← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 10501–10540 · переход к 10506.

стр. 10501

مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ. .﴾ [الإسراء: ٨٢] فقوله: شفاء: أي: يشفي داءً موجوداً ويُبرِئه. ورحمة: أي رحمة تمنع عودة الداء مرة أخرى. وكذلك ما حدث لهذين الغلامين، كان رحمة من الله لحماية مالهما وحِفْظ حقِّهما، ثم لم يَفُتْ العبد الصالح أنْ يُرجِع الفضل لأهله، وينفي عن نفسه الغرور بالعلم والاستعلاء على صاحبه، فيقول: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي. .﴾ [الكهف: ٨٢] أي: أن ما حدث كان بأمر الله، وما علَّمتك إياه كان من عند الله، فليس لي مَيْزة عليك، وهذا درس في أَدب التواضع ومعرفة الفضْل لأهله. ثم يقول: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً﴾ [الكهف: ٨٢] تأويل: أي إرجاع الأمر إلى حقيقته، وتفسير ما أشكل منه. بعد ذلك تنتقل الآيات إلى سؤال آخر من الأسئلة الثلاثة التي سألها كفار مكة لرسول الله بإيعاز من اليهود، وهو السؤال عن الرجل الطَّواف الذي طاف البلاد: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القرنين. .﴾ .

стр. 10502

ذو القرنين: هذا لقبه؛ لأنه ربما كان في تكوينه ذا قرنين، أو

стр. 10503

يلبس تاجاً له اتجاهان؛ أو لأنه بلغ قرني الشمس في المشرق وفي المغرب. وقد بحث العلماء في: مَنْ هو ذو القرنين؟ فمنهم مَنْ قال: هو الإسكندر الأكبر المقدوني الطواف في البلاد، لكن الإسكندر الأكبر كان في مقدونيا في الغرب، وذو القرنين جاب المشرق والمغرب مما دعا عالماً محققاً من علماء الهند هو: أبو الكلام آزاد وزير المعارف الهندي إلى القول بأنه ليس هو الإسكندر الأكبر، بل هو قورش الصالح، وهذه رحلته في الشرق والغرب وبين السدين، كما أن الإسكندر كان وثنياً، وكان تلميذاً لأرسطو، وذو القرنين رجل مؤمن كما سنعرف من قصته. وعلى العموم، ليس من صالح القصة حَصْرها في شخص بعينه؛ لأن تشخيص حادثة القصة يُضعِف من تأثيرها، ويصبغها بِصبْغة شخصية لا تتعدى إلى الغير فنرى مَنْ يقول بأنها مسألة شخصية لا تتكرر. إذن: لو جاء العلم في ذاته سنقول: هذه الحادثة أو هذا العَمَل خاص بهذا الشخص، والحق يريد أن يضرب لنا مثلاً يعُمُّ أي شخص، ماذا سيكون مَسْلكه وتصرّفه إنْ مكَّنَ الله له ومنحه الله قوة وسلطة؟ ولو حددَ القرآن هذه الشخصية في الإسكندر أو قورش أو غيرهما لَقُلْنَا: إنه حَدث فرديّ لا يتعدى هذا الشخص، وتنصرف النفس عن الأُسْوة به، وتفقد القصة مغزاها وتأثيرها. ولو كان في تعيينه فائدة لَعيَّنه الله لَنَا. وسبق أنْ أوضحنا أن الحق سبحانه عندما ضرب مثلاً للذين

стр. 10504

كفروا، قال: ﴿امرأت نُوحٍ وامرأت لُوطٍ. .﴾ [التحريم: ١٠] ولم يُعيّنهما على التحديد؛ لأن الهدف من ضرب المثل هنا بيان الرسول المرسَل من الله لهداية الناس لم يتمكّن من هداية زوجته وأقرب الناس إليه؛ لأن الإيمان مسألة شخصية، لا سيطرة فيها لأحد على أحد. وكذلك لما ضرب الله مثلاً للذين آمنوا قال: ﴿امرأت فِرْعَوْنَ. .﴾ [التحريم: ١١] ففرعون الذي أضَلَّ الناس وادَّعى الألوهية زوجته مؤمنة، وكأن الحق سبحانه يُلمِّح للناس جميعاً أن رأيك في الدين وفي العقائد رَأْي ذاتي، لا يتأثر بأحد أيّاً كان، لا في الهداية بنبي، ولا في الغواية بأضلِّ الضالين الذي ادعى الألوهية. وهكذا يحفظ الإسلام للمرأة دورها وطاقتها ويحترم رأيها. إذن: الحق أتى بهذه القصة غير مُشخّصة لتكون نموذجاً وأُسْوة يحتذي بها كل أحد، وإلاَّ لو شخصتْ لارتبطتْ بهذا الشخص دون غيره، أما حينما تكلم الحق سبحانه عن مريم فنراه يحددها باسمها، بل واسم أبيها؛ ذلك لأن ما سيحدث لمريم مسألة خاصة بها، ولن تحدث بعدها أبداً في بنات آدم، لذلك عيَّنها وشخَّصها؛ لأن التشخيص ضروري في مثل هذا الموقف. أما حين يترك المثل أو القصة دون تشخيص، فهذا يعني أنها صالحة لأنْ تتكرر في أيّ زمان أو في أيّ مكان، كما رأينا في قصة أهل الكهف، وكيف أن الحق سبحانه أبهمهم أسماءً، وأبهمهم مكاناً وأبهمهم زماناً، وأبهمهم عدداً، ليكونوا أُسْوة وقُدْوة للفتيان المؤمنين في أيِّ زمان، وفي أيِّ مكان، وبأيِّ عدد. وقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القرنين. .﴾ [الكهف: ٨٣]

стр. 10505

نلاحظ أن مادة السؤال لرسول الله ﷺ َ في القرآن أخذتْ حيِّزاً كبيراً فيه، فقد ورد السؤال للنبي من القوم ست عشرة مرة، إحداها بصيغة الماضي في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ. .﴾ [البقرة: ١٨٦] وخمس عشرة مرة بصيغة المضارع، كما في: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهلة. .﴾ [البقرة: ١٨٩] وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ. .﴾ [البقرة: ٢١٥] ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام قِتَالٍ فِيهِ. .﴾ [البقرة: ٢١٧] ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر. .﴾ [البقرة: ٢١٩] ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العفو﴾ [البقرة: ٢١٩] ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليتامى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ. .﴾ [البقرة: ٢٢٠] ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المحيض. .﴾ [البقرة: ٢٢٢] ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ. .﴾ [المائدة: ٤] ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الساعة﴾ [الأعراف: ١٨٧] ثلاث مرات، [النازعات: ٤٢] ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال. .﴾ [الأنفال: ١] ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح. .﴾ [الإسراء: ٨٥] ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القرنين. .﴾ [الكهف: ٨٣] ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجبال فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً. .﴾ [طه: ١٠٥] خمسة عشر سؤالاً بالمضارع، إلا أن الجوابَ عليها مختلف،

стр. 10506

وكلها صادرة عن الله الحكيم، فلا بُدَّ أنْ يكون اختلاف الجواب في كل سؤال له مَلْحظ، ومن هذه الأسئلة ما جاء من الخصوم، ومنها ما سأله المؤمنون، السؤال من المؤمنين لرسول الله وقد نهاهم أنْ يسألوه حتى يهدأوا إلحاحٌ منهم في معرفة تصرُّفاتهم وإنْ كانت في الجاهلية، إلا أنهم يريدون أنْ يعرفوا رأي الإسلام فيها، فكأنهم نَسُوا عادات الجاهلية ويرغبون في أن تُشرَّع كل أمورهم على وَفْق الإسلام. وبتأمّل الإجابة على هذه الأسئلة تجد منها واحدةً يأتي الجواب مباشرة دون ﴿قُلْ﴾ وهي في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع. .﴾ [البقرة: ١٨٦] وواحدة وردتْ مقرونة بالفاء ﴿فَقُلْ﴾ وهي قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجبال فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً. .﴾ [طه: ١٠٥] وباقي الأسئلة وردت الإجابة عليها بالفعل ﴿قُلْ﴾ ، فما الحكمة في اقتران الفعل بالفاء في هذه الآية دون غيرها؟ قالوا: حين يقول الحق سبحانه في الجواب ﴿قُلْ﴾ فهذه إجابة على سؤال سُئِلَهُ رسول الله بالفعل، أي: حدث فعلاً منهم، أما الفاء فقد أتتْ في الجواب على سؤال لم يُسأله، ولكنه سيُسأله مستقبلاً. فقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجبال. .﴾ [طه: ١٠٥] سؤال لم يحدث بَعْد، فالمعنى: إذا سألوك فَقُلْ، وكأنه احتياط لجواب عن سؤال سيقع. فإذا قُلْتَ: فما الحكمة في أنْ يأتي الجواب في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ. .﴾ [البقرة: ١٨٦] خالياً من: قُلْ أو فَقُلْ: مع أن ﴿إِذَا﴾ تقتضي الفاء في جوابها؟ نقول: لأن السؤال هنا عن الله تعالى، ويريد أنْ يُجيبهم عليه بانتفاء الواسطة من أحد؛ لذلك تأتي الإجابة

стр. 10507

مباشرة دون واسطة: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ. .﴾ [البقرة: ١٨٦] قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القرنين. .﴾ [الكهف: ٨٣] أي: عن تاريخه وعن خبره والمهمة التي قام بها: ﴿قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً﴾ [الكهف: ٨٣] وأيُّ شرف بعد هذا الشرف، إن الحق ﵎ يتولّى التأريخ لهذا الرجل، ويُؤرّخ له في قرآنه الكريم الذي يُتلَى ويُتعبَّد به إلى يوم القيامة والذي يُتحدّى به، ليظل ذِكْره باقياً بقاء القرآن، خالداً بخلوده، يظل أثره فيما عمل أُسْوة وقُدْوة لمن يعمل مثله. إنْ دَلَّ على شيء فإنما يدلُّ على أن العمل الصالح مذكور عند الله قبل أنْ يُذكَرَ عند الخلق. فأيُّ ذكْر أبقى من ذكر الله لخبر ذي القرنين وتاريخه؟ و ﴿مِّنْهُ﴾ أي: بعضاً من ذِكْره وتاريخه، لا تاريخه كله. وكلمة (ذِكْر) وردت في القرآن الكريم بمعان متعددة، تلتقي جميعها في الشرف والرفعة، وفي التذكُّر والاعتبار. وإنْ كانت إذا أُطلقتْ تنصرف انصرافاً أولياً إلى القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وبعد ذلك تُستعمل في أيّ كتاب أنزله الله تعالى من الكتب السابقة، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ فاسألوا أَهْلَ الذكر إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] وقد يُطلَق الذكر على ما يتبع هذا من الصِّيت والشرف والرفعة وتخليد الاسم، كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ. .﴾ [الأنبياء: ١٠]

стр. 10508

وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ. .﴾ [الزخرف: ٤٤] أي: صيت حَسَن وشرف ورفْعة كون القرآن يذكر هذا الاسم؛ لأن الاسم إذا ذُكِر في القرآن ذاعَ صِيتُه ودَوَّى الآفاق. وقلنا في قصة زيد بن حارثة أنه كان عبداً بعد أنْ خُطِف من قومه وَبيع في مكة لخديجة ﵂، ثم وهبته لرسول الله ﷺ َ؛ لذلك أطلقوا عليه زيد بن محمد، فلما عَلِم أهله بوجوده في مكة أتى أبوه وعمه، وكلّموا رسول الله في شأن زيد فقال: خَيِّروه. فلما خَيَّروا زيداً قال: ما كنتُ لأختار على رسول الله أحداً، لذلك أكرمه النبي ﷺ َ وسمَّاه زيدَ بن محمد، فلما أراد الحق سبحانه أن يبطل التبني، ونزل قوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ولكن رَّسُولَ الله وَخَاتَمَ النبيين. .﴾ [الأحزاب: ٤٠] وقال: ﴿ادعوهم لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله. .﴾ [الأحزاب: ٥] فلا تقولوا: زيد بن محمد. وقولوا: زيد بن حارثة، وهنا حَزِنَ زَيْد لهذا التغيير، ورأى أنه خسر به شرفاً عظيماً بانتسابه لمحمد، ولكن الحق يجبر خاطر زيد، ويجعل اسمه عَلَماً يتردد في قرآن يُتْلَى ويُتعبَّد به إلى يوم القيامة، فكان زيد هو الصحابي الوحيد الذي ورد ذكره باسمه في كتاب الله في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا. .﴾ [الأحزاب: ٣٧] فأيُّ شرف أعلى وأعظم من هذا الشرف؟ ونلحظ في هذه الآية: ﴿ادعوهم لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله. .﴾ [

стр. 10509

الأحزاب: ٥] أن الحق سبحانه لم يتهم رسوله ﷺ َ بالجور، فقال: ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله. .﴾ [الأحزاب: ٥] فما فعله الرسول كان أيضاً قِسْطاً وعدلاً، وما أمر الله به هو الأقسط والأعدل. إذن: فذِكْر ذي القرنين في كتاب الله شرف كبير، وفي إشارة إلى أن فاعل الخير له مكانته ومنزلته عند الله، ومُجازىً بأنْ يُخلّد ذكره ويبقى صِيته بين الناس في الدنيا. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرض. .﴾ .

стр. 10510

التمكين: أي أننا أعطيناه إمكانات يستطيع بها أن يُصرِّف كل أموره التي يريدها؛ لأنه مأمون على تصريف الأمور على حَسْب منهج الله، كما قال تعالى في آية أخرى عن يوسف ﵇: ﴿وكذلك مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرض يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ. .﴾ [يوسف: ٥٦] فالتمكين يعني إعطاءه إمكانات لكل غرض يريده فيُصرِّف به الأمور، لكن لماذا مكناه؟ مكنّاه لأنه مأمون على تصريف الأمور وَفْق منهج الله، ومأمون على ما أعطاه الله من إمكانات. وقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ [الكهف: ٨٤] أي: أعطيناه أسباباً يصل بها إلى ما يريد، فما من شيء يريده إلا ويجعل الله له وسيلة مُوصِّلة إليه. فماذا صنع هو؟ ﴿فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾ .

стр. 10511

أتبع السبب، أي: لا يذهب لغاية إلا بالوسيلة التي جعلها الله له، فلقد مكَّن الحق لذي القرنين في الأرض، وأعطاه من كل شيء سبباً، ومع ذلك لم يركن ذو القرنين إلى ما أُعطى، فلم يتقاعس، ولم يكسل، بل أخذ من عطاء الله له بشيء من كل سبب.

стр. 10512

وبلوغه مغرب الشمس دليل على أنه لم يكُنْ بهذا المكان، بل كان قادماً إليه من المشرق. ومعنى ﴿مَغْرِبَ الشمس﴾ هل الشمس تغرب؟ هي تغرب في عين الرائي في مكان واحد، فلو لاحظتَ الشمس ساعة الغروب لوجدتها تغربُ مثلاً في الجيزة، فإذا ذهبت إلى الجيزة وجدتها تغرب في مكان آخر وهكذا، إذن: غروبها بمعنى غيابها من مرأىَ عينك أنت؛ لأن الشمس لا تغيب أبداً، فهي دائماً شارقة غاربة، بمعنى أنها حين تغرب على قوم تشرق على آخرين؛ لذلك تتعدد المشارق والمغارب. وهذه أعطتنا دوام ذكر الله ودورانه على الألسنة في كل الأوقات،

стр. 10513

فحين نصلي نحن الظهر مثلاً يصلي غيرنا العصر، ويصلي غيرهم المغرب، وهكذا فالحق سبحانه مذكور في كل وقت بكل وقت، فلا ينتهي الظهر لله، ولا ينتهي العصر لله، ولا ينتهي المغرب لله، بل لا ينتهي الإعلام بواحدة منها طوال الوقت، وعلى مَرِّ الزمن؛ لذلك يقول أهل المعرفة: يا زمن وفيك كل الزمن. ثم يقول تعالى: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ. .﴾ [الكهف: ٨٦] أي: في عين فيها ماء. وقلنا: إن الحمأ المسنون هو الطين الذي اسودّ لكثرة وجوده في الماء. وفي تحقيق هذه المسألة قال عالم الهند أبو الكلام آزاد، ووافقه فضيلة المرحوم الشيخ عبد الجليل عيسى، قال: عند موضع يسمى (أزمير) . وقوله: ﴿وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً. .﴾ [الكهف: ٨٦] أي: عند هذه العين ﴿قُلْنَا ياذا القرنين إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً﴾ [الكهف: ٨٦] إذن: فهذا تفويض له من الله، ولا يُفوَّض إلا المأمون على التصرُّف ﴿إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ. .﴾ [الكهف: ٨٦] ولا بُدّ أنهم كانوا كفرة أو وثنيين لا يؤمنون بإله، فإما أنْ تأخذهم بكفرهم، وإما أن تتخذَ فيهم حُسْناً. لكن ما وجه الحُسْن الذي يريد الله أن يتخذه؟ يعني أنهم قد يكونون من أهل الغفلة الذين لم تصلهم الدعوة، فبيّن لهم وجه الصواب ودلّهم على دين الله، فَمنْ آمن منهم فأحسن إليه، ومَنْ أصرّ على كُفْرِه فعذّبه، إذن: عليك أن تأخذهم أولاً بالعِظَة الحسنة والبيان الواضح، ثم تحكم بعد ذلك على تصرفاتهم.

стр. 10514

ثم يقول الحق سبحانه: ﴿قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ ... ﴾ .

стр. 10515

قوله: ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ. .﴾ [الكهف: ٨٧] يعطينا إشارة إلى المهلة التي سيعطيها لهؤلاء، مهلة تمكّنه أنْ يعِظهم ويُذكِّرهم ويُفهِّمهم مطلوبات دين الله. وسبق أن قلنا: إن الظلم أنواع، أفظعها وأعلاها الشرك بالله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ثم يقول تعالى: ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً﴾ [الكهف: ٨٧] فلن نُعذِّبه على قدْر ما فعل، بل نُعذّبه عقوبة دنيوية فقط؛ لأن العقوبات الدنيوية شُرعَتْ لحفظ توازن المجتمع، ورَدْع مَنْ لا يرتدع بالموعظة، وإلا فما فائدة الموعظة في غير المؤمن؟ لذلك نرى الأمم التي لا تؤمن بإله، ولا بالقيامة والآخرة تُشرِّع هذه العقوبات الدنيوية لتستقيم أوضاعها. وبعد عذاب الدنيا وعقوبتها هناك عذاب أشدّ في الآخرة ﴿عَذَاباً نُّكْراً﴾ [الكهف: ٨٧] والشيء النكر: هو الذي لا نعرفه، ولا عَهْد لنا به أو أُلْفة؛ لأننا حينما نُعذِّب في الدنيا نُعذِّب بفطرتنا وطاقتنا، أما عذاب الله في الآخرة فهو شيء لا نعرفه، وفوق مداركنا وإمكاناتنا. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً الحسنى ... ﴾ .

стр. 10516

قوله: ﴿فَلَهُ جَزَآءً الحسنى. .﴾ [الكهف: ٨٨] أي: نعطيه الجزاء الحسن ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً﴾ [الكهف: ٨٨] نقول له الكلام الطيب الذي يُشجِّعه ويحْفزه، وإنْ كلَّفناه كلَّفناه بالأمر اليسير غير الشاق. وهذه الآية تضع لنا أساس عملية الجزاء التي هي ميزان المجتمع وسبب نهضته، فمجتمعٌ بلا جزاءات تثيب المجدّ وتعاقب المقصِّر مجتمع ينتهي إلى الفوضى والتسيُّب، فإنْ أمِنْ الناسُ العقابَ تكاسلوا، وربما ما تعانيه مصر الآن من سوء الإدارة راجع إلى ما في المجتمع من أشخاص فوق القانون لا نستطيع معاقبتهم فيتسيّب الآخرون. وكذلك نرى المراتب والجوائز يظفر بها مَنْ لا يعمل، ويظفر بها مَنْ يتقرب ويتودد ويتملّق وينافق، ولهؤلاء أساليبهم الملتوية التي يجيدونها، أما الذي يجدّ ويعمل ويخلص فهو مُنْهك القوى مشغول بإجادة عمله وإتقانه، لا وقْتَ لديه لهذه الأساليب الملتوية، فهو يتقرب بعمله وإتقانه، وهذا الذي يستحق التكريم ويستحق الجائزة. ولك أنْ تتصوَّر مدى الفساد والتسيّب الذي تسببه هذه الصورة المقلوبة المعوجة. إذن: فميزان المجتمع وأساس نهضته: ﴿أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً الحسنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً﴾ [الكهف: ٨٧ - ٨٨] فما أجمَل أنْ نرصُدَ المكافآت التشجيعية والجوائز، ونقيم حفلات التكريم للمتميزين والمثاليين، شريطةَ أنْ يقومَ ميزان الاختيار على الحق والعدل. والحُسْنى: أفعل التفضيل المؤنث لحسن، فإذا أعطيناه الحسنى

стр. 10517

فالحسن من باب أَوْلَى، ومن هذا قوله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ. .﴾

стр. 10518

أي: ذهب إلى مكان آخر.

стр. 10519

قوله تعالى: ﴿مَطْلِعَ الشمس. .﴾ [الكهف: ٩٠] كما قلنا في مغربها، فهي دائماً طالعة؛ لأنها لا تطلع من مكان واحد، بل كل واحد له مطلع، وكل واحد له مغْرب حسب اتساع الأفق. ثم يقول تعالى: ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ على قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً﴾ [الكهف: ٩٠] السِّتْر: هو الحاجز بين شيئين، وهو إما ليقينيَ الحر أو ليقينيَ البرد، فقد ذهب ذو القرنين إلى قوم من المتبدين الذين يعيشون عراة كبعض القبائل في وسط أفريقيا مثلاً، أو ليس عندهم ما يسترهم من الشمس مثل البيوت يسكنونها، أو الأشجار يستظِلّون بها. وهؤلاء قوم نسميهم «ضاحون» أي: ليس لهم ما يأويهم من حَرِّ الصيف أو بَرد الشتاء، وهم أُنَاسٌ متأخرون بدائيون غير متحضرين. ومثل هؤلاء يعطيهم الله تعالى في جلودهم ما يُعوِّضهم عن هذه الأشياء التي يفتقدونها، فترى في جلودهم ما يمنحهم الدفء في الشتاء والبرودة في الصيف.

стр. 10520

وهذا نلاحظه في البيئات العادية، حيث وَجْه الإنسان وهو مكشوف للحر وللبرد، ولتقلبات الجو، لذلك جعله الله على طبيعة معينة تتحمل هذه التقلبات، على خلاف باقي الجسم المستور بالملابس، فإذا انكشف منه جزء كان شديدَ الحساسية للحرِّ أو للبرد، وكذلك من الحيوانات ما منحها الله خاصية في جلودها تستطيع أنْ تعيش في القطب المتجمد دون أن تتأثر ببرودته. وهؤلاء البدائيون يعيشون هكذا، ويتكيفون مع بيئتهم، وتشغلهم مسألة الملابس هذه، ولا يفكرون فيها، حتى يذهب إليهم المتحضرون ويروْنَ الملابس، وكيف أنها زينة وسَتْر للعورة فيستخدمونها. ونلاحظ هنا أن القرآن لم يذكر لنا عن هؤلاء القوم شيئاً وماذا فعل ذو القرنين معهم، وإنْ قِسْنا الأمر على القوم السابقين الذين قابلهم عند مغرب الشمس نقول: ربما حضَّرهم ووفَّر لهم أسباب الرُّقي. وبعض المفسرين يروْنَ أن ذا القرنين ذهب إلى موضعٍ يومُه ثلاثة أشهر، أو نهاره ستة أشهر، فصادف وصوله وجود الشمس فلم يَرَ لها غروباً في هذا المكان طيلة وجوده به، ولم يَرَ لها سِتْراً يسترها عنهم، ويبدو أنه ذهب في أقصى الشمال. ويقول الحق سبحانه: ﴿كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً﴾ .

стр. 10521

كذلك: يعني ذهب كذلك، كما ذهب للمغرب ذهب للمشرق.

стр. 10522

ذهب إلى مكان آخر.

стр. 10523

السد: هو الحاجز بين شيئين، والحاجز قد يكون أمراً معنوياً، وقد يكون طبيعياً محسوساً كالجبال، فالمراد بالسدين هنا جبلان بينهما فجوة، وما دام قد قال: ﴿بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ فالبَيْن هنا يقتضي وجود فجوة بين السدين يأتي منها العدو. ﴿وَجَدَ مِن دُونِهِمَا. .﴾ [الكهف: ٩٣] أي: تحتهما ﴿قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ [الكهف: ٩٣] أي: لا يعرفون الكلام، ولا يفقهون القول؛ لأن الذي يقدر أن يفهم يقدر أن يتكلم، وهؤلاء لا يقولون كلاماً، ولا يفهمون ما يقال لهم، ومعنى: ﴿لاَّ يَكَادُونَ. .﴾ [الكهف: ٩٣] لا يقربون من أن يفهموا، فلا ينفي عنهم الفَهْم، بل مجرد القُرْب من الفهم، وكأنه لا أملَ في أن يفهمهم. لكن، يكف نفى عنهم الكلام، ثم قال بعدها مباشرة: ﴿قَالُواْ ياذا القرنين. .﴾ [الكهف: ٩٤] فأثبت لهم القول؟ يبدو أنه خاطبهم بلغة الإشارة، واحتال على أن يجعلَ من حركاتهم كلاماً يفهمه وينفذ لهم ما يريدون، ولا شكَّ أن هذه العملية احتاجت منه جهداً وصبراً حتى يُفهمهم ويفهم منهم، وإلا فقد كان في وُسْعه أنْ ينصرف عنهم بحجة أنهم لا يتكلمون ولا يتفاهمون.

стр. 10524

فهو مثال للرجل المؤمن الحريص على عمل الخير، والذي لا يألو جَهْداً في نَفْع القوم وهدايتهم. والإشارة أصبحت الآن لغة مشهورة ومعروفة، ولها قواعد ودارسون يتفاهمون بها، كما نتفاهم نحن الآن مع الأخرس. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿قَالُواْ ياذا القرنين ... ﴾ .

стр. 10525

المراد بالقول هنا: دلالة مُعبِّرة تعبير القول، فلا بُدَّ أنهم تعارفوا على شيء كالإشارة مثلاً يتفاهمون به. ويأجوج ومأجوج قوم خَلْف السدين أو الجبلين، ينفذون إليهم من هذه الفجوة، فيؤذونهم ويعتدون عليهم؛ لذلك عرضوا عليه أن يجعلوا له ﴿خَرْجاً﴾ أي: أجراً وخراجاً يدفعونه إليه على أنْ يسدَّ لهم هذه الفجوة، فلا ينفذ إليهم أعداؤهم. ثم يقول الحق ﵎ عن ذي القرنين أنه: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْر ... .﴾ .

стр. 10526

والقوْل هنا أيضاً قَوْل دلالة وإشارة تُفهمهم أنه في غِنىً عن

стр. 10527

الأجر، فعنده الكثير من الخير الذي أعطاه الله، إنما هو في حاجة إلى قوة بشرية عاملة تُعِينه، وتقوم معه بتنفيذ هذا العمل. ونفهم من الآية أن المعونة من المُمكَّن في الأرض المالك للشيء يجب أن تكون حِسْبة لله، وأنْ تُعين معونة لا تحوج الذي تعينه إلى أن تُعينه كل وقت، بل أعنه إعانة تغنيه أن يحتاج إلى المعونة فيما بعد، كأن تعلّمه أنْ يعمل بنفسه بدل أنْ تعطيه مثلاً مالاً ينفقه في يومه وساعته ثم يعود محتاجاً؛ لذلك يقولون: لا تُعطِني سمكة، ولكن علِّمني كيف أصطاد، وهكذا تكون الإعانة مستمرة دائمة، لها نَفَس، ولها عُمْر. ولما كان ذو القرنين ممكّناً في الأرض، وفي يده الكثير من الخيرات والأموال، فهو في حاجة لا إلى مال بل إلى الطاقة البشرية العاملة، فقال: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ. .﴾ [الكهف: ٩٥] أي: قوة وطاقة بشرية قوية مخلصة ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً﴾ [الكهف: ٩٥] ولم يقُلْ: سداً؛ لأن السدّ الأصمَّ يعيبه أنه إذا حصلت رَجَّة مثلاً في ناحية منه ترجّ الناحية الأخرى؛ لذلك أقام لهم ردماً أي: يبني حائطاً من الأمام وآخر من الخلف، ثم يجعل بينهما ردماً من التراب ليكون السد مَرِناً لا يتأثر إذا ما طرأت عليه هزة أرضية مثلاً، فيكون به التراب مثل «السُّوست» التي تمتص الصدمات. والردم أن تضع طبقات التراب فوق بعضها، حتى تردم حُفْرة مثلاً وتُسوّيها بالأرض، ومن ذلك ما نسمعه عندما يعاتب أحدهم صاحبه، وهو لا يريد أنْ يسمعَ، فيقول له: اردم على هذا الموضوع.

стр. 10528

لم يكن ذو القرنين رجلاً رحالة، يسير هكذا بمفرده، بل مكَّنه الله من أسباب كل شيء، ومعنى ذلك أنه لم يكن وحده، بل معه جيش وقوة وعدد وآلات، معه رجال وعمال، معه القوت ولوازم الرحلة، وكان بمقدوره أنْ يأمرَ رجاله بعمل هذا السدِّ، لكنه أمر القوم وأشركهم معه في العمل لِيُدرِّبهم ويُعلِّمهم ما داموا قادرين، ولديهم الطاقة البشرية اللازمة لهذا العمل. والحق ﵎ يقول: ﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ مَآ آتَاهَا. .﴾ [الطلاق: ٧] فما دام ربك قد أعطاك القوة فاعمل، ولا تعتمد على الآخرين؛ لذلك تجد هنا أوامر ثلاثة: أعينوني بقوة، آتوني زبر الحديد، آتوني أفرغ عليه قطراً. زبر الحديد: أي قطع الحديد الكبيرة ومفردها زُبْرة، والقِطْر: هو النحاس المذاب، لكن، كيف بنى ذو القرنين هذا السد من الحديد والنحاس؟ هذا البناء يشبه ما يفعله الآن المهندسون في المعمار بالحديد والخرسانة؛ لكنه استخدم الحديد، وسَدَّ ما بينه من فجوات بالنحاس المذاب ليكون أكثر صلابة، فلا يتمكن الأعداء من خَرْقه، وليكون أملسَ ناعماً فلا يتسلقونه، ويعلُون عليه. فقوله: ﴿حتى إِذَا ساوى بَيْنَ الصدفين. .﴾ [الكهف: ٩٦] الصدف:

стр. 10529

الجانب، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ الله وَصَدَفَ عَنْهَا. .﴾ [الأنعام: ١٥٧] أي: مال عنها جانباً. فمعنى: ساوى بين الصدفين. أي: ساوى الحائطين الأمامي والخلفي بالجبلين: ﴿قَالَ انفخوا. .﴾ [الكهف: ٩٦] أي: في الحديد الذي أشعل فيه، حتى إذا التهب الحديد نادى بالنحاس المذَاب: ﴿قَالَ آتوني أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً﴾ [الكهف: ٩٦] وهكذا انسبكَ الحديد الملتهب مع النحاس المذَاب، فأصبح لدينا حائطٌ صَلْبٌ عالٍ أملس. لذلك قال تعالى بعدها: ﴿فَمَا اسطاعوا أَن يَظْهَرُوهُ ... ﴾ .

стр. 10530

﴿أَن يَظْهَرُوهُ﴾ أي: ما استطاعت يأجوج ومأجوج أن يعلوا السد أو يتسلقوه وينفذوا من أعلاه؛ لأنه ناعم أملس، ليس به ما يمكن الإمساك به: ﴿وَمَا استطاعوا لَهُ نَقْباً﴾ [الكهف: ٩٧] لأنه صَلْب. ثم يقول تعالى على لسان ذي القرنين: ﴿قَالَ هذا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي ... ﴾ .

стр. 10531

لم يَفُتْ ذا القرنين وهو الرجل الصالح أنْ يسند النعمة إلى المنعم الأول، وأنْ يعترف بأنه مجرد واسطة وأداة لتنفيذ أمر الله: ﴿قَالَ هذا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ [الكهف: ٩٨] لأنني أخذتُ المقوِّمات التي منحني الله إياها، واستعملتها في خدمة عباده. الفكر مخلوق لله، والطاقة والقوة مخلوقة لله، المواد والعناصر في الطبيعة مخلوقة لله، إذن: فما لي أن أقول: أنا عملتُ كذا وكذا؟

стр. 10532

ثم يقول تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ [الكهف: ٩٨] أي: الآخرة ﴿جَعَلَهُ دَكَّآءَ﴾ [الكهف: ٩٨] فإياكم أن تظنوا أن صلابة هذا السَّد ومتانته باقية خالدة، إنما هذا عمل للدنيا فحسب، فإذا أتى وَعْد الله بالآخرة والقيامة جعله الله دكاً وسوّاه بالأرض، ذلك لكي لا يغترون به ولا يتمردون على غيرهم بعد أنْ كانوا مُستذلّين مُستضعفين ليأجوج ومأجوج. وكأنه يعطيهم رصيداً ومناعة تقيهم الطغيان بعد الاستغناء. ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً﴾ [الكهف: ٩٨] واقعاً لاشك فيه. والتحقيق الأخير في مسألة ذي القرنين وبناء السد أنه واقع بمكان يُسمَّى الآن (بلخ) والجبلان من جبال القوقاز، وهما موجودان فعلاً، وبينهما فَجْوة مبنيُّ فيها، ويقولون: إن صاحب هذا البناء هو قورش، وهذا المكان الآن بين بحر قزوين والبحر الأسود. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ .

стр. 10533

فإذا كانت القيامة تركناهم يموج بعضهم في بعض، كموج الماء لا تستطيع أن تفرق بعضهم من بعض، كما أنك لا تستطيع فصل ذرات الماء في الأمواج، يختلط فيهم الحابل بالنابل، والقويّ بالضعيف، والخائف بالمخيف، فهم الآن في موقف القيامة، وقد انتهت العداوات الدنيوية، وشُغِل كل إنسان بنفسه. وقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً﴾ [الكهف: ٩٩] .

стр. 10534

وهذه هي النفخة الثانية؛ لأن الأولى نفخة الصَّعْق، كما قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور فَصَعِقَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض إِلاَّ مَن شَآءَ الله ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] . فالنفخة الأولى نفخة الصَّعْق، والثانية نفخة البَعْث والقيامة، والصَّعْق قد يكون مميتاً، وقد يكون مُغْمِياً لفترة ثم يفيق صاحبه، فالصَّعْق المميت كما في قوله تعالى: ﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُواْ حتى حِينٍ فَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصاعقة وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٣٤٤] . أما الصَّعْقة التي تُسبِّب الإغماء فهي مِثْل التي حدثت لموسى ﵇ حينما قال: ﴿قَالَ رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي ولكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسى صَعِقاً فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين﴾ [الأعراف: ١٤٣] . فالجبل الأشمّ الراسي الصَّلْب اندكّ لما تجلَّى له الله، وخر موسى مصعوقاً مُغمى عليه، وإذا كان موسى قد صُعِق من رؤية المتجلَّى عليه، فكيف برؤية المتجلِّي سبحانه؟ وكأن الحق سبحانه أعطى مثلاً لموسى ﵇ فقال له: ليست ضنيناً عليك بالرؤية، ولكن قبل أن تراني انظر إلى الجبل أولاً ليكون لك مثالاً، إذن: لا يمنع القرآن أن يتجلى الله على الخَلْق، لكن هل نتحمل نحن تجلِّي الله؟ فمن رحمة الله بنا ألاَّ يتجلى لنا على الحالة التي نحن عليها في الدنيا. أما في الآخرة، فإن الخالق سبحانه سيُعِدّنا إعداداً آخر،

стр. 10535

وسيخلقنا خِلْقة تناسب تجلِّيه سبحانه على المؤمنين في الآخرة؛ لأنه سبحانه القائل: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢٢٣] . وسوف نلحظ هذا الإعداد الجديد في كُلِّ أمور الآخرة، ففيها مثلاً تقتاتون ولا تتغوطون؛ لأن طبيعتكم في الآخرة غير طبيعتكم في الدنيا. لذلك جاء السؤال من موسى ﵇ سؤالاً علمياً دقيقاً: ﴿رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] أي: أرِني كيفية النظر إليك؛ لأني بطبيعتي وتكويني لا أراك، إنما إنْ أريتني أنت أرى. وفي ضوء هذه الحادثة لموسى ﵇ نفهم حديث النبي ﷺ َ: «لا تُخيِّروا بين الأنبياء، فإن الناس يُصْعقون يوم القيامة، فأكون أولَ مَنْ تنشقُّ عنه الأرض، فإذا أنا بموسى آخذٌ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أكان فيمن صُعِق، أم حُوسِب بصَعْقة الأولى» . قالوا: لأنه صُعِق مرة في الدنيا، ولا يجمع الله تعالى على عبده صَعقتَيْن. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ﴾

стр. 10536

أي: تُعرَض عليهم ليروها ويشاهدوها، وهذا العَرْض أيضاً للمؤمنين، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] والبعض يظن أن (واردها) يعني: داخلها، لا بل واردها

стр. 10537

بمعنى: يراها ويمرُّ بها، فقد ترِد الماء بمعنى: يراها ويمر بها، فقد ترد الماء بمعنى تصل إليه دون أنْ تشربَ منه؛ ذلك لأن الصراط الذي سيمر على الجميع مضروبٌ على ظهر جهنم ليراها المؤمن والكافر. أما المؤمن فرؤيته للنار قبل أنْ يدخل الجنة تُرِيه مدى نعمة الله عليه ورحمته به، حيث نجّاه من هذا العذاب، ويعلم فضل الإيمان عليه، وكيف أنه أخذ بيده حتى مَرَّ من هذا المكان سالماً. لذلك يُذكّرنا الحق سبحانه بهذه المسألة فيقول: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] . أما الكافر فسيعرض على النار ويراها أولاً، فتكون رؤيته لها قبل أن يدخلها رؤية الحسرة والندامة والفزع؛ لأنه يعلم أنه داخلها، ولن يُفلِتْ منها. وقد وردتْ هذه المسألة في سورة التكاثر حيث يقول تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر حتى زُرْتُمُ المقابر كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليقين لَتَرَوُنَّ الجحيم ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليقين ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النعيم﴾ [التكاثر: ١٨] . والمراد: لو أنكم تأخذون عنِّي العلم اليقيني فيما أُخبركم به عن النار وعذابها لكُنْتم كمنْ رآها، لأنني أنقل لكم الصورة العلمية الصادقة لها، وهذا ما نُسمِّيه علم اليقين، أما في الآخرة فسوف ترون النار عينها. وهذا هو عين اليقين أي: الصورة العينية التي ستتحقق يوم القيامة حين تمرُّون على الصراط. وبرحمة الله بالمؤمنين وبفضله وكرمه تنتهي علاقة المؤمن بالنار عند هذا الحد، وتُكتب له النجاة؛ لذلك قال تعالى بعدها: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النعيم﴾ [التكاثر: ٨] .

стр. 10538

أما الكافر والعياذ بالله فلَهُ مع النار مرحلة ثالثة هي حّقُّ اليقين، يوم يدخلها ويباشر حَرَّها، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ المكذبين الضآلين فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ اليقين فَسَبِّحْ باسم رَبِّكَ العظيم﴾ [الواقعة: ٩٢٩٦] . إذن: عندنا عِلْم اليقين، وهو الصورة العلمية للنار، والتي أخبرنا بها الحق ، وأن من صفات النار كذا وكذا وحذَّرنا منها، ونحن في بحبوحة الدنيا وسِعَتها. وعَيْن اليقين: في الآخرة عندما نمرُّ على الصراط، ونرى النار رؤيا العين. ثم حَقُّ اليقين: وهذه للكفار حين يُلْقَوْن فيها ويباشرونها فعلاً. وقد ضربنا لذلك مثلاً: لو قُلْتُ لك: توجد مدينة اسمها نيويورك وبها ناطحات سحاب، وأنها تقع على سبع جزر، ومن صفاتها كذا وكذا فأُعطِيك عنها صورة علمية صادقة، فإنْ صدَّقتني فهذا عِلْم يقين. فإنْ مررنا عليها بالطائرة ورأيتها رَأْيَ العين فهذا عَيْن اليقين، فإنْ نزلت بها وتجولت خلالها فهذا حَقُّ اليقين. إذن: فقوله تعالى: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً﴾ [الكهف: ١٠٠] ليس كعرضها على المؤمنين، بل هو عَرْض يتحقّق فيه حَقُّ اليقين بدخولها ومباشرتها. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿الذين كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ﴾

стр. 10539

أي: على أبصارهم غشاوة تمنعهم إدراك الرؤية، ليس هذا وفقط، بل: ﴿وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ [الكهف: ١٠١] . والمراد هنا السمع الذي يستفيد منه السامع، سَمْع العبرة

стр. 10540

والعِظَة، وإلا فآذانهم موجودة وصالحة للسمع، ويسمعون بها، لكنه سمَاعٌ لا فائدةَ منه؛ لأنهم ينفرون من سماع الحق ومن سماع الموعظة ويسدُّون دونها آذانهم، فهم في الخير أذن من طين، وأذن من عجين كما نقول. أما المؤمنون فيقول الحق ﵎ فيهم: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى الرسول ترى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الحق﴾ [المائدة: ٨٣] . إذن: فكراهية أولئك للمسموع جعلتهم كأنهم لا سَمْعَ لهم، كما نقول نحن في لغتنا العامية: (أنت مطنش عني) ، يعني لا تريد أنْ تسمعَ، ومن أقوال أهل الفكاهة: قال الرجل لصاحبه: فيك مَنْ يكتم السرَّ؟ قال: نعم، قال: أعْطني مائة جنيه، قال: كأنِّي لم أسمع. ولذلك حكى القرآن عن كفار مكة قولهم: ﴿لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرآن والغوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] . يعني: شَوِّشُوا عليه، ولا تُعطوا الناس فرصة لسماعه، ولو أنهم علموا أن القرآن لا يؤثر في سامعه ما قالوا هذا، لكنهم بأذنهم العربية وملكتهم الفصيحة يعلمون جيداً أن القرآن له تأثير في سامعه تأثيراً يملك جوانب نفسه، ولابُدَّ لهذا العربي الفصيح أنْ يهتزّ للقرآن، ولابُدَّ أنه سيعرف أنه مُعْجِز، وأنه غير قَوْل البشر، وحتماً سيدعوه هذا إلى الإيمان بأن هذا الكلام كلام الله، وأن محمداً رسول الله؛ لذلك قال بعضهم لبعض محذراً: ﴿لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرآن والغوا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] . وفي آية أخرى يقول الحق ﵎: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ
следующие страницы →