Полный текст (14 757 стр.). Показаны 11096–11135 · переход к 11101.
стр. 11096
ساء: قبح ذلك الحمل يوم القيامة؛ لأن الحمل قد لا يكون قبيحاً إنْ كان خيراً، وإن كان شراً فقد يحمله صاحبه في الدنيا ويزول عنه أمّا الوزر فحِمْل سيىء قبيح، لأنه في دار الخُلْد التي لا نهايةَ لها.
стр. 11097
فمتى يكون ذلك؟
стр. 11098
وهو يوم القيامة، والصور: هو البوق الذي يُنفخ فيه النفخة الأولى والثانية، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور فَصَعِقَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض إِلاَّ مَن شَآءَ الله ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] .
وقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمِئِذٍ زُرْقاً﴾ [طه: ١٠٢] .
أي: نجمعهم ونسوقهم زُرْقاً، والزُّرْقة هي لونهم، كما ترى شخصاً احتقن وجهه، وازرقَّ لونه بسبب شيء تعرَّض له، هذه الزُّرْقة نتيجة لعدم السلام والانسجام في كيماوية الجسم من الداخل، فهو انفعال داخلي يظهر أثره على البشرة الخارجية، فكأن هَوْلَ القيامة وأحداثها تُحدِث لهم هذه الزرقة.
والبعض يفسر ﴿زُرْقاً﴾ [طه: ١٠٢] أي: عُمْياً، ومن الزُّرْقة مَا ينشأ عنها العمى، ومنها المياه الزرقاء التي تصيب العين وقد تسبب العمى.
стр. 11099
أي: في هذه الحال التي يُحشرون فيها زرقاً ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [طه: ١٠٣] أي: يُسِرُّون الكلام، ويهمس بعضهم إلى بعض، لا
стр. 11100
يجرؤ أحد منهم أنْ يجهر بصوته من هَوْل ما يرى، والخائف حينما يلاقي من عدوه مَا لا قِبلَ له به يُخفِي صوته حتى لا يُنبهه إلى مكانه؛ أو: لأن الأمر مَهوُل لدرجة الهلع الذي لا يجد معه طاقة للكلام، فليس في وُسْعه أكثر من الهَمْس.
فما وجه التخافت؟ وبِمَ يتخافتون؟
يُسِرُّ بعضهم إلى بعض ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً﴾ [طه: ١٠٣] يقول بعضهم لبعض: ما لبثنا في الدنيا إلا عشرة أيام، ثم يُوضِّح القرآن بعد ذلك أن العشرة هذه كلامهم السطحي، بدليل قوله في الآية بعدها: ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً﴾ [طه: ١٠٤] .
فانتهت العشرة إلى يوم واحد، ثم ينتهي اليوم إلى ساعة في قوله تعالى حكاية عنهم: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يُقْسِمُ المجرمون مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥] فكُلُّ ما ينتهي فهو قصير.
إذن: أقوال متباينة تميل إلى التقليل؛ كأن الدنيا على سَعة عمرها ما هي إلا ساعة: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يلبثوا إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥] .
وما هذا التقليل لمدة لُبْثهم في الدنيا إلا لإفلاسهم وقِلَّة الخير الذي قدَّموه فيها، لقد غفلوا فيها، فخرجوا منها بلا ثمرة؛ لذلك يلتمسون لأنفسهم عُذْراً في انخفاض الظرف الزمني الذي يسَع الأحداث، كأنه لم يكُنْ لديهم وقت لعمل الخير؟؟
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾
стр. 11101
الحق ﵎ يقصُّ على رسوله ﷺ َ في الدنيا ما سيكون من أمر هؤلاء المجرمين في الآخرة، فإذا ما وقعتْ القيامة جاءت الصورة كما حكاها الله لرسوله هي هي؛ ذلك لأن الله تعالى وسع كل شيء علماً.
وهذا القول الذي حكاه القرآن عنهم أمر في اخيتارهم، وقد سمعوا ذلك من رسول الله، وبوسعهم ألاَّ يقولوا، لكن إذا جاءت القيامة فسوف يقولونه بالحرف الواحد لا يُغيِّرون منه شيئاً.
وقوله: ﴿أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ [طه: ١٠٤] يعني: أحسنهم حُكْماً.
ثم يقول الحق ﵎: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجبال﴾
стр. 11102
تكلمنا عن (يسألونك) في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر﴾ [البقرة: ٢١٩] .
والسؤال استفهام يعني: طلب فَهْم يحتاج إلى جواب، والسؤال إما أن يكون من جاهل لعالم، كالتلميذ يسأل أستاذه ليعلم الجواب، أو: من عالم لجاهل، كالأستاذ يسأل تلميذه ليعرف مكانته من العلم وإقراره بما يعلم.
وهذه المسألة حَلَّتْ لنا إشكالاً كان المستشرقون يُوغلون فيه، يقولون: بينما الحق ﵎ يقول: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] يقول في آية أخرى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] فالأولى تنفي السؤال، والثانية تُثبته؛ لذلك اتهموا القرآن بالتضارب بين آياته.
стр. 11103
وهؤلاء معذورون، فليست لديهم المَلَكة العربية لفَهْم الأداء القرآني، وبيان هذه الإشكال أن السؤال يرِدُ في اللغة إمَّا لتعلمَ ما جهلتَ، وإما لتقرير المجيب بما تعلم أنت ليكون حجة عليه.
فالحق سبحانه حين يقول: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] أي: سؤالَ إقرار، لا سؤالَ استفهام، فحين ينفي السؤال ينفي سؤال العلم من جهة المتكلم، وحين يثبت السؤال فهو سؤال التقرير.
والحدث مرة يُنفَى، ومرة يُثبت، لكن جهة النفي مُنفكَّة عن جهة الإثبات، فمثلاً الحق سبحانه يقول لرسوله ﷺ َ: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال: ١٧] .
فنفى الرمي في الأولى، وأثبته في الثانية، والحدث واحد، المثَبت له والمنفيّ عنه واحد هو محمد ﷺ َ. فكيف نخرج من هذا الإشكال؟ أرمَى الرسول أم لم يَرْمِ؟
ولتوضيح هذه المسألة ضربنا مثلاً بالأب الذي جلس بجوار ولده كي يذاكر دروسه، فأخذ الولد يذاكر، ويُقلِّب صفحات الكتاب، وحين أراد الأب اختبار مدى ما حصَّل من معلومات لم يجد عنده شيئاً، فقال للولد: ذاكرت وما ذاكرت. ذاكرت يعني: فعلت فِعْل المذاكر، وما ذاكرت لأنك لم تُحصِّل شيئاً.
فرسول الله ﷺ َ حينما رمى، أيمكنه أنْ يُوصل هذه الرمية إلى أعين الجيش كله؟ إذن: فرسول الله أخذ قبضة من التراب ورمى بها ناحية الجيش، إنما قدرة الله هي التي أوصلتْ حفنة التراب هذه وذَرَّتْها في أعيُنِ الأعداء جميعاً.
стр. 11104
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ٢٦] فنفتْ عنهم العلم، وفي آية أخرى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الحياة الدنيا﴾ [الروم: ٧] فأثبتتْ لهم عِلْماً.
نعود إلى قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجبال﴾ [طه: ١٠٥] وحينما استعرضنا (يَسْألُونَكَ) في القرآن الكريم وجدنا جوابها مسبوقاً ب (قُلْ) كما في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] .
وقوله تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهلة قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج﴾ [البقرة: ١٨٩] وهكذا في كل الآيات، ما عدا قوله تعالى هنا ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجبال فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً﴾ [طه: ١٠٥] فاقترن الفعل (قُلْ) بالفاء، لماذا؟
قالوا: لأن السؤال في كُلِّ هذه الآيات سؤال عن شيء وقع بالفعل، فكان الجواب بقُلْ.
مثل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المحيض قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢] أما ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجبال﴾ [طه: ١٠٥] قال في الجواب ﴿فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً﴾ [طه: ١٠٥] ؛ لأنه حَدَثٌ لم يقع بَعْد.
والحق يُخبر رسوله ﷺ َ أنه سيُسَأل هذا
стр. 11105
السؤال، فكأن الفاء هنا دَلَّتْ على شرط مُقدّر، بمعنى: إنْ سألوك بالفعل فقُلْ: كذا وكذا.
إذن: السؤال عن الجبال لم يكُنْ وقت نزول الآية، أمَّا الأسئلة الأخرى فكانت موجودة، وسُئِلت لرسول الله قبل نزول آياتها.
وقد تأتي إجابة السؤال بدون (قُلْ) كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦] ولم يقُلْ هنا (قُلْ أو فقُلْ) لأنها تدُّل على الواسطة بين الله تعالى وبين عباده، وكأن الحق سبحانه يُوضّح أنه قريب من عباده حتى عن الجواب بقُلْ.
وقد تتعجب: كيف تأتي في القرآن كل هذه الأسئلة لرسول الله مع أن القرآن كتاب منهج جاء بتكاليف قد تشقُّ على الناس؛ لأنه يلزمهم بأمور تخالف ما يشتهون، فكان المفروض ألاَّ يسألوا عن الأمور التي لم ينزل فيها حكم.
نقول: دَلَّتْ أسئلتهم هذه على عِشْقهم لأحكام الله وتكاليفه، فالأشياء التي كانت عاداتٍ لهم في الجاهلية يريدون الآن أنْ يُؤدُّوها على طريقة الإسلام على أنها عبادة، لا مجرد عادة جاهلية.
مع أن النبي ﷺ َ نهاهم عن السؤال فقال: «دعوني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم» .
ومع ذلك سألوا وأرادوا أنْ تُبنَى حياتهم على منهج القرآن من
стр. 11106
الله، لا على أنه إِلْف عادة كانت له في الجاهلية، إذن: هذه الأسئلة ترسيمُ للأمر من جانب الحق .
وقوله تعالى: ﴿فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً﴾ [طه: ١٠٥] تكلمنا عن هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي اليم نَسْفاً﴾ [طه: ٩٧] فالمراد: نُفتِّتها ونذروها في الهواء، وأكَّد النسف، فقال ﴿نَسْفاً﴾ [طه: ٩٧] ليؤكد أن الجبل سيتفتت إلى ذرات صغيرة يذروها الهواء.
فقد يتصوَّر البعض أنْ الجبال تُهَدُّ، وتتحول إلى كُتَل صخرية كما نُفجِّر نحن الصخور الآن إلى قطع كبيرة؛ لذلك أكّد على النسف، وأن الجبال ستكون ذرات تتطاير؛ لذلك قال في آية أخرى: ﴿وَتَكُونُ الجبال كالعهن المنفوش﴾ [القارعة: ٥] أي: كالصوف المندوف.
لكن، لماذا ذكر الجبال بالذات؟
قالوا: لأن الإنسان يرى أنه ابْنُ أغيار في ذاته، وابن أغيار فيما حوله مِمَّا يخدمه من حيوان أو نبات، فيرى الحيوان يموت أو يُذبَح، ويرى النبات يذبل ثم يجفّ ويتفتَّت، والإنسان نفسه يموت وينتهي.
إذن: كل ما يراه حوله بيِّن فيه التغيير والانتهاء، إلا الجبال يراها راسية ثابتة، لا يلحقها تغيير ظاهر على مرِّ العصور.
لذلك يُضرب بها المثل في الثبات، كما في قوله الحق : ﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال﴾ [إبراهيم: ٤٦] .
فالجبال مظهر للثبات، فقد يتساءل الإنسان عن هذا الخلْق الثابت المستقر، ماذا سيفعل الله به؟
стр. 11107
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً﴾
стр. 11108
﴿قَاعاً صَفْصَفاً﴾ [طه: ١٠٦] : أرضاً مستوية مَلْساء لا نباتَ فيها ولا بناء، والضمير في ﴿فَيَذَرُهَا﴾ [طه: ١٠٦] يعود على الأرض لا على الجبال؛ لأن الجبال لا تكون قاعاً صفصفاً، أمّا الأرض مكان الجبال فتصير ملساء مستوية، لا بناءَ فيها ولا جبال، فالأرض شيءٌ والجبال فوقها شيء آخر.
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالذي خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ العالمين وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا في أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ﴾ [فصلت: ٩١٠] .
فالضمير في ﴿وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت: ١٠] لا يعود على الأرض، إنما على الجبال. لأن الجبال في الحقيقة هي مخازن القُوت ومصدر الخِصْب للأرض، التي هي مصدر القوت، فالإنسان مخلوق من الأرض، واستبقاء حياته من الأرض، فالنبات قوت الإنسان وللحيوان، والنبات والحيوان قوت للإنسان.
إذن: لا بُدَّ للأرض من خُصُوبة تساعدها وتُمدّها بعناصر الغذاء، ولو أن الخالق جعل الأرض هكذا طبقةً واحدة بها المخصّبات لانتهتْ هذه الطبقة بعد عدة سنوات، ولأجدبتْ الأرض بعد ذلك.
стр. 11109
إذن: خلق اللهُ الجبالَ لحكمة، وجعلها مصدراً للخصب الذي يمد الأرض مَدَداً دائماً ومستمراً ما بقيتْ الحياة على الأرض، ومن هذا تتضح لنا حكمة الخالق سبحانه في أن تكون الجبال صَخْراً أصمّ، فإذا ما تعرضت لعوامل التعرية على مَرَّ السنين تتفتتْ منها الطبقة الخارجية نتيجة لتغيُّر الظروف المناخية من حرارة وبرودة.
ثم تأتي الأمطار وتعمل في الصخر عمل المَبْرَد، وتُكوِّن ما يسمى بالغِرْيَن، فتحمل هذا الفتات إلى الوِدْيان ومجاري الأنهار، وتُوزِّعه على طبقة الأرض، فتزيدها خِصْباً تدريجياً كل عام، وإلاَّ لو كانت الجبال هَشَّة غير متماسكة لانهالتْ في عدة أعوام، ولم تُؤَدِّ هذا الغرض. لذلك نقول: إن الجبال هي مصدر القوت، وليست الأرض.
ألاَ ترى أن خصوبة الوادي والدلتا جاءت من طمي النيل، والغِرْين الذي يحمله الماء من أعالى أفريقيا. وهذا الغِرْيَن الذي يُنحَتُ من الجبال هو الذي يُسبب الزيادة في رقعة اليابسة، وتستطيع أن تلاحظ هذه الظاهرة في المدن المطِلَّة على البحر، فبعد أن كانت على شاطئه أصبحت الآن داخل الياسبة.
وقد مثَّلْنَا سابقاً للجبل بأنه مُثلث قاعدته إلى أسفل، والوادي مُثلث قاعدته إلى أعلى، فكل نحْتٍ في الجبل زيادة في الوادي، وكأن الخالق جعل هذه الظاهرة لتتناسبَ مع زيادة السكان في الأرض.
стр. 11110
وقد حُذِف العائد في ﴿فَيَذَرُهَا﴾ [طه: ١٠٦] اعتماداً على ذِهْن السامع ونباهته إلى أنه لا يكون إلا ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] فلم يذكر عائد الضمير (هو) لأنه إذا قيل لا ينصرف إلا إلى الحق ، وإنْ لم يتقدم اسمه.
وكما في قوله تعالى: ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ [ص: ٣٢] والمراد: الشمس التي غابت، ففاتتْ سليمان ﵇ الصلاة، ولم تذكر الآية شيئاً عن الشمس.
كذلك في: ﴿مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] أي: على الأرض ولم تذكرها الآية، كذلك هنا (فَيذَرُهَا) أي الأرض.
стр. 11111
أي: كأنها مُسْتوية على «ميزان الماء» لا ترى فيها اعوجاجاً ولا (أَمْتاً) يعني: منخفض ومرتفع، فهي مستوية استواءً تاماً، كما نفعل نحن في الجدار، ونحرص على استوائه.
لذلك نرى المهندس إذا أراد استلام مبنى من المقاول يعتمد إما على شعاع الضوء؛ لأنه مستقيم ويكشف له أدنى عَيْب في الجدار أو على ذرات التراب؛ لأنها تسقط على استقامتها، وبعد عدة أيام تستطيع أن تلاحظ من ذرات التراب ما في الجدار من التواءات أو نتوءات.
стр. 11112
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الداعي﴾
стр. 11113
الداعي: المنادي، كالمؤذِّن الذي كثيراً ما دعا الناس إلى حضرة الله تعالى في الصلاة، فمنهم مَنْ أجاب النداء، ومنهم مَنْ تأبَّى وأعرض، أما الداعي في الآخرة، وهو الذي ينفخ في الصور فلن يتأبَّى عليه أحد، ولن يمتنع عن إجابته أحد.
وقوله: ﴿لاَ عِوَجَ لَهُ﴾ [طه: ١٠٨] لأننا نرى داعي الدنيا حين يُنادِي في جَمْع الناس، يتجه يميناً ويتجه يساراً، ويدور ليُسمع في كُلِّ الاتجاهات، فإذا لم يَصِلْ صوته إلى كل الآذان استيعاباً يستعمل مُكبِّر الصوت مثلاً، أما الداعي في الآخرة فليس له عوج هنا أو هناك؛ لأنه يُسمِع الجميع، ويصل صوته إلى كل الآذان، دون انحراف أو ميْل.
ثم يقول تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الأصوات للرحمن فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً﴾ [طه: ١٠٨] هذا الهمْسُ الذي قال عنه في الآيات السابقة: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [طه: ١٠٣] .
ونعرف أن كل تجمُّع كبير لا تستطيع أنْ تضبط فيه جَلبة الصوت، فما بالك بجَمْع القيامة من لَدُنْ آدم ﵇ حتى قيام الساعة، ومع ذلك: ﴿وَخَشَعَتِ الأصوات للرحمن فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً﴾ [طه: ١٠٨] فلماذا كتمت هذه الأصوات التي طالما قالتْ ما تحب، وطالما كان لها جلبة وضجيج؟
стр. 11114
الموقف الآن مختلف، والهَوْل عظيم، لا يجرؤ أحد من الهَوْل على رَفْع صوته، والجميع كُلٌّ منشغل بحاله، مُفكّر فيما هو قادم عليه، فإنْ تحدّثوا تحدّثوا سِرّاً ومخافتة: ماذا حدث؟ ماذا جرى؟
وكذلك نحن في أوقات الشدائد لا نستطيع الجهر بها، كما حدث لما مات سعد زغلول ﵀ وكان أحمد شوقي وقتها في لبنان، فسمع الناسَ يتخافتون، ويهمس بعضهم إلى بعض بأن سعداً قد مات، ولا يجرؤ أحد أن يجهر بها لِهَوْل هذا الحادث على النفوس، فقال شوقي:
يَطأُ الآذَانَ هَمْساَ والشِّفَاهَا ... قُلْتُ يا قَوْم اجمعُوا أحْلامكُمْ ... كُلُّ نَفْسٍ في وَريديْها رَدَاهَا
ثم يقول الحق ﵎: ﴿يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشفاعة﴾
стр. 11115
والشفاعة تقتضي مشفوعاً له وهو الإنسان. وشافعاً وهو الأعلى منزلةً، ومشفوعاً عنده: والمشفوع عنده لا يسمح بالشفاعة هكذا
стр. 11116
ترتجلها من نفسك، إنما لا بُدَّ أنْ يأذنَ لك بها، وأنْ يضعَك في مقام ومرتبة الشفاعة، وهذا شَرْط في الشافع.
وقوله تعالى: ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ [طه: ١٠٩] هذه للمشفوع له، أن يقول قولاً يرضى الله عنه وإنْ قصَّر في جهة أخرى وخَيْر ما يقوله العبد ويرضى عنه الله أن يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فهذه مَقُولة مَرْضيَّة عند الله، وهي الأمل الذي يُتعلق به، والبُشّْرى لأهل المعاصي؛ لأنها كفيلة أن تُدخِلهم في شفاعة النبي ﷺ َ.
فإذا كان لديك خَصْلة سيئة، أو نقطة ضعف في تاريخك تراها عقبةً فلا تيأس، وانظر إلى زاوية أخرى في نفسك تكون أقوى، فأكثِرْ بها الحسنات، لأن الحسنات يُذهِبْن السيئات.
стр. 11117
معنى ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [طه: ١١٠] ما أمامهم، ويعلم ما خلفهم، أما أنت فلا تحيط به عِلْماً، ولا تعرف إلا ما يُخبرك به، إلا أن تكون هناك مقدمات تستنبط منها، لأن ما ستره الحق في الكون كثير، منه ما جعل له مقدمات، فمَنْ ألمَّ بهذه المقدمات يصل إليها.
ومع ذلك لا يقال له: عَلِم غيباً. إنما اكتشف غيباً بمقدمات أعطاها له الحق ، كما نعطي التلميذ تمريناً هندسياً، ونذكر له المعطيات، فيستدل بالمعطيات على المطلوب.
والكون ملىء بالأشياء والظواهر التي إنْ تأملناها وبحثْناها ولم
стр. 11118
نُعرِض عنها وجدنا فيها كثيراً من الأسرار، فبالنظر في ظواهر الكون اكتشفوا عصر البخار ويسَّروا الحركة على الناس، وبالنظر في ظواهر الكون اكتشف أرشميدس قانون الأجسام الطافية، واكتشفوا البنسلين. . إلخ.
هذه كلها ظواهر موجودة في كون الله، كانت تنتظر مَنْ يُنقِّب عنها ويكتشفها؛ لذلك ينعى علينا الحق ﵎: ﴿وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥] .
فلو التفتوا إليها الالتفات الحق لانتفعوا بها.
لكن هناك أشياء استأثر الله تعالى بعلمها، وقد يعطيها لمن أحبَّ من عباده، ويُطلِعهم عليها، أو تظل في علم الله لا يعرفها أحد.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَعَنَتِ الوجوه لِلْحَيِّ القيوم﴾
стр. 11119
الوجه أشرف وأكرم شيء في تكوين الإنسان، وهو الذي يُعطِي الشخص سِمَته المميزة؛ لذلك يحميه الإنسان ويحفظه، ألاَ ترى لو أصاب وجهك غُبَار أو تراب أو طين مثلاً تمسحه بيدك، لم تزِدْ على أنك جعلْتَ ما في وجهك في يدك لماذا؟ لأنه أشرف شيء فيك.
لذلك، كان السجود لله تعالى في الصلاة علامة الخضوع والخشوع والذلَّة والانكسار له ، ورضيتَ أن تضع أشرف
стр. 11120
جزءٍ فيك على الأرض وتباشر به التراب، والإنسان لا يعنُو بوجهه إلا لمَنْ يعتقد اعتقاداً جازماً بأنه يستحقُّ هذا السجود، وأن السجود له وحده يحميه من السجود لغيره، كما قال الشاعر:
والسُّجُودُ الذِي تَجْتَوِيِه ... مِن أُلُوفِ السُّجُودِ فيهِ نَجَاةُ
فاسْجُدْ لواحد يكْفك السجود لسواه، واعمل لوجه واحد يكْفك كل الأوْجُه.
وقوله: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً﴾ [طه: ١١١] حمل: يعني أخذه عبئاً ثقيلاً عليه. والظلم في أصله أنْ تأخذَ خيراً ليس لك لتنتفع به وتزيد ما عندك، فأنت في الظاهر تزداد كما تظن، إنما الحقيقة أنك تُحمِّل نفسك وِزْراً وحملاً ثقيلاً، سوف تنوء به، وازددْتَ إثماً لا خيراً.
والظلم مراتب ودرجات، أدناها أنْ تأخذ ما ليس لك وإن كان حقيراً لا قيمة له، أو تظلم غيرك بأنْ تتناوله في عِرْضه، ثم ترقى الظلم إلى أنْ تصلَ به إلى القمة، وهو الشرك بالله، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .
وهو عظيم؛ لأنك أخذتَ حقّاً لله تعالى، وأعطيته لغيره.
إذن: فحاول أن تَسْلَم من هذه الآفة؛ لأن الله قال فيها: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨] .
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات﴾
стр. 11121
الصالحات: هي الأعمال التي تعود بالخير عليك أو على غيرك، وأضعفُ الإيمان في عمل الصالح أن تترك الصالح في ذاته على صلاحه فلا تفسده، كأن تجد بئراً يشرب منه الناس فلا تطمسه ولا تلوثه. فإنْ رقيت العمل الصالح فيمكنك أن تزيد من صلاحه، فتبنى حوله جداراً يحميه أو تجعل له غطاءً. . إلخ.
ومن رحمة الله بنا أنه سبحانه حينما حثَّنا على العمل الصالح قال: ﴿مِنَ الصالحات﴾ [طه: ١١٢] ومن هنا للتبعيض، فيكفي أنْ تفعل بعض الصالحات؛ لأن طاقة الإنسان لا تسع كل الصالحات ولا تقوى عليها، فحسْبُك أن تأخذ منها طرفاً، وآخر يأخذ طرفاً، فإذا ما تجمعتْ كل هذه الأطراف من العمل الصالح من الخلق كوَّنَتْ لنا الصلاح الكامل.
كما سبق أن ذكرنا أن ليس بوسع أحد منا أن يجمع الكمال المحمدي في أخلاقه، والرسول ﷺ َ يقول: «الخير فيَّ حقاً وفي أمتي إلى يوم القيامة» .
ففي كل فرد من أفراد الأمة خصلة من خصال الخير، بحيث إذا تجمعت خصال الكمال في الخلق أعطتنا الكمال المحمدي.
وقوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [طه: ١١٢] لأن الإيمان شرط في قبول العمل الصالح، فإنْ جاء العمل الصالح من غير المؤمن أخذ أجره في الدنيا ذِكْراً وشُهْرة وتخليداً لذكراه، فقد عمل ليقال وقد قيل، وانتهتْ المسألة.
стр. 11122
ثم يقول تعالى: ﴿فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً﴾ [طه: ١١٢] والظلم هنا غير الظلم في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً﴾ [طه: ١١١] فالظلم هنا من الإنسان لنفسه أو لغيره، إنما ﴿فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً﴾ [طه: ١١٢] أي: ظُلْماً يقع عليه، بألاَّ يأخذ حقه على عمله، بمعنى أننا لا نعاقبه على سيئة لم يعملها، ولا نضيع عليه ثواب حسنة عملها؛ لأن الحق سبحانه لا يظلم الناس مثقال ذرة.
﴿وَلاَ هَضْماً﴾ [طه: ١١٢] الهَضْم يعني النقصان، فلا ننقصه أجره وثوابه، ومنه هضم الطعام، فكمية الطعام التي نأكلها تُهضَم ثم تُمتصّ، وتتحول إلى سائل دموي، فتأخذ حَيِّزاً أقل، ومنه نقول: فلان مهضوم الحق. يعني: كان له حق فلم يأخذه.
لكن، ما فائدة عطف (هَضْماً) على (ظُلْماً) فنَفْي الظلم نَفْي للهضم؟ نقول: لأنه مرة يُبطل الثواب نهائياً، ومرة يُقلِّل الجزاء على الثواب.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وكذلك أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾
стр. 11123
(كَذَلِكَ) أي: كالإنزال الذي أنزلناه إلى الأمم السابقة، فكما أرسلنا إليهم رُسُلاً أرسلنا إلى الأمم المعاصرة لك رسلاً، إلا أنْ فارق الرسالات أنهم بُعِثُوا لزمان محدود، في مكان محدود، وبُعثْتَ
стр. 11124
للناس كافّة، وللزمان كافة إلى أنْ تقوم الساعة.
ونفهم من كلمة ﴿أَنزَلْنَاهُ﴾ [طه: ١١٣] أن المُنزَّل أعلى من المُنزَّل عليه، فالإنزال من شيء عالٍ، وكأن الحق ﵎ يلفت أنظارنا ويُصعِّد هممنا، فيقول: لا تهبطوا إلى مستوى تشريع الأرض؛ لأنه يُقنِّن للحاضر ويجهل المستقبل، ويتحكم فيه الهوى فتغيب عنه أشياء فيحتاج إلى استدراك.
لذلك، حين ينادينا إلى منهجه العلوي يقول: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ﴾ [الأنعام: ١٥١] يعني: اعلوا وخُذُوا منهجكم من أعلى، لا من الأرض.
﴿قُرْآناً﴾ [طه: ١١٣] يعني: مقروء، كما قال ﴿كِتَاباً﴾ [الأنبياء: ١٠] يعني: مكتوب، ليُحفظ في الصدور وفي السطور. وقال ﴿قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ [طه: ١١٣] مع أن النبي ﷺ َ مُرْسَل إلى الناس كافة في امتداد الزمان والمكان، والقرآن نزل معجزة للجميع.
قالوا: لأنه ﷺ َ هو المباشر لهذه الأمة العربية التي ستستقبل أول دعوة له، فلا بُدَّ أنْ تأتي المعجزة بلسانها، كما أن معجزة القرآن ليستْ للعرب وحدهم، إنما تحدٍّ للإنس والجن على امتداد الزمان المكان.
كما قال سبحانه: ﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] .
فالقرآن تحدٍّ لكل الأجناس: الروسي، والأمريكي، والياباني، والدنيا كلها، ومعهم الجن أيضاً. لكن لماذا والجن أيضاً داخل في مجال التحدي؟
стр. 11125
قالوا: لأن العرب قديماً كانوا يعتقدون أن لكل شاعر أو خطيب مفوه شيطاناً يمُدُّه ويُوحِي إليه؛ لذلك أدخل الجن أيضاً في هذا المجال.
وقد يقول قائل: وكيف نتحدّى بالقرآن غير العرب وهو بلسان عربي، فهو حجة على العرب دون غيرهم؟
نقول: وهل إعجاز القرآن من حيث أسلوبه العربي وأدائه البياني فقط؟ لا، فجوانب الإعجاز في القرآن كثيرة لا تختلف فيها اللغات، فهل تختلف اللغات في التقنين لخير المجتمع؟ ألم يأْتِ القرآن بمنهج في أمة بدوية أمية يغزو أكبر حضارتين معاصرتين له، هما حضارة فارس في الشرق، وحضارة الروم في الغرب؟ ألم تكُنْ هذه الظاهرة جديرةً بالتأمل والبحث؟
ثم الكونيات التي تحدَّث القرآن عنها منذ ما يزيد على أربعة عشر قرناً، وما زال العلم الحديث يكتشفها الآن.
إذن: طبيعي أن يأتي القرآن عربياً؛ لأنه نزل على رسول عربي، وفي أمة عربية، والحق سبحانه يقول: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] .
فهم الذين يستقبلون الدعوة، وينفعلون لها، ويقتنعون بها، ثم ينساحون بها في شتَّى بقاع الأرض، ومن العجيب أنهم بدعوة القرآن أقنعوا الدنيا التي لا تعرف العربية، أقنعوها بالمبادىء والمناهج التي جاء بها القرآن؛ لأنها مبادىء ومناهج لا تخلتف عليها اللغات.
ثم يقول تعالى: ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الوعيد﴾ [طه: ١١٣] أي: حينما ينذر القرآن بشيء يُصرف هذا الإنذار على أوجه مختلفة، ويُكرَّر الإنذار لينبه أهل الغفلة.
стр. 11126
يعني: لوَّنا فيه كل أساليب الوعد والوعيد، فكل أسلوب يصادف هوى في نفس أحد المستقبلين، فخطابنا الأهواء كلها بكل مستوياتها، فالعالم والجاهل ومتوسط الفكر، الكل يجد في القرآن مَا يناسبه؛ لأنه يُشرِّع للجميع، للفيلسوف وللعامي، فلا بُدَّ أنْ يكون في القرآن تصريفٌ لكل ألوان الملكات ليقنع الجميع.
وفي القرآن وَعْد ووعيد، فلكل منهما أهْل، ومَنْ لم يَأْتِ بالإغراء بالخير يأتي بأن ينزعه بالقوة والجبروت، كما قال الشاعر:
أَنَاةٌ فَإِنْ لم تُغْنِ عَقَّبَ بعدَها وَعِيداً ... فَإنْ لم يُغْن أغنَتْ عَزَائمهُ
وفي الأثر: «إن الله ليزع بالسلطان ما لايزع بالقرآن» .
والإنذار والتخويف نعمة من الله، كما ورد في سورة الرحمن، حيث يقول تعالى: ﴿مَرَجَ البحرين يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٩٢١] فهذه نعم من الله.
أما قوله: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٣٥٣٦] فما النعمة في النار والشُّواظ؟
النعمة أن ينذرك الله بها ويحذرك منها، قبل أنْ تقعَ فيها، ويعظك بها وأنت ما زلتَ في فترة المهلة والتدارك، فلا يأخذك على غِرَّة ولا يتركك على غفلتك. كما تُحذِّر ولدك: إنْ أهملتَ دروسك
стр. 11127
فسوف تفشل في الامتحان فيحتقرك زملائك، ويحدث لك كيت وكيت، فلم يترك ولده على غَفْلته وإهماله، إلى أنْ يداهمه الامتحان ويُفاجِئه الفشل، أليستْ هذه نعمة؟ أليستْ نصيحة مهمة؟
والتصريف: يعني التحويل والتغيير بأساليب شتَّى لتناسب استقبال الأمزجة المختلفة عند نزول القرآن لعلها تصادف وَعْياً واهتماماً ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً﴾ [طه: ١١٣] .
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [طه: ١١٣] الاتقاء عادة يكون للشر والمعاصي المهلكة، أو يُحدِث لهم الذكْر والشرف والرفعة بفعل الخيرات، وهذا من ارتقاءات الطاعة.
ذلك لأن التكليف قسمان: قسم ينهاك عن معصية، وقسم يأمرك بطاعة، فينهاك عن شُرْب الخمر، ويأمرك بالصلاة، فهم يتقون الأول، ويُحدِث لهم ذِكْراً يوصيهم بعمل الثاني. وما دام القرآن نازلاً من أعلى فلا بُدَّ أن يقول بعدها: ﴿فتعالى الله الملك الحق﴾
стр. 11128
﴿تعالى﴾ [طه: ١١٤] تنزّه وارتفع عن كل ما يُشبه الحادث، تعالى ذاتاً، فليستْ هناك ذاتٌ كذاته، وتعالى صفاتاً فليست هناك صفة كصفته، فإنْ وُجِدَتْ صفة في الخَلْق تشبه صفة في الخالق سبحانه، فخُذْها في ضوء ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] .
فالحق سبحانه لا يضنُّ على عبده أنْ يُسميه خالقاً إنْ أوجد شيئاً من عدم، إنما لما تكلم عن خَلْقه سبحانه، قال: ﴿فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين﴾ [المؤمنين: ١٤] .
стр. 11129
فأنت خالق، لكن ربَّك أحسَنُ الخالقين، فأنت خلقتَ من موجود أمّا ربك فقد خلق من العدم، أنت خلقتَ شيئاً جامداً على حالة واحدة، والله خلق خَلْقاً حياً نامياً، يُحسُّ ويتحرك ويتكاثر، وسبق أنْ مثَّلنا لذلك ولله المثل الأعلى بصانع الأكواب الزجاجية من الرمال، وأوضحنا الفرق بين خَلْق وخَلْق.
وقوله تعالى: ﴿فتعالى الله الملك الحق﴾ [طه: ١١٤] تلفتنا إلى ضرورة التطلع إلى أعلى في التشريع. فما الذي يُجبرك أنْ تأخذ تشريعاً من عبد مثلك؟ ولماذا يأخذ هو تشريعك؟ إذن: لا بُدَّ أن يكون المشرِّع أعلى من المشرَّع له.
ومن ألفاظ تنزيه الله التي لا تُقال إلا له سبحانه كلمة (سبحان الله) أسمعتَ بشراً يقولها لبشر؟ وهناك كفرة وملاحدة ومنكرون للألوهية ومعاندون، ومع ذلك لم يقُلْها أحد مَدْحاً في أحد.
كذلك كلمة (تعالى وتبارك) لا تُقال إلا لله، فنقول: (تباركت ربنا وتعاليت) أي: وحدك لا شريك لك.
فقوله: ﴿فتعالى الله﴾ [طه: ١١٤] علا قَدْره وارتفع التنزيه ارتفاعاً لا يوصل إليه، أمّا التعالي في البشر فيما بينهم فأمْر ممقوتٌ؛ أما تعالى الحق سبحانه فمن مصلحة الخلق، وهذه اللفتة يُعَبِّر عنها أهل الريف، يقولون (اللي ملوش كبير يشتري له كبير) ؛ لأن الكبير هو الذي سيأخذ بيد الضعيف ويدكّ طغيان القوى، فإذا لم يكُنْ لنا كبير نختلف ونضيع.
إذن: من مصلحة الكون كله أنْ يكونَ الله متعالياً، والحق ليس متعالياً علينا، بل متعالٍ من أجلنا ولصالحنا، فأيُّ مُتعالٍ أو جبار من
стр. 11130
البشر عندما يعلم أن الله أعلى منه يندكّ جبروته وتعاليه، وأيّ ضعيف يعلم أن له سنداً أعلى لا يناله أحد، فيطمئن ويعيش آمناً وبذلك يحدث التوازن الاجتماعي بين الناس.
ونحن نحب عبوديتنا لله ، وإنْ كانت العبودية كلمة بغيضة مكروهة حين تكون عبودية الخَلْق للخَلْق فيأخذ السيد خَيْر عبده، إلا أن العبودية لله شرف وكرامة؛ لأن العبد لله هو الذي يأخذ خَيْر سيده، فأنا عبد لله وعبوديتي له لصالحي أنا، ولن أزيد في مُلْكه شيئاً، ولن ينتفع من ورائي بشيء؛ لأنه سبحانه زوال مُلْكه وزوال سلطانه في الكون قبل أن يخلق الخَلْق، فبقدرته وعظمته خلق، وقبل أنْ توجد أنت أيها الإنسان الطاغي المتمرد أوجد لك الكون كله بما فيه.
فأنت بإيمانك لن تزيد شيئاً في مُلْك الله، كما جاء في الحديث القدسي: «يا عبادي إنكم لن تملكوا نفعي فتنفعوني، ولن تملكوا ضري فتضروني. .» فأنا إنْ تصرَّفْتُ فيكم فلمصلحتكم، لا يعود عليَّ من ذلك شيء.
وقوله تعالى: ﴿الملك الحق﴾ [طه: ١١٤] لأن هناك ملوكاً كثيرين، أثبتَ الله لهم الملْك وسمَّاهم مُلُوكاً، كما قال سبحانه: ﴿وَقَالَ الملك ائتوني بِهِ﴾ [يوسف: ٥٠] وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ الله الملك﴾ [البقرة: ٢٥٨] .
إذن: في الدنيا ملوك، لكنهم ليسوا مُلوكاً بحق، الملك بحق هو الله؛ لأن ملوك الدنيا ملوك في مُلْك موهوب لهم من الله، فيمكن أن
стр. 11131
يفوت مُلْكَه، أو يفوته المْلكُ، وأيُّ مُلْك هذا الذي لا يملكه صاحبه؟ أيّ مُلْك هذا الذي يُسلب منك بانقلاب أو بطلقة رصاص؟
إذن: الملِك الحق هو الله، وإن ملَّك بعض الخلق شئون بعض لمصلحتهم، فهو سبحانه الذي يهَب الملْك، وهو الذي ينزعه إن أراد: ﴿تُؤْتِي الملك مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] .
فالحق سبحانه له الملْك الحق، ويهَبُ من مُلْكه لمَنْ يشاء، لكن يظل المَلِك وما مَلَكه في قبضة الله؛ لأنه سبحانه قيُّوم على خَلْقه لا يخرج أحد عن قيوميته.
وقد نسمع مَنْ يسبُّ الملوك والرؤساء، ومَنْ يخوض في حقهم، وهو لا يدري أن مُلْكهم من الله، فهو سبحانه الذي ملّكهم وفوَّضهم، ولم يأخذ أحد منه مُلْكاً رَغْماً عن الله، فلا تعترض على اختيار الله واحترم مَنْ فوَّضه الله في أمرك، واعلم أن في ذلك مصلحة البلاد والعباد، ومَنْ يدريك لعلَّ الطاغية منهم يصبح غَداً واحداً من الرعية.
إذن: الحق سبحانه ملَّك بعض الناس أمْر بعض: هذا يتصرف في هذا، وهذا يملك هذا لتسير حركة الكون، فإذا كانت القيامة، قال : ﴿لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار﴾ [غافر: ١٦] هذا هو الملْك الحق.
ومن عظمته في التعالى أنه يريحك هو سبحانه بعمله لك، فيقول لك: نَمْ مِلْءَ جفونك، فأنا لا تأخذني سِنَة ولا نوم، نَمْ فلكَ رب قيوم قائم على أمرك يرعاك ويحرسك.
ومن معاني ﴿الملك الحق﴾ [طه: ١١٤] أي: الثابت الذي لا يتغير، وكُلُّ ظاهرة من ظواهر القوة في الكون تتغير إلا قوة الحق
стр. 11132
تبارك وتعالى لذلك يُلقِي سبحانه أوامره وهو واثق أنها ستُنفذ؛ لأنه سبحانه مِلكٌ حقّ، بيده ناصية الأمور كلها، فلو لم يكُنْ سبحانه كذلك، فكيف يقول للشيء: كُنْ فيكون؟ فلا يعصاه أحد، ولا يخرج عن طَوْعه مخلوق، فيقول له: كُنْ فلا يكون.
فالحق ﵎ أنزل القرآن عربياً، وصرَّف فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكراً؛ لأنه من حقه أن يكون له ذلك؛ لأنه مَلِك حق ليس له هوى فيما شرع؛ لذلك يجب أن تقبل تشريعه، فلا يطعن في القوانين إلا أن تصدر عن هوى، فإنْ قنَّن رأسمالي أعطَى الامتياز للرأسماليين، وإنْ قنَّن فقير أعطى الامتياز للفقراء، والله لا ينحاز لأحد على حساب أحد.
وأيضاً يجب في المقنِّن أن يكون عالماً بمستجدَّات الأمور في المستقبل، حتى لا يستدرك أحد على قانون فيُغيِّره كما يحدث معنا الآن، وتضطرنا الأحداث إلى تغيير القانون؛ لأننا ساعة شرعناه غابتْ عنا هذه الأحداث، ولم نحتط لها؛ لذلك لا استدراكَ على قانون السماء أبداً.
وطالما أن الحق هو ﴿الملك الحق﴾ [طه: ١١٤] فلا بُدَّ أنْ يضمن للخلق أنْ يصلهم الكتاب والمنهج كما قاله سبحانه، لا تغيير فيه؛ لذلك قال : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .
نحن الذين سنحفظه؛ لأن البشر جُرِّبوا في حِفْظ مناهج السماء، ولم يكونوا أمناء عليها، فغيَّروا في التوراة وفي الإنجيل وفي الكتب المقدَّسة، إما بأن يكتموا بعض ما أنزل الله، وإما أنْ ينسُوا بعضه،
стр. 11133
والذي ذكروه لم يتركوه على حاله بل حرَّفوه. وإنْ قُبِل منهم هذا كله فلا يُقبَل منهم أنْ يفتَرُوا على الله فيُؤلِّفون من عندهم، ويقولون: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله﴾ [آل عمران: ٧٨] .
ذلك لأن الحفْظ للمنهج كان موكولاً للبشر تكليفاً، والتكليف عُرْضَة لأنْ يُطَاع، ولأن يُعْصَى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا التوراة فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النبيون الذين أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ والربانيون والأحبار بِمَا استحفظوا مِن كِتَابِ الله﴾ [المائدة: ٤٤] .
أي: طلب منهم أن يحفظوها بهذا الأمر التكليفي، فعَصَوْه نسياناً، وكتماناً، وتحريفاً، وزيادة؛ لذلك تولّى الحق ﵎ حفْظ القرآن؛ لأنه الكتاب الخاتم الذي لا استدراكَ عليه، وضمن سبحانه للقرآن ألاَّ يُحرَّف بأيِّ وجه من أَوْجُه التحريف.
فاطمئنوا إلى أن القرآن كتاب الله الذي بين أيديكم هو كلام الله الذي جاء من علمه تعالى في اللوح المحفوظ الذي قال عنه: ﴿فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ المطهرون﴾ [الواقعة: ٧٨٧٩] .
ثم نزل به الروح الأمين، وهو مُؤتَمن عليه لم يتصرَّف فيه، ثم نزل على قلب سيد المرسلين الذي قال الله عنه: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل لأَخَذْنَا مِنْهُ باليمين﴾ [الحاقة: ٤٤٤٥] .
إذن: حُفِظ القرآن عِلْماً في اللوح المحفوظ، وحُفِظ في أمانة مَنْ نزل به من السماء، وحُفِظ في مَنْ استقبله وهو النبي ﷺ َ، فلا حجةَ لنا بعد أن جمع الحق للقرآن كُلَّ ألوان الحفظ.
стр. 11134
لذلك كان ولا بُدَّ حين يُنزِل الله القرآن على رسوله أن يقول له: ﴿فتعالى الله الملك الحق﴾ [طه: ١١٤] فليست هناك حقيقة بعد هذا أبداً، وليس هناك شيء ثابت ثبوتَ الحق .
ثم يقول تعالى ﴿وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن مِن قَبْلِ أَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] وهذه مُقدِّمات ليطمئن رسول الله على حِفْظ القرآن؛ لأنه ﷺ َ كان ينزل عليه الوحي، فيحاول إعادته كلمة كلمة. فإذا قال الوحي مثلاً: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ [الجن: ١] فيأخذ الرسول من تكرارها في سِرَّه ويُردِّدها خلف جبريل ﵇ مخافة أنْ ينساها لشدة حِرْصه على القرآن.
فنهاه الله عن هذه العجلة ﴿وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن﴾ [طه: ١١٤] أي: لا تتعجل، ولا تنشغل بالتكرار والترديد، فسوف يأتيك نُضْجها حين تكتمل، فلا تَخْشَ أنْ يفوتك شيءٌ منه طالما أنني تكفَّلْتُ بحِفْظه؛ لذلك يقول له في موضع آخر: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى﴾ [الأعلى: ٦] .
فاطمئن ولا تقلق على هذه المسألة؛ لأن شغلك بحفظ كلمة قد يُفوِّت عليك أخرى.
والعَجَلة أنْ تُخرِج الحدث قبل نُضْجه، كأن تقطف الثمرة قبل نُضْجها وقبل أوانها، وعند الأكل تُفَاجأ بأنها لم تَسْتَوِ بعد، أو تتعجل قَطْفها وهي صغيرة لا تكفي شخصاً واحداً، ولو تركتها لأوانها لكانت كافية لعدة أشخاص.
стр. 11135
والقرآن كلام في مستوى عَالٍ من البلاغة، وليس كلاماً مألوفاً له يسهُل عليه حِفْظه؛ لذلك كان حريصاً على الحِفْظ والتثبيت.
وفي آية أخرى يُوضِّح الحق سبحانه هذه المسألة: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦١٨] أي: لما تكتمل الآيات فلكَ أنْ تقرأها كما تحب.
وهذه الظاهرة من معجزات النبي ﷺ َ، نبي ينزل عليه عدة أرباع من القرآن، أو السورة كاملة، ثم حيث يُسري عنه الوحي يعيدها كما أُنزِلتْ عليه، ولك أن تأتي بأكثر الناس قدرة على الحفظ، واقرأ عليه المدة عشر دقائق مثلاً من أي كتاب أو أي كلام، ثم اطلب منه إعادة ما سمع فلن يستطيع.
أما النبي ﷺ َ فكان يأمر الكَتبة بكتابة القرآن، ثم يمليه عليهم كما سمعه، لا يُغير منه حرفاً واحداً، بل ويُملي الآيات في موضعها من السور المختلفة فيقول: «ضعوا هذه في سورة كذا، وهذه في سورة كذا» .
ولو أن السورة نزلت كاملة مرة واحدة لكان الأمر إلى حَدٍّ ما سهلاً، إنما تنزل الآيات متفرقة، فإذا ما قرأ ﷺ َ في الصلاة مثلاً قرأ بسورة واحدة نزلتْ آياتها متفرقة، هذه نزلت اليوم، وهذه نزلت بالأمس، وهكذا، ومع ذلك يقرؤها مُرتَّبة آية آية.
وقوله تعالى بعدها: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] وخاطب
следующие страницы →