Полный текст (14 757 стр.). Показаны 10571–10610 · переход к 10576.
стр. 10571
يُطفئ ما أوقدوه من نار، لكن ليست نكاية القوم في هذا، فلو أفلتَ إبراهيم من قبضتهم، أو نزل المطر فأطفأ النار لقالوا: لو كُنَّا تمكنّا منه لفعلنا كذا وكذا، ولو لم ينزل المطر لفعلنا به كذا وكذا.
إذن: شاءت إرادة الله أنْ تكيد هؤلاء، وأن تُظهِر لهم طلاقة القدرة الإلهية فتُمكّنهم من إبراهيم حتى يلقوه في النار فعلاً، ثم يأتي الأمر الأعلى من الخالق سبحانه للنار أن تتعطل فيها خاصية الإحراق: ﴿قُلْنَا يانار كُونِي بَرْداً وسلاما على إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] .
وكذلك في قصة رحمة الله لعبده زكريا تعطينا دليلاً على طلاقة القدرة في مسألة الخَلْق، وليلفتنا إلى أن الخالق سبحانه جعل للكون أسباباً، فمَنْ أخذ بالأسباب يصل إلى المسبِّب، ولكن إياكم أنْ تُفتَنوا في الأسباب؛ لأن الخالق سبحانه قد يعطيكم بالأسباب، وقد يُلغيها نهائيا ويأتي بالمسبِّبات دون أسباب.
وقد تجلَّتْ طلاقة القدرة في قصة بَدْء الخَلْق، فنحن نعلم أن جمهرة الناس وتكاثرهم يتم عن طريق التزاوج بين رجل وامرأة، إلا أن طلاقة القدرة لا تتوقف عند هذه الأسباب والخالق سبحانه يُدير خلقه على كُلِّ أوجه الخَلْق، فيأتي آدم دون ذكر أو أنثى، ويخلق حواء من ذكر دون أنثى، ويخلق عيسى من أنثى بدون ذكر.
فالقدرة الإلهية إذن غير مُقيَّدة بالأسباب، وتظلّ طلاقة القدرة هذه في الخَلْق إلى أنْ تقومَ الساعة، فنرى الرجل والمرأة زوجين، لكن لا يتم بينهما الإنجاب وتتعطل فيهما الأسباب حتى لا نعتمد على الأسباب وننسى المسبِّب سبحانه، فهو القائل:
﴿لِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ
стр. 10572
إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذكور أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٤٩٥٠] .
وطلاقة القدرة في قصة زكريا ﵇ تتجلى في أن الله تعالى استجاب لدعاء زكريا في أنْ يرزقَه الولد. قال تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ﴾ [مريم: ٢] .
أي: ﵀، لكن متى كانت هذه الرحمة؟
يقول الحق ﵎: ﴿إِذْ نادى رَبَّهُ﴾
стр. 10573
أي: في الوقت الذي نادى فيه ربه نداءً خفياً.
والنداء لَوْن من ألوان الأساليب الكلامية، والبلاغيون يقسمون الكلام إلى خبر، وهو أن تخبر عن شيء بكلام يحتمل الصدق أو الكذب. وإنشاء، وهو أنْ تطلب بكلامك شيئاً، والإنشاء قَوْلٌ لا يحتمل الصدق أو الكذب.
والنداء من الإنشاء؛ لأنك تريد أن تنشىء شيئاً من عندك، فلو قُلْت: يا محمد فأنت تريد أن تنشئ إقبالاً عليك، فالنداء إذن طلبُ الإقبال عليك، لكن هل يصح أن يكون النداء من الله تعالى بهذا المعنى؟ إنك لا تنادى إلا البعيد عنك الذي تريد أن تستدنية منك.
فكيف تنادى ربك ﵎ وهو أقرب إليك من حبل الوريد؟ وكيف تناديه سبحانه وهو يسمعك حتى قبل أن تتكلم؟ فإذا كان إقباله عليك موجوداً في كل وقت، فما الغرض من النداء هنا؟ نقول: الغرض من النداء: الدعاء.
стр. 10574
ووَصْف النداء هنا بأنه: ﴿نِدَآءً خَفِيّاً﴾ [مريم: ٣] لأنه ليس كنداء الخَلْق للخَلْق، يحتاج إلى رَفْع الصوت حتى يسمع، إنه نداء لله ﵎ الذى يستوي عنده السر والجهر، وهو القائل: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجهروا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ [الملك: ١٣] .
ومن أدب الدعاء أنْ ندعوَه سبحانه كما أمرنا: ﴿ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] .
وهو سبحانه ﴿يَعْلَمُ السر وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧] أي: وما هو أَخْفى من السر؛ لأنه سبحانه قبل أن يكون سِرّاً، علم أنه سيكون سراً.
لذلك، جعل الحق سبحانه أحسن الدعاء الدعاء الخفي؛ لأن الإنسان قد يدعو ربه بشيء، إنْ سمعه غيره ربما استنقصه، فجعل الدعاء خَفياً بين العبد وربه حتى لا يُفتضحَ أمره عند الناس.
أما الحق سبحانه فهو ستَّار يحب الستر حتى على العاصين، وكذلك ليدعو العبد رَبَّه بما يستحي أنْ يذكره أمام الناس، وليكون طليقاً في الدعاء فيدعو ربه بما يشاء؛ لأنه ربُّه ووليه الذي يفزع إليه. وإنْ كان الناس سيحزنون ويتضجرون إن سألتهم أدنى شئ، فإن الله تعالى يفرح بك أن سألته.
لكن لماذا أخفي زكريا دعاءه؟
دعا زكريا ربه أنْ يرزقه الولد، ولكن كيف يتحقق هذا المطلب وقد بلغ من الكبر عتياً وامرأته عاقر؟ فكأن الأسباب الموجودة جميعها مُعطَّلة عنده؛ لذلك توجه إلى الله بالدعاء: يا رب لا ملجأ لي إلا أنت فأنت وحدك القادر على خَرْق الناموس والقانون، وهذا مطلب من زكريا جاء في غير وقته.
стр. 10575
أخفاه أيضا؛ لأنه طلب الولد في وجود أبناء عمومته الذين سيحملون منهجه من بعده، إلاّ أنه لم يأتمنهم على منهج الله؛ لأن ظاهر حركتهم في الحياة غير متسقة مع المنهج، فكيف يأمنهم على منهج الله وهم غير مؤتمنين على أنفسهم؟ فإذا دعا زكريا ربه أنْ يرزقه الولد ليرث النبوة من بعده، فسوف يغضب هؤلاء من دعاء زكريا ويعادونه؛ لذلك جاء دعاؤه خفياً يُسِرُّه بينه وبين ربه تعالى.
سؤال آخر تنبغي الإجابة عليه هنا: لماذا يطلب زكريا الولد في هذه السن المتأخرة، وبعد أن بلغ من الكبر عتياً، وأصبحت امرأته عاقراً؟
لقد أوضح زكريا ﵇ العلة في ذلك في الآيات القادمة فقال: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٦] .
إذن: فالعِلَّة في طلب الولد دينية مَحْضة، لا يطلبه لمغْنَم دنيوي، إنما شغفه بالولد أنه لم يأمن القوم من بعده على منهج الله وحمايته من الإفساد.
لذلك قوله: (يرثني) هنا لا يفهم منه ميراث المال كما يتصوره البعض؛ لأن الأنبياء لا يورثون، كما قال النبي ﷺ َ «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة» وبذلك يخرج النبي من الدنيا دون أن ينتفع أحد من أقاربه بماله حتى الفقراء منهم.
فالمسألة مع الأنبياء خالصة كلها لوجه الله تعالى؛ لذلك قال بعدها: ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٦] أي: النبوة التي
стр. 10576
تناقلوها. فلا يستقيم هنا أبداً أن نفهم الميراث على انه ميراث المال أو متاع الدنيا الفاني.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦] ففي أيِّ شئ ورثه؟ أورثه في تركته؟ إذن: فما موقف إخوته الباقين؟ لا بد أنه ورثه في النبوة والملك، فالمسألة بعيدة كل البعد عن الميراث المادي.
ثم يقول الحق سبحانه أن زكريا ﵇ قال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ﴾
стр. 10577
هذا هو النداء، أو الدعاء الذي دعا به زكريا ﵇: ﴿رَبِّ إِنَّي وَهَنَ العظم مِنِّي﴾ [مريم: ٤] ويرد في الدعاء أن نقول: يا رب. أو نقول: يا الله، فقال زكريا (رب) أي: يا رب؛ لأنه يدعو بأمر يتعلق بعطاء الربوبية الذي يشمل المؤمن والكافر، إنه يطلب الولد، وهذا أمر يتعلق ببنية الحياة وصلاحها للإنجاب، وهذه من عطاء الرب ، وإن كانت العلقة في طلب الولد إلهية، وهي أنْ يحمل المنهج من بعد أبيه.
فكأن زكريا ﵇ دعا ربه: يا ربّ يا مَنْ تعطي مَنْ آمن بك، وتعطي مَنْ كفر، يا مَنْ تعطي مَنْ أطاع، وتعطي مَنْ عصى، حاشاك أن تمنع عطاءك عمَّن أطاعك ويدعو الناس إلى طاعتك.
стр. 10578
أما الدعاء بالله ففي أمور العبادة والتكليف.
ثم يُقدِّم زكريا ﵇ حيثيات هذا المطلب: ﴿رَبِّ إِنَّي وَهَنَ العظم مِنِّي﴾ [مريم: ٤] والوَهَن هو الضعف، وقال: ﴿وَهَنَ العظم﴾ [مريم: ٤] لأن لكل شيء قواماً في الصلابة والقوة، فمثلاً الماء له قوام معروف والدُّهْن له قوام، واللحم له قوام، والعصب والعظم وكل عناصر تكوين الإنسان، والعَظْم هو أقوى هذه الأشياء، والعَظْم في بناء الجسم البشري مثل (الشاسيه) في لغة العصر الحديث، وعلى العظم يبنى جسم الإنسان من لحم ودم وعصب، فإذا أصاب العظام وهي أقوى العناصر ضعفٌ ووهنٌ فغيرها من باب أَوْلى.
لذلك، فإن الرجل العربي حينما شكا الجدب والقحط ماذا قال؟ قال: مرَّتْ بنا سنون صعبة: فَسنة أذابتْ الشحم أي: بعد الجوع وعدم الطعام وسنة أذهبت اللحم أي: بعد أن أنهت الشحم وسنة محَّت العظم.
فكأن العَظْم هو آخر مخزن من مخازن القوت في جسم الإنسان ساعة أن ينقطع عنه الطعام والشراب. والعظم في هذه الحالة يُوجِّه غذاءه للمخ خاصة؛ لأنه ما دام في المخ بقية قبول حياة فما حدث للجسم من تلف قابل للإصلاح والعودة إلى طبيعته، إذن: فسلامة الإنسان مرتبطة بسلامة المخ.
لذلك نجد الأطباء في الحالات الحرجة يُركِّزون اهتمامهم على سلامة المخ، ويرتبون عليه حياة الإنسان أو موته، حتى إن توقف القلب فيمكنهم بالتدليك إعادته إلى حالته الطبيعية، أما إنْ توقف المخ فهذا يعني الموت.
стр. 10579
فكأن نبي الله زكريا ﵇ يقول: يا رب ضعف عظمي، ولم يَعُدْ لديَّ إلا المصدر الأخير لاستقباء الحياة.
ولما كان العظم شيئاً باطناً مدفوناً تحت الجلد، فهوحيثية باطنة، فأراد زكريا ﵇ أنْ يأتيَ بحيثية أخرى ظاهرة بينة، فأتى بأمر واضح: ﴿واشتعل الرأس شَيْباً﴾ [مريم: ٤] فشبّه انتشار الشيب في رَأْسه باشتعال النار، فالشعر الأبيض الذي يعلوه واضح كالنار.
والمتأمل في هذا التشبيه يجد أن النار أيضاً تتغذى على الحطب وتظل مشتعلة لها لهب يعلو طالما في الحطب الحيوية النباتية التي تمد النار، فإذا ما انتهتْ هذه الحيوية النباتية في الحطب أخذت النار في التضاؤل، حتى تصير جَذْوة لا لَهبَ لها ثم تنطفىء.
واشتعال الرأس بالشيب أيضاً دليل على ضعف الجسم ووَهَن قُوته؛ لأن الشعر يكتسب لونه من مادة مُلوّنة سوداء أو حمراء أو صفراء توجد في بُصَيْلة الشعرة، وتُمد الشعرة بهذا اللون، وضعْفُ الجسم يُضعِف هذه المادة تدريجياً، حتى تختفي، وبالتالي تخرج الشعرة بيضاء، والبياض ليس لوناً، إنما البياض عدم اللون نتيجة ضَعْف الجسم وضَعْف الغُدَد التي تفرز هذا اللون.
لذلك، نجد المترفين الذين يعنون كثيراً بشعرهم ويضعُون عليه المواد المختلفة أول ما يظهر الشيب عندهم تبيض سوالفهم؛ لأن السوالف عادة بعد أنْ يُهذِّبها الحلاق تأخذ أكبر قدر من المواد الكاوية التي تؤثر على بُصيْلات الشعر وعلى هذه المادة الملونة، والشعرة مثل الأنبوبة يسهل توصيل هذه المواد منها خاصة بعد الحلاقة مباشرة وما تزال الشعرة مفتوحة.
стр. 10580
ثم يقول: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً﴾ [مريم: ٤] أي: لم أكُنْ فيما مضى بسبب دعائي لك شقياً؛ لأني مُستجَابُ الدعوة عندك، فكما أكرمتني سابقاً بالإجابة فلم أكُنْ شقياً بدعائك، بل كنتُ سعيداً بالإجابة، فلا تُخلِف عادتك معي هذه المرة، واجعلني سعيداً بأنْ تُجيبني، خاصة وأن طلبي منك طاعة لك، فأنا لا أريد أنْ أخرج من الدنيا إلاَّ وأنا مطمئن على مَنْ يحمل المنهج، ويقوم بهذه المهمة من بعدي.
وأنت قد تدعو الله لأمر تحبه، فإذا لم يأْتِ ما تحبه ولم تحب حزنت وكأنك شقيت بدعائك، وقد يكون شقاءَ كذب، لأنك لا تدري الحكمة من المنع وعدم الإجابة، لا تدري أن الله تعالى يتحكم في تصرفاتك.
وربما دعوْت بأمر تراه الخير من وجهة نظرك وفي علم الله أنه لا خَيْرَ لك فيه، فمنعه عنك وعدَّل لك ما أخطأتَ فيه من تقدير الخير، فأعطاك ربك من حيث ترى أنه منعك، وأحسن إليك من حيث ترى أنه حرمك، لأنك طلبتَ الخير من حيث تعلم أنت أنه خير ومنع الله من حيث يعلم أن الخير ليس في ذلك.
ثم يذكر زكريا ﵇ عِلَّة أخرى هي علة العِلَل ولُبّ هذه المسألة، فيقول: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الموالي﴾
стр. 10581
(الموَالِي) من الولاء، وهم أقاربه من أبناء عمومته، فهم الجيل الثاني الذي سيأتي بعده، ويخاف أنْ يحملوا المنهج ودين الله من
стр. 10582
بعده؛ لأنه رأى من سلوكياتهم في الحياة عدم أهليتهم لحمْل هذه المهمة.
﴿مِن وَرَآئِي﴾ [مريم: ٥] سبق أن أوضحنا في سورة (الكهف) أن كلمة وراء تأتي بمعنى: خلف، أو أمام، أو بعد، أو غير. وهنا جاءت بمعنى: من بعدي.
ثم يقول: ﴿وَكَانَتِ امرأتي عَاقِراً﴾ [مريم: ٥] والعاقر هي التي لا تلد بطبيعتها بداية، أو صارت عاقراً بسبب بلوغها سِنَّ اليأس مثلاً. ونحن نعلم أن التكاثر والإنجاب في الجنس البشري ينشأ من رجل وامرأة، وقد سبق أنْ وصفَ زكريا حاله من الضعف والكبر، ثم يخبر عن زوجته بأنها عاقرٌ لا تلد، إذن: فأسباب الإنجاب جميعها مُعطلَّة.
وقوله: ﴿وَكَانَتِ امرأتي عَاقِراً﴾ [مريم: ٥] أي: هي بطبيعتها عاقر، وهذا أمر مصاحب لها ليس طارئاً عليها، فلم يسبق لها الإنجاب قبل ذلك.
ثم يقول: ﴿فَهَبْ لِي﴾ [مريم: ٥] والهِبَة هي العطاء بلا مقابل، فالأسباب هنا مُعطَّلة، والمقدمات تقول: لا يوجد إنجاب؛ لذلك لم يقُلْ مثلاً: أعطني؛ لأن العطاء قد يكون عن مقابل، أما في هذه الحالة فالعطاء بلا مقابل وبلا مقدمات، فكأنه قال: يارب إنْ كنتَ ستعطيني الولد فهو هِبَة منك لا أملك أسبابها؛ لذلك قال في آية أخرى عن إبراهيم ﵇: ﴿الحمد للَّهِ الذي وَهَبَ لِي عَلَى الكبر إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [إبراهيم: ٣٩] .
стр. 10583
ولنا وَقْفة ومَلْحظ في قوله تعالى ﴿عَلَى الكبر﴾ [إبراهيم: ٣٩] حيث قال المفسرون: (على) هنا بمعنى (مع) و (على) ثلاثة أحرف و (مع) حرفان، فلماذا عدل الحق ﵎ عن الخفيف إلى الثقيل؟ لا بد أن وراء هذه اللفظ إضافةً جديدة، وهي أن (مع) تفيد المعية فقط، أما (على) فتفيد المعية والاستعلاء، فكأنه قال: إن الكِبَر يا رب يقتضي ألاَّ يوجد الولد، لكن طلاقة قدرتك أعلى من الكِبَر.
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦] كأن الظلم يقتضي أن يُعاقبوا، لكن رحمة الله بهم ومغفرته لهم عَلَتْ على استحقاق العقاب.
وقوله: ﴿مِن لَّدُنْكَ﴾ [مريم: ٥] أي: من عندك أنت لا بالأسباب (وَلِياً) أي: ولداً صالحاً يليني في حَمْل أمانة تبليغ منهجك إلى الناس لِتسْلَم لهم حركة الحياة.
ثم يقول: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾
стр. 10584
سبق أن أوضحنا أن الميراث هنا لا يُراد به ميراث المال؛ لأن الأنبياء لا يورثون، وما تركوه من مال فهو صدقة من بعدهم، إنما المراد هنا ميراث العلم والنبوة والملْك، وحَمْل منهج الله إلى الناس، ونلحظ أنه لم يكتَفِ بقوله (يَرِثُنِي) بل قال: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٦] فلستُ أنا القمة في الطاعة في آل يعقوب، فهناك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، وهذا تواضع منه ومراعاة لأقدار الرجال وإنزالهم منازلهم.
стр. 10585
وقوله: ﴿واجعله رَبِّ رَضِيّاً﴾ [مريم: ٦] أي: مرضياً عنه منك.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿يازكريآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ﴾
стр. 10586
المتأمل لهذه القصة يجد هذه الآية قد اختصرت من القصة ما يفهم من سياقها ثقةً في نباهة السامع، وأنه قادر على إكمال المعنى، فكأن معنى الآية: سمع الله دعاء زكريا وحيثيات طلبه، فأجابه بقوله: ﴿يازكريآ﴾ [مريم: ٧] .
وتوجيه الكلام إلى زكريا ﵇ هكذا مباشرة دليلٌ على سرعة الاستجابة لدعائه، فجاءت الإجابة مباشِرة دون مُقدِّمات.
ومثال ذلك: ما حكاه القرآن من قصة سليمان ﵇ وبلقيس، قال سليمان: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ قَالَ عِفْرِيتٌ مِّن الجن أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ قَالَ الذي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الكتاب أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هذا مِن فَضْلِ رَبِّي ليبلوني أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: ٣٨٤٠] فبيْنَ قوله: ﴿قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠] وقوله: ﴿رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ﴾ [النمل: ٤٠] كلام يقتضيه سياق القصة، كأن نقول: فأذِن له فذهب وأتى بالعرش، لكن جاء الأسلوب سريعاً
стр. 10587
ليتناسب مع سرعة الحدث في إحضار عرش بلقيس من مكانه.
وقوله: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ﴾ [مريم: ٧] البشارة: هي الإخبار بما يسرُّك قبل أن يجيء ليستطيل أمدَ الفرح بالشيء السَّار، وقد يُبشرك مُساويك ويكذب في البُشْرى، وقد تأتي الظروف والأحداث مُخالفة لما يظنه، فكيف بك إذا بشّرك الله تعالى؟ ساعة أن تكون البشارة من الله فاعلم أنها حَقٌّ وواقعٌ لا شكَّ فيه.
وقوله: ﴿بِغُلاَمٍ اسمه يحيى﴾ [مريم: ٧] أي: وسماه أيضاً. ونحن نعلم أن للبشر اختيارات في وَضْع الأسماء للمسميات، ولهم الحرية في ذلك، فواحدة تُسمى ولدها (حرنكش) هي حرة، والأخرى تسمى ابنتها الزنجية (قمر) هي أيضاً حرة.
إلا أن الناس حين يُسمُّون يتمنون في المسمّى مواصفات تَسرُّ النفس وتقرُّ العين، فحين نُسمِّي سعيداً تفاؤلاً بأن يكون سعيداً فعلاً، والاسم وُضِع للدلالة على المسمى، لكن، أيملك هذا المتفائل أن يأتي المسمى على وَفْق ما يحب ويتمنى؟ لا، لا يملك ذلك ولا يضمنه؛ لأن هناك قوة أعلى منه تتحكم في هذه المسألة، وقد يأتي المسمَّى على غير مُراده.
أما إذا كان الذي سمّى هو الله تعالى فلابد أن يتحقق الاسم في المسمَّى، وينطبق عليه، ولابُدَّ أنْ يتحقَّق مراده تعالى في مَنْ سَمَّاه، وقد سَمَّى الحق ﵎ ابن زكريا يحيى فلا بُدَّ أن تنطبق عليه هذه الصفة، ويحيى فعل ضده يموت، إذن: فهو سبحانه القادر على أن يُحييه، لكن يحييه إلى متى؟ وكم عاماً؟ الحياة هنا والعيش يتحقق ولو بمتوسط الأعمار مثلاً، فقد أحياه وتحققت فيه صفة الحياة.
стр. 10588
ولذلك استدل أهل المعرفة من تسميته يحيى على أن ابن زكريا سيموت شهيداً ليظل حياً كما سماه الله وقد كان.
وقوله: ﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً﴾ [مريم: ٧] السميُّ: اختلف العلماء في معناها فقالوا: تأتي بمعنى: نظير أو مثيل أو شبيه وإما سمياً يعني: اسمه كاسمه.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿رَّبُّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فاعبده واصطبر لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم: ٦٥] فقالوا: سمياً هنا تحمل المعنيين: هل تعلم له نظيراً أو شبيهاً؛ لأنه سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] .
ويمكن أن نقول بهذا المعنى أيضاً في قصة يحيى ﵇، إلا أنه يقع فيه شيء وهو: أن الله تعالى حينما قال في مسألة يحيى: ﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً﴾ [مريم: ٧] واعتبرناها بمعنى المِثْل أو النظير والشبيه، فهذا يعني أنه لم يسبق يحيى واحد مثله في الصلاح والتقوى، فأين إذن أبو الأنبياء إبراهيم ﵇؟ وأين إسماعيل وإسحق؟
فهذا المعنى وإن كان السياق يحتمله في غير هذا الموضع إلا أنه لا يستقيم هنا؛ لأن الله تعالى جعل من قَبْل يحيى مَنْ هو أفضل من يحيى، أو مثله على الأقل.
أما المعنى الآخر فيكون: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم: ٦٥] أي: هل هناك مَنْ تسمى باسمه تعالى؟ وهذا هو المعنى الذي يستقيم في قصة يحيى ﵇؛ لأنه أول اسم وضعه الحق سبحانه على ابن زكريا، ولم يكن أحدٌ تسمى به من قبل، أما بعده فقد انتشر هذا الاسم، حتى قال الشاعر:
стр. 10589
وسَمَّيتُه يَحْيى ليحيى فلم يكُنْ ... لِردِّ قَضَاءِ اللهِ فِيهِ سَبِيلُ
ونقف هنا على آية من آيات الله في التسمية، حيث لم يجرؤ أحد حتى من الكفرة والملاحدة الذين يجاهرون بإلحادهم ويعلنون إنكارهم للخالق سبحانه، لم يجرؤ أحدهم أن يسمى ولده (الله) ، وحرية اختيار الأسماء مكفولة، وهذا إنْ دَلَّ فإنما يدلُّ على أن كفرهم عناد ولَجَجٌ، وأنهم غير صادقين في كُفْرهم، ويعلمون أن الله موجود؛ لذلك يخافون على أنفسهم وعلى أولادهم أنْ يُسمّوا بهذا الاسم.
إذن: كلمة (سَمِياً) في مسألة الألوهية تُؤخَذ على المعنيين، أما في مسألة يحيى فلا تحتمل إلا المعنى الثاني.
وَهبْ أن الحق استعرض الأسماء السابقة فلم يجد في الماضي من سُمِّى (الله) فأعلنها تحدياً: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم: ٦٥] ؟ فلم يحدث بعد هذا التحدي أنْ يُسمَّى أحد بهذا الاسم.
стр. 10590
لما سمع زكريا ﵇ البشارة من ربه، واطمأن إلى حصولها أغراه ذلك في أنْ يُوغل في معرفة الوسيلة، وكيف سيتم ذلك، وتتحقق هذه البشارة حالَ كوْنه قد بلغ من الكبر عتياً وامرأته عاقر؟
لكن ماذا يقصد زكريا من سؤاله، وهو يعلم تماماً أن الله تعالى عالم بحاله وحال زوجه؟ الواقع أن زكريا ﵇ لا يستنكر حدوث هذه البشرى، ولا يستدرك على الله، وحاشاه أنْ يقصد ذلك،
стр. 10591
وإنما أطمعته البُشْرى في أنْ يعرف الكيفية، كما حدث في قصة موسى ﵇ حينما كلَّمه ربه واختاره، وأفرده بهذه الميزة فأغراه الكلام في أنْ يطلب الرؤيا، فقال: ﴿رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] .
وكما حدث في قصة إبراهيم ﵇ لما قال لربه: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الموتى﴾ [البقرة: ٢٦٠] وأبو الأنبياء لا يشكّ في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، ولكنه يريد أنْ يعرف هذه الطريقة العجيبة، فالكلام ليس في الحقيقة وجوداً وعدماً، إنما في كيفية وجود الحقيقة، والكلام في الكيفية لا دخْلَ له بالوجود.
فأخبره الحق سبحانه أن هذه المسألة لا تُقال إنما تُباشَر عملياً، فأمره بما نعلم من هذه القصة: وهو أن يحضر أربعة من الطير بنفسه، ثم يضمهنّ إليه ليتأكد بنفسه من حقيقتها، ثم أمره أنْ يُقطِّعهن أجزاء، ثم يُفرِّق هذه الأجزاء على قمم الجبال، ثم بعد ذلك ترك له الخالق سبحانه أنْ يدْعُوَهُن بنفسه، وأن يصدر الأمر منه فتتجمع هذه القطع المبعثرة وتدبّ فيها الحياة من جديد، وهذا من مظاهر عظمته أنه لم يفعل، بل جعل مَنْ لا يستطيع ذلك يفعله. ويقدر عليه.
فإنْ كان البشر يُعَدُّون أثر قدرتهم إلى الضعفاء، فمَنْ لا يقدر على حَمْل شيء يأتي بمَنْ يحمله له، ومَنْ يعجز عن عمل شيء يأتي بمَنْ يقوم به، ويظل هو ضعيفاً لا يقدر على شيء، أما الحق فيُعدِّي قوته بنفسه إلى الضعيف فيصير قوياً قادراً على الفعل.
стр. 10592
فقوله: ﴿أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ﴾ [مريم: ٨] ؟ سؤال عن الكيفية، كما أن إبراهيم ﵇ لما قال له ربه: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِن﴾ [البقرة: ٢٦٠] ؟ أي: بقدرتي على إحياء الموتى، قال (بَلَى) أي: نعم أومن ﴿وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] أي: الكيفية التي يتم بها الإحياء.
أو: أن زكريا ﵇ بقوله: ﴿أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ﴾ [مريم: ٨] يريد أن يُوثِّق هذه البشرى ويُسجِّلها، كما تَعِد ولدك بأنْ تشتري له هدية فيُلِحّ عليك في هذه المسألة ليؤكد وَعْدك له، ويستلذ بأنه وَعْد مُحقَّق لا شكَّ فيه، ثم يذكر زكريا حيثيات تعجُّبه من هذا الأمر فيقول:
﴿وَكَانَتِ امرأتي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكبر عِتِيّاً﴾ [مريم: ٨] .
عتياً: من عَتَا يعني طغى وتجبر وأفسد كثيراً، والعُتُو: الكفر، والعَتيّ: هو القوي الذي لا يُغالب؛ لذلك وصف الكِبَر الذي هو رمز للضعف بأنه عَتِيّ؛ لأن ضعف الشيب والشيخوخة ضَعْف لا يقدر أحد على مقاومته، أو دفعه أبداً، مهما احتال عليه بالأدوية والعقاقير (والفيتامينات) .
ويبدو أن مسألة الولد هذه كانت تشغل زكريا ﵇؛ وتُلِح عليه؛ لأنه دعا الله كثيراً أنْ يرزقه الولد، ففي موضع آخر يقول: ﴿رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الوارثين﴾ [الأنبياء: ٨٩] . فزكريا ﵇ يريد الولد الذي يَرِثه وهو موروث؛ لأن الله تعالى خير الوارثين.
стр. 10593
لكن يأتي الرد: ﴿فاستجبنا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠] ونلاحظ أنه تعالى قبل أن يقول: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠] التي ستنجب هذا الولد، قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى﴾ [الأنبياء: ٩٠] فصلاح الزوجَة ليس شرطاً في تحقُّق هذه البشرى وحدوث هذه الهبة.
وهنا مظهر من مظاهر طلاقة القدرة الإلهية التي لا يُعجِزها شيء، فهو سبحانه قادر على إصلاح هذه الزوجة العاقر، فالصنعة الإلهية لا تقف عند حَدٍّ، كما لو تعطَّل عندك أحد الأجهزة مثلاً فذهبتَ به إلى الكهربائي لإصلاحه فوجد التلفَ به كبيراً، فينصحك بترْكه وشراء آخر جديد، فلا حيلةَ في إصلاحه.
لذلك أصلح الله تعالى لزكريا زوجه حتى لا نظنَّ أن يحيى جاء بطريقة أخرى، والزوجة ما تزال على حالها.
ثم يقول الحق: ﴿قَالَ كذلك قَالَ رَبُّكَ﴾
стр. 10594
(قَالَ) أي: الحق ﵎ ﴿كذلك قَالَ رَبُّكَ﴾ [مريم: ٩] أي: أنه تعالى قال ذلك وقضى به، فلا تناقش في هذه المسألة، فنحن أعلَم بك وما أنتَ فيه من كِبَر، وأن زوجتك عاقر، ومع ذلك سأهبك الولد.
стр. 10595
وقوله تعالى: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: ٩] وفي آية أخرى يقول في آية البعث: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] فلا تظن أن الأمر بالنسبة لله تعالى فيه شيء هَيِّن وشيء أَهْوَن، وشيء شاقّ، فالمراد بهذه الألفاظ تقريب المعنى إلى أذهاننا.
والحق سبحانه يخاطبنا على كلامنا نحن وعلى منطقنا، فالخَلْق من موجود أهون في نظرنا من الخلق من غير موجود، كما قال الحق سبحانه تعالى: ﴿أَفَعَيِينَا بالخلق الأول بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥] .
إذن: فمسألة الإيجاد بالنسبة له تعالى ليس فيها سَهْل وأسْهَل أو صَعْب وأصعب، لأن هذه تُقال لمَنْ يعمل الأعمال علاجاً، ويُزوالها مُزَاولة، وهذا في إعمالنا نحن البشر، أما الحق ﵎ فإنه لا يعالج الأفعال، بل يقول للشيء كُنْ فيكون: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] .
ثم يُدلّل الحق بالأَقْوى، فيقول: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ [مريم: ٩] فلأن يوجد يحيى من شيء أقلّ غرابة من أن أوجد من لاشيء. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿قَالَ رَبِّ اجعل لي آيَةً﴾
стр. 10596
(آية) أي: علامة على أن امرأته قد حملتْ في يحيى، وكأن زكريا ﵇ يتعجل الأمور ولا صبرَ له طوال تسعة أشهر، بل يريد أن يعيش في ظِلِّ هذه النعمة، وكأنها واقع لا ينفكّ لسانه حامداً شاكراً عليها، وتظل النعمة في باله رغم أن ولده ما يزال جنيناً في بطن أمه.
فيجيبه ربه: ﴿آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ الناس ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً﴾ [مريم: ١٠] علامتك أَلاَّ تُكَلِّم الناس ثلاث ليال و (أَلاَّ) ليست للنهي عن الكلام، بل هي إخبار عن حالة ستحدث له دون إرادته، فلا يكلم الناس مع سلامة جوارحه ودون عِلَّة تمنعه من الكلام، كخرس أو غيره.
لذلك قال: ﴿ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً﴾ [مريم: ١٠] أي: سليماً مُعاَفىً، سويّ التكوين، لا نقص فيك، ولا قصور في جارحة من جوارحك. وهكذا لا يكون عدم الكلام عَيْباً، بل آية من آيات الله.
وهناك فَرْق بين أمر كونيٍّ وأمر شرعي، الأمر الكونيُّ هو ما يكون وليس لك فيه اختيار في ألاَّ يكون، والأمر الشرعيّ ما لك فيه اختيار من الممكن أن تطعيه فتكون طائعاً، أو تعصيه فتكون عاصياً.
وهذا الذي حدث لزكريا أمر كوني، وآية من الله لا اختيار له فيها، وكأن الحق سبحانه يعطينا الدليل على أنه يوجد مِنْ لا مظنّة أسباب، وقد يبقي الأسباب سليمة صالحة ولا يظهر المسبِّب، فاللسان هنا موجود، وآلات النطق سليمة، ولكنه لا يقدر على الكلام.
стр. 10597
فتأمل طلاقة القدرة، فقد شاء سبحانه لزكريا الولد بغير أسباب، وهنا منع مع وجود الأسباب، فكلا الآيتين سواء في قدرته تعالى ومشيئته.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَخَرَجَ على قَوْمِهِ﴾
стр. 10598
إذن: حدثتْ هذه المسألة لزكريا وهو في (المحرَابِ) أي: مكان العبادة والصلاة، وعادةً ما يكون مرتفعاً على شرف عما حوله، وكان مصلى الأنبياء والصالحين، وسُمي محراباً لأنه يحارب فيه الشيطان بكيْده ووسوسته. وقد ذُكر المحراب أيضاً في قصة داود ﵇: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الخصم إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب﴾ [ص: ٢١] .
وقد وردتْ هذه اللقطة من قصة زكريا ﵇ في آية أخرى دَلَّتْ أيضاً على أن البشارة بيحيى كانت وهو في محرابه، حيث قال تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الملائكة وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي المحراب أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بيحيى مُصَدِّقاً﴾ [آل عمران: ٣٩] .
وقوله تعالى: ﴿فأوحى إِلَيْهِمْ﴾ [مريم: ١١] قلنا: إن الوَحْي له معنى لُغَويّ ومعنى شرعي، الوحي لُغةً: الإخبار بطريق خفيٍّ. وعلى هذا المعنى يأتي الوحي بطرق متعددة، فالله تعالى يُوحِي للرسل والأنبياء، ويُوحي لغير الرسل من المصطفين، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى أُمِّ موسى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧] أي: أخبرها بطريق خفيٍّ، هو طريق الإلهام.
стр. 10599
ويُوحِي إلى الملائكة: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الملائكة أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الذين آمَنُواْ﴾ [الأنفال: ١٢] .
ويُوحِي للصالحين من أتباع الرسل: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي﴾ [المائدة: ١١١] .
ويتعدَّى الإعلام بخفاء إلى الحشرات: ﴿وأوحى رَبُّكَ إلى النحل أَنِ اتخذي مِنَ الجبال بُيُوتاً وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل: ٦٨] .
بل يتعدَّى الوحي إلى الجماد في قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا وَقَالَ الإنسان مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا﴾ [الزلزلة: ١٥] .
وقد يُوحي الشياطين بعضهم إلى بعض: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُوراً﴾ [الأنعام: ١١٢] .
ويُوحون إلى أوليائهم: ﴿وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١] لأن الشيطان لا يأتي الإنسان إلا بطريق خفيٍّ، ووسوسة في خواطره.
أما الوحي الشرعي فهو إعلام من الله وحده إلى نبي يدَّعي النبوة ومعه معجزة، إذن فالوحي: إعلام خفيّ من الله للرسول.
فقوله تعالى: ﴿فأوحى إِلَيْهِمْ﴾ [مريم: ١١] أي: قال لهم بطريق الإشارة؛ لأنه لا يتكلم ﴿أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ [مريم: ١١] بُكرة: أول النهار، وعَشياً: آخره، يعني: طوِّقوا النهار بالتسبيح بداية ونهاية. وكأن زكريا ﵇ قد بدتْ عليه علامات الفرح
стр. 10600
والإنبساط بالبُشْرى، ورأى أن شُكْره لله وتسبيحه لا ينهض بهذه النعمة، فأمر قومه أنْ يُسبِّحوا الله معه، ويشكروه معه على هذه النعمة؛ لأنها لا تخصُّه وحده، بل هي عامة لكل القوم.
ثم يقول تعالى: ﴿يايحيى خُذِ الكتاب﴾
стр. 10601
نلحظ أن الآية الكريمة انتقلتْ بنا نَقْلة واسعة، وطوَتْ فترة طويلة من حياة يحيى ﵇ فقد كان السياق يتحدث عنه وهو بُشْرى لوالده، وهو ما يزال في بطن أمه جنيناً، وفجأة يخاطبه وكأنه أصبح أمراً واقعاً: ﴿يايحيى خُذِ الكتاب بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢] فقد بلغ مبلغ النُّضْج، وأصبح أهْلاً لحمْل مهمة الدعوة، إذن: المسألة مأخوذة مأخَذ الجدِّ، وهي حقيقة واقعة.
وقوله: ﴿خُذِ الكتاب﴾ [مريم: ١٢] أي: التوراة، وفيها منهج الله الذي يُنظِّم لهم حركة حياتهم ﴿بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢] أي: بأخلاص في حِفْظه وحِرْص على العمل به؛ لأن العلم السماوي والمنهج الإلهي الذي جاءكم في التوراة ليس المراد أن تعلمه فقط بل وتعمل به.
وإلا فقد قال تعالى في بني إسرائيل: ﴿مَثَلُ الذين حُمِّلُواْ التوراة
стр. 10602
ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [الجمعة: ٥] فقد حَمَّلهم الله التوراة، فلم يحملوها ولم يعملوا بها.
والقوة: هي الطاقة الفاعلة التي تدير دولاب الحياة حركةً وسكوناً، وخُذْ مثلاً سفينة الفضاء التي تنطلق إلى الفضاء الخارجي، وتظل تدور فيه عدة سنوات وتتساءل: من أين لها بالوقود الذي يُحرّكها طوال هذه المدة؟ والحقيقة أنها لا تحتاج: إلى وقود إلا بمقدار ما يُخرِجها من مدار الجاذبية الأرضية، فإذا ما خرجت من نطاق الجاذبية وهي متحركة تظل متحركة ولا تتوقف إلا بقوة توقفها، وكذلك الساكن يظل ساكناً إلى أنْ تأتيَ قوة تحركه.
إذن: القوة إمّا أنْ تُحرِّك الساكن أو تُسْكِن المتحرك وتصده، ومن ذلك ما نراه في السكك الحديدية من مصدَّات تُوقِف القطارات؛ لأنك إنْ أردتَ أن توقف القطار تمنع عنه الوقود، لكن يظل به قوة دفع تحركه تحتاج إلى قوة معاكسة توقفه، وهذا ما يسمونه قانون العطالة. يعني: إن كان الشيء متحركاً فيحتاج إلى قوة توقفه، وإن كان ساكناً يحتاج إلى قوة تحركه.
ومن ذلك قانون القصور الذاتي الذي تعلمناه في المدارس، وتلاحظه إذا تحركتْ بك السيارة تجد أن جسمك يندفع للخلف؛ لأنها تحركتْ للأمام وأنت ساكن، فإنْ توقفتْ السيارة تحرَّك جسمك للأمام لأنها توقفت وأنت متحرك. إذن: هذه الأشياء التي تتحرك في الكون أو الساكنة نتيجة قوة.
فقوله تعالى: ﴿خُذِ الكتاب بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢] لأن الكتاب فيه
стр. 10603
أوامر وفيه نَوَاهٍ، يأمر بالخير وينهاك عن الشر، فإنْ أمركَ بالخير وأنت لا تفعله تحتاج إلى قوة دَفْع تدفعك إلى الخير، وكأنك كنتَ ساكناً تحتاج إلى قوة تحركك، وإنْ نهاك عن الشر وأنت تفعله فأنت في حاجة إلى قوة تمنعك وتوقف حركتك في الشر. والمنهج هو هذه القوة التي تُحرِّكك إلى الخير وأنت ساكن، وتُسكنك عن الشر وأنت متحرك.
ثم يقول تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبِيّاً﴾ [مريم: ١٢] الحكم: العلم والفهم للتوراة، أو الطاعة والعبادة، ﴿صَبِيّاً﴾ [مريم: ١٢] في سِنٍّ مبكرة؛ لأن المسألة عطاء من الله لا يخضع للأسباب، فجاء يحيى ﵇ مُبكِّر النضج والذكاء، يفوق أقرانه، ويسبق زمانه، وقد أُثِر عنه وهو صغير أنْ دعاه أقرانه للعب فقال لهم: «ما للعب خُلِقْنا» .
ثم يقول الحق ﵎: ﴿وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا﴾
стр. 10604
ولأن يحيى جاء إلى الدنيا حال كِبَر وضعف والديه، وهو كطفل يحتاج مَنْ يشمله بالعطف والحنان، ويُعوِّضه حنان الوالدين، ويحتاج إلى مَنْ يُعلِّمه ويُربِّيه؛ لذلك تولِّى الحق هذه المهمة، فهو سبحانه خالقه ومُسمِّيه ومُتولّيه فوهبه حناناً منه
стр. 10605
سبحانه ﴿مِّن لَّدُنَّا﴾ [مريم: ١٣] من عندنا؛ لأن طاقة الحنان عند الوالدين قد نضبتْ.
وقوله: ﴿وَزَكَاةً﴾ [مريم: ١٣] أي: طهارة من الذنوب وصفاءَ نفْسٍ وبركة، وهذه كلها نتيجة التربية الإلهية بمنهج الله الذي يرسم له حركته في الحياة: افعل كذا ولا تفعل كذا.
﴿وَكَانَ تَقِيّاً﴾ [مريم: ١٣] أي: استجاب لهذا الحنان، وأثمرت فيه هذه التربية فكان تقياً، أي: مُنفذاً لأوامر الله مُجتنباً لنواهيه، وبذلك وقَى نفسه من صفات الجلال من الله تعالى.
وقلنا: إن التقوى أنْ تجعل بينك وبين ما تتقيه مانعاً يحميك ويبعدك عن إيذائه، فنقول: اتقِ الله واتقِ النار، كيف ذلك ونحن نريد أن نصل إلى معيته سبحانه؟
نقول: اتق الله أي: اجعل بينك وبين صفات جلاله وجبروته وقايةً تحميك من جبروته وجباريته وقهره، فلسْت مطيقاً لأدنى شيء من العذاب، والنار من جنود الله ومظهر من مظاهر قهره، فاتقاء النار جزء من اتقاء الله، والوقاية التي تحميك من صفات الجبروت والجلال هي الطاعة بامتثال الأوامر والنواهي.
ثم يقول تعالى: ﴿وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن﴾
стр. 10606
فرغم أن يحيى ﵇ جاء أبويْه في حال كِبَرهما وضعفهما، ولم يجد منهما الحنان الكافي والتربية المناسبة، ولم
стр. 10607
يشعر معهما بالأُبوة الكاملة، فكان دورهما في حياته ثانوياً، وحمايلهم عليه باهتة متواضعة، مع هذا كله كان باراً بهما حانياً عليهما. وقال عنه أيضاً: ﴿وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً﴾ [مريم: ١٤] .
وصفة الجبروت وصفة العصيان لا يُتصوَّران من الولد على والديه، إلا حين يرى من أبيه شروداً عنه وانصرافاً عن رعايته، وحين يرى من أمه انشغالاً عن تربيته، فهي تاركة له غير مُراعية لحقه.
لذلك نرى صوراً من هذا الجبروت ومن هذا العصيان، ونسمع مَنْ يقسو على أمه وعلى أبيه؛ لأنه لم يجد منهما العطف والحنان والرعاية، فتقعطتْ بينهما أواصر الأبوة. ويبدو أن زكريا حكى لولده ما حدث، وقصَّ عليه قِصّته، فتفهَّم الولد دور والديه ونفى عنهما أيّ تقصير، فكان بهما باراً رحيماً، ولهما طائعاً متواضعاً.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾
стр. 10608
هذه مسائل ثلاث تُعَدُّ أعلام حياة للإنسان: الميلاد، والموت، والبعث. وقد خَصَّه الله بالسلام يوم مولده؛ لأنه وُلِد على غير العادة في الميلاد فأُمّه عاقر أسنتْ، ومع ذلك لم تتعرض لألسنة الناس ولم يعترض أحد على ولادتها، وهي على هذا الوصف، فلم يتجرأ أحد عليها؛ لأن ما حدث لها كان آيةً من آيات الله وقد بشّر الله بها
стр. 10609
زكريا لتكون البُشْرى إعداداً ومقدمة لهذا الحدث العجيب.
وخَصَّه بالسلام يوم يموت؛ لأنه سيموت شهيداً، والشهادة غير الموت، الشهادة تعطيه حياة موصولةً بالحياة الأبدية الخالدة. وكذلك خَصَّه بالسلام يوم القيامة يوم يُبعث حيّاً.
ثم يقول الحق : ﴿واذكر فِي الكتاب﴾
стр. 10610
وقصة مريم في واقع الأمر كانت قبل قصة زكريا ويحيى؛ لأن طلب زكريا للولد جاء نتيجة لما سمعه من مريم حين سألها عن طعام عندها لم يأْتِ به، وهو كافلها ومُتولّي أمرها، فتعجب أنْ يرى عندها رِزْقاً لم يحمله إليها، وهي مقيمة على عبادتها في محرابها، فقال لها: ﴿يامريم أنى لَكِ هذا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله إِنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] .
وكأن هذا أول بداية قانون: من أين لك هذا؟ لكن عطاءه تعالى لا يخضع للأسباب، بل هو سبحانه يرزق مَنْ يشاء متى شاء وبغير حساب.
وشاءتْ إرادة الله أن تنطِقَ مريم بهذه المقولة: ﴿إِنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] لأنها ستُنبِّه زكريا إلى شيء،
следующие страницы →