُمَّ يُقَوَّمُ الْمِثْلُ فَيُشْتَرَى بِقِيمَتِهِ طَعَامٌ. هَذَا أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ -: إِذَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ جَزَاءٌ، فَإِنَّمَا يُقَوَّمُ الْمِثْلُ وَلَا يُقَوَّمُ الصَّيْدُ قَدْ عُدِلَ بِمِثْلِهِ مِنَ النَّعَمِ، فَلَا يُقَوَّمُ ثَعْلَبٌ وَلَا حِمَارٌ وَلَا طَيْرٌ، وَإِنَّمَا يُقَوَّمُ الْمِثْلُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَهُ فِيهِ، وَفِيمَا يُقَرَّبُ فِيهِ الْفِدَى.

стр. 865

وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى: يُقَوَّمُ الصَّيْدُ عَلَى ظَاهِرِ مَا نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ، وَذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيِ الصَّيْدِ فَكَانَ التَّقْوِيمُ لَهُ كَالَّذِي لَا مِثْلَ لَهُ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ الطَّعَامَ بَدَلٌ عَنِ الصَّيْدِ كَالْجَزَاءِ: فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ بِالْأَصْلِ لَا بِالْبَدَلِ؛ وَلِأَنَّهُ مُتْلَفٌ وَجَبَ تَقْوِيمُهُ فَكَانَ التَّقْوِيمُ لَهُ لَا لِبَدَلِهِ كَسَائِرِ الْمُتْلَفَاتِ. وَوَجْهُ الْأُولَى - وَهِيَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا -: قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ: جَزَاهُ دَرَاهِمَ ثُمَّ قُوِّمَتِ الدَّرَاهِمُ طَعَامًا، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ. وَلِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ﴾ [المائدة: ٩٥] إِشَارَةٌ لِمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ الْجَزَاءُ، وَكَفَّارَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ؛ وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ الَّتِي هِيَ طَعَامُ مَسَاكِينَ لَمْ تُقَدَّرْ، فَلَوْ .. . . فَعَلَى هَذَا يُقَوَّمُ الْمِثْلُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَ فِيهِ الصَّيْدَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ، هَذَا مَنْصُوصُهُ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ الْقَاضِي ... يُقَوَّمُ الْمِثْلُ بِمَكَّةَ حِينَ يُخْرِجُهُ بِخِلَافِ مَا وَجَبَتْ قِيمَتُهُ

стр. 866

فَصْلٌ وَأَمَّا الصِّيَامُ: فَإِنَّهُ يَصُومُ عَنْ طَعَامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥] وَعَدْلُ الصَّدَقَةِ مِنَ الصِّيَامِ فِي كِتَابِ اللَّهِ: أَنْ يُصَامَ عَنْ طَعَامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمٌ، كَمَا أَنَّ عَدْلَ الصِّيَامِ مِنَ الصَّدَقَةِ أَنْ يُطْعَمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤]، ثُمَّ قَالَ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]، وَقَالَ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وَذَلِكَ لِأَنَّ طَعَامَ يَوْمٍ كَصَوْمِ يَوْمٍ. وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : جَعَلَ فِي بَيْضِ النَّعَامَةِ صَوْمَ يَوْمٍ، أَوْ إِطْعَامَ مِسْكِينٍ وَكَذَلِكَ أَصْحَابُهُ. وَفِي مِقْدَارِ طَعَامِ الْمِسْكِينِ الَّذِي يُصَامُ عَنْهُ يَوْمٌ: رِوَايَتَانِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ أَبِي مُوسَى وَ ... : - إِحْدَاهُمَا: نِصْفُ صَاعٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ وَالْأَثْرَمِ؛ لِأَنَّهُ مَأْثُورٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالثَّانِيَةُ: مُدٌّ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ -: إِذَا كَانَ جَزَاءَ الصَّيْدِ مُدٌّ وَنِصْفٌ: فَلَا بُدَّ مِنْ تَمَامِ يَوْمَيْنِ.

стр. 867

ابْتِدَاءً فَإِنَّهُ تَجِبُ قِيمَتُهُ فِي مَوْضِعِهِ وَقْتَ قَتْلِهِ، وَحُمِلَ إِطْلَاقُ أَحْمَدَ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا لَهُ مِثْلٌ يَجِبُ إِخْرَاجُ مِثْلِهِ فِي الْحَرَمِ، فَإِذَا أَرَادَ إِخْرَاجَ بَدَلِهِ: فَعَلَيْهِ أَنْ يُقَوِّمَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجِبُ إِخْرَاجُهُ فِيهِ. وَالصَّوَابُ: الْمَنْصُوصُ؛ لِأَنَّهُ بِقَتْلِ الصَّيْدِ وَجَبَ الْجَزَاءُ فِي ذِمَّتِهِ؛ وَلِأَنَّ قِيمَةَ الْمُتْلَفِ إِنَّمَا تُعْتَبَرُ حَالَ الْوُجُوبَ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ التَّقْوِيمِ إِلَى حِينِ الْأَدَاءِ ثُمَّ الْمِثْلُ الْمُقَوَّمُ لَا وُجُودَ لَهُ، وَإِنَّمَا يُقَدَّرُ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ: قَوَّمَ نَفْسَ الصَّيْدِ يَوْمَ الْقَتْلِ فِي مَوْضِعِهِ، أَوْ فِي أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ إِلَيْهِ وَيَكُونُ التَّقْوِيمُ بِالنَّقْدِ الْغَالِبِ. فَإِنْ قَوَّمَهُ بِطَعَامٍ. فَصْلٌ وَإِذَا قَوَّمَ الصَّيْدَ، أَوْ بَدَّلَهُ: فَإِنَّهُ يَشْتَرِي بِالْقِيمَةِ طَعَامًا، وَإِنْ أَحَبَّ أَخْرَجَ مِنْ طَعَامٍ يَمْلِكُهُ بِقَدْرِ الْقِيمَةِ، وَيَكُونُ الطَّعَامُ مِمَّا يُجْزِئُ إِخْرَاجُهُ فِي الْكَفَّارَاتِ؛ وَهُوَ الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ وَالتَّمْرُ وَالزَّبِيبُ، فَأَمَّا الْخَبْزُ وَالتَّغْذِيَةُ، وَالتَّعْشِيَةُ.

стр. 868

وَأَمَّا طَرِيقَةُ الْقَاضِي وَأَبِي الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِمَا: فَإِنَّهُمْ حَمَلُوا الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ، فَإِنْ قَوَّمَ بِالْحِنْطَةِ صَامَ مَكَانَ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، وَإِنْ قَوَّمَ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ: صَامَ مَكَانَ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا، وَهَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ الَّذِي لَا يُحْتَمَلُ سِوَاهُ؛ وَقَدْ قَالَ - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ - فِي إِطْعَامِ الْمَسَاكِينِ فِي الْفِدْيَةِ وَالْجَزَاءِ وَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ: إِنْ أَطْعَمَ بُرًّا فَمُدٌّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، وَإِنْ أَطْعَمَ تَمْرًا: فَنِصْفُ صَاعٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ وَهُمْ سِتَّةُ مَسَاكِينَ فِي الْفِدْيَةِ. فَنَصَّ عَلَى الْفَرْقِ فِي الْجَزَاءِ بَيْنَ الْبُرِّ وَغَيْرِهِ، كَمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْفِدْيَةِ وَالْكَفَّارَةِ. وَيَعْتَبِرُ قِيمَةَ الطَّعَامِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَصُومَ عَنْهُ فِي مَوْضِعِ وُجُوبِهِ؛ وَهُوَ مَوْضِعُ قَتْلِ الصَّيْدِ، وَفِي مَوْضِعِ إِخْرَاجِهِ؛ وَهُوَ مَكَّةُ كَمَا ذَكَرْنَا فِي قِيمَةِ الْمِثْلِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُطْعِمَ. فَإِنْ كَانَ الْبُرُّ رَخِيصًا بِحَيْثُ تَكُونُ الْقِيمَةُ مِنْهُ مِائَةَ مُدٍّ وَالتَّمْرُ غَالِيًا بِحَيْثُ تَكُونُ الْقِيمَةُ مِنْهُ: عِشْرِينَ صَاعًا. . . وَإِذَا لَمْ يَبْقَ مِنَ الْكَفَّارَةِ إِلَّا بَعْضُ طَعَامِ مِسْكِينٍ: فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا تَامًّا. نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَتَبَعَّضُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ بَعْضَ الْفِدْيَةِ طَعَامًا، وَبَعْضَهَا صِيَامًا، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: إِذَا أَصَابَ صَيْدًا وَعِنْدَهُ طَعَامٌ لَا يُتِمُّ جَزَاءَ الصَّيْدِ: صَامَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ بَعْضُهُ صَوْمًا وَبَعْضُهُ طَعَامًا.

стр. 869

فَصْلٌ وَمَا لَا مِثْلَ لَهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ يُخْرِجُ قِيمَتَهُ لَمْ يُجْزِهِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُفْدَى الصَّيْدُ بِالنَّظِيرِ، أَوْ يُقَوَّمُ النَّظِيرُ دَرَاهِمَ فَيَتَصَدَّقُ بِهَا، أَوْ يُقَوَّمُ بِالدَّرَاهِمِ طَعَامًا، وَيَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، فَجَعَلَ الصَّدَقَةَ بِنَفْسِ الْقِيمَةِ، وَجَعَلَ الطَّعَامَ لِمَعْرِفَةِ مِقْدَارِ الصَّوْمِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا هَدْيًا وَيُهْدِيَهُ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَجُوزُ أَيْضًا. فَصْلٌ وَلَهُ أَنْ يُخْرِجَ الْجَزَاءَ بَعْدَ انْعِقَادِ سَبَبِهِ قَبْلَ الْوُجُوبِ، قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَوْ أَخْرَجَ مِنَ الْحَرَمِ عَنْزًا حَامِلًا، فَوَلَدَتْ ثُمَّ مَاتَتْ وَأَوْلَادُهَا: كَانَ عَلَيْهِ جَزَاؤُهَا وَجَزَاءُ أَوْلَادِهَا، فَإِنْ أَخْرَجَ الْجَزَاءَ عَنْهَا وَعَنْ أَوْلَادِهَا قَبْلَ هَلَاكِهِمْ، ثُمَّ مَاتَتْ وَأَوْلَادُهَا: لَمْ يَلْزَمْهُ جَزَاءٌ ثَانٍ، وَأَجْزَاهُ الْأَوَّلُ، وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ كَفَّرَ قَبْلَ الْحِنْثِ. [مَسْأَلَةٌ هدي التمتع] مَسْأَلَةٌ: (الضَّرْبُ الثَّانِي: عَلَى التَّرْتِيبِ وَهُوَ هَدْيُ التَّمَتُّعِ يَلْزَمُهُ شَاةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَيُصَامُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٌ إِذَا رَجَعَ). هَذَا الْهَدْيُ وَاجِبٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْإِجْمَاعِ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦].

стр. 870

وَبِالسُّنَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَبِالْإِجْمَاعِ. وَفِيهِ فُصُولٌ: - الْأَوَّلُ: فِي الْهَدْيِ وَيُجْزِئُ فِيهِ مَا يُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَهُوَ بَدَنَةٌ، أَوْ بَقَرَةٌ، أَوْ شَاةٌ، أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَالْغَنَمُ: الْهَدْيُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وَلَا يُقَالُ: فَقَدْ يَدْخُلُ فِي الْجَزَاءِ مَا لَا يَدْخُلُ فِي مُطْلَقِ الْهَدْيِ مِنَ الصَّغِيرِ وَالْمَعِيبِ وَيُسَمَّى هَدْيًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا وَجَبَ بِاعْتِبَارِ الْمُمَاثَلَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] وَفِي آيَةِ التَّمَتُّعِ أَطْلَقَ الْهَدْيَ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ فِيهِ مُمَاثَلَةَ شَيْءٍ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَعِيبَ وَالصَّغِيرَ مِنَ الْأَزْوَاجِ الثَّمَانِيَةِ يَكُونُ هَدْيًا، وَهَذَا صَحِيحٌ، كَمَا أَنَّ الرَّقَبَةَ الْمَعِيبَةَ تَكُونُ رَقَبَةً فِي الْعِتْقِ، لَكِنَّ الْوَاجِبَ فِي مُطْلَقِ الْهَدْيِ وَالرَّقَبَةِ: إِنَّمَا يَكُونُ صَحِيحًا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ. وَعُلِمَ ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ («أَهْدَى مَرَّةً غَنَمًا») مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّ عَائِشَةَ .. . .

стр. 871

وَعَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : («قَسَّمَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فِي مُتْعَتِهِمْ غَنَمًا، فَأَصَابَ سَعْدًا يَوْمَئِذٍ تَيْسٌ») رَوَاهُ سَعِيدٌ. وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ حَتَّى يَكُونَ وَاجِدًا لَهُ؛ إِمَّا بِأَنْ يَكُونَ مَالِكَهُ، أَوْ يَجِدَ ثَمَنَهُ. فَإِنْ كَانَ عَادِمًا بِمَكَّةَ وَاجِدًا بِبَلَدِهِ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَقْتَرِضَ: لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ عَلَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ إِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ هَدْيُ مُتْعَةٍ وَلَيْسَ مَعَهُ نَفَقَةٌ وَهُوَ مِمَّنْ لَوِ اسْتَقْرَضَ أُقْرِضَ فَلَا يَسْتَقْرِضُ وَيُهْدِي، قَالَ اللَّهُ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَهَذَا لَيْسَ بِوَاجِدٍ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ، أَوْ بَدَلُهُ فِي مَكَّةَ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الِاقْتِرَاضُ، كَمَا لَوْ عُدِمَ الْمَاءُ، وَهَذَا بِخِلَافِ عَادِمِ الرَّقَبَةِ فِي الظِّهَارِ عَلَى أَحَدِ .. . . وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مُؤَقَّتَةٌ ذَاتُ بَدَلٍ، فَإِذَا عُدِمَ الْمُبْدَلُ حِينَ الْوُجُوبِ: جَازَ لَهُ الِانْتِقَالُ إِلَى بَدَلِهِ كَالطَّهَارَةِ. وَيَجِبُ الْهَدْيُ وَالصَّوْمُ عَنْهُ بَعْدَ الْوُقُوفِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي الْأُخْرَى: يَجِبُ إِذَا أَحْرَمَ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسِنْدِيٍّ - وَقَدْ سُئِلَ مَتَى يَجِبُ

стр. 872

صِيَامُ الْمُتْعَةِ فَقَالَ: إِذَا عَقَدَ الْإِحْرَامَ. وَقَدْ تَأَوَّلَ الْقَاضِي ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْإِحْرَامَ سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ، كَمَا أَنَّ النِّصَابَ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ، لَا أَنَّ الْوُجُوبَ يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِيَوْمِ النَّحْرِ، كَمَا يَتَعَلَّقُ وُجُوبُ الزَّكَاةِ بِالنِّصَابِ وَالْحَوْلِ. وَأَقَرَّهَا أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ عَلَى ظَاهِرِهَا، وَقَالَ: مَعْنَاهُ إِذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ ... .، قَالَ: وَالصِّيَامُ لِلْمُتْعَةِ يَجِبُ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ إِذَا عَقَدَ الْإِحْرَامَ، وَكَانَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَهَذَا يَدْخُلُ عَلَى مَنْ قَالَ: لَا تُجْزِئُ الْكَفَّارَةُ قَبْلَ الْحِنْثِ وَلَعَلَّ هَذَا لَا يَحُجُّ يَنْصَرِفُ. وَهُمْ يَقُولُونَ يُجْزِئُهُ الصِّيَامُ. وَفِي قَلْبِي مِنَ الصِّيَامِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ شَيْءٌ. قَالَ الْقَاضِي: وَقَوْلُهُ: إِذَا عَقَدَ الْإِحْرَامَ أَرَادَ بِهِ إِحْرَامَ الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّهُ شَبَّهَهُ بِالْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ الشَّبِيهُ إِذَا كَانَ صَوْمُهُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ أَحَدُ السَّبَبَيْنِ؛ وَلِأَنَّهُ قَالَ: إِذَا عَقَدَ الْإِحْرَامَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي إِحْرَامِ الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ التَّمَتُّعِ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ،

стр. 873

لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَبِإِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ صَارَ مُتَمَتِّعًا؛ لِأَنَّهُ تَرَفَّهَ بِحِلِّهِ وَسُقُوطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ عَنْهُ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَجَعَلَهُ بَعْدَ إِيجَابِ الْهَدْيِ عَلَيْهِ مَأْمُورًا بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَهُوَ يُؤْمَرُ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ فَعُلِمَ أَنَّهُ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ قَبْلَ الصِّيَامِ. وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى: اخْتِيَارُ الْقَاضِي .. . .، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهَا؛ فَقَالَ الْقَاضِي: - فِي خِلَافِهِ - وَأَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ وَغَيْرُهُمْ: مَعْنَاهَا أَنَّهُ يَجِبُ عِنْدَ انْقِضَاءِ وَقْتِ الْوُقُوفِ وَهُوَ طُلُوعُ الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ التَّحَلُّلِ، وَوَقْتُ جَوَازِ الذَّبْحِ، وَيَتَوَجَّهُ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ: أَنْ لَا يَجِبَ حَتَّى يَرْمِيَ الْجَمْرَةَ، أَوْ يَجِبَ إِذَا انْتَصَفَتْ لَيْلَةُ النَّحْرِ. وَقَالَ الْقَاضِي: فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا: مَعْنَى كَلَامِهِ أَنَّهُ إِذَا وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ. وَهَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ بِلَا رَيْبٍ؛ قَالَ - فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ -: وَيَجِبُ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ الدَّمُ إِذَا وَقَفَ بِعَرَفَةَ وَالْقَارِنِ مِثْلُهُ، يَرْوِي فِيهِ عَنْ عَطَاءٍ، وَفِي لَفْظٍ آخَرَ - فِي مُتَمَتِّعٍ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ - قَالَ: إِذَا وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ. قَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: يَجِبُ بِالْوَقْفِ وَيَتَأَخَّرُ إِخْرَاجُهُ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا أَوْجَبَ الْهَدْيَ عَلَى مَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا

стр. 874

إِذَا أَتَى بِالْحَجِّ .. . . وَأَمَّا وَقْتُ ذَبْحِ الْهَدْيِ: فَإِنَّهُ يَوْمُ النَّحْرِ، فَلَا يَجُوزُ الذَّبْحُ قَبْلَهُ، لَكِنْ يَجُوزُ يَذْبَحُ فِيهِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. وَقَالَ: .. . وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَعْرُوفُ الْمَنْصُوصُ؛ قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: - وَأَمَّا هَدْيُ الْمُتْعَةِ فَإِنَّهُ يُذْبَحُ يَوْمَ النَّحْرِ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يَجُوزُ نَحْرُ هَدْيِهِ قَبْلَ وَقْتِ وُجُوبِهِ. فَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّا إِذَا قُلْنَا: يَجِبُ بِالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ: يَنْحَرُ حِينَئِذٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: رِوَايَةً أَنَّهُ إِذَا قَدِمَ قَبْلَ الْعَشْرِ: جَازَ أَنْ يَذْبَحَهُ قَبْلَهُ، وَإِنْ قَدِمَ فِيهِ لَمْ يَذْبَحْهُ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ. وَهَذِهِ الْحِكَايَةُ غَلَطٌ؛ فَإِنَّهُ مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ: لَمْ يُخْتَلَفْ أَنَّهُ لَا يَذْبَحُ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ، وَمَنْ سَاقَهُ فَقَدِ اخْتُلِفَ - عَنْهُ - فِيهِ لَكِنَّ الْخِلَافَ هُوَ فِي جَوَازِ نَحْرِ الْهَدْيِ الْمَسُوقِ، وَفِي تَحَلُّلِ الْمُحْرِمِ.

стр. 875

أَمَّا الْهَدْيُ الْوَاجِبُ بِالْمُتْعَةِ: فَلَا، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَنْحَرَهُ يَوْمَ النَّحْرِ؛ قَالَ - فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى - فِيمَنْ قَدِمَ مُتَمَتِّعًا وَسَاقَ الْهَدْيَ، فَإِنْ قَدِمَ فِي شَوَّالٍ نَحَرَ الْهَدْيَ وَحَلَّ وَعَلَيْهِ هَدْيٌ آخَرُ، وَإِذَا قَدِمَ فِي الْعَشْرِ أَقَامَ عَلَى إِحْرَامِهِ وَلَمْ يَحِلَّ. قَالَ الْقَاضِي: فَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا نَحَرَ قَبْلَ الْعَشْرِ كَانَ عَلَيْهِ هَدْيٌ آخَرُ، يَعْنِي فِي يَوْمِ النَّحْرِ، وَلَمْ يُعْتَدَّ بِمَا ذُبِحَ قَبْلَهُ. لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَمَا بَعْدَ الْغَايَةِ يُخَالِفُ مَا قَبْلَهَا، فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ بَعْدَ بُلُوغِ الْهَدْيِ مَحِلَّهَ يَجُوزُ الْحَلْقُ، وَالْحَلْقُ إِنَّمَا يَجُوزُ يَوْمَ النَّحْرِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْهَدْيَ إِنَّمَا يَبْلُغُ مَحِلَّهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَالْآيَةُ عَامَّةٌ فِي هَدْيِ الْمُحْصَرِ وَغَيْرِهِ لِعُمُومِ لَفْظِهَا وَحُكْمِهَا؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ -: («مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ فَلْيَحِلَّ، وَمَنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ»). وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ فِي حَدِيثٍ لَهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : («مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ فَلْيَحِلَّ، وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فَأَهْدَى فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ بِحَجٍّ، نَحَرَ هَدْيَهُ»). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : («مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ»). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

стр. 876

وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: («لَوْلَا أَنِّي سُقْتَ الْهَدْيَ لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ، وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ مِنِّي حَرَامٌ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ»). وَعَنْهَا وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - فِي حَدِيثٍ لَهُمَا ذَكَرَا فِيهِ: أَنَّ النَّاسَ تَمَتَّعُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِلنَّاسِ: («مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ»). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. فَقَدْ بَيَّنَ ﷺ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ نَحْرُ الْهَدْيِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ نَحْرُ الْهَدْيِ الَّذِي سَاقَهُ، وَيَبْلُغُ مَحِلَّهُ: حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ. فَهَدْيُهُ الَّذِي لَمْ يَسُقْهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى جَمِيعَ مَنْ مَعَهُ هَدْيٌ مِنْ مُتَمَتِّعٍ وَمُفْرِدٍ وَقَارِنٍ أَنْ يَحِلُّوا إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ إِنَّمَا مَنَعَهُمْ مِنَ الْإِحْلَالِ الْهَدْيُ الَّذِي، وَكَذَلِكَ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَنْحَرَ، وَحَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، وَلَوْ كَانَ الذَّبْحُ جَائِزًا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ: لَنَحَرُوا وَحَلُّوا وَلَمْ يَكُنِ الْهَدْيُ مَانِعًا مِنَ الْإِحْلَالِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ إِذَا كَانَ ذَبْحُهُ جَائِزًا، وَهَذَا بَيِّنٌ فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ الْمُسْتَفِيضَةِ عَنْهُ؛ وَلِأَنَّ عَامَّةَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ كَانُوا مُتَمَتِّعِينَ حَلُّوا مِنْ إِحْرَامِهِمْ لَمَّا طَافُوا بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَمْ يَنْحَرُوا إِلَّا يَوْمَ النَّحْرِ، وَذَبَحَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ يَوْمَ النَّحْرِ وَكُنَّ مُتَمَتِّعَاتٍ، وَقَدْ قَالَ: («لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»). فَلَوْ كَانَ الذَّبْحُ قَبْلَ النَّحْرِ جَائِزًا لَفَعَلَهُ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا سِيَّمَا وَالْمُبَادَرَةُ إِلَى إِبْرَاءِ الذِّمَّةِ أَوْلَى مِنَ التَّأْخِيرِ. وَعَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: (كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ كَأَنَّهُ بَدَوِيٌّ - فِي الْعَشْرِ - فَقَالَ: إِنِّي تَمَتَّعْتُ فَكَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: طُفْ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَخُذْ مَا تَطَايَرَ مِنْ شَعَرِكَ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ فَعَلَيْكَ نَسِيكَةٌ، قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: شَاةٌ). رَوَاهُ سَعِيدٌ. وَلِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]

стр. 877

وَوَفَاءُ النُّذُورِ: هُوَ فِعْلُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ مِنْ هَدْيٍ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ مَعَ قَضَاءِ التَّفَثِ. وَلِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الِانْتِفَاعَ بِهَا لَهُ وَقْتٌ مَحْدُودٌ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ هَدْيَ الْمُتْعَةِ نُسُكٌ، فَلَمْ يَجُزْ ذَبْحُهُ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ كَالْهَدْيِ الْمَنْذُورِ، وَالْأُضْحِيَّةِ الْوَاجِبَةِ. وَلِأَنَّهُ أَحَدُ أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ: فَلَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهُ عَلَى يَوْمِ النَّحْرِ كَالْحَلْقِ وَالرَّمْيِ وَالطَّوَافِ. وَدَلِيلُ الْوَصْفِ .. . .

стр. 878

الْفَصْلُ الثَّالِثُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ فَعَلَيْهِ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ كَمَا تَقَدَّمَ؛ قَالَ - فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ - فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ. كَمَّلَتِ الْحَجَّ وَأَمْرَ الْهَدْيِ .. . . أَمَّا الثَّلَاثَةُ: فَيَجِبُ أَنْ يَصُومَهَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَ بِصَوْمِهَا فِي الْحَجِّ، وَيَوْمُ النَّحْرِ لَا يَجُوزُ صَوْمُهُ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يُصَامَ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَهُ لَيْسَ بِحَجٍّ إِلَّا أَيَّامَ التَّشْرِيقِ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْأَفْضَلُ تَأْخِيرُ صَوْمِهَا حَتَّى يَكُونَ آخِرُهَا يَوْمَ عَرَفَةَ. هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، وَأَبِي طَالِبٍ، وَعَلَيْهِ عَامَّةُ الْأَصْحَابِ. وَحَكَى الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَجْعَلَ آخِرَهَا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؛ لِأَنَّ صَوْمَ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَاتٍ لَا يُسْتَحَبُّ، فَإِذَا جَعَلَ آخِرَهَا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ: أَفْطَرَ يَوْمًا، وَفِطْرُهُ أَفْضَلُ.

стр. 879

وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِمَا رُوِيَ .. .؛ وَلِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهُ لَعَلَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الْهَدْيِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصِّيَامِ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ، وَلِيَتَحَقَّقَ عَجْزُهُ عَنِ الْهَدْيِ وَهَذَا يَقْتَضِي التَّأْخِيرَ إِلَى آخِرِ وَقْتِ الْإِمْكَانِ، وَصَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ مُمْكِنٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْهَ عَنِ الصَّوْمِ فِيهِ، وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ الثَّلَاثَةَ؛ وَهِيَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ وَيَوْمُ عَرَفَةَ وَالْيَوْمُ الَّذِي قَبْلَهُمَا أَخَصُّ بِالْحَجِّ؛ لِأَنَّ فِيهِنَّ يَقَعُ الْمَسِيرُ إِلَى عَرَفَاتٍ، وَبَعْضُ خُطَبِ الْحَجِّ. وَالصَّائِمُ يَوْمَ عَرَفَةَ صَائِمٌ فِي حَالِ فِعْلِ الْحَجِّ فَكَانَ أَشَدَّ امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ مِنْ غَيْرِهِ فَكَانَ أَفْضَلَ. وَإِنَّمَا لَمْ يُسْتَحَبَّ فِيهَا صَوْمُ التَّطَوُّعِ، فَأَمَّا الْوَاجِبُ فَإِنَّهُ يُفْعَلُ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا. وَيَجُوزُ الصَّوْمُ مِنْ حِينِ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ بِلَا تَرَدُّدٍ؛ قَالَ: فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسِنْدِيٍّ -: وَالصِّيَامُ لِلْمُتْعَةِ يَجِبُ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ إِذَا عَقَدَ الْإِحْرَامَ وَكَانَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ. وَهَذَا يَدْخُلُ عَلَى مَنْ قَالَ: لَا تُجْزِئُ الْكَفَّارَةُ قَبْلَ الْحِنْثِ، وَلَعَلَّ هَذَا لَا يَحُجُّ، يَنْصَرِفُ وَهُمْ يَقُولُونَ: يُجْزِئُهُ الصِّيَامُ، وَفِي قَلْبِي مِنَ الصِّيَامِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ شَيْءٌ. وَإِنَّمَا أَرَادَ إِحْرَامًا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: إِذَا عَقَدَ الْإِحْرَامَ وَكَانَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ هَذَا فِي الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ فِي أَشْهُرِهِ لَا يُؤَثِّرُ فِي إِيجَابِ الدَّمِ، وَلِأَنَّهُ قَاسَ بِهِ الْكَفَّارَةَ قَبْلَ الْحِنْثِ؛ لِأَنَّ أَحَدَ السَّبَبَيْنِ قَدْ وُجِدَ دُونَ الْآخَرِ، وَلِأَنَّهُ قَالَ: لَعَلَّهُ لَا يَحُجُّ يَنْصَرِفُ، وَإِنَّمَا يَنْصَرِفُ وَيَتْرُكُ الْحَجَّ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ بِهِ، وَلِأَنَّهُ قَالَ: وَهُمْ يَقُولُونَ يُجْزِئُهُ الصِّيَامُ. يَعْنِي أَهْلَ الرَّأْيِ، فَحَكَى عَنْهُمْ

стр. 880

قَوْلَهُمْ فِي مَسْأَلَةِ الْخِلَافِ وَهِيَ الصَّوْمُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ وَإِنْ وَافَقَهُمْ فِيهَا، فَأَمَّا الصَّوْمُ بَعْدَ إِحْرَامِ الْحَجِّ فَمُجْمَعٌ عَلَيْهِ لَا يُضَافُ إِلَى وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ. وَقَالَ: فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ قَالَ اللَّهُ: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] قَالَ: يَصُومُهَا إِذَا أَحْرَمَ، وَالْإِحْرَامُ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَيُرِيدُ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَ التَّرْوِيَةِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَصُومَهَا قَبْلَ أَنْ يَقْدُمَ مَكَّةَ، وَلَا يُبَالِي أَنْ يَقْدُمَ أَوَّلَهَا بَعْدَ أَنْ يَصُومَهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَإِنْ صَامَهَا قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ فَجَائِزٌ. وَذَكَرَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: رِوَايَةً أُخْرَى أَنَّهُ يَجُوزُ صَوْمُهَا قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ مِنْ أَوَّلِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: وَلَا يُبَالِي أَنْ يَقْدُمَ أَوَّلَهَا بَعْدَ أَنْ يَصُومَهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَاعْتَبَرَ مُجَرَّدَ وُقُوعِهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَلَمْ يَعْتَبِرْ وُقُوعَهَا بَعْدَ الْإِحْرَامِ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ صَامَهَا قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ فَجَائِزٌ، وَعَنَى بِهِ إِحْرَامَ الْعُمْرَةِ
следующие страницы →