Полный текст (14 757 стр.). Показаны 10711–10750 · переход к 10716.
стр. 10711
كما أن الآية الأولى ذكرت: ﴿فَأَلْقِيهِ فِي اليم﴾ [القصص: ٧] ولم تذكر التابوت كما في الآية الأخرى: ﴿أَنِ اقذفيه فِي التابوت فاقذفيه فِي اليم﴾ [طه: ٣٩] .
إذن: ليس في المسألة تكرار كما يدَّعي المغرضون؛ فكل منهما تتحدث عن حال معين ومرحلة من مراحل القصة.
ثم يقول تعالى: ﴿واذكر فِي الكتاب موسى إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً﴾ [مريم: ٥١] من خَلّصَ شيئا من أشياء، أي: استخرج شيئاً من أشياء كانت مختلطة به، كما نستخلص مثلاً العطور من الزهور، فقد أخذت الجيد وتركت الرديء، وبالنسبة للإنسان نقول: فلان مُخلص لأن الإنسان مركب من ملكات متعددة لتخدم كل حركة في الحياة، وكل مَلَكَة من ملَكَاته، أو جهاز من أجهزته له مهمة يؤديها، إلا أنها قد تدخل عليها أشياء ليست من مهمته، أو تخرج عن غاياتها فتحدث فيه بعض الشوائب، فيحتاج الإنسان لأنْ يُخلِّص نفسه من هذه الشوائب.
فمثلاً، الحق ﵎ جعل التقاء الرجل والمرأة لهدف محدد، وهو بقاء النوع؛ لذلك تجد الحيوان المحكوم بالغريزة لا بالعقل والاختيار إذا أدى كُلُّ من الذكر والأنثى هذه المهمة لا يمكن أنْ تُمكِّن الأنثى الذكر منها، وكذلك الذكر لا يأتي الأنثى إذا علم من رائحتها أنها حامل.
إذن: وقف الحيوان بهذه الغريزة عند مهمتها، وهي حفظ النوع، لكن الإنسان لم يقف بهذه الغريزة عند حدودها، بل جعلها مُتعةً شخصية يأتي حِفْظ النوع تابعاً لها.
стр. 10712
وكذلك الحال في غريزة الطعام، فالإنسان إذا جاع يحتاج بغريزته إلى أنْ يأكلَ، والحكمة من ذلك استبقاء الحياة، لا الامتلاء باللحم والشحم. فالحيوان يقف بهذه الغريزة عند حَدِّها، فإذا شبع لا يمكن أنْ تُجبره على عود برسيم واحد فوق ما أكل.
أما في الإنسان فالأمر مختلف تماماً، فيأكل الإنسان حتى الشِّبَع، ثم حتى التُّخْمة، ولا مانع بعد ذلك من الحلو والمشروبات وخلافه؛ لذلك وضع لنا الخالق المنهج الذي يُنظّم لنا هذه الغريزة، فقال تعالى: ﴿وكُلُواْ واشربوا وَلاَ تسرفوا﴾ [الأعراف: ٣١] .
وفي الحديث الشريف: «بحسب ابن آدم لقيمات يُقِمْنَ صُلْبه، فإن كان ولا بُدَّ فاعلاً، فثُلث لطعامه، وثُلث لشرابه، وثُلث لنفَسِه» .
ومن الغرائز أيضاً غريزة حب الاستطلاع، فالإنسان يحب أن يعرف ما عند الآخر ليحدث بين الناس الترقي اللازم لحركة الحياة، ومعرفة أسرار الله في الكون، وهذا هو الحد المقبول أما أن يتحول حب الاستطلاع إلى التجسس وتتبّع عورات الآخرين، فهذا لا يُقبل ويُعَدُّ من شوائب النفوس، يحتاج إلى أنْ نُخلِّص أنفسنا منه.
إذن: لكل غريزة حكمة ومهمة يجب ألاَّ نخرج عنها، والمُخْلَص هو الذي يقف بغرائزه عند حَدِّها لا يتعدَّاها ويخلصها من الشوائب التي تحوط بها. وهذه الصفة إمّا أنْ يكرم الله بها العبد فيُخلِّصه من
стр. 10713
البداية من هذه الشوائب، أو يجتهد هو ليُخلّص نفسه من شوائبها باتباعه لمنهج الله. هذا هو المُخْلَص: أي الذي خلص نفسه.
لذلك، يقولون: من الناس مَنْ يصِل بطاعة الله إلى كرامة الله، ومن الناس مَنْ يصل بكرامة الله إلى طاعة الله. وقد جعل الله تعالى الأنبياء مخْلَصين من بدايتهم، ليكونوا جاهزين لهداية الناس، ولا يُضيِّعون أوقاتهم في تخليص أنفسهم من شوائب الحياة وتجاربها.
ألم يستمر رسول الله ﷺ َ ثلاثاً وعشرين سنة يُعلِّم الناس كيف يُخِلصون أنفسهم؟ فكيف إنْ كان النبي نفسه في حاجة لأنْ يُخلص نفسه؟
ولمكانة هؤلاء المخْلَصين ومنزلتهم تأدَّب إبليس وراعى هذه المنزلة حين قال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين﴾ [ص: ٨٢٨٣] .
لأن هؤلاء لا يقدر إبليس على غوايتهم.
ثم يقول تعالى: ﴿وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً﴾ [مريم: ٥١] لأن من عباد الله مَنْ يكون مخْلَصاً دون أن يكون نبياً أو رسولاً كالعبد الصالح مثلاً؛ لذلك أخبر تعالى عن موسى ﵇ أنه جمع له كل هذه الصفات.
والرسول: مَنْ أُوحي إليه بشرع يعمل به ويُؤْمَر بتبليغه لقومه، أما النبي، فهو مَنْ أُوحِي إليه بشرع يعمل به لكن لم يُؤْمَر بتبليغه. إذن: فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولاً؛ لأن النبي يعيش على منهج الرسول الذي يعاصره أو يسبقه.
стр. 10714
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطور﴾
стр. 10715
قوله تعالى: ﴿مِن جَانِبِ الطور الأيمن﴾ [مريم: ٥٢] أيمن الطور، أَمْ أيمن موسى؟ أيّ مكان لا يُقال له أيمن ولا أيسر، إنما الأيمن والأيسر بالنسبة لك أو لغيرك، فالذي تعتبره أنت يميناً يعتبره غيرُك يساراً، ولا يُقال للمكان أيمن ولا أيسر إلا إذا قِسْته إلى شيء ثابت كالقِبْلة مثلاً فتقول: أيمن القبلة، وأيسر القبلة، وخلف القِبْلة، وأمام القِبْلة.
إذن: فقوله: ﴿مِن جَانِبِ الطور الأيمن﴾ [مريم: ٥٢] أي: أيمن موسى، وهو مُقبل على الجبل، وهذه لقطة مختصرة من القصة جاءت مُفصَّلة في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قضى مُوسَى الأجل وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطور نَاراً﴾ [القصص: ٢٩] .
وقوله: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ [مريم: ٥٢] أي: قرَّبْناه لِنُنَاجيه بكلام. والنجيّ: هو المنَاجِي الذي يُسِرُّ القول إلى صاحبه، كما جاء في الحديث الشريف: «إذا كنتم ثلاثة فلا ينتاجَ اثنان دون الآخر، فإن ذلك يُحزِنه» .
وقد قرَّب الله تعالى موسى ليناجيه؛ لأن هذه خصوصية لموسى ﵇، فكلام الله لموسى خاصٌّ به وحده لا يسمعه أحد غيره، فإنْ قلتَ: فكيف يكلّمه الله بكلام، ويسمى مناجاة؟ قالوا: لأنه
стр. 10716
تعالى أسمعه موسى، وأخفاه عن غيره، فصار مناجاة كما يتناجى اثنان سِراً. وهذا من طلاقة قدرته تعالى أن يُسمع هذا، ولا يُسمع ذاك.
وبعض المفسرين يرى أن (الأيمن) ليس من اليمين، ولكن من اليُمْن والبركة. و ﴿وَقَرَّبْنَاهُ﴾ [مريم: ٥٢] أي: من حضرة الحق ﵎. لكن هل حضرة الحق قُرْب منه، أم موسى هو الذي قَرُب من حضرة الحق سبحانه؟ كيف نقول إن الله قرب منه وهو سبحانه أقرب إليه من حبل الوريد، فالتقريب إذن لموسى ﵇.
وهكذا جمع الحق ﵎ لموسى عدةٍ خصال، حيث جعله مخلَصاً ورسولاً ونبياً، وخَصَّه بالكلام والمناجاة، ثم يزيده هِبةً أخرى في قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ﴾
стр. 10717
وهب الله لموسى أخاه هارون رحمةً بموسى؛ لأن هارون كان مُعيناً لأخيه ومسانداً له في مسألة الدعوة، وهذه لم تحدث مع نبي آخر أن يجعل الله له معيناً في حمل هذه المهمة؛ لذلك قال موسى ﵇: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إني أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص: ٣٤] .
والرِّدْء: هو المعين. وهكذا أعطانا الحق ﵎ لقطة سريعة من موكب النبوة في قصة موسى، ولمحة مُوجَزة هنا أتى تفصيلها في موضع آخر.
стр. 10718
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿واذكر فِي الكتاب﴾
стр. 10719
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوعد﴾ [مريم: ٥٤] ما الميزة هنا وكل الرسل كانوا صادقي الوعد؟ قالوا: لأن هناك صفة تبرز في شخص ويتميز بها، وإن كانت موجودة في غيره، فالذي يصدُق في وعد أعطاه، أو كلمة قالها صدق في أمر يملكه ويتعلق به.
أما إسماعيل ﵇ فكان صادق الوعد في أمر حياة أو موت، أمر يتعلق بنفسه، حين قال لأبيه: ﴿ياأبت افعل مَا تُؤمَرُ ستجدني إِن شَآءَ الله مِنَ الصابرين﴾ [الصافات: ١٠٢] .
وليت الأمر جاء مباشرة، إنما رآه غيره، وربما كانت المسألة أيسَر لو أن الولد هو الذي رأى أباه يذبحه، لكنها رُؤْيا رآها الأب، والرؤيا لا يثبت بها حكم إلا عند الأنبياء. فكان إسماعيل دقيقاً في إجابته حينما أخبره أبوه كأنه يأخذ رأيه في هذا الأمر: ﴿إني أرى فِي المنام أَنِّي أَذْبَحُكَ فانظر مَاذَا ترى﴾ [الصافات: ١٠٢] .
فخاف إبراهيم ﵇ أن يُقبل على ذَبْح ولده دون أن يخبره حتى لا تأتي عليه فترة يمتلىء غيظاً من أبيه إذا كان لا يعرف السبب، فأحبَّ إبراهيم أن يكون استسلامُ ولده للذبح قُرْبَى منه لله، له أجْرُها وثوابها.
قال إسماعيل ﵇ لأبيه إبراهيم: ﴿ياأبت افعل مَا تُؤمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢] .
стр. 10720
والوعد الذي صدق فيه قوله: ﴿ستجدني إِن شَآءَ الله مِنَ الصابرين﴾ [الصافات: ١٠٢] وصدق إسماعيل في وعده، واستسلم للذبح، ولم يتردد ولم يتراجع؛ لذلك استحق أنْ يميزه ربه بهذه الصفة ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوعد﴾ [مريم: ٥٤] .
فلما رأى الحق ﵎ استسلام إبراهيم وإسماعيل ﵉ لقضاء الله رفع عنه قضاءه وناداه: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَن ياإبراهيم قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيآ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين إِنَّ هذا لَهُوَ البلاء المبين وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٤١٠٧] فكانت نتيجة الصبر على هذا الابتلاء أنْ فدى الله الذبيح، وخلَّصه من الذبح، ثم أكرم إبراهيم فوق الولد بولد آخر: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ﴾ [الأنعام: ٨٤] .
وهذه لقطة قرآنية تُعلِّمنا أن المسلم إذا استسلم لقضاء الله، ورَضِي بقدره فسوف يجني ثمار هذا الاستسلام، والذي يطيل أمد القضاء على الناس أنهم لا يرضون به، والحق ﵎ لا يجبره أحد، فالقضاء نافذ نافذ، رضيتَ به أم لم تَرْضَ.
وحين تسلم لله وترضى بقضائه يرفعه عنك، أو يُبيّن لك وجه الخير فيه. إذن: عليك أن تحترم القدر وترضى به؛ لأنه من ربك الخالق الحكيم، ولا يُرفع قضاء الله عن الخلق حتى يرضوا به.
وكثيراً ما نرى اعتراض الناس على قضاء الله خاصة عند موت الطفل الصغير، فنراهم يُكثِرون عليه البكاء والعويل، يقول أحدهم: إنه لم يتمتع بشبابه.
ونعجب من مثل هذه الجهالات: أيّ شباب؟ وأيَّة متعة هذه؟ وقد فارق في صِغَره دنيا باطلة زائلة، ومتعة موقوتة إلى دار باقية
стр. 10721
ومتعة دائمة؟ كيف وقد فارق العيش مع المخلوق، وذهب إلى رحاب الخالق سبحانه؟
إنه في نعيم لو عرفتَه لتمنيتَ أن تكون مكانه، ويكفي أن هؤلاء الأطفال لا يُسألون ولا يُحاسبون، وليس لهم مسكن خاص في الجنة؛ لأنهم طلقاء فيها يمرحون كما يشاؤون؛ لذلك يسمونهم (دعاميص الجنة) .
وآخر يعترض لأن زميله في العمل رُقِّي حتى صار رئيساً له، فإذا به يحقد عليه ويحقره، وتشتعل نفسه عليه غضباً، وكان عليه أن يتساءل قبل هذا كله: أأخذ زميله شيئاً من مُلْك الله دون قضائه وقدره، إذن: فعليك إذا لم تحترم هذا الزميل أن تحترم قدر الله فيه، فما أخذَ شيئاً غصباً عن الله.
لذلك فالنبي ﷺ َ يقول: «اسمعوا وأطيعوا، ولو وُلِّى عليكم عبد حبشيّ، كأنّ رأسَه زبيبة» .
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بالصلاة﴾
стр. 10722
أي: من خصال إسماعيل العظيمة التي ذكرها الله تعالى له: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بالصلاة والزكاة﴾ [مريم: ٥٥] أي: زوجته. والحق ﵎ لا يهتم بخَصْلة ولا يذكرها إلا إنْ كانت كبيرة عنده، تساوي كونه صادقَ الوعد وكونه رسولاً ونبياً، فمَنْ أراد أنْ يتصفَ بصفة من صفات النبوة، فعليه أنْ يأمرَ أهله بالصلاة والزكاة.
لكن، لماذا اختص أهله بالذات؟ اختص أهله لأنهم البيئة المباشرة التي إنْ صَلُحتْ للرجل صَلُحَ له بيته، وصَلُحَتْ له ذريته، إذا كان الرجل يلفت أهله إلى ذكر الله والصلاة خمس مرات في اليوم والليلة فإنه بذلك يسدُّ الطريق على الشيطان، فليس له مجال في بيت يصلي أهله الخمس صلوات.
لذلك فالنبي ﷺ َ يقول: «رحم الله امرأ استيقظ من الليل، فصلَّى ركعتين ثم أيقظ أهله فإن امتنعتْ نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلَّتْ ركعتين، ثم أيقظتْ زوجها، فإنِ امتنع نضحتْ في وجهه الماء» .
إذن: فكل رجل وكل امراة يستطيع في كل ليلة أن يكون رسولاً لأهله ولبيئته يقوم فيها بمهمة الرسول؛ لأن محمداً ﷺ َ هو خاتم الأنبياء والرسل، فليس بعد تشريعه تشريع، وليس بعد كتابه كتاب؛ لأن أمته ستحمل رسالته من بعده، وكل مؤمن منهم يعلم من الإسلام حُكْماً فهو خليفة لرسول الله في تبليغه.
كما قال تعالى: ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة: ١٤٣] فالرسول يشهد أنه بلَّغكم، وعليكم أنْ
стр. 10723
تشهدوا أنكم بلّغتُم الناس، وما دُمْتم بلَّغتم الناس مَنْطِقاً ولفظاً فلا بُدَّ أنْ يكون سلوكاً أيضاً، لأن لكم في رسول الله أسوة حسنة.
ودائماً ما يقرن الحق ﵎ بين الصلاة والزكاة، والصلاة تأخذ بعض الوقت، والزكاة تأخذ المال الذي هو فرع العمل الذي هو فرع الوقت، فإنْ كانت الزكاة تأخذ نتيجة الوقت، فالصلاة تأخذ الوقت نفسه. إذن: ففي الصلاة زكاة أبلغ من الزكاة.
وإنْ كان في الزكاة نماء المال وبركته وإنْ كانت في ظاهرها نقصاً ففي الصلاة نماء الوقت وبركته، فإياك أنْ تقول: أنا مشغول، ولا أجد وقتاً للصلاة؛ لأن الدقائق التي ستصلي فيها فَرْض ربك هي التي ستُشِيع البركة في وقتك كله.
كما أنك حين تقف بين يَدَيْ ربك في الصلاة تأخذ شحنة إيمانية نوارنية تُعينك على أداء مهمتك في الحياة، وتعرض نفسك على ربِّك وخالقك وصانعك، ولن تُعدم خيراً ينالك من هذا اللقاء.
ولك أنْ تتصوّر صنعةً تُعرَض على صانعها خمس مرات كل يوم، هل يصيبها عُطْل أو عَطَب؟! وإنْ كان المهندس الصانع يعالج بأشياء مادية فلأنه حِسِّيٌّ مشهود، أما الخالق سبحانه فهو غَيْب يصلحك من حيث لا تدري.
وإنْ كان إسماعيل ﵇ يأمر أهله بالصلاة والزكاة فهو حريص عليها من باب أَوْلَى.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾ [مريم: ٥٥] أي: ﵁، ليس لخصال الخير التي وصفه بها، بل من بدايته، فقد رضي عنه فاختاره رسولاً ونبياً.
стр. 10724
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿واذكر فِي الكتاب إِدْرِيسَ﴾
стр. 10725
ما زال القرآن يعطينا لقطاتٍ من موكب الرسالات والنبوات. وإدريس ﵇ أوّل نبي بعد آدم ﵇، فهو إدريس بن شيث بن آدم. وبعد إدريس جاء نوح ثم إبراهيم، ومنه جاءت سلسلة النبوات المختلفة.
وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً﴾ [مريم: ٥٦] .
تحدثنا عن معنى الصِّدِّيق في الكلام عن إبراهيم ﵇، والصِّدِّيق هو الذي يبالغ في تصديق ما جاءه من الحق، فيجعل الله له بذلك فُرْقاناً وإشراقاً يُميّز به الحق فلا يتصادم معه شيطان؛ لأن الشيطان قد ينفذ إلى عقلي وعقلك.
أما الوارد من الحق فلا يستطيع الشيطان أن يعارضه أو يدخل فيه، لذلك فالصِّدِّيق وإن لم يكُنْ نبياً فهو مُلْحقِ بالأنبياء والشهداء، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ الله والرسول فأولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً﴾ [النساء: ٦٩] .
وكذلك كان إدريس ﵇ (نبياً) ولم يقُلْ: رسولاً نبياً، لأن بينه وبين آدم ﵇ جيلين، فكانت الرسالة لآدم ما زالت قائمة.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾
стр. 10726
مكاناً عالياً في السماء، رِفْعه معنوية، أو رِفْعة حِسّية، خُذْها كما شئتَ، لكن إياك أنْ تجادل: كيف رفعه؟ لأن الرِّفْعة من الله تعالى، والذي خلقه هو الذي رفعه.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿أولئك الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم﴾
стр. 10727
قوله تعالى: ﴿أولئك﴾ [مريم: ٥٨] أي: الذين تقدَّموا وسبق الحديث عنهم من الأنبياء والرسل ﴿مِن ذُرِّيَّةِءَادَمَ﴾ [مريم: ٥٨] أي: مباشرة مثل إدريس ﵇ ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [مريم: ٥٨] الذين جاءوا بعد إدريس مباشرة ﴿وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [مريم: ٥٨] أي: الذين جاءوا بعد نوح.
وقد انقسموا إلى فرعين من ذرية إبراهيم.
الأول: فرع إسحق الذي جاء منه جمهرة النبوة، بداية من يعقوب، ثم يوسف، ثم موسى وهارون، ثم داود وسليمان، ثم زكريا ويحيى، ثم ذو الكفل، ثم أيوب، ثم النون.
والفرع الآخر: فرع إسماعيل ﵇ الذي جاء منه جماع جواهر النبوة، وهو محمد ﷺ َ.
стр. 10728
﴿وَإِسْرَائِيلَ﴾ [مريم: ٥٨] هو نبيّ الله يعقوب ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا واجتبينآ﴾ [مريم: ٥٨] الذي هديناهم واجتبيناهم. أي: اخترناهم واصطفيناهم للنبوة ﴿إِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرحمن خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾ [مريم: ٥٨] .
لماذا قال ﴿آيَاتُ الرحمن﴾ [مريم: ٥٨] ولم يقُلْ: آيات الله؟ قالوا: لأن آيات الله تحمل منهجاً وتكليفاً، وهذا يشقُّ على الناس، فكأنه يقول لنا: إياكم أنْ تفهموا أن الله يُكلّفكم بالمشقة، وإنما يُكلّفكم بما يُسعِد حركة حياتكم وتتساندون، ثم يسعدكم به في الآخرة؛ لذلك اختار هنا صفة الرحمانية.
وقوله: ﴿خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾ [مريم: ٥٨] لم يقُل: سجدوا، بل سقطوا بوجوههم سريعاً إلى الأرض. وهذا انفعال قَسْري طبيعي، لا دَخْلَ للعقل فيه ولا للتفكير، فالساجد يستطيع أنْ يسجدَ بهدوء ونظام، أما الذي يخرُّ فلا يفكر في ذلك، وهذا أشبه بقوله تعالى: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السقف مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦] أي: سقط عليهم فجأة.
وهذا الانفعال يُسمُّونه «انفعال نزوعي» ناتج عن الوجدان، والوجدان ناتج عن الإدراك، وهذه مظاهر الشعور الثلاثة: الإدراك، ثم الوجدان، ثم النزوع. والإنسان له حواس يُدرِك بها: العين والأذن والأنف واللسان. . الخ.
فهذه وسائل إدراك المحسّات، فإذا أدركتَ شيئاً بحواسِّك تجد له تأثيراً في نفسك، إما حُباً وإماً بُغْضاً، إما إعجاباً وإما انصرافاً، وهذا الأثر في نفسك هو الوجدان، ثم يصدر عن هذا الوجدان حركة هي «النزوع» .
فمثلاً، لو رأيتَ وردة جميلة فهذه الرؤيا «إدراك» ، فإنْ أُعجبْتَ
стр. 10729
بها وسُرِرْتَ فهذا «وجدان» ، فإنْ مددْتَ يدك لتقطفها فهذا «نزوع» . والشرع لا يحاسبك على الإدراك ولا على الوجدان، لكن حين تمد يدك لقطف هذه الوردة نقول لك: قفْ فهذه ليست لك، ولا يمنعك الشارع ويتركك، إنما يمنعك ويوحي لك بالحلِّ المناسب لنزوعك، فعليك أنْ تزرع مثلها، فتكون مِلْكاً لك أو على الأقل تستأذن صاحبها.
كذلك الحال فيمن تسمّع لكلام الله وقرآنه يدرك القرآن بسمعه فينشأ عنه حلاوة ومواجيد في نفسه، وهذا هو الوجدان الذي ينشأ عنه انفعال نُزوعي، فلا يجد إلا أنْ يخر ساجداً لله تعالى.
والنزوع هنا لم يُكنْ نزوعاً ظاهرياً بل وأيضاً داخلياً، ففاضت أعينهم بالدمع ﴿سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾ [مريم: ٥٨] .
وقد عُولج هذا المعنى في عِدّة مواضع أُخَر، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تؤمنوا إِنَّ الذين أُوتُواْ العلم مِن قَبْلِهِ إِذَا يتلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً﴾ [الإسراء: ١٠٧] .
ومعنى: للأذقان: مبالغة في الخضوع والخشوع واستيفاء السجود؛ لأن السجود يكون أولاً على الجبهة ثم الأنف لكن على الأذقان، فهذا سجود على حَقٍّ، وليس كنقْر الديكَة كما يقولون.
إذن: فأهل الكتاب كانوا على علم ببعثة محمد ﷺ َ، وأنه سيأتي بالقرآن على فَتْرة من الرسل، وها هم الآن يسمعون القرآن؛ لذلك يقولون: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً﴾ [الإسراء: ١٠٨] .
ومن النزوع الانفعالي أيضاً قوله تعالى عن أهل الكتاب: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى الرسول ترى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الحق﴾ [المائدة: ٨٣] .
стр. 10730
وقوله تعالى: ﴿الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله﴾ [الزمر: ٢٣] .
فلماذا يُؤثِّر الانفعال بالقرآن في كُلِّ هذه الحواس والأعضاء من جسم الإنسان؟ قالوا: لأن الذي خلق التكوين الإنساني هو الذي يتكلم، والخالق سبحانه حينما يتكلم وحينما تفهم عنه وتعي، فإنه سبحانه لا يخاطب عقلك فقط، بل يخاطب كل ذرة من ذَرّات تكوينك؛ لذلك تخِرُّ الأعضاء ساجدة، وتدمع العيون، وتقشعر الجلود، وتلين القلوب، كيف لا والمتكلم هو الله؟
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾
стр. 10731
قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [مريم: ٥٩] أي: أن المسائل لم تستمر على ما هي عليه من الكلام السابق ذِكْره، بل خَلفَ هؤلاء القوم (خَلْفٌ) والخَلْف: هم القوم الذين يخلُفون الإنسان: أي: يأتون بعده أو من ورائهم.
وهناك فَرْق بين خَلْف وخَلَف: الأولى: بسكون اللام ويُراد بها الأشرار من عَقِب الإنسان وأولاده، والأخرى: بفتح اللام ويُراد بها الأخيار. لذل، فالشاعر حينما أراد أنْ يتحسَّر على أهل الخير الذي مَضَوْا قال:
стр. 10732
ذَهَبَ الذِينَ يُعاشُ فِي أكنَافِهمْ ... وبَقِيتُ في خَلْف كجِلْدِ الأجْرَبِ
فماذا تنتظر من هؤلاء الأشرار؟ لا بُدّ أنْ يأتي بعدهم صفات سوء ﴿أَضَاعُواْ الصلاة واتبعوا الشهوات﴾ [مريم: ٥٩] إذن: هم خَلْف فاسد، فأول ما أضاعوا أضاعوا الصلاة التي هي عماد الدين، وأَوْلَى أركانه بالأداء.
صحيح أن الإسلام بُني على عِدّة أركان، لكن بعض هذه الأركان قد يسقط عن المسلم، ولا يُطْلب منه كالزكاة والحج والصيام، فيبقى ركنان أساسيان لا يسقطان عن المسلم بحال من الأحوال، هما: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقامة الصلاة.
وسُئِلْنَا مرة من بعض إخواننا في الجزائر: لماذا نقول لمن يؤدي فريضة الحج: الحاج فلان، ولا نقول للمصلى: المصلى فلان، أو المزكَّى فلان، أو الصائم فلان؟
فقلت للسائل: لأن الحج تتم نعمة الله على العبد، وحين نقول: الحاج فلان. فهذا إشعار وإعلام أن الله أتمَّ له النعمة، واستوفى كل أركان الإسلام، فمعنى أنه أدَّى فريضة الحج أنه مستطيع مالاً وصحة، وما دام عنده مال فهو يُزكِّي، وما دام عنده صحة فهو يصوم، وهو بالطبع يشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويؤدي الصلاة، وهكذا تمَّتْ له بالحج جميع أركان الإسلام.
ثم يقول تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً﴾ [مريم: ٥٩] هذه العبارة أخذها المتمحّكون الذين يريدون أنْ يدخلوا على القرآن بنقد، فقالوا: الغَيُّ هو الشر والضلال والعقائد الفاسدة، وهذه حدثتْ منهم بالفعل
стр. 10733
في الدنيا فأضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، فكيف يقول: فسوف يلقوْنه في المستقبل؟
لكن المراد بالغيّ هنا أي: جزاء الغي وعاقبته. كما لو قُلْت: أمْطرتْ السماء نباتاً، فالسماء لم تُمطر النبات، وإنما الماء الذي يُخرِج النبات، كذلك غيّهم وفسادهم في الدنيا هو الذي جَرَّ عليهم العذاب في الآخرة.
إذن: المعنى: فسوفَ يلقْونَ عذاباً وهلاكاً في الآخرة.
ومع ذلك، فالحق ﵎ لرحمته بخَلْقه شرع لهم التوبة، وفتح لهم بابها، ويفرح بهم إنْ تابوا؛ لذلك فالذين اتصفُوا بهذه الصفات السيئة فأضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات لا ييأسون من رحمة الله، مادام بابُ التوبة مفتوحاً.
وفَتْح باب التوبة أمام العاصين رحمة يرحم الله بها المجتمع كله من أصحاب الشهوات والانحرافات، وإلاَّ لو أغقلنا الباب في وجوههم لَشقِيَ بهم المجتمع، حيث سيتمادَوْن في باطلهم وغَيِّهم، فليس أمامهم ما يستقيمون من أجله.
والتوبة تكون من العبد، وتكون من الرب ﵎، فتشريع التوبة وقبولها من الله وإحداث التوبة من العبد؛ لذلك قال تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ليتوبوا﴾ [التوبة: ١١٨] أي: شرعها لهم ليتوبوا فيقبل توبتهم، فهي من الله أولاً وأخيراً؛ لذلك يأتي هذا الاستثناء.
стр. 10734
﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾
стр. 10735
وللتوبة شروط يجب مراعاتها، وهي: أن تُقلِع عن الذنب الذي تقع فيه، وأن تندم على ما بدر منك، وإنْ تنوي وتعزم عدم العودة إليه مرة أخرى. وليس معنى ذلك أنك إنْ عُدْتَ فلن تُقْبلَ منك التوبة، فقد تتعرض لظروف تُوقِعك في الذنب مرة أخرى.
لكن المراد أنْ تعزم صادقاً عند التوبة عدم العَوْد، فإنْ وقعت فيه مرة أخرى تكون عن غير قَصْد ودون إصرار. وإلاّ لو دبرتَ لهذه المسألة فقُلْت: أذنب ثم أتوب، فمن يُدرِيك أن الله تعالى سيمهلك إلى أن تتوبَ؟ إذن: فبادر بها قبل فَوات أوانها.
هذه إذن شروط التوبة إنْ كانت في أمر بين العبد وربه، فإنْ كانت تتعلق بالعباد فلا بُدَّ أنْ يتوفّر لها شرط آخر وهو رَدُّ المظالم إلى أهلها إنْ كانت ترد، أو التبرع بها في وجوه الخير على أنْ ينويَ ثوابها لأصحابها، إنْ كانت مظالم لا تُردُّ.
ثم يقول تعالى بعدها: ﴿وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ [مريم: ٦٠] معنى: وآمن بعد أنْ تاب، تعني أن ما أحدثه من معصية خدش إيمانه، فيحتاج إلى تجديده. وهذا واضح في الحديث الشريف:
«لايزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» .
فساعةَ مباشرة هذه المعاصي تنتنفي عن الإنسان صفة الإيمان؛
стр. 10736
لأن إيمانه غاب في هذه اللحظة؛ لأنه لو استحضر الإيمان وما يلزمه من عقوبات الدنيا والآخرة ما وقع في هذه المعاصي.
لذلك قال: (وَآمَنَ) أي: جدَّد إيمانه، وأعاده بعد توبته، ثم ﴿وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ [مريم: ٦٠] ليصلح به ما أفسده بفعل المعاصي.
والنتيجة: ﴿فأولئك يَدْخُلُونَ الجنة وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾ [مريم: ٦٠] وفي موضع آخر، كان جزاء مَنْ تاب وآمن وعمل صالحاً: ﴿فأولئك يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] .
فلماذا كُلُّ هذا الكرم من الله تعالى لأهل المعاصي الذين تابوا؟ قالوا: لأن الذي أَلِفَ الشهوة واعتاد المعصية، وأدرك لذَّته فيها يحتاج إلى مجهود كبير في مجاهدة نفسه وكَبْحها، على خلاف مَنْ لم يتعوّد عليها، لذلك احتاج العاصون إلى حافز يدفعهم ليعودوا إلى ساحة ربهم.
لذلك قال سبحانه: ﴿فأولئك يَدْخُلُونَ الجنة﴾ [مريم: ٦٠] دون أنْ يُعيَّروا بما فعلوه؛ لأنهم صَدَقُوا التوبة إلى الله ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾ [مريم: ٦٠] وبقدر ما تكون التوبة صادقة، والندم عليها عظيماً، وبقدر ما تلوم نفسَك، وتسكب الدمْع على معصيتك بقدر ما يكون لك من الأجر والثواب، وبقدر ما تُبدَّل سيئاتك حسناتٍ. وكُلُّ هذا بفضل الله وبرحمته.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ التي وَعَدَ الرحمن﴾
стр. 10737
قوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [مريم: ٦١] أي: إقامة دائمة؛ لانك قد تجد في الدنيا جنات، وتجد أسباب النعيم، لكنه نعيم زائل، إمّا أنْ تتركه أو يتركك. إذن: فكُلُّ نعيم الدنيا لا ضامنَ له.
وجنات عَدْن ليست هي مساكن أهل الجنة، بل هي بساتين عمومية يتمتع بها الجميع، بدليل أن الله تعالى عطف عليها في آية أخرى (وَمَسَاكِنَ طَيِّبةً) في قوله تعالى: ﴿وَعَدَ الله المؤمنين والمؤمنات جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: ٧٢] .
وقوله: ﴿التي وَعَدَ الرحمن عِبَادَهُ بالغيب﴾ [مريم: ٦١] والوعْد: إخبار بخير قبل أوانه؛ ليشجع الموعود على العمل لينالَ هذا الخير، وضِدّه الوعيد: إخبار بشَرٍّ قبل أوانه ليحذره المتوعد، ويتفادى الوقوع في أسبابه.
واختبار هنا اسم الرحمن ليُطمئِنَ الذين أسرفوا على أنفسهم بالمعاصي أن ربهم رحمن رحيم، إنْ تابوا إليه قبلهم، وإنْ وعدهم وَعْداً وَفَى. وقد وعدنا الله تعالى في قرآن فآمنّا بوعده غيْباً ﴿وَعَدَ الرحمن عِبَادَهُ بالغيب﴾ [مريم: ٦١] .
وحجة الإيمان بالغيب فيما لم يوجد بعد المشهد الذي نراه الآن، فالكون الذي نشاهده قد خُلِق على هيئة مُهندسةٍ هندسةً لا يوجد أبدعُ منها، فالذي خلق لنا هذا الكون العجيب المتناسق إذا أخبرنا عن نعيم آخر دائم في الآخرة، فلا بُدَّ أن نُصدِّق، ونأخذ من المشاهدَ لنا دليلاً على ما غاب عَنَّا؛ لذلك نؤمن بالآخرة إيماناً غيبياً ثقةً مِنَّا في قدرته تعالى التي رأينا طَرَفاً منها في الدنيا.
стр. 10738
ثم يقول تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً﴾ [مريم: ٦١] فما دام الرحمن ﵎ هو الذي وعد، فلا بُدَّ أن يكون وعدُه (مَأْتِياً) أي: مُحقّقاً وواقعاً لا شَكَّ فيه، ووعْده تعالى لا يتخلَّف و (مَأْتِياً) أى نأتيه نحن، فهي اسم مفعول.
وبعض العلماء يرى أن (مَأتِياً) بمعنى آتياً، فجاء باسم المفعول، وأراد اسم الفاعل، لكن المعنى هنا واضح لا يحتاج إلى هذا التأويل؛ لأن وعد الله تعالى مُحقَّق، والموعود به ثابت في مكانه، والماهر هو الذي يسعى إليه ويسلك طريقه بالعمل الصالح حتى يصل إليه.
ثم يقول الحق سبحانه عن أهل الجنة في الجنة: ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً﴾
стр. 10739
اللغو: هو الكلام الفُضولي الذي لا فائدة منه، فهو يضيع الوقت ويُهْدِر طاقة المتكلم وطاقة المستمع، وبعد ذلك لا طائلَ من ورائه ولا معنى له.
والكلام هنا عن الآخرة ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً﴾ [مريم: ٦٢] فإن كانوا قد سمعوا لَغْواً كثيراً في الدنيا فلا مجالَ للغو في الآخرة. ثم يستثني من عدم السماع ﴿إِلاَّ سَلاَماً﴾ [مريم: ٦٢] والسلام ليس من اللغو، وهو تحية أهل الجنة وتحية الملائكة: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ﴾ [يونس: ١٠] .
стр. 10740
وقد يُرَادُ بالسلام السلامة من الآفات التي عاينوها في الدنيا، وهم في الآخرة سالمون منها، فلا عاهة ولا مرضَ ولا كَدَّ ولا نصبَ. لكن نرجح هنا المعنى الأول أي: التحية؛ لأن السلام في الآية مما يُسْمَع.
فإنْ قُلْتَ: فكيف يستثنى السلام من اللَّغْو؟ نقول: من أساليب اللغة: تأكيد المدح بما يشبه الذم، كأن نقول: لا عيبَ في فلان إلا أنه شجاع، وكنت تنتظر أنْ نستثني من العيب عَيْباً، لكن المعنى هنا: إنْ عددتَ الشجاعة عيباً، ففي هذا الشخص عَيْب، فقد نظرنا في هذا الشخص فلم نجد به عَيْباً، إلا إذا ارتكبنا مُحَالاً وعددنا الشجاعة عيباً. وهكذا نؤكد مدحه بما يشبه الذم.
ومن ذلك قول الشاعر:
ولاَ عَيْبَ فِيهِم غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاع الكَتَائِبِ
ثم يقول تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ [مريم: ٦٢] لم يقُل الحق : وعلينا رزقهم، بل: ولهم زرقهم: أي أنه أمر قد تقرّر له وخُصِّص لهم، فهو أمر مفروغ منه. والرزق: كُلُّ ما يُنتفع به، وهو في الآخرة على قَدْر عمل صاحبه من خير في الدنيا.
ومن رحمة الله تعالى بعباده من أهل الجنة أنْ نزعَ ما في
стр. 10741
صدورهم من غِلٍّ ومن حسد ومن حقد، فلا يحقد أحدٌ على أحد أفضل مرتبة منه، ولا يشتهي من نعيم الجنة إلا على قَدْر عمله ودرجته، فإنْ رأى مَنْ هو أفضل منه درجةً لا يجد في نفسه غِلاً منه، أو حِقْداً عليه؛ لأن موجب الغِلِّ في الدنيا أنْ ترى مَنْ هو أفضل منك.
أما في الآخرة فسوف ترى هذه المسألة بمنظار آخر، منظار النفس الصافية التي لا تعرف الغلَّ، قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً على سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] .
فإنْ رأيت مَنْ هو أعلى منك درجةً فسوف تقول: إنه يستحق ما نال من الخير والنعيم، فقد كان يجاهد نفسه وهواه في الدنيا. ويكفي في وَصْف ما في الجنة من الرزق والنعيم قوله تعالى: ﴿فِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفس وَتَلَذُّ الأعين﴾ [الزخرف: ٧١] .
وقول النبي ﷺ َ: «فيها ما لا عَيْن رأت، ولا إذن سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر» .
إذن: ففي الجنة أشياء لا تقع تحت إدراكنا؛ لذلك ليس في لغتنا ألفاظ تُعبِّر عن هذا النعيم؛ لأنك تضع في اللغة اللفظ الذي أدركتَ معناه، وفي الجنة أشياء لا تدركها ولا عِلْمَ لك بها؛ لذلك حينما يريد الحق ﵎ أن يصِفَ لنا نعيم الجنة بصفة بما نعرف من نعيم الدينا: نخل وفاكهة ورمان ولحم طير وريحان.
ويقول: ﴿مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ
стр. 10742
وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى﴾ [محمد: ١٥] .
مع الفارق بين هذه الأشياء في الدنيا والآخرة. ويكفي أن تعرف الفرق بين خمر الدنيا وما فيها من سوء في طعمها ورائحتها واغتيالها للعقل، وبين خمر الآخرة التي نفى الله عنها السوء، فقال: ﴿لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] .
وقوله: ﴿بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ [مريم: ٦٢] فكيف يأتيهم رزقهم بُكْرة وعشياً، وليس في الجنة وقت لا بُكْرة ولا عَشِياً، لا لَيْل ولا نهار؟ نقول: إن الحق ﵎ يخاطبنا على قَدْر عقولنا، وما نعرف نحن من مقاييس في الدنيا، وإلاّ فنعيم الجنة دائم لا يرتبط بوقت، كما قال سبحانه: ﴿أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥] .
وفي آية أخرى قال تعالى: ﴿أولئك هُمُ الوارثون الذين يَرِثُونَ الفردوس هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١١] .
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿تِلْكَ الجنة التي نُورِثُ﴾
стр. 10743
قوله: ﴿تِلْكَ الجنة﴾ [مريم: ٦٣] أي: التي يعطينا صور لها هي: ﴿التي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً﴾ [مريم: ٦٣] أي: يرثونها، فهل كان في الجنة أحد قبل هؤلاء، فَهُم يرثونه؟
الحق ﵎ قبل أن يخلق الخَلْق عرف منهم مَنْ سيؤمن باختياره، ومَنْ سيكفر باختياره، علم مَنْ سيطيع ومَنْ
стр. 10744
سيعصي، فلم يُرغِم سبحانه عباده على شيء، إنما علم ما سيكون منهم بطلاقة علمه تعالى، إلا أنه تعالى أعدَّ الجنة لتسع جميع الخَلْق إنْ أطاعوا، وأعدَّ النار لتسع جميع الخَلْق إنْ عَصَوْا، فلن يكون هناك إذن زحام ولا أزمة إسكان، إنْ دخل الناس جميعاً الجنة، أو دخلوا جميعاً النار.
إذن: حينما يدخل أهلُ النارِ النارَ، أين تذهب أماكنهم التي أُعِدَّتْ لهم في الجنة؟ تذهب إلى أهل الجنة، فيرثونها بعد أنْ حُرم منها هؤلاء.
ثم يقول رب العزة سبحانه: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾
стр. 10745
هنا ينتقل السياق إلى موضوع آخر، فبعد أنْ تحدَّث عن الجنة وأهلها عرض لأمر حدث لرسول الله ﷺ َ، وهو ما يحدث له حين ينزل عليه الوحي، وقلنا: إن الوحي ينزل بواسطة جبريل ﵇، وهو مَلَكٌ، على محمد ﷺ َ وهو بشر.
ولقاء جبريل بقانون ملكيته بمحمد ﷺ َ بقانون بشريته لا يمكن أن يتم إلاَّ بتقارب هذيْن الجنسين وعملية تغيير لا بُدَّ أنْ تطرأ على أحدهما، إما أَنْ ينزل الملَكُ على صورة بشرية، وإما أن يرتفع
стр. 10746
ببشرية الرسول إلى درجة تقرب من المَلك ليأخذ عنه، وذلك ما كان يحدث لرسول الله حين يأتيه الوحي.
وقد وصف النبي ﷺ َ هذا التغيير فقال: « ... فغطَّني حتى بلغ مني الجهْد ... » وكان ﷺ َ يتفصَّد جبينه عرقاً لما يحدث في جسمه من تفاعل وعمليات كيماوية، ثم حينما يُسرِّي عنه تذهب هذه الأعراض.
وقد أخبر بعض الصحابة، وكان يجلس بجوار رسول الله، والرسول ﷺ َ يضع رُكْبته على رُكْبته، فلما نزل على رسول الله الوحي قال الصحابي: شعرتُ برُكْبة رسول الله وكأنها جبل.
وإذا أتاه الوحي وهودابة كانت الدابة تئط أي: تنخ من ثِقَل الوحي، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ [المزمل: ٥] .
إذن: كان النبي ﷺ َ يتعب بعد هذا اللقاء ويشقُّ عليه، حتى يذهب إلى السيدة خديجة ﵂ يقول: «زَمِّلوني زَمِّلوني» أو «دَثِّروني دَثِّروني» كأن به حمى مما لاقى من لقاء الملَك ومباشرة الوحي أولاً.
стр. 10747
ثم أراد الحق أن يجعل الوحي يفتر عن رسوله ليرتاح من تعبه ومشقته، فإذا ما ارتاح وذهب عنه التعب بقيتْ له حلاوة ما نزل من الوحي، فيتشوق إليه من جديد، كما يشتاق الإنسان لمكانٍ يحبه دونه الأشواك ومصاعب الطريق، فالحب للشيء يحدث علمية كالتخدير، فلا تشعر في سبيله بالتعب.
وقلنا: لما فتر الوحي عن رسول الله شمت فيه الكفار وقالوا: إن رَبَّ محمد قد قلاه يعني: أبغضه وتركه.
وهذا القول دليل على غبائهم وحماقتهم، كيف وقد كانوا بالأمس يقولون عنه: ساحر وكذاب؟ ففي البغض يتذكرون أنه له رباً منع عنه الوحي، وحين دعاهم إلى الإيمان بهذا الرب قالوا: من أين جاء بهذا الكلام؟
لذلك، فالحق ﵎ يخاطب رسول الله ﷺ َ قائلاً: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ الذي أَنقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ١٤] إذن: كانت مسألة الوحي شاقة على رسول الله.
فأراد الحق سبحانه أن يعطي هؤلاء درساً من خلال درس كونيّ مشاهد يشهد به المؤمن والكافر، هذا الأمر الكونيّ هو الزمن، وهو ينقسم إلى ليل ونهار، ولكل منهما مهمته التي خلقه الله من أجلها، كما قال سبحانه:
﴿والليل إِذَا يغشى والنهار إِذَا تجلى﴾ [الليل: ١٢] .
فإياك أنْ تُغيّر مهمة الليل إلى النهار، أو مهمة النهار إلى الليل.
ثم يرد عليهم قائلاً: ﴿والضحى والليل إِذَا سجى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى﴾ [الضحى: ١٤] .
стр. 10748
والمعنى: إنْ كان النهار لحركة الحياة واستبقائها، والليل للراحة والسكون، فهما آيتان متكاملتان لا مُتضادتان، وليس معنى أن يأتي الليل بسكونه أن النهار لن يأتي من بعد، بل سيأتي نهار آخر، وستستمر حركة الحياة.
وكذلك الأمر إنْ فترَ الوحي عن رسول الله، فلا تظنوا أنه انقطع إلىغير رَجْعة، بل هي فترة ليرتاح فيها رسول الله، كالليل الذي ترتاحون فيه من عناء العمل في النهار، ومن هنا كانت الحكمة في أنْ يُقسم بالضحى والليل إذا سجى على ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى﴾ [الضحى: ٣] .
ونلحظ في هذا التعبير دِقّة الإعجاز في أداء القرآن، حيث قال: ﴿مَا وَدَّعَكَ﴾ [ضحى: ٣] بكاف الخطاب؛ لأن التوديع يكون لمَنْ تحب ولمَنْ تكره، أما في القِلَى فلم يقُلْ: قَلاَك. لأن القِلَى لا يكون إلا لمَنْ تكره.
ومعنى: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى﴾ الضحى: ٤] الآخرة أي: الفترة الأخيرة من نزول الوحي خَيْر لك من الفترة الأولى؛ لأنها ستكون أوسع، وستأتيك بلا تَعَب ولا مشقة، وفعلاً نزلت جمهرة القرآن بعد ذلك في يُسْر على رسول الله ﷺ َ.
وهكذا كان الأمر في الآية التي نحن بصددها: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤] فيقال: إنها نزلت حينما قال الكفار: إن ربَّ محمد قد قلاه، أو أنها نزلت بعد أن سأل كفار مكة الأسئلة
стр. 10749
الثلاثة التي تحدثنا عنها في سورة الكهف. وأن رسول الله ﷺ َ قال لهم: «سأخبركم غداً» لكن الوحي لم يأته مدة خمسة عشر يوماً، فشقَّ ذلك عليه وحزِنَ له فنزلت: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤] أي: الملائكة لا تنزل إلا بأمر، ولا تغيب إلا بأمر.
ثم يقول الحق سبحانه تعالى: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذلك﴾ [مريم: ٦٤] .
قوله تعالى: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ [مريم: ٦٤] أي: الذي أمامنا ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ [مريم: ٦٤] أي: في الخلف ﴿وَمَا بَيْنَ ذلك﴾ [مريم: ٦٤] أي: ما بين الأمام والخلف، فماذا بين الأمام والخلف؟ ليس بين الأمام والخلف إلا أنت. فسبحانه وتعالى المالك، الذي له الملك والمملوك، وله المكان والمكين، وله الزمان والزمين.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ [مريم: ٦٤] هل يرسل الحق ﵎ رسولاً، ثم ينساه هكذا دون إمداد وتأييد؟ فسبحانه تنزَّه عن الغفلة وعن النيسان.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿رَّبُّ السماوات والأرض﴾
стр. 10750
أولاً: ما علاقة قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ [مريم: ٦٤] بقوله تعالى في هذه الآية: ﴿رَّبُّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [مريم: ٦٥] ؟
следующие страницы →