← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10814

إشكال وجوابه في حديث أم حرام بنت ملحان

علي الصياح

Полный текст (80 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[إشكال وجوابه في حديث أم حرام بنت ملحان]ـ (دراسة تأصيلية تطبيقية تبين المنهج العلمي في الإجابة عن الإشكالات التي ربما تعرض في بعض الأحاديث) المؤلف: أبو عمر علي بن عبد الله بن شديد الصياح المطيري تقديم: فضيلة الشيخ المحدث: عبد الله بن عبد الرحمن السعد الناشر: دار المحدث للنشر والتوزيع الطبعة: الأولى، ذو القعدة ١٤٢٥ هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

تقديم فضيلة الشيخ المحدث عبد الله بن عبد الرحمن السعد الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. وبعد: فقد اطلعت على بحث بعنوان "إشكال وجوابه في حديث أم حرام بنت ملحان"، للشيخ: علي بن عبد الله الصياح - وفقه الله تعالى - فوجدته بحثا نفيسا كثير الفوائد، وقد أجاب عن ما يستشكله بعض الناس في هذا الحديث، ويفهمه على غير وجهه الصحيح، وقد أبان - وفقه الله تعالى - في بحثه هذا عن الطريقة الصحيحة والمسلك المستقيم في مثل هذه القضايا، فجزاه الله خيرا. وكتب عبد الله بن عبد الرحمن آل سعد ١٩ / ٩ / ١٤٢٤

стр. 3

مقدمة إنَّ الحمدَ لله، نحمدُهُ ونستعينهُ، ونستغفرهُ، ونعوذُ باللهِ من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ . أمَّا بعد: فإنَّ مِنْ طرائقِ المحدثين في التصنيف إفرادُ بعضِ الأحاديث بجزءٍ ومصنفٍ، والكلام عليه عََقدياً أوحَدِيثياً أو فقهياً أو غير ذلك (١) . وفي الغالب أنّ الأحاديثَ المفردةَ بالتصنيفِ تكونُ إمّا: - مِنْ جَوامعِ كَلِمهِ ﷺ كحَدِيثِ "إنما الأعمالُ بالنيات"، وَحَدِيث" بُني الإسلامُ عَلى خمسٍ".

стр. 4

- أو مِنْ الأحَادِيثِ المشتملة عَلى "فوائد خطيرة، وفرائد غزيرة، ومباحث كثيرة" (١) كحَدِيثِ "ذي اليدين"، وَحَدِيثِ "المسيء صلاته". - أو مِنْ الأحَادِيثِ المُشْكِلة التي تحتاجُ إلى جَلاء وبيان كحَدِيثِ "أُمِّ زَرْع (٢) "، وَحَدِيثِ "لا تردُ يد لامسٍ". - أو مِنْ الأحَادِيثِ المتعارضة التي تحتاجُ إلى جمعٍ أو ترجيحٍ كحَدِيث "لا عَدوى ولا طِيَرة"، وَحَدِيث "بئر بُضَاعة". - أو مِنْ الأحَادِيثِ المُخْتَلفِ فيها صحةً وضعفاً كحَدِيث "القلتين". ولا شك أنّ الحَدِيث إذا أُفْرِدَ بالتصنيفِ كَانَ ذَلكَ أدْعَى للشموليةِ والاستقصاءِ مما يترتبُ عليه عُمْق البحث، ودِقة النتائج. ومن الأحاديث العظيمة الجديرة بالإفراد والتصنيف حَدِيث " أُمّ حَرَام بِنْت مِلْحَان ورؤيا النَّبِيّ ﷺ " وذلك لأسباب عديدة: ١- أنّ الحَدِيث تضمن دلائل عظيمة من دلائل النبوة، وهذه الدلائل جديرة بالتأمل والبيان والإظهار. ٢- أنّ في الحَدِيث إشكالاً يحتاجُ إلى بيانٍ وتجليةٍ وهو ما يوهمه ظاهر الحَدِيث من خلوة النَّبِيّ ﷺ بأُمّ حَرَام، وكذلك فلي أُمّ حَرَام رأس النَّبِيّ ﷺ ، وهذا الإشكال انحرفت في فهمه عقول: أفطائفة أنكرت الحَدِيث وحكمت ببطلانه، وطعنت في الصحيحين

стр. 5

حماية لجناب الرسول ﷺ حسب زعمهم!!. ب وطائفة وسعت دلالة الحَدِيث وجوزت مس المرأة الأجنبية والخلوة بها، بل وجوزت دخول المرأة العسكرية دون قيد ولا شرط، وأغفلت النصوص الأخرى. وهاتان الطائفتان على طرفي نقيض!، و: كِلاَ طَرَفَيْ قَصْدِ الأُمورِ ذَمِيمُ، وكلٌ منهما يلوي النّص حسب توجهه!. و"إنّ المرءَ المستقيمَ ليسمع الحديثَ الصحيحَ فيدركه على وجههِ إنْ كان سليم النفس، حَسَن الطوية، وهو ينحرفُ به إذا كان إنساناً مريض النفس معوجا، وهل ينضح البئر إلاّ بما فيه، وهل يمكن أن نتطلب من الماء جذوة نار؟ أو نغترف من النار ماء؟ وقديما قالوا: إنّ كل إناء بما فيه ينضح، أشهد أنّ الله قد قَالَ في نبيه ﷺ ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم:٤) " (١) . ووفق اللهُ أهلَ العلم والإيمان للفهم السليم الذي به تأتلف نصوص الكتاب والسنة وتتسق، على منهجٍ علمي منضبط، مبني على التسليمِ لله ولرسوله ﷺ ، مستفيدين من فهوم العلماء الربانيين من سلفنا الصالح. ٣- اشتماله على صورةٍ مشرقةٍٍ من جَهاد المرأة في سبيل الله، وبذلها الغالي والنفيس في خدمة هذا الدين، ففي الحَدِيث ردٌّ على تلك الصرخات المعاصرة الجائرة التي تدعي أنَّ الدينَ الإسلامي هَضَمَ المرأةَ حقوقَها، ولم يقم لها وزناً!. ٤- اشتمال الحَدِيث على فوائد كثيرة شرعية، وتربوية.

стр. 6

وقد كتبت جزءاً في الكلام على الحَدِيث رواية ودراية، عالجت فيه جميع المسائل المتقدمة حسب القدرة، والله -سبحانه وتعالي- يقول ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ (الطلاق: ٧) ، -وإليه السؤال أن يجعل ذلك خالصاً لوجهه الكريم، مقتضيا لرضاه، وأن لا يجعل العلم حجة على كاتبه في دنياه وأخراه، وعلى الله قصد السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل-. ولا زال الكتاب في طور الإعداد والتنقيح غير أنّي لمَّا رأيت كثرة الكلام حول الإشكال الوارد في الحَدِيث مِنْ خَلوةِ النَّبِيّ ﷺ بأُمّ حَرَام، وكذلك فلي أُمّ حَرَام رأس النَّبِيّ ﷺ ، رأيتُ أنْ أخرج المبحث المتعلق بهذا الإشكال والإجابة عنه سائلاً المولى أنْ ينفعَ بهِ المسلمين. ومما ينبغي التنبه له والتنبيه عليه: أنه ليس من طريقة أهل العلم ولإيمان تتبع المتشابهات والإشكالات المخالفة للمحكمات وإثارتها - خاصةً عند العوام -، وهذه الطريقة طريقة أهل البدع والضلال ورثوها عن المنافقين. وكذلك ليس من منهج أهل العلم والإيمان السكوت عن الشبهات والإشكالات التي تثار وتنشر على رؤؤس الملاء، فعندهم من الحق والعلم والهدى والضياء ما يقذفون به الباطل فيدحره، قَالَ تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (الأنبياء:١٨) ، وَقَالَ سبحانه: ﴿فأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ﴾ (الرعد:١٧) . فما ذكرته في هذا البحث هو من الشبهات التي يتكأ عليها أهل الشهوات، وأهل الشبهات في هذا الزمان، ويثيرونها في وسائل الأعلام المختلفة التي تشاهدُ وتقرأُ وتسمعُ مِنْ قِبلِ ملايين الناس، فنسألُ اللهَ أنْ يحفظنا وجميعَ المسلمين من الفتن ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ.

стр. 7

خطة البحث: وسرتُ في هذا الجزء على الخطة التالية: - المُقَدّمة -وهي هذه-. المبحث الأوَّل: تخريج موجزٌ للحديث. المبحث الثاني: الإشْكَالُ وَجَوَابُهُ، وفيه مطالب: المطلب الأول: مقدمات عامة نافعة في مثل هذه الإشكالات التي ربما تَعرضُ في بعضِ الأحاديث. المطلب الثاني: مقدمات خاصة في الإجابة عن حَدِيث أُمّ حَرَام. المطلب الثالث: أجوبة أهل العلم والإيمان عن هذين الإشكالين. المطلب الرابع: وقفات حول هذه الشبهة في الحَدِيث. ومما أنبه عليه أنَّي لم أطبعْ هذا الكتاب حتى عرضته عَلى عَدَدٍ من مشايخي الفضلاء وَعَلَى رأسهم: ١- شيخنا عبد الرحمن بن ناصر البراك. ٢- وشيخنا عبد الله بن عبد الرحمن آل سعد. ٣- وشيخنا سعد بن عبد الله آل حميد. وقد استفدتُ من ملحوظاتهم وتوجيهاتهم فجزاهم الله خيراً، ونفع بهم

стр. 8

الإسلام والمسلمين. قال محمد بن عبد الملك الفارقي المتوفي سنة سنة أربع وستين وخمسمائة (١) : إذَا أَفَادَكَ إنْسانٌ بفائدةٍ مِنْ العلومِ فأكثِرْ شُكرَهُ أبدَا وقُلْ فُلانٌ جزاهُ اللهُ صالحةً أفادَنِيها وألقِ الكبر والحَسَدَا

стр. 9

المبحثُ الأوَّلُ: تخريجٌ موجزٌ للحَدِيث (١) : رَوَى الحديثَ عَنْ أُمّ حَرَام أربعة: -الأوَّل: الصحابيّ الجليل أنس بن مالك. -الثاني: عمير بن الأسود. -الثالث: يعلى بن ثابت -وفي ثبوت هذا الطريق نظر، بينته في الأصل-. -الرابع: عطاء بن يسار-على خلافٍ في إسناد هذا الحَدِيث، بينته في الأصل -. وأنسُ بنُ مالك أشهر من روى الحَدِيث عَنْ أُمّ حَرَام وأجلهم وأتقنهم، ومما يُمَيّز روايته أيضاً أنّ أُمّ حَرَام إحدى خالاته. - وَرَوَى الحديثَ عَنْ أنس أربعةٌ: الأوَّل: إسحاقُ بنُ عبد الله بن أبي طلحة. الثاني: مُحَمَّد بنُ يحيى بن حَبّان. الثالث: أبو طُوَالة عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاريّ.

стр. 10

الرابع: المختار بن فُلْفُل. وجميعُ رواياتهم متقاربة بالجملة غيرَ أنَّ روايةَ إسحاق بنِ عبد الله بن أبي طلحة أجمع الروايات لألفاظ المتن، وهي الرواية الوحيدة التي ورد فيها ذكر "فلي أُمّ حَرَام رأس النَّبِيّ ﷺ "، لذا سأكتفي بتخريجها. * أخرجها: -مالك في الموطأ، كتاب الجهاد، باب الترغيب في الجهاد (٢/٤٦٤رقم٣٩) ، ومن طريقه: - البُخَاريّ في صحيحه في مواضع: - كتاب الجهاد والسير، باب الدعاء بالجهاد والشهادة للرجال والنساء، (٣/١٠٢٧ رقم٢٦٣٦) . وكتاب التعبير، باب رؤيا النهار (٦/٢٥٧٠رقم٦٦٠٠) عَنْ عبد الله بن يوسف (١) . - كتاب الاستئذان، باب من زار قوما فَقَالَ عندهم (٥/٢٣١٦رقم٥٩٢٦) عَنْ إسماعيل بن أبي أويس (٢) . -ومُسلِم في صحيحه، كتاب الإمارة، (٣/١٥١٨رقم١٩١٢) عَنْ يحيى بن يحيى.

стр. 11

-وأبو داود في سننه، كتاب الجهاد، باب فضل الغزو في البحر (٣/

стр. 12

٦رقم٢٤٩١) عَنْ عبد الله بن مسلمة القعنبي. -والترمذي في جامعه، كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في غزو البحر (٤/١٧٨رقم١٦٤٥) عَنْ معن بن عيسى. -والنسائيُّ في سننه (المجتبى) ، كتاب الجهاد، فضل الجهاد في البحر (٦/٤٠) من طريق عبد الرحمن بن القاسم. - وعبد الله بنُ المبارك في الجهاد (ص١٥٧رقم٢٠١) . -ومحمد بن سعد في الطبقات الكبرى (٨/٤٣٥) عَنْ معن بن عيسى. -وأحمد بن حنبل في مسنده (٣/٢٤٠) عَنْ أبي سلمة منصور بن سلمة (١) . -وأبو عَوَانة في مستخرجه، كتاب الجهاد، بيان فضل الغزو في البحر (٤/٤٩٤رقم٧٤٥٩) من طريق عبد الله بن وَهَب. -وابن حبان في صحيحه -كما في الإحسان (١٥/٥١ رقم٦٦٦٧) - من طريق أبي مصعب أحمد بن أبي بكر. -واللإلكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٨/١٤٣٨) من طريق مصعب الزبيري والوليد بن مُسلِم. -وأبو نُعَيم في حلية الأولياء (٢/٦١) ومعرفة الصحابة (٦/٣٤٨١رقم٧٨٩٤) ، وفي دلائل النبوة (٢/٥٥٥) من طريق القعنبي ويحيى بن بكير.

стр. 13

-والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب السير، باب فضل من مات في سبيل الله (٩/١٦٥) من طريق يحيى بن يحيى. -وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق (٧٠/٢١١) من طريق أبي مصعب أحمد بن أبي بكر، وأحمد بن إسماعيل، ومصعب الزبيري. جميعهم عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَس عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ (١) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أُمّ حَرَام بِنْت مِلْحَان فَتُطْعِمُه، ُ وَكَانَتْ أُمّ حَرَام تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِت، ِ فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَأَطْعَمَتْه، ُ ثُمَّ جَلَسَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ -يَشُكُّ أَيَّهُمَا- قَالَ: َ قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَدَعَا لَهَا، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:

стр. 14

نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَا قَالَ فِي الْأُولَى قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ؟ قَالَ: أَنْتِ مِنْ الْأَوَّلِينَ، فَرَكِبَتْ أُمّ حَرَام بِنْت مِلْحَان الْبَحْرَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنْ الْبَحْرِ فَهَلَكَتْ. هذا لفظُ مالك في الموطأ -رواية يحيى بن يحيى- ومُسلِم في صحيحه. وَقَالَ الترمذي: ((حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ، وأُمُّ حَرَام بِنْتُ مِلْحَان هي أختُ أُمّ سُلَيْم وهي خَالةُ أنس بنِ مالك)) .

стр. 15

المبحث الثاني: الإشْكَالُ وَجَوَابُهُ: استشكل حَدِيث أُمّ حَرَام هذا مِنْ وجهين: الأوَّل: أنّ ظاهر الحَدِيث يوهم خلوة الرسول ﷺ بأُمّ حَرَام، ومعلوم أنّ خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية لا تجوز باتفاق العلماء كما سيأتي. والثاني: أنّ في الحَدِيث-" ثُمَّ جَلَسَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ فَنَامَ" فهل يجوز للمرأة مس جسد الرجل الأجنبي؟ (١) . وهذا الإشكال فرح به صنفان من أهل الأهواء: فالصنف الأوَّل: اتخاذ هذا الحَدِيث حجة للطعن في أصح كتابين بعد كتاب الله "صحيح البخاري، وصحيح مسلم"، لفهمه السقيم أنّ في ذلك طعناً في جناب المصطفى ﷺ . والصنف الثاني: وهم أهل الشهوات الذين قَالَ الله فيهم ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ (النساء:٢٧) ، فأخذوا ما يوافق شهواتهم وأعرضوا عن ما يخالفها من صريح الكتاب والسنة.

стр. 16

وهذان الصنفان ليس نظرهم في الدليل نظر المستبصر حتى يكونَ هواه تحت حكمه، بل نظر مَنْ حَكَمَ بالهوى ثم أتى بالدليلِ كالشاهدٍ له، وهذا شأنُ كلّ مبطل ممن يترك المحكم للمتشابه. وعند التحقيق وتطبيق المنهج العلمي السليم في دراسة المسألة جمعاً ودراسةً يتبين أنه لا حجة للصنفين في الحَدِيث-كما سيأتي-. وقد اشتمل الجواب عن هذين الإشكالين على مطالب: * المطلب الأول: مقدمات عامة نافعة في مثل هذه الإشكالات التي ربما تَعرضُ في بعضِ الأحاديث. * المطلب الثاني: مقدمات خاصة في الإجابة عن حَدِيث أُمّ حَرَام. * المطلب الثالث: أجوبة أهل العلم والإيمان عن هذين الإشكالين. * المطلب الرابع: وقفات حول هذه الشبهة في الحَدِيث.

стр. 17

المطلبُ الأوَّل: مقدماتٌ عامةٌ نافعةٌ في مثلِ هذه الإشكالات التي رُبما تَعرضُ في بعضِ الأحاديث ١- المقدمة الأولى في ذكر أربع قواعد، من قواعد الدين تدور الأحكام عليها . قَالَ الشيخُ مُحَمَّدُ بنُ عَبْد الوهاب-﵀: ((هذه أربعُ قواعد، من قواعد الدين، التي تدور الأحكام عليها، وهي: من أعظم ما أنعم الله به على مُحَمَّد ﷺ وأمته، حيث جعل دينهم دينا كاملا وافيا، أكمل وأكثر علما من جميع الأديان، ومع ذلك جمعه لهم في لفظ قليل، وهذا مما ينبغي التفطن له، قبل معرفة القواعد الأربع، وهو: أن تعلم قول النَّبِيّ ﷺ لما ذكر ما خصه الله به على الرسل، يريد منا أن نعرف منة الله علينا، ونشكرها، قَالَ لما ذكر الخصائص: (وأعطيت جوامع الكلم) (١) قَالَ إمامُ الحجاز: مُحَمَّدُ بن شهاب الزهري، معناه: أن يجمع الله له المسائل الكثيرة، في الألفاظ القليلة (٢) .

стр. 18

القاعدة الأولى: تحريم القول على الله بلا علم لقوله تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ إلى قوله: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (الأعراف:٣٣) . القاعدة الثانية: أن كل شيء سكت عنه الشارع، فهو عفو، لا يحل لأحد أن يحرمه، أو يوجبه، أو يستحبه، أو يكرهه، لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا (المائدة:١٠١) . وَقَالَ النَّبِيّ ﷺ : ((وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها)) (١) . القاعدة الثالثة: أن ترك الدليل الواضح، والاستدلال بلفظ متشابه، هو طريق أهل الزيغ،

стр. 19

كالرافضة، والخوارج، قَالَ الله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ (آل عمران:٧) . والواجبُ عَلَى المسلم: اتباع المحكم، فإنْ عَرَفَ معنى المتشابه، وجده لا يخالف المحكم بل يوافقه، وإلا فالواجب عليه اتباع الراسخين في العلم في قولهم: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا (آل عمران:٧) . القاعدةُ الرابعة: أنَّ النَّبِيّ ﷺ ذَكَرَ: ((أنّ الحلالَ بَيّنٌ وَالحرامَ بَيّنٌ، وبينهما مشتبهات)) (١) ، فمن لم يفطنْ لهذه القاعدة، وأراد أنْ يتكلمَ عَلَى كلّ مسألةٍ بكلامٍ فاصلٍ، فَقد ضلّ وأضل. فهذه أربعُ قواعد: ثلاثٌ ذَكَرَهَا اللهُ في كتابهِ، والرابعةُ ذكرها رسولُ الله ﷺ . واعلمْ رَحِمَكَ الله: أنَّ أربعَ هذه الكلمات، مَعَ اختصارها، يدورُ عليها الدين، سواءً كان المتكلم يتكلمُ في علم التفسير، أو في علمِ الأصول، أو في علم أعمالِ القلوب، الذي يسمى علم السلوك، أو في علمِ الحَدِيث، أو في علمِ الحلال والحرام، والأحكام، الذي يسمى: علم الفقه; أو في علمِ الوعد والوعيد; أو في غير ذلك من أنواعِ علوم الدين)) (٢) . ٢- المقدمة الثانية: ضرورةُ جمعِ الأحاديث الواردة في المسألة المستنبطة، ومراعاة قواعد وأصول الاستدلال التي وضعها الأئمة . والفقهاءُ المحققون إذا أرادوا بحث مسألة ما، جمعوا كل ما جاء في شأنها من

стр. 20

الكتاب والسنة،، وأحسنوا التنسيق بين شتى الأدلة، قَالَ الشاطبي: ((من يأخذ الأدلة من أطراف العبارة الشرعية ولا ينظر بعضها ببعض، فيوشك أن يزل، وليس هذا من شأن الراسخين وإنما هو من شأن من استعجل طلبا للمخرج في دعواه)) (١) . وَقَالَ أيضاً: ((ومدار الغلط في هذا الفصل إنما هو على حرف واحد: وهو الجهل بمقاصد الشرع، وعدم ضم أطرافه بعضها لبعض، فإن مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها، وعامّها المرتب على خاصّها، ومطلقها المحمول على مقيدها، ومجملها المفسر بِبَيّنها، إلى ما سوى ذلك من مناحيها، -إلى أن قَالَ - فشأن الراسخين: تصور الشريعة صورة واحدة، يخدم بعضها بعضاً كأعضاء الإنسان إذا صورت صورة مثمرة، وشأنُ متبعي المتشابهات أخذ دليلٍ مَا أيّ دليل كان عفواً وأخذاً أولياً وإنْ كان ثم ما يعارضه من كلى أو جزئي، فكأن العضو الواحد لا يعطى في مفهوم أحكام الشريعة حكما حقيقيا، فمتبعه متبع متشابه، ولا يتبعه إلا من في قلبه زيغ ما شهد الله به ومن أصدق من الله قيلا)) (٢) . وقال شيخُ الإسلام ابنُ تيمية: ((إذا ميّز العالم بين ما قاله الرسول ﷺ وما لم يقله، فإنه يحتاج أن يفهم مراده ويفقه ما قاله، ويجمع بين الأحاديث ويضم كل شكل إلى شكله، فيجمع بين ما جمع الله بينه ورسوله، ويُفرق بين ما فرق الله بينه ورسوله؛ فهذا هو العلم الذي ينتفع به المسلمون، ويجب تلقيه وقبوله، وبه ساد أئمة المسلمين كالأربعة وغيرهم)) (٣) . أما اختطاف الحكم مِنْ حَدِيثٍ عَابر، وقراءةٍ عَجلى مِنْ غير مراعاة لما وَرَدَ في

стр. 21

الموضوع مِنْ آثار أخرى، ومن دون تصفية وتنقية فليسَ من عمل العلماء الصادقين. وهذه المقدمة الثانية ينبغي العناية بها جيداً؛ فكثيرٌ ممن يتكلم على هذه المسائل لا يراعي هذه المقدمة مما يوقعهُ في أخطاء علمية، وعيوب منهجية، من ذلك: ١- إهمال الأدلة المضادة: وهذه "من أسوأ العيوب المنهجية، وأشدها خطورة على نتائج أي بحث علمي، هي أن يتجاهل الباحث الأدلة المضادة - يعني المخالفة - لرأيه سواءً أكان ذلك بسبب إهماله أم تحيزه أم لأي سبب آخر، ويصف أحد المفكرين الغربيين العالم أو الباحث الذي يخفي الأدلة التي لا تؤيد نظريته بأنه يعد في عالم العلم ((مثل المالي الغشاش، أو المحاسب الذي يزيف في دفاتره في عالم المال)) . ويذكر أحد أساتذة المنهجية أن من أهم العوائق التي تحول بين الباحث، والوصول إلى الحقيقة: تجاهل الأدلة المضادة، وعليه فإن الدليل المضادَّ يجب أن يُعطى وزن الدليل المؤيد نفسه، حتى لو كان في ذلك تغيير لمنطلقات البحث الأساسية؛ لأن هدف الباحث الأول هو الوصول إلى الحقيقة. ويؤكد آخر بأنه ينبغي للعالم أن يكون كالقاضي النزيه الذي يسعى وراء الأدلة التي تنفي آراءه أكثر من تلك التي تؤيدها" (١) . وهذا العيب يلاحظُ في كتابات عدد ممن تطرق لبحث المسائل المتعلقة بالمرأة، فتجد أنَّ هناك حجباً أو تجاهلاً للنصوص التي تخالف توجه الكاتب كالنصوص التي تحرم الخلوة، أو تحرم مس المرأة الأجنبية، أو تحرم الاختلاط وتأمر المرأة بالمباعدة

стр. 22

عن الرجال والقرار في البيوت- إلاّ ما لا بدَّ منه-، أو النصوص التي بلزوم الحجاب وغير ذلك. ومن العيوب كذلك: ٢- التحيز ومحاولة إثبات النتيجة المسبقة: ولا يخفى أنَّ التجرد المسبق أكبر معين على الوصول للحق فلا يعتقد ثم يبحث؛ ولكن يبحث أولاً ثم يعتقد-بالضوابط العلمية-، ويتحلى بالنصفة والعدل وما يسمى "بالموضوعية"، والباحث المتحيز لا يمكن أن تكون نتائج بحثه علمية بأي حال من الأحوال، وقد قال الإمام الشافعي: ((ما كلمتُ أحداً قط إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعان، وما كلمت أحداً قط إلا ولم أبال بَيّنَ الله الحق على لساني أولسانه)) (١) .

стр. 23

٢- المقدمة الثالثة: عند النظر في هذه الأحاديث الصحيحة المُشْكلة لا بدَّ من ملاحظة أمرين: الأوَّل: التصور السليم للحياة في عهد النَّبِيّ ﷺ كما هي من الطهر والعفاف والصدق والمحبة والإيثار والتضحية، والمبادرة إلى طاعة الله ورسوله ﷺ فما إنْ يرد الأمر والنهي إلاّ ويبادروا إليه دون تلكأ وتأخير رجالاً ونساء، ومن ثمّ يعوّدون صبيانهم على هذه الكمالات والفضائل، فلم تمرّ على الأمة الإسلامية أيام وسنين كتلك التي مرت في عهد النَّبِيّ ﷺ ، وهذه بعض الأدلة من القرآن والسنة على ما تقدم: ذو القعدة قَالَ تعالى ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠) ﴾ (سورة الحشر) . ذو القعدة وَقَالَ ﴿مُحَمَّد رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ (الفتح:٢٩) . إلى غير ذلك من الآيات.

стр. 24

ومن السنة: - حَدِيثُ أنس ﵁ قَالَ: كُنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ، فَنَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَانْظُرْ مَا هَذَا الصَّوْتُ؟ قَالَ: فَخَرَجْتُ، فَقُلْتُ: هَذَا مُنَادٍ يُنَادِي أَلا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، فَقَالَ لِي: اذْهَبْ فَأَهْرِقْهَا، قَالَ: فَجَرَتْ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ (١) . - وفي رواية: ((فَإِنِّي لَقَائِمٌ أَسْقِي أَبَا طَلْحَةَ وَفُلانًا وَفُلانًا إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: وَهَلْ بَلَغَكُمْ الْخَبَرُ؟ فَقَالُوا: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: حُرِّمَتْ الْخَمْرُ، قَالُوا: أَهْرِقْ هَذِهِ الْقِلالَ يَا أَنَسُ، قَالَ: فَمَا سَأَلُوا عَنْهَا وَلا رَاجَعُوهَا بَعْدَ خَبَرِ الرَّجُلِ)) (٢) . - وعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الأُوَلَ لَمَّا أَنْزَلَ ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شَقَّقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهَا (٣) . -وعَنْ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ: أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ: مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَليَصُمْ، قَالَتْ: فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ، وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَنَجْعَلُ لَهُمْ اللُّعْبَةَ مِنْ الْعِهْنِ،

стр. 25

فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِفْطَارِ (١) . والأحاديثُ في هذا المعنى كثيرةٌ. وإنما نبهتُ عَلَى هذا الأمر -مَعَ وضوحهِ وَكثرةِ دلائلهِ - لأني رأيتُ بعضَ مَنْ انتقد الأحاديثَ الصحيحةَ صوّرها بأسلوبٍٍ يُعطي انطباعاً أنّ المجتمعَ في عهد النَّبِيّ ﷺ كمجتمعاتنا في هذه الأزمان مِنْ كثرةِ المعاصي، وقلة حياء النساء، وتبرجهنّ وسفورهنّ، وفحش غنائهن، وتنوع الشهوات، وتفنن الملذات. وتأملْ قولَ أحدهم -تعليقاً على حَدِيث الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ قَالَتْ: جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَدَخَلَ حِينَ بُنِيَ عَلَيَّ فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي ... فَجَعَلَتْ جُوَيْرِيَاتٌ لَنَا يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ وَيَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِي يَوْمَ بَدْرٍ إِذْ قَالَتْ إِحْدَاهُنَّ: وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فَقَالَ: دَعِي هَذِهِ وَقُولِي بِالَّذِي كُنْتِ تَقُولِينَ، وسيأتي الكلام عليه (٢) -: ((ولما شوهد الحَدِيث محفوف بالتفاهة والركاكة وتباينه لمقام النبوة والنبي (صلى الله عليه وآله) ما لا يقبله العقل بدا القوم في تبرير هذه الحكايات التافهة، وذلك لأنه لا يعقل أن يشترك مؤمن ملتزم أو عالم ديني حتى لو كان في، أدنى درجة من العلم والدين في الأعراس، ويجالس النساء اللاتي تزين بوسائل التجميل من الملابس وغيرها - الماكياج - (٣) ، وهن يعزفن ويرقصن أمامه وهو يراهن ويستمع إلى ما يغنين ويبدي رأيه في ما عزفن. نعم، إنَّ الإنسانَ العادي الذي لم يملك تلك المعنوية العالية والغيرة الدينية الشديدة يمتنع من هذا المشهد فكيف بنبي ورسول؟

стр. 26

ولذا ترى ابن حَجَر يخيط أعذارا هي أقبحُ من الذنب نقلها عن الكرمانيّ)) (١) . كذا قَالَ!! وقد أحسنَ من وَصَفَ هذا الصنفَ بقوله "إنّ المرءَ ليسمع الحَدِيث المستقيم فيدركه عَلَى وجههِ إنْ كَانَ سَليمَ النفس، حَسَن الطوية، وهو ينحرف به إذا كان إنسانا مريض النفس معوجا، وهل ينضح البئر إلاّ بما فيه، وهل يمكن أن نتطلب من الماء جذوة نار؟ أو نغترف من النار ماء؟ وقديما قالوا: إنّ كل إناء بما فيه ينضح، أشهد أنّ الله قد قَالَ في نبيه ﷺ ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ )) (٢) . ٢- التنبه لمدلول الألفاظ وما وقع فيها من تغاير بين زمان النَّبِيّ ﷺ والأزمنة المتأخرة فربما يقع اشتراك في لفظ معين بين هذا الزمان وزمان النَّبِيّ ﷺ ولكن الكيفية والصفة والطريقة تختلف اختلافاً كبيراً، يؤدي بالتالي إلى اختلاف الحكم، قَالَ ابنُ القيم: ((فإن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان، والعوائد والاحوال، وذلك كلُّه مِنْ دينِ الله)) (٣) ، مِنْ ذلكَ مثلاً (الغناء، والدّف) فقد تغيرتْ الكيفية والصفة في هذه الأزمنة وقبلها عن الغناء والدّف الذي كان على عهد رسولِ الله ﷺ وقد بين ذلك ابنُ رَجَب بكلامٍ نفيسٍ قَالَ فيه -تعليقاً على حديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الأَنْصَارِ تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتْ الْأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ قَالَتْ: وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا-: ((ولا ريب أنّ العرب كانَ لهم غناء يتغنون به، وكان لهم دفوف يضربون بها، وكان غناؤهم بأشعار أهل الجاهلية من ذكر الحروب وندب من

стр. 27

قتل فيها، وكانت دفوفهم مثل الغرابيل، ليس فيها جلاجل، ... فلما فتحت بلاد فارس والروم ظهر للصحابة ما كان أهل فارس والروم قد أعتادوه من الغناء الملحن بالإيقاعات الموزونة، على طريقة الموسيقى بالأشعار التي توصف فيها المحرمات من الخمور والصور الجميلة المثيرة للهوى الكامن في النفوس، المجبول محبته فيها، بآلات اللهو المطربة، المخرج سماعها عن الاعتدال، فحينئذ أنكر الصحابة الغناء واستماعه، ونهوا عنه وغلظوا فيه. حتى قَالَ ابنُ مسعود: الغناء ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء البقل. وروي عنه - مرفوعا. وهذا يدل على أنهم فهموا أنَّ الغناءَ الذي رَخص فيه النَّبِيّ ﷺ لأصحابه لم يكن هذا الغناء، ولا آلاته هي هذه الآلات، وأنه إنما رخص فيما كان في عهده، مما يتعارفه العرب بآلاتهم. فأما غناء الأعاجم بآلاتهم فلم تتناوله الرخصة، وإن سمي غناءً، وسميت آلاته دفوفا، لكن بينهما من التباين ما لا يخفى على عاقل، فإن غناء الأعاجم بآلاتها يثير الهوى، ويغير الطباع، ويدعو إلى المعاصي، فهو رقية الزنا. وغناء الأعراب المرخص به، ليس فيه شيء من هذه المفاسد بالكلية البتة، فلا يدخل غناء الأعاجم في الرخصة لفظا ولا معنى، فإنه ليس هنالك نص عن الشارع بإباحة ما يسمى غناء ولا دفا، وإنما هي قضايا أعيان، وقع الإقرار عليها، وليس لها من عموم. وليس الغناء والدف المرخص فيهما في معنى ما في غناء الأعاجم ودفوفها المصلصلة، لأنَّ غنائهم ودفوفهم تحرك الطباع وتهيجها إلى المحرمات، بخلاف غناء الأعراب، فمن قاس أحدهما على الآخر فقد أخطأ أقبح الخطأ، وقاس مع ظهور

стр. 28

الفرق بين الفرع والأصل، فقياسه من أفسد القياس وأبعده عن الصواب)) (١) . وَقَالَ ابن القيم: ((وفي الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ ﵁ ا - قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ: مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ فَقَالَ: دَعْهُمَا فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا، فلم ينكر رسول الله ﷺ على أبي بكر تسمية الغناء مزمار الشيطان، وأقرهما لأنهما جاريتان غير مكلفتين تغنيان بغناء الأعراب الذي قيل في يوم حرب بعاث من الشجاعة والحرب، وكان اليوم يوم عيد، فتوسع حزب الشيطان في ذلك إلى صوتِ امرأةٍ جميلة أجنبيةٍ، أو صبي أمرد صوته فتنة، وصورته فتنة، يغني بما يدعو إلى الزنى والفجور وشرب الخمور مع آلات اللهو التي حرمها رسول الله ﷺ في عدة أحاديث كما سيأتي، مع التصفيق والرقص وتلك الهيئة المنكرة التي لا يستحلها أحد من أهل الأديان فضلا عن أهل العلم والإيمان (٢) ، ويحتجون بغناء جويريتين غير مكلفتين بنشيد الأعراب ونحوه في الشجاعة ونحوها في يوم عيد بغير شبابة ولا دف ولا رقص ولا تصفيق ويدعون المحكم الصريح لهذا المتشابه، وهذا شأن كل مبطل، نعم نحن لا نحرم ولا نكره مثل ما كان في بيت رسول الله ﷺ على ذلك الوجه، وإنما نحرم نحن وسائر أهل العلم والإيمان السماع المخالف لذلك وبالله التوفيق)) (٣) .

стр. 29

المطلب الثاني: مقدمات خاصة في الإجابة عن حَدِيث أُمّ حَرَام ١- المقدمة الأولى: اتفق العلماء على أنَّ النَّبِيّ ﷺ قد خُص في أحكام الشريعة بمعان لم يشاركه فيها أحد في باب الفرض والتحريم والتحليل مزيةً على الأمة، وهيبة له، ومرتبة خص بها ففرضت عليه أشياء لم تفرض على غيره، وحرمت عليه أشياء وأفعال لم تحرم عليهم، وحللت له أشياء لم تحلل لهم، منها متفق عليه، ومنها مختلف فيه، وهذه الخصائص منها ما ثبت بالقرآن، ومنها ما ثبت بالسنة، ومنها ما يفهم من منطوق النصوص، ومنها ما يفهم من خلال الجمع والموازنة بين النصوص. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ((خُصَّ النَّبِيّ ﷺ بِمُوجَبَاتٍ وَمَحْظُورَاتٍ وَمُبَاحَاتٍ وَكَرَامَات)) (١) . وَقَدْ أَلَّفَ النَّاسُ فِي الْخَصَائِصِ كُتُبًا مُتَعَدِّدَةً (٢) ، وغالب الفقهاء يذكرون الخصائص في كِتَابَ النِّكَاحِ وَذَلِكَ لأَنَّهُ ﷺ خُصَّ فِي بَابِ النِّكَاحِ بِخَصَائِصَ مُتَعَدِّدَةٍ لَمْ يُجْمَعْ مِثْلُهَا فِي بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْه، قَالَ ابن كثير: ((كتاب النكاح، وفيه عامة أحكام التخصيصات النبوية)) (٣) ، وَفَائِدَةُ ذِكْرِ الْخَصَائِصِ لِئَلا يُعْتَقَدَ فِيمَا يُخَصُّ بِه

стр. 30

ِ ﷺ أَنَّهُ مَشْرُوعٌ لَنَا. فمن المجمع عليه: جواز نكاحه ﷺ أكثر من أربع نسوة. والتَّزَوُّجُ بِلا مَهْرٍ لقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأحزاب:٥٠) . وتحريم نكاح أزوجه من بعده لقوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً﴾ (الأحزاب:٥٣) . وغير ذلك مما يطول ذكره مما ليس هذا محل بيانه وبسطه. تنبيهٌ: - الأصل في أفعال الرسول ﷺ وأقواله وأحكامه عدم الخصوصية حتى تثبت بدليل لأنّ الله يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ (الأحزاب:٢١) فدل على أنه ﷺ قدوة الأمة في كل شيء، ولأنّ الصحابة كانوا يرجعون فيما أشكل عليهم إلى أفعاله فيقتدون به فيها. - قال ابنُ القيّم: ((إذا رأينا أصحابَ رسولِ الله ﷺ قد اختلفوا في أمرٍ قد صحَّ عن رسول الله ﷺ أنه فعله وأمر به فقال بعضُهم: إنَّه منسوخٌ أو خاصٌ، وقال بعضهم: هو باقٍ إلى الأبد، فقول من ادَّعى نسخه، أو اختصاصَه مخالفٌ للأصلِ فلا يقبل إلا ببرهان)) (١) . - إنّما ذكرتُ هذه المقدمة ليتبين أنَّ من قال بأنَّ ما وقع للنبي ﷺ مع أُمّ حَرَام

стр. 31

كَانَ من خصائصه ﷺ له حظٌ من النظر، وإنْ كان الأرجح -كما سيأتي- أنَّ أُمّ حَرَام خالة للنبي ﷺ من الرَّضَاعَ. ٢-المقدمة الثانية: ذكر الأدلة الدالة على تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية، وبيان اتفاق العلماء على ذلك: ١- حَدِيثُ أَبِي مَعْبَدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ وَلا تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ)) فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا وَخَرَجَتْ امْرَأَتِي حَاجَّةً قَالَ: ((اذْهَبْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ)) (١) . ٢- حَدِيثُ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ)) فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ قَالَ: ((الْحَمْوُ الْمَوْتُ)) (٢) . ٣- حَدِيثُ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَلا لا يَبِيتَنَّ رَجُلٌ عِنْدَ امْرَأَةٍ ثَيِّبٍ إِلا أَنْ يَكُونَ نَاكِحًا أَوْ ذَا مَحْرَمٍ)) (٣) .

стр. 32

٤- حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ دَخَلُوا عَلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - وَهِيَ تَحْتَهُ يَوْمَئِذٍ - فَرَآهُمْ فَكَرِهَ ذَلِكَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: لَمْ أَرَ إِلا خَيْرًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَرَّأَهَا مِنْ ذَلِكَ)) ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: ((لا يَدْخُلَنَّ رَجُلٌ بَعْدَ يَوْمِي هَذَا عَلَى مُغِيبَةٍ (١) إِلا وَمَعَهُ رَجُلٌ أَوْ اثْنَانِ)) (٢) .

стр. 33

٥- حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: خَطَبَنَا عُمَرُ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قُمْتُ فِيكُمْ كَمَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِينَا فَقَالَ: ((أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي ... أَلا لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ)) (١) . قَالَ النَّوَوِيّ: ((وفى هذا الحَدِيث والأحاديث بعده تحريم الخلوة بالأجنبية

стр. 34

وإباحة الخلوة بمحارمها وهذان الأمران مجمع عليهما)) (١) ، وحكى الإجماعَ أيضاً ابنُ حَجَر وغيره (٢) . ٣- المقدمة الثالثة: ذكر الأدلة على تحريم مس المرأة الأجنبية: ١- حَدِيثُ عُرْوَة بْن الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: كَانَتْ الْمُؤْمِنَاتُ إِذَا هَاجَرْنَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُمْتَحَنَّ بِقَوْلِ اللَّهِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ فَقَدْ أَقَرَّ بِالْمِحْنَةِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَقْرَرْنَ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِنَّ قَالَ لَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :انْطَلِقْنَ فَقَدْ بَايَعْتُكُنَّ، وَلا وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ غَيْرَ أَنَّهُ يُبَايِعُهُنَّ بِالْكَلامِ قَالَتْ عَائِشَةُ: وَاللَّهِ مَا أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى النِّسَاءِ قَطُّ إِلا بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَا مَسَّتْ كَفُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَفَّ امْرَأَةٍ قَطُّ، وَكَانَ يَقُولُ لَهُنَّ إِذَا أَخَذَ عَلَيْهِنَّ: قَدْ بَايَعْتُكُنَّ كَلامًا (٣) . ٢- حَدِيثُ مُحَمَّد بنِ المُنكدر عنْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ قَالَتْ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي نِسَاءٍ نُبَايِعُهُ فَأَخَذَ عَلَيْنَا مَا فِي الْقُرْآنِ أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا الْآيَةَ قَالَ: فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ وَأَطَعْتُنَّ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَرْحَمُ بِنَا مِنْ أَنْفُسِنَا، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلا

стр. 35

تُصَافِحُنَا؟ قَالَ: إِنِّي لا أُصَافِحُ النِّسَاءَ إِنَّمَا قَوْلِي لامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ كَقَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ (١) . ٣-حَدِيثُ عَمْرُو بْن شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ لا يُصَافِحُ النِّسَاءَ فِي الْبَيْعَةِ (٢) . ٤- حَدِيثُ الأعرج عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((كُلُّ ابْنِ آدَمَ أَصَابَ مِنْ الزِّنَا لا مَحَالَةَ، فَالْعَيْنُ زِنَاهَا النَّظَرُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا اللَّمْسُ، وَالنَّفْسُ تَهْوَى وَتُحَدِّثُ، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ وَيُكَذِّبُهُ الْفَرْجُ)) (٣) .

стр. 36

قَالَ النَّوَوِيّ: ((معنى الحَدِيث أنَّ ابنَ آدم قدر عليه نصيب من الزنى فمنهم من يكون زناه حقيقياً بإدخال الفرج في الفرج الحرام، ومنهم من يكون زناه مجازاً بالنظر الحرام والاستماع إلى الزنى وما يتعلق بتحصيله، أو بالمس باليد بأنْ يمس أجنبية بيده، أو يقبلها أو بالمشي بالرجل إلى الزنى أو النظر أو اللمس أو الحَدِيث الحرام مع أجنبية ونحو ذلك)) (١) . وَقَالَ ابنُ مُفْلح: ((وَسُئل أبو عبد الله - أي الإمام أحمد - عن الرجل يصافح المرأة قَالَ: لا وشدّد فيه جداً، قلت: فيصافحها بثوبه؟ قَالَ: لا، والتحريمُ اختيار الشيخ تقيّ الدين (٢) ، وعلل بأنَّ الملامسة أبلغُ من النظر)) (٣) . وَقَالَ وليُّ الدين العراقيّ: ((وفيه: أنّه ﵊ لم تمس يدهُ قطّ يد امرأة غير زوجاته وما ملكت يمينه، لا في مبايعة، ولا في غيرها، وإذا لم يفعل هو ذلكَ مَعَ عصمته وانتفاء الريبة في حقه: فغيره أولى بذلك، والظاهرُ أنه كان يمتنع من ذلك لتحريمهِ عليهِ؛ فإنه لم يُعدَّ جوازه من خصائصه، وقد قَالَ الفقهاء من أصحابنا وغيرهم: إنه يحرم مس الأجنبية ولو في غير عورتها كالوجه، وإن اختلفوا في جواز النظر حيثُ لا شهوة ولا خوف فتنة، فتحريم المس آكد من تحريم النظر،

стр. 37

ومحل التحريم ما إذا لم تدع لذلك ضرورة فإن كان ضرورة كتطبيب، وفَصْد، وحجامة، وقلع ضرس، وكحل عين ونحوها مما لا يوجد امرأة تفعله جاز للرجل الأجنبي فعله للضرورة)) (١) . وللشنقيطي كلامٌ نفيسٌ في تقرير عدمِ جواز مسّ الرجلِ المرأة الأجنبية قَالَ فيه: ((اعلمْ أنَّه لا يجوزُ للرجلِ الأجنبي أنْ يصافحَ امرأةً أجنبيةً منهُ، ولا يجوزُ له أنْ يمسّ شيءٌ مِنْ بدنهِ شيئاً مِنْ بدنها، والدليلُ على ذلكَ أمورٌ: الأوَّلُ: أنّ النَّبِيّ ﷺ ثبت عنه أنه قَالَ: إِنِّي لا أُصَافِحُ النِّسَاءَ الحَدِيث، والله يقولُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب:٢١) فيلزمنا ألا نصافح النساء اقتداءً به ﷺ ... ، وكونه ﷺ لا يصافح النساء وقت البيعة دليلٌ واضحٌ عَلى أنَّ الرجلَ لا يصافح المرأة، ولا يمس شيء من بدنه شيئاً من بدنها، لأنَّ أخفَ أنواع اللمس المصافحة فإذا امتنع منها ﷺ في الوقت الذي يقتضيها وهو وقت المبايعة دلّ ذلكَ على أنها لا تجوز، وليس لأحد مخالفته ﷺ لأنه هو المشرع لأمته بأقواله وأفعاله وتقريره. الأمر الثاني: هو ما قدمنا من أنَّ المرأةَ كلها عورةٌ يجب عليها أن تحتجب، وإنما أمر بغض البصر خوف الوقوع في الفتنة، ولا شك أنَّ مسّ البدن للبدن أقوى في إثارة الغريزة، وأقوى داعيا إلى الفتنة من النظر بالعين، وكلُّ منصفٍ يعلمُ صحة ذلك. الأمر الثالث: أنَّ ذلكَ ذريعة إلى التلذذ بالأجنبية لقلة تقوى الله في هذا الزمان، وضياع الأمانة، وعدم التورع عن الريبة، وقد أخبرنا مراراً أنَّ بعضَ الأزواج من العوام يقبل أخت امرأته بوضع الفم على الفم، ويسمون ذلك التقبيل-

стр. 38

الحرام بالإجماع -: سلاماً؛ فيقولون: سلم عليها، يعنون قبلها. فالحق الذي لا شك فيه التباعد عن جميع الفتن والريب وأسبابها، ومن أكبرها لمس الرجل شيئا من بدن الأجنبية والذريعة إلى الحرام يجب سدها كما أوضحناه في غير هذا الموضع وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود: سدُّ الذرائع إلى المحرم حتم كفتحها إلى المنحتم)) (١) . تنبيهٌ: حَدِيثُ مَعْقل بنِ يسار قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : ((لأنْ يُطْعَن في رأسِ أحدكم بمخيط (٢) من حديدٍ خيرٍ لهُ مِنْ أنْ يمسّ امرأةً لا تحل له)) . أخرجه الرُّوياني في مسنده (٢/٣٢٣رقم١٢٨٣) . والطبرانيّ في المعجم الكبير (٢٠/٢١٢رقم٤٨٧) قال: حدثنا عبدان بن أحمد. كلاهما عن نصر بن علي قال: أخبرنا أبي. وأخرجه: الطبرانيّ أيضاً في المعجم الكبير (٢٠/٢١١ رقم٤٨٦) قال: حدثنا موسى بن هارون ثنا إسحاق بن راهويه أنا النضر بن شميل. كلاهما (النضر بن شميل، وعلي بن نصر) عن شداد بن سعيد، قَالَ: سمعت يزيد بن عبد الله بن الشخير يقول: سمعت معقل بن يسار ... الحَدِيث.

стр. 39

قَالَ المنذري: ((رواه الطبراني والبيهقي، ورجال الطبراني ثقات رجال الصحيح)) (١) . وَقَالَ الهيثمي: ((رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح)) (٢) . وشدادُ بنُ سعيد - هو: أبو طلحةَ الراسبي البصريّ - الأظهرُ أنّه صدوقٌ (٣) .

стр. 40

ويزيد بن عبد الله بن الشخير متفقٌ على توثيقه (١) . ولكن خَالفَ شدادَ بنَ سعيد بشيرُ بنُ عقبة -وهو ثقةٌ أخرجَ لهُ الشيخان (٢) -،فرواه عن يزيد عن معقل موقوفاً، أخرجه: ابنُ أبي شيبة في المصنف، كتاب النكاح، ما قالوا في المرأة تقبل رأس الرجل وليست منه بمحرم (٣) قَالَ: حدثنا أبو أسامة حمّاد بنُ أسامة عن بشير بن عقبة، قَالَ: حدثني يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن معقل قَالَ: ((لأنْ يعمد أحدكم إلى مخيط فيغرز به في رأسي، أحبّ إلي من أنْ تغسل رأسي امرأة ليست مني ذات محرم)) . ويظهر لي أنّ رواية بشير تعل رواية شداد، ولكن يغني عنه الأحاديث المتقدمة الدالة على المنع، والله أعلم. وقد قوّى الشيخ الألبانيُّ-﵀ الحَدِيثَ (٤) ولكن لم يذكر رواية بشير بن عقبة، والتي تدل على علة رواية شداد فيبدو أنه لم يقف عليها. ٤- المقدّمةُ الرابعةُ: لم أقفْ إلى الآن عَلَى حَدِيثٍ صحيحٍ صريحٍ في خلوة النَّبِيّ ﷺ وحدَه بامرأةٍ
следующие страницы →