Полный текст (14 757 стр.). Показаны 10431–10470 · переход к 10436.
стр. 10431
﴿يَاوَيْلَتَا﴾ [المائدة: ٣١] يا هلاكي كأن يتحسَّر على ما أصبح فيه، وأن الغراب أعقل منه، وأكثر منه خبرة؛ لكي لا نظلم هذه المخلوقات ونقول: إنها بهائم لا تَفهم، والحقيقة: ليتنا مثلهم.
قوله تعالى: ﴿مَالِ هذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩] أي: لا يترك كبيرة أو صغيرة إلا عدَّها وحسبها ﴿وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً﴾ [الكهف: ٤٩] فكل ما فعلوه مُسجَّل مُسطّر في كُتبهم ﴿وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف: ٤٩] لأنه عادل لا يؤاخذهم إلا بما عملوه.
ثم يقول الله سبحانه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ فسجدوا إِلاَّ إِبْلِيسَ ... ﴾ .
стр. 10432
تكررتْ قصة سجود الملائكة لآدم ﵇ كثيراً في القرآن الكريم، وفي كل مرة تُعطينا الآياتُ لقطةً معينة، والحق سبحانه في هذه الآية يقول لنا: يجب عليكم أنْ تذكّروا جيداً عداوة إبليس لأبيكم آدم، وتذكروا جيداً أنه أخذ العهد على نفسه أمام الله تعالى أنْ يُغويكم أجمعين، فكان يجب عليكم أن تتنبهوا لهذه العداوة، فإذا حدّثكم بشيء فاذكروا عداوته لكم.
والحق حينما يُحذّرنا من إبليس فإنه يُربِّي فينا المناعة التي نُقاومه بها، والمناعة أنْ تأتيَ بالشيء الذي يضرُّ مستقبلاً حين يفاجئك وتضعه في الجسم في صورة مكروب خامد، وهذا هو التطعيم الذي يُعوِّد الجسم على مدافعة المرض وتغلَّب عليه إذا أصابه.
فكذلك الحق سبحانه يعطينا المناعة ضد إبليس، ويُذكِّرنا ما كان
стр. 10433
منه لأبينا آدم واستكباره عن السجود له، وأن نذكر دائماً قوله: ﴿أَرَأَيْتَكَ هذا الذي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إلى يَوْمِ القيامة لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٦٢]
فانتبهوا ما دُمنا سنُسيّر الجبال، ونُسوِّي الأرض، ونحصر لكلٍّ كتابه، فاحذروا أنْ تقفوا موقفاً حرجاً يوم القيامة، ثم تُفَاجأوا بكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، وها أنا أُذكّركم من الآن في وقت السَّعة والتدارك، فحاولوا التوبة إلى الله، وأنْ تصلحوا ما بينكم وبين ربكم.
والأمر هنا جاء للملائكة: ﴿وَإِذْ قُلْنَا للملائكة. .﴾ [الكهف: ٥٠] لأنهم أشرف المخلوقات، حيث لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يُؤمَرُون. وحين يأمر الله تعالى الملائكة الذين هذه صفاتهم بالسجود لآدم، فهذا يعني الخضوع، وأن هذا هو الخليفة الذي آمُركُم أنْ تكونوا في خدمته.
لذلك سمَّاهم: المدبّرات أمراً، وقال تعالى عنهم: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله﴾ [الرعد: ١١] فكأن مهمة هؤلاء الملائكة أن يكونوا مع البشر وفي خدمتهم.
فإذا كان الحق سبحانه قد جنَّد هؤلاء الملائكة وهم أشرفُ المخلوقات لخدمة الإنسان، وأمرهم بالسجود له إعلاناً للخضوع للإنسان، فمن باب أَوْلى أن يخضع له الكون كله بسمائه وأرضه، وأن يجعلَه في خدمته، إنما ذكر أشرف المخلوقات لينسحب الحكم على مَنْ دونهم.
стр. 10434
وقلنا: إن العلماء اختلفوا كثيراً على ماهية إبليس: أهو من الجن أم من الملائكة، وقد قطعت هذه الآية هذا الخلاف وحَسَمَتْه، فقال تعالى: ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجن. .﴾ [الكهف: ٥٠] وطالما جاء القرآن بالنص الصريح الذي يُوضّح جنسيته، فليس لأحد أن يقول: إنه من الملائكة.
وما دام كان من الجن، وهم جنس مختار في أنْ يفعل أو لا يفعل، فقد اختار ألاَّ يفعل: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ. .﴾ [الكهف: ٥٠] أي: رجع إلى أصله، وخرج عن الأمر.
وقوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ.
.﴾ [الكهف: ٥٠] فهذا أمر عجيب، فكيف بعد ما حدث منه تجعلونه ولياً من دون الله الذي خلقكم ورزقكم، فكان أَوْلَى بهذه الولاية.
و ﴿وَذُرِّيَّتَهُ. .﴾ [الكهف: ٥٠] تدل على تناسل إبليس، وأن له أولاداً، وأنهم يتزاوجون، ويمكن أن نقول: ذريته: كل مَنْ كان على طريقته في الضلال والإغواء، ولو كان من الإنس، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإنس والجن يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُوراً. .﴾ [الأنعام: ١١٢]
﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ [الكهف: ٥٠] أي: بئس البدل أن تتخذوا إبليس الذي أبى واستكبر أنْ يسجدَ لأبيكم وَلياً، وتتركوا ولاية الله الذي أمر الملائكة أنْ تسجدَ لأبيكم.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ... ﴾ .
стр. 10435
إن هذا الشيطان الذي واليتموه من دون الله، وأعطيتموه الميْزة، واستمعتم إليه ما أشهدتهم خَلْق السماوات والأرض مجرد المشاهدة، لم يحضروها لأن خَلْق السماوات والأرض كان قبل خَلْقهم، وكذلك ما شَهِدوا خَلْق أنفسهم؛ لأنهم ساعة خَلْقتهم لم يكونوا موجودين، إنهم لم يشهدوا شيئاً من ذلك لكي يخبروكم.
﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً﴾ [الكهف: ٥١] أي: مساعدين ومعاونين ومساندين، فما أشهدتهم الخَلْق وما عاونوني فيه.
والعَضُد: هو القوة التي تُسعفك وتسندك، وهو مأخوذ من عَضُد الإنسان، حيث يزاول أغلب أعماله بيده، وحين يزاول أعماله بيده تتحرك فيه مجموعة من الأعضاء قَبْضاً وبَسْطاً واتجاهاً يميناً وشمالاً، وأعلى وأسفل، وكُلُّ هذه الحركات لا بُدَّ لها من مُنظِّم أو موتور هو العضد، وفي حركة اليد ودقتها في أداء مهمتها آياتٌ عُظْمى تدلُّ على دِقَّة الصَّنْعة.
وحينما صنع البشر ما يشبه الذراع واليد البشرية من الآلات الحديثة، تجد سائق البلدوزر مثلاً يقوم بعدة حركات لكي يُحرِّك هذه الآلة، أما أنت فتحرِّك يدك كما شئْتَ دون أن تعرف ماذا يحدث؟ وكيف تتم لك هذه الحركة بمجرد أن تُفكّر فيها دون جهد منك أو تدبير؟
فكل أجزائك مُسخَّرة لإرادتك، فإنْ أردتَ القيام مثلاً قمتَ على الفور؛ لذلك إياك أنْ تظن أنك خَلْق ميكانيكي، بل أنت صَنْعة ربانية بعيدة عن ميكانيكا الآلات، بدليل أنه إذا أراد الخالق سبحانه أن يُوقِف جزءاً منك أمر المخ أنْ يقطعَ صِلَته به، فيحدث الشلل التام، ولا تستطيع أنت دَفْعَه أو إصلاحه.
стр. 10436
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى في قصة موسى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ. .﴾ [القصص: ٣٥] أي: نُقوِّيك ونُعطيك السَّنَد والعَوْن.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآئِيَ الذين زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ ... ﴾ .
стр. 10437
يعني: واذْكر يا محمد، ولتذْكُرْ معك أمتك هذا اليوم: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآئِيَ الذين زَعَمْتُمْ. .﴾ [الكهف: ٥٢] يقول الحق سبحانه للكفار: ادعوا شركائي الذين اتخذتموهم من دوني. وزعمتم: أي: كذبتم في ادعائكم أنهم آلهة ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ. .﴾ [الكهف: ٥٢]
وهذا من سماجتهم وتبجُّحهم وسوء أدبهم مع الحق سبحانه، فكان عليهم أنْ يخجلوا من الله، ويعودوا إلى الحق، ويعترفوا بما كذَّبوه، لكنهم تمادَوْا ﴿فَدَعَوْهُمْ. .﴾ [الكهف: ٥٢] ويجوز أن من الشركاء أناساً دون التكليف، وأناساً فوق التكليف، فمثلاً منهم مَنْ قالوا: عيسى. ومنهم مَنْ قالوا: العزير، وهذا باطل، وهل استجابوا لهم؟
ومنهم مَنِ اتخذوا آلهة أخرى، كالشمس والقمر والأصنام وغيرها، ومنهم مَنْ عبد ناساً مثلهم وأطاعوهم، وهؤلاء كانوا موجودين معهم، ويصح أنهم دَعَوْهم ونادوهم: تعالوا، جادلوا عنّا، وأخرجونا مما نحن فيه، لقد عبدناكم وكنا طَوْعَ أمركم، كما قال تعالى عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى. .﴾ [الزمر: ٣]
ولكن، أنَّى لهم ما يريدون؟ فقد تقطعتْ بينهم الصلات، وانقطعت
стр. 10438
حجتهم ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ. .﴾ [الكهف: ٥٢] ثم جعل الحق سبحانه بين الداعي والمدعو وادياً سحيقا: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً. .﴾ [الكهف: ٥٢]
والمَوْبِق: المكان الذي يحصل فيه الهلاك، وهو وَادٍ من أودية جهنم يهلكون فيه جميعاً، أو: أن بين الداعي والمدعو مكاناً مُهْلكاً، فلا الداعي يستطيع أنْ يلوذَ بالمدعو، ولا المدعو يستطيع أنْ ينتَصرَ للداعي ويُسعفه، لأن بينهم منبعَ هلاك.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الريح فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ على ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٤] يعني: يهلكهن.
ومن العجيب أن تكون هذه أولَ إطاعة منهم لله تعالى، فلما قال لهم: ﴿نَادُواْ شُرَكَآئِيَ. .﴾ [الكهف: ٥٢] استجابوا لهذا الأمر، في حين أنهم لم يطيعوا الأوامر الأخرى.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَرَءَا المجرمون النار فظنوا أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا ... ﴾ .
стр. 10439
رأى: الرؤية: وقوع البصر على المرئيّ، والرؤية هنا مِمّن سيُعذّب في النار، وقد تكون الرؤية من النار التي ستعذبهم؛ لأنها تراهم وتنتظرهم وتناديهم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امتلأت وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] أي: هاأنا ذا أنتظرهم ومستعدة لملاقاتهم؟
والمجرمون: الذين ارتكبوا الجرائم، وعلى رأسها الكفر بالله. إذن: فالرؤية هنا متُبَادلة: المعذِّب والمعذَّب، كلاهما يرى الآخر ويعرفه.
стр. 10440
وقوله تعالى: ﴿فظنوا أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا. .﴾ [الكهف: ٥٣] الظن هنا يُراد منه اليقين. أي: أيقنوا أنهم واقعون فيها، كما جاء في قول الحق سبحانه: ﴿الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم ملاقوا رَبِّهِمْ. .﴾ [البقرة: ٤٦]
أي: يوقنون.
﴿وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفاً. .﴾ [الكهف: ٥٣] أي: في حين أن بينهما مَوْبقاً، وأيضاً لا يجدون مفرّاً يفرون منه، أو ملجأ يلجؤون إليه، أو مكاناً ينصرفون إليه بعيداً عن النار، فالمَوْبِق موجود، والمصْرِف مفقود.
ثم يقول ﵎: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هذا القرآن لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ... ﴾ .
стр. 10441
سبق أن تكلمنا عن تصريف الآيات، وقلنا: إن التصريف معناه تحويل الشيء إلى أشياء متعددة، كما يصرّف الله الرياح مثلاً، فلا تأتي من ناحية واحدة، بل تأتي مرة من هنا، ومرة من هناك، كذلك صَرّف الله الأمثال. أي: أتى بأحوال متعددة وصُور شتى منها.
والحق سبحانه يضرب الأمثال كأنه يقرع بها آذان الناس لأمر قد يكون غائباً عنهم، فيمثله بأمر واضح لهم مُحَسٍّ ليتفهموه تفهّماً دقيقاً.
وما دام أن الحق سبحانه صرّف في هذا القرآن من كل مثَل، فلا عُذْر لمن لم يفهم، فالقرآن قد جاء على وجوه شتّى ليُعلم الناس على اختلاف أفهامهم ومواهبهم؛ لذلك ترى الأمي يسمعه فيأخذ منه على قدر فَهْمه، والنصف مثقف يسمعه فيأخذ منه على قدر ثقافته، والعالم الكبير يأخذ منه على قدر علمه ويجد فيه بُغْيته، بل وأكثر
стр. 10442
من ذلك، فالمتخصص في أيِّ علم من العلوم يجد في كتاب الله أدقّ التفاصيل؛ لأن الحق سبحانه بيَّن فيه كل شيء.
ثم يقول تعالى: ﴿وَكَانَ الإنسان أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ [الكهف: ٥٤] أي: كثير الخصومة والتنازع في الرأي، والجدل: هو المحاورة ومحاولة كل طرف أن يثبت صِدْق مذهبه وكلامه، والجدل إما أن يكون بالباطل لتثبيت حجة الأهواء وتراوغ لتبرر مذهبك ولو خطأً، وهذا هو الجَدل المعيب القائم على الأهواء. وإما أن يكون الجدل بالحق وهو الجدل البنّاء الذي يستهدف الوصول إلى الحقيقة، وهذا بعيد كل البعد عن التحيّز للهوى أو الأغراض.
ولما تحدَّث القرآن الكريم عن الجدل قال تعالى: ﴿وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ. .﴾ [العنكبوت: ٤٦]
وقال: ﴿وَجَادِلْهُم بالتي هِيَ أَحْسَنُ. .﴾ [النحل: ١٢٥] «والنبي ﷺ َ لما مرَّ على عليٍّ وفاطمة ﵄ ليوقظهما لصلاة الفجر، وطرق عليهما الباب مرة بعد أخرى، ويبدو أنهما كانا مستغرقيْن في نوم عميق، فنادى عليهما ﷺ َ» ألا تصلون؟ «فردَّ الإمام علي قائلاً: يا رسول الله إن أنفسنا بيد الله، إن شاء أطلقها وإن شاء أمسكها، فضحك النبي ﷺ َ وقال: ﴿وَكَانَ الإنسان أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ » [الكهف: ٥٤]
لأن الإنسان له أهواء متعددة وخواطر متباينة، ويحاول أنْ يُدلّل على صحة أهوائه وخواطره بالحجة، فيقارع الحق ويغالط ويراوغ.
стр. 10443
ولو دققتَ في رأيه لوجدتَ له هوىً يسعى إليه ويميل إلى تحقيقه، وترى ذلك واضحاً إذا اخترتَ أحد الطرق تسلكه أنت وصاحبك مثلاً لأنه أسهلها وأقربها، فإذا به يقترح عليك طريقاً آخر، ويحاول إقناعك به بكل السُّبل، والحقيقة أن له غرضاً في نفسه وهوىً يريد الوصول إليه.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا إِذْ جَآءَهُمُ الهدى وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ ... ﴾ .
стр. 10444
ما الذي منعهم أن يؤمنوا بعد أن أنزل عليهم القرآن، وصرّفنا فيه من الآيات والأمثال، بعد أن جاءهم مطابقاً لكل الأحوال؟
وفي آية أخرى، أوضح الحق سبحانه سبب إعراضهم عن الإيمان، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرآن مِن كُلِّ مَثَلٍ فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُوراً وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنهار خِلالَهَا تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السمآء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بالله والملائكة قَبِيلاً أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ ترقى فِي السمآء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٨٩ - ٩٣]
فكُلُّ هذه التعنّتات وهذا العناد هو الذي حال بينهم وبين الإيمان بالله، والحق حينما يأتي بآية طلبها القوم، ثم
стр. 10445
لم يؤمنوا بها يُهلكهم؛ لذلك قال بعدها: ﴿إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأولين. .﴾ [الكهف: ٥٥] فهذه هي الآية التي تنتظرهم: أن تأتيهم سُنَّة الله في إهلاك مَنْ كذَّب الرسل.
فقبل الإسلام، كانت السماء هي التي تتدخل لنُصْرة العقيدة، فكانت تدكُّ عليهم قُراهم ومساكنهم، فالرسول عليه الدعوة والبلاغ، ولم يكن من مهمته دعوة الناس إلى الحرب والجهاد في سبيل نَشْر دعوته، إلا أمة محمد فقد أَمِنها على أن تحمل السيف لتُؤدِّب الخارجين عن طاعة الله.
وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ. .﴾ [الكهف: ٥٥] أي: على ما فات من المهاترات والتعنُّتات والاستكبار على قبول الحق ﴿إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأولين. .﴾ [الكهف: ٥٥] أي: بهلاك المكذبين ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ العذاب قُبُلاً. .﴾ [الكهف: ٥٥] أي مُقابِلاً لهم، وعياناً أمامهم، أو ﴿قُبُلاً﴾ جمع قبيل، وهي ألوان متعددة من العذاب، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ. .﴾ [الطور: ٤٧]
أي: لهم عذاب غير النار، فألوان العذاب لهم متعددة.
ثم يُسلِّي الحق سبحانه رسوله ﷺ َ حتى لا يأبه لعمل الكفار، ولا يهلك نفسه أَسَفاً على إعراضهم، فيقول سبحانه: ﴿وَمَا نُرْسِلُ المرسلين إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ... ﴾ .
стр. 10446
قلنا: إن الجدل قد يكون بالحق، وقد يكون بالباطل كما يفعل الذين كفروا هنا، فيجادلون بالباطل ويستخدمون كل الحِيَل لدحْضِ
стр. 10447
الحق أي: ليُعطّلوه ويزيلوه ﴿واتخذوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُواْ هُزُواً﴾ [الكهف: ٥٦] أي: الآيات الكونية التي جاءت لتصديق الرسل، وكذلك آيات القرآن، وآيات الأحكام اتخذوها سُخْرية واستهزاءً، ولم يعبأوا بما فيها من نذارة.
ولذلك قال الحق سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بآيات رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا ... ﴾ .
стр. 10448
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ. .﴾ [الكهف: ٥٧] جاء الخبر على صورة الاستفهام لتأكيد الكلام، كأنْ يدَّعي صاحبك أنك لم تصِلْه، ولم تصنع معه معروفاً، فمن الممكن أن تقول له: صنعتُ معك كذا وكذا على سبيل الخبر منك، والخبر يحتمل الصدق ويحتمل الكذب.
إنما لو عرضْتَ المسألة على سبيل الاستفهام فقُلْتَ له: ألم أصنع معك كذا؟ فسوف تجتذب منه الإقرار بذلك، وتقيم عليه الحجة من كلامه هو، وأنت لا تستفهم عن شيء من خَصْم إلا وأنت واثق أن جوابه لا يكون إلا بما تحب.
وهكذا أخرج الحق سبحانه الخبر إلى الاستفهام: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بآيات رَبِّهِ. .﴾ [الكهف: ٥٧] ؟ وترك لنا الجواب لنقول نحن: لا أحدَ أظلمُ ممَّنْ فعل ذلك، والإقرار سيد الأدلة.
стр. 10449
وقوله ﴿فَأَعْرَضَ عَنْهَا. .﴾ [الكهف: ٥٧] تركها ﴿وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ. .﴾ [الكهف: ٥٧] نسى السيئات، وكان من الواجب أن ينتبه إلى هذه الآيات فيؤمن بها، لعل الله يتوب عليه بإيمانه، فيُبدِّل سيئاته حسنات.
ثم يقول تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ. .﴾ [الكهف: ٥٧]
أكنة: أغطية جمع كِنّ، فجعل الله على قلوبهم أغطية، فلا يدخلها الإيمان، ولا يخرج منها الكفر، وليس هذا اضطهاداً منه تعالى لعباده، تعالى الله عن ذلك، بل استجابة لما طلبوا وتلبية لما أحبُّوا، فلما أحبُّوا الكفر وانشرحتْ به صدورهم زادهم منه؛ لأنه رَبٌّ يعطي عبده ما يريد.
كما قال عنهم في آية أخرى: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ الله مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠]
وقال تعالى في هذا المعنى: ﴿خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧]
ومعنى ﴿أَن يَفْقَهُوهُ. .﴾ [الكهف: ٥٧] أي: يفهموه، يفهموا آيات الله؛ لأنهم سبق أنْ ذُكِّرُوا بها فأعرضوا عنها، فحرَمهم الله فقهها وفهمها.
وقوله تعالى: ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً. .﴾ [الكهف: ٥٧] أي: صمم فلا يسمعون ﴿وَإِن تَدْعُهُمْ إلى الهدى فَلَنْ يهتدوا إِذاً أَبَداً﴾ [الكهف: ٥٧] وهذا أمر طبيعي، بعد أن ختم الله على قلوبهم وعلى أسماعهم، وسد عليهم منافذ العلم والهداية؛ لأن الهدى ناشئ من أن تسمع كلمة الحق، فيستقبلها قلبك بالرضا، فتنفعل لها جوارحك بالالتزام،
стр. 10450
فتسمع بالأذن، وتقبل بالقلب، وتنفعل بالجوارح طاعةً والتزاماً بما أُمِرَتْ به.
وما دام في الأذن وَقْر وصَمَمٌ فلن تسمع، وإنْ سمعتْ شيئاً أنكره القلب، والجوارح لا تنفعل إلا بما شُحِن به القلب من عقائد.
ويقول الحق سبحانه: ﴿وَرَبُّكَ الغفور ذُو الرحمة ... ﴾ .
стр. 10451
فمن رحمة الله بالكفار أنه لم يعاجلهم بعذاب يستأصلهم، بل أمهلهم وتركهم؛ لأن لهم موعداً لن يهربوا منه، ولن يُفلِتوا، ولن يكون لهم مَلْجأ يحميهم منه، ولا شكَّ أن في إمهالهم في الدنيا حكمة لله بالغة، ولعل الله يُخرِج من ظهور هؤلاء مَنْ يؤمن به، ومَنْ يحمل راية الدين ويدافع عنه، وقد حدث هذا كثيراً في تاريخ الإسلام، فمِنْ ظَهْر أبي جهل جاء عكرمة، وأمهل الله خالد بن الوليد، فكان أعظمَ قائد في الإسلام.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَتِلْكَ القرى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ ... ﴾ .
стр. 10452
تلك: أداة إشارة لمؤنث هي القرى، والكاف للخطاب، والخطاب هنا للنبي ﷺ َ، وأمتُه مُنْضوية في خطابه؛ لأن خطابَ الرسول
стр. 10453
خطاب لأمته. لكن الإشارة لا تكون إلا لشيء معلوم موجود مُحَسٍّ، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى﴾ [طه: ١٧]
فأين هذه القُرَى؟ وهل كان لها وجود على عهد النبي ﷺ َ؟
نعم، كان لهذه القرى آثار وأطلال تدل عليها ويراها النبي ﷺ َ ويراها الناس في رحلاتهم إلى الشام وغيرها مثل: قُرَى ثمود قوم صالح، وقرى قوم لوط، وقد قال تعالى عنها: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وباليل أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧ - ١٣٨]
إذن: فتلك إشارة إلى موجود مُحَسٍّ دَالٍّ بما تبقّى منه على ما حاق بهذه القرى من عذاب الله، وما حلَّ بها من بَأْسِه الذي لا يُرَدُّ عن القوم الظالمين.
وكلمة ﴿القرى﴾ جمع قرية، وتُطلَق على المكان الذي تتوفّر فيه مُقوِّمات الحياة وضرورياتها، بل بها ما يزيد على الضروريات ومُقوّمات الحياة العادية؛ لأن القرية لا تُطلَق إلا على مكان تتسع فيه مُقوِّمات الحياة اتساعاً يكفي لمن يطرأ عليها من الضيوف فيجد بها قِرَى. فإنْ كانت قرية كبيرة يأتيها الرزق الوفير من كل مكان كأنها أُمٌّ، نسميها (أم القرى) .
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ موسى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حتى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البحرين ... ﴾ .
стр. 10454
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ موسى لِفَتَاهُ. .﴾ [الكهف: ٦٠] أي: اذكر يا محمد وقت أنْ قال موسى لفتاه، وفتى موسى هو خادمه يوشع ابن نون، وكان من نَسْل يوسف ﵇ وكان يتبعه ويخدمه ليتعلم منه.
﴿لا أَبْرَحُ حتى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البحرين. .﴾ [الكهف: ٦٠]
لكن، ما حكاية موسى مع فتاه؟ وما مناسبتها للكلام هنا؟
مناسبة قصة موسى هنا أن كفار مكة بعثوا ليهود المدينة يسألونهم عن خبر النبي ﷺ َ؛ لأنهم أهل كتاب وأعلم بالسماء، فأرادوا رأيهم في محمد: أهو مُحِقٌّ أم لا؟ فقال اليهود لوفد مكة: اسألوه عن ثلاثة أشياء، فإن أجابكم فهو نبي: اسألوه عن الفتية الذين ذهبوا في الدهر، والرجل الطواف الذي طاف البلاد، وعن الروح، فما كان منهم إلا أن سألوا رسول الله هذه الأسئلة، فقال لهم: «في الغد أجيبكم» .
إذن: إجابة هذه الأسئلة ليست عنده، وهذه تُحسَب له لا عليه، فلو كان محمد ﷺ َ يضرب الكلام هكذا دون علم لأجابهم، لكنه سكت إلى أن يأتي الجواب من الله تعالى، وهذا من أدبه ﷺ َ مع ربه الذي أدبه فأحسن تأديبه.
ومرَّتْ خمسة عشر يوماً دون أن يُوحَى لرسول الله في ذلك شيء، حتى شق الأمر عليه، وفرح الكفار والمنافقون؛ لأنهم وجدوا على رسول الله مأخذاً فاهتبلوا هذه الفرصة لينددوا برسول الله، إنما أدب الله لرسوله فوق كل شيء ليبين لهم أن رسول الله لن يتكلم في
стр. 10455
هذه المسألة إلا بوحي من الله؛ لأنه لا ينطق عن الهوى ولا يصدر عن رأيه.
ولو كان لهؤلاء القوم عقول لفهموا أن البُطْءَ في هذه المسألة دليلُ صِدق النبي ﷺ َ؛ لذلك جاءت قصة موسى هنا لتردَّ على مهاترات القوم، وتُبيِّن لهم أن النبي لا يعلم كل شيء، وهل المفروض فيه أن يجيبكم عن كل شيء؟ وهل يقدح في مكانته أنه لا يعرف مسألة ما؟
جاءت هذه الآيات لتقول لليهود ومَنْ لَفَّ لَفَّهم من كفار مكة: أنتم متعصبون لموسى وللتوراة ولليهودية، وهاهو موسى يتعلم ليس من الله، بل يتعلم من عبد مثله، ويسير تابعاً له طلباً للعلم.
جاءت الآيات لتقول لهم: يا مَنْ لقنتم كفار مكة هذه الأسئلة وأظهرتم الشماتة بمحمد حينما أبطأ عليه الوحي، اعلموا أن إبطاء الوحي لتعلموا أن محمداً لا يقول شيئاً من عند نفسه، فكان من الواجب أنْ تلفتكم هذه المسألة إلى صدق محمد وأمانته، وما هو على الغيب بضنين.
وسبب قصة موسى ﵇ يُقال: إنه سأل الله وكان له دلال على ربه:
﴿رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ. .﴾ [الأعراف: ١٤٣] والذي أطمعه في هذا المطلب أن الله كلَّمه: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى﴾ [طه: ١٧] فأطال موسى الكلام مع ربه، ومَنْ الذي يكلمه الله ولا يطيل أمد الأُنْس بكلام الله؟ لذلك قال موسى: ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أخرى﴾ [طه: ١٨]
стр. 10456
وهكذا أطال موسى مدة الأنس بالله والحديث معه سبحانه، لذلك سأله: يا ربّ، أيوجد في الأرض أعلم مني؟ فأجابه ربُّه ﵎: نعم في الأرض مَنْ هو أعلم منك، فاذهب إلى مجمع البحرين، وهناك ستجد عبداً من عبيدي هو أعلم منك، فأخذ موسى فتاه وذهب إلى مَجْمع البحرين.
وقد ورد في حديث رسول الله ﷺ َ أن موسى ﵇ خطب مرة فسُئِل: مَنْ أعلم؟ فقال: أنا يعني من البشر، فأخبره الله تعالى: لا بل في الأرض من هو أعلم منك من البشر حتى لا يغتَرَّ موسى ﵇ بما أعلمه الله.
ثم يقول تعالى: ﴿لا أَبْرَحُ حتى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البحرين﴾ [الكهف: ٦٠]
لا أبرح: أي لا أترك، والبعض يظن أن لا أبرح تعني: لا أترك مكاني الذي أنا فيه، لكنها تعني: لا أترك ما أنا بصدده، فإنْ كنتُ قاعداً لا أترك القعود، وإنْ كنتُ ماشياً لا أترك المشي، وقد قال موسى ﵇ هذا القول وهو يبتغي بين البحرين، ويسير متجهاً إليه، فيكون المعنى: لا أترك السير إلى هذا المكان حتى أبلغ مجمع البحرين.
وقد وردت مادة (برح) في قوله تعالى في قصة يوسف ﵇: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأرض حتى يَأْذَنَ لي أبي. .﴾ [يوسف: ٨٠] قالها كبيرهم بعد أن أخذ يوسف أخاه بنيامين ومنعه من الذهاب معهم، فهنا استحى الأخ الأكبر من مواجهة أبيه الذي أخذ عليهم العهد والميثاق أنْ يأتوا به ويُعيدوه إليه.
стр. 10457
و «مجْمَع البحرين» أي: موضع التقائهما، حيث يصيران بحراً واحداً، كما يلتقي مثلاً دجلة والفرات في شَطِّ العرب.
وقوله: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً﴾ [الكهف: ٦٠]
الحُقُب: جمع حِقْبة، وهي الفترة الطويلة من الزمن، وقد قدَّروها بحوالي سبعين أو ثمانين سنة، فإذا كان أقل الجمع ثلاثة، فمعنى ذلك أن يسير موسى ﵇ مائتين وعشرة سنين، على اعتبار أن الحِقْبة سبعون سنة.
ويكون المعنى: لا أترك السير إلى هذا المكان ولو سِرْتُ مائتين وعشرة سنين؛ لأن موسى ﵇ كان مَشُوقاً إلى رؤية هذا الرجل الأعلم منه، كيف وهو النبي الرسول الذي أوحى الله إليه؛ لذلك أخبره ربه أن عِلْم هذا الرجل علم من لدنا، علم من الله لا من البشر.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا ... ﴾ .
стр. 10458
﴿بَلَغَا﴾ أي: موسى وفتاه ﴿مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾ أي: مجمع البحرين ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ أي: حدث النسيان منهما معاً، وإنْ كان حمل الحوت منوطاً بفتى موسى وقد نسيه، فكان على موسى أنْ يُذكِّره به، فرئيس القوم لا بُدَّ أن يتنبه لكل جزئية من جزئيات الرَّكْب، وكانت العادة أنْ يكون هو آخر المبارحين للمكان ليتفقده وينظر لعل واحداً نسى شيئاً، إذن: كان على موسى أن يعقب ساعة قيامهم لمتابعة السير، ويُذكِّر فتاهُ بما معهم من لوازم الرحلة.
стр. 10459
والحوت: نوع من السمك معروف، وفي بعض البلاد يُطلِقون على كل سمك حُوتاً، وقد أعدُّوه للأكل إذا جاعوا أثناء السير، وكان الفتى يحمله وهو مشوي في مكتل.
وقوله تعالى: ﴿فاتخذ سَبِيلَهُ فِي البحر سَرَباً﴾ [الكهف: ٦١] أي: خرج الحوت المشوي من المكتل، وتسرَّب نحو البحر، والسَّرَب: مثل النفق أو السرداب، أو هو المنحدر، كما نقول: تسرب الماء من القِرْبة مثلاً؛ ذلك لأن مستوى الماء في القِرْبة أعلى فيتسرَّب منها، وهذه من عجائب الآيات أن يقفز الحوت المشويّ، وتعود له الحياة، ويتوجّه نحو البحر؛ لأنه يعلم أن الماء مسكنه ومكانه.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُءَاتِنَا غَدَآءَنَا ... ﴾ .
стр. 10460
أي: جاوزا في سيرهما مجمع البحرين ومكان الموعد، قال موسى ﵇ لفتاه: أحضر لنا الغداء فقد تعبنا من السفر، والنَّصَب: هو التعب.
فمعنى ذلك أنهما سارا حتى مجمع البحرين، ثم استراحا، فلما جاوزا هذا المكان بدا عليهما الإرهاق والتعب؛ لذلك طلب موسى الطعام. وهنا تذكَّر الفتى ما كان من نسيان الحوت.
стр. 10461
هذا كلام فتى موسى: أرأيت: أخبرني إِذْ لجأنا إلى الصخرة عند مَجْمع البحرين لنستريح ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الحوت. .﴾ [الكهف: ٦٣] ونلحظ أنه قال هنا ﴿نَسِيتُ﴾ وقال في الآية السابقة ﴿نَسِيَا. .﴾ [الكهف: ٦١] ذلك لأن الأولى إخبار من الله، والثانية كلام فتى موسى.
فكلام الله ﵎ يدلُّنا على أن رئيساً متبوعاً لا يترك تابعه ليتصرف في كل شيء؛ لأن تابعه قد لا يهمه أمر المسير في شيء، وقد ينشغل ذِهْنه بأشياء أخرى تُنسِيه ما هو منُوط به من أمر الرحلة.
ثم يعتذر الفتى عما بَدَر منه من نسيان الحوت، ويقول: ﴿وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشيطان أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣] فالشيطان هو الذي لعب بأفكاره وخواطره حتى أنساه واجبه، وأنساه ذكْر الحوت.
وقوله تعالى: ﴿واتخذ سَبِيلَهُ فِي البحر عَجَباً﴾ [الكهف: ٦٣] أي: اتخذ الحوتُ طريقه في البحر عَجَباً، في الآية السابقة قال: ﴿سَرَباً﴾ [الكهف: ٦١] وهذه حال الحوت، وهنا يقول ﴿عَجَباً﴾ لأنه يحكي ما حدث ويتعجب منه، وكيف أن الحوت المشويّ تدبّ فيه الحياة حتى يقفز من المكتل، ويتجه صَوْبَ الماء، فهذا حقاً عجيبة من العجائب؛ لأنها خرجتْ عن المألوف.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ. .﴾ .
стр. 10462
أي: قال موسى ﵇ ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ. .﴾ [الكهف: ٦٤] أي: نطلب، فهذا المكان الذي فُقِد فيه الحوت هو المكان المراد، فكأن الحوت كان أعلم بالموعد من موسى، وهكذا عُرف
стр. 10463
عنوان المكان، وهو مَجْمع البحرين، حتى يلتقي البحران فيصيران بحراً واحداً.
وهذه الصورة لا توجد إلاَّ في مسرح بني إسرائيل في سيناء. وهناك خليج العقبة وخليج السويس، ويلتقيان في بحر واحد عند رأس محمد.
ثم يقول تعالى: ﴿فارتدا على آثَارِهِمَا قَصَصاً﴾ [الكهف: ٦٤] أي: عادا على أثر الأقدام كما يفعل قَصَّاصُو الأثر، ومعنى: ﴿قَصَصاً﴾ [الكهف: ٦٤] أي: بدقة إلى أنْ وصلاَ إلى المكان الذي تسرَّب فيه الحوت، وهو الموعد الذي ضربه الله تعالى لموسى ﵇ حيث سيجد هناك العبد الصالح.
ثم يقول الحق ﵎: ﴿فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ ءاتيناه رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا ... ﴾ .
стр. 10464
سبق أن تحدثنا عن العبودية، فإنْ كانت لله تعالى فهي العزّ والشرف، وإنْ كانت لغير الله فهي الذلُّ والهوان، وقلنا: إن النبي ﷺ َ لم يأخذ حَظْوة الإسراء والمعراج إلا لأنه عبد لله، كما قال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ. .﴾ [الإسراء: ١]
كما أن العبودية لله يأخذ فيه العبد خَيْر سيده، أما العبودية للبشر فيأخذ السيد خَيْر عبده.
стр. 10465
ثم وصف الحق سبحانه هذا العبد الصالح، فقال: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا. .﴾ [الكهف: ٦٥] وقد تكلم العلماء في معنى الرحمة هنا، فقالوا: الرحمة وردتْ في القرآن بمعنى النبوة، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]
فكان رَدُّ الله عليهم: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ. .﴾ [الزخرف: ٣٢]
أي: النبوة، ومطلق الرحمة تأتي على يد جبريل ﵇ وعلى يد الرسل، أما هذه الرحمة، فمن عندنا مباشرة دون واسطة الملَك؛ لذلك قال تعالى: ﴿آتَيْنَاهُ. .﴾ [الكهف: ٦٥] نحن، وقال: ﴿مِّنْ عِندِنَا. .﴾ [الكهف: ٦٥]
فالإتيان والعندية من الله مباشرة.
ثم يقول بعدها: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً. .﴾ [الكهف: ٦٥] أي: من عندما لا بواسطة الرسل: لذلك يسمونه العلم اللدني، كأنه لا حرجَ على الله تعالى أن يختار عبداً من عباده، ويُنعِم عليه بعلم خاص من وراء النبوة.
إذن: علينا أنْ نُفرِّق بين علم وفيوضات تأتي عن طريق الرسول وتوجيهاته، وعلم وفيوضات تأتي من الله تعالى مباشرة لمن اختاره من عباده؛ لأن الرسول يأتي بأحكام ظاهرية تتعلق بالتكاليف: افعل كذا ولا تفعل كذا، لكن هناك أحكام أخرى غير ظاهرية لها عِلَل باطنة فوق العِلل الظاهرية، وهذه هي التي اختصَّ الله بها هذا العبد الصالح (الخضر) كما سماه النبي ﷺ َ.
والدليل على ذلك أن النبي يأتي بأحكام تُحرّم القتل وتحرم إتلاف مال الغير، فأتى الخضر وأتلف السفينة وقتل الغلام، وقد اعترض موسى ﵇ على هذه الأعمال؛ لأنه لا عِلْم َله بعلتها، ولو أن موسى ﵇ علم العلّة في خَرْق السفينة لبادر هو إلى خرقها.
стр. 10466
إذن: فعلم موسى غير علم الخضر؛ لذلك قال له: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً وَكَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ [الكهف: ٦٧ - ٦٨]
فهذا عِلْم ليس عندك، فعِلْمي من كيس الولاية، وعلمك من كيس الرسل، وهما في الحقيقة لا يتعارضان، وإنْ كان لعلم الولاية عِلَل باطنة، ولعلم الرسالة عِلَل ظاهرة.
ثم يقول تعالى: ﴿قَالَ لَهُ موسى هَلْ أَتَّبِعُكَ ... ﴾ .
стр. 10467
كأن موسى ﵇ يُعلِّمنا أدب تلقّي العلم وأدب التلميذ مع معلمه، فمع أن الله تعالى أمره أن يتبع الخضر، فلم يقُل له مثلاً: إن الله أمرني أن أتبعك، بل تلطّف معه واستسمحه بهذا الأسلوب: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ. .﴾ [الكهف: ٦٦]
والرشد: هو حُسْن التصرّف في الأشياء، وسداد المسلك في علة ما أنت بصدده، وسبق أن قلنا: إن الرُّشْد يكون في سنِّ البلوغ، لكن لا يعني هذا أن كل مَنْ بلغ يكون راشداً، فقد يكون الإنسان بالغاً وغير راشد، فقد يكون سفيهاً.
لذلك لما تكلم الحق سبحانه عن اليتامى قال: ﴿وابتلوا اليتامى﴾ [النساء: ٦] أي: اختبروهم، واختبار اليتيم يكون حال يُتْمه وهو ما يزال في كفالتك، فعليك أنْ تكلّفه بعمل لإصلاح حاله، وتعطيه جزءاً من ماله يتصرَّف فيه تحت عينك وفي رعايتك، لترى كيف سيكون تصرفه.
стр. 10468
عليك أنْ تحرص على تدريبه لمواجهة الحياة، لا أن تجعله في مَعْزل عنها إلى أنْ يبلغَ الرشْد، ثم تدفع إليه بماله فلا يستطيع التصرف فيه لعدم خبرته، وإنْ فشل كانت التجربة في ماله والخسارة عليه.
إذن: فاختبار اليتيم يتمُّ وهو ما يزال في ولايتك، وتحت سمعك وبصرك رعاية لحقه. ﴿حتى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ. .﴾ [النساء: ٦] وهو سن البلوغ، ولم يقُلْ بعدها: فادفعوا إليهم أموالهم؛ لأن بعد البلوغ شرطاً آخر ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً. .﴾ [النساء: ٦] فعلى الوصيّ أنْ يُراعِيَ هذا الترتيب:
أنْ تُراعي اليتيم وهو تحت ولايتك، وتدفع به في مُعْتَرك الحياة وتجاربها حتى يتمكن من مواجهة الحياة ولا يتخبط في ماله لعدم تجربته وخبرته، فإن علمت رشده بعد البلوغ فادفع إليه بماله ليتصرف فيه، فإن لم تأنس منه الرشد وحسن التصرف فلا تترك له المال يبدده بسوء تصرفه. لذلك يقول تعالى في هذا المعنى: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السفهآء أَمْوَالَكُمُ. .﴾ [النساء: ٥] ولم يقُلْ: أموالهم؛ لأن السفيه لا مالَ له حال سَفَهه، بل هو مالكم لِتُحسِنوا التصرف فيه وتحفظوه لصاحبه لحين تتأكد من رُشْده.
إذن: فالرشد الذي طلبه موسى من العبد الصالح هو سداد التصرف والحكمة في تناول الأشياء، لكن هل يعني ذلك أن موسى ﵇ لم يكن راشداً؟ لا، بل كان راشداً في مذهبه هو كرسول، راشداً في تبليغ الأحكام الظاهرية.
أما الرشد الذي طلبه فهو الرشد في مذهب العبد الصالح، وقد دلّ هذا على أنه طلب شيئاً لم يكن معلوماً له، وهذا لا يقدح في
стр. 10469
مكانة النبوة؛ لأن الحق قال: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٨٥] وقال للنبي ﷺ َ: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه: ١١٤]
لذلك يقول الشاعر:
كُلّما ازْدَدْتُ عُلوماً ... زِدْتُ إيقَانَاً بجْهلي
لأن معنى أنه ازداد عِلْماً اليوم أنه كان ناقصاً بالأمس، وكذلك هو ناقص اليوم ليعلمَ غداً.
والإنسان حينما يكون واسعَ الأفق محباً للعلم، تراه كلما عَلِم قضية اشتاق لغيرها، فهو في نَهمٍ دائم للعلم لا يشبع منه، كما قال ﷺ َ: «منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب مال» .
والشاعر الذي تنَّبه لنفسه حينما دَعَتْه إلى الغرور والكبرياء والزَّهْو بما لديه من علم قليل، إلا أنه كان متيقظاً لخداعها، فقال:
قالتِ النفْسُ قَدْ علِمْتُ كَثِيراً ... قُلْتُ هَذَا الكثيرُ نَزْعٌ يسيِرُ
ثم جاء بمثل توضيحي:
تمْلأُ الكُوزَ غَرْفَةٌ من مُحيِط ... فَيَرى أنَّهُ المحيطُ الكَبيِرُ
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ .
стр. 10470
هنا يبدأ العبد الصالح يُملي شروط هذه الصُّحْبة ويُوضّح لموسى ﵇ طبيعة عِلْمه ومذهبه، فمذهبُك غير مذْهبي، وعلمي من كيس غير كيسك، وسوف ترى مني تصرفات لن تصبر عليها؛
следующие страницы →