← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 10641–10680 · переход к 10646.

стр. 10641

تقصد أتمَّ الله عليك نعمته أي: أزالها، أما سمعتم قول الشاعر: إذَا تَمَّ شَيءٌ بَدَا نَقْصُه ... ترقَّبْ زَوَالاً إذَا قِيلَ تَمْ ذلك لأن الإنسان بطبيعته ابن أغيار، لا يثبت على حال، فإذا ما وصل إلى القمة وتمتْ له النعمة، وهو ابن أغيار فلا بُدَّ أنْ يتحوَّل عنها. وقولها: أقرَّ الله عينك، أي: أسْكَنَها بالعمى. فقوله تعالى لمريم: ﴿وَقَرِّي عَيْناً﴾ [مريم: ٢٦] أي: كوني سعيدة باصطفاء الله لك مسرورة بما أعطاك، فما تهتمين به وتحزنين هو عَيْن النعمة التي ليستْ لأحد غيرك من نساء العالمين. ثم يقول تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البشر أَحَداً فقولي إِنِّي نَذَرْتُ للرحمن صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ اليوم إِنسِيّاً﴾ [مريم: ٢٦] . وهنا يتولَّى الحق الدفاع عن مريم وتبرير موقفها الذي لا تجد له هي مبرراً في أعراف الناس، فَمنْ يلتمس عُذْراً لامرأة تحمل وتلد دون أن يكون لها زوج؟ ومهما قالت فلن تُصدَّق ولن تسْلَم من ألسنة القوم وتجريحهم. إذن: فجواب ما يكره السكوت، فأمرها سبحانه أنْ تلزم الصمت ولا تجادل أحداً في أمرها: ﴿فقولي إِنِّي نَذَرْتُ للرحمن صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ اليوم إِنسِيّاً﴾ [مريم: ٢٦] والصوم هنا أي: عن الكلام، كما حدث مثل هذا في قصة زكريا؛ لأن المعجزات قريبة من بعضها، فقد أعطى الله

стр. 10642

زكريا مع عَطَب الآلات، وأعطى مريم بنقص الآلات، ولا يبرر هذه المعجزات ولا يدافع عنها إلا صانعها ﵎. وهذه المسألة اعترض عليها بعض الذين يحبون أنْ ينتقموا على القرآن، فقالوا: كيف يأمرها بالصوم عن الكلام، وفي نفس الوقت يأمرها أن تقول: نذرت للرحمن صوماً؟ يجوز أنها قالت هذه العبارة أولاً لأول بشر رأته ليتم بذلك إعلان صومها، ثم انقطعت عن الكلام، ويجوز أن يكون المراد بالكلام هنا الإشارة، والدلالة بالإشارات أقوى الدلالات وأعمّها، فإن اختلفت اللغات بين البشر لأن كل جماعة تواضعوا على لغة خاصة بهم، فإن لغة الإشارة تظل لغة عامة يتفق عليها الجميع، فمثلاً حين تُومىء برأسك هكذا تعني نعم في كل اللغات، وحين تُشير بأصبعك هكذا تعني لا، إذن: فالدلالة لغة عالمية وعامّة. وقد تعرَّضَ القرآن الكريم في موضع آخر لهذه المسألة في قوله تعالى: ﴿حتى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ [الكهف: ٩٣] . أي: لا يقربون من الفهم، فَهُمْ يفهمون من باب أَوْلى، ومع ذلك كان بينهم كلام وإشارة ولغة، وفَهِم كل منهم عن الآخر: ﴿قَالُواْ ياذا القرنين إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾ [الكهف: ٩٤] .

стр. 10643

ونلحظ في قولها: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليوم إِنسِيّاً﴾ [مريم: ٢٦] أن النهي عن الكلام مع البشر خاصة فلم تَقُل: لن أتكلم، وإلاّ فمعها جبريل ﵇ يُكلّمها وبينهما تفاهم، لعلَّه يرى لها مَخْرجاً، وقد كانت مريم واثقة مطمئنة إلى هذا المخرج، فإذا كان ربها ﵎ أمرها بالصوم عن الكلام، فإنه سينطق الوليد ليتكلم هو ويدافع عن أمه أمام اتهامات القوم. ولما تكلّمنا في قوله تعالى: ﴿فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ أَلاَّ تَحْزَنِي﴾ [مريم: ٢٤] استبعدنا أنْ يكون هذا النداء من جبريل، وقلنا: إنه نداء الوليد؛ لذلك اطمأنتْ مريم وعَلِمتْ أنها أمام معجزة عُظْمى، ووثقتْ تمام الثقة أنها حين تُشير إليه سيتكلم هو ويردُّ عنها الحَرج مع قومها؛ لأن الكلام ممَّنْ يقدر على الكلام لا يأتي بحجة تُقنِع الناس عن خلاف العادة، أما حين يتكلم وهو في المهد، فهذا يعني أنه معجزة خارقة للعادة، فإذا كان الوليد معجزةً فالمعجزة في أُمِّه من باب أَوْلَى. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾

стр. 10644

ونعجب للسيدة مريم، فبدلَ أن تخجل مما حدث وتستتر بوليدها عن أعيُن الناس، أو تنتقل به إلى مكان آخر في فيافي الأرض إذا بها تحمله، وتذهب به، وتبادر به قومها، وما كانت لتفعل ذلك وتتجرأ عليه إلا لثقتها في الحجة التي معها، والتي ستوافيها على يد وليدها.

стр. 10645

لذلك لما سأل بعض المستشرقين الإمام محمد عبده ﵀ في باريس: بأيِّ وجه قابلتْ عائشة قومها بعد حديث الإفْكِ؟ سبحان الله إنهم يعلمون أنه إفْكٌ وباطل، لكنهم يرددونه كأنهم لا يفهمون. فأجاب الشيخ ﵀ ببساطة: بالوجه الذي قابلتْ به مريم قومها وهي تحمل وليدها. أي: بوجه الواثق من البراءة، المطمئن إلى تأييد الله، وأنه سبحانه لن يُسْلِمها أبداً؛ لذلك لما نزلتْ براءة عائشة في كتاب الله قالوا لها: اشكري النبي، فقالت: بل أشكر الله الذي برأني من فوق سبع سموات. فلما رآها القوم على هذه الحال قالوا فيها قولاً غليظاً: ﴿يامريم لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً﴾ [مريم: ٢٧] فرياً: الفَرْيُ للجلد: تقطيعه، والأمر الفري: الذي يقطع معتاداً عند الناس فليس له مثيل، أو من الفِرْية وهو تعمد الكذب. ثم قالوا لها: ﴿ياأخت هَارُونَ مَا كَانَ﴾

стр. 10646

قولهم لمريم: ﴿ياأخت هَارُونَ﴾ [مريم: ٢٨] هذا كلام جارح وتقريع ومبالغة منهم في تعييرها، فنسبوها إلى هارون الذي سُمِّي

стр. 10647

على اسم النبي، فأنتِ من بيت صلاح ونشأت في طاعة الله، فكيف يصدر منك هذا الفعل؟ كما ترى أنت سيدة محجبة يصدر منها في الشارع عمل لا يتناسب ومظهرها فتلومها على هذا السلوك الذي لا يُتصوّر من مثلها. وقوله: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امرأ سَوْءٍ﴾ [مريم: ٢٨] الرجل السوء هو الذي إنْ صحبْتَه أصابك منه سوء، ونالك بالأذى ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً﴾ [مريم: ٢٨] قلنا: إن البَغيَّ: هي المرأة التي تبغي الرجال وتدعوهم إليها، فالمراد: من أين لك هذه الصفة، وأنت من أسرة خَيِّرة صالحة؟ وفي هذا دليل على أن نَضْج الأُسَرِ يؤثر في الأبناء، فحين نُكوِّن الأسرة المؤمنة والبيت الملتزم بشرع الله، وحين نحتضن الأبناء ونحوطهم بالعناية والرعاية، فسوف نستقبل جيلاً مؤمناً واعياً نافعاً لنفسه ولمجتمعه. إذن: فقولهم: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امرأ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً﴾ [مريم: ٢٨] اتهام صريح لمريم، وتأكيد على أنها وقعتْ في محظور وكأنهم مصرون على رَمْيها بالفاحشة. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ﴾

стр. 10648

أي: حين قال القوم ما قالوا أشارتْ إلى الوليد وهي واثقة أنه سيتكلم، مطمئنة إلى أنها لا تحمل دليل الجريمة، بل دليل البراءة. فلما أشارتْ إليه تقول لقومها: اسألوه، تعجَّبُوا: ﴿قَالُواْ كَيْفَ

стр. 10649

نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي المهد صَبِيّاً﴾ [مريم: ٢٩] ونلاحظ في قولهم أنهم لم يستبعدوا أنْ يتكلّمَ الوليد، فلم يقولوا: كيف يتكلم مَنْ كان في المهد صبياً؟ بل قالوا: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ﴾ [مريم: ٢٩] أي: نحن، فاستبعدوا أنْ يكلموه، فكأنهم يطعنون في أنفسهم وفي قدرتهم على فَهْم الوليد إنْ كلَّمهم. والمهد: هو المكان الممهد المعَدّ لنوم الطفل، لأن الوليد لا يقدر أن يبعد الأذى عن نفسه، فالكبير مثلاً يستطيع أنْ يُمهد لنفسه مكان نومه، وأن يُخرِج منه ما يُؤرِّق نومه وراحته، وعنده وَعْي، فإذا آلمه شيء في نومه يستطيع أنْ يتحلَّل من الحالة التي هو عليها، وينظر ماذا يؤلمه. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ الله﴾

стр. 10650

وكأنه قال للقوم: لا تتكلموا أنتم، أنا الذي سأتكلم. ثم بادرهم بالكلام: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ الله﴾ [مريم: ٣٠] وهكذا استهلّ عيسى ﵇ كلامه بإظهار عبوديته لله تعالى، وفي هذه دليل على أنه قد يُقال فيه أنه ليس عبداً، وأنه إله أو شريك للإله. لذلك كانت أو كلمة نطق بها ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ الله﴾ [مريم: ٣٠] فالمعجزة التي جاءتْ بي لا تمنع كَوْني عبداً لله؛ لذلك لو سألتَ الذين يعتقدون في عيسى ﵇ أنه إله أو شريك للإله: إنكم تقولون أنه تكلّم في المهد، فماذا قال؟ فلا يعترفون بقوله أبداً؛ لأن قوله ونُطْقه: ﴿إِنِّي عَبْدُ الله﴾ [مريم: ٣٠] ينفي معتقدهم من أساسه. ليس هذا وفقط، بل: ﴿آتَانِيَ الكتاب﴾ [مريم: ٣٠] لكن كيف

стр. 10651

آتاه الكتاب وهو ما يزال وليداً في مَهْده؟ قالوا: على اعتبار أنه أمرٌ مفروغ منه، وحادث لا شَكَّ فيه، كأنه يقول: أنا أَهْل لأنْ أتحملَ أمانةَ السماء إلى أهل الأرض. مع أن الكتاب لم يأتِ بعد، إلا أنه مُلقَّن لقَّنه ربه الكتاب بالفعل، وإنْ لم يأت الوقت الذي يُبلِّغ فيه هذا الكتاب. ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيّاً﴾ [مريم: ٣٠] فسلوكي سلوك قويم، ولا يمكن أن يكون فيَّ مطعَنٌ بعد ذلك، وإنْ كان هناك مطعن فهو بعيد عني، ولا ذنبَ لي فيه. ثم يقول: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ﴾

стр. 10652

أي: وشرَّع لي أيضاً ما دُمْت حياً. . وقد قال عيسى ﵇ في المهد هذه الكلمات ليبرِّىء أمه الصِّدِّيقة، ذلك أنهم اتهموها في أعزِّ شيء لديْها؛ ولذلك لم يكُنْ ليُجدي أيّ كلام منها، وإنقاذاً لها أبلغها الحق عن طريق جبريل أو عيسى ﵉ أن تقول: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ للرحمن صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ اليوم إِنسِيّاً﴾ [مريم: ٢٦] . ثم يقول: ﴿وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي﴾

стр. 10653

فلِمَ ذكر والدته هنا؟ ولِمَ حرص على تقرير بِرِّه بها؟ قالوا: لأن البعض قد يظن أن عيسى ﵇ حينما يكبر ويعرف قصة خَلْقه، وأن أمه أتَتْ به من غير أب، ودون أنْ يمسسْها بشر

стр. 10654

قد تترك هذه المسألة ظلالاً فلي نفسه وتُساوِره الشكوك في أمه، فأراد أنْ يقطع كل هذه الظنون. ذلك لأنه هو نفسه الدليل، وهو نفسه الشاهد على براءة أمه، والدليل لا يُشكِّك في المدلول، فكأنه يقول للقوم: إياكم أنْ تظنوا أني سأتجرأ على أمي، أو يخطر ببالي خاطر سوء نحوها. ثم يقول: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً﴾ [مريم: ٣٢] فنفى عن نفسه صفة الجبروت والقسوة والتعاظم؛ لأن الرسول لابُدَّ أنْ يكون ليِّنَ الجانب رفيقاً بقومه؛ لأنه أتى ليُخرِج الناس مِمَّا ألِفُوه من الفساد إلى ما يثقل عليهم من الطاعة. والإنسان بطبعه حين يألَف الفساد يكره مَنْ يُخرِجه عن فساده، فمن الطبيعي أن يتعرّض النبي لاستفزاز القوم وعنَادهم ومكابرتهم، فلو لم يكُنْ ليِّن الجانب، رقيق الكلمة، يستميل الأذن لتسمع والقلوب لتعي ما صلح لهذه المهمة. لذلك يخاطب الحق ﵎ نبيه محمداً ﷺ َ بقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] . ومعنى ﴿شَقِيّاً﴾ [مريم: ٣٢] أي: عاصياً، وما أبعدَ مَنْ هذه صفاته عن معصية الله التي يشقى بسببها الإنسان. ثم يقول تعالى عن عيسى ﵇ أنه قال: ﴿والسلام عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ﴾

стр. 10655

سبق أن قلنا في قصة يحيى ﵇: إن هذه الأحداث أعلام

стр. 10656

ثلاثة في حياة الإنسان: يوم مولده، ويوم موته، ويوم أنْ يُبعث يوم القيامة. فما وجه السلامة في هذه الأحداث بالنسبة لعيسى ﵇؟ قوله: ﴿والسلام عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ﴾ [مريم: ٣٣] لأن يوم مولده مَرَّ بسلام، رغم ما فيه من عجائب، فلم يتعرَّض له أحد بسوء، وهو الوليد الذي جاء من دون أب، وكان من الممكن أنْ يتعرّض له ولأمه بعض المتحمسين الغيورين بالإيذاء، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث، ومَرَّ الميلاد بسلام عليه وعلى أمه. ﴿وَيَوْمَ أَمُوتُ﴾ [مريم: ٣٣] لأنهم أخذوه ليصلبوه، فنجّاه الله من أيديهم، وألقى شبهه على شخص آخر، ورفعه الله تعالى إلى السماء. ﴿وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً﴾ [مريم: ٣٣] فليس هناك من الرسل مَنْ سيسأل هذه الأسئلة، ويناقش هذه المناقشة التي نُوقِشها عيسى في الدنيا: ﴿وَإِذْ قَالَ الله ياعيسى ابن مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغيوب مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ [المائدة: ١١٦١١٧] . وليس هذا قَدْحاً في مكانة عيسى ﵇؛ لأن ربَّه ﵎ يعلم أنه ما قال لقومه إلا ما أُمِرَ به، ولكن أراد سبحانه توبيخ القوم الذين اتخذوه وأمه إلهين من دون الله، فوجْه السلام في يوم ﴿أُبْعَثُ حَيّاً﴾ [مريم: ٣٣] أنه نُوقِش في الدنيا وبُرّئتْ ساحته.

стр. 10657

ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ذلك عِيسَى ابن مَرْيَمَ﴾

стр. 10658

﴿ذلك﴾ [مريم: ٣٤] أي: ما تقدّم من قصة عيسى ﵇ ﴿قَوْلَ الحق﴾ [مريم: ٣٤] أي: يقولها الله تعالى قَوْلَة حَقٍّ، والحق هو الله، فالذي قَصّ عليك هذا القَصَص هو الله، وقوله الحق الذي لا باطلَ فيه، فيكون الحق الذي هو ضد الباطل، فالمعنيان ملتقيان. أو: يكون المراد بقول الحق كلمة (كُنْ) التي بها يتمّ الخَلْق. ثم يقول تعالى: ﴿الذي فِيهِ يَمْتُرُونَ﴾ [مريم: ٣٤] من المراء: وهو الاختلاف والجدال بالباطل، فالحق سبحانه يعلم أنهم سيشكُّون فيه، ويتجادلون بالباطل، وأنهم سيقولون فيه الأقاويل، وكأن الله تعالى يقول لهم: اتركوا هذه الأقاويل والأباطيل في شأن عيسى وخُذُوا بما أخبرتُكم به من خبره، فهو الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خَلْفه. ثم يقول الحق ﵎: ﴿مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ﴾

стр. 10659

لماذا تكلم الحق سبحانه هنا عن نفي الولد بالذات؟ قالوا: لأن مسألة الشريك لله تعالى تُنفَى بأولية العقل، فإنْ كان

стр. 10660

كُلُّ إ له صالحاً للفعل وللترك، فهذه صورة مُكرّرة لا تناسب الإله، وإنْ كان هذا إلهاً لكذا وهذا إله لكذا، فما عند أحدهما نقص في الآخر، وهذا محال في الإله، ولو أن هناك إلهاً آخر لذهب كل منهما بجزء، كما قال سبحانه: ﴿إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] . لذلك نفى مسألة الولد؛ لأنها ذات أهمية خاصة بالنسبة لقصة عيسى ﵇؛ لأن الولد من الممكن أنْ يُستبعَد فيه الدليل، لماذا؟ لأن دليله اتخاذُ الولد أو حُبُّ الولد، والإنسان يحب الولد ويسعى إليه، لماذا؟ قالوا: لأن الإنسان ابْنُ دنياه، وهو يعلم أنه ميت ميت، فيحبّ أن يكون له امتداد في الدنيا وذِكْر من بعده، فالإنسان يتمسّح في الدنيا حتى بعد موته، وهو لا يدري أن ذِكْر الإنسان لا يأتي بعده، بل ذِكْره يسبقه إلى الآخرة بالعمل الصالح. إذن: فحبُّ الولد هنا لاستدامة استبقاء الحياة، وهذا مُحَال في حَقِّ الله ﵎؛ لأنه الباقي الذي لا يزول. وقد يتخذ الولد ليكون عِزْوة لأبيه وسَنداً ومُعِيناً، وهذا دليل الضَّعْف، والحق سبحانه هو القويّ الذي لا يحتاج إلى معونة أحد. إذن: فاتخاذ الولد أمر منفيّ عنه ﵎، فهو أمر لا يليق بمقام الألوهية، ويجب أنْ تُنزِّه الله تعالى أن يكون له ولد؛ لذلك يقول تعالى بعدها: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ [مريم: ٣٥] . وسبحان تدل على التنزيه المطلق لله تعالى تنزيهاً له في ذاته، وفي صفاته، وفي أفعاله، فهو سبحانه ليس كمثله شيء، وإنْ

стр. 10661

وجدتَ صفة مشتركة بينك وبين الله كأنْ يكونَ لله تعالى وجه ويد، ولكَ وجه ويد، فإياك أنْ تنزل بالمستوى الأعلى فتقول: وجهه كوجهي، أو يده كيدي، لأن لك وجوداً ولله تعالى وجود، فهل وجودك كوجود الله؟ وجودك مسبوق بعدم ويلحقه العدم، ووجوده تعالى لم يُسبَق بعدم ولا يلحقه العدم، فعليك إذن أن تقول في مثل هذه المسائل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السميع البصير﴾ [الشورى: ١١] . والمتتبع لمادة (سَبَّح) في القرآن الكريم يجد أنها جاءت بكل الصِّيَغ: الماضي: ﴿سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض﴾ [الحديد: ١] . والمضارع: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ [الجمعة: ١] . والأمر في: ﴿سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى﴾ [الأعلى: ١] . فما دام الكون كله سبَّح لله، ولم ينقطع عن تسبيحه، بل ما زال مُسبِّحاً، فلما خلق الخلق أمرهم بالتسبيح؛ لأنهم جزء من منظومة الكون المسبّح، وعليهم أنْ ينتظموا معه، ولا يكونوا نشازاً في كون الله. أما المصدر (سبحان) فقد جاء ليدل على التنزيه المطلق لله تعالى، حتى قبل أن يخلق الخَلْق، التنزيه ثابت له تعالى قبل أنْ يخلق مَنْ يُنزِّهه كما في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١] . لأن المسألة عجيبة وفوق إدراك العقل، فقد جاء بالمصدر (سبحان) الدالّ على التنزيه المطلَق لله، كأنه تعالى يُحذّر الذين

стр. 10662

يُحكِّمون عقولهم، ولا يُحكِّمون قدرة الله الذي خلقهم بقانون الزمان والمكان والبُعْد والمسافة، فكُلٌّ فعل يتناسب قوةً وقدرةً مع فاعله. ثم يقول تعالى: ﴿إِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [مريم: ٣٥] ذلك لأن الآية في خَلْق عيسى ﵇ مخالفة للنواميس كلها، وخارقة للعادة التي أَلِفها الناس، فإياك أنْ تتعجب من فِعْل الله تعالى في يحيى، حيث جاء به مع عطب الآلات، أو تتعجب من خَلْق عيسى حيث جاء به مع نقص الآلات. وإياك أنْ تتعَجَّب من كلام عيسى وهو في المهد صَبِياً، فهي أمور نعم خارقة للعادة وللنواميس، فخُذْها في إطار (سبحانه) وتنزيهاً له؛ لأنه تعالى إذا أراد شيئاً لا يعالجه بعمل ومُزاولة، وإنما يعالجه (بكُنْ) فيكون. ولا تظن أن خَلْق الأشياء متوقف على هذا الأمر (كُنْ) ، فإن كان الفعل مُكوّناً من (كاف) و (نون) فقبل أن تنطق النون يكون الشيء موجوداً، لكن (كُنْ) هو أقصر ما يمكن تصوِّره لنا، والحق سبحانه يخاطبنا بما يُقرِّب هذه المسألة إلى عقولنا، وإلا فإرادته سبحانه ليستْ في حاجة إلى قول (كُنْ) فما يريده الله يكون بمجرد إرادته. كما أنك لو أمعنتَ النظر في قوله تعالى: ﴿إِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [مريم: ٣٥] تجد (يقُولُ لَهُ) أي: للشيء، فكأن الشيء موجود بالفعل، موجود أزلاً، فالأمر بكُنْ ليس لإيجاده من العدم، بل لمجرد إظهاره في عالم الواقع.

стр. 10663

ثم يقول: ﴿وَإِنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾

стр. 10664

الرب: هو المتولّي للتربية والرعاية. والتربية تعني أن يأخذ المربِّي المربَّى بالرياضة إلى مَا يصلحه لأداء مهمته والقيام بها، كما لو أردتَ مهندساً تُربّيه تربيه مهندس، وإن أردت طبيباً تربية تربية طبيب. ونحن هنا أمام قوم أشركوا بالله، ونحتاج لداعية يُخرِجهم من الشرك إلى الإيمان، ومن المعصية إلى الطاعة. فالمعنى: ما دام أن الله تعالى ربي وربكم، والمتولّي لتربيتنا جميعاً، فلا بُدَّ أن يُربّى لكم مَنْ يصلحكم؛ لأنه تعالى لا يخاطبكم مباشرة، بل سيبعثني إليكم أبلغكم رسالته، وأدعوكم إلى عبادته وحده لا شريك له، وما دام الله ربي وربكم فمن الواجب أنْ تُطيعوه ﴿فاعبدوه﴾ [مريم: ٣٦] والعبادة أنْ يطيعَ العابدُ معبوده في أوامره وفي نواهيه. كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أمروا إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله﴾ [البينة: ٥] . ثم يقول تعالى: ﴿هذا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ [مريم: ٣٦] أي: الذي لا التواءَ فيه ولا اعوجاجَ، وهو الطريق الذي يُوصِّلك لمقصودك من أقرب طريق، وبأقلّ مجهود، ومعلوم أن الخط المستقيم هو أقرب طريق بين نقطتين. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فاختلف الأحزاب مِن بَيْنِهِمْ﴾

стр. 10665

الأحزاب: أي الذين اختلفوا في عيسى ﵇ من قومه، فمنهم مَنْ قال: هو إله، ومنهم مَن قال: ابن إله. وآخر قال: هو

стр. 10666

ثالث ثلاثة. ومنهم مَنْ رماه بالسحر وقال عنه بعضهم: ابن زنى نستغفر الله مما يقوله الظالمون والكافرون. والأحزاب: جمع حِزْب، وهم طائفة من الناس اجتمعوا حول مبدأ من المبادىء، ورأْي مَن الآراء يدافعون عنه ويعتقدونه، ويسيرون في حياتهم على وفقه، ويُخضِعون حركة حياتهم لخدمته. ومعنى: ﴿مِن بَيْنِهِمْ﴾ [مريم: ٣٧] يعني من داخل المؤمنين به ومن أتباع عيسى أنفسهم، فالذين قالوا عنه هذه الأباطيل ليسو من أعدائه، بل من المؤمنين به. وهكذا اختلف القوم في أمر عيسى، وكان لكل منهم رَأْي، وجميعها مُنَافِية للصواب بعيدة عن الحقيقة؛ لذلك توعّدهم الخالق سبحانه بقوله: ﴿فَوْيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم: ٣٧] . فقد قلتم في عيسى ما قُلْتم في الدنيا، وخُضْتم فيه بما أحببتُمْ من القول؛ لأن الله تعالى جعل إرادتكم نافذة على جوارحكم، وأعطاكم حرية الفعل والاختيار، فوجَّهتم جوارحكم واخترتم ما يُغضب الله، فكأن عقوبة الدنيا لا تناسب ما فعلوه، ولابُدَّ لهم من عقوبة آجلة في الآخرة تناسب ما حدث منهم في حَقِّ نبيهم وفي حَقِّ ربهم ﵎. ﴿فَوْيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم: ٣٧] ومشهد يوم عظيم هو يوم القيامة، يوم تُبْلَى السرائر، يوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله. وسماه المشهد العظيم؛ لأنه يوم مشهود يشهده الجميع؛ لأن العذاب في الدنيا مثلاً لا يشهده إلا الحاضرون المعاصرون، ولا يشهده

стр. 10667

السابقون ولا اللاحقون، أما عذاب الآخرة فهو المشهد العظيم الذي يراه كل الخَلْق. وربما كان بعض العذاب أهونَ من رؤية الغير للإنسان وهو يُعذِّب، فربما تحمَّل هو العذاب في نفسه أما كونه يُعذَّب على مرأىً من الناس جمعياً، ويرونه في هذه المهانة وهذه الذلة وقد كان في الدنيا عظيماً أو جباراً أو عاتياً أو ظالماً، لا شكَّ أن رؤيتهم له في هذه الحالة تكون أنكَى له وأبلغ. لذلك يقول الحق ﵎ عنهم في آية أخرى: ﴿وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النار فَقَالُواْ ياليتنا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين﴾ [الأنعام: ٢٧] هذا منهم مجرد كلام: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ [الأنعام: ٢٨] أي: ظهر لهم ما كانوا يخفون ولم يقُلْ يخفَى عنهم، كأنهم كانوا يعلمون عنه شيئاً ولكنهم أخفوْه. وقال عنهم: ﴿وَلَوْ ترى إِذِ المجرمون نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فارجعنا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] . فلماذا أبصروا وسمعوا الآن؟ لأنهم كانوا يسمعون في الدنيا عن غير وَعْي، فينكرون ويُبصرون آيات الله في الكون ولا يؤمنون، أما في الآخرة فقد انكشفتْ لهم الحقائق التي طالما أنكَروها، ولم يَعُدْ هناك مجال للمكابرة أو الإنكار؛ لذلك يقول تعالى بعدها: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾

стр. 10668

قوله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨] أي: أسمع بهم وأبْصِر بهم، وهذه من صِيَغ التعجُّب على وزن (أفعل به) يعني ما أشدّ سمعهم، وما أشدّ بصرهم، فهم الآن يُرهِفون السمع ويُدقِّقون النظر حتى إن الإنسان ليتعجب من سمعهم الدقيق، وبصرهم المحيط بعد أن كانوا في الدنيا يضعون أصابعهم في آذانهم فلا يسمعون، ويستغشون ثيابهم فلا يبصرون، كانوا في عَمىً عن آيات الله الواضحات التي تثبت صِدْق الرسل، وعن الآيات التي تحمل الأحكام، وعن الآيات الكونية التي تدلُّ على قدرة الصانع الحكيم. وقوله: ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم: ٣٨] أي: أسمع بهم وأبصر بهم في هذا اليوم يوم القيامة، والإنسان بحكم خَلْق الله تعالى له، واستخلافه في الأرض جعل له السيطرة على جوارحه فهو يأمرها فتطيعه، فجوارح الإنسان وطاقاته مُسخّرة لإرادته، فلسانك تستطيع أنْ تنطقَ ب لا إله إلا الله. كما تستطيع أن تقول: لا إله أو تقول: الله ثالث ثلاثة. واللسان مِطْواع لك لا يعصاك في هذه أو تلك، وما أعطاك الله هذه الحرية وكفَل لَك الاختيار إلا لأنه سيحاسبك عليها يوم القيامة: أأردتَ الخير الذي وجَّهك إليه أم أردتَ الشر الذي نهاك عنه؟ أما يوم القيامة فتنحلّ هذه الأرادة، ويبطل سلطانها على الجوارح في يوم يُنادِي فيه الحق ﵎: ﴿لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار﴾ [غافر: ١٦] يومها ستشهد الجوارح على صاحبها، وكما قال الحق سبحانه تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] . ويقول تعالى: ﴿وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قالوا أَنطَقَنَا الله الذي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١] . لم لا؟ وقد تحررتْ الجوارح من قَيْد الإرادة، وجاء الوقت لتشتكي

стр. 10669

إلى الله، وتنطق بكلمة الحق التي كتمتْها تحت وطأة الإرادة وقهْرها. وسبق أن ضربنا مثالاً لذلك بمجموعة من الجنود يسيرون تحت إمْرة قائدهم المباشر، ويأتمرون بأمره، ويطيعونه طاعة عمياء، فإذا ما عادوا إلى القائد الأعلى انطلقتْ ألسنتُهم بالشكوى من تعسُّف قائدهم وغَطْرسته. ثم يقول تعالى: ﴿لكن الظالمون اليوم فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [مريم: ٣٨] فيا ليتهم فهموا هذه المسألة، لكنهم ظلموا، وما ظلموا إلا أنفسهم، فالله ﵎ لا يضره كفر الكافرين، ولا ينقص من مُلْكه تعالى وسلطانه، لكن كيف يظلم الإنسان نفسه؟ يظلم الإنسان نفسه؛ لأنه صاحب عَقْل واعٍ يستقبل الأشياء ويميزها، وصاحب نفس شهوانية تصادم بشهواتها العاجلة هذا العقل الواعي، وتصادم المنهج الربّاني الذي يأمرها بالخير وينهاها عن الشر، هذه النفس بشهواتها تدعو الإنسان إلى مرادها وتوُقِعه في المتعة الوقتية واللذة الفانية التي تستوجب العذاب وتُفوِّت عليه الخير الباقي والنعيم الدائم. لذلك يقول تعالى: ﴿ولكن الناس أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤] . ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحسرة﴾

стр. 10670

قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحسرة﴾ [مريم: ٣٩] الإنذار: هو التحذير من شر قادم.

стр. 10671

والحسرة: هي الندم البالغ الذي يصيب النفس الإنسانية حينما يفوتها خير لا يمكن تداركه، وحينما تلقى شيئاً لا تستطيع دفعه أما الندم فيكون حزناً على خير فاتَكَ، لكن يمكن تداركه، كالتلميذ الذي يخفق في امتحان شهر من الشهور فيندم، لكنه يمكنه تدارك هذا الإخفاق في الشهر التالي، أما إذا أخفق في امتحان آخر العام فإنه يندم ندماً شديداً، ويتحسَّر على عام فات لا يمكن تداركُ الخسارة فيه. لذلك سيقول الكفار يوم القيامة: ﴿ياحسرتنا على مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ [الأنعام: ٣١] . والمعنى: يا حسرتنا تعالَىْ فهذا أوانك، واحضري فقد فاتتْ الفرصة إلى غير رجعة. إذن: فيوم الحسرة هو يوم القيامة، حيث لن يعود أحدٌ ليتدارك ما فاته من الخير في الدنيا، وليتَ العقول تعي هذه الحقيقة، وتعمل لها وهي ما تزال في سَعَة الدنيا. ومعنى: ﴿إِذْ قُضِيَ الأمر﴾ [مريم: ٣٩] أي: وقع وحدث، ولا يمكن تلافيه، ولم يَعُدْ هناك مجال لتدارُكِ ما فات؛ لأن الذي قضى هذا الأمر وحكم به هو الله ﵎ الذي لا يملك أحدٌ ردَّ أمرِه أو تأخيره عن موعده أو مناقشته فيه، فسبحانه، الأمر أمره، والقضاء قضاؤه، ولا إله إلا هو. وروي عن رسول الله ﷺ َ: «أن الله حينما يُدخل أهلَ الجنةِ الجنةَ، ويُدخِل أهلَ النارِ النار يأتي بالموت على هيئة كبش، فيقول للمؤمنين: أتعرفون هذا؟ قالوا: نعم هو الموت جاءنا وعرفناه، ويقول للكفار: أتعرفون هذا؟ يقولون: عرفناه، فيميت

стр. 10672

الله الموت ويقول لأهل الجنة: خلود بلا موت. ولأهل النار: خلود بلا موت» . وهكذا قضى اللهُ الأمرَ ليقطع الأمل على الكفار الذين قد يظنُّون أن الموت سيأتي ليُخرجهم مما هُمْ فيه من العذاب ويريحهم، فقطع الله عليهم هذا الأمل وآيسهم منه، حيث جاء بالموت مُشخّصاً وذبحه أمامهم، فلا موتَ بعد الآن فقد مات الموت. لذلك يخبر عنهم الحق ﵎: ﴿وَنَادَوْاْ يامالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] . ثم يقول تعالى: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩] . الغفلة: أن يصرف الإنسان ذِهْنه عن الفكر في شيء واضح الدليل على صحته؛ لأن الحق ﵎ ما كان لِيُعذّب خَلْقه إلا وقد أظهر لهم الأدلة التي يستقبلها العقل الطبيعي فيؤمن بها. فالذي لا يؤمن إذن: إما غافل عن هذه الأدلة أو متغافل عنها أو جاحد لها، كما قال سبحانه: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ [النمل: ١٤] . ومن الغفلة غفلتهم عن الموت، وقد قالوا: من مات قامت قيامته. ومن حكمة الله أنْ أبهم الموت، أبهمه وقتاً، وأبهمه سبباً،

стр. 10673

وأبهمه مكاناً، فكان إبهام الموت هو عَيْن البيان للموت؛ لأن إبهامه يجعل الإنسان على استعداد للقائه في أيّ وقت، وبأيّ سبب، وفي أيّ مكان، فالموت يأتي غفلة؛ لأنه لا يتوقف على وقت أو سبب أو مكان. فالطفل يموت وهو في بطن أمه، ويموت بعد يوم، أو أيام من ولادته، ويموت بعد مائة عام، ويموت بسبب وبدون سبب، وقد نتعجَّب من موت أحدنا فجأة دون سبب ظاهر، فلم تصدمه سيارة، ولم يقع عليه جدار أو حجر، ولم يداهمه مرض، فما السبب؟ السبب هو الموت، إنه سيموت، أي أنه مات لأنه يموت، كما يقال: والموت من دون أسباب هو السبب. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأرض﴾

стр. 10674

كيف يقول الحق سبحانه: ﴿نَرِثُ الأرض﴾ [مريم: ٤٠] وهي والكون كله مِلْك له تعالى؟ قالوا: لأنه ﵎ هو المالك الأعلى، وقد ملَّك من خَلْقه من ملَّك، هذا في الدنيا، أما في الآخرة فليس لأحد ملك على شيء، ليس للإنسان سيطرة حتى على جوارحه وأعضائه، فالأمر كله يومئذ لله تعَالى، فيُردّ الملْك إلى صاحبه الأعلى، ولا أحدَ يرث هذا الملْكَ إلا الله تعالى. لذلك، فالذين اغترُّوا بنعم الله في الدنيا فظنوا أن لهم مثْلها في الآخرة، فقال أحدهم: ﴿وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً﴾ [الكهف: ٣٦] نقول له: لا، صحيح ستُردّ إلى ربك، لكن لن يكون لك عنده شيء؛ لأن الذي ملّكك في الدنيا ملّكك من باطن مِلكيته تعالى، فإذا ما جاءت الآخرة كان هو الوارث الوحيد.

стр. 10675

وقوله: ﴿وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: ٤٠] أي: أن الأمر لا يتوقف على أنْ نرث مُلْكهم، ويذهبوا هم لحال سبيلهم، بل سنرث مُلْكهم، ثم يرجعون إلينا لنحاسبهم فلن يخرجوا هم أيضاً من قبضة الملكية. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿واذكر فِي الكتاب إِبْرَاهِيمَ﴾

стр. 10676

بعد أن تكلم الحق في استهلال سورة مريم عن ميلاد سيدنا يحيى لزكريا، وعن ميلاد سيدنا المسيح بن مريم، أراد أن يعرض لنا موكباً من مواكب الرسالات التي أرسلها الله نوراً من السماء لهداية الأرض، فقال: ﴿واذكر فِي الكتاب إِبْرَاهِيمَ﴾ [مريم: ٤١] . فهو أبو الأنبياء وقمتهم؛ لأن الله تعالى مدحه بقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠] . فليس هناك فرد يحتوي على خصال الكمال ومواهب الفضل كلها، لكن المجموع يحتويها فهذا شجاع قوي البنية، وهذا ذكي، وهذا حادّ البصر، وهذا نابغ في الطب، وهذا في الزراعة، مواهب متفرقة بين البشر، لا يجمعها واحد منه، فلا طاقته ولا حياته ولا مجهوده يستطيع أن يكون موهوباً في كل شيء، فالكمال كله مُوزّع في الخَلْق، إلا إبراهيم، فقد كان ﵇ يساوي في مواهبه أمةً بأكملها. وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً﴾ [مريم: ٤١] صِدّيق: من مادة صدق، ومعناها: تكلّم بواقع؛ لأن الكذب أنْ يتكلّم بغير واقع. وهذا يُسمَّى: صادق في ذاته، أما قولنا: صِدِّيق أي: مبالغة في الصدق،

стр. 10677

فقد بلغ الغاية في تصديق ما يأتي من الحق ﵎، فهو يطيع ويُذعِن ولا يناقش، كما رأينا من أم موسى ﵇ لما قال لها الحق سبحانه: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليم وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تحزني﴾ [القصص: ٧] . بالله، أي أم يمكن أن تُصدِّق هذا الكلام، وتنصاع لهذا الأمر؟ وكيف تُنجِّي ولدها من شر أو موت مظنون بموت مُحقَّق؟ إذن: فهذا كلام لا يُصدَّق، وفوق نطاق العقل عند عامة الناس، أما في موكب الرسالات فالأمر مختلف، فساعة أنْ سمعتْ أم موسى هذا النداء لم يساورها خاطر مخالف لأمر الله، ولم يراودها شَكٌّ فيه؛ لأن وارد الله عند هؤلاء القوم لا يُعارض بوارد الشيطان أبداً، وهذه قضية مُسلَّمة عند الرسل. إذن: الصِّدِّيق هو الذي بلغ الغاية في تصديق الحق، فيورثه الله شفافية وإشراقاً بحيث يهتدي إلى الحق ويُميّزه عن الباطل من أول نظرة في الأمر ودون بحث وتدقيق في المسألة؛ لأن الله تعالى يهبُكَ النور الذي يُبدّد عندك غيامات الشك، ويهبك الميزان الدقيق الذي تزنُ به الأشياء، كما قال سبحانه: ﴿يِا أَيُّهَا الذين آمنوا إِن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً﴾ [الأنفال: ٢٩] . ومن هنا سُمِّي أبو بكر ﵁ صِدِّيقاً، ليس لأنه صادق في ذاته، بل لأنه يُصدِّق كل ما جاءه من رسول الله ﷺ َ؛ لذلك لما أخبروه خبر الإسراء والمعراج الذي كذَّب به كثيرون، ماذا قال؟ قال: «إنْ كان قال فقد صدق» .

стр. 10678

فالأمر عنده متوقف على مجرد قول رسول الله، فهذا هو الميزان عنده، وطالما أن رسول الله قد قال فهو صادق، هكذا دون جدال، ودون مناقشة، ودون بَحْث في ملابسات هذه المسألة؛ لذلك من يومها وهو صِدِّيق عن جدارة. والسيدة مريم قال عنها الحق ﵎: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: ٧٥] فسماها صديقة؛ لأنها صدَّقتْ ساعة أنْ قال لها الملَك: ﴿قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً﴾ [مريم: ١٩] . فوثقتْ بهذه البشارة، وأخذتْها على أنها حقيقة واقعة، فلما جاء الوليد أشارت إليه وهي على ثقة كاملة ويقين تام أنه سينطق ويتكلم. إذن: فالصِّديق ليس هو الذي يَصدُق، بل الذي يُصدِّق. وهكذا كان خليل الله إبراهيم (صديقاً) وكان أيضاً (نبياً) لأن الإنسان قد يكون صديقاً يعطيه الله شفافية خاصة، وليس من الضروري أن يكون نبياً، كما كانت مريم صِدِّيقة وأبو بكر صِدِّيقاً، فهذه إذن صفة ذاتية إشراقية من الله، أما النبوة فهي عطاء وتشريع يأتي من أعلى، وهُدى يأتي من السماء يحمل النبي مسئوليته؟ . ثم يقول الحق سبحانه: ﴿إِذْ قَالَ لأَبِيهِ ياأبت﴾

стр. 10679

هذا الحديث من إبراهيم ﵇ لأبيه على اعتبار أنه نبي جاء ليُعدِّل سلوك الناس على وَفْق منهج الله، وأوّلهم أبوه، وقد ذكره القرآن هكذا بأبوته لإبراهيم دون أن يذكر اسمه، إلا في آية واحدة قال فيها: ﴿لأَبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام: ٧٤] .

стр. 10680

وهذه الآية أحدثتْ إشكالاً فظنَّ البعض أن آزر هو أبو إبراهيم الحقيقي الصُّلبي، وهذا القول يتعارض مع الحديث النبوي الشريف الذي يُوضّح طهارة أصْل النبي محمد ﷺ َ حيث قال: «أنا خيار من خيار، ما زِلت أنتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات» . إذن: فأصول النبي إلى آدم «طاهر متزوج طاهرة» ، فلو قلنا: إن آزر الذي قال الله في حقه: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤] هو أبو إبراهيم، لكَانَ في ذلك تعارض مع الحديث النبوي، فكيف يكون من آباء محمد ﷺ َ مثل هذا الكافر؟ ولو تأملنا إطلاقات الأُبوّة في القرآن الكريم لخرجنا من هذا الإشكال، فالقرآن تكلم عن الأبوة الصُّلْبية المباشرة، وتكلم عن الأُبوة غير المباشرة في الجد وفي العم، فسمَّى الجد أباً، والعم أباً؛ لأنه يشترك مع أبي في جدي، فله واسطة استحق بها أن يُسمَّى أباً. وفي القرآن نصَّان: أحدهما: يُطلِق على الجد أباً، والآخر يُطلِق على العم أباً. فالأول في قوله تعالى من قصة يوسف ﵇: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السجن فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَآ إني أراني أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الآخر إِنِّي أراني أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطير مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين﴾ [يوسف: ٣٦] . فاختاروا يوسف لتأويل رؤياهم؛ لأنهم رأوه من المحسنين،
следующие страницы →